← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

كان الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا (١) عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيبًا فقال: الحمد له على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني (٢) بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبًا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام (٣) فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء؟ وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النُّهَى وبقية الناس - على المعونة و (طائفة منكم على) العطاء فتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي؟ فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي (٤) فندب الناس إلى امتثال أمر علي والسمع والطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسًا، ثم قدم على على جماعة ممن كان مع محمد بن أبي بكر بمصر فأخبروه [كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر عمرو بها] (٥)، فبعث إلى مالك (بن كعب) فردَّه (من الطريق) وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر واستقرّ أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم به وينهاهم (٦) (عنه) والخروج عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله، لجهلهم (٧) وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم (٨)، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبه على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة (والمعاندة)، فردّ عليه ابنُ عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبي بكر ويحثه على ملاطفة (٩) الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الله خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى علي وهو بالكوفة واستخلف (ابن عباس) على البصرة زيادًا. وفي هذا الحين (١٠) بعث معاوية بن أبي سفيان كتابًا مع عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى (أهل) البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بني تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين (١١) بن ضبيعة في جماعة (من الناس) فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى علي يعلمه بما وقع بالبصرة [من المخالفة] بعد خروج ابن عباس منها، فبعث

стр. 3677

(عند ذلك) علي جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلًا إلى قومه بني تميم، وكتب معه كتابًا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرمي وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين (١)، وقيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاؤوا له [من جهة معاوية]. فصل وقد صحح ابن جرير (٢) أن قتال علي لأهل النهروان كان في هذه السنة، وكذلك خروج الخرِّيت بن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضًا، وكان مع الخريت ثلاثمئة رجل من قومه بني ناجية - وكان مع علي بالكوفة - فجاء إلى علي فقام بين يديه وقال: والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، إني لك غدًا لمفارق. فقال له علي: ثكلتك أمك إذًا تعصي ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلَّا نفسك، ولمَ تفعلُ ذلك؟ قال: لأنك حكمت في كتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الظالمين، فأنا عليك زاري (٣) وعليك ناقم، وإنا لكم جميعًا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشًا واحدًا، ثم خرجوا في آثار الخِرِّيت وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز، قال: فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي، ووقف الخِرِّيت فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة. قال: وسار فينا معقل بن قيس فقال: عباد اللّه! لا تبدؤوا القوم وغضوا أبصاركم، وأقلّوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالكم بالأجر إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجًا كسروا الخراج، ولصوصًا وأكرادًا، فإذا حملتُ فشدوا شدةَ رجلٍ واحد. ثم تقدم فحرك دابته (٤) تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة، وحملنا معه جميعنا، فواللّه ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، وقتلنا من العلوج والأكراد نحوًا من ثلاثمئة، وفرّ الخرِّيت منهزمًا حتى لحق بأساف - وبهما جماعة من قومه (كثيرة) - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة مئة وسبعون رجلًا. ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب علي والخوارج (فيها أيضًا).

стр. 3678

ثم قال (١): حدَّثني عمر بن شَبَّة، حَدَّثَنَا أبو الحسن - يعني المدائني - علي بن محمد، عن علي بن مجاهد قال قال الشعبي: لما قتل علي أهل النهروان خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتقض أهل الجبال (٢)، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملًا عليها [لعلي]- فأشار (عليه) ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها (فولاه إياها) فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج. قال ابن جرير (٣) وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب (٤) اليمن، وأخوهما عبد اللّه [بن عباس] نائب البصرة، وأخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى، (وأما مصر) فقد استقرت (٥) بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص، واللّه أعلم. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان سهل بن حنيف (٦) بن واهب بن العُكَيْم (٧) بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، وثبت يوم أحد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحبًا لعلي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضًا غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة (٨)، وصلى عليه علي فكبر (٩) خمسًا وقيل ستًا، وقال: إنه من أهل بدر ﵁. صَفْوان بن بيضاء (١٠) أخو سهل بن بيضاء شهد (المشاهد) كلها [مع رسول الله ﷺ ]، وتوفي في هذه السنة في رمضانها (١١) وليس له عقب.

стр. 3679

صهيب بن سنان (١) بن مالك أبو يحيى الرومي وأصله من النَّمر بن قاسط (٢) وكان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة (٣)، وكانت منازلهم على دجلة عند الموصل، وقيل على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته وهو صغير، فأقام عندهم حينًا ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد اللّه بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينًا، فلما بُعث رسول اللّه ﷺ آمن به، (وكان ممن أسلم) قديمًا هو وعمار [بن ياسر] في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في اللّه ، ولما هاجر رسول اللّه ﷺ هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة، فلما أحس بهم نثل كنانته (فوضعها بين يديه) وقال: واللّه لقد علمتم أني من أرماكم، وواللّه لا تصلون إلي حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلًا منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حتى أقتل. وإن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي وهو مدفون في مكان كذا وكذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله، فلما قدم [على رسول اللّه ﷺ ] قال له رسول اللّه ﷺ : "ربح البيع أبا يحيى" وأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (٤). ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب. وشهد [صهيب] بدرًا (وأحُدًا) وما بعدهما، ولما جعل عمر الأمر شورى كان هو الذي يصلي بالناس حتى تعيَّن عثمان، وهو الذي ولي الصلاة على عمر - وكان له صاحبًا [وصديقًا]- وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير أقرن الحاجبين كثير الشعر وكان لسانه فيه عجمة (٥) شديدة، وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح. روي أن رسول اللّه ﷺ رآه يأكل (بقثاء) رطبًا وهو أرمد إحدى العينين، فقال [له]: "أتأكل رطبًا وأنت أرمد"؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول اللّه (٦) ﷺ . (وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل سنة تسع وثلاثين، وقد نيف على السبعين). محمد بن أبي بكر الصّدّيق (٧) ولد في حياة النَّبِيّ ﷺ في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه

стр. 3680

أسماء بنت عميس، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انقضت عدتها تزوجها علي فنشأ [محمد] في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبي بكر كما تقدم، وله من العمر دون الثلاثين [سنة وحزنت عليه عائشة وعلي وغيرهما]، ﵀ ورضي عنه. أسماء بنت عميس (١) بن معبد (٢) بن الحارث الخثعمية [وهي أم محمد المذكور] أسلمت [قديمًا]، بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر، ولها منه عبد الله، ومحمد، وعون. ولما قتل جعفر بمؤتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبي بكر أمير مصر (٣)، ثم لما مات الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعونًا، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها. وكذلك هي أخت أم الفضل امرأة العباس لأمها، وكان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين فيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشًا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع (٤)، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الإمارة (٥) والحالة هذه، [فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك] (٦). وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفي فارس إلى عين

стр. 3681

التمر، وعليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلي، فلما سمعوا بقدوم الشاميين ارفضوا (١) عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مئة رجل فكتب عند ذلك إلى علي يعلمه بما كان من الأمر، فندب علي الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا [عليه] ونكلوا عنه ولم يجيبوا إلى الخروج، فخطبهم علي عند ذلك فقال في خطبته: يا أهل الكوفة! كلما سمعتم بمنسر (٢) من مناسر أهل الشام انجحر كل [امرئ] منكم في بيته، وغلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره، والضبع في وجاره، المغرور والله من غررتموه، ولَمن فارقكم فاز بالسهم الأخيب (٣)، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيت به منكم، عُميٌ لا تبصرون، وبُكْمٌ لا تنطقون، وصم لا تسمعون، إنا لله وإنا إليه راجعون. ودهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالًا شديدًا وليس مع مالك بن كعب إلَّا مئة رجل قد كسروا جفون (٤) سيوفهم واستقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلًا، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هربًا [على وجوهه] فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس وذهب الباقون على وجوههم ولم يتم لهم أمر من هذا الوجه (٥). وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره بأن يأتي هيت فيغير عليها، ثم يأتي الأنبار والمدائن. فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد فيها أحدًا، ثم إلى الأنبار وفيها مسلحة لعلي نحو من خمسمئة، فتفرقوا ولم يبق منهم إلا مئة رجل، فقاتلوا مع قلته وصبروا حتى قُتل أميرهم - وهو أشْرَسُ بن حَسَّان البلوي (٦) - في ثلاثين رجلًا من أصحابه، واحتملوا (٧) ما كان بالأنبار من الأموال وكرّوا راجعين إلى الشام، فلما بلغ الخبر عليًا ﵁ [وما جرى لأهل الأنبار] ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما تكفونني ولا أنفسكم، وسرح سعيد (٨) (بن قيس) في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع. وفيها بعث معاوية عبدَ الله بن مَسْعَدة الفَزاري (٩) في ألف وسبعمئة إلى تيماء وأمره أن يصدق (١٠) أهل

стр. 3682

البوادي ومن امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز. فسار إلى تيماء واجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ عليًا بعث المسيب بن نَجَبة الفزاري في ألفي رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالًا شديدًا عند زوال الشمس، وحمل المُسيَّب بن نَجبة على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات وهو لا يريد قتله بل يقول له: النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به وهرب بقيتهم إلى الشام، وانتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن مسعدة من إبل الصدقة، وحاصرهم المسيّب بن نَجبة ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، ومتوا (١) إليه بأنهم من قومهم فرقَّ لهم وأطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن وخرجوا [منه] هربًا إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب (٢) للمسيب بن نَجَبَة: سر حتى ألحقهم! فقال: لا! فقال: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم. وفيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره أن يغير على أطواف جيش علي، فجهز علي حجر بن عدي في أربعة آلاف وأنفق فيهم أكل رجل، خمسين درهمًا خمسين درهمًا، فالتقوا بتدمر فقتل [حجر] من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلًا، وقُتل من أصحاب حجر بن عدي رجلان، وغشيهم الليل فتفرقوا، وانشمر (٣) الضحاك بأصحابه فارًّا إلى الشام. وفيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كرَّ راجعًا. ذكره محمد بن سعد عن الواقدي بإسناده وأبو معشر [معه] أيضًا. وفي هذه السنة ولَّى عليّ بن أبي طالب زياد بن أبيه على أرض فارس. وكانوا قد منعوا الخراج والطاعة، وسبب ذلك حين قتل ابن الحضرمي وأصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما (٤) اشتهر هذا الصنيع في البلاد شَوَّش ذلك (٥) قلوب كثير من الناس على علي (٦)، واختلفوا على علي، ومنع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، ولاسيما أهل فارس فإنهم تمردوا وأخرجوا عاملهم سهل بن حنيف [عنهم]- كما تقدم في العام الماضي - من بين أظهرهم، فاستشار علي الناس فيمن يوليه عليهم، فأشار ابن عباس وجارية بن قدامة أن يولي عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأي، عالم بالسياسة. فقال علي: هو لها، فولاه فارس وكرمان وجهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها وقهرهم حتى استقاموا وأدوا الخراج وما كان عليهم من الحقوق، ورجعوا إلى السمع والطاعة، وسار فيهم بالمعدلة والأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون: ما رأينا سيرة أشبه

стр. 3683

بسيرة كسرى أنوشروان عن سيرة هذا العربي في اللّين والمداراة والعلم بما يأتي (١)، وصفت له تلك البلاد بعدله وعلمه وصرامته (٢)، واتخذ للمال قلعة حصينة، فكانت تعرف بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور البكري (٣) فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور. قال الواقدي (٤): وفي هذه السنة بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على الموسم وبعث معاوية يزيد بن سخبرة الرُّهاوى ليقيم للناس الحج فلما اجتمعها بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي فحج بالناس وصلّى بهم في أيام الموسم. قال أبو الحسن المدائني (٥): لم يشهد عبد الله بن عباس الموسم في أيام علي حتى قتل، والذي نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس [حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان، قال ابن جرير: وكما قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب] (٦). قال ابن جرير: (٧): وأما عمال علي على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس كان قد سار من البصرة إلى الكوفة واستخلف على البصرة زياد بن أبيه، ثم سار زياد في هذه السنة إلى فارس وكرمان كما ذكرنا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان (٨) سعد القَرَظ (٩)، مؤذن مسجد قبا في زمان رسول الله ﷺ ، فلما ولى عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي، وكان أصله مولى لعمار بن ياسر، وهو الذي كان يحمل العنَزَة بين يدي أبي بكر وعمر [وعثمان] وعلي إلى المصلى ليوم العيد وبقي الأذان في ذريته مدة طويلة. عقبة بن عمرو بن ثعلبة (١٠)، أبو مسعود البدري سكن ماء بدر [فنسب إليه] ولم يشهد الوقعة بها على

стр. 3684

الصحيح، وقد شهد العقبة، وهو من سادات الصحابة وكان ينوب لعلي بالكوفة إذا خرج منها إلى القتال (١). سنة أربعين من الهجرة [النبوية] [فيها كان مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على ما سنذكره مفصلًا إن شاء الله تعالى] قال ابن جرير (٢): فمما كان في هذه السنة من الأمور الجليلة توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عوانة قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة - وهو رجل من بني عامر بن لؤي - في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة - وعامل علي عليها يومئذ أبو أيوب - ففر منهم أبو أيوب فأتى عليًا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادي على المنبر: يا دينار ويا نجار ويا رزيق شيخي شيخي عهدي به هاهنا بالأمس فأين هو؟ - يعني عثمان بن عفان - ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بهما محتلمًا إلَّا قتلته، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله - يعني حتى يبايعه - فانطلق جابر حتى دخل على أم سلمة فقال لها: ماذا ترين إني خشيت أن أُقتل وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت [له]: أرى أن تبايع فإني قد أمرتُ ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه. قال: وهدم بسر دورًا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله ﷺ ذلك، فخلّى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلًا مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد الله بن المدان الحارثي (٣)، فلما دخل بسر اليمن قتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان صغيران له فقتلهما وهما عبد الرحمن وقثم، [وقيل إنه ذبحهما بين يدي أمهما فزاغ عقلها، ووسوست مما رأت فكانت بعد ذلك تقف في المواسم مبهوتة زائغة العقل تندب ولديها] ويقال إن بسرًا قتل خلقًا من شيعة علي في ميسره هذا، وهذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي والسير، وفي صحته عندي نظر والله تعالى أعلم. ولما بلغ عليًا خبر بسر وجَّه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فحَرَّق بها (٤) وقتل ناسًا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعوا. فقالوا: لمن نبايع وقد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع؟ فقال: بايعوا لمن بايع

стр. 3685

له أصحاب علي، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف، ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنَّور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا للحسن بن علي، فبايعوا وأقام عندهم [يومًا] ثم خرج منصرفًا إلى الكوفة وعاد أبو هريرة يصلي بهم. قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلي ولمعاوية [ملك] الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي: أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضًا فلك العراق ولي الشام فأقر بذلك علي ﵁. وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الأمر على ذلك. قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة وترك العمل في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل عاملًا على البصرة حتى صالح [الحسن بن] علي معاوية، وأنه كان شاهدًا للصلح، كما (٣) نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي. ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة وذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض وحط على أبي الأسود، فكتب أبو الأسود إلى علي يشكو إليه ابن عباس وينال من عرضه بأنه تناول شيئًا من أموال [الناس من] بيت المال فبعث علي إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك وحرَّر عليه القضية (٤) فغضب ابن عباس من ذلك وكتب إلى علي أن ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام. [ثم ترك ذلك ابن عباس] إلى مكة مع أخواله بني هلال وتبعهم قيس كلها، وقد أخذ شيئًا من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة والفيء، ولما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم من المسير فكان بينهم بعض قتال، ثم تحاجزوا ودخل ابن عباس مكة. ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما ورد [في ذلك] من الأحاديث النبوية [وما في ذلك من دلائل النبوة] من الأخبار بمقتله وكيفيته كان أمير المؤمنين ﵁ قد انتقضت (٥) عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل

стр. 3686

العراق [وغيرهم]، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا [في البلاد] يمينًا وشمالًا، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليًا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم (١) يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق [ووهنوا]، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه [وقد كان يعطيهم العطاء الكثير والمال الجزيل فلا زال هذا ذهابهم معه] حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن [والظلم والفساد] فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه - ويشير إلى لحيته - من هذه - ويشير إلى هامته -[كما روى ذلك عنه عن النبي ﷺ من طرق: الطريق الأولى: رواها] (٢) البيهقي (٣): عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدَّثنا أبو الجوَّاب الأحوص بن جوَّاب (٤)، حدَّثنا عمار بن زريق، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد قال قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها"؟ فقال عبد الله بن سَبُع (٥): والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلًا فعل ذلك لأبدنا عترته: فقال أنشدكم بالله أن يُقتل بي غير قاتلي. فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ . قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملًا؟ قال: أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني، وتركتك فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم [فيه ضعف في بعض ألفاظه]. طريق أخرى قال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٦): حدَّثنا شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، قال: جاءت الخوارج إلى علي فقالوا: اتق الله أ يا علي، فإنك ميت. قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقَضاء مقضي، وقد خاب من افترى.

стр. 3687

طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو يعلى (١): حدَّثنا سويد بن سعيد، حدَّثنا رشدين بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه. قال قال علي: قال لي رسول الله ﷺ : "من أشقى الأولين؟ " قلت: عاقر النَّاقة، قال: "صدقتَ فمن أشقى الآخرين؟ " قلت: لا علم لي يا رسول الله، قال: "الذي يضربك [على هذه وأشار بيده على يافوخه فيخضب هذه من هذه، يعني لحيته من دون رأسه قال: فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم] " (٢). طريق أخرى قال الإمام أحد (٣): حدَّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبُع قال: سمعت عليًا يقول: لتُخْضبنَّ هذه من هذه. فما ينتظر [بي] الأشقى؟ [فقالوا: يا أمير المؤمنين، أخبرنا به نبير عترته، قال: إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي] قالوا: فاستخلف علينا. قال: لا، ولكن أترككم كما ترككم إلى ربه رسول الله ﷺ . قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته؟ قال: أقول: اللهم، تركتني فيهم ما بدا لك. ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم. قال أحد (٤): حدَّثنا أسود بن عامر، أنبأنا أبو بكر، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل، عن عبد الله بن سبُع قال: خطبنا علي فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتُخْضبنَّ هذه من هذه. قال: فقال الناس: فأعلمنا منْ هو؟ والله لنبيدنه ولنبيدن عترته (٥). فقال: أنشدكم بالله: أن يُقتل غير قاتلي، قالوا: إن كنت علمتَ ذلك فاستخلف، قال: لا ولكن أكلكم إلى من وكلكم إليه رسول الله ﷺ . تفرد به أحمد. طريق أخري عن علي قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا محمد يعني ابن راشد، عن عبد الله بن

стр. 3688

محمد بن عقيل، عن فَضَالة بن أبي فَضَالة الأنصاري - وكان أبو فَضَالة (١) من أهل بدر قال: خرجت مع أبي عائدًا لعليٍّ من مرض أصابه ثَقُلَ منه. فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك أجلك لم يَلِكَ إلا أعراب جُهينة أو غيرهم، تُحملُ إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليكَ أصحابك وصلّوا عليك. فقال علي: إن رسول الله ﷺ عهد إليَّ أني لا أموت حتى أؤمَّر، ثم تخضبُ هذه - يعني لحيته - من هذه - يعني هامته - قال: فقتل، وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين. تفرد به أحمد. ورواه البيهقي في "الدلائل" (٢) عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن مكرم، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به. طريق أخرى عنه قال البزار (٣): حدَّثنا أحمد بن أبان القرشي، حدَّثنا سفيان بن عيينة، حدَّثنا كوفي [لنا] يقال له عبد الملك بن أعين عن أبي حرب بن أبي الأسود، أبيه قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: قال عن لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في غرز الركاب السيف فقال: وايم الله لقد قالها ولقد قالها النبي ﷺ محاربًا يحدث بهذا غيرك. ثم قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا علي بن أبي طالب، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين عن أبي حرب ولا رواه عنه إلا ابن عيينة. هكذا قال. وقد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك. قال البيهقي (٤): بعد ذكر طرق من هذه الطرق: وقد روينا في كتاب السنن بإسناد صحيح زيد بن أسلم عن أبي سنان الدؤلي عن علي في عن إخبار النبي ﷺ بقتله. حديث آخر في ذلك قال الخطيب البغدادي (٥): أخبرني علي بن القاسم البصري، حدَّثنا علي بن إسحاق المادَرائي [قال]: أنبأنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، حدَّثنا إسماعيل بن أبان الورَّاق، حدَّثنا أبو عبد الله

стр. 3689

المُحلميّ، عن سِماك، عن جابر بن سمرَة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "من أشقى الأولين؟ " قال: عاقر الناقة، قال: "فمن أشقى الآخرين؟ " قال الله ورسوله أعلم، قال: "قاتلك". حديث آخر في معنى ذلك وروى البيهقي (١) من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثَعْلبة الحمَّاني قال سمعت عليًا على المنبر وهو يقول: "والله إنه لعهد النبي الأمي إلي أن الأمة ستغدر بك بعدي". قال البخاري (٢): ثعلبة بن يزيد الحمَّاني في حديثه هذا نظر. قال البيهقي (٣): وقد رويناه بإسناد آخر عن علي إن كان محفوظًا. أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو محمد بن شَوْذَب الواسطي، بها، حدَّثنا شعيب بن أيوب، حدَّثنا عمرو بن عون، عن هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزدي، عن علي. قال: إن مما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن الأمة ستغدر بك بعدي. قال البيهقي: فإن صح فيحتمل أن يكون المراد به والله أعلم في خروج من خرج عليه ثم في قتله. وقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن (٤) عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأرقم. قال: خطبنا علي يوم جمعة فقال: نبئت أن بسرًا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم، قد بعثت فلانًا فخان وغدر، وبعثت فلانًا فخان وغدر، وبعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم. قال: فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل ﵁ وأرضاه. صفة مقتله ﵁ ذكر ابن جرير (٥) وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة (٦) من كندة المصري

стр. 3690

وكان أسمر حسن الوجه أبلح، شعره مع شحمة أذنيه، وفي جبهته أثر السجود. والبُرك بن عبد الله التميمي. وعمرو بن بكر التميمي أيضًا - اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا [من خير الناس وأكثرهم صلاة وكانوا دعاة الناس إلى ربهم] لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم [العباد و] البلاد، وأخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أمّا أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب. وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذو أسيافهم فسمُّوها واتعدوا [أن يكون هذا الأمر] لسبع عشرة من رمضان (١) أن يبيِّت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه. فأما ابن ملجَم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن [قومه و] أصحابه [بها] من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني [تيم] الرباب [وهم] يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل علي يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة [بالحسن]، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجَم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادمًا وقينة. وأن يقتل لها علي بن أبي طالب، [فأجابها إلى ما شرطت عليه] قال: فهو لك ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي [بن أبي طالب]، فتزوجها ودخل بها ثم شرعت تحرّضه على ذلك، وندبت له رجلًا من قومها، من تيم الرَّباب يقال له وردان، ليكون معه ردءًا، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجلًا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري. قال ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك: قال؟ قتل علي، فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئًا إذا (٢) كيف تقدر عليه؟ قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا (٣)، وإن قتلنا فما عند الله خير [وأبقى] من الدنيا. فقال: ويحك لو غير علي كان أهون علي؟ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله ﷺ فما أجدني أنشرح صدرًا لقتله. فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأي، ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت [فيها] أصحابي [أن يقتل كل واحد منا فيها صاحبه الذي ذهب إليه، ثم جاؤوا إلى قطام فدعت لهم بعصب الحرير فعصبتهم بها وكانت في المسجد] (٤) فجاء هؤلاء الثلاثة - وهم ابن ملجم، ووردان، وشبيب - وهم مشتملون على سيوفهم

стр. 3691

[فدخلوا المسجد الجامع] فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل يُنهض الناس من النوم إلى الصلاة [على عادته] ويقول: الصلاة الصلاة [عباد الله] فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع [سيفه] في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته ﵁، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] ونادى عدي: عديكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومُسك ابن ملجَم، وقدّم عليّ جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلَّى بالناس صلاة الفجر، وحُمل علي إلى منزله، وحُمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف - قبحه الله - فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى: قال. فما حملك على هذا؟ قال: شحذته [يعني سيفه] أربعين صباحًا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له علي: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: إن مت فأقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به (١). وقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ (٢) بغيرها. وقد قيل إن آخر ما تكلم به: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة [وغفر الذنب] وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرًا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته ﵁ وأرضاه. وصورة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من (٣) المسلمين، أوصيك يا حسن وجميع ولدي [وأهلي] ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا فإني سمعت أبا القاسم (٤) ﷺ يقول: "إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام" انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم ليهوّن الله عليكم الحساب، الله

стр. 3692

الله في الأيتام فلا تُعنوا (١) أفواههم، ولا يضيعُنّ بحضرتكم، الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، الله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم. الله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم. الله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا (٢). الله الله في شهر رمضان فإن صيامه جُنَّة من النار. الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب. الله الله في ذمة نبيكم ولا يُظْلمنَّ بين أظهركم (٣). الله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله ﷺ أوصى بهم. الله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم. الله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم" الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنًا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتبادل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله (٤). ثم لم ينطق إلَّا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان سنة أربعين. وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلّى عليه الحسن فكبّر عليه تسع تكبيرات. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أبو أحمد الزَّبيري، حدَّثنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تِحيى (٦) قال: لما ضرب ابن ملجَم عليًا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله فقال: "اقتلوه ثم حرقوه". وقد روي أن أم كلثوم قالت لابن ملجم وهو واقف: ويحك! لمَ ضربت أمير المؤمنين؟ قال: إنما ضربت أباك، فقالت: إنه لا بأس عليه، فقال: لمَ تبكين؟ والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، والله لقد سممت هذا السيف شهرًا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف. قال الهيثم بن عدي: حدَّثني رجل من بجيلة، عن مشيخة قومه أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من [بني] تيم الرَّباب يقال لها قطام كانت من أجمل النساء ترى رأي الخوارج، قد قتل عليٌّ قومها على هذا الرأي، فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف [درهم] وعبد وقينة

стр. 3693

[وقتل علي بن أبي طالب]، فتزوجها على ذلك فلما بنى بها قالت له: يا هذا قد فرغت [من حاجتك] فافرغ [من حاجتي] فخرج ملبسًا سلاحه، وخرجت معه، فضربت له قبة في المسجد وخرج عليٌّ يقول: الصلاة الصلاة، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه فقال الشاعر - قال ابن جرير: هو ابن مياس المرادي (١): [من الطويل] فَلَمْ أرَ مَهْرًا ساقَهُ ذو سَماحةٍ … كَمهْرِ قَطام بَيِّنًا غيرَ مُعْجَمِ (٢) ثَلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ … وقتلُ عليٍّ بالحسام المُصَمَّمِ (٣) فلا مَهْرَ أغْلَى من عليٍّ وإنْ غَلا … ولا فتكَ إلا دون فتكِ (٤) ابن ملجم وقد عزا ابن جرير هذه الأبيات إلى ابن ميّاس المرادي وأنشد له ابن جرير (٥) في قتلهم عليًا: [من الطويل] ونحنُ ضربنا (٦) مالكَ الخيرِ حيدرًا (٧) … أبا حسنٍ مأمومةً (٨) فتفطَّرا ونحن خلعنا ملكهُ من نظامه … بضربةِ سيفٍ إذ علا وتجبَّرا ونحنُ كرامٌ في الهياج (٩) أعزةٌ … إذا الموتُ بالموتِ ارتدَى وتأزَّرا وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان وكان أحد العبَّاد ممن يروي (١٠) عن عائشة في صحيح البخاري (١١) فقال [يمدح ابن ملجم على قتله عليًا] (١٢): [من البسيط] يا ضربةً من تقيٍّ ما أرادَ بها … إلَّا ليبلغَ من ذي العرشِ رضوانا إني لأذكرُهُ يومًا فأحسبهُ … أوفى البريةِ عندَ اللهِ ميزانا

стр. 3694

وأما صاحب معاوية - وهو البرك (١) - فإنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا (٢) اليوم فضربه بالسيف، وقيل بخنجر مسموم، فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته، ومسك الخارجي فقتل، وقد قال لمعاوية: اتركني فإني أبشرك ببشارة، فقال: وما هي؟ فقال: إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إنه، لا حرس معه، فأمر به فقتل، وجاء الطبيب فقال لمعاوية: إن جرحك مسموم فإما أن أكويك واما أن أسقيك شربةً فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك (٣). فقال معاوية: أما النار فلا طاقة لي بها وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحه واستقل (٤) وسَلِمَ ﵁. ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها (٥) في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة (٦). وأما صاحب عمرو بن العاص - وهو عمرو بن بكر [الخارجي]- فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في تلك الليلة فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة - وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤي وكان على شرطة عمرو بن العاص [فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص، فلما أخذ الخارجي] (٧) قال: أردتُ عمرًا وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلًا، وقتل [من وقته] قبحه الله. وقد قيل إن الذي قالها عمرو بن العاص، وذلك حين جيء بالخارجي فقال: ما هذا؟ قالوا قتل نائبك خارجة [فقال الخارجي والله ما أردت إلا إياك فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة] ثم أمر به فضربت عنقه. والمقصود أن عليًا ﵁ لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات ودفن بدار الإمارة بالكوفة خوفًا عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور، ومن قال إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدرى أين ذهب فقد أخطًا وتكلف ما لا علم له به ولا يسيغه عقل ولاشرع، وما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك ولا أصل له، ويقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي (٨) عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي بكر الطلحي، عن

стр. 3695

محمد بن عبد الله الحضرمي الحافظ - مطين (١) - أنه قال: لو علمت الشيعة قبر هذا الذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. قال الواقدي (٢): حدَّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر كم كان سن علي يوم قتل؟ قال: ثلاثًا وستين سنة. قلت: أين دفن؟ قال: دفن بالكوفة ليلًا وقد غُبي (٣) عنّي دفنه. وفي رواية عن جعفر الصادق أنه كان عمره ثمانيًا وخمسين سنة، وفد قيل إن عليًا دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة. قاله الواقدي (٤). والمشهور [أنه دفن] بدار الإمارة [وقيل بحائط جامع الكوفة]. وقد حكى الخطيب البغدادي (٥): عن أبي نعيم الفضل بن دكين: أن الحسن والحسين حوَّلاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع عند قبر [زوجته، فاطمة] [أمهما]. وقيل إنهم لما حملوه على البعير ضل منهم فاخذته طيِّئ يظنونه مالًا فلما رأوا (٦) أن الذي في الصندوق ميت ولم يعرفوا [من هو] دفنوا الصندوق بما فيه فلا يعلم أحد أين قبره، حكاه الخطيب أيضًا. وروى الحافظ ابن عساكر (٧) عن الحسن قال: دفنت عليًا في حجرة من دور آل جعدة. وعن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله [القسري] أساس دار ابنه يزيد استخرجوا شيخًا مدفونًا أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالأمس فهم بإحراقه ثم صرفه الله عن ذلك [إلى غيره] فاستدعى بقباطي فلفه فيها وطيبه وتركه مكانه. قالوا وذلك المكان بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد في بيت إسكاف وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل منه. وعن جعفر بن محمد الصادق قال: صُلِّي على عليٍّ ليلًا ودفن بالكوفة وعُمِّي موضع قبره ولكنه عند قصر الإمارة. وقال ابن الكلبي: شهد دفنه في الليل الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وغيرهم من أهل بيتهم فدفنوه في ظاهر الكوفة وعمَّوا قبره خيفة عليه من الخوارج وغيرهم. وحاصل الأمر أن عليًا قتل يوم الجمعة سحرًا وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين وقيل إنه قتل في ربيع الأول والأول هو الأصح الأشهر والله أعلم. ودفن بالكوفة عن ثلاث وستين سنة وصححه

стр. 3696

الواقدي وابن جرير (١) وغير واحدٍ، وقيل عن خمس وستين وقيل عن ثمان وستين سنة ﵁. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. فلما مات علي ﵁ استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم (٢): إني أعرض عليك خصلة قال: وما هي؟ قال: إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليًا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني إن لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله عليَّ أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك [إن أردت أن تقتل وإن أردت أن تعفو] فقال له الحسن: كلا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار (٣). وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى آخرها ثم جاؤوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال: إني أخشى أن تمر عليَّ ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة (٤) والله أعلم. وروى ابن جرير قال: حدَّثني الحارث حدَّثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب علي يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة، وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة اْربعين عن ثلاث وستين سنة. قال الواقدي (٥): وهو الثبت عندنا والله أعلم بالصواب. [فصل في] ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃ قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني، ما سمَّيتموه؟ " فقلت: سميته حربًا، فقال: "بل هو حسن" فلما ولد الحسين قال: "أروني ابني، ما سمَّيتموه؟ " فقلت: سميته حربًا قال: "بل هو حسين" فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟ " فقلت حربًا فقال: "بل هو مُحسِّن" ثم قال: "إني سميتهم باسم ولد هارون شبَّر وشبير ومُشبِّر". وقد رواه محمد بن سعد (٧) عن يحيى بن عيسى التميمي (٨)، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد

стр. 3697

قال قال علي: كنت رجلًا أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربًا، فذكر الحديث بنحو ما تقدم لكن لم يذكر الثالث. وقد ورد في بعض الأحاديث أن عليًا سمى الحسن أولًا بحمزة وحسينًا بجعفر فغير اسميهما رسول الله ﷺ . فأول زوجة تزوجها علي ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ بنى بها بعد وقعة بدر فولدت له الحسن وحسينًا ويقال ومحسنًا ومات [محسن] وهو صغير، وولدت له زينب الكبرى وأم كلثوم [الكبرى] وهذه تزوج بها عمر بن الخطاب كما تقدم. ولم يتزوج علي على فاطمة حتى توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فلما ماتت تزوج بعدها بزوجات كثيرة، منهن من توفيت في حياته ومنهن من طلقها، وتوفي عن أربع كما سيأتي. فمن زوجاته أم البنين بنت حزام وهو أبو المجل (١) بن خالد بن ربيعة بن كعب بن عامر بن كلاب فولدت له العباس وجعفرًا وعبد الله وعثمان. وقد قتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكر بلاء ولا عقب لهم سوى العباس. ومنهن ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك من بني تميم فولدت له عبيد الله وأبا بكر، وقال هشام بن الكلبي: وقد قتلا بكر بلاء أيضًا. وزعم الواقدي: أن عبيد الله قتله المختار بن أبي عبيد يوم الدار. ومنهن أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى ومحمدًا الأصغر قاله الكلبي. وقال الواقدي: ولدت له يحيى وعونًا؛ قال الواقدي: فأما محمد الأصغر فمن أم ولد. ومنهن أم حبيبة بنت ربيعة بن بجير (٢) بن العبد بن علقمة وهي أم ولد من السبي الذين سباهم خالد [بن الوليد] من بني تغلب حين أغار على عين التمر فولدت له عمر - وقد عمر خمسًا وثمانين (٣) سنة - ورقية. ومنهن أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتِّب (٤) بن مالك الثقفي فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. ومنهن ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب الكلبية فولدت له جارية، فكانت تخرج مع علي إلى المسجد وهي صغيرة فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه تعني بني كلب.

стр. 3698

ومنهن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس (١) بن عبد مناف بن قصي وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ وهي التى كان رسول الله ﷺ يحملها وهو في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها - فولدت له محمدًا الأوسط، وأما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بني حنيفة فصارت لعلي بن أبي طالب فولدت له محمدًا هذا، ومن الشيعة من يدَّعي به الإمامة والعصمة، وقد كان من سادات المسلمين ولكن ليس بمعصوم ولا أبوه معصوم بل ولا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا بواجبي العصمة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقد كان لعلي أولاد كثيرة آخرون من أمهات أولاد شتى فإنه مات عن أربع نسوة وتسع عشرة سرية ﵁. فمن أولاده ﵃ ممن لا يعرف أسماء أمهاتهم: أم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الكبرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم جعفر، وأم سلمة، وجمانة. قال ابن جرير (٢): فجميع ولد علي أربعة عشر ذكرًا وسبع عشرة أنثى. قال الواقدي (٣): وإنما كان النسل من خمسة وهم الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية ﵃ أجمعين. وقد قال ابن جرير (٤): حدَّثني ابن سنان القزَّاز، حدَّثنا أبو عاصم (٥)، حدثنا سُكين بن عبد العزيز، أخبرنا جعفر (٦) بن خالد، حدَّثني أبي خالد بن جابر قال: سمعت الحسن لما قتل علي قام خطيبًا،

стр. 3699

فقال: لقد قتلتم الليلة رجلًا في ليلة نزل فيها القرآن، ورفع فيها عيسى ابن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى، والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكون بعده، والله إن كان رسول الله ﷺ ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمئة أو سبعمئة أرصدها لخادم (١). وهذا غريب جدًّا وفيه نكارة، والله أعلم. وهكذا رواه أبو يعلى (٢): عن إبراهيم بن الحجاج، عن سكين به. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة قال: خَطَبنا الحسن بن علي قال: لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، وكان رسول الله ﷺ يبعثه بالراية، جبريلُ عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يُفتح له. ورواه زيد العمِّي وشعيب (٤) بن خالد عن أبي إسحاق به وقال: ما ترك إلا سبعمئة كان أرصدها ليشتري بها خادمًا. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شريك، عن عاصم بن كليب (٦)، عن محمد بن كعب القرظي، أن عليًا قال: لقد رأيتني مع رسول الله وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفًا. ورواه (٧) عن أسود، عن شريك به وقال: إن صدقتي لتبلغ أربعين ألف دينار. [باب ذكر] شيء من فضائل (أمير المؤمنين) علي بن أبي طالب ﵁ من ذلك أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسبًا من رسول الله ﷺ فإنه علي بن أبي طالب [وأبو طالب اسمه عبد مناف] بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو الحسن القرشي الهاشمي فهو ابن عم رسول الله ﷺ [أبوه أخو أبيه] وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

стр. 3700

قال الزبير بن بكار (١): وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا. وقد أسلمت وهاجرت. وأبوه هو العم الشقيق الرفيق أبو طالب واسمه عبد مناف كذا نص (٢) على ذلك الإمام أحمد بن حنبل هو وغير واحد من علماء النسب وأيام الناس. وزعمت الروافض أن اسم أبي طالب عمران وأنه المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقد أخطؤوا في ذلك خطًا كثيرًا ولم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان من القول في تفسيرهم له على غير مراد الله تعالى، فإنه قد ذكر بعد هذه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، فذكر ميلاد مريم بنت عمران ﵍ وهذا ظاهر ولله الحمد. وقد كان أبو طالب كثير المحبة الطبيعية لرسول الله ﷺ ولم يؤمن به إلى أن مات على دينه كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (٣) من رواية سعيد بن المسيب، عن أبيه في عرضه ﵊ على عمه أبي طالب وهو في السياق أن يقول: لا إله إلا الله فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "أما لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك" فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] ثم نزل بالمدينة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]، وقد قررنا ذلك في أوائل المبعث ونبهنا على خطأ الرافضة في دعواهم أنه أسلم، وافترائهم ذلك بلا دليل على مخالفة النصوص الصريحه (٤). وأما علي ﵁ فأنه أسلم قديمًا وهو دون البلوغ على المشهور، ويقال: إنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلم من النساء، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي. وقد روى الترمذي وأبو يعلى (٥): عن إسماعيل بن السدّي، عن علي بن عابس (٦)، عن مسلم

стр. 3701

الملائي (١)، عن أنس بن مالك قال: بُعث رسول الله يوم الإثنين، وصلَّى وعليٌّ يوم الثلاثاء. ورواه بعضهم عن مسلم الملائي، عن حبَّة بن جُوين، عن علي - وحِبَّة لا يساوي حَبَّة -. وقد روى سلمة بن كهيل، عن حِبَّة، عن علي قال: عبدت الله مع رسول الله سبع سنين قبل أن يعبده أحد. وهذا لا يصح أبدًا وهو كذب. وروى سفيان الثوري وشعبة، عن سلمة، عن حبَّة عن علي قال: أنا أول من أسلم، وهذا لا يصح أيضًا وحبة ضعيف. وقال سويد بن سعيد: حدَّثنا نوح بن قيس عن (٢) سليمان بن عبد الله، عن معاذة العدوية قالت: سمعت علي بن أبي طالب على منبر البصرة يقول: أخبرنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم. وهذا لا يصح، قاله البخاري (٣). وقد ثبت عنه بالتواتر أنه قال على منبر الكوفة: أيها الناس: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت (٤). وقد تقدم ذلك في فضائل الشيخين ﵄ وأرضاهما. قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن أبي بَلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال: أول من صلى - وفي رواية أسلم - مع رسول الله ﷺ بعد خديجة علي بن أبي طالب. ورواه الترمذي (٦) من حديث شعبة، عن أبي بلْجٍ به. وقد روي عن زيد بن أرقم وأبي أيوب الأنصاري أنه صلى قبل الناس بسبع سنين وهذا لا يصح من أي وجه كان روي عنه. وقد ورد في أنه أول من أسلم من هذه الأمة أحاديث كثيرة لا يصح منها شيء، وأجود ما في ذلك ما ذكرناه على أنه قد خولف فيه، وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في

стр. 3702

"تاريخه" (١) بتطريق هذه الروايات، فمن أراد كشف ذلك فعليه بكتابه التاريخ والله الموفق للصواب. وقد روى الترمذي والنسائي [من حديث شعبة] (٢) عن عمرو بن مُرَّة، عن طَلْحة بن يزيد (٣)، عن زيد بن أرقم قال: أوَّلُ من أسلم عليٌّ. قال الترمذي: حسن صحيح. وصحبَ عليٌّ رسول الله ﷺ مدة مقامه بمكة، وكان عنده في المنزل (٤) وفي كفالته في حياة أبيه [أبي طالب] لفقر حصل لأبيه في بعض السنين مع كثرة العيال، ثم استمر في نفقة رسول الله ﷺ بعد ذلك إلى زمن الهجرة، وقد خلفه رسول الله ﷺ ليؤدي ما كان عنده ﵇ من ودائع الناس، فإنه كان يُعرف في قومه بالأمين، فكانوا يودعونه (الأموالَ و) الأشياءَ النفيسةَ ثم هاجرعليٌّ بعد رسول الله ﷺ وصحب (٥) رسولَ الله ﷺ إلى أن توفي وهو راضٍ عنه وحضر معه مشاهده كلها وجرت له مواقف شريفة بين يديه في مواطن الحرب (كما بينَّا ذلك في السيرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، كيوم بدر وأحد والأحزاب وغيرها وخيبر، ولما) استخلفه عامَ تبوكِ على أهله بالمدينة قال (له) "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي" (٦) وقد ذكرنا تزويجة فاطمة بنت رسول الله ودخوله بها بعد وقعة بدر بما أغنى عن إعادته. ولما رجع ﵇ من حجة الوداع فكان بين مكة والمدينة بمكان يقال له غدير خم خطب الناس هنالك في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة فقال في خطبته: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٧) وفي بعض الروايات: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله" والمحفوظ الأول، وإنما كان سبب هذه الخطبة والتنبيه على فضله ما ذكره ابن إسحاق من أن عليًا (لما) بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن أميرًا هو وخالد بن الوليد ورجع علي فوافى رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع وقد كثرت فيه المقاله (٨) وتكلم فيه بعض من كان معه بسبب استرجاعه منهم خلعًا كان خلعها نائبه عليهم لما تعجل السير إلى رسول الله ﷺ ، فلما تفرغ رسول الله من حجة الوداع أحب أن يبرئ ساحة علي مما نسب إليه من القول الذي لا أصل له، وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدًا، فكانت تضرب فيه الطبولَ

стр. 3703

ببغداد في أيام بني بويه في حدود الأربعمئة (كما سننبه عليه إذا انتهينا إليه إن شاء الله). ثم بعد ذلك بنحو من عشرين يومًا تعلق المسوح على أبواب الدكاكين ويذَرُّ التبن والرماد، وتدور الذراري والنساء في سكك البلد تنوح على الحسين بن علي يوم عاشوراء صبيحة قراءتهم المصرع المكذوب في قتله (١)، وسنبين الحق في صفة قتله كيف وقع الأمر على الجلية إن شاء الله تعالى. وقد كان بعض بني أمية يعيب عليًا بتسميته (٢) أبا تراب، وهذا الاسم إنما سماه به رسول الله ﷺ كما ثبث في الصحيحين (٣) عن سهل بن سعد أن عليًا غاضبَ فاطمةَ فراحَ إلى المسجد، فجاء رسول الله ﷺ فوجده نائمًا وقد لصق التراب بجلده فجعل ينفض عنه التراب ويقول: "اجلس أبا تراب (٤) ". حديث المؤاخاة قال الحاكم: حدَّثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد، حدَّثنا الحسين (٥) بن جعفر القرشي، حدَّثنا العلاء بن عمرو الحنفي، حدَّثنا أيوب بن مدرك، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: لما آخى رسول الله ﷺ بين الناس آخى بينه وبين علي. ثم قال الحاكم: لم نكتبه من حديث مكحول إلا من هذا الوجه، وكان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام. قلت: وفي صحة هذا الحديث نظر. وورد من حديث (٦) أنس وعمر أن رسول الله ﷺ قال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة". وكذلك من طريق زيد بن أبي أوفى، وابن عباس، ومخدوج بن زيد الذهلي، وجابر بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأبي ذر، وعلي نفسه نحو ذلك، وأسانيدها كلها ضعيفة لا يقوم بشيء منها حجة والله أعلم. وقد جاء من غير وجه أنه قال: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب (٧).

стр. 3704

وقال الترمذي (١)؛ حدَّثنا يوسف بن موسى القَطّان البغدادي، حدَّثنا عليُّ بن قادم، حدَّثنا عليُّ بن صالح بن حَيٍّ، عن حَكيم بن جُبير (٢)، عن جميع بن عُمير التَّيمي، عن ابن عمر قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله ﷺ : "أنت أخي في الدنيا والآخرة" ثم قال: هذا حديث حسن غريب [وفي الباب] عن زيد بن أبي أوْفى. وقد شهد [علي] بدرًا. وقد قال رسول الله لعمر: "وما يدريك لعلَّ الله قد اطلعَ على أهل بدر فقال اعملوا ما شتئم فقد غفرت لكم" (٣)؟ وبارز يومئذ كما تقدم وكانت له اليد البيضاء ودفع إليه رسول الله ﷺ الراية يومئذ وهو ابن عشرين سنة قاله الحكم، عن مقسم، عن أبن عباس. قال: وكانت تكون معه راية المهاجرين في المواقف كلها، وكذلك قال سعيد بن المسيب وقتادة. وقال خيثمة بن سليمان الاطرابلسي الحافظ: حدَّثنا أحمد بن حازم، عن ابن أبي غرزة، حدَّثنا إسماعيل بن أبان، حدَّثنا ناصح بن عبد الله المحلمي (٤)، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: قالوا: يا رسول الله من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: "ومن عسى أن يحملها يوم القيامة إلَّا من كان يحملها في الدنيا علي بن أبي طالب"؟ وهذا إسناد ضعيف. ورواه ابن عساكر (٥) عن أنس بن مالك، ولا يصح أيضًا. وقال الحسن بن عرفة: حدَّثني عمار بن محمد، عن سعيد بن محمد الحنظلي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال نادى مناد في السماء يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. قال الحافظ ابن عساكر (٦): وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار (٧) يوم بدر ثم وهبه لعلي بعد ذلك.

стр. 3705

وقال الزبير بن بكار: حدَّثني علي بن المغيرة، عن معمر بن المثنى قال: كان لواء المشركين يومَ بدرٍ مع طلحة بن أبي طلحة فقتله عليٌّ بن أبي طالب ففي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي: [من الكامل] للهِ أيّ مذنب عن حَرْبهِ … أعني ابنَ فاطمةَ المعمّ المخولا جادتْ يداكَ لهُ بعاجلِ طعنةٍ … تركتْ طليحةَ للحبينِ مجندلا وشددتَ شدَّة باسلٍ فكشفتهُمْ … بالحقِّ إذ يهوونَ أخولَ أخولا وعللتَ سيفكَ بالدماءَ ولم تكنْ … لتردّهُ حرَّانَ حتى ينهلا (١) وشهد بيعة الرضوان وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال رسول الله ﷺ : "لن يدخل أحدٌ بايعَ تحتَ الشجرة النار". وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسوله ويحبه اللهُ ورسولُه، ليس بفرّار يفتح الله على يديه" فبات الناس يدوكون (٢) أيهم يعطاها حتى قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فلما أصبح أعطاها عليًا ففتح الله على يديه. ورواه جماعة منهم مالك، والحسن، ويعقوب بن عبد الرحمن، وجرير بن عبد الحميد، وحمّاد بن سلَمة، وعبد العزيز بن المختار، وخالد بن عبد الله بن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (٣). ورواه ابن أبي حازم [عن أبي حازم] عن سهل بن سعد، أخرجاه في الصحيحين (٤) وقال في حديثه: فدعا به رسول الله وهو أرمد فبصق في عينيه فبرأ. ورواه إياس بن سَلَمة بن الأكوع، عن أبيه، ويزيد بن أبي عبيد، عن مولاه سلمة أيضًا وحديثه عنه في الصحيحين (٥). وقال محمد بن إسحاق: حدَّثني بريدة، عن سفيان، عن أبي فَرْوة الأسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد فقال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه

стр. 3706

ليس بفرَّار" قال سَلَمة: فدعا رسول الله عليًا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك، قال سلمة: فخرج والله بها يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رجم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال اليهودي: غلبتم ومن أنزل التوراة على موسى قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقد رواه عكرمة بن عمار، عن عطاء مولى السائب، عن سَلَمة بن الأكوع وفيه أنه هو الذي جاء به يقوده وهو أرمد حتى بصق رسول الله في عينيه فبرأ. رواية بريدة بن الحصيب: وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا زيد بن الحباب، حدَّثنا الحسين بن واقد، حدَّثني عبد الله بن بريدة حدَّثني بريدة بن الحصيب قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر (٢) فخرج فرجع ولم يفتح له؛ وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد فقال رسول الله ﷺ : "إني دافع اللواء (٣) غدًا إلى رجل يحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له" وبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدًا قال: فلما أصبح رسول الله ﷺ صلى الغداة، ثم قام قائمًا فدعا باللواء والناس على مصافهم فدعا عليًا وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء ففتح له، قال بريدة: وأنا فيمن تطاول لها. ورواه النسائي (٤) من حديث الحسين بن واقد به أطول منه، ثم رواه أحمد (٥): عن محمد بن جعفر وروح كلاهما، عن عوف، عن ميمون أبي عبد الله الكردي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه به نحوه، وأخرجه النسائي (٦) عن بندار وغندر به، وفيه الشعر. رواية عبد الله بن عمر: ورواه هشيم: عن العوام بن حَوْشب، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر فذكر سياق حديث بريدة. ورواه كثير النَّواء: عن جُمَيْع بن عمي (٧)، عن ابن عمر نحوه وفيه: قال علي: فما رمدت بعد يومئذ. ورواه أحمد: عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن عمر بن أسيد، عن ابن عمر كما سيأتي.

стр. 3707

رواية ابن عباس: وقال أبو يعلى: حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد، حدَّثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" فقال: "أين علي؟ " قالوا: يطحن، قال: "وما أحد منهم يرضى أن يطحن" فأتى به فدفع إليه الراية فجاء بصفية بنت حيي بن أخطب. وهذا غريب من هذا الوجه وهو مختصر من حديث طويل. ورواه الإمام أحمد (١): عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس فذكره بتمامه. فقال الإمام أحمد: عن يحيى بن حماد، حدَّثنا أبو عوانة، حدَّثنا أبو بَلْج، حدَّثنا عمرو بن ميمون قال: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا بن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء؟ فقال: بل أقوم معكم - وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى - قال: وابتدؤوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا قال فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له عشر وقعوا في رجل قال له النبي ﷺ : "لأبعثن رجلًا لا يخزيه الله أبدًا يحبُّ اللهَ ورسوله" قال: فاستشرف لها منِ استشرف قال: "أين عليٌّ؟ قالوا: هو في الرحا يطحن، قال: وما كان أحدكم ليطحن" قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثًا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي (بن أخطب) قال. ثم بعث فلانًا بسورة التوبة فبعث عليًا خلفه فأخذها منه قال: "لا يذهب بها إلا رجل منّي وأنا منه". قال وقال لبني عمه: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " فأبوا (قال: وعلي معه جالس) فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة قال فتركه ثم أقبل على رجال منهم فقال: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " فأبوا فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة فقال: "أنت وليِّي في الدنيا والآخرة" قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، قال: وأخذ رسول الله ثوبه فوضعه على على وفاطمة وحسن وحسين فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قال: وشرى عليٌّ نَفْسَه، لبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه، وقال وكان المشركون يرومون رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر وعلي نائم وأبو بكر يحسب أنه نبي الله فقال: يا نبي الله! فقال له علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمونة فأدْرِكْهُ، قال: فانطلقَ أبو بكر فدخلَ معه الغارَ قال: وجعل عليٌّ يُرْمى بالحجارة كما كان يُرْمي رسول الله ﷺ وهو يتضرر وقد لفَّ رأسَه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك للئيم (٢) كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر (٣) وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك، قال: وخرج - يعني رسول الله ﷺ في غزوة تبوك - فقال

стр. 3708

له علي: أخرج معك؟ فقال له النبي ﷺ : "لا"! فبكى علي فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنك لست بنبي؟ إنه لاينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" قال: وقال له رسول الله ﷺ : "أنت ولي [في] كل مؤمن بعدي" قال: وسدَّ أبواب المسجد غيرَ باب علي قال فيدخل المسجد جنبًا وهو طريقه ليس له طريق غيره، قال: وقال: "من كنت مولاه فإنَّ عليًا مولاه" قال: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم، فهل حُدِّثنا أنه سخط عليهم بعد. قال: وقال نبي الله ﷺ لعمر حين قال: ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق - يعني حاطب بن أبي بلتعة - قال (١): "وما يدريك لعل الله قد اطلع [على] أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وقد روى الترمذي (٢) بعضه من طريق شعبة، عن أبي بَلْج يحيى بن أبي سليم واستغربه. وأخرج النسائي (٣) بعضه أيضًا عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد به. وفي رواية عمران: قال البخاري في التاريخ: حدَّثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي، حدَّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن منصور، عن ربعي، عن عمران بن حصين. قال قال رسول الله ﷺ : "لأدفعنَّ الرايةَ إلى رجل يحبُّ اللهَ ورسولهُ ويحبه اللهُ ورسولهُ" فبعث إلى علي وهو أرمد فتفلَ في عينيه وأعطاه الرايةَ فما ردَّ وجهه وما اشتكاهما بعد. ورواه أبو القاسم البغوي: عن إسحاق بن إبراهيم، (عن) أبي موسى الهروي، عن علي بن هاشم، عن محمد بن علي، عن منصور، عن ربعي، عن عمران فذكره. وأخرجه النسائي (٤) عن عباس العنبري، عن عمر بن عبد الوهاب به. رواية أبي سعيد في ذلك: قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا مصعب بن المقدام، وحجين بن المثنى قالا: حدَّثنا إسرائيل، حدَّثنا عبد الله بن عصمة قال سمعت أبا سعيد الخُدْري يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ أخذ الراية فهزّها ثم قال: "من يأخذها بحقها" فجاء فلان فقال: أنا، فقال: "امض" (٦) ثم جاء رجل آخر فقال أنا، فقال: "امض"

стр. 3709

ثم قال النبي ﷺ : "والذي أكرم (١) وجه محمد لأعطينَّها رجلًا لا يفرّ، فجاء (٢) عليُّ فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتهما وقديدهما. ورواه أبو يعلى (٣) عن حسين بن محمد، عن إسرائيل وقال في سياقه: فجاء الزبير فقال أنا فقال: "امض" ثم جاءآخر فقال: "أمض" وذكره، تفرد به أحمد. رواية علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك: وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان أبي يَسْمُر (٥) مع علي [وكان عليّ] (٦) يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف فقيل له لو سألته؛ فسأله فقال: إن رسول الله ﷺ بعث إليَّ وأنا أرمد العين يومَ خيبر فقلت يا رسول الله، إني أرمدُ العين فتفل في عيني فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد "فما وجدت حرًا ولا بردًا منذ يومئذ، وقال: "لأعطين الراية رجلًا يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه، ليس بفرَّار" فتشرف لها أصحاب النبي ﷺ ، فأعطانيها. تفرد به أحمد. وقد رواه غيرُ واحد عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن علي به مطولًا. وقال أبو يعلى (٧): حدَّثنا زهير، حدَّثنا جرير، عن مغيرة، عن أم موسى قالت سمعت عليًا يقول: ما رَمِدْتُ ولا صُدِعْتُ منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي وتَفَل في عيني يوم خيبر وأعطاني الراية. رواية سعد بن أبي وقاص في ذلك: ثبت في الصحيحين (٨) من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ ". قال [الإمام] أحمد ومسلم والترمذي (٩): حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، عن

стр. 3710

بُكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ [فلن أسبَّه] لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم (سمعت رسول الله ﷺ يقول - و) خَلَّفه في بعض مغازيه - فقال (له علي): يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال (رسول الله ﷺ ): "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ "وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبُّه اللهُ ورسولهُ" قال: فتطاولتُ لها. قال: "ادعوا لي عليًا" فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا ثم قال: "اللهم هؤلاء أهلي": [ثم قال الترمذي: حسن صحيح]. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي (١) من حديث سعيد بن المسيب عن سعد أن رسول الله ﷺ قال لِعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (وقال الترمذي: ويستغرب من رواية سعيد عن سعد). وقال (الإمام) أحمد (٢): حدَّثنا [أبو] أحمد الزبيري، حدَّثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه - يعني عبد الله بن عمر - عن سعد قال: لما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك خلَّف عليًا فقال: أتخلِّفني؟ قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيَّ بعدي". وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه. وقال الحسن بن عرفة العبدي (٣): حدَّثنا محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، عن موسى بن مسلم الشيباني، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد بن أبي وقاص (قال: قدم معاوية في بعض حجاته فاتاه سعد بن أبي وقاص) فذكروا عليًا فقال سعد: له ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من الدنيا [وما] فيها. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ كنتُ مولاه فعلي [مولاه] ". وسمعته يقول: "لأعطين الرايةَ غدًا رجلًا يحب الله ورسوله (ويحبه الله ورسوله) ". وسمعته يقول: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي" (لم يخرجوه) وإسناده حسن.

стр. 3711

وقال أبو زرعة الدمشقي (١): حدَّثنا أحمد بن خالد الوهبي أبو سعيد، حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن نجيح، عن أبيه قال: لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص فقال: يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أن ننسى بعض سننه فطف نطف بطوافك، قال: فلما فرغ أدخله دار الندوة فأجلسه معه على سريره ثم ذكر [له] علي بن أبي طالب فوقع فيه فقال: أدخلتني دارك وأجلستني على سريرك ثم وقعت في علي تشتمه؟ والله لأن يكون فيّ إحدى خلاله الثلاث أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون لي ما قال له رسول الله ﷺ حين غزا تبوكًا: "أما (٢) ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي"؟ لأحبّ (٣) إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون لي ما قال له يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرَّار" أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. ولأن أكون صهره على ابنته ولي منها من الولد ماله أحب إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لا أدخل عليك دارًا بعد هذا اليوم، ثمّ نفض رداءه ثم خرج. وقال أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلَّف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله تخلَّفني في النساء والصبيان؟ قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي"؟ إسناده على شرطهما ولم يخرجا (٥). وهكذا رواه أبو عوانة: عن الأعمش، عن الحكم، عن مصعب، عن أبيه. ورواه أبو داود الطيالسي (٦): عن شعبة، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه، فالله أعلم. وقال أحمد (٧): حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا سليمان بن بلال، حدَّثنا الجُعَيْد (٨) بن عبد الرحمن الجعفي، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها: أن عليًا خرج مع رسول الله ﷺ حتى جاء ثنية الوداع وعلي يبكي يقول: تخلِّفني مع الخوالف؟ فقال: "أوما (٩) ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من

стр. 3712

موسى إلا النبوة؟ " وهذا إسناد صحيح أيضًا ولم يخرجوه. وقد رواه غير واحد عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال الحافظ بن عساكر (١): وقد روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن جعفر ومعاوية وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو سعيد والباء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط وحبشي بن جنادة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبو الفضل، وأم سلمة وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت حمزة. وقد تقصى الحافظ ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة علي في تاريخه فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد. رحمة (٢) رب العباد يوم التناد. رواية عمر ﵁ في ذلك: قال أبو يعلى: حدَّثنا عبد الله بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن جعفر، أخبرني سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال عمر: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من حمر النعم، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسكناه المسجد مع رسول الله ﷺ يحل له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. وقد روي عن عمر من غير وجه. رواية ابن عمر ﵄: وقد رواه الإمام أحمد (٣): عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن عمر بن أسيد، عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمان رسول الله ﷺ خير الناس أبو بكر ثم عمر ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاثًا لأن أكون أعطيتهن أحبُّ إليَّ من حمر النعم. فذكر هذه الثلاث. وقد روى أحمد والترمذي (٤): من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ " ورواه أحمد (٥) من حديث عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". ورواه الطبراني (٦) من طريق عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه سلمة بن كهيل: عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن أم سلمة أن رسول الله قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال سلمة: وسمعت مولى لبني موهب يقول: سمعت ابن عباس يقول قال النبي ﷺ مثله.

стр. 3713

تزويجه فاطمة الزهراء ﵂ قال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن أبيه سمع رجل عليًا على منبر الكوفة يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله ابنته (١) ثم ذكرت أن لا شيء لي ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها، فقال: "هل عندك شيء؟ " قلت: لا! قال: "فأين درعك الحطمية (٢) التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ "قلت: عندي، قال: "فأعطها" فأعطيتها؛ فزوجني فلما كان ليلة دخلت عليها قال: "لا تحدثا شيئًا حتى آتيكما" قال: فأتانا وعلينا قطيفة أو كساء فتحثثنا فقال: "مكانكما" ثم دعا بقدح من ماء فدعا فيه ثم رشه عليَّ وعليها (٣)، فقلت: يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي؟ قال: "هي أحب إلي وأنت أعز علي منها". وقد روى النسائي (٤) من طريق عبد الكريم بن سليط، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره بأبسط من هذا السياق، وفيه أنه أولم عليها بكبش من عند سعد وآصع من الذرة من عند جماعة من الأنصار، وأنه دعا لهما بعدما صب عليهما الماء، فقال: "اللهم بارك لهما في شملهما" - يعني الجماع -. وقال (٥) محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لما خطب علي فاطمة دخل عليها رسول الله فقال لها: "أي بنية! إن ابن عمك قد خطبك فماذا تقولين؟ " فبكت ثم قالت: كأنك (يا أبت) إنما ادخرتني لفقير قريش؟ فقال: "والذي بعثني بالحق ما تكلمت فيه حتى أذن الله لي فيه من السموات" فقالت فاطمة: رضيت (٦) بما رضي الله [لي] ورسوله. فخرج من عندها واجتمع المسلمون إليه ثم قال: "يا علي أخطب لنفسك" فقال علي: الحمد لله الذي لا يموت وهذا محمد رسول الله ﷺ زوّجني ابنتَه على صداقٍ مبلغُه أربعمئة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا. قالوا: ما تقول يا رسول الله؟ قال: "أشهدكم أني قد زوجته". رواه ابن عساكر (٧) وهو [حديث] منكر. وقد ورد في هذا الفصل أحاديث كثيرة منكرة وموضوعة أضربنا عنها لئلا يطول الكتاب بها. وقد أورد منها طرفًا جيدًا الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٨).

стр. 3714

وقال وكيع، عن أبي خالد، عن الشعبي، قال: قال علي: ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحيته وتعجن فاطمة على ناحيته. وفي رواية مجالد عن الشعبي: ونعلف عليه الناضح بالنهار وما لي خادم (١) عليها غيرها. حديث آخر: قال أحد (٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أبواب شارعة في المسجد قال ققال يومًا: "سُدُّوا هذه الأبواب إلا بابَ علي" (٣) قال فتكلم في ذلك الناس؛ فقام رسول الله ﷺ وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أمرت بسدَّ هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أمِرْتُ بشيء فاتَّبعتُهُ". وقد رواه أبو الأشهب: عن عوف (٤)، عن ميمون، عن البراء بن عازب فذكره. وقد تقدم ما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس الحديث الطويل وفيه سد الأبواب غير باب علي (٥). وكذا رواه شعبة عن أبي بلج. ورواه سعد بن أبي وقاص: قال أحمد (٦): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا فِطْر، عن عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن الرُّقيم الكناني، قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ﵁. تفرد به أحمد. طريق أخرى عن سعد (٧): قال أبو يعلى (٨): حدَّثنا موسى بن محمد بن حيان (٩)، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر الطحان،

стр. 3715

حدَّثنا غسان بن بشر الكاهلي، عن مسلم عن خيثمة عن سعد: أن رسول الله ﷺ سد أبواب [الناس في] المسجد وفتح باب علي فقال الناس في ذلك فقال: "ما أنا فتحته ولكن الله فتحه". وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري (١) من أمره ﵇ في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقًا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵊، وفيه إشارة إلى خلافته. وقال الترمذي (٢): حدَّثنا علي بن المنذر، حدَّثنا ابن فُضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطيَّة، عن أبي سعيد. قال قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي لا يحلّ لأحدٍ يجنب في المسجد غيري وغيرك" قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك. ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد سمع محمد بن إسماعيل هذا الحديث (واستغربه) (٣). وقد رواه ابن عساكر (٤) من طريق كثير النواء، عن عطية، عن أبي سعيد به، ثم أورده من طريق أبي نعيم، حدَّثنا عبد الملك بن أبي غنية، عن أبي الخطاب عمر الهجري، عن محدوج، عن جسرة بنت دجاجة، أخبرتني أم سلمة قالت: خرج النبي ﷺ في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: "إنه لا يحل المسجد لجُنُبٍ ولا لحائضٍ إلا لمحمد وأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمد ألا هل بينت لكم ألا ساء أن تضلوا" وهذا إسناد غريب وفيه ضعف، ثم ساقه من حديث أبي رافع بنحوه وفي إسناده غرابة أيضًا. حديث آخر: قال الحاكم (٥) وغير واحد: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة بِن الحصيب: قال غزوت مع علي إلى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله ﷺ فذكرت عليًا فتَنقَّصْتُهُ فرأيت وجه
следующие страницы →