← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارًا. وقيل: بوزنه مِسْكًا، ووزنه حريرًا، ووزنه وَرِقًا. فالله أعلم. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: وكما قيَّضْنا هذا العزيز وامرأتَه يُحسنان إليه ويعتنيان به، مكنَّا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: فهمها. وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنه يُقَيِّضُ له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] فدلَّ على أن هذا كلَّه كان وهو قبل بلوغ الأشدِّ، وهو حدُّ الأربعينَ الذي يُوحي الله فيه إلى عباده النَّبييِّنَ عليهم الصلاة والسلام من ربِّ العالمين. وقد اختلفوا في مُدَّة العمر الذي هو بلوغُ الأَشُد (١)، فقال مالك وربيعة وزيد ين أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضَّحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السُّدِّي: ثلاثون سنة. وقال ابن عبَّاس ومُجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. ويشهدُ له قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩]. يذكرُ تعالى ما كان من مُراودة امرأة العزيز ليوسفَ ﵇ عن نفسه، وطلبها منه ما لا يليقُ بحاله ومَقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلَّقتِ الأبوابَ عليها وعليه، وتهيَّأتْ له، وتصنَّعتْ، ولبستْ أحسنَ ثيابها، وأفخرَ لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير. قال ابن إسحاق: وبنت أخت الملك الريَّان بن الوليد صاحب مصر. وهذا كلُّه مع أنَّ يوسفَ ﵇ شابٌّ بديعُ الجمال والبَهاء إلا أنَّه نبيٌّ من سُلالة الأنبياء، فعصمَه ربُّه عن الفحشاء، وحماه عن مَكْر النساء، فهو سَيِّدُ السادة النُّجباء السبعة الأتقياء، المذكورينَ في الصحيحين عن خاتم الأنبياء، في قوله ﵊ من ربِّ الأرض والسماء: "سبعةٌ يظلُّهم اللّه

стр. 387

في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاظِلُّه: إمامٌ عادل، ورجلٌ ذكرَ اللّه خاليًا ففاضتْ عيناه، ورجلٌ مُعلَّقٌ قلبُه (١) بالمسجد إذا خرجَ منه حتَّى يعودَ إليه، ورجلان تحابَّا في اللّه اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفقُ يمينُه، وشابٌ نشأ في عبادة اللّه، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ اللّه" (٢). والمقصود: أنها دعتْه إليها وحرصتْ على ذلك أشدَّ الحِرْص، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني زوجها صاحب المنزل سيِّدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي: أحسنَ إليّ وأكرمَ مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وقد تكلَّمنا على قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير. وأكثرُ أقوال المفسرين هاهنا متلقَّى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا. والذي يجبُ أن يُعتقد أنَّ اللّه تعالى عصمَه (٣) وبرَّأه، ونرهه عن الفاحشة، وحماه عنها، وصانَه منها. ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: هربَ منها طالبًا إلى الباب ليخرجَ منه فِرارًا منها، فاتَّبعتْه في أثره ﴿وَأَلْفَيَا﴾ [أي: وجدا] (٤). ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجَها لدى الباب، فبدرتْه بالكلام وحرَّضْته عليه ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. اتَّهمته وهي المتَّهَمة، وبرَّأتْ عِرْضَها ونزَّهَتْ ساحتَها. فلهذا قال يوسف ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج إلى أن يقولَ الحقَّ عند الحاجة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: كان صغيرًا في المهد، قاله ابن عباس. ورُوي عن أبي هريرة، وهلال بن يساف، والحسن البصري، وسعيد بن جُبير، والضَّحَّاك، واختاره ابن جرير (٥). وروى فيه حديثًا مرفوعًا عن ابن عباس (٦)، ووقفَه غيرُه عنه. وقيل: كان رجلًا قريبًا إلى "أطفير" بعلها. وقيل: قريبًا إليها. وممن قال: إنه كان

стр. 388

رجلًا (١): ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أسلم. فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: لأنه يكونُ قد راودَها فدافعْته حتى قَدّت (٢) مُقَدَّم قميصه ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: لأنه يكونُ قد هربَ منها، فاتَّبعتْه وتعلَّقتْ فيه، فانشقَّ قميصُه لذلك، وكذلك كان. ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جرى من مكركنَّ، أنتِ راودتِه عن نفسه. ثم اتَّهمْتِه بالباطل، ثم ضربَ بعلُها عن هذا صفحًا، فقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: لا تذكرْه لأحدٍ، لأنَّ كتمانَ مثل هذه الأمور هو الأليقُ والأحسنُ، وأمرَها بالاستغفار لذنبها الذي صدرَ منها، والتوبة إلى ربِّها، فإنَّ العبدَ (٣) إذا تاب إلى اللّه تابَ اللّه عليه. وأهلُ مصرَ وإن كانوا يعبدون الأصنامَ إلا أنَّهم يعلمونَ أنَّ الذي يغفرُ الذنوبَ ويُؤاخذ بها هو اللّه وحدَه لا شريكَ له في ذلك، ولهذا قالَ لها بعلها، وعذرَها من بعض الوجوه، لأنها رأتْ ما لا صبرَ لها على مثله، إلا أنه عفيفٌ نزيهٌ بريءُ العِرْضِ، سليم الناحية، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٤]. يذكرُ تعالى ما كان من قِبَل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز، وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحُبِّها الشديد له، تعنين: وهو لا يساوي هذا؛ لأنه مولى من الموالي، وليس مثله أهلًا لهذا، ولهذا قلن ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في وضعِها الشيء في غير محلّه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بتشنيعهنَّ عليها، والتنقُّص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمَّة بحبِّ مولاها وعِشْقِ فتاها، فأظهرنَ ذمًّا وهي معذورةلا في نفس الأمر، فلهذا أحبَّتْ أن تبسطَ عدرَها عندهنَّ، وتُبيِّن أنَّ هذا الفتى ليس كما حسبنَ، ولا من قبيل ما لديهنَّ. فأرسلتْ إليهنَّ فجمعتهنَّ في منزلها،

стр. 389

وأعتدت لهنَّ ضِيافة مثلهنَّ، وأحضرتْ في جملة ذلك شيئًا مما يُقَطعُ بالسكاكين؛ كالأَتْرُجُ (١) ونحوه. وآتتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكِّينًا، وكانت قد هيَّأتْ يوسفَ ﵇، وألبستْه أحسنَ الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرتْه بالخروج عليهن بهذه الحالة. فخرجَ وهو أحسنُ من البَدْر لا محالة ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعظمنَه وأجللنَه وهِبْنه، وما ظننَّ أن يكونَ مثل هذا في بني آدم، وبهرهنَّ حُسْنه، حتى اشتغلنَ عن أنفسهن، وجعلنَ يحززنَ في أيديهنَ بثلك السكاكين، ولا يشعرنَ بالجراح ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقد جاء في حديث الإسراء "فمررتُ بيوسفَ وإذا هو قد أعطي شَطْرَ الحُسْن" (٢). قال السهيلي (٣) وغيره من الأئمة: معناه أنَّه كان على النصْفِ من حُسْن آدمَ ﵇، لأن الله تعالى خلقَ آدمَ بيده، ونفخَ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحُسْنِ البشريِّ، ولهذا يدخلُ أهلُ الجنّةِ الجنَّةَ على طُولِ آدمَ وحُسْنه، ويُوسف كان على النصفِ من حُسْنِ آدمَ، ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنَّه لم تكن أنثى بعد حوَّاء أشبه بها من سَارَة امرأة الخليل ﵇. قال ابن مسعود: وكان وجهُ يوسفَ مثل البرق، وكان إذا أتته امرأةٌ لحاجةٍ غطَّى وجهه. وقال غيره: كان في الغالب مبرقعًا لئلا يراه النَّاسُ، ولهذا لمَّا قام عذرن امرأة العزيز في محبَّتِها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهنَّ ما جرى من تقطيعِ أيديهن بجِراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدَّهش عند رؤيتِه ومعاينتِه. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحتْه بالعِفَّة (٤) التَّامَّة، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وكان بقيَّةُ النساء حرَّضْنَهُ على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشدَّ الإباء، ونأى لأنه من سُلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إن وَكَلْتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملكُ لنفسي نفعًا ولا ضَزَأ إلا ما شاء الله، فأنا ضعيفٌ إلا ما قوَّيتني وعصمتني وحفظتني، وحُطتني بحولك وقؤتك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ

стр. 390

مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٤١]. يذكرُ تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي: ظهرَ لهم من الرأي بعدما علموا براءةَ يوسفَ أن يسجنوه إلى وقتٍ، ليكونَ ذلك أقلّ لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها، وليظهروا أنه راودَها عن نفسها فسُجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا مما قدَّر اللّه له، ومن جملة ما عصمَه به، فإنَّه أبعدُ له عن معاشرتِهم ومخالطتِهم، ومن هاهنا استنبطَ بعضُ الصوفية، ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة ألَّا تجد (١)!. قال اللّه تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدُهما ساقي الملك واسمه فيما قيل "نبو"، والآخر خبَّازه، يعني الذي يلي طعامَه، وهو الذي يقول له الترك "الجاشنكير" واسمه فيما قيل "مجلث" كان الملك فد اتَّهمَهما في بعض الأمور فسجنَهما. فلما رأيا يوسفَ في السجن أعجبَهما سَمْتُه وهديُه ودلُّه، وطريقته وقولُه وفعلُه، وكثرةُ عبادته ربَّه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تُناسبُه. قال أهلُ التفسير: رأيا في ليلة واحدة، أما الساقي فرأى كأن ثلاثَ قضبان من حَبَلةٍ (٢)، وقد أورقت وأينعتْ عناقيدَ العِنبِ (٣)، فأخذَها فاعتصرَها في كأسِ الملك وسقاه. ورأى الخبَّازُ على رأسه ثلاثَ سِلالٍ من خبزٍ وضَواريَ الطيور تأكلُ من السَّلَ الأعلى، فقصَّاها عليه، وطلبا منه أن يُعبرهما لهما وقالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرَهما أنه عليمٌ بتعبيرها، خبيرٌ بأمرها و ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾. قيل: معناه مهما رأيتُما من حلم فإني أعَبِّره لكم قبلَ وقوعه، فيكونُ كما أقول. وقيل: معناه إني أخبرُكما بما يأتيكما من الطعام قبل مَجيئهِ حلوًا أو حامضًا، كما قال عيسى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال لهما: إن هذا من تعليم اللّه إياي، لأني مؤمنٌ به مُوحِّد له، مُتَبعٌ مِلَّة آبائي الكرام إبراهيم

стр. 391

الخليل وإسحاق ويعقوب ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ أي: بأن هدانا لهذا ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: بأن أمرنا أن ندعوَهم إليه، ونرشدَهم وندلَّهم عليه، وهو في فِطَرِهم مركوزٌ وفي جِبِلَّتِهم مغروزٌ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ثم دعاهم إلى التوحيد، وذمّ عبادة ما سوى اللّه ، وصغَّر أمرَ الأصنام وحقَّرَها، وضعَّفَ أمرَها، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩، ٤٠] أي: هو المتصرف في خلقه، الفعَّال لما يُريد، الذي يَهدي منْ يشاءُ، ويُضلُّ منْ يشاء ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي: وحدَه لا شريك له و ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم والصراط القويم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فهم لا يَهتدون إليه، مع وضوحه وظهوره، وكانت دعوتُه لهما في هذه الحال في غاية الكمال، لأنَّ نفوسَهما مُعظِّمةٌ له، منبعثة على تلقِّي ما يقول بالقَبول، فناسبَ أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه. ثمَّ لما قام بما وجبَ عليه وأرشدَ إلى ما أرشدَ إليه، قال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ قالوا: وهو الساقي، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ قالوا: وهو الخبَّاز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: وقعَ هذا لا محالةَ، ووجبَ كونُه على حالة، و لهذا جاء في الحديث "الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّرْ فإذا عُبِّرَتْ وقعتْ" (١). وقد رُوي عن ابن مسعود، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنهما قالا لم نرَ شيئًا. فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] يُخبر تعالى أنَّ يوسفَ ﵇ قال للذي ظنَّه ناجيًا منهما وهو الساقي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكرْ أمري وما أنا فيه من السجن بغير جُرْمٍ عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب. ولا ينافي ذلك التوكل على ربِّ الأرباب. وقوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى النَّاجي منهما الشيطانُ أن يذكرَ ما وصَّاه به يوسف ﵇. قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد، وهو الصواب، وهو منصوصُ أهل الكتاب ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع. وقيل: إلى السبع. وقيل: إلى الخمس. وقيل: ما دون العشرة. حكاها الثعلبي. ويقال: بضع نسوة، وبضعة رجال. ومنعَ الفرَّاءُ استعمالَ البضع فيما دون العشر. قال: وإنما يُقال: نيف.

стр. 392

وقال اللّه تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] وهذا ردٌّ لقوله. قال الفراء: ويُقال بضعة عشر، وبضعة وعشرون إلى التسعين، ولا يُقال: بضع ومئة، وبضع وألف. وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر، فمنعَ أن يُقال: بضعة وعشرون إلى تسعين. وفي الصحيح: "الإيمان بضعٌ وستون" وفي رواية: "وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١). ومن قال: إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسفَ، فقد ضُعِّفَ ما قاله، وإن كان قد رُوي عن ابن عباس وعكرمة، والحديث الذي رواه ابنُ جرير (٢) في هذا الموضع ضعيفٌ من كل وجه. تفرَّد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (٢) المَكِّيّ، وهو متروك. ومُرسلُ الحسن وقتادة لا يُقبل ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى، واللّه أعلم. فأما قول ابن حبَّان في صحيحه (٣) عند ذكر السبب الذي من أجله لبثَ يوسف في السجن ما لبثَ: أخبرنا الفضل بن الحباب الجُمحيّ، حَدَّثَنَا مُسدَّد بن مُسَرهدٍ، حَدَّثَنَا خالدُ بن عبدِ اللّه، حَدَّثَنَا محمّدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "رحمَ اللّه يوسفَ لولا الكلمة التي قالها ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبثَ في السجن ما لبثَ، ورحمَ اللّه لوطًا إنْ كان ليأوي إلى رُكْنٍ شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال: فما بعثَ اللّه نبيًّا بعده إلا في ثروة من قومه". فإنه حديث منكر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة، له أشياء ينفردُ بها، وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدِّها. والذي في الصحيحين (٤) يشهدُ بغلطها، واللّه أعلم. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي

стр. 393

مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٣ - ٤٩] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف ﵇ من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن مَلِكَ مصرَ، وهو الريَّان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا. قال أهل الكتاب: رأى كأنَّه على حافَة نهر، وكأنَّه قد خرجَ منه سبع بقرات سمان، فجعلنَ يرتعنَ في روضة هناك، فخرجتْ سبْعٌ هُزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعنَ معهنَّ، ثم مِلْنَ عليهنَّ فأكلنهنَّ، فاستيقظ مذعورًا، ثم نامَ فرأى سبعَ سنبلات خُضْرٍ في قصبةٍ واحدةٍ، وإذا سبع أُخرُ دقاقٌ يابسات، يأكلنهنَّ، فاستيقظَ مذعورًا. فلما قصَّها على ملئِه وقومِه، لم يكن فيهم من يُحسنُ تعبيرَها، بل ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط أحلام من الليل، لعلَّها لا تعبيرَ لها، ومع هذا فلا خبرةَ لنا بذلك، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكَرَ النَّاجي منهما الذي وصَّاه يوسفُ بأن يذكرَه عند ربه فنسيَه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله ، وله الحكمة في ذلك، فلما سمعَ رؤيا الملكِ ورأى عَجْزَ النَّاس عن تعبيرها، تذكَّرَ أمرَ يوسف، وما كان أوصاه به من التَّذْكار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ﴾ أي: تذكَر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعدَ مدَّةٍ من الزمان، وهو بضعُ سنينَ، وقرأ بعضهُم كما حُكيَ عن ابن عبَّاس وعكرمة والضَّحَّاك ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد نسيان، وقرأها مجاهد (بعد أمْهٍ) بإسكان الميم، وهو النسيان أيضًا، يقال: أمِهَ الرجلُ يامَهُ أمْهًا وأمَهًا: إذا نسي، قال الشاعر: [من الوافر] أمِهْتُ وكنتُ لا أنسى حديثًا … كذاكَ الدهرُ يردي بالعقول (١) فقال لقومه وللملك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلوني إلى يوسفَ، فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وعند أهل الكتاب أن الملكَ لما ذكرَه له الساقي استدعاه إلى حضرتِه، وقصَّ عليه ما رآه، ففسَّره له. وهذا غَلَطٌ، والصوابُ ما قصَّه الله في كتابه القرآن، لا ما غُرَّ به هؤلاء الجهلة الثيران، من قرَّايٍ وَرَبَّان (٢). فبذلَ يوسفُ ﵇ ما عندَه من العلم بلا تأخرٍ ولا شرطٍ، ولا طلبٍ للخروج (٣) سريعًا، بل أجابَهم إلى ما سألوا، وعبَّرَ لهم ما كان من منام الملك الدَالِّ على وقوع سبع سنين من الخصب، ويعقُبها سبعٌ جدب. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يعني: يأتيهم الغيث والخِصْبُ والرفاهية

стр. 394

﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: ما كانوا يعصرونَه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسُّمْسُم وغيرها، فعبَّرَ لهم، وعلى الخير دلَّهم وأرشدَهم إلى ما يعتمدونه في حالتيْ خِصْبهم وجَدْبهم، وما يفعلونه من ادِّخار حبوبِ سنيِّ الخِصْب في السبع الأول في سنبله، إلا ما يُرصدُ بسبب الأكلِ، ومن تقليل البذر في سنيِّ الجَدْب في السبع الثانية، إذ الغالبُ على الظَّنِّ أنه لا يردُّ البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣]. لما أحاطَ الملكَ علمًا بكمال علم يُوسف ﵊، وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه، أمرَ بإحضاره إلى حضرتِه، ليكونَ من جملة خاصَّتِه. فلما جاءه الرسولُ بذلك أحبَّ ألا يخرجَ حتى يتبينَ لكلِّ أحد أنه حُبسَ ظلمًا وعدوانًا، وأنه بريءُ السَّاحة مما نسبوه إليه بهتانًا ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل: معناه إنَّ سيدي العزيز يعلمُ براءتي مما نُسبَ إليَّ. أي: فمر الملكَ فليسألهنَّ: كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهنَّ إيايَ وحثِّهنَّ لي على الأمر الذي ليس برشيدٍ ولا سديدٍ؟ فلما سُئلنَ عن ذلك اعترفنَ بما وقع من الأمر، وما كان منه من الأمر الحميد ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فعند ذلك ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وهي "زليخا" ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهرَ وتبيَّنَ ووضحَ، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبعَ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فيما يقوله من أنه بريء، وأنه لم يُراودني، وأنه حُبِسَ ظلمًا وعدوانًا وزورًا وبهتانًا، وقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ قيل: إنه من كلام يوسفَ، أي: إنما طلبتُ تحقيق هذا، ليعلمَ العزيزُ أني لم أخنْهُ بظهر الغيب. وقيل: إنه من تمام كلام "زليخا" أي: إنما اعترفتُ بهذا ليعلمَ زوجي أني لم أخنْه في نفسِ الأمر، وإنما كان مُراودةً لم يقع معها فعل فاحشةٍ، وهذا القولُ هو الذي نصرَه طائفةٌ كثيرةٌ من أئمة المتأخرين وغيرهم، ولم يحكِ ابنُ جرير وابن أبي حاتم سوى الأول. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: إنه من كلام يوسف، وقيل: من كلام "زليخا" وهو مُفرَّع على القوليْن الأوَّلين، وكونُه من تمام كلام "زليخا" أظهرُ وأنسبُ وأقوى، واللّه أعلم. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٧]. لما ظهرَ للملك براءةُ عِرْضِه

стр. 395

ونزاهةُ ساحتِه عمَّا كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من خاصَّتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي. فلما كلَّمه وسمعَ مقالَه، وتبيَّنَ حالَه ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: ذو مكانة وأمانة ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلبَ أن يولّيه النظرَ فيما يتعلق بالأهراء (١)؛ لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضيّ سبع سنيِّ الخِصْبِ، لينظرَ فيها بما يرضي اللّه في خَلْقِه من الاحتياط لهم والرِّفْق بهم، وأخبر المَلِكَ: إنه حفيظ، أي: قوي على حفظ ما لديه أمين عليه، عليمٌ بضبط الأشياء ومصالح الأهراء، وفي هذا دليلٌ على جواز طلب الولاية لمن علمَ من نفسه الأمانةَ والكفاءة. وعند أهل الكتاب أنَّ فرعونَ عظَّمَ يوسف ﵇ جدًا وسلَّطَه على جميع أرض مصر، وألبسه خاتَمه الحريرَ، وطوَّقَه الذهبَ، وحملَه على مركبه الثاني، ونُودي بين يديْه: أنتَ ربّ ومُسلَّط. وقال له: لستُ أعظمَ منكَ إلا بالكرسيّ. قالوا: وكان يوسفُ إذ ذاك ابنَ ثلاثينَ سنة وزوَّجه امرأةً عظيمةَ الشأن. وحكى الثعالبيُّ (٢): أنه عزلَ "أطفيرَ" عن وظيفته وولاها يوسف. وقيل: إنه لما مات زوَّجه امرأته "زليخا" فوجدَها عذراءَ، لأن زوجَها كان لا يأتي النساءَ، فولدتْ ليوسفَ ﵇ رجلين، وهما: "أفرايم" و "منشا" قال: واستوثقَ ليوسفَ مِلْكُ مصرَ، وعمل فيهم بالعدل، فأحبَّه الرجال والنساء. وحُكي أنَّ يوسفَ كان يوم دخلَ على الملك عمرُه ثلاثين سنة، وأن المَلِكَ خاطبَه بسبعين (٣) لغةً، وكلُّ (٤) ذلك يُجاوبه بكلِّ لغةٍ منها، فأعجبه ذلك مع حداثه (٥) سنه، فاللّه أعلم. قال اللّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ أي: بعد السجن والضيق والحَصْر، صار مطلقَ الرِّكاب لديار مصرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ أي: أين شاء حلَّ منها مكرَّمًا محسودًا معظَّمًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هذا كلُّه من جزاء اللّه وثوابه للمؤمن، مع ما يدَّخرُ له في آخرتِه من الخير الجزيل والثواب الجميل، ولهذا قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ويقال: إن "أطفير" زوج "زليخا" كان قد ماتَ، فولاه الملك مكانَه، وزوَّجه امرأته "زليخا" فكان وزيرَ صدق.

стр. 396

وذكر محمد بن إسحاق: أن صاحبَ مصر الوليد بن الريَّان أسلم على يديْ يوسف ﵇، فاللّه أعلم، وقد قال بعضُهم: [من الطويل] وراءَ مضيقِ الخوفِ متّسعُ الأمنِ … وأوَّلُ مفروحٍ به غايةُ الحُزْنِ فلا تيأسنْ، فاللّهُ مَلَّكَ يوسفًا … خزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٢] يُخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه (١) إلى الديار المصريَّة يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سنيّ الجَدْب وعمومِها على سائر البلاد والعباد، وكان يوسفُ ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا، فلما دخلوا عليه عرفَهم ولم يعرفوه، لأنهم لم يخطرْ ببالهم ما صارَ إليه يوسفُ ﵇ من المكانة والعَظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون. وعند أهل الكتاب: أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم، وأرادَ ألا يعرفوه، فأغلظَ لهم في القول، وقال: أنتم جواسيسُ جئتُم لتأخذوا خبرَ بلادي. فقالوا: معاذَ اللّه! إنما جئنا نمتارُ (٢) لقومنا من الجَهْد والجُوع الذي أصابنا ونحنُ بنو أب واحدٍ من كنعانَ، ونحنُ اثنا عشرَ رجلًا، ذهبَ منا واحدٌ، وصغيرُنا عند أبينا. فقال: لا بُدَّ أن أستعلمَ أمرَكم. وعندهم: أنه حبسَهم ثلاثةَ أيَّام، ثم أخرجهم، واحتبسَ شمعونَ عندَه ليأتوه بالأخ الآخر. وفي بعض هذا نظر. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: أعطاهم من الميرة ما جرتْ به عادته في إعطاء كل إنسان حملَ بعير، لا يزيدُه عليه ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهبَ منَّا واحدٌ وبقيَ شقيقُه عند أبينا، فقال: إذا قدمتُم من العام المقبل فأْتُوني به معكم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي: قد أحسنت نزلكم وقِراكم، فرغَّبهم ليأتوه به، ورهَّبهم إن لم يأتوه به قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي: فلستُ أعطيكم ميرةً، ولا أقربُكم بالكُليَّة، عكسَ ما أسدى إليهم أولًا، فاجتهدَ في إحضاره معهم لِتملَّ شوقه منه بالترغيب والترهيب ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنجتهدُ في مجيئه معنا وإتيانِه إليكَ بكلِّ ممكن ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: وإنا لقادرون على تحصيله.

стр. 397

ثم أمر فتيانَه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوَّضون به عن الميرةِ في أمتعتهم من حيثُ لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل: أراد أن يردُّوها إذا وجدوها في بلادهم. وقيل: خشيَ ألا يكونَ عندهم ما يرجعون به مرة ثانية. وقيل: تذمَّم (١) أن يأخذ منهم عوضًا عن الميرة. وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرُها. وعند أهل الكتاب أنها كانت صُورًا من وَرق، وهو أشبه، واللّه أعلم. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٣ - ٦٨]. يذكرُ تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم. وقولهم له: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: بعد عامنا هذا إن لم تُرسلْ معنا أخانا، فإن أرسلتَه معنا لم يُمنعْ منَّا ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: أي شيء نُريد وقد رُدَّتْ إلينا بضاعتنا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نمتارُ لهم ونأتيهم بما يُصلحُهم في سَنَتهم ومَحْلهم ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ﴾ بسببه ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: في مقابلة ذهاب ولده الآخر، وكان يعقوبُ ﵇ أضنَّ شيءً بولده "بنيامين" لأنه كان يشمُّ فيه رائحةَ أخيه، ويتسلَّى به عنه، ويتعوَّض بسببه منه، فلهذا قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تغلبوا كلُّكم عن الإتيان به ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أ كَّد المواثيقَ وقرَّرَ العهودَ، واحتاطَ لنفسه في ولده، ولن يُغني حَذرٌ من قَدَر. ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة لما بعثَ الولد العزيز، ولكنَّ الأقدار لها أحكامٌ، والربُّ تعالى يُقدِّرُ ما يشاءُ ويختارُ ما يُريد، ويحكم ما يشاءُ، وهو الحكيم العليم. ثم أمرَهم ألَّا يدخلوا المدينةَ من بابٍ واحدٍ، ولكنْ ليدخلوا من أبوابٍ مُتفرِّقةٍ. قيل: أراد ألَّا يُصيبَهم أحدٌ بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالًا حسنةً، وصورًا بديعة، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسُّدِّي والضَّحَّاك. وقيل: أراد أن يتفرَّقوا لعلَّهم يجدون خبرًا ليوسفَ أو يُحدَّثون عنه بأثر، قاله إبراهيم النخعي، والأول أظهر. ولهذا قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾

стр. 398

وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وعند أهل الكتاب: أنه بعثَ معهم هديَّةً إلى العزيز من الفُستق واللَّوز والصَّنوبر والبُطْم والعسل، وأخذوا الدراهمَ الأولى وعوضًا آخرَ. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩]. يذكرُ تعالى ما كانَ من أمرهم حين دخلوا بأخيهم "بنيامين" على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتمِ ذلك، وسلَّاه عما كان منهم من الإساءة إليه. ثم احتالَ على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمرَ فتيانه بوضع سقايته - وهي التي كان يشربُ بها، ويكيلُ بها للناس الطعام - عن غِرَّته في متاع بنيامين. ثم أعلمَهم بأنهم قد سرقوا صُواع الملك، ووعدَهم جُعالةً على ردِّه حِمْلَ بعير، وضمنه المنادي لهم، فأقبلوا على من اتَّهمهم بذلك فأنَّبوه وهجَّنوه (١) فيما قاله لهم ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا خِلافَ ما رميتمُونا به من السرقة ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. وهذه كانت شريعتهم: أنَّ السارقَ يدفعُ إلى المسروق منه، ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال اللّه تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، ثم قال اللّه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. أي: لولا اعترافُهم بأن جزاءه من وُجد في رَحْله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسفَ كان أعلم

стр. 399

منهم وأتم رأيًا وأقوى عزمًا وحزمًا، وإنما فعلَ ما فعلَ عن أمر الله له في ذلك، لأنه يترتبُ على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه، فلما عاينوا استخراجَ الصُّواعِ من حمل بنيامين: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسفَ. قيل: كان قد سرق صنمَ جدِّه أبي أمه فكسرَه. وقيل: كانت عمَّتُه قد علَّقتْ عليه بين ثيابه وهو صغير منطقَةً كانت لإسحاق، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعتْ، وإنما أرادتْ أن يكونَ عندها وفي حضانتها لمحبَّتها له. وقيل: كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. وقيل: غير ذلك فلهذا ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها، وقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أجابَهم سرًّا لا جهرًا، حلمًا وكرمًا وصفحًا وعفوًا، فدخلوا معه في الترفُّق والتعطُّف، فقالوا: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء. هذا ما لا نفعله ولا نسمحُ به، وإنما نأخذُ من وجدْنا متاعنا عنده. وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرَّفَ إليهم حينئذ، وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيِّدًا (١). ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٧]. يقول تعالى مخبرًا عنهم: إنهم لما استيأسوا من أخذه منه خَلصُوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرُهم وهو روبيل ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ لقد أخلفتُم عهدَه وفرَّطتم فيه كما فرَّطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبقَ لي وجهٌ أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزالُ مقيمًا هاهنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بأن يقدِّرني على رد أخي إلى أبي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: أخبروه بما رأيتُم من الأمر في ظاهر المشاهدة ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ

стр. 400

الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: فإن هذا الذي أخبرناكَ من أخذهم أخانا لأنَّه سرقَ أمر اشتهرَ بمصر، وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجيّةً له ولا خلقه، وإنما سوَّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل. قال ابن إسحاق وغيره: لما كان التفريط منهم في "بنيامين" مترتبًا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال. وهذا كما قال بعضُ السلف: إنَّ من جزاء السيئة السيئة بعدَها، ثم قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بحالي، وما أنا فيها من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يُقدِّرُه ويفعله، وله الحِكمةُ البالغة، والحجَّة القاطعة ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عن بنيه ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ذكَّره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرَّك ما كان كامنًا، كما قال بعضهم: [من الكامل] نقِّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى … ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّلِ (١) وقال آخر: [من الطويل] لقد لامَني عندَ القُبور على البُكا … رفيقي لتذرافِ الدُّموع السَّوافِكِ (٢) فقالَ أتبكي كلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ … لقبرٍ ثوى بينَ اللِّوى فالدكادك (٣) فقلتُ له إن الأسى يبعثُ الأسى … فَدَعْني فهذا كلّهُ قبرُ مالك (٤) وقوله ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف، فلما رأى بنوه ما يُقاسيه من الوَجْد وألم الفراق ﴿قَالُوا﴾ له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يقولون لا تزالُ تتذكره حتى ينحلَ جسدُك، وتضعف قوَّتُك، فلو رَفقْتَ بنفسك كان أولى بك ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكو إلى الله ، وأعلم أن الله سيجعلُ لي مما أنا فيه فَرَجًا ومخْرَجًا، وأعلم أن رؤيا يوسفَ لابُدَّ أن تقعَ، ولابُدَّ أن أسجدَ له أنا وأنتم حسبَ ما رأى، ولهذا قال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم مُحرّضًا على تَطلُّبٍ يوسفَ وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ

стр. 401

الْكَافِرُونَ﴾ أي: لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأسُ من رَوْح الله وفَرَجِه وما يقدره من المَخرجِ في المضايق إلا القوم الكافرون. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٨٨ - ٩٣]. يُخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه، وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصَّدقة عليهم بردَّ أخيهم "بنيامين" إليهم ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: من الجَدْب وضيق الحال وكثرة العِيال ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يُتجاوزَ عنها. قيل: كانت دراهم رديئة. وقيل: قليلة. وقيل: حبّ الصنوبر وحبّ البُطْم، ونحو ذلك. وعن ابن عباس: كانت خلق الغرائر (١) والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل: بقبولها. قاله السُّدِّي. وقيل: برد أخينا إلينا. قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عُيينة: إنما حرمت الصَّدقةُ على نبيِّنا محمد ﷺ ونزعَ بهذه الآية. رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبقَ عندهم سواه من ضعيف المال، تعرَّف إليهم وعطفَ عليهم قائلًا لهم عن أمر ربِّه وربِّهم وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال الذي يعرفون ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وتعجَّبوا كلَّ العجب، وقد تردَّدوا إليه مرارًا عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يعني أنا يوسف الذي صنعتُم معه ما صنعتُم، وسلفَ من أمرِكم فيه ما فرَّطتم، وقوله: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال، ولهذا قال ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا، وشدة معاقد عِزِّنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربِّنا، وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا، وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: فضَّلكَ وأعطاكَ ما لم يُعْطِنا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: فيما أسدينا إليكَ، وهانحن بين يديك ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لستُ أُعاقبكُم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم زادَهم على ذلك فقال ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

стр. 402

ومن زعم أن الوقفَ على قوله لا تثريبَ عليكم، وابتدأ بقوله ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقوله ضعيف، والصحيح الأول. ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذي يلي جسدَه، فيضعوه على عينيْ أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهبَ بإذن الله، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات. ثم أمرَهم أن يتحمَّلوا بأهلهم أجمعينَ إلى ديار مصرَ، إلى الخير والدَّعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٤ - ٩٨]. قال عبدُ الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، سمعت ابنَ عبَّاس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجتِ العيرُ، هاجتْ ريحٌ فجاءتْ يعقوبَ بريحِ قميص يوسف ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحَه من مسيرة ثمانية أيام (١). وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم: عن أبي سنان، به. وقال الحسنُ البصري وابن جُريج المكي: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخًا، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة. وقوله ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تقولون إنما قلتَ هذا من الفند، وهو الخَرف وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جُبير وقتادة: تفندون: تسفهون. وقال مجاهد أيضًا والحسن تهرمون (٢). ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال قتادة والسُّدي: قالوا له كلمة غليظة. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: بمجرد ما جاءَ ألقى القميصَ على وجه يعقوبَ، فرجعَ من فوره بصيرًا بعدما كان ضريرًا، وقال لبنيه عند ذلك ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلمُ أنَّ الله سيجمعُ شَمْلي بيوسفَ، وستقرُّ عيني به، وسيُريني فيه ومنه ما يسرُّني، فعند ذلك ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾. طلبوا إليه أن يستغفرَ لهم الله عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه. ولما كان من نيِّتهم التوبةُ قبلَ الفعل قيَّضهُم الله للاستغفار عند

стр. 403

وقوع ذلك منهم، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوه وما عليه عوَّلوا قائلًا ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن مسعود، وإبراهيم التَّيْميُّ، وعمرو بن قيس، وابن جُرَيْج، وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السَّحر (١). قال ابن جرير: حدَّثني أبو السَّائب، حدَّثنا ابنُ إدريس، سمعتُ عبدَ الرحمن بن إسحاق يذكرُ عن مُحارب بن دِثَار، قال: كان عمٌّ لي (٢) يأتي المسجدَ، فسمعَ إنسانًا يقول: اللهم دعوتني فأجبتُ، وأمرتني فأطعتُ، وهذا السَّحرُ فاغفرْ لي. قال: فاستمعَ الصوتَ فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسألَ عبدَ الله عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ أخَّرَ بنيه إلى السَّحر بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربُّنا كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له" (٤). وقد وردَ في حديثٍ أنَّ يعقوبَ أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة. قال ابن جرير: حدَّثني المثنَّى، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، حدَّثنا الوليد، أنبأنا ابن جُرَيْج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ : ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقولُ: "حتى تأتيَ ليلةُ الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه" (٥). وهذا غريب من هذا الوجه. وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا على ابن عباس ﵁. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١]. هذا إخبارٌ عن حال اجتماع المتحابِّين بعد الفُرْقة الطويلة التي قيل: إنها ثمانون سنة، وقيل: ثلاث

стр. 404

وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن. وقيل: خمس وثلاثون سنة، قاله قتادة. وقال محمد بن إسحاق: ذكروا أنه غابَ عنه ثماني عشرة سنة. قال: وأهلُ الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة. وظاهر سياق القصة يُرشد إلى تحديد المدة تقريبًا، فإن المرأة راودتْه وهو شابٌّ ابن سبع عشرة فيما قاله غير واحد، فامتنع فكان في السجن بضع سنين، وهي سبع عند عكرمة وغيره. ثم أُخرج فكانت سنواتُ الخِصْب السبع، ثم لما أمحل النَاسُ في السبع البواقي، جاء إخوتُه يمتارون في السنة الأولى وحدَهم، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين، وفي الثالثة تعرَّف إليهم وأمرَهم بإحضار أهلهم أجمعين، فجاؤوا كلُّهم ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ اجتمع بهما خصوصًا وحدَهما دون إخوته ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قيل هذا من المقدَّم والمؤخَّر، تقديرُه: ادخلوا مصرَ وآوى إليه أبويه. وضعفه ابن جرير، وهو معذور. قيل: تلقَّاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قاله السُّدِّي. ولو قيل: إن الأمرَ لا يحتاجُ إلى هذا أيضًا، وإنه ضمَّن قوله ادخلوا معنى اسكنوا وأقيموا بها ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ لكان صحيحًا مليحًا أيضًا. وعند أهل الكتاب: أن يعقوبَ لما وصلَ إلى أرض "جاشر" وهي أرض "بلبيس" خرج يوسف لتلقِّيه، وكان يعقوبُ قد بعثَ ابنه يهوذا بين يديه مُبشِّرًا بقدومه. وعندهم: أنَّ الملك أطلقَ لهم أرضَ "جاشر" يكونون فيها، ويقيمون بها بنعَمهم ومواشيهم. وقد ذكرَ جماعةٌ من المفسِّرين أنه لما أزفَ قدومُ نبيِّ الله يعقوب وهو إسرائيل، أرادَ يوسفُ أن يخرجَ لتلقِّيه، فركبَ معه الملكُ وجنودُه خدمةً ليوسف، وتعظيمًا لنبيِّ الله إسرائيل، وأنه دعا للملك، وأنَّ الله رفعَ عن أهل مصرَ بقيَّة سنيّ الجَدْب ببركة قدومه إليهم، فالله أعلم. وكان جملة منْ قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم، فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود: ثلاثة وستين إنسانًا. وقال موسى بن عبيدة: عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شدَّاد، كانوا ثلاثة وثمانين إنسانًا. وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانًا. قالوا: وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمئة ألف مقاتل. وفي نص أهل الكتاب: أنَّهم كانوا سبعين نفسًا، وسمَّوهم. قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل: كانت أُمه قد ماتت، كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين: فأحياها الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت خالتُه ليلى، والخالةُ بمنزل الأم. وقال ابن جرير (١) وآخرون: بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمِّه إلى يومئذ، فلا يُعوَّل على نقل أهل الكتاب فيما خالفَه، وهذا قوي، والله أعلم.

стр. 405

ورفعهما على العرش أي: أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجدَ له الأبوان والإخوة الأحدَ عشر تعظيمًا وتكريمًا، وكان هذا مشروعًا لهم، ولم يزلْ تلك معمولًا به في سائر الشرائع حتَى حَرُمَ في مِلَّتنا. ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا تعبير ما كنتُ قَصَصْتُه عليكَ من رؤيتي الأحدَ عشر كوكبًا والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي: بعد الهمِّ والضيق جعلني حاكمًا نافذَ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية وكانوا يسكنون أرضَ العربات من بلاد الخليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: فيما كان منهم إليّ من الأمر الذي تقدَّم وسبقَ ذكره. ثم قال ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابَه ويسَّرها وسهَّلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وُييَسِّرها بلطيف صُنْعه وعظيم قُدْرته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بجميع الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره. وعند أهل الكتاب: أن يوسفَ باع أهلَ مصرَ وغيرَهم، من الطعام الذي كان تحتَ يده، بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث، وما يملكونه كله، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء. ثم أطلقَ لهم أرضهم، وأعتقَ رقابهم، على أن يعملوا ويكون خُمُسُ ما يستغلُّون من زَرْعهم وثمارهم للملك، فصارت سُنَّةَ أهل مصرَ بعده. وحكى الثعالبيُّ (١): أنه كان لا يشبعُ في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعانَ، وأنه إنما كان يأكل أكلةً واحدة نصفَ النهار. قال: فمن ثمَّ اقتدى به الملوكُ في ذلك. قلت: وكان أميرُ المؤمنين. عمرُ بن الخطاب ﵁ لا يشبعُ بطنه عام الرمادة حتى ذهبَ الجدْبُ وأتى الخِصْبُ. قال الشافعي: قال رجلٌ من الأعراب لعمرَ بعدما ذهب عام الرمادة: لقد انجلتْ عنك، وإنك لابن حرَّة. ثم لما رأى يوسفُ ﵇ نعمتَه قد تمَّت، وشملَه قد اجتمعَ، عرفَ أن هذه الدار لا يُقرّ بها قرار، وأنَّ كلَّ شيء فيها ومنْ عليها فان. وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربِّه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله. وسألَ منه وهو خيرُ المسؤولين أن يتوفَاه -أي: حينَ يتوفَاه- على الإسلام، وأن يُلحقه بعبادِه الصَّالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: "اللهم أحينا مسلمين وتوفَّنا

стр. 406

مسلمين" (١). أي: حين تتوفانا. ويُحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ﵇، كما سألَ النبيُّ ﷺ عند احتضاره أن يرفعَ روحَه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصَّالحين من النَّبييِّن والمرسلين، كما قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" (٢) ثلاثًا، ثم قضى. ويُحتمل أنَّ يوسف ﵇ سأل الوفاة على الإسلام مُنْجزًا في صحَّة منه وسلامةٍ، وأن ذلك كان سائغًا في ملَّتهم وشِرْعتهم، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنَّى نبيّ قط الموتَ قبل يوسف (٣). فأمَّا في شريعتنا فقد نُهي عن الدعاء بالموت إلَّا عند الفتن، كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد (٤): "وإذا أردتَ بقومٍ فتنة فتوفَّنا إليكَ غير مفتونين" وفي الحديث الآخر: "ابن آدمَ الموتُ خيرٌ لك من الفِتْنة" وقالت مريم ﵍: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] وتمنَّى الموتَ علىُّ بن أبي طالب لما تفاقمتِ الأمورُ، وعظمتِ الفِتنُ، واشتدَّ القتالُ، وكَثُرَ القيلُ والقالُ، وتمنَّى ذلك البخاريُّ أبو عبد الله صاحب الصحيح، لما اشتدَّ عليه الحالُ، ولقيَ من مخالفيه الأهوال. فأما في حال الرفاهية: فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما: من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ به، إما مُحسنًا فيزدادُ، وإما مُسيئًا فلعلَّهُ [أنْ] يَسْتَعْتِبَ، ولكن ليقلْ اللَّهُمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي" (٥) والمرادُ بالضُرِّ هاهنا ما يخصُّ العبدَ في بدنه من مرضٍ ونحوه لا في دينهِ. والظاهرُ أن نبيَّ الله يوسفَ ﵇ سألَ ذلك إما عند احتضارِه أو إذا كان ذلك أن يكونَ كذلك. وقد ذكرَ ابنُ إسحاق عن أهل الكتاب: أن يعقوبَ أقام بديار مصر عند يوسف سبعَ عشرة سنة، ثم توفي ﵇، وكان قد أوصى إلى يوسفَ ﵇ أن يُدفنَ عند أبويْه إبراهيم وإسحاق. قال السُّدِّي: فصبرَ، وسَيَّره إلى بلاد الشام فدفنَه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجدَّه الخليل، ﵈. وعند أهل الكتاب: أن عمرَ يعقوبَ يوم دخلَ مصرَ مئة وثلاثون سنة. وعندهم: أنه أقام بأرض مصر سبعَ عشرة سنة، ومع هذا قالوا: فكان جميع عمره مئة وأربعين سنة. هذا نصُّ كتابهم، وهو غلط إما في النسخة أو منهم، أو قد أسقطوا الكسرَ، وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا، فكيف يستعملون هذه

стр. 407

الطريقة هاهنا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] يُوصي بنيه بالإخلاص، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء ﵈. وقد ذكرَ أهل الكتاب أنَه أوصى بنيه واحدًا واحدًا، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، وبشَّرَ يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تُطيعه الشعوب، وهو عيسى ابن مريم، والله أعلم. وذكروا: أنه لمَّا ماتَ يعقوبُ بكى عليه أهلُ مصرَ سبعين يومًا، وأمرَ يوسفُ الأطبَّاءَ فطيَّبوه بطيبٍ ومكثَ فيه أربعين يومًا، ثم استأذن يوسفُ ملكَ مصرَ في الخروج مع أبيه ليدفنَه عند أهله، فأذنَ له، وخرجَ معه أكابرُ مصرَ وشيوخُها، فلما وصلوا "حبرون" (١) دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيمُ الخليل من عفرون بن صخر الحيثي، فدُفنَ فيها، وعملوا له سبعة أيام. قالوا: ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزَّى إخوةُ يوسفَ ليوسفَ في أبيهم وترقَّقوا له، فأكرمهم وأحسنَ منقلبهم، فأقاموا ببلاد مصر. ثم حضرتْ يوسفَ ﵇ الوفاةُ، فأوصى أن يُحملَ معهم إذا خرجوا من مصرَ فيدفن عند آبائه، فحنَّطوه ووضعُوه في تابوت، فكان بمصرَ حتى أخرجَه معه موسى ﵇، فدفنَه عند آبائه كما سيأتي. قالوا: فماتَ وهو ابن مئة سنة وعشر سنين. هذا نصُّهم فيما رأيته، وفيما حكاه ابن جرير أيضًا. وقال مبارك بن فَضَالة، عن الحسن: أُلقي يوسفُ في الجُبِّ وهو ابنُ سبعَ عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانينَ سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرينَ سنة، ومات وهو ابن مئة سنة وعشرين سنة. وقال غيره: أوصى إلى أخيه يهوذا صلواتُ الله عليه وسلامُه.

стр. 408

قصّة أيوب ﵇ قال ابن إسحاق (١): كان رجلًا من الروم، وهو أيوب بن موص بن رازح بن العيس بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. وقال غيره: هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب. وقيل: غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر (٢): أنَّ أُمَّه بنت لوط ﵇. وقيل (٣): كان أبوه ممن آمنَ بإبراهيم ﵇ يومَ أُلقي في النار، فلم تحرْقه، والمشهور الأول، لأنه من ذريَّة إبراهيم، كما قرَّرنا عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤] الآيات؛ من أنَّ الصحيحَ أنَّ الضميرَ عائدٌ على إبراهيم دون نوح ﵉. وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية. فالصحيحُ أنَّه من سُلالة العِيص بن إسحاق، وامرأتُه قيل: اسمها (٤) "ليا" بنت يعقوب. وقيل: "رحمة" بنت أفرائيم، وقيل: منشا (٥) بن يوسف بن يعقوب. وهذا أشهرُ، فلهذا ذكرناه هاهنا، ثم نعطفُ بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصَّته إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٤]. وروى ابنُ عساكر (٦): من طريق الكلبي، أنه قال: أوَّلُ نبيٍّ بُعث: إدريس، ثم نوح، ثم

стр. 409

إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم إسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شُعيب، ثم موسى وهارون، ثم إلياس، ثم اليسع ثم عزى بن شوتلح بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، ثم يُونس بن متى من بني يعقوب، ثم أيوب بن رازح بن آموص بن ليفزتا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفي بعض هذا الترتيب نظر، فإن هودًا وصالحًا المشهور أنهما بعد نوح، وقبل إبراهيم، والله أعلم. قال علماء التفسير (١) والتاريخ وغيرهم: كان أيوبُ رجلًا كثيرَ المال من سائر صنوفه وأنواعه؛ من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البَثْنيَّة (٢)، من أرض حوران. وحكى ابن عساكر (٣): أنها كلَّها كانت له، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسُلِبَ من ذلك جميعه، وابتُلي في جسده بأنواع من البلاء، ولم يبق منه عضو سليمٌ سوى قلبه ولسانه، يذكر الله بهما، وهو في ذلك كلَّه صابرٌ محتسبٌ، ذاكرٌ لله في ليله ونهاره وصباحهِ ومسائه. وطال مَرضُه حتى عافَه الجليسُ، وأوحش منه الأنيس، وأُخرجَ من بلده، وأُلقي على مِزْبلةٍ (٤) خارجَها، وانقطعَ عنه النَّاسُ، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجتِه كانت ترعى له حقه، وتعرف قديمَ إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردَّد إليه، فتُصلح من شأنه وتُعينه على قضاء حاجتِه، وتقوم بمصلحته، وضعفَ حالها وقل مالُها حتى كانت تخدمُ النَّاسَ بالأجر لتُطعمه، وتقومَ بأودِه ﵂ وأرضاها، وهي صابرةٌ معه على ما حلَّ بهما من فِراق المال والولد، وما يختصُّ بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد، وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والحرمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجلُ على حَسْب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه" (٥). ولم يزد هذا كله أيوب ﵇ إلا صبرًا واحتسابًا وحمدًا وشكرًا، حتى أن المثلَ ليضربُ بصبره ﵇، ويُضرب المثل أيضًا بما حصل له من أنواع البلايا.

стр. 410

وقد رُوي عن وَهْب بن مُنبِّهٍ وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبرٌ طويل (١) في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده، والله أعلم بصحته. وعن مُجاهد أنه قال: كان أيوب ﵇ أوَّلَ من أصَابه الجُدريُّ. وقد اختلفوا في مدَّة بلواه على أقوال، فزعمَ وَهْبٌ أنه ابتُلي ثلاثَ سنين لا تزيدُ ولا تنقصُ. وقال أنس: ابتُلي سبعَ سنين وأشهرًا، وأُلقي على مِزْبلة لبني إسرائيل، تختلف الدوابُّ في جسدِه حتى فرَّج الله عنه، وعظُمَ له الأجرُ، وأحسنَ الثناء عليه. وقال حميد: مكثَ في بلواه ثمانية عشرة سنة. وقال السُّدِّي: تساقطَ لحمُه حتى لم يبقَ إلا العظم والعصبُ، فكانت امرأتُه تأتيه بالرَّماد تفرشُه تحتَه، فلما طال عليه، قالت: يا أيوبُ لو دعوتَ ربَّك لفرَّجَ عنك؟ فقال: قد عشتُ سبعينَ سنة صحيحًا، فهو قليلٌ لله أن أصبرَ له سبعينَ سنة. فجزعتْ من هذا الكلام وكانت تخدمُ النَّاسَ بالأجر وتُطعم أيوب ﵇. ثم إنَّ الناسَ لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنَّها امرأةُ أيوبَ، خوفًا أن ينالَهم من بلائه، أو تُعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحدًا يستخدمُها عمدتْ فباعت لبعض بناتِ الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيِّب كثير، فأتتْ به أيوبَ، فقال: من أين لك هذا؟ وأنكره، فقالت: خدمتُ به أناسًا. فلما كان الغد لم تجد أحدًا، فباعتِ الضفيرة الأخرى بطعامٍ، فأتتْه به، فأنكرَه أيضًا، وحلفَ لا يأكلُه حتى تُخبره من أين لها هذا الطعام؟ فكشفت عن رأسها خمارَها، فلما رأى رأسها محلوقًا، قال في دعائه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عُبيد بن عُمير، قال: كان لأيوبَ أخوان، فجاءا يومًا فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدُهما لصاحبه: لو كان الله علمَ من أيوب خيرًا ما ابتلاه بهذا، فجزعَ أيوب من قولهما جزعًا لم يجزعْ من شيءٍ قط. قال: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أني لم أبتْ ليلةً قطُّ شبعانًا وأنا أعلمُ مكانَ جائعٍ فصدِّقني. فصُدِّقَ من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللَّهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أني لم يكن لي قميصان قطُ وأنا أعلمُ مكان عار فصدِّقني، فصُدّقَ من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم بعزَّتِكَ، وخرَّ ساجدًا، فقال: اللَّهُمَّ بعزَّتك لا أرفعُ رأسي أبدًا حتى تكشفَ عني، فما رفعَ رأسَه حتى كشفَ عنه (٢).

стр. 411

وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا: حدَّثنا يونسُ، عن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إن نبيَّ الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضَه القريبُ والبعيد إلَّا رجلين من إخوانه، كانا من أخصِّ إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: يعلمُ الله لقد أذنبَ أيوبُ ذنبًا ما أذنبَه أحدٌ من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاكَ. قال من ثماني عشر سنة لم يرحمْه ربُّه فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبرِ الرجلُ حتى ذكرَ ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولُ، غير أنَّ الله يعلمُ أني كنت أمرُّ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأُكفِّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلَّا في حقّ. قال: وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجعَ، فلما كان ذاتَ يوم أبطأتْ عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فاستبطأتْه، فتَلقَّته تنظر، وأقبلَ عليها قد أذهبَ الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأتْه، قالت: أي باركَ الله فيك؟ هل رأيتَ نبيّ الله هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعثَ الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الوَرِقَ حتى فاض". هذا لفظ ابن جرير (١)، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في "صحيحه" (٢) عن محمد بن الحسن بن قتيبةَ عن حرملة عن ابن وهب به. وهذا غريب رفعه جدًا، والأشبه أن يكون موقوفًا. وقال ابن أبي حاتم (٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: وألبسَه الله حُلَّةً من الجنَّة، فتنحَّى أيوب وجلسَ في ناحية، وجاءت امرأتُه فلم تعرفْه، فقالت: يا عبد الله هذا المبتلى الذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به، أو الذئاب؟ وجعلت تكلمه ساعة. قال: ولعل أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوبُ، قد ردَّ الله عليّ جسدي. قال ابن عباس: وردَّ الله عليه مالَه وولده بأعيانهم، ومثلهم معهم (٤). وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه قد رددتُ عليك أهلكَ ومالكَ ومثلَهم معهم، فاغتسلْ بهذا

стр. 412

الماء، فإن فيه شفاءَك، وقرِّبْ عن صحابتِك قربانًا، واستغفرْ لهم فإنهم قد عصوني فيكَ. رواه ابن أبي حاتم (١). وقال ابن أبي حاتم (٢): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عمرو بن مرزوق، حدَّثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس؛ عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما عافى الله أيوبَ ﵇ أمطرَ عليه جرادًا من ذهب، فجعلَ يأخذُ بيده ويجعلُ في ثوبه. قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبعُ؟ قال: يا ربِّ ومن يشبعُ من رحمتِك". وهكذا رواه الإمام أحمد (٣): عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد، عن همَّام، عن قتادة، به. ورواه ابن حبَّان في "صحيحه" (٤): عن محمد بن عبد الله الأزدي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الصمد، به. ولم يُخرِّجْه أحد من أصحاب الكتب، وهو على شرط الصحيح، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أُرسل على أيوب رِجْل (٦) من جراد من ذهب، فجعلَ يقبضُها في ثوبه، فقيل: يا أيُّوب! ألم يَكْفِكَ ما أعطيناكَ؟ قال: أي ربِّ! ومن يستغني عن فضلكَ. هذا موقوف، وقد رُوي عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعًا. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همَّام بن مُنبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما أيوبُ يغتسلُ عُرْيانًا خرَّ عليه جرادٌ من ذهب، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربه : يا أيوبُ! ألم أكنْ أغنيتُك عما ترى؟ قال: بلى أي رب! ولكن لا غنى لي عن بركتِكَ". رواه البخاري من حديث عبد الرزاق، به (٨). وقوله ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أي: اضرب الأرض برجلك، فامتثلَ ما أمرَ به، فأنبعَ الله له عينًا باردة الماء، وأُمرَ أن يغتسلَ فيها ويشربَ منها، فأذهبَ الله عنه ما كان يجدُه من الألم والأذى والسَّقم، والمرض الذي كان في جسده ظاهرًا وباطنًا، وأبدلَه الله بعد ذلك كلِّه صِحَّةً ظاهرة وباطنة، وجمالًا تامًّا،

стр. 413

ومالًا كثيرًا، حتى صبَّ له من المال صبًا، مطرًا عظيمًا جرادًا من ذهب، وأخلفَ الله له أهلَه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فقيل: أحياهم الله بأعيانهم، وقيل: آجرَه فيمن سلفَ وعوَّضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكُلِّهم في الدار الآخرة. وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: رفعنا عنه شدَّته ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ رحمةً منا، ورأفةً وإحسانًا ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] أي: تذكرةً لمن ابتُلي ببلاءٍ في جسدِه أو مالِه أو ولدِه، فله أسوةٌ بنبيِّ الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبرَ واحتسبَ حتَّى فرَّجَ الله عنه. ومنْ فهمَ من هذا اسمَ امرأته، فقال: هي رحمة، من هذه الآية، فقد أبعدَ النُّجعة وأغرقَ النَّزْعَ. وقال الضَّحَّاك، عن ابن عباس: ردَّ الله إليها شبابَها وزادَها، حتى ولدتْ له ستةً وعشرين ولدًا ذكرًا. وعاش أيوب بعد ذلك سبعينَ سنة بأرض الروم، على دين الحنيفية، ثم غيَّروا بعدَه دين إبراهيم. وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب ﵇ فيما كان من حَلْفه ليضربنَّ امرأته مئة سوطٍ. فقيل: حَلْفُه ذلك لبيعها ضفائرَها. وقيل: لأنه اعترضها الشيطانُ في صورة طبيبٍ يصفُ لها دواءً لأيوب، فانتبه فأخبرتْه، فعرفَ أنه الشيطان، فحلفَ ليضربنها مئة سوط. فلما عافاه الله أفتاه أن يأخذَ ضغثًا -وهو كالعثكال- الذي يجمع الشماريخَ، فيجمعها كلَّها ويضربها به ضربةً واحدةً، ويكون هذا مُنزَّلًا منزلةَ الضرب بمئة سوْطٍ ويبرّ ولا يحنث. وهذا من الفَرج والمَخْرج لمن اتقى اللهَ وأطاعَه، ولاسيما في حق امرأتِه الصابرةِ المُحتسبةِ المكابدةِ الصِّدِّيقةِ البَارَّة ﵂. ولهذا عقَّبَ الله هذه الرخصة، وعلَّلها بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ وقد استعملَ كثيرٌ من الفقهاء هذه الرخصة في باب الأيمان والنذور، وتوسَّع آخرون فيها حتى وضعوا كتابَ الحيل في الخَلاص من الأيمان، وصدَّروه بهذه الآية الكريمة، وأتَوْا فيه بأشياء من العجائب والغرائب. وسنذكرُ طرفًا من ذلك في كتاب "الأحكام" (١) عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى. وقد ذكرَ ابنُ جرير (٢) وغيرُه من علماء التاريخ: أنَّ أيوبَ ﵇ لما تُوفي كان عمره ثلاثًا وتسعين سنة. وقيل: إنه عاشَ أكثرَ من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه: أنَّ الله يحتجُّ يومَ القيامة بسليمان ﵇ على الأغنياء، وبيوسف ﵇ على الأرقاء، وبأيوب ﵇ على أهلِ البلاء.

стр. 414

رواه ابن عساكر (١) بمعناه. وأنَّه أوصى إلى ولده "حومل" (٢) وقام بالأمر بعده ولده "بشر" بن أيوب، وهو الذي يزعمُ كثير من الناس أنه ذو الكفل، فالله أعلم. وماتَ ابنُه هذا وكان نبيًا فيما يزعمون، وكان عمرُه من السنين خمسًا وسبعين، ولنذكر هاهنا قصَّة ذي الكِفْل، إذ قال بعضهم: إنه ابن أيوب ﵉. * * * وهذه قصة ذي الكفل الذي زعم قومٌ أنَّه ابن أيُّوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضًا في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونًا مع هؤلاء السادة الأنبياء، أنه نبيٌّ عليه من ربِّه الصلاة والسلام، وهذا هو المشهور. وقد زعمَ آخرون أنَّه لم يكن نبيًّا وإنما كان رجلًا صالحًا وحكمًا مُقْسطًا عادلًا. وتوقَّفَ ابنُ جرير في ذلك، فاللّه أعلم. وروى ابن جُريج (٣) وابن أبي نَجيح: عن مجاهد: أنه لم يكن نبيًّا وإنما كان رجلًا صالحًا، وكان قد تكفَّلَ لبني قومه أن يكفيَه أمرَهم ويقضي بينهم بالعدل، فسُمِّي ذا الكفل (٤). وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: من طريق داود بن أبي هند: أنه قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفتُ رجلًا على النَّاس يعملُ عليهم في حياتي، حتى أنظرَ كيف يعملُ، فجمعَ النَّاسَ، فقال: منْ يتقبَّلْ لي بثلاث أستخلفْه؟ يصومُ النهارَ، ويقومُ اللَّيلَ، ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا. فقال: أنتَ تصومُ النَّهارَ، وتقومُ الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم. قال: فردَّهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكتَ النَّاس، وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستخلفَه. قال:

стр. 415

فجعلَ إبليسُ يقولُ للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإيَّاه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينامُ اللَّيلَ والنَّهارَ إلا تلك النومة، فدقَّ البابَ، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقامَ ففتحَ البابَ، فجعلَ يقصُّ عليه. فقال: إن بيني وبين قومي خصومةً، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا، حتى حضرَ الرَّواح وذهبتِ القائلة، وقال: إذا رحتُ فأتني آخذ لك بحقِّك، فانطلقَ وراح، فكان في مجلسه فجعلَ ينظرُ هل يرى الشيخِ فلم يره، فقامَ يتبعُه فلما كان الغد جعلَ يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه. فلما رجعَ إلى القائلة فأخذ مضجعَه، أتاه فدقَّ البابَ، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتحَ له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدتُ فأتني؟ فقال: إنهم أخبثُ قوم، إذا عرفوا أنَّك قاعدٌ قالوا: نحن نُعطيك حقكَ، وإذا نمتَ جَحدوني. قال: فانطلقْ، فإذا رحت فأْتني. قال: ففاتته القائلةُ فراحَ، فجعلَ ينتظر فلا يراه، وشقَّ عليه النُّعاسُ، فقال لبعض أهله: لا تدعُنَّ أحدًا يقربُ هذا الباب حتى أنام، فإني قد شقَّ علي النوم. فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل: وراءَك وراءَك. قال: إني قد أتيتُه أمس فذكرتُ له أمري. فقال: لا والله لقد أمرنا ألا ندعَ أحدًا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوَّةً في البيت، فتسوَّر منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقُّ البابَ من داخل. قال: فاستيقظَ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تُؤْت فانظرْ من أين أُتيت. قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقَه، وإذا الرجل معه في البيت فعرَفه، فقال: أعدوَّ الله؟ قال: نعم، أعييتني في كلِّ شيءٍ، ففعلتُ ما ترى لأغضبنَّك، فسمَّاه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفَّى به (١). وقد روى ابن أبي حاتم (٢) أيضًا عن ابن عبَّاس قريبًا من هذا السياق. وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحوُ هذا. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الجماهر، أنبأنا سعيد بن بشير، حدَّثنا قتادة، سمعت الأشعري -يعني أبا موسى ﵁ وهو على هذا المنبر- يقول: ما كان ذو الكفل نبيًا، ولكن كان رجلًا صالحًا، يُصلّي كلَّ يوم مئة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، يُصلَّي كلَّ يوم مئة صلاة فسُمِّي ذا الكفل (٣). ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو موسى الأشعري: فذكره منقطعًا.

стр. 416

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١): حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال: سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثًا لو لم أسمعْه إلا مرَّةً أو مرتين، حتى عدَّ سبع مرار، ولكن قد سمعتهُ أكثرَ من ذلك قال: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورَّع من ذنب عملَه، فأتته امرأةٌ فأعطاها ستينَ دينارًا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعدَ الرجل من امرأته أرعدتْ وبكت، فقال لها: ما يُبكيك أكرهتُك؟ قالت: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعملْه قطُّ، وإنما حملتني عليه الحاجةُ. قال: فتفعلينَ هذا ولم تفعليه قطّ. ثم نزل، فقال: اذهبي بالدنانير لكِ. ثم قال: والله لا يَعصي الله الكِفْلُ أبدًا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل" (٢). ورواه الترمذي (٣) من حديث الأعمش به وقال حسن، وذَكَرَ أن بعضَهم رواه فوقفه على ابن عمر، فهو حديثٌ غريب جدًا. وفي إسناده نظر، فإن سعدًا هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلا بحديث واحد، ووثَّقه ابنُ حبَّان، ولم يروه عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا، واللّه أعلم. [وإن كان محفوظًا فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث: الكفل، من غير إضافة، فهو رجلٌ آخر غير المذكور في القرآن، فالله أعلم] (٤). * * * باب ذكر أممٍ أُهلكوا بعامّة وذلك قبل نزول التوارة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] الآية. كما رواه ابن جرير (٥) وابن أبي حاتم (٦) والبزار (٧): من حديث عوف الأَعْرابي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: ما أهلكَ الله قومًا بَعذابٍ من السَّماء أو من

стр. 417

الأرضِ بعدما أُنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مُسِخوا قردةً، ألم ترَ أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]. ورفعه البزار في رواية له، والأشبه والله أعلم وقفه، فدلَّ على أن كل أمة أُهلكت بعامة قبل موسى ﵇، فمنهم: أصحاب الرس: قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨ - ٣٩]. وقال تعالى في سورة ق: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤] وهذا السياق والذي قبلَه يدلُّ على أنهم أُهلكوا ودُمِّروا وتُبِّرُوا، وهو الهلاك. وهذا يردُّ اختيارَ ابن جرير (١) من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذُكروا في سورة البروج، لأنَّ أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعدَ المسيح ﵇، وفيه نظر أيضًا. وروى ابن جريج قال: قال ابن عباس: أصحابُ الرَّسِّ أهلُ قريةٍ من قُرى ثمود (٢). وقد ذكرَ الحافظُ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق (٣)، عن تاريخ أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة وغيره؛ أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانوا بحَضُور (٤)، فبعثَ الله إليهم نبيًا يُقال له: حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه، فسارَ عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرسِّ، فنزلَ الأحقاف، وأهلكَ الله أصحابَ الرَّسِّ، وانتشروا إلى اليمن كلها، وفشوا مع ذلك في الأرض كلها، حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق، وبنى مدينتها وسمَّاها جيرون، وهي إرم ذات العماد، وليس أعمدة الحجارة في موضعٍ أكثر منها بدمشق، فبعثَ الله هودَ بن عبد الله بن رَباح بن خالد بن الخلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد بالأحقاف، فكذبوه، وأهلكهم الله ، فهذا يقتضي أنَّ أصحابَ الرسِّ قبلَ عادٍ بدهور متطاولة، فالله أعلم. وروى ابن أبي حاتم: عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن أبيه، عن شَبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الرَّسُّ بئر بأذربيجان.

стр. 418

وقال الثوري: عن أبي بكر، عن عكرمة، قال: الرَّسُّ بئر رسُّوا فيها نبيّهم، أي: دفنوه فيها. وقال ابن جُرَيْج: قال عكرمة: أصحابُ الرَّسِّ بفَلَج، وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فَلج: من قرى اليمامة. قلت: فإن كانوا أصحاب يس كما زعمَه عكرمة، فقد أُهلكوا بعامَّة، قال الله تعالى في قصتهم: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] وستأتي قصَّتُهم بعد هؤلاء، وإن كانوا غيرَهم -وهو الظاهر- فقد أُهلكوا أيضًا وتُبِّروا. وعلى كل تقديرٍ فيُنافي ما ذكرَه ابن جرير. وقد ذكرَ أبو بكر محمد بن الحسن النَّقَّاش: أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانت لهم بئر ترويهم، وتكفي أرضَهم جميعها، وكان لهم مَلِكٌ عادلٌ حَسَنُ السِّيرة، فلما ماتَ وجدوا عليه وَجْدًا عظيمًا، فلما كان بعد أيام تصوَّر لهم الشيطان في صورته، وقال: إني لم أمتْ، ولكنْ تغيَّبتُ عنكم حتى أرى صنيعَكم، ففرحوا أشدَّ الفَرح، وأمر بضربِ حجابٍ بينهم وبينَه، وأخبرَهم أنَّه لا يموتُ أبدًا، فصدَّق به أكثرُهم، وافتتنوا به وعبدوه، فبعثَ الله فيهم نبيًّا وأخبرَهم أنَّ هذا شيطانٌ يُخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادِته وأمرهم بعبادة الله وحدَه لا شريك له. قال السهيلي: وكان يُوحى إليه في النوم، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلُوه وألقَوه في البئر، فغارَ ماؤُها، وعطشو ا بعد ريِّهم، ويَبِسَتْ أشجارُهم، وانقطعتْ ثمارُهم، وخربت ديارُهم، وتبدّلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم وسكنَ في مساكنهم الجنُّ والوحوش، فلا يُسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسود، وصوتُ الضِّباع. فأما ما رواه -أعني ابن جرير- عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أوَّل الناس يدخل الجنَّة يوم القيامة العبدُ الأسود". وذلكَ أنَّ الله تعالى بعثَ نبيًا إلى أهل قرية، فلم يؤمنْ به من أهلها إلا ذلك الأسود. ثم إنَّ أهلَ القرية عَدَوْا على النبيِّ فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصمّ. قال: فكان ذلك العبدُ يذهبُ فيحتطبُ على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى ذلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويُعينه الله عليها، ويُدلِّي إليه طعامه وشرابه، ثم يردُّها كما كانت. قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون. ثم إنه ذهبَ يومًا يحتطبُ كما كان يصنعُ، فجمعَ حطبَه، وحزمَ حِزْمته، وفرغَ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنةً، فاضطجعَ ينامُ، فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين نائمًا، ثمّ إنَّه هبَّ فتمطَّى، وتحوَّل لشقِّه الآخر، فاضطجعَ فضربَ الله على أذنه سبعَ سنين أخرى، ثم إنَّه هبَّ واحتملَ حزمته ولا يحسبُ أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباعَ حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابًا كما كان يصنع. ثم إنه ذهبَ

стр. 419

إلى الحفرة، إلى موضعها الذي كانت فيه، فالتمسَه فلم يجدْه، وقد كان بدا لقومه فيه بِدَاءً، فاستخرجُوه وآمنوا به وصدَّقوه. قال: فكان نبيُّهم يسألُهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون له: ما ندري حتّى قبضَ الله النبيَّ ﵇، وأهبَّ الأسودُ من نومه بعد ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ ذلك الأسود لأوَّل من يدخل الجنَّة" (١)، فإنَّه حديثٌ مرسلٌ، ومثله فيه نظر. ولعل بَسْطَ قِصَّته من كلام محمد بن كعب القرظي، والله أعلم. ثم قد ردَّه ابن جرير (٢) نفسه، وقال: لا يجوز أن يُحملَ هؤلاء على أنهم أصحابُ الرسِّ المذكورون في القرآن. قال: لأن الله أخبرَ عن أصحاب الرَّسِّ أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيِّهم، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ حدثت لهم أحداثٌ آمنوا بالنبيِّ بعد هلاك آبائهم، والله أعلم. ثم اختارَ أنَّهم أصحابُ الأخدود (٣)، وهو ضعيفٌ لما تقدم، ولما ذُكرَ في قصَّة أصحاب الأخدود حيث تُوعِّدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا، ولم يذكرْ هلاكَهم، وقد صرَّح بهلاك أصحاب الرَّسِّ، والله أعلم. * * * ومنهم أصحابُ القرية أصحاب يس قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٢٩].

стр. 420

اشتُهر عن كثير من السلف والخلف؛ أنَّ هذه القرية "أنطاكية" رواه ابن إسحاق (١)، فيما بلغَه عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وَوَهْبِ بن مُنَبِّه، وكذا رُوي عن بُريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزُّهْري وغيرهم، قال ابن إسحاق، فيما بلغه عن ابن عبَّاس وكعب ووهْب أنهم قالوا: وكان لها مَلِكٌ اسمُه "أنطيخس" (٢) بن أنطيخس، وكان يعبدُ الأصنامَ، فبعثَ الله إليه ثلاثًا من الرسل، وهم: صادق، وصدوق، وشلوم، فكذَّبهم. وهذا ظاهرٌ أنهم رسلٌ من الله ، وزعمَ قتادة (٣) أنهم كانوا رسلًا من المسيح. وكذا قال ابن جرير (٤): عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجُبَّائي: كان اسم المرسلين الأوَّليين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية. وهذا القول ضعيفٌ جدًا؛ لأن أهل "أنطاكية" لما بعثَ إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريينَ كانوا أوَّلَ مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بتاركةُ النَّصارى وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية. ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أُهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] لكنْ إن كانت الرسلُ الثلاثة المذكورون في القرآن بُعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذَّبوهم وأهلكهم الله، ثم عمُرتْ بعد ذلك؛ فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم. فأما القولُ بأن هذه القصَّة المذكورة في القرآن هي قصَّةُ أصحاب المسيح، فضعيف لما تقدَّم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله. قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ يعني لقومك يا محمد ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ويعني المدينة ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: أيدناهما بثالث في الرسالة ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فردّوا عليهم بأنَّهم بشرٌ مثلُهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدونَ أنْ يبعثَ الله نبيًّا بشريًّا، فأجابوهم بأن الله يعلمُ أنَّا رسلُه إليكم، ولو كنَّا كذَّبنا عليه لعاقبَنا وانتقم منَّا أشدَّ الانتقام ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إنما علينا أن نُبلِّغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يَهدي منْ يشاءُ ويُضلُّ منْ يشاء ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا بما جئتمونا به ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل:

стр. 421

بالمقال، وقيل: بالفعال، ويُؤيِّد الأوَّلَ قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فوعدُوهم بالقتل والإهانة. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: مردودٌ عليكم ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنَّا ذكَّرناكم بالهدى، ودعوناكم إليه تَوعَّدْتُمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرُّسل وإظهار الإيمان بهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: يدعونكم إلى الحقِّ المَحْضِ بلا أجرة ولا جُعالة، ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفعُ شيئًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن تركتُ عبادة الله وعبدتُ معه ما سواه. ثم قال مخاطبًا للرسل: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل: فاسمعوا مَقالتي واشهدوا لي بها عندَ ربكم .. وقيل: معناه: فاسمعوا يا قومي إيماني برسُل الله جهرةً. فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا. وقيل: وثبوا إليه وثبةَ رجُل واحدٍ فقتلُوه. وحكى ابن إسحاق: عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود، قال: وَطِئوه بأرجلهم حتَّى أخرجوا قُصْبَه (١). وقد روى الثوري (٢): عن عاصم الأحول، عن أبي مَجْلز، كان اسمُ هذا الرجل حبيب بن مُرِّي. ثم قيل: كان نجَّارًا. وقيل: حبَّالًا. وقيل: إسكافًا. وقيل: قصَّارًا. وقيل: كان يتعبَّدُ في غار هناك، فالله أعلم. وعن ابن عبَّاس (٣): كان حبيبُّ النَّجَّارُ قد أسرعَ فيه الجُذام، وكان كثيرَ الصَّدقة، قتلَه قومه. ولهذا قال تعالى: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ يعني لما قتله قومُه أدخلَه الله الجنَّة، فلما رأى فيها من النُّضْرة والسرور ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني ليؤمنوا بما آمنتُ به، فيحصل لهم ماحصلَ لي. قال ابن عباس: نصحَ قومه في حياته ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم (٤). وكذلك قال قتادة (٥): لا يُلقى المؤمنُ إلا ناصحًا، لا يُلقى غاشَّا لما عاين من كرامة الله. ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنَّى والله أن يعلمَ قومه بما عاينَ من كرامة الله، وما هو عليه. قال قتادة: فلا والله ما عاتبَ الله قومَه بعد قتله ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ وقوله

стр. 422

تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جُنْدٍ من السماء عليهم، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (١): عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود. وقال مجاهد وقتادة: وما أنزلَ عليهم جُنْدًا، أي: رسالةً أخرى. قال ابن جرير (٢): والأوَّلُ أولى. قلت: وأقوى. ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا نحتاجُ في الانتقام إلى هذا حين كذَّبوا رسلنا، وقتلوا وَليَّنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. قال المفسرون: بعثَ الله إليهم جبريلَ ﵇، فأخذَ بعضادتي الباب الذي لبلدهم، ثم صاحَ بهم صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون، أي: قد أُخمدتْ أصواتُهم، وسكنتْ حركاتُهم، ولم يبق منهم عينٌ تَطْرُفُ. وهذا كلُّه مما يدلُّ على أن هذه القرية ليست أنطاكية، لأن هؤلاء أُهلكوا بتكذيبهم رسلَ الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتَّبعوا رسلَ المسيح من الحواريِّين إليهم، فلهذا قيل: إن أنطاكية أوَّلُ مدينة آمنتْ بالمسيح. فأما الحديث الذي رواه الطبراني: من حديث حسين الأشقر، عن سُفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "السَّبْقُ ثلاثة: فالسابق إلى موسى يُوشع بن نون، والسابقُ إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد عليُّ بن أبي طالب" (٣) فإنه حديث لا يثبتُ، لأن حُسينًا هذا متروك وشيعيٌّ من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدلُّ على ضعفه بالكليَّة، والله أعلم.

стр. 423

قصة يونس ﵇ قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨]. وقال تعالى في سورة نون: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠]. قال علماءُ التفسير: بعثَ الله يونسَ ﵇ إلى أهل "نينوى" من أرض المَوْصل، فدعاهم إلى الله ، فكذبوه وتمرَّدوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم، خرج من بين أظهرِهم، ووعدَهم حلولَ العذاب بهم بعد ثلاث. قال ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد منَ السلف والخلف: فلما خرجَ من بين ظهرانيهم وتحقَّقوا نزولَ العذاب بهم قذفَ الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم، فلبسوا المسوحَ، وفرَّقوا بين كلّ بهيمةٍ وولدها، ثم عجُّوا (١) إلى الله ، وصرَخوا وتضرَّعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجالُ والنساء والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدوابُّ والمواشي، فرغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة. فكشفَ الله العظيمُ بحوله وقوَّته ورأفتِه ورحمتِه عنهم العذابَ الذي كان قد اتَّصَلَ بهم بسببه، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] أي: هلا وجدت فيما سلف من القرون قريةً آمنت بكمالها، فدلَّ على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال

стр. 424

تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] أي آمنوا بكمالهم. وقد اختلفَ المفسرون هل ينفعُهم هذا الإيمان في الدار الآخرة، فينُقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذَهم من العذاب الدنيوي؟ على قولين: الأظهرُ من السياق نعم والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] وهذا المتاعُ إلى حين، لا ينفي أن يكونَ معه غيرُه من رفع العذاب الأخرويّ، والله أعلم. وقد كانوا مئة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة، فعن مكحول (١) عشرة آلاف. وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم: من حديث زهير، عمن سمع أبا العالية، حدَّثني أبيّ بن كعب: أنه سألَ رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال: "يزيدون عشرين ألفًا" (٢). فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلًا في هذا الباب. وعن ابن عباس: كانوا مئة ألف وثلاثين ألفًا. وعنه: وبضعة وثلاثين ألفًا. وعنه: وبضعة وأربعين ألفًا. وقال سعيد بن جبير: كانوا مئة ألف وسبعين ألفًا (٣). واختلفوا هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده، أو هما أُمَّتان؟ على ثلاثة أقوال، هي مبسوطة في التفسير (٤). والمقصودُ أنَّه ﵇ لما ذهبَ مُغاضبًا بسبب قومِه، ركبَ سفينةً في البحر فلجَّت (٥) بهم واضطربتْ وماجتْ بهم وثَقُلتْ بما فيها، وكادُوا يغرقونَ على ما ذكره المفسرون. قالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخفَّفوا (٦) منه. فلما أقرعوا (٧) وقعت القرعة على نبيِّ الله يونس، فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانيةً فوقعت عليه أيضًا، فشمَّر (٨) ليخلعَ ثيابه ويُلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.

стр. 425

ثم أعادوا القرعةَ ثالثةً فوقعتْ عليه أيضًا، لما يُريده الله به من الأمر العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢]. وذلك أنه لما وقعتْ عليه القُرْعة أُلقيَ في البحر، وبعثَ الله حوتًا عظيمًا من البحر الأخضر فالتقمَه، وأمره الله تعالى ألَّا يأكلَ له لحمًا ولا يهشمَ له عظمًا، فليس لك برزقٍ، فأخذه فطافَ به البحار كلَّها. وقيل: إنه ابتلعَ ذلك الحوتَ حوتٌ آخرُ أكبر منه. قالوا: ولما استقرَّ في جَوْفِ الحوت حَسِبَ أنَّه قد ماتَ، فحرَّك جوارحَه فتحرَّكتْ، فإذا هو حيٌّ، فخرَّ لله ساجدًا، وقال: يا رب اتَّخذتُ لك مسجدًا [في موضع] (١) لم يعبدْكَ أحدٌ في مثله. وقد اختلفوا في مقدار (٢) لُبْثِه في بطنه، فقال مجالدٌ عن الشعبي: التقمه ضُحىً ولفظه عشيَّةً. وقال قتادة: مكث فيه ثلاثًا. وقال جعفر الصادق: سبعة أيام. ويشهدُ له شعر أُميَّة بن أبي الصلت: [من الطويل] وأنتَ بفضلٍ منكَ نجّيت يُونُسًا … وقدْ باتَ في أضعافِ حُوتٍ لياليا (٣) وقال سعيدُ بن أبي الحسن، وأبو مالك: مكثَ في جوفه أربعينَ يومًا. والله أعلمُ كم مقدار ما لبثَ فيه. والمقصود أنَّه لما جعل الحوتُ يطوفُ به في قرار البحار، ويقتحمُ به لُجج المَوْجِ الأجاجي، فسمعَ تسبيح الحِيتان للرحمن، وحتى سمعَ تسبيحَ الحصى لفالق الحَبِّ والنَّوى وربّ السموات السبع والأرضين السبع، وما بينها وما تحتَ الثرى. فعندَ ذلك وهنالكَ قال ما قال بلسان الحال والمقَال، كما أخبرَ عنه ذو العِزة والجلال، الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضرَّ والبلوى، سامع الأصوات وإن ضعفتْ، وعالم الخفيَّات وإن دقَّت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين وربّ العالمين وإله المرسلين: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ إلى أهله ﴿مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] فظنَّ أن لن نقدر عليه: أن نضيق، وقيل معناه: نقدر من التقدير، وهي لغة مشهورة قدر وقدّرَ، كما قال الشاعر: [من الطويل] فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى … تباركْتَ، ما يُقدَرْ يكُنْ، فَلكَ الأمرُ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال ابن مسعود، وابن عبَّاس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جُبير،
следующие страницы →