← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

رسول الله ﷺ فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: "ويحك يا بن سمية الناس ينقلون حجرًا حجرًا ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر (وكنت مع ذلك) ويحك تقتلك الفئة الباغية" قال فرجع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول وأخبره (١) الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عمارًا؟ إنما قتل عمارًا من جاء به؟ قال: فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيتهم وهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب هو أو هم. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفّين بينه وبين عمرو بن العاص فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: "ويحك يا بن سُمية تقتلك الفئة الباغية قال فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول عبد الله هذا؟! فقال معاوية لا يزال يأتينا بهنة بعد هنة، أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به. ثم رواه أحمد (٣) عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن الأعمش به نحوه، تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه، وهذا التأويل الذي سلكه معاوية ﵁ بعيد، ثم لم ينفرد عبد الله بن عمرو بهذا الحديث بل قد روي من وجوه أخر. قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن خالد، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وقد روى البخاري في صحيحه (٥) من حديث عبد العزيز بن المختار وعبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد في قصة بناء المسجد أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن، وفي بعض نسخ البخاري: "يا ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". وقال أحمد (٦): حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا شعبة، حدَّثنا (٧) عمرو بن دينار، عن

стр. 3607

أبي هشام (١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وروى مسلم (٢) من حديث شعبة، عن [أبي مسلمة، عن] (٣) أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: حدَّثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". (وروى مسلم (٤) أيضًا: من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، عن الحسن وسعيد بن أبي الحسن عن أمهما خيرة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". ورواه (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمه عن أم سلمة به) وفي رواية: وقاتله في النار. وروى البيهقي (٦) عن الحاكم، وغيره، عن الأصم، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني، عن أبي الجوَّاب، عن عمار بن رزيق، عن عمّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لعمار): "إذا اختلف الناس كان ابن سُمية مع الحق". وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في "سيرة علي": حدَّثنا يحيى بن عبيد (٧) الله الكرابيسي، حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا أبو معاوية، عن عمّار بن رزيق، عن عمّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد أَمَّننا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله، قلت: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف (٨) الناس كان ابن سُمية مع الحق". وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص نفسه حديثًا في ذكر عمار وأنه مع الحق، وإسناده غريب. وروى البيهقي (٩): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الأسفاطي، حدَّثنا أبو مصعب، حدَّثنا (١٠) يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر،

стр. 3608

عن مَوْلاةٍ لعمّار قالت: "اشتكى عمار شكوى أرق منها فغُشي عليه، فأفاق ونحنُ نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرني حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر أدمي من الدنيا مذقة من لبن". وقال أحمد (١): حدَّثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال: فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله ﷺ أنه جعل ينفض رأسه ويقول: "ويحك يابن سمية تقتلك الفئة الباغية". تفرد به أحمد، وما زاده الروافض (٢) في هذا الحديث بعد قوله "الباغية": لا أنالها والله شفاعتي يوم القيامة، فهو كذب وبهت على رسول الله ﷺ فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريبًا إن شاء الله. قال ابن جرير (٣) وقد ذكر أن عمارًا لما قُتل قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفًا، وتقدمهم علي ببغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقاتل ويقول (٤): [من الرجز] أَضْرِبُهم ولا أرى مُعاويهْ … الجاحظَ العَيْنِ عَظيم الحاويهْ قال: ثم دعى عليٌّ معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه عمرو بن العاص [أن يبرز إليه] فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل (قط) إلا قتله، ولكنك طمعت فيها بعدي، ثم قدم علي ابنه محمدًا في عصابة كثيرة (من الناس)، فقاتلوه قتالًا شديدًا ثم تبعه علي في عصابة أخرى، فحمل بهم فقُتِلَ في هذا الموطن خلقٌ كثير من الفريقين (لا يعلمهم إلا الله) وقتل من العراقيين خلق كثير أيضًا، وطارت أكفٌّ ومعاصمُ ورؤوسٌ عن كواهلها، ﵏. ثم حانت صلاة المغرب فما صلَّى بالناس إلَّا إيماءً صلاتي العشاءَ واستمرّ القتال في هذه الليلة كلها وهي من أعظم الليالي شرًا بين المسلمين، وتسمى (هذه الليلة) ليلة الهرير، وكانت ليلة الجمعة تقصفت [فيها] الرماح ونفدت النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعليٌّ ﵁ يحرّضُ القبائل، ويتقدَّم إليهم يأمر بالصَّبْر والثبات (٥) وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر [النخعي]، تولاها بعد قتل (٦) عبد الله بن بُدَيْل عشية الخميس ليلة الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب [وذلك لما قتل عمار عرف أهل العراق

стр. 3609

أن أهل الشام بغاة ليس معهم حق] فذكر غير واحد من علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت (١)، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه، وتعاضُّوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا (٢) ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا [ولا يتمكن أحدهما الفرار من الآخر] فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلى الناس الصبح إيماءً وهم (٣) في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق (٤) على أهل الشام، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة [وكان من الشجعان الأبطال الذين يعرفون الحروب ولا يهابون القتل]، فحمل بمن معه على أهل الشام وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون (٥)، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح: وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور؟ ومن لجهاد المشركين والكفار (٦). وذكر ابن جرير (٧) وغيره من أهل التاريخ أن الذي أشار برفع المصاحف (٨) عمرو بن العاص، وذلك لما رأى أن أهل العراق قد ظهروا وانتصروا (٩) في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر فإن كلًّا من الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانون. فقال لمعاوية: إني قد رأيت أمرًا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعًا ولا يزيدهم (١٠) إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال [هذه الساعة] وإن اختلفوا فيما بينهم بأن يقول بعضهم نجيبهم وبعضهم (١١) لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم. وقال الإمام أحمد (١٢)، حدَّثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال:

стр. 3610

أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان فيما استجابوا له وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالهم فقال: كنا بصفّين فلما استحرّ القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف فادعُهُ إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك [الإجابة إلى كتاب الله] فجاء به رجل [منهم] فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] فقال علي: نعم! أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارجُ ونحن ندعوهم يومئذ القُرّاء وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حُنيف فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعنى (١) الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله، فقال: (يا رسول الله) ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ [قال: "بلى"، وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه. [ذكر] رفع أهل الشام المصاحف (٢) فلما رُفعت المصاحفُ قال أهل العراق: نُجيب إلى كتاب الله ونُنيب إليه. قال أبو مخنف (٣): حدَّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليًا قال: عباد الله أمضوا إلى حقّكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإنَّ معاويةَ وعمرو بن العاص وابنَ أبي مُعَيْط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سَرْح والضّحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرَّ أطفالٍ وشرَّ رجالٍ، ويحكم والله إنهم ما رفعوها أنهم يقرؤونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاءً ومكيدة. [ومكرًا وتخذيلًا لكم وكسرًا لحدتكم وقتالكم، ولم يبق إلا هزيمتهم وفرارهم ونصركم عليهم] فقالوا له: ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، فقال لهم: (إني) إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عَصَوا الله فيما أمرهم به، وتركوا عهده، ونبذوا [أمره] وكتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السبائي في عصابة معهما من القُرّاء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيتَ إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكفّ عن القتال، فبعث إليه علي ليكفَّ عن القتال.

стр. 3611

وقد ذكر الهيثم بن عدي (١) في كتابه الذي صنَّفه في الخوارج فقال: قال ابن عباس: فحدَّثني (٢) محمد بن المنتشر الهمداني، عمن شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم (٣) على كذب: أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى، وقال في علي بعض ما أكره ذكره، ثم قال: من رائح إلى الله قبل أن يبتغي غير الله حكمًا؟ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه. وكان ممن دعا إلى ذلك [في ذلك اليوم من] سادات الشاميين عبد الله بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك القتال والائتمار بما في القرآن، وذلك عن أمر معاوية له بذلك (٤) ﵄، وكان ممن أشار على علي بالقبول والدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي ﵁. فروى أبو مخنف (٥) من وجه آخر أن عليًا لما بعث إلى الأشتر قال: قل له إنه (ليس) هذه ساعة ينبغي أن (لا) تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح الله علي، فلا تعجلني، فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى علي فأخبره عن الأشتر بما قال (٦)، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج وعلت الأصوات فقال أولئك القوم لعلي: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل، فقال: أرأيتموني ساررت الرسول (٧)؟ ألم أبعثْ إليه جهرةً وأنتم تسمعون؟ فقالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك، فقال: عليٌّ لزيد بن هانئ: ويحك! قل له أقبل إلي، فإن الفتنة قد وقعت، فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه (ينصرف عن القتال و) يقبل إليه، جعل [الأشتر] يتململ (٨) ويقول: ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر ولم يبق إلا القليل؟ فقلت له: أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان؟ ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا؟ قال: فأقبل الأشتر إلى علي وترك القتال فقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل والوهن (٩) أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف

стр. 3612

يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وسنة من أنزل عليه [القرآن] (١)، فلا تجيبوهم، (أمهلوني) فإني قد أحسست بالفتح، قالوا: لا! قال: أمهلوني عدوَ الفَرَسِ فإني قد طمعت في النصر، قالوا إذًا ندخل معك في خطيئتك، ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام بما حاصله: إن كان أول قتالكم هؤلاء حقًا فاستمروا عليه، وإن كان باطلًا فاشهدوا لقتلاكم بالنار، فقالوا: دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبدًا، ونحن قاتلنا هؤلاء في الله، وتركنا قتالهم لله، فقال لهم الأشتر: خُدعتم والله فانخدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقًا إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجَلالة ما أنتم بربانيين بعدها. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبّوه وسبَّهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، وجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة أيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا (٢) لم يفرَّ أحدٌ عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفًا: خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم [محمد] بن سيرين وسيف وغيره. وزاد أبو الحسن بن البراء - وكان في أهل العراق - خمسة وعشرون بدريًا، قال: وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفًا واختلفوا (٣) في مدة المقام بصفين، فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن بن البراء مئة [يوم] وعشرة أيام. قلت: ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهلّ ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر وذلك سبعة وسبعون يومًا، فالله سبحانه أعلم. وقال الزُّهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسًا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم (٤). وقد روى البيهقي (٥): من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو: كان أهل الشام ستين ألفًا فقتل منهم عثرون ألفًا، وكان أهل العراق مئة وعشرين ألفًا فقتل منهم أربعون ألفًا.

стр. 3613

وحمل البيهقيّ هذه الوقعة على الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين (١) (من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن هَمّام بن منبِّه) عن أبي هريرة. ورواه البخاريُّ (٢) (من حديث شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة) عن أبي هريرة، (ومن حديث شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة". ورواه مجالد عن أبي الحواري عن أبي سعيد مرفوعًا مثله (٣). ورواه الثوري عن ابن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حشى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما (٤) واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق". وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد (٥) عن مهدي وإسحاق عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حِراش عن البراء بن ناجية الكاهلي عن ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل (٦) من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا" فقال عمر: يا رسول الله أممّا مضى أم مما بقي؟ قال: "بلى مما بقي". وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في "سيرة علي" [رواه عن إبراهيم] عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن شريك عن منصور به مثله. وقال أيضًا: حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله. قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إن رحى الإسلام ستزول بعد خمسٍ وثلاثين سنة فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا (الدنيا) سبعين عامًا رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سنن منْ كان قبلهم؟ ".

стр. 3614

وقال ابن ديزيل: حدَّثنا عبد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن خراش الشيباني، عن العَوّام بن حَوْشَب، عن إبراهيم التيمي (١). قال قال رسول الله ﷺ : "تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بني أمية، - يعني عثمان ﵁. وقال أيضًا: حدَّثنا الحكم عن نافع عن صفوان بن عمرو عن الأشياخ: أن رسول الله ﷺ دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال - وهو قاعد ينتظرها - "كيف أنتم إذا رأيتم خليفتين (٢) في الإسلام؟ " قال أبو بكر (٣): أو يكون ذلك في أمة إلَهها واحد ونبيها واحد؟ قال: "نعم"! قال: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: "لا! " قال عمر: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: "لا! " قال عثمان: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم! بك ينشبون الحرب" (٤) وقال أيضًا عمر [بن الخطاب] لابن عباس: كيف يختلفون وإلَههم واحد وكتابهم واحد وملتهم (٥) واحدة؟ فقال: إنه سيجيء قوم لا يفهمون القرآن كما نفهما (٦)، فيختلفون فيه فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا. فأقرّ عمر بن الخطاب بذلك. وقال أيضًا: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن - أخو أبي حمزة - حدَّثنا محمد بن سيرين قال: لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم: لا ينتطح في قتله عنزان (٧) فلما كان يوم صفين فقئت عينه فقيل: لا ينتطح في قتله عنزان (٨)، فقال: بلى وتُفقأ عيون كثيرة. وروي عن كعب الأحبار أنه مر بصفين فرأى حجارتها فقال: لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل تسع مرات، وإن العرب ستقتتل فيها العاشرة، حتى يتفاذفوا بالحجارة التي تقاذف بها (٩) بنو إسرائيل ويتفانوا كما تفانوا.

стр. 3615

وقد ثبت في الحديث (١) أن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم (٢) فيستبيح بيضتهم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها". ذكرنا ذلك (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال رسول الله: هذا أهون. قصة التحكيم (٤) ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين - علي ومعاوية - رجلًا من جهته. ثم يتفق الحكمان على ما فيه المصلحة للمسلمين. فوكّل معاوية عمرو بن العاص، وأراد عليّ أن يوكل عبد الله بن عباس - وليته فعل - ولكنه منعه القُرّاء [الخوارج] ممن ذكرنا وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري. وذكر الهيثم بن عدي (٥) في كتاب "الخوارج": أنَّ أولَ من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس، وتابعه أهل اليمن، ووصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال، وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجار. قال علي: فإني أجعل الأشتر حكمًا، فقالوا: وهل سعر الحرب وسعر الأرض إلا الأشتر؟ قال: فاصنعوا ما شئتم، فقال الأحنف لعلي: والله لقد رميت بحجر، إنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل منهم، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبتعد حتى (٦) يصير بمنزلة النجم، فإن أبيت أن تجعلني حكمًا فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها (٧)، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها. قال: فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبي موسى الأشعري - وكان قد اعتزل - فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد لله، قيل له: وقد جُعلت حكمًا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى علي ﵁ وكتبوا بينهم كتابًا هذه صورتا (٨).

стр. 3616

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما قاضى (١) عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس بأميرنا، فقال الأحنف: لا تكتب إلا أمير المؤمنين، فقال علي: امح أمير المؤمنين (٢) واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ثم استشهد علي بقصة (٣) الحديبية حين امتنع أهل مكة [من قوله] "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فامتنع المشركون من ذلك وقالوا: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فكتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فاضى عليّ على أهل العراق ومنْ معهم من شيعتهم والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومنْ كان معه من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ونحيي ما أحيى الله ، ونميت ما أمات الله، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص - عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة (٤). ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما (٥) آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليا (٦)، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجَّلا القضاء إلى رمضان، وإن أحبّا أن يؤخِّرا ذلك على تراضٍ منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمئة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، وقد ذكر الهيثم [بن عدي] في كتابه في الخوارج أنَّ الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب وفيه: هذا ما قاضى عبد الله علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان. قال معاوية: لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله، ولكن ليكتب اسمه، وليبدأ به قبل اسمي لفضله وسابقته، فرجع إلى علي فكتب كما قال معاوية. وذكر الهيثم: أن أهل الشام أبوا أن يبدؤوا (٧) باسم علي قبل معاوية، وباسم أهل العراق قبلهم، حتى كُتب كتابان، كتاب لهؤلاء فيه تقديم معاوية على علي، وكتاب (آخر لأهل العراق بتقديم اسم علي

стр. 3617

وأهل العراق على معاوية وأهل الشام) (١) وهذه تسمية من شهد على هذا التحكيم (٢) من جيش علي: عبد الله بن عباس، والأشعث بن قيس الكندي، وسعيد (٣) بن قيس الهمداني، وعبد الله بن الطفيل (المعافري)، وحجر بن عدي (٤) الكندي، وورقاء بن سمي العجلي، وعبد الله بن بلال العجلي، وعقبة بن زياد الأنصاري، ويزيد بن جحفة التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، فهؤلاء عشرة. وأما من الشاميين فعشرة آخرون، وهم: أبو الأعور السُّلمي، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومخارق بن الحارث الزبيدي، ووائل بن علقمة (٥) العدوي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وحمزة بن مالك الهمداني، وسُبيع (٦) بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، ويزيد بن الحُرّ العبسي. وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس ويعرضه على الطائفتين. ثم شرع الناس في دفن قتلاهم. قال الزُّهري: بلغني أنه كان يدفن (٧) في كل قبر خمسون نفسًا، وكان علي قد أسر جماعة من أهل الشام، فلما أراد الانصراف [عن صفين] أطلقهم، وكان مثلهم أو قريبًا منهم [قد أسرهم أهل الشام] وكان معاوية قد عزم (٨) على قتلهم لظنه أنه (٩) قد قتل أسراهم، فلما جاءه أولئك الذين أطلقهم (١٠) أطلق معاوية الذين في يده، ويقال إن رجلًا يقال له عمرو بن أوس - من الأزد - كان من الأسارى فأراد معاوية قتله فقال: امنن علي فإنك خالي، فقال له: ويحك! من أين أنا خالك؟ فقال: إن أم حبيبة زوجة رسول الله ﷺ وهي أم المؤمنين وأنا ابنها وأنت أخوها فأنت خالي، فأعجب ذلك معاوية وأطلقه. وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وذكر أهل صفين - فقال: كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على (١١) الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا احتجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، (وهؤلاء في عسكر هؤلاء) فيستخرجون قتلاهم فيدفنوهم وقال الشعبي: هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد.

стр. 3618

[ذكر] خروج الخوارج وذلك أن الأشعث بن قيس مرَّ على ملأ من بني تميم فقرأ عليهم الكتاب فقام إليه عروة بن أذينة وهي أمه وهو عروة بن جرير من بني ربيعة بن حنظلة وهو أخو أبي بلال (بن) مرداس بن جرير فقال: أتحكمون في دين الله الرجال؟ ثم ضرب بسيفه عجزَ دابة الأشعث بن قيس، فغضب الأشعث وقومه، وجاء الأحنف بن قيس وجماعة من رؤسائهم (١) يعتذرون إلى الأشعث (بن قيس) من ذلك، قال الهيثم بن عدي: والخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد الله بن وهب الراسبي. (قلت): والصحيح الأول وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل (٢) طوائف من أصحاب علي من القراء وقالوا: لا حكم إلا لله، فسُمُّوا المُحكَّمية. وتفرَّق الناسُ إلى بلادهم من صفين. وخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفه (٣) سمع رجلًا يقول: ذهب علي ورجع في غير شيء. فقال علي: لَلَّذين فارقناهم [آنفًا] خيرٌ من هؤلاء، وأنشأ يقول (٤): [من الطويل] أخوك الذي إنْ أحْرَجَتْك (٥) مُلِمَّةٌ … منَ الدَّهْرِ لم يَبْرح لبثِّك راحما (٦) وليس أخوك بالذي إن تَشَعَّبَتْ … عليك أمورٌ (٧) ظلَّ يلحاكَ لائما ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة، ولما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل (٨) من جيشه قريبٌ من - اثني عشر ألفًا - وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده، ونزلوا (٩) بمكان يقال له حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون (أنه) ارتكبها، فبعث إليهم عليُّ ﵁ عبدَ الله بن عباس فناظرهم فرجع أكثرُهم وبقي بقيتهم، فقاتلهم عليُّ بن أبي طالب وأصحابه كما سيأتي بيانه (وتفصيله) قريبًا إن شاء الله تعالى. والمقصود أن هؤلاء الخوارج (هم) المشار إليهم في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ :

стр. 3619

"قال تمرقُ مارقةٌ على حين فرقة من الناس - وفي رواية من المسلمين، وفي رواية من أمتي - فيقتلها أولى الطائفتين" (١). وهذا الحديث له طرق متعددة وألفاظ كثيرة. قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع وعفان (٣) حدَّثنا القاسم بن الفضل، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" ورواه مسلم (٤) عن شيبان بن فَرُّوخ، عن القاسم بن الفضل (٥)، به. وقال أحمد (٦): حدَّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ : "تكون أمتي فرقتين تخرج بينهما مارقة تلي قتلها أولاهما". ورواه مسلم (٧) من حديث قتادة وداود (٨) بن أبي هند عن أبي نضرة به. وقال أحمد (٩): حدَّثنا ابن أبي عدي، عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق: "هم شر الخلق - أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق". قال أبو سعيد: فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. وقال أحمد (١٠): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف (١١)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (الخدري). قال قال رسول الله ﷺ : "تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها (١٢) أولى الطائفتين بالحق" ورواه [أيضًا] عن يحيى القطان عن عوف (١٣) الأعرابي به مثله.

стр. 3620

فهذه طرق متعددة عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي، وهو أحد الثقات الرفعاء. ورواه مسلم (١) أيضًا من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المشرقي، عن أبي سعيد بنحوه. فهذا الحديث من دلائل النبوة، إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ﵊، وفيه الحُكْمُ بإسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعما (٢) فرقة الرافضة والجهلة الطغام (٣)، من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا [في قتاله له وقد أخطأ فهو] مأجور إن شاء الله، ولكن علي هو الإمام [المصيب] فله أجران [إن شاء الله تعالى] كما ثبت في صحيح البخاري (٤) (من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال:) "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" وسيأتي بيان كيفية قتال (علي ﵁ للخوارج، وصفة المخدج الذي أخبر عنه ﵇ فوجد كما أخبر ففرح بذلك علي ﵁ وسجد شكرًا لله (٥). فصل قد تقدم أن عليًا ﵁ لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة، فلما دخلها انعزل (٦) عنه طائفة من جيشه، قيل ستة عشر ألفًا وقيل اثني عشر ألفًا، وقيل أقل من ذلك، فباينوه وخرجوا عليه وأنكروا [عليه] أشياء، فبعث إليهم (عبد الله) بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة، ولم يكن له حقيقة (في نفس الأمر)، فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم (٧) حتى كان منهم ما سنورده قريبًا [إن شاء الله]، ويقال إن عليًا ﵁ ذهب إليهم فناظرهم (فيما نقموا عليه) حتى استرجعهم عما كانوا عليه، ودخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه وتعاهدوا (٨) فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان، وهناك قاتلهم (٩) علي كما سيأتي.

стр. 3621

قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا إسحاق بن عيسى الطّباع، حدَّثني يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبيد الله (٢) بن عياض بن عمرو القارئ قال: جاء عبد الله بن شدَّاد فدخل على عائشة ونحن عندها مرجعه من العراق ليالي قُتل (٣) علي، فقالت: له يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ حدِّثني (٤) عن هؤلاء القوم الذي قتلهم علي، فقال: وما لي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فإن عليًا لما كاتب معاوية وحكَّم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قُراء الناس فنزلوا بأرضٍ يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميصٍ ألبَسَكهُ اللهُ، واسمٍ سمّاك له اللهُ ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ عليًا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين (رجل) إلا رجلًا قد حمل القرآن، فلما (أن) امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحفّ حدث الناس فناداه الناس (فقالوا) يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فأمة محمد ﷺ أعظم دمًا وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية كثبت علي بن أبي طالب، و (قد) جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشًا فَكتب رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: كيف تكتب؟ قال: أكتب باسمك اللهم! فقال رسول الله ﷺ : "اكتب" فكتب، فقال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا، يقول الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم فقام ابن الكوا فخطب الناس فقال يا حملة القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه، هذا ممن نزل فيه وفي قومه ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله، فقال بعضهم: والله لنواضعنه فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنكبتنه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، منهم ابن الكوا، حتى أدخلهم على علي

стр. 3622

الكوفة، فبعث علي إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ﷺ بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا أو تقطعوا سبيلًا أو تظلموا (١) ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] فقالت له عائشة: يا بن شداد فقتلهم فقالوا والله ما بعثت إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا أهل الذمة، فقالت آلله، قال: الله الذي لا إله إلا هو قد كان ذلك، قالت: فما شيء بلغني (٢) عن أهل العراق يقولون ذو الثدي وذو الثدية؟ قال: قد رأيته وكنت مع علي في القتلى (٣) فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان [يصلي ويقرأ] ورأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك. قالت: فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال سمعته يقول صدق الله ورسوله قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال: اللهم لا! قالت أجل! صدق الله ورسوله، يرحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث. تفرد به أحمد وإسناده صحيح، واختاره الضياء، ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانت (٤) ثمانية آلاف، لكن من القُرَّاء، وقد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا اثني عشر ألفا، أو ستة عشر ألفًا. ولمّا ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف وبقي بقيتهم على ما هم عليه. وقد رواه يعقوب بن سفيان، عن موسى بن مسعود، عن عكرمة بن عمار، عن سماك أبي (٥) زميل، عن ابن عباس فذكر القصة وأنهم عتبوا عليه في كونه حكَّم الرجال، وأنه محا اسمه من الإمرة، وأنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام ولم يقسم الأموال والسبي، فأجاب عن الأولين بما تقدم، وعن الثالث بأن قال: قد كان في السبي أم المؤمنين [عائشة] فإن قلتم ليست لكم بأم فقد كفرتم، وإن استحللتم سبي أمكم (٦) فقد كفرتم. قال: فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فتقاتلوا. وذكر غيره أن ابن عباس لبس حلة لما دخل (٧) عليهبم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية

стр. 3623

وذكر ابن جرير (١): أن عليًا خرج بنفسه إلى بقيتهم فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة وذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراوي في ذلك، ثم جعلوا يعرضون (٢) له في الكلام ويسمعونه شتمًا ويتأولون بتأويل في أقواله (٣). قال الشافعي ﵀: قال رجل من الخوارج لعلي وهو في الصلاة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فقرأ علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. وقد ذكر ابن جرير (٤) أن هذا [الكلام إنما قاله] وعلي في الخطبة [لا في الصلاة]. وذكر ابن جرير أيضًا أن عليًا بينما هو يخطب يومًا إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال: يا علي أشركت في دين الله الرجال ولا حكم إلَّا لله، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلَّا لله، لا حكم إلَّا لله، فجعل علي يقول: هذه كلمة حق يراد (٥) بها باطل، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئًا ما دامت أيديكم معنا، وأن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدؤونا ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتحيزوا إلى النهروان على ما سنذكره بعد حكم الحكمين. اجتماع الحكمين أبي موسى (٦) وعمرو بن العاص بدومة الجندل و [كان] ذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، وقال الواقدي (٧): اجتمعوا في شعبان. وذلك أن عليًا ﵁ لما كان مجيء رمضان بعث أربعمئة فارس مع شريح بن هانئ، ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس، وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمئة فارس من أهل الشام ومنهم عبد الله بن عمرو (٨)، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح - وهي نصف [المسافة] بين الكوفة والشام، بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد [ذلك] معهم جماعة من رؤوس الناس، كعبد الله بن عمر [بن الخطاب]، وعبد الله بن الزُّبير، والمغيرة بن شعبة،

стр. 3624

وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبي جهم بن حذيفة. وزعم بعض الناس أن سعد بن أبي وقاص شهدهم (أيضًا)، وأنكر حضوره آخرون. وقد ذكر ابن جرير (١): أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه وهو على ماء لبني سليم بالبادية معتزل؛ فقال يا أبة: قد بلغك ما كان من الناس بصفين، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقد شهدهم نفر من قريش، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله ﷺ وأحد أصحاب الشورى ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفي التقي" والله لا أشهد شيئًا من هذا الأمر أبدًا. وقد قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، حدَّثنا بكير (٣) بن مسمار، عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجًا [من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه حدَّثنا: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيًا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي". وهكذا رواه مسلم في صحيحه (٤). وقال أحمد (٥) (أيضًا): حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا كثير بن زيد الأسلمي، عن المطلب، عن عمر بن سعد، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يتقاتلون (٦) على الدنيا وأنت هاهنا (٧)؟ فقال: يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله حتى أعطى سيفًا إن ضربت به مؤمنًا نبا عنه وإن ضربت به كافرًا قتله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب الغني الخفي التقي". وهذا السياق كان عكس الأول، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية وعلي ويولونه؛ فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الإباء، وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء، كما ثبت في صحيح مسلم (٨) أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" وكان عمر بن سعد هذا يحب [الدنيا و] الإمارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير

стр. 3625

السرية (١) التي قتلت الحسين بن علي ﵁ كما سيأتي بيانه في موضعه، ولو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شيء من ذلك، والله أعلم. والمقصود أن سعدًا ﵁ لم يحضر أمر التحكيم ولا أراد ذلك ولا همَّ به، وإنما حضره من ذكرنا. فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور ثم اتفقا على أن يعزلا عليًا ومعاوية ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، وقد أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فولِّ ابني عبد الله فإنه يقاربه في العلم والعمل والزهد. فقال له أبو موسى: إنك قد غمست ابنك في الفتن [والدنيا] معك، وهو مع ذلك رجل صدق. قال أبو مخنف (٢): فحدَّثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمرو بن العاص: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم. وكان ابن عمر فيه غفلة، فقال له ابن الزُّبير: افطن وانتبه، فقال ابن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبدًا، ثم قال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليكَ أمرَها بعدما تقارعت بالسيوف، وتشاكت (٣) بالرماح، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشدّ منها، ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه، ثم حاوله ليكون ابنه عبد الله (بن عمرو) هوالخليفة، فأبى أيضًا، وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن عمر [بن الخطاب] فامتنع (٤) عمرو أيضًا، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعليًا ويتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على منْ يختاروه (٥) لأنفسهم، ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس - وكان عمرو لا يتقدم بين يدي أبي موسى، بل يقدمه في كل الأمور أدبًا وإجلالًا - فقال له: يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه، فخطب أبو موسى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم صلَّى على رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرًا أصلحَ لها ولا ألمَّ لشعثها من رأي [قد] اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أنّا نخلعُ عليًا ومعاوية ونتركُ الأمر شورى، وتستقبلُ الأمةُ هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه [واختاروه] وإني قد خلعت عليًا ومعاوية. ثم تنحَّى، وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا [قد] قال ما [قد] سمعتم، وإنه قد خلعَ صاحبه، وإني قد خلعته [أيضًا] كما خلعه ؤأثبتُّ صاحبي معاويةَ فإنَّه وليّ عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وهو أحق الناس بمقامه - وكان عمرو (بن العاص) رأى [من المصلحة] أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدي إلى مفسدة طويلة

стр. 3626

عريضة أربى (١) مما الناس فيه من الاختلاف، فأقرَّ معاوية لما رأى [في] ذلك من المصلحة، [فاجتهد] والاجتهاد يخطئ ويصيب. ويقال إن أبا موسى تكلّم معه (٢) بكلام فيه غلظة ورد عليه عمرو بن العاص مثله. وذكر (ابن جرير) (٣): أن شريح بن هانئ - مقدم جيش علي - وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط وقام إليه ابنٌ لعمرو فضربه (بالسوط)، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة، وأما أبو موسى فاستحى من علي فذهب إلى مكة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو، فاستضعفوا رأي أبي موسى وعرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص. فذكر أبو مخنف (٤)، عن أبي جناب (٥) الكلبي أن عليًا لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، وعمرو (بن العاص) (٦)، وأبا الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والوليد بن عقبة (٧)، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته عليًا وحسنًا وحسينًا وابن عباس والأشتر (النخعي)، ولا يصح هذا [عنهم ﵃] والله أعلم. فأما الحديث الذي قال البيهقي في "الدلائل" (٨): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدَّثنا إسماعيل بن الفضل، حدَّثنا قتيبة بن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد، وحبيب بن يسار، عن سويد بن غفلة قال: إني لأمشي مع علي بشط (٩) الفرات فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا (١٠) حكمَيْن فَضَلَّا وأضَلا، وإن هذه الأمة ستختلف؛ فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين فيَضلان ويُضِلان من اتبعهما" فإنه حديث منكر ورفعه موضوع، والله أعلم. إذ لو كان هذا معلومًا عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سببًا لإضلال الناس، كما نطق به

стр. 3627

هذا (١) الحديث. وآفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى وهو الكندي الحميري الأعمى قال ابن معين: ليس بشيء. [ذكر] خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليًا [بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما روي في ذلك من الأحاديث] لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج (الطائي) (٢) وحُرْقوص بن زُهير السَّعدي فقالا: لا حكم إلَّا لله، فقال علي: [نعم] لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب [إلى الله] من خطيئتك [وارجع عن قضيتك] واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم [كتابًا و] عهودًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] الآية. فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زُرْعة بن البُرْج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه (٣)، فقال علي: تبًا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقًا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم. فخرجا من عنده يحكمان [أمرهما] وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبتة (٤) وأسمعوه السبَّ والشتمَ والتعريضَ بآيات من القرآن، وذلك أن عليًا قام خطيبًا في بعض الجمع، فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول: حكم الله ننتظر فيكم. ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم [مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعنكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم] حتى تقاتلونا. وقال أبو مخنف (٥) عن عبد الملك بن أبي حرّة (٦) أن عليًا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة اجتمع

стр. 3628

الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الرّاسبيّ فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فأخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تَدْعونَّكم زينتُها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم (١) عن طلب الحق وإنكار الظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأيَ ما رأيتُم، وان الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلًا منكم، فإنه لابد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصين (٢) الطائي - وكان من رؤوسهم - فعرضوا عليه الإمارة [عليهم] فأبى، ثم عرضوها على حرقوص (ابن زهير) فأبى، (وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى) وعرضوها (٣) على عبد الله بن وهب (الراسبي) فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقًا من الموت. واجتمعوا أيضًا في بيت زيد بن حصين الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] و (كذا) التي بعدها وبعدها ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين. فبكى (٤) رجل منهم يقال له عبد الله بن سخبرة السُّلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته (٥). قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوَّع خلقه كما أراد، وسبق

стр. 3629

في قدره العظيم (١). وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون في قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، (والأشقياء) في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطؤوا على المسير إلى المدائن ليملكوها (على الناس) ويتحصنوا بها ويبعثوا (٢) إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على رأيهم ومذهبهم (٣)، من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها. فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشًا لا تطيقونه وسيمنعونها (٤) منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى (٥)، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحدانًا لئلا يفطن بكم (٦)، فكتبوا كتابًا عامًا إلى منْ هو على مذهبهم (ومسلكهم) من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى [ذلك] النهر ليكونوا يدًا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحدانًا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم (٧) من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات (٨) وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم (وعقلهم) أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر [والذنوب] الموبقات، (والعظائم والخطيئات)، وأنه مما زينه (٩) لهم إبليس (الشيطان الرجيم المطرود عن السموات، الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات)، وقد تدارك جماعة من الناس (١٠) بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم (١١)، فمنهم من استمرّ على الاستقامة، ومنهم منْ فرَّ بعد ذلك (فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة)، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم منْ كانوا كتبوا (١٢) إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت

стр. 3630

لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة [وثبات وصبر] وعندهم أنهم متقربون بذلك [إلى الله ] فهم لا يُصطلى لهم بنار، ولا يطمع (في) أن يؤخذ منهم بثأر، وباللّه المستعان. قال أبو مخنف (١): عن أبي رَوْق، عن الشَّعبيّ: أن عليًّا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى [الأشعري] إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس (بالكوفة) خطيبًا فقال: الحمد للّه وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح (٢)، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدًا رسول اللّه، أما بعد فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري، ونحلتكم رأي، فأبيتم إِلَّا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن فأجاز (٣): [من الطويل] بذلتُ لهم نُصْحي بمُنْعرج اللِّوى … فلم يستبينوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحى الغدِ ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنَّبَهما، وقال ما فيه حط عليهما (٤)، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشّام (٥)، وعيَّن لهم يوم الإثنين يخرجون فيه، وكتب (٦) إلى ابن عباس والي البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى (أهل) الشام، وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به (الحكمان مرود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع) على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك وإن (شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد) نابذناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فلما قرأ عليٌّ كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النُّخيلة (٧) في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفًا - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومئتي فارس من أهل البصرة مع جارية (٨) بن قدامة ألف وخمسمئة، ومع أبي الأسود الدؤلي ألف وسبعمئة، فكمل جيش علي في ثمانية وستين ألف فارس ومئتي فارس وقام عليٌّ أمير المؤمنين خطيبًا (٩) فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء (العدو)، وهو عازم على [غزو أهل] الشام، (فبينما هو كذلك) إذ بلغه أن الخوارج

стр. 3631

قد عاثوا في الأرض فسادًا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب (١) (صاحب رسول الله ﷺ )، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد اللّه بن خباب صاحب رسول الله ﷺ وإنكم قد روعتموني فقالوا: لا بأس عليك، حدِّثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: (سمعت رسول اللّه ﷺ يقول): "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي" (٢) فاقتادوه (٣) بيده، فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم [بسيف] فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله [مما فعل] وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد اللّه بن خباب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون اللّه، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم (٤)، وأشاروا على على بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام" (٥) بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضًا [إذ لو قوي هؤلاء لأفسدوا الأرض كلها عراقًا وشامًا، ولم يتركوا طفلًا ولا طفلة ولا رجلًا ولا امرأة، لأن الناس عندهم قد فسدوا فسادًا لا يصلحهم إِلَّا القتل جملة]. فأرسل علي إلى الخوارج رسولًا من جهته وهو الحارث (٦) بن مرة العبدي، فقال: اخبر لي خبرهم، واعلم لي أمرهم واكتب إلي به على الجلية، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليًا عزم على الذهاب إليهم (٧) أولًا قبل أهل الشام. [ذكر] مسير أمير المؤمنين علي إلى الخوارج (لما عزم عليٌّ ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج) نادى مناديه في الناس بالرحيل [إليهم] فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك علي دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم على شاطئ

стр. 3632

الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره فإنه [إن سار في غيره] يخشى عليه فخالفه علي فسار على خلاف ما قال [المنجم وقال: نسير ثقة باللّه وتوكلًا عليه وتكذيبًا لقول المنجم] فأظفره اللّه وقال علي: إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول (جاهل (١)، إنما ظفر لكونه وافقه، وسلك عليٌّ ناحية الأنبار وبعث) بين يديه قيس بن سعد، وأمره أن يأتي المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، وهو أخو عبد اللّه بن مسعود الثقفي - في جيش المدائن فاجتمع الناس هنالك على علي، وبعث إلى الخوارج: أن ادفعوا (٢) إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب - يعني أهل الشام (٣) - ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فبعثوا إلى علي يقولون: كلنا قتل إخوانكم ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم (٤)، فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، (والخطب الجسيم)، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجع (٥)، وتقدم (أمير المؤمنين) علي (بن أبي طالب) إليهم فوعظهم وخوَّفهم وحذرهم وأنذرهم (٦) وتوعدهم وقال: إنكم أنكرتم علي أمرًا أنتم دعوتموني إليه [وأبيتم إِلَّا إياه] فنهيتكم عنه فلم تقبلوا وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم اللّه فإنكم (٧) قد سوَّلت لكم أنفسكم أمرًا تقتلون عليه المسلمين، واللّه لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيمًا عند الله، فكيف بدماء المسلمين؛ فلم يكن لهم جواب إِلَّا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب ، الرواح الرواح إلى الجنة. وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي السنبسي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجَّالة حُرقوص بن زُهير السَّعدي. ووقفوا مقاتلين لعليٍّ وأصحابه. وجعل عليٌّ على ميمنته: حجر بن عدي، وعلى الميسرة شبث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل (٨) أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وكانوا (في) سبعمئة - قيس بن سعد بن عبادة، وأمر عليٌّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان (٩) للخوارج ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا

стр. 3633

فيكم (١) إِلَّا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون - وكانوا في أربعة آلاف - فلم يبق منهم إِلَّا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبي (٢)، فزحفوا إلى عليّ فقدّم علي بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصفَّ الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كُفّوا عنهم حتى يبدؤوكم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إِلَّا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم عليّ، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلهم (٣) الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرقوص (بن زهير)، وشريح (بن أوفى)، وعبد الله بن سخبرة (السلمي، قبحهم الله). قال أبو أيوب: وطعنت رجلًا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار، فقال: ستعلم أينا أولى بها صليًا. قالوا: ولم يقتل من أصحاب علي إِلَّا سبعة نفر، وجعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم من غرَّكم، فقالوا: (يا أمير المؤمنين) ومن غرَّهم؟ قال: الشيطان (٤) وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون. ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمئة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم. وقال الهيثم بن عدي في كتاب "الخوارج": وحَدَّثَنَا محمد بن قيس الأسدي ومنصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة: أن عليًا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ولكن رده إلى أهله (٥) كله حتى كان آخر ذلك مرجل أتي به فرده. وقال أبو مخنف (٦): حدَّثني عبد الملك بن أبي حرة: أن عليًا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة، والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الريان في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا، قال: فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة [كحلمة الثدي] عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ثم تنزل (٧) فتعود

стр. 3634

إلى منكبه كثدي المرأة، فلما رآه علي قال: أما واللّه ما كذبت لولا أن تتكلوا على العمل (١) لأخبرتكم بما قضى الله في قتالهم عارفًا للحق. وقال الهيثم بن عدي في كتابه في "الخوارج": وحدَّثني محمد بن ربيعة الأخنسي (٢)، عن نافع بن مسلمة الأخنسي، قال: كان ذو الثدية رجلًا من عرنة من بجيلة (٣)، وكان أسودَ شديدَ السَّواد، له ريح منتنة معروف في العسكر، (وكان) يرافقنا قبل ذلك وينازلنا وننازله. وحدَّثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريّان بن صبرة الحنفي. قال: شهدنا النهروان مع علي، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة. وحدَّثني سفيان الثوري، عن محمد بن قيس الهمداني، عن رجل من قومه يكنى أبا موسى: أن عليًا لما وجد المخدج سجد (سجدة طويلة). وحدَّثني يونس بن أبي إسحاق، حدَّثني إسماعيل (٤) عن حبة العرني، قال: لما أقبل أهل النهروان (٥) جعل الناس يقولون: الحمد للّه يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم. فقال علي: كلا واللّه إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقلما يلقون أحدًا إِلَّا ألفوا (٦) أن يظهروا عليه. قال: وكان عبد اللّه بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له: ذو الثَّفِنات (٧). وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال: ما كان عبد الله بن وهب من بغضه عليًا يسميه إِلَّا الجاحد. وقال الهيثم (بن عدي): حَدَّثَنَا إسماعيل، عن خالد، عن علقمة بن عامر قال: سئل علي عن أهل

стр. 3635

النهروان أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إِلَّا قليلًا. فقيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بَغَوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا. هذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام. ما ورد فيهم من الأحاديث الشريفة (١) الحديث الأول: عن علي ﵁، ورواه (٢) عنه: زيد بن وهب، وسويد بن غفلة، وطارق بن زياد، وعبد اللّه بن شداد، وعبيد اللّه بن أبي رافع، وعَبِيدة بن عَمْرو السلماني، وكليب أبو عاصم، وأبو كثير وأبو مريم، وأبو موسى، وأبو وائل، [وأبو] الوضيء (٣) فهذه اثنتا عشرة طريقًا إليه سرَاها بأسانيدها وألفاظها، ومثل هذا يبلغ حد التواتر (٤). الطريق الأولى قال مسلم (٥): حَدَّثَنَا عَبْدُ بن حُميد، حَدَّثَنَا عبد الرزَّاق بن همام (٦)، حَدَّثَنَا عبد الملك بن أبي سُليمان، حَدَّثَنَا سَلمة بن كُهيل، حدَّثني زيدُ بن وهب الجُهنيُّ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي: يا أيها الناس إني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم". لو يعلمُ الجيش الذين يصيبونهم، ما قُضي لهم على لسان نبيهم ﷺ ، لا تكَلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُد ليس له ذراع، على رأس عضده [مثل] حلمة الثَّدي، عليه شعرات بيضى، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريِّكم وأموالكم، و [اللّه] إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القومَ، فإنَّهم قد سفكوا الدَّم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم اللّه. قال سلمة: فنزلني (٧) زيد بن وهب منزلًا، حتى مرُّوا على قنطرة فلما التقينا - وعلى الخوارج يومئذ

стр. 3636

عبد الله بن وهب الراسبي - فقال لهم: ألقوا الرماح وسُلّوا سيوفكم واكسروا جفونَها (١) فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلّوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إِلَّا رجلان، فقال (٢) علي: التمسوا فيهم المُخْدَج (٣)، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام على بنفسه حتى أتى ناسًا [قد قتل] بعضهم على بعض، فقال: أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض (٤) فكبر [علي] ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. قال: فقام إليه عَبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله (إلَّا هو لسمعت هذا من رسول اللّه ﷺ قال: إي واللّه الذي لا إله إِلَّا هو)، فاستحلفه ثلاثًا وهو يحلف له أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، هذا لفظ مسلم. وقد رواه أبو داود (٥) عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق (٦) بنحوه. طريق أخرى عن علي (٧) قال الإمام أحمد (٨): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش وعبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غَفَلة، قال قال علي: إذا حدَّثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنّ الحربَ خدعةٌ، سمعت رسول اللّه ﷺ : "يخرجُ قومٌ في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البريَّة (يقرؤون القرآنَ لا يجاوز حناجرهم - قال عبد الرحمن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم -) يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة (٩)، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة" وأخرجاه في الصحيحين (١٠) من طرق عن الأعمش به.

стр. 3637

طريق أخرى قال (الإمام) أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو نعيم، وحَدَّثَنَا (٢) الوليد بن القاسم الهمداني، قالا: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد قال: سار علي إلى النهروان قال الوليد في روايته: وخرجنا معه فقتل (٣) الخوارج فقال اطلبوا المُخْدَج فإن رسول اللّه ﷺ قال: "سيجيء قومٌ يتكلمون بكلمة الحق لا تجاوز حلوقهم، يمرقون من الإسلام كما يمرقُ السهمُ من الرمية، سيماهم أو فيهم رجلٌ أسود مخدج اليد في يده شعرات سودٌ، إن كان فيهم [فقد] قتلتم شر الناس، وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس" قال الوليد في روايته: فبكينا قال: [ثم] إنا وجدنا المُخْدَجَ فخررنا سجودًا وخرَّ عليٌّ (ساجدًا) معنا. تفرَّد به أحمد من هذا الوجه. طريق أخرى رواه عبد اللّه بن شداد عن عليّ كما تقدّم قريبًا (إيراده) بطوله (٤). طريق أخرى عن علي قال مسلم (٥): حدَّثني أبو الطَّاهر ويونس بن عبد الأعلى قالا: أخبرنا عبدُ اللّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشَجّ، عن بُسْر بن سعيد، عن عُبيد اللّه بن أبي رافع مولى رسول الله: أن الحرورية لما خرجت - وهو مع علي بن أبي طالب - قالوا: لا حكمَ إِلَّا للّه، قال علي: كلمةُ حقّ أريدَ بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء "يقولون الحقَّ بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق اللّه، منهم أسود. إحدى يديه طُبْيُ (٦) شاة أو حلمة ثدي" فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئًا فقال: ارجعوا فانظروا فواللّه ما كذَبْتُ ولا كُذبْتُ - مرتين أو ثلاثًا - فوجدو (٧) في خَرِبَة، فأتوا به عليًّا حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد اللّه: وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم. زاد يونس في روايته: قال بُكير: وحدَّثني رجل عن ابن حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود. تفرد به مسلم.

стр. 3638

طريق أخرى (١) قال أحمد (٢): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا أيوب، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي قال: ذكرت الخوارج عند علي فقال: فيهم مُخْدجُ اليد (أو مَثْدون (٣) اليد)؟ - أو قال مودن (٤) اليد - ولولا أن تبطروا لحدَّثتُكم بما وعدَ اللهُ الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال: قلت: أنتَ سمعتَه من محمد ﷺ ؟ قال: إي وربِّ الكعبة: إي وربِّ الكعبة، إي وربِّ الكعبة. وقال أحمد (٥): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا جرير بن حازم وأبو عمرو بن العلاء، عن ابن سيرين سمعاه، عن عَبيدة، عن علي قال قال رسول اللّه ﷺ : "يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد اللّه الذين يقتلونهم على لسان نبيه ﷺ " قال عَبيدة قلت لعلي: أنت سمعته من رسول اللّه ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة [إي ورب الكعبة]. وقال أحمد (٦): حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا هشام، عن محمد، عن عبيدة قال: قال علي لأهل النهروان: فيهم رجل مثدون اليد أو مخدج (٧) اليد، لولا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى اللّه على لسان نبيه ﷺ لمن قتلهم، (قال عبيدة:) فقلت لعلي: أنت سمعته (٨)؛ قال: إي ورب الكعبة، يحلف عليه ثلاثًا. وقال أحمد (٩): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن ابن عون (١٠) عن محمد قال قال عبيدة: لا أحدثك إِلَّا ما سمعت منه، قال محمد: فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات (١١)، وحلف له علي قال: لولا أن تبطروا

стр. 3639

لأنبأتكم (١) ما وعد اللّه الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ قال: قلت أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة، (إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة)، فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مَثْدُون اليد، أحسبه قال: أو مُودَن اليد. وقد رواه مسلم (٢) من حديث إسماعيل بن عُلَيّة وحمَّاد بن زيد كلاهما، عن أيوب، عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن ابن عون كلاهما: عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة، عن علي. وقد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين عن محمد بن سيرين، وقد حلف (على) أنه سمعه من عبيدة، وحلف عبيدة أنه سمعه من علي [وحلف عليٌّ] أنه سمعه (٣) من رسول اللّه ﷺ ، (وقد) قال (علي): لأنْ أخرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليَّ من أن أكذب على رسول اللّه ﷺ . طريق أخرى قال عبد الله ابن (الإمام) أحمد (بن حنبل) (٤): حدَّثني إسماعيل أبو معمر، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن إدريس، حَدَّثَنَا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند علي، إذ دخل رجل عليه ثياب السفر، فاستأذن على عليٍّ، وهو يكلّم الناسَ، فشُغل عنه، فقال علي: إني دخلت على رسول اللّه ﷺ وعنده عائشة فقال [لي]: "كيف أنت وقوم (٥) كذا وكذا؟ "فقلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: فقال: "قوم يخرجون من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السهمُ من الرميَّةِ، فيهم رجل مُخْدجُ اليد كأن يديه ثدْيُ حَبَشيَّةٍ" أنشدكم باللّه هل أخبرتكم أنه فيهم؛ فذكر الحديث بطوله. ثم رواه عبد اللّه بن أحمد (٦) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن القاسم بن مالك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن علي، فذكر نحوه وإسناده جيد [ولم يخرجوه]. طريق أخرى (٧) قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (٨): أخبرنا أبو القاسم الأزهري، أخبرنا علي بن عبد الرحمن

стр. 3640

البَكَّائي (١) أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن سليمان الحضرمي (٢) أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني (٣) أخبرنا خالد بن عبيد الله، عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال قال أبو جحيفة: قال علي: حين فرغنا من الحرورية (٤) إن فيهم رجلًا ليس في عضده عظم ثَمَّ، عضده كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف، فالتمسوه فلم يجدوه قال: فما رأيت عليًّا جزع جزعًا أشد من جزعه يومئذ، فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين، فقال: ويلكم ما اسم هذا المكان؟ قالوا: النهروان، قال: كذبتم إنه لفيهم فثورنا (٥) القتلى فلم نجده فعدنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجد (٦)، قال: ما اسم هذا المكان؟ قلنا: النهروان، قال: صدق اللّه ورسوله وكذبتم، إنه لفيهم فالتمسوه، فالتمسناه فوجدناه في ساقية فجئنا به فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم وعليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف (٧). طريق أخرى قال الإمام أحمد (٨): حَدَّثَنَا أبو سعيد مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن مسلمِ العبدي، حَدَّثَنَا أبو كثير مولى الأنصار قال: كنتُ مع سيدي مع علي (بن أبي طالب) حيث قَتَلَ أهل النهروان، فكانَ الناسَ وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال عليٌّ: يا أيّها الناسُ إنَّ رسولَ اللّه ﷺ ، قد حَدَّثَنَا بأقوام يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبدًا حتى يرجع السهم على فُوقه، وإن آيةَ ذلك أن فيهم رجلًا أسود مُخْدجَ اليدِ، إحدى يديه كَثَدْي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات فالتمسوه فإني أُراه فيهم" فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبَّر عليٌّ، فقال: الله أكبر! صدق الله ورسوله، وإنه لمُتقلِّدٌ قوسًا له عربية، فأخذها بيده فجعل يطعنُ بها في مُخْدَجته (٩) ويقول: صدق الله ورسوله. وكبّر الناسُ حين رأوه واستبشروا، وذهب عنهم ما كانوا يجدون" تفرد به أحمد.

стр. 3641

طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، حَدَّثَنَا شبابة بن سوّار، حدَّثني نعيم بن حكيم، حدَّثني أبو مريم، حَدَّثَنَا علي بن أبي طالب أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن قومًا يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مُخْدَج [اليد] (٢) ". وقال أبو داود في "سننه" (٣): حَدَّثَنَا بِشْرُ بن خالد، حَدَّثَنَا شَبَابة بن سَوّار، عن نُعَيم بن حكيم، عن أبي مريم (٤) قال: إن كان ذاك المُخْدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه بالليل (٥) والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعامَ عليٍّ مع الناس، وقد كسوتُه برنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المُخْدج يسمى نافعًا ذا الثُّدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمةُ مثل حَلَمة الثَّدي عليه شعرات مثل سبالة السِّنَّور. طريق أخرى قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل" (٦): أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن شوذب المقرئ الواسطي بها، حَدَّثَنَا شعيب بن أيوب، حَدَّثَنَا أبو نعيمَ (٧) الفضل بن دكين، عن سفيان - هو الثوري - عن محمد بن قيس، عن أبي موسى رجلٍ من قومه قال: كنتُ مع علي فجعل يقول: التمسوا المُخْدج فالتمسوه فلم يجدوه. قال: فأخذ يَعْرق ويقول: واللّه ما كذبت ولا كُذبت. فوجدوه في نهر أو دالية، فسجد. طريق أخرى قال أبو بكر البزار (٨): حدَّثني محمد بن مثنى ومحمد بن معمر (٩)، حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا

стр. 3642

سُوَيد بن عبيد العجلي، حَدَّثَنَا أبو مُؤَمِّن، قال: شهدت علي بن أبي طالب يوم قتل الحرورية، وأنا مع مولاي فقال: انظروا فإن فيهم رجلًا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، وأخبرني النَّبِيّ ﷺ أني صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، وقالوا: سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد فقال: ويلكم انظروا، قال أبو مؤمن: فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه، فخرَّ عليٌّ ساجدًا وقال: أبشروا قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو مؤمن (١) عن علي غير هذا الحديث. طريق أخرى قال البزار (٢): حَدَّثَنَا يوسف بن موسى، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان الرازي، سمعت أبا سنان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قلت لشقيق بن سلمة - يعني أبا وائل - حدَّثني عن ذي الثدية، قال: لما قاتلناهم قال علي: اطلبوا رجلًا علامته كذا وكذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى [علي] وقال: اطلبوه، فوالله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، قال: (فطلبناه فلم نجده فبكى وقال: اطلبوه فواللّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، قال: فطلبناه فلم نجده قال: فركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردي. فلما رآه سجد. ثم قال البزار: لا نعلم روى حبيب عن شقيق عن علي إلَّا هذا الحديث (٣). طريق أخرى قال عبد اللّه بن أحمد (٤): حدَّثني عبيد اللّه بن عمرو القواريري، حدَّثَنَا حماد بن زيد، حَدَّثَنَا جميل (٥) بن مرة، عن أبي الوَضِيء، قال: شهدت عليًا حيث قتل أهل النهروان، قال: التمسوا المُخدج: فطلبوه في القتلى فقالوا ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فواللّه ما كَذبت ولا كُذبت، فرجعوا فطلبوه فردّد ذلك مرارًا، كل (ذلك) يحلفُ بالله ما كذبت ولا كُذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين، فاستخرجوه، فجيء به، قال أبو الوَضِيء: فكأني أنظر إليه حبشي عليه ثَدْي قد طبق إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها (٦) شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع. وقد رواه أبو داود (٧) عن محمد بن عبيد بن حساب (٨) عن حماد بن زيد حَدَّثَنَا جميل بن مرة حَدَّثَنَا أبو الوضيء - واسمه عباد بن نسيب - ولكن اختصره.

стр. 3643

قال عبد اللّه بن أحمد أيضًا (١): حَدَّثَنَا حجاج بن يوسف الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوراث، حَدَّثَنَا يزيدُ بن أبي صالح أن أبا الوضيء عبادًا حدّثه أنه قال: كنَّا عائدين (٢) إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب، فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثًا من حروراء شذَّ منا ناسٌ كثيرون، فذكرنا ذلك لعلي فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون، فذكر الحديث (بطوله) قال: فحمد اللّهَ علي (بن أبي طالب) وقال: إنَّ خليلي أخبرني "أن قائد هؤلاء مُخْدَج اليد على حلمة ثديه شعراتٌ كأنهن ذنب اليربوع" فالتمسوه (فلم يجدوه) فأتيناه فقلنا: (إنا لم نجده) [فقال: التمسوه، فواللّه ما كذبت ولا كُذبت، ثلاثًا فقلنا: لم نجده فجاء علي بنفسه] (٣) فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو ذا؛ فقال علي: اللّه أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك (٤)، فقال علي: ابن مَنْ؟ وقال عبد اللّه بن أحمد أيضًا (٥): حدَّثني حجاج بن الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوارث، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي صالح أنَّ أبا الوضيء عبادًا حدثه قال: كنّا عائدين (٦) إلى الكوفة مع علي، فذكر حديث المُخْدَج قال علي: فواللّه ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ ثلاثًا، ثم قال علي: أما أن خليلي أخبرني بثلاثة إخوة من الجن، هذا أكبرهم، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف. وهذا السياق فيه غرابة [شديدة] جدًّا. وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الإنس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق، واللّه تعالى أعلم. والمقصود أن هذه طرق متواترة عن علي؛ إذ قد روي من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ (٧) وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ولكن معناها وأصلها الذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يُشك فيه عن علي أنه رواه عن رسول اللّه ﷺ أنه أخبر (٨) عن صفة الخوارج و [صفة] ذي الثدية الذي هو علامة عليهم. وقد روي ذلك من طريق جماعة من الصحابة (غير علي كما تراها بأسانيدها وألفاظها وباللّه

стр. 3644

المستعان) منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورافع بن عمرو الغفاري، وسعد بن أبي وقاص، (وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، وسهل بن حُنيف، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عَمرو)، وعبد اللّه بن مسعود، وأبو ذَرّ، وعائشة (أم المؤمنين ﵃ أجمعين) (١). وقد قدمنا حديث علي بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة وصاحب القصة. ولنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج. الحديث الثاني (عن ابن مسعود ﵁ قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال قال رسول اللّه ﷺ : "يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث - أو قال حُدَثاء - الأسنان، يقولون من خيرِ قولِ الناس يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتُلهم، فإن في قتلهم أجرًا عظيمًا عند الله لمن قتلهم". وقد رواه الترمذي (٣) عن أبي غريب وأخرجه ابن ماجة (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعبد اللّه بن عامر بن زرارة ثلاثتهم عن أبي بكر بن عيَّاش به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين، فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد (٥). الحديث الثالث عن أنس بن مالك قال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا سليمان التيمي، حَدَّثَنَا أنس قال: ذُكِرَ لي أن نبي الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه -: "إنَّ فيكم قومًا (٧) يعبدون ويدأبوان (٨) حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسُهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية".

стр. 3645

طريق أخرى قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدَّثني قتادة، عن أنس بن مالك وأبي سعيد، قال أحمد: وقد حَدَّثَنَا أبو المغيرة عن أنس، عن أبي سعيد (ثم رجع أن النَّبِيّ ﷺ قال): "سيكون في أمتي اختلاف وفُرقة، قومٌ يحسنون القيل ويُسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فُوقه (٢)، هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه (٣)، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، مَنْ قاتلهم كان أولى بالله منهم" قالوا: يا رسول اللّه ما سيماهم؟ قال: "التحليق". وقد رواه أبو داود في "سننه" (٤) عن نصر بن عاصم الأنطاكي، عن الوليد بن مسلم ومبشِّر بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أبي سعيد وأنس به. وأخرجه أبو داود وابن ماجة (٥) من حديث عبد الرزاق (٦)، عن معمر، عن قتادة، عن أنس وحده. وقد روى البزار (٧) من طريق أبي سفيان، وأبو يعلى (٨) من طريق يزيد الرقاشي كلاهما عن أنس بن مالك حديثًا في الخوارج قريبًا من حديث أبي سعيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (الحديث الرابع عن جابر بن عبد اللّه) قال الإمام أحمد (٩): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا أبو (١٠) شهاب، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللّه قال:
следующие страницы →