← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، حَدَّثَنَا شبابة بن سوّار، حدَّثني نعيم بن حكيم، حدَّثني أبو مريم، حَدَّثَنَا علي بن أبي طالب أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن قومًا يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مُخْدَج [اليد] (٢) ". وقال أبو داود في "سننه" (٣): حَدَّثَنَا بِشْرُ بن خالد، حَدَّثَنَا شَبَابة بن سَوّار، عن نُعَيم بن حكيم، عن أبي مريم (٤) قال: إن كان ذاك المُخْدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه بالليل (٥) والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعامَ عليٍّ مع الناس، وقد كسوتُه برنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المُخْدج يسمى نافعًا ذا الثُّدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمةُ مثل حَلَمة الثَّدي عليه شعرات مثل سبالة السِّنَّور. طريق أخرى قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل" (٦): أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن شوذب المقرئ الواسطي بها، حَدَّثَنَا شعيب بن أيوب، حَدَّثَنَا أبو نعيمَ (٧) الفضل بن دكين، عن سفيان - هو الثوري - عن محمد بن قيس، عن أبي موسى رجلٍ من قومه قال: كنتُ مع علي فجعل يقول: التمسوا المُخْدج فالتمسوه فلم يجدوه. قال: فأخذ يَعْرق ويقول: واللّه ما كذبت ولا كُذبت. فوجدوه في نهر أو دالية، فسجد. طريق أخرى قال أبو بكر البزار (٨): حدَّثني محمد بن مثنى ومحمد بن معمر (٩)، حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا

стр. 3642

سُوَيد بن عبيد العجلي، حَدَّثَنَا أبو مُؤَمِّن، قال: شهدت علي بن أبي طالب يوم قتل الحرورية، وأنا مع مولاي فقال: انظروا فإن فيهم رجلًا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، وأخبرني النَّبِيّ ﷺ أني صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، وقالوا: سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد فقال: ويلكم انظروا، قال أبو مؤمن: فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه، فخرَّ عليٌّ ساجدًا وقال: أبشروا قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو مؤمن (١) عن علي غير هذا الحديث. طريق أخرى قال البزار (٢): حَدَّثَنَا يوسف بن موسى، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان الرازي، سمعت أبا سنان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قلت لشقيق بن سلمة - يعني أبا وائل - حدَّثني عن ذي الثدية، قال: لما قاتلناهم قال علي: اطلبوا رجلًا علامته كذا وكذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى [علي] وقال: اطلبوه، فوالله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، قال: (فطلبناه فلم نجده فبكى وقال: اطلبوه فواللّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، قال: فطلبناه فلم نجده قال: فركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردي. فلما رآه سجد. ثم قال البزار: لا نعلم روى حبيب عن شقيق عن علي إلَّا هذا الحديث (٣). طريق أخرى قال عبد اللّه بن أحمد (٤): حدَّثني عبيد اللّه بن عمرو القواريري، حدَّثَنَا حماد بن زيد، حَدَّثَنَا جميل (٥) بن مرة، عن أبي الوَضِيء، قال: شهدت عليًا حيث قتل أهل النهروان، قال: التمسوا المُخدج: فطلبوه في القتلى فقالوا ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فواللّه ما كَذبت ولا كُذبت، فرجعوا فطلبوه فردّد ذلك مرارًا، كل (ذلك) يحلفُ بالله ما كذبت ولا كُذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين، فاستخرجوه، فجيء به، قال أبو الوَضِيء: فكأني أنظر إليه حبشي عليه ثَدْي قد طبق إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها (٦) شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع. وقد رواه أبو داود (٧) عن محمد بن عبيد بن حساب (٨) عن حماد بن زيد حَدَّثَنَا جميل بن مرة حَدَّثَنَا أبو الوضيء - واسمه عباد بن نسيب - ولكن اختصره.

стр. 3643

قال عبد اللّه بن أحمد أيضًا (١): حَدَّثَنَا حجاج بن يوسف الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوراث، حَدَّثَنَا يزيدُ بن أبي صالح أن أبا الوضيء عبادًا حدّثه أنه قال: كنَّا عائدين (٢) إلى الكوفة مع علي بن أبي طالب، فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثًا من حروراء شذَّ منا ناسٌ كثيرون، فذكرنا ذلك لعلي فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون، فذكر الحديث (بطوله) قال: فحمد اللّهَ علي (بن أبي طالب) وقال: إنَّ خليلي أخبرني "أن قائد هؤلاء مُخْدَج اليد على حلمة ثديه شعراتٌ كأنهن ذنب اليربوع" فالتمسوه (فلم يجدوه) فأتيناه فقلنا: (إنا لم نجده) [فقال: التمسوه، فواللّه ما كذبت ولا كُذبت، ثلاثًا فقلنا: لم نجده فجاء علي بنفسه] (٣) فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو ذا؛ فقال علي: اللّه أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك (٤)، فقال علي: ابن مَنْ؟ وقال عبد اللّه بن أحمد أيضًا (٥): حدَّثني حجاج بن الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوارث، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي صالح أنَّ أبا الوضيء عبادًا حدثه قال: كنّا عائدين (٦) إلى الكوفة مع علي، فذكر حديث المُخْدَج قال علي: فواللّه ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ ثلاثًا، ثم قال علي: أما أن خليلي أخبرني بثلاثة إخوة من الجن، هذا أكبرهم، والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف. وهذا السياق فيه غرابة [شديدة] جدًّا. وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الإنس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق، واللّه تعالى أعلم. والمقصود أن هذه طرق متواترة عن علي؛ إذ قد روي من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ (٧) وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ولكن معناها وأصلها الذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يُشك فيه عن علي أنه رواه عن رسول اللّه ﷺ أنه أخبر (٨) عن صفة الخوارج و [صفة] ذي الثدية الذي هو علامة عليهم. وقد روي ذلك من طريق جماعة من الصحابة (غير علي كما تراها بأسانيدها وألفاظها وباللّه

стр. 3644

المستعان) منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورافع بن عمرو الغفاري، وسعد بن أبي وقاص، (وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، وسهل بن حُنيف، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عَمرو)، وعبد اللّه بن مسعود، وأبو ذَرّ، وعائشة (أم المؤمنين ﵃ أجمعين) (١). وقد قدمنا حديث علي بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة وصاحب القصة. ولنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج. الحديث الثاني (عن ابن مسعود ﵁ قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال قال رسول اللّه ﷺ : "يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث - أو قال حُدَثاء - الأسنان، يقولون من خيرِ قولِ الناس يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتُلهم، فإن في قتلهم أجرًا عظيمًا عند الله لمن قتلهم". وقد رواه الترمذي (٣) عن أبي غريب وأخرجه ابن ماجة (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعبد اللّه بن عامر بن زرارة ثلاثتهم عن أبي بكر بن عيَّاش به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين، فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد (٥). الحديث الثالث عن أنس بن مالك قال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا سليمان التيمي، حَدَّثَنَا أنس قال: ذُكِرَ لي أن نبي الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه -: "إنَّ فيكم قومًا (٧) يعبدون ويدأبوان (٨) حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسُهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية".

стр. 3645

طريق أخرى قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدَّثني قتادة، عن أنس بن مالك وأبي سعيد، قال أحمد: وقد حَدَّثَنَا أبو المغيرة عن أنس، عن أبي سعيد (ثم رجع أن النَّبِيّ ﷺ قال): "سيكون في أمتي اختلاف وفُرقة، قومٌ يحسنون القيل ويُسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فُوقه (٢)، هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه (٣)، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، مَنْ قاتلهم كان أولى بالله منهم" قالوا: يا رسول اللّه ما سيماهم؟ قال: "التحليق". وقد رواه أبو داود في "سننه" (٤) عن نصر بن عاصم الأنطاكي، عن الوليد بن مسلم ومبشِّر بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أبي سعيد وأنس به. وأخرجه أبو داود وابن ماجة (٥) من حديث عبد الرزاق (٦)، عن معمر، عن قتادة، عن أنس وحده. وقد روى البزار (٧) من طريق أبي سفيان، وأبو يعلى (٨) من طريق يزيد الرقاشي كلاهما عن أنس بن مالك حديثًا في الخوارج قريبًا من حديث أبي سعيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (الحديث الرابع عن جابر بن عبد اللّه) قال الإمام أحمد (٩): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا أبو (١٠) شهاب، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللّه قال:

стр. 3646

كنت (١) مع رسول اللّه ﷺ عام الجِعِرّانَة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس فقال رجل: يا رسول الله، اعْدِلْ، فقال: "وَيْلَكَ ومَنْ يَعْدِلُ إذا لم أَعْدل؟ لقد خِبت إن لم أكن أعدل" فقال عمر: يا رسول اللّه دعني أقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ اللّه أن يتحدَّثَ الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو تراقيهم، يمرقون من الدين مروق (٢) السهم من الرمية". وقال أحمد (٣): حَدَّثَنَا علي بن عياش، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، حدَّثني يحيى بن سعيد، أخبرني أبو الزبير (قال): سمعت جابرًا يقول: بصر عيني وسمع أذني رسول الله ﷺ بالجِعِرانَة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل فقال: "وَيْلكَ مَنْ يَعدلُ إذا لم أكن أَعْدِلُ؟ " فقال عمر (بن الخطاب): دعني أقتلْ هذا المنافقَ الخبيثَ، فقال رسول الله ﷺ : "معاذ اللّه أن يتحدثَ الناسُ أني أقتلُ أصحابي، هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوزُ تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". ثم رواه أحمد (٤) عن أبي المغيرة، عن معاذ بن رفاعة، حَدَّثَنَا أبو الزبير، عن جابر (بن عبد اللّه) قال: لما قسم رسول اللّه ﷺ غنائم هوازن بالجِعرّانة قام رجل من بني تميم فقال: اعدلْ يا محمد فقال: "ويلك ومَنْ يعدلُ إن لم أعدل؛ لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعْدِلْ". قال: فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتلُ هذا المنافق؟ قال: "معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمدًا يقتل أصحابه، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا وأصحابه له يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق المرماة (٥) من الرمية" قال معاذ: فقال لي أبو الزبير: فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني فيه إِلَّا أنه قال النضي (٦) قلت القدح قال: ألست رجلًا عربيًا (٧)؟. وقد رواه مسلم (٨) عن محمد بن رُمْح، عن اللَّيث. وعن محمد بن المُثَنَّى، عن عبد الوهاب الثقفي. وأخرجه النسائي من حديث الليث ومالك بن أنس كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به بنحوه.

стр. 3647

حديث (رافع) (١) بن عمرو الأنصاري مع حديث أبي ذر ﵄ الحديث الخامس عن سعد بن أبي وقاص قال يعقوب بن سفيان (٢): حَدَّثَنَا الحميدي (٣)، حَدَّثَنَا سفيان - هو ابن عيينة - حدَّثَنِي العلاء بن أبي العباس أنه سمعَ أبا الطفيل يحدِّثُ عن بكر بن قرواش، عن سعد بن أبي وقاص قال: ذكر رسول اللّه ﷺ ذا الثديَّة (٤) فقال: "شيطان الردهة كراعي الجَبَل يحتدره (٥) رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب علامة في قوم ظَلَمةٍ" قال سفيان: فأخبرني عمار الدُّهني أنه جاء (٦) به رجل يقال له: الأشهب [أو ابن الأشهب]. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد (٧) عن (سفيان) بن عيينة به مختصرًا ولفظه "شيطان الرَّدْهة يحتدره" [يعني] رجلًا من بجيلة. تفرد به أحمد. وحكى البخاري (٨): عن علي بن المديني قال: لم أسمع بذكر بكر بن قرواش إِلَّا في هذا الحديث (٩). وروى يعقوب بن سفيان: عن عبد اللّه بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حامد الهمداني قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: "قتل عليٌّ شيطان الرَّدهة" قال (الحافظ أبو بكر) البيهقي (١٠): يريد واللّه أعلم قتله أصحاب علي بأمره. وقال الهيثم بن عدي (١١): حَدَّثَنَا إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن رجل قال: بلغ سعد بن أبي وقاص أن عليَّ بن أبي طالب قتل الخوارج فقال: قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة.

стр. 3648

الحديث السادس عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري وله طرق (عنه) الأولى منها قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا بكر بن عيسى، حَدَّثَنَا جامع بن مطر (٢) الحبطي، حَدَّثَنَا أبو رؤبة شداد بن عمران القيسي (٣) عن أبي سعيد الخُدري أن أبا بكر جاء إلى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل مُتخشّعٌ حسن الهيئة يصلي، فقال له رسول الله ﷺ : "اذهب إليه فاقتله [قال] فذهب إليه (أبو بكر) فلما رآه على تلك الحال (٤) كره أن يقتله". فرجع (٥) إلى رسول الله ﷺ ، فقال النَّبِيّ ﷺ لعمر: "اذهب إليه فاقتله" قال: فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع فقال: يا رسول اللّه إني رأيته متخشعًا فكرهت أن أقتله. قال: لا يا علي اذهب فاقتله" فذهب علي فلم يره فرجع، فقال: يا رسول الله إني لم أره، فقال رسول الله ﷺ : هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يُجاوز تَراقيهم يمرقون من الدين كما يمرُقُ السَّهم من الرمية [ثم] لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه، فاقتلوهم هم شرّ البريَّة". تفرد به أحمد (٦). وقد روى البزار في "مسنده" (٧): من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، وأبو يعلى (٨): عن أبي خيثمة، عن عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس من هذه القصة (٩) وأطول منها وفيها زيادات أخرى. الطريق الثاني قال (الإمام) أحمد (١٠): حَدَّثَنَا أبو أحمد، حَدَّثَنَا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المِشْرقيِّ، عن أبي سعيد الخُدري عن النَّبِيِّ ﷺ في حديث "ذكر قومًا يخرجون على فرقة من الناس

стр. 3649

مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق". أخرجاه في الصحيحين (١) كما سيأتي في ترجمة أبي سلمة عن أبي سعيد. الطريق الثالث قال (الإمام) أحمد (٢): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار، حَدَّثَنَا عاصم بن شُميخ، عن أبي سعيد الخُدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا حلف فاجتهد في اليمين قال: "لا والذي نفس أبي القاسم بيده (٣) ليخرجن قوم من أمتي تحقرون أعمالكم عند أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرمية" قالوا: فهل من علامة يُعرفون بها؟ قال: "فيهم رجل ذو يُدَيَّة (٤) أو ثُدَيَّة مُحَلِّقي رُؤُوسِهم". قال أبو سعيد: فحدَّثني عشرون أو بضع (٥) وعشرون من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن عليًا ولي قتلهم. قال: فرأيت أبا سعيد بعدما كبر ويديه ترتعش ويقول: قتالهم عندي أحل من قتال عدتهم من الترك. وقد رواه أبو داود (٦) عن أحمد بن حنبل به. الطريق الرابع قال الإمام أحمد (٧) حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن (ابن) أبي نُعْم، عن أبي سعيد (الخدري) قال: بعث علي وهو باليمن إلى النبي (٨) ﷺ بذُهَيبةٍ في تربتها فقسمها رسول اللّه ﷺ بين الأقرع بن حابس الحنظلي ثم أحد بني مجاشع وبين عُيَينة بن بدر الفزاري وبين علقمة بن علاثة (٩) أحد بني كلاب، وبين زيد الخير (١٠) الطائي، ثم أحد بني نبهان. قال فغضبت قريش والأنصار. قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال: "إنما أتألفهم". قال: فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين، كثُّ اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله فقال: "من يطع اللّه إذا عصيته؟ يأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني" قال: فسأل رجل من القوم قتله النَّبِيّ ﷺ أراه خالد بن

стр. 3650

الوليد - فمنعه، فلما ولَّى قال: "إن من ضئضئ (١) هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السَّهم من الرميَّة يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد". رواه البخاري (٢) من حديث عبد الرزاق به، ثم رواه أحمد (٣)، عن محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن عبد الرحمن بن أبي نعم (٤)، عن أبي سعيد، وفيه الجزم بأن خالدًا سأل أن يقتل ذلك الرجل، ولا ينافي سؤال عمر بن الخطاب. وهو في الصحيحين (٥) من حديث عمارة بن القعقاع بن شبْرمة (٦): وقال فيه "إنه سيخرج من [ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" وليس المراد بهم أنه يخرج من] صلبه ونسله، لأن الخوارج الذين ذكرنا (٧) لم يكونوا من سلالة هذا، بل ولا أعلم أحدًا منهم من نسله، وإنما أراد من ضئضئ هذا، أي: من شكله وشبهه وصفته فعلًا وقولًا، فاللّه أعلم. [وهذا الشكل وهذه الصفة كثيرة في الناس جدًّا في كل زمان وكل مكان في قرّاء القرآن وغيرهم لمن تأملها، واللّه أعلم]. وهذا الرجل [المذكور] هو ذو الخُويصرَة التميمي وسماه بعضهم حرقوصًا، فاللّه أعلم. الطريق الخامس قال الإمام أحمد (٨): حَدَّثَنَا (عفّان، حَدَّثَنَا) مهدي بن ميمون، حَدَّثَنَا محمد بن سيرين، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "يخرجُ أناسٌ من قِبَلِ المشرقِ يقرؤون القرآن لا يجاوز تَرَاقيهم يمرقون من الدين كما يمرقُ السهم من الرَّميَّة، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السَّهم على فُوقه" قيل: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق أو التسبيد" (٩) ورواه البخاري (١٠) عن أبي النعمان محمد بن الفضل (١١) عن مهدي بن ميمون به.

стр. 3651

الطريق السادس قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا محمد بن عبيد، حَدَّثَنَا سويد بن نجيح، عن يزيد الفقير قال: قلت لأبي سعيد: إنَّ منَّا رجالًا هم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة، وأوصلنا للرَّحم، وأكثرنا صومًا، خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "يخرج قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة" تفرّد به أحمد ولم يخرجوه في الكتب الستة، وإسناده لا بأس به رجال كلهم ثقات وسويد (بن نجيح هذا) مستور (٢). الطريق السابع قال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد قال بينا رسول الله ﷺ يقسم قسمًا إذ جاءه ابن ذي الخويصرة (٤) التميمي فقال: اعدل يا رسول اللّه. فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة فينظر في قُذَذِهِ (٥) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيَّتِهِ (٦) فلا يوجد فيه شيء"، ثم ينظر في رضافه (٧) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم (٨) رجل أسود إحدى يديه [أو قال: إحدى ثدييه] (٩) مثل ثدي المرأة، أو مثل البَضْعَة تَدَرْدَرٌ (١٠)، يخرجون على حين فتر (١١) من الناس" فنزلت فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] الآية. قال أبو سعيد: (فأشهد) أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ

стр. 3652

وأشهد أن عليًا حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول اللّه ﷺ . ورواه البخاري (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن هشام بن يوسف عن معمر [به]. ورواه البخاريّ (٢) [أيضًا] من حديث شعبة. ومسلم (٣) من حديث يونس بن بكير (٤)، عن الزهري به، لكن في رواية مسلم: عن حرملة وأحمد بن عبد الرحمن كلاهما، عن ابن وهب (٥)، عن يونس، عن الزُّهري، عن أبي سلمة، والضحاك الهمداني [المِشْرقي] عن أبى سعيد به. ثم رواه أحمد (٦): عن محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد، فذكر نحو ما تقدم من هذا السياق، وفيه أنه عمر هو [الذي] استأذن [رسول اللّه ﷺ ] في قتله، وفيه "يخرجون على (حين) فرقة من الناس يقتلُهُمْ أوْلَى الطائفتين باللّه" قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول اللّه ﷺ ، وأني شهدت عليًا حين قتلهم، فالتمس في القتلى فوجد على النعت الذي نعته رسول الله ﷺ . ورواه البخاريّ (٧): عن دُحيم، عن الوليد، عن الأوزاعي كذلك. وقال أحمد (٨): قرأت على عبد الرحمن: مالك (٩)، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرّمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في الريش (١٠) فلا يرى شيئًا ويتمارى في الفُوق". قال عبد الرحمن: حَدَّثَنَا به مالك - يعني هذا الحديث -

стр. 3653

ورواه البخاري (١) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. ورواه البخاري ومسلم (٢): عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة وعطاء بن يسار، عن أبي سعيد به. وقال أحمد (٣): حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى أبي سعيد فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في الحرورية شيئًا؟ فقال: سمعته يذكر قوما يتعمَّقون (٤) في الدين يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصومه عند صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، أخذ سهمه فنظر في نصله فلم ير شيئًا ثم نظر في رضافه فلم ير شيئًا، [ثم نظر في قدحته فلم ير شيئًا] (٥) ثم نظر في القذذ فتمارى هل يرى شيئًا أم لا" ورواه ابن ماجة (٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون به. الطريق الثامن قال (الإمام) أحمد (٧): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق "هم شر الخلق، أو من شر الخلق تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" قال: فضرب النَّبِيّ ﷺ لهم مثلًا - أو قال قولًا - الرجل يرمي الرمية - أو قال الغرض - فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النّضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة" فقال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. وقد رواه [مسلم] (٨) عن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عديِّ، عن سُليمان - وهو ابن طرخان التيمي - عن أبي نَضْرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد الخدري بنحوه. الحديث الثامن (٩) عن سلمان الفارسي قال الهيثم بن عدي: حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: جاء رجل إلى قوم فقال:

стр. 3654

لمن هذه الخباء؟ قالوا: لسَلْمان الفارسي، قال أفلا تنطلقون معي فيحدِّثنا ونسمع منه (١)، فانطلق معه بعض القوم فقال: يا أبا عبد اللّه لو أدنيت خباءك [إلينا] وكنتَ منا قريبًا فحدَّثتنا وسمعنا منك؟ فقال: ومن أنت؟ قال: فلان بن فلان. قال سَلْمان: قد بلغني عنك معروف. بلغني أنك تخفُّ في سبيل اللّه، وتقاتل العدو، وتخدم أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فإن أخطأتك واحدة أن تكون من هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول اللّه ﷺ قالوا: فوجد ذلك الرجل قتيلًا في أصحاب النهروان (٢). الحديث التاسع عن سهل بن حنيف الأنصاري قال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا حزام بن إسماعيل العامري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن يُسَيْر (٤) بن عمرو قال: دخلت على سهل بن حُنيف [الأنصاري] فقلت حدّثني ما سمعت من رسول اللّه ﷺ قال في الحرورية، قال: أحدثك ما سمعت من النَّبِيِّ ﷺ لا أزيدك عليه شيئًا، سمعت رسول الله ﷺ "يذكر قومًا يخرجون من هاهنا - وأشار بيده نحو العراق - يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة" قال: قلت هل ذكر لهم علامة؟ قال: هذا ما سمعت لا أزيد عليه [شيئًا]. وقد أخرجاه في الصحيحين (٥) من حديث عبد الواحد بن زياد. ومسلم (٦) من حديث علي بن مسهر، والعوام بن حوشب. والنسائي (٧) من حديث محمد بن فضيل كلّهم عن أبي إسحاق الشيباني به. وقد رواه مسلم (٨)، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن الشيباني عن يُسَيْر بن عمرو قال: سألت سهل بن حُنيف سمعت رسول اللّه ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته - وأشار بيده نحو المشرق - "قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة".

стр. 3655

حدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا عبد الواحد، حَدَّثَنَا سليمان الشيباني بهذا الإسناد وقال: "يخرج منه أقوام". حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق جميعًا عن يزيد قال أبو بكر: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الشيباني، عن يُسَيْر بن عمرو، عن سهل بن حنيف، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يتيهُ (١) قومٌ قبل المشرق مُحَلَّقةٌ رُؤُوسُهُم". الحديث العاشر عن ابن عباس قال (الحافظ أبو بكر) البزار: حَدَّثَنَا يوسف بن موسى، حَدَّثَنَا الحسن بن الربيع، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال قال رسول اللّه ﷺ : "يقرأ (٢) القرآن أقوام من أمتي يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". ورواه ابن ماجة (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد كلاهما عن أبي الأحوص بإسناده مثله. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر قال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا أبو جناب (٥) يحيى بن أبي حَيَّة (٦)، عن شهر بن حَوْشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "يخرج من أمتي قوم يسيؤون الأعمال يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" قال يزيد: لا أعلمه إِلَّا قال: "يحقر أحدكم عمله مع عملهم يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه اللّه، كلما طلع منهم قرن قطعه اللّه" فردد ذلك رسول اللّه ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت من حديث سالم ونافع عن ابن عمر أن رسول اللّه ﷺ قال (٧): "الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان! وأشار بيده نحو المشرق".

стр. 3656

الحديث الثاني عشر عن عبد اللّه بن عمرو قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا عبد الرزَّاق، أنا مَعْمر، عن قتادة عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام، فأخبرت بمقام يقومه نَوْف البكالي، فجئته فجاء رجل فانتبذ (٢) الناس، عليه خميصة، فإذا هو عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد اللّه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجَر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إِلَّا شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن (٣)، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلَّف" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج ناس من أمتي [من] قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلَّما خرج منهم قرن قُطِع حتى عدها زيادة على عَشر مرَّات، كُلَّما خرج منهم قرن قُطع حتى يخرج الدجال في بقيَّتهم]. وقد روى أبو داود (٤) أوله في كتاب الجهاد من "سننه" عن القواريري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة [به] وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود وحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄. الحديث الثالث عشر عن أبي ذر قال مسلم بن الحجاج (٥): حَدَّثَنَا شيبان بن فرّوخ، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا حُميد (٦) بن هلال، عن عبد اللّه بن الصامت، عن أبي ذر. قال قال رسول اللّه ﷺ : "إن بعدي من أمتي - أو سيكون بعدي من أمتي - قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرَّميَّة لا يعودون فيه [هم] شر الخلق والخليقة". قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحَكم (٧) الغفاري. قلت: ما حديث سمعته من أبي ذرٍّ كذا وكذا؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . لم يروه البخاري.

стр. 3657

الحديث الرابع عشر عن (أم المؤمنين) عائشة قال (الحافظ) البَيْهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حَدَّثَنَا أبو العباس الأصمّ، حَدَّثَنَا السري بن يحيى، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا علي بن عياش، عن حبيب، عن سَلَمة. قال قال علي: لقد علمت عائشة أن جيش المَرَدةِ وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ . قال ابن عياش: جيش المَرَدة قتلة عثمان ﵁. وقال الهيثم بن عدي (٢): حدَّثني إسرائيل، عن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن رجل عن عائشة قال: بلغها [قتل] علي الخوارج فقالت: قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة - تعني المُخْدج. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن عمارة بن صبيح، حَدَّثَنَا سهل (٣) بن عامر البَجلي، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة فالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج فقال: "شِرارُ أمتي يقتلهم خيار أمتي" (٤). قال (٥): وحدَّثناه إبراهيم بن سعيد، حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا سليمان بن قرم، حَدَّثَنَا عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن مسروق (٦)؛ عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ فذكر نحوه قال: فرأيت عليًّا قتلهم وهم أصحاب النهروان: ثم قال البزار: لا نعلم روى (عن) عطاء، عن أبي الضحى، عن مسروق إلَّا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن عطاء إِلَّا سليمان بن قرم. [قلت:] وسليمان بن قرم قد تكلَّموا فيه لكن الإسناد الأول يشهد لهذا كما أن هذا يشهد للأول (٧) فهما متعاضدان، وهو غريب من حديث أم المؤمنين (٨)، وقد تقدم في حديث عبد اللّه بن شداد (٩)، عن

стр. 3658

علي ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولاسيما خبر ذي الثدية كما تقدم، د انما أوردنا هذه الطرق كلّها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق وهو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها، واللّه تعالى أعلم. وقال: سألت عائشة ﵂ بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل" (١): أنا أبو عبد اللّه [الحافظ] أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه، حَدَّثَنَا [أحمد بن] محمد بن صدقة الكاتب، حدَّثني محمد (٢) بن أبان فقرأت فيه: حدثني الحسن بن الحر، قال: حَدَّثَنَا الحكم بن عتيبة وعبد اللّه بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن مسروق، قالت عائشة: عندك علم عن ذي الثدية الذي أصابه علي في الحرورية؟ قلت: لا. قالت: فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كل سُبع، ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها، قالت: أكل هؤلاء عاينوه؛ قلت: لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينه فقالت: لعن الله فلانًا فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل (٣) مصر ثم أرخت (٤) عينيها فبكت فلما سكنت عبرتها قالت: رحم اللّه عليًّا لقد كان على حق، وما كان بيني وبينه إِلَّا كما يكون بين المرأة وأحمائها. حديث آخر عن رجلين من الصحابة (٥) قال الهيثم بن عدي في كتاب "الخوارج": حدَّثني سليمان بن المغيرة، عن حميد (٦) بن هلال قال: أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما: ما أقدمكما العراق؟ قالا: رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ﷺ ، فوجدنا علي بن أبي طالب قد سبقنا إليهم - يعنيان أهل النهروان (٧) -.

стр. 3659

حديث [آخر] في مدح علي ﵁ على قتاله (١) الخوارج قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا فِطْر (٣)، عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي، عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد يقول: كنّا جلوسًا ننتظر رسول اللّه ﷺ ؛ فخرج علينا من بيوت بعض نسائه، قال: فقمنا معه، فانقطت (٤) نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" فاستشرفنا لها وفينا (٥) أبو بكر، وعمر فقال: "لا، ولكنه خاصفُ النعل" قال: فجئنا نبشّره قال: فكأنه قد سمعه. ورواه أحمد (٦) عن وكيع وأبي أسامة، عن فطر بن خليفة. فأما الحديث الذي قال الحافظ أبو يعلي (٧): حَدَّثَنَا إسماعيل بن موسى، حَدَّثَنَا الربيع بن سهل، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة قال: سمعت عليًا على مِنْبركم هذا يقول: عَهدَ إليّ النَّبِيّ ﷺ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. وقد رواه أبو بكر بن المقرئ، عن الجد بن عبادة البصري، عن يعقوب بن عباد (٨)، عن الربيع بن سهل الفزاري به، فإنه حديث غريبٌ ومنكرٌ، على أنه قد روي من طرقٍ عن علي وعن غيره، ولا تخلو واحدة منها عن ضعف. والمراد بالناكثين: يعني: أهل الجمل، وبالقاسطين: أهل الشام [والقاسط هو الجائر الظالم] وأما المارقون: فالخوارج لأنهم مرقوا من الدين. وقد رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي في "كامله" (٩) عن أحمد بن جعفر البغدادي، عن سليمان بن

стр. 3660

سيف، عن عبيد اللّه (١) بن موسى، عن فطر، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة، عن علي قال: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (٢): أخبرني الأزهري، حَدَّثَنَا محمد بن المظفر، حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن ثابت قال: وجدت في كتابي جدّي محمد بن ثابت، حَدَّثَنَا أشعث (٣) بن الحسن السُّلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن الأرْقَم، عن أبان، عن خُلَيد العَصَري (٤)، قال: سمعت عليًا أمير المؤمنين يقول يوم النَّهروان: أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين (٥). وقد رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث محمد بن نوح الجنديسابوري، أخبرنا هارون بن إسحاق، حَدَّثَنَا أبو غسان، عن جعفر - أحسبه الأحمر - عن عبد الجبار الهمداني، عن أنس بن عمرو، عن أبيه، عن علي قال: أمرت بقتال ثلاثة: المارقين والقاسطين والناكثين. وقال الحاكم أبو عبد اللّه: أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن غنم الحنظلي بقنطرة بَرَدان، حَدَّثَنَا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، حدَّثني أبي، حدَّثني عَمِّي عمرو بن (٦) عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية، حَدَّثَنَا جدي، سعد بن جنادة، عن علي ﵁ قال: أمرت بقتال ثلاثة؛ القاسطين، والناكثين، والمارقين، فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان - يعني الحرورية (٧) -. وقال الحافظ ابن عساكر (٨): أخبرنا أبو القسم زاهر (٩) بن طاهر، أخبرنا أبو سعد الأديب، أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين، حَدَّثَنَا محمد بن أحمد الصوفي، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو الباهلي، حَدَّثَنَا كثير بن يحيى، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: أمرني رسول اللّه ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين.

стр. 3661

حديث ابن مسعود في ذلك قال الحافظ: حَدَّثَنَا الإمام أبو بكر أحمد بن الفقيه (١)، أنا الحسن بن علي، حَدَّثَنَا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عباد المقرئ، حَدَّثَنَا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه قال: خرج [علينا] رسول الله ﷺ فأتى منزل أم سلمة فجاء عليّ فقال رسول اللّه ﷺ : "يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي" (٢). حديث [آخر عن] أبي سعيد في ذلك قال الحاكم: حَدَّثَنَا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحَيم الشيباني، حَدَّثَنَا الحسين بن الحكم الحيري، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أبان، حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول اللّه ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فقلت: يا رسول اللّه! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال: "مع علي بن أبي طالب، معه يُقتل عمار بن ياسر" (٣). حديث أبي أيوب في ذلك قال الحاكم (٤): أخبرنا أبو الحسن (٥) علي بن حمشاد (٦) المعدل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن الخطاب، حَدَّثَنَا محمد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سُليم: قال: أتينا أبا أيوب فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله ﷺ ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: أمرني رسول اللّه ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. قال الحاكم (٧): وحدَّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، حَدَّثَنَا الحسن بن علي بن شبيب المَعْمَري (٨)، حَدَّثَنَا محمد بن حميد، حَدَّثَنَا سلمة بن الفضل، حدَّثني أبو زيد الأحول، عن عتاب بن ثعلبة [حدَّثني أبو أيوب الأنصاري] في خلافة عمر بن الخطاب قال: أمرني رسول اللّه ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي بن أبي طالب.

стр. 3662

وقال الخطيب البغدادي (١): حَدَّثَنَا الحسن بن علي بن عبد اللّه المقرئ، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن يوسف، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر المطيري، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد اللّه المؤدب بسرَّ منْ رأى، حَدَّثَنَا المُعَلَّى بن عبد الرحمن ببغداد، حَدَّثَنَا شريك، عن سليمان بن مِهران الأعمش (٢)، [قال: حَدَّثَنَا إبراهيم] (٣) عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفِّين فقلنا له: يا أبا أيوب! إن اللّه أكرمك بنزول محمد ﷺ وبمجيء ناقته تفضلًا من اللّه وإكرامًا لك حين أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إِلَّا الله؟ فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فأما الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل، طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعَمْرًا - وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات (٤) وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات (٥)، والله ما أدري أين هم، ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله. قال: وسمعت رسول اللّه ﷺ يقول لعمار: "يا عمار تقتلك الفئة الباغية وأنت مذ ذاك مع الحق (٦) والحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت عليًا قد سلك واديًا وسلك (الناس) غيره فاسلك مع علي فإنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلَّدَ سيفًا أعان به عليًّا على عدوه قلَّدهُ الله يوم القيامة وشاحين (من در، ومن تقلَّد سيفًا أعان به عدو على عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين) من نار. فقلنا: يا هذا! حسبك رحمكَ اللّهُ (حسبك رحمك الله) ". هذا السياق الظاهر أنه موضوع وآفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن فإنه متروك الحديث، والله أعلم (٧). فصل (٨) قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج وهو من أحسن ما صنف في ذلك قال (٩): وذكر

стр. 3663

عيسى بن داب قال: لما انصرف عليٌّ ﵁ من النهروان قام في الناس خطيبًا فقال: بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه ﷺ : أما بعد فإن الله قد أعزَّ نصركم فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم من أهل الشام. فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفِدتْ نبالنا وكلَّتْ سيوفُنا ونصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعدَّ بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الذي تكلَّم بهذا الأشعث بن قيس الكندي، فتابعهم (١) وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم ويُقلوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم، فأقاموا معه أيامًا متمسكين (٢) برأيه وقوله، ثم تسلَّلوا حتى لم يبق منهم أحد إِلَّا رؤوس (٣) أصحابه، فقام عليٌّ فيهم خطيبًا فقال: الحمد للّه فاطر الخلق، وفالق الإصباح، وناشر الموتى، وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إِلَّا اللّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله فإنَّ أفضل ما توسل به العبدُ الإيمانُ والجهادُ في سبيله وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة، وإقام الصلاة فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فرائض الله (٤)، وصوم شهر رمضان فإنه جُنة من عذابه (٥)، وحج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، وصدقة السرّ فإنها تكفر الخطيئةَ وتُطفئُ غضبَ الربّ، وصنع المعروف فإنه يدفع ميتةَ السّوء ويقي مصارع الهول، أفيضوا في ذكر اللّه فإنه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وُعدَ المتقون فإن وعد اللّه أصدقُ الوعد، واقتدوا بهدى نبيكم ﷺ فإنه أفضل الهدى، واستنُوا بِسنَّته فإنها أفضل السنن، وتعلَّموا كتابَ الله فإنه أفضل الحديث، وتفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاءٌ لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرْحَمون، وإذا هُديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن (العالم) العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستقيم عن جهله (٦)، بل قد رأيت أن الحجة أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحيّر في جهله، وكلاهما مضلل مثبور، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا (٧)، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا (٨) في الحق فتخسروا، ألا وإن من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة أن لا تغتروا، وإنَّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وإنَّ أغشَّكم لنفسه أعصاكم لربّه، من يطع الله يأمنْ

стр. 3664

ويستبشر، ومن يعصِ الله يَخَفْ ويندم، (ثم) سلوا اللهَ اليقينَ وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها (١) وكل مُحْدثةٍ بدعةٌ وكل مُحْدثٍ مُبْتدعٌ، ومن ابتدع فقد ضيَّع، وما أحدث محدثٌ بدعةً إِلَّا ترك بها سنةً، المغبون من غبن دينه، والمغبون من خسر نفسه، وإن الرياء من الشرك، وإن الإخلاص من العمل (٢) والإيمان، ومجالس اللهو تنسى القرآن ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غي، ومجالسة (٣) النساء تزيغ القلوب وتطمح إليه الأبصار، وهي مصايد الشيطان، فأصدقوا الله فإن الله مع من صدقَ وجانبوا الكذبَ فإن الكذب مجانب للإيمان، ألا إنَّ الصدقَ على شرف منجاة وكرامة، وإن الكذب على شرف رديء وهلكة [وإهانة] ألا وقولوا الحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وأدُّوا الأمانةَ إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا تمازحوا، ولا يغضب بعضكم بعضًا، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله (وابن السبيل) والسائلين وفي الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنائز، وكونوا عباد الله إخوانًا، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت (٤) وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدًا السباق، وإن السبقة الجنة والغاية النار (٥)، ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص له عمله في أيام مهله (٦) قبل حضور أجله فقد أحسن عمله ونال أمله، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله، وضره أمله، فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة، فإن الله قد تأذن المسلمين بالحسنى، ولمن شكر بالزيادة، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ولا أكثر متكسبًا من شيء كسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر، وتجتمع فيه الكبائر، [ألا] وإنه من لا ينفعه الحقُّ يضره الباطلُ، ومن لا يستقيم على (٧) الهدى يجرُّ به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، ومن لا ينفعه حاضر لبِّه (٨) فعازبه عنه

стр. 3665

أعور (١)، وغائبه عنه أعجز. [ألا] وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد [فاعملوا على المراد] ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فيُنْسِي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق (٢)، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا تكونوا من بني الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل. وهذه الخطبة [عظيمة] بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر. وقد روي لها شواهد من وجوه أخرى متصلة وللّه الحمد والمنة. وقد ذكر ابن جرير (٣): أن عليًّا ﵁ لما نكل أهل العراق عن الذهاب معه إلى الشام خطبهم فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وهددهم وتلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة، وحث على المسير إلى عدوهم فأبوا من ذلك وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هاهنا وهاهنا. [قيل إن ذلك بسبب قتله الخوارج لأنهم كانوا قراباتهم وإخوانهم ويرونهم أفضلهم وخيرهم لعبادتهم وقراءتهم فتثاقلوا عنه وهجروه، فدخل عند ذلك إلى الكوفة في حالة اللّه بها عليم]. فصل وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على علي ﵁ بعد [قتله أهل] النهروان رجل يقال له: الخِرِّيت (٤) بن راشد الناجي، قدم مع أهل البصرة، فقال لعلي: إنك قد قاتلت من أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك قصة (٥) التحكيم وتزعم أنك (قد) أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك، وإنك (٦) لست بناقضها، وهذان الحكمان قد اتفقا على (خلعك) ثم اختلفا في ولاية معاوية، فولاه عمرو [بن العاص] وامتنع أبو موسى من ذلك (٧)، فأنت مخلوع باتفاقهما، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك، وتبع الحارث هذا بشر كثير من قومه - بني ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية، فبعث إليهم علي معقل بن قيس الرماحي في جيش كثيف فقتلهم معقل قتلًا ذريعًا وسبى من بني ناجية خمسمئة أهل بيت فقدم بهم على عليٍّ فتلقّاه رجل يقال له: مصقلة بن هبيرة أبو المغلّس - وكان عاملًا لعلي على بعض الأقاليم - فتضرروا إليه

стр. 3666

وشكوا ما هم فيه من السبي (١)، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمئة ألف (درهم) وأعتقهم، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عبّاس بالبصرة، فكتب معقل إلى ابن عباس [في ذلك] فقال له مصقلة: إني إنما جئت لأدفع ثمنهم إليك، ثم هرب منه (٢) إلى علي فكتب ابن عباس ومعقل إلى علي فطالبه علي فدفع من الثمن مئتي ألف ثم انشمر هاربًا (٣) فلحق بمعاوية (بن أبي سفيان) بالشام، فأمضى علي عتقهم وقال: ما بقى من المال في ذمة مصقلة؟ وأمر بداره في الكوفة فهدمت. وقد روى الهيثم، عن سفيان الثوري وإسرائيل، عن عمّار الدُّهني، عن أبي الطفيل، أن بني ناجية ارتدوا فبعث إليهم معقل بن قيس فسباهم فاشتراهم مصقلة من علي بثلائمئة ألف فأعتقهم ثم هرب إلى معاوية. قال الهيثم: وهذا قول الشيعة ولم يسمع بحيٍّ من العرب ارتدوا [عن الإسلام] بعد الردة التى كانت في أيام الصديق. وقال الهيثم: حدَّثني عبد (٤) الله بن تميم بن طرفة الطائي، حدَّثني أبي أن عدي بن حاتم قال مرة لعلي بن أبي طالب وهو يخطب: قتلت أهل النهروان على إنكار الحكومة، وقتلت الخريت (٥) بن راشد على مسألته إياك (أيضًا الحكومة)، والله ما بينهما موضع قدم، فقال له علي: أسكت إنما كنت أعرابيًا تأكل الضبع بجبل طيء بالأمس، فقال له عدي: وأنت والله قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة. قال الهيثم: ثم خرج (٦) على علي (رجل) من أهل البصرة فقتل فأمَّر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني، فقتل هو وأصحابه، قال: ثم خرج على علي الأشهب بن بشر البجلي، ثم أخذ عرينة من أهل الكوفة فقتل هو وأصحابه، قال: ثم خرج (على علي) سعيد بن نغد التميمي (٧) ثم (من بني) ثعلبة من أهل الكوفة فقتل بقنطرة درربجان فوق المدائن. قال الهيثم أخبرني بذلك عبد الله بن عياش عن مشيخته (٨). فصل ذكر ابن جرير (٩) عن أبي مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي للخوارج

стр. 3667

(يوم النهروان، كان في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - قال ابن جرير: وأكثر أهل السير على أن ذلك) كان في سنة ثمان وثلاثين وصححه ابن جرير، قلت: وهو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية إن شاء اللّه تعالى. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة - يعني سنة سبع وثلاثين - عبيد اللّه بن عباس نائب علي على اليمن ومخاليفها. وكان نائب مكة قثم بن العباس، وعلى المدينة تمام بن عباس، وقيل سهل بن حنيف، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، و (علي بن أبي طالب) أمير المؤمنين (مقيم) بالكوفة، ومعاوية بن أبي سفيان مستحوذ على الشام. قلت: ومن نيته أن يأخذ مصر من محمد بن أبي بكر [الصديق]. ذكر من توفي [في هذه السنة] من الأعيان (١) خَبَّاب بن الأرتِّ (٢) بن جَنْدَلَة بن سعد بن خزيمة. كان قد أصابه سبي في الجاهلية فاشترته أم سباع بنت أنْمار الخُزاعية التي كانت تختن النساء، وهي أم سباع بن عبد العُزّى الذي قتله حمزة يوم أحد وحالف (٣) بني زهرة، أسلم خباب قديمًا قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤذى في اللّه فيصبر (٤) ويحتسب، وهاجر وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد. قال الشعبي: دخل [خباب] يومًا على عمر فأكرم مجلسه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إِلَّا بلال، فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالًا كان يؤذى وكان له من يمنعه، وإني كنت لا ناصر لي، واللّه لقد سلقوني يومًا في نار أججوها ووضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض إِلَّا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو برص ﵁، ولما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا: أبشر غدًا تلقى الأحبة … محمدًا وحزبه فقال: واللّه إن إخواني مضوا ولم يأكلوا من دنياهم (٥) شيئًا، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فتحن نهدبها (٦)،

стр. 3668

فهذا الذي يهمني. قال: وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة، وهو أول من دفن بظاهر الكوفة. خُزَيْمة بن ثابت (١) بن الفاكِه بن ثَعْلبة بن ساعِدة الأنماري، ذو الشهادتين وكانت راية بني خَطْمة معه يوم الفتح، وشهد صفين مع علي، وقتل يومئذ ﵁. سفينة (٢) مولى رسول الله ﷺ . قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إليه صلوات اللّه وسلامه عليه. عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم (٣) أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله ﷺ وقد تقدم مع كتاب الوحي. عبد الله بن بديل (٤) بن ورقاء الخزاعي، وقتل يوم صفين وكان أمير الميمنة لعلي فصارت أمرتها للأشتر النخعي (٥). عبد الله بن خباب بن الأرت (٦). ولد في حياة (٧) النَّبِيّ ﷺ وكان موصوفًا بالخير، قتله (٨) الخوارج كما قدمنا (بالنهروان) في هذه السنة، (فلما جاء علي قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم). عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٩): أحد كتَّاب الوحي أيضًا، أسلم قديمًا (وكتب الوحي) ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإسلام عام الفتح واستأمن له عثمان [بن عفان رسول اللّه ﷺ ] وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد عمرو بن العاص، فغزا إفريقية وبلاد النوبة، وغزا (١٠) ذات الصواري مع

стр. 3669

الروم في البحر فقتل منهم ما صبغ وجه (١) الماء من الدماء (٢)، ثم لمّا حُصر عثمان تغلّب عليه محمد بن أبي حذيفة وأخرجه من مصر فمات في هذه السنة وهو معتزل عليًا ومعاوية، في صلاة الفجر بين التسليمتين ﵁. عَمَّار بن ياسر (٣) أبو اليَقْظان العَنْسي من عنس اليمن، وهو حليف بني مخزوم، أسلم قديمًا وكان ممن يُعذَّبُ في الله هو وأبوه وأمه سُميَّة، ويُقال إنه أولُ من اتَّخذَ مسجدًا في بيته يتعبَّدُ فيه (٤)، وقد شهد بدرًا وما بعدها وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين وأن رسول الله ﷺ قال: "تقتلك الفئة الباغية" (٥) وروى الترمذي (٦) من حديث الحسن، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، إلى علي وعمار وسلمان". وفي الحديث الآخر الذي رواه الثوري وقيس بن الربيع وشريك القاضي وغيرهم عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي أن عمارًا استأذن على رسول اللّه ﷺ فقال: "مرحبًا بالطيب المطيب" (٧). وقال إبراهيم بن الحسين: حَدَّثَنَا يحيى، حاثني نصر، حَدَّثَنَا سفيان الثوري، عن الأعمش (٨)، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل (٩)، عن رجل من أصحاب رسول اللّه أن رسول اللّه ﷺ قال: "لقد ملئ عمار إيمانًا من قدمه (١٠) إلى مُشاشِه (١١) ". وحدَّثنا يحيى بن معلّى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: ما من أحدٍ من أصحاب رسول اللّه ﷺ أشاء أن أقول فيه إِلَّا عمار بن ياسر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 3670

"إن عمار بن ياسر حُشِي (١) ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانًا" (٢). وحَدَّثَنَا يحيى، حَدَّثَنَا عمرو بن عون (٣) أنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة قال: أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدَّثني قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في شيء فشكاني إلى رسول اللّه ﷺ فقال: "يا خالد! لا تؤذ عمارًا فإنه من يبغض عمارًا يبغضه اللّه، ومن يعادِ عمارًا يعاده اللّه" (٤) قال: فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في نفسه. وله أحاديث كثيرة في فضائله ﵁. قتل بصفين عن إحدى (٥) وقيل ثلاث وقيل أربع وتسعين سنة، طعنه أبو الغادية فسقط ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله فقال لهما عمرو بن العاص: اندرا فواللّه إنكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال له عمرو: واللّه إنك لتعلم ذلك، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الواقدي (٦): حدَّثني الحسن بن الحسين بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، أن عليًّا صلَّى عليه ولم يُغَسّله وصلى (معه) على هاشم بن عتبة، فكان عمار مما يلي عليًا، وهاشم إلى نحو القبلة. قالوا: وقبره هنالك. وكان آدمَ اللونِ، طويلًا، بعيد ما بين المنكبين: أشهل العينين، رجلًا لا يغير شيبه ﵁. الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّد (٧) بن عَفْراء (٨) أسلمت قديمًا وكانت تخرج مع رسول اللّه ﷺ إلى الغزوات فتداوي الجرحى، وتسقي الماء للكَلْمى [وغيرهم]، وروت أحاديثَ كثيرةً. وقد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلقٌ كثيرٌ وجمٌّ غفير، فقيل: قتل من أهل الشام خمسةٌ وأربعون ألفًا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفًا. وقيل: قتل من أهل العراق أربعون ألفًا - من مئة وعشرين

стр. 3671

ألفًا - وقتل من أهل الشام عشرون ألفًا من ستين ألفًا، وبالجملة فقد كان فيهم أعيانٌ ومشاهيرُ يطولُ استقصاؤهم وفيما ذكرناه كفايةٌ، واللّه تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثون فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبي بكر واستناب معاوية عَمْرًا عليها، وذكر كما سنبينه، وقد كان علي ﵁ استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة وانتزعها من يد محمد بن أبي حذيفة [حين كان استحوذ عليها ومنع عبد اللّه] (١) بن (سعد) بن أبي سَرْح من التصرّف فيها، حين حُصر عثمان - وقد كان عثمان استخلفه عليها وعزل عنها عمرو بن العاص - وعمرو كان هو الذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليًا عزل (٢) قيس بن سعد عنها وولى عليها محمد بن أبي بكر وقد ندم علي على عزل قيس بن سعد عنها، وذلك أنه كان كفؤًا لمعاوية (٣) وعمرو، ولما ولي محمد بن أبي بكر لم يكن فيه قوةٌ تعادلُ معاوية وعَمرًا، وحين عُزل قيسُ بن سعد عنها رجع إلى علي بالعراق فكان معه، وكان معاوية يقول: (واللّه) لقيس بن سعد عند علي أبغض إلي من مئة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين (٤) فلما فرغ علي من صفين وبلغه أن أهل مصر قد استخفُّوا بمحمد بن أبي بكر لكونه شابًا ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد، وكان (٥) قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي وقد كان نائبه على الموصل ونصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر (٦)، [وقيل إنه استمر بقيس عنده وولى الأشتر النخعي مصر] (٧) فلما بلغ معاوية تولية (علي) للأشتر (النخعي ديار) مصر بدل محمد بن أبي بكر (عظم ذلك عليه، وذلك أنه كان قد طمع في مصر واستنزاعها من يد محمد بن أبي بكر)، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه (٨) وشجاعته، فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزم (٩) استقبله الخانسار (١٠) وهو مُقدَّم [عليٍّ] على

стр. 3672

الخراج فقدم إليه طعامًا وسقاه شرابًا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية وعمرًا وأهل الشام قالوا: إن لله جنودًا من عسل. وقد ذكر ابن جرير في "تاريخه" (١) أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله (٢) ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك، وفي هذا نظر، وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان ﵁. والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحًا شديدًا بموت الأشتر النخعي (٣)، ولما بلغ ذلك عليًا: تأسف على شجاعته وغَنَائه، وكتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره واستمراره بديار مصر، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربت (٤)، وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف علي من صفين، (وحين) كان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، وقد كان أهل الشام حين انقضت (٥) الحكومة بدومة الجندل سلَّموا على معاوية بالخلافة وقوي أمرهم جدًّا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه: عمرو بن العاص، وشرحبيل بن السمط، [وحبيب بن مسلمة] وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والضحاك بن قيس، وبسر بن أبي أرطاة، وأبا الأعور السلمي، وحمزة بن سنان الهمداني وغيرهم، فاستشارهم في المسير إلى مصر فاستجابوا له وقالوا: سر حيث شئت فنحن معك، وعين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا (٦) فتحها ففرح بذلك عمرو، ثم قال لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالًا مع رجل مأمون عارف بالحرب (٧)، فإن بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابًا يعلمهم بقدومهم عليهم (٨)، ونبعث إلى مخالفينا كتابًا ندعوهم فيه إلى الصلح. وقال (٩) معاوية [لعمرو بن العاص]: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة وإني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك اللّه، (فوالله) ما أمرك وأمرهم إِلَّا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، وإلى معاوية بن خديج السكوني - وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليًا ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف - يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعًا، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة

стр. 3673

ومعاوية بن خديج فرحا به وردَّا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند والمدد إن شاء اللّه تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، وخرج معاوية (١) مودعًا وأوصاه بتقوى اللّه والرفق والمهل (والتؤدة)، وأن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر، وأن يدعو الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر (٢) الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها (٣) اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، وكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد فتنح فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، فإن الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان (٤)، فاخرج منها فإني لك لمن الناصحين والسلام. وبعث إليه عمرو أيضًا بكتاب معاوية إليه: أما بعد (٥) فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه (٦) من النقمة في الدنيا، والتبعة الموبقة في الآخرة. وإنّا لا نعلمُ أحدًا كان أشدَّ خلافًا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته وأوداجه (٧)، ثم إنك تظن أني عنك نائم أو ناس ذلك لك (٨)، حتى تأتي فتأمَّر على بلاد أنت بها جاري وجلُّ أهلها أنصاري، وقد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى الله بجهادك ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. قال: فطوى محمد بن أبي بكر الكتابين وبعث بهما إلى علي وأعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فإن كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلي بأموال ورجال والسلام. فكتب إليه [علي] يأمره بالصبر وبمجاهدة العدو، وأنه سيبعث إليه الرجال والأموال، ويمده بما أمكنه من الجيوش. وكتب محمد بن أبي بكر كتابًا (إلى معاوية في جواب ما قال) وفيه غلظة (٩)، (وكذلك كتب إلى عمرو بن العاص وفيه كلام غليظ) وقام محمد بن أبي بكر في الناس فخطبهم وحثَّهم على الجهاد ومناجزة من قصدهم من أهل الشام، وتقدم عمرو (بن العاص) إلى مصر في جيوشه، ومن لحق به من العثمانية (المصريين)، والجميع في قريب من ستة عشر ألفًا، وركب محمد بن أبي بكر في [قريب من] ألفي

стр. 3674

فارس الذين انتدبوا معه من المصريين وقدَّم على جيشه بين يديه (١) كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد (٢) من الشاميين إِلَّا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو (٣) بن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن حُدَيْج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٥]، ثم قاتل حتى قتل. وتفرق أصحاب محمد بن أبي بكر عنه ورجع يمشي فرأى خربة فأوى إليها ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر وذهب معاوية بن حُدَيْج في طلب محمد بن أبي بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم: إني رأيت رجلًا جالسًا في هذه الخربة، فقال: (هو) هو ورب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها - وقد كاد يموت عطشًا - فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص - وكان قد قدم معه إلى مصر - فقال: أيقتل أخي صبرًا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن حُدَيْج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ولا يقتله، فقال معاوية: كلا والله، أيقتلون كنانة بن بشر وأترك محمد بن أبي بكر، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء، وقد سألهم (٤) محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من الماء أبدًا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائمًا محرمًا فتلقاه الله بالرحيق المختوم. وقد ذكر ابن جرير (٥) وغيره أن محمد (بن أبي بكر) نال من معاوية بن حُدَيْج هذا [وشتمه] ومن عمرو بن العاص ومن معاوية [بن أبي سفيان] ومن عثمان (بن عفان أيضًا)، فعند ذلك غضب معاوية بن حُدَيْج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعًا شديدًا وضمت عياله إليها، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلاة (٦). وذكر الواقديّ (٧) أن عمرو (بن العاص) قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمُسَنَّاة (٨) فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند ذلك محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدلّ عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم (محمد) بن أبي بكر فقاتل حتى قُتل.

стр. 3675

قال (الواقدي): وكان ذلك في صفر من هذه السنة. قال الواقدي: ولما قتل محمد (بن أبي بكر) بعث علي الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فاللّه أعلم. قال: وكانت أذرُح في شعبان في هذه السنة أيضًا. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر وأن اللّه قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى السمع والطاعة (واجتماع الجماعة، وبما عهد لهم من الأمر). وقد زعم هشام بن (محمد) الكلبي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة مسك [في هذه السنة] بعد مقتل محمد (بن أبي بكر) - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو (بن العاص) إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه (معاوية) بفلسطين فهرب من السجن [وكان معاوية يجانبه فيما يروون]، فلحقه رجل [من خثعم] يقال له (عبد اللّه بن) عمرو بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوي إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرتها جماعة من الحصادين هنالك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلام (١) أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه [هنالك]، (هكذا) ذكر ذلك ابن الكلبي (٢). وقد ذكر الواقدي وغيره أن (محمد) بن أبي حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا [ذلك] فالله أعلم. وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، حدَّثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين - (يكتب إليهم بذلك) - فاستخرج منه بضعة (٣) وخمسين إرْدَبًا (٤) دنانير، قال أبو صالح: والإردبّ ست ويبات والويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعة وثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون مَبْلَغ ما كان أخذ من (٥) القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار. قال أبو مخنف بإسناده (٦): لما بلغ عليم بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان (بمصر) من الأمر، وتملك عمرو لها، واجتماع الناس (٧) عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبًا فحثهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم (من الشاميين والمصريين)، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة. فلما

стр. 3676

كان الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا (١) عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيبًا فقال: الحمد له على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني (٢) بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبًا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام (٣) فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء؟ وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النُّهَى وبقية الناس - على المعونة و (طائفة منكم على) العطاء فتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي؟ فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي (٤) فندب الناس إلى امتثال أمر علي والسمع والطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسًا، ثم قدم على على جماعة ممن كان مع محمد بن أبي بكر بمصر فأخبروه [كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر عمرو بها] (٥)، فبعث إلى مالك (بن كعب) فردَّه (من الطريق) وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر واستقرّ أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم به وينهاهم (٦) (عنه) والخروج عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله، لجهلهم (٧) وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم (٨)، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبه على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة (والمعاندة)، فردّ عليه ابنُ عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبي بكر ويحثه على ملاطفة (٩) الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الله خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى علي وهو بالكوفة واستخلف (ابن عباس) على البصرة زيادًا. وفي هذا الحين (١٠) بعث معاوية بن أبي سفيان كتابًا مع عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى (أهل) البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بني تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين (١١) بن ضبيعة في جماعة (من الناس) فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى علي يعلمه بما وقع بالبصرة [من المخالفة] بعد خروج ابن عباس منها، فبعث

стр. 3677

(عند ذلك) علي جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلًا إلى قومه بني تميم، وكتب معه كتابًا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرمي وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين (١)، وقيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاؤوا له [من جهة معاوية]. فصل وقد صحح ابن جرير (٢) أن قتال علي لأهل النهروان كان في هذه السنة، وكذلك خروج الخرِّيت بن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضًا، وكان مع الخريت ثلاثمئة رجل من قومه بني ناجية - وكان مع علي بالكوفة - فجاء إلى علي فقام بين يديه وقال: والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، إني لك غدًا لمفارق. فقال له علي: ثكلتك أمك إذًا تعصي ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلَّا نفسك، ولمَ تفعلُ ذلك؟ قال: لأنك حكمت في كتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الظالمين، فأنا عليك زاري (٣) وعليك ناقم، وإنا لكم جميعًا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشًا واحدًا، ثم خرجوا في آثار الخِرِّيت وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز، قال: فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي، ووقف الخِرِّيت فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة. قال: وسار فينا معقل بن قيس فقال: عباد اللّه! لا تبدؤوا القوم وغضوا أبصاركم، وأقلّوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالكم بالأجر إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجًا كسروا الخراج، ولصوصًا وأكرادًا، فإذا حملتُ فشدوا شدةَ رجلٍ واحد. ثم تقدم فحرك دابته (٤) تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة، وحملنا معه جميعنا، فواللّه ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، وقتلنا من العلوج والأكراد نحوًا من ثلاثمئة، وفرّ الخرِّيت منهزمًا حتى لحق بأساف - وبهما جماعة من قومه (كثيرة) - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة مئة وسبعون رجلًا. ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب علي والخوارج (فيها أيضًا).

стр. 3678

ثم قال (١): حدَّثني عمر بن شَبَّة، حَدَّثَنَا أبو الحسن - يعني المدائني - علي بن محمد، عن علي بن مجاهد قال قال الشعبي: لما قتل علي أهل النهروان خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتقض أهل الجبال (٢)، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملًا عليها [لعلي]- فأشار (عليه) ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها (فولاه إياها) فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج. قال ابن جرير (٣) وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب (٤) اليمن، وأخوهما عبد اللّه [بن عباس] نائب البصرة، وأخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى، (وأما مصر) فقد استقرت (٥) بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص، واللّه أعلم. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان سهل بن حنيف (٦) بن واهب بن العُكَيْم (٧) بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، وثبت يوم أحد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحبًا لعلي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضًا غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة (٨)، وصلى عليه علي فكبر (٩) خمسًا وقيل ستًا، وقال: إنه من أهل بدر ﵁. صَفْوان بن بيضاء (١٠) أخو سهل بن بيضاء شهد (المشاهد) كلها [مع رسول الله ﷺ ]، وتوفي في هذه السنة في رمضانها (١١) وليس له عقب.

стр. 3679

صهيب بن سنان (١) بن مالك أبو يحيى الرومي وأصله من النَّمر بن قاسط (٢) وكان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة (٣)، وكانت منازلهم على دجلة عند الموصل، وقيل على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته وهو صغير، فأقام عندهم حينًا ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد اللّه بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينًا، فلما بُعث رسول اللّه ﷺ آمن به، (وكان ممن أسلم) قديمًا هو وعمار [بن ياسر] في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في اللّه ، ولما هاجر رسول اللّه ﷺ هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة، فلما أحس بهم نثل كنانته (فوضعها بين يديه) وقال: واللّه لقد علمتم أني من أرماكم، وواللّه لا تصلون إلي حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلًا منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حتى أقتل. وإن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي وهو مدفون في مكان كذا وكذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله، فلما قدم [على رسول اللّه ﷺ ] قال له رسول اللّه ﷺ : "ربح البيع أبا يحيى" وأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (٤). ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب. وشهد [صهيب] بدرًا (وأحُدًا) وما بعدهما، ولما جعل عمر الأمر شورى كان هو الذي يصلي بالناس حتى تعيَّن عثمان، وهو الذي ولي الصلاة على عمر - وكان له صاحبًا [وصديقًا]- وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير أقرن الحاجبين كثير الشعر وكان لسانه فيه عجمة (٥) شديدة، وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح. روي أن رسول اللّه ﷺ رآه يأكل (بقثاء) رطبًا وهو أرمد إحدى العينين، فقال [له]: "أتأكل رطبًا وأنت أرمد"؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول اللّه (٦) ﷺ . (وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل سنة تسع وثلاثين، وقد نيف على السبعين). محمد بن أبي بكر الصّدّيق (٧) ولد في حياة النَّبِيّ ﷺ في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه

стр. 3680

أسماء بنت عميس، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انقضت عدتها تزوجها علي فنشأ [محمد] في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبي بكر كما تقدم، وله من العمر دون الثلاثين [سنة وحزنت عليه عائشة وعلي وغيرهما]، ﵀ ورضي عنه. أسماء بنت عميس (١) بن معبد (٢) بن الحارث الخثعمية [وهي أم محمد المذكور] أسلمت [قديمًا]، بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر، ولها منه عبد الله، ومحمد، وعون. ولما قتل جعفر بمؤتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبي بكر أمير مصر (٣)، ثم لما مات الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعونًا، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها. وكذلك هي أخت أم الفضل امرأة العباس لأمها، وكان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين فيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشًا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع (٤)، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الإمارة (٥) والحالة هذه، [فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك] (٦). وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفي فارس إلى عين
следующие страницы →