← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وقال أبو زرعة الدمشقي (١): حدَّثنا أحمد بن خالد الوهبي أبو سعيد، حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن نجيح، عن أبيه قال: لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص فقال: يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أن ننسى بعض سننه فطف نطف بطوافك، قال: فلما فرغ أدخله دار الندوة فأجلسه معه على سريره ثم ذكر [له] علي بن أبي طالب فوقع فيه فقال: أدخلتني دارك وأجلستني على سريرك ثم وقعت في علي تشتمه؟ والله لأن يكون فيّ إحدى خلاله الثلاث أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون لي ما قال له رسول الله ﷺ حين غزا تبوكًا: "أما (٢) ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي"؟ لأحبّ (٣) إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون لي ما قال له يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرَّار" أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. ولأن أكون صهره على ابنته ولي منها من الولد ماله أحب إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لا أدخل عليك دارًا بعد هذا اليوم، ثمّ نفض رداءه ثم خرج. وقال أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلَّف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله تخلَّفني في النساء والصبيان؟ قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي"؟ إسناده على شرطهما ولم يخرجا (٥). وهكذا رواه أبو عوانة: عن الأعمش، عن الحكم، عن مصعب، عن أبيه. ورواه أبو داود الطيالسي (٦): عن شعبة، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه، فالله أعلم. وقال أحمد (٧): حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا سليمان بن بلال، حدَّثنا الجُعَيْد (٨) بن عبد الرحمن الجعفي، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها: أن عليًا خرج مع رسول الله ﷺ حتى جاء ثنية الوداع وعلي يبكي يقول: تخلِّفني مع الخوالف؟ فقال: "أوما (٩) ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من

стр. 3712

موسى إلا النبوة؟ " وهذا إسناد صحيح أيضًا ولم يخرجوه. وقد رواه غير واحد عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال الحافظ بن عساكر (١): وقد روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن جعفر ومعاوية وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو سعيد والباء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط وحبشي بن جنادة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبو الفضل، وأم سلمة وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت حمزة. وقد تقصى الحافظ ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة علي في تاريخه فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد. رحمة (٢) رب العباد يوم التناد. رواية عمر ﵁ في ذلك: قال أبو يعلى: حدَّثنا عبد الله بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن جعفر، أخبرني سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال عمر: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من حمر النعم، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسكناه المسجد مع رسول الله ﷺ يحل له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. وقد روي عن عمر من غير وجه. رواية ابن عمر ﵄: وقد رواه الإمام أحمد (٣): عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن عمر بن أسيد، عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمان رسول الله ﷺ خير الناس أبو بكر ثم عمر ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاثًا لأن أكون أعطيتهن أحبُّ إليَّ من حمر النعم. فذكر هذه الثلاث. وقد روى أحمد والترمذي (٤): من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ " ورواه أحمد (٥) من حديث عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". ورواه الطبراني (٦) من طريق عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه سلمة بن كهيل: عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن أم سلمة أن رسول الله قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال سلمة: وسمعت مولى لبني موهب يقول: سمعت ابن عباس يقول قال النبي ﷺ مثله.

стр. 3713

تزويجه فاطمة الزهراء ﵂ قال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن أبيه سمع رجل عليًا على منبر الكوفة يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله ابنته (١) ثم ذكرت أن لا شيء لي ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها، فقال: "هل عندك شيء؟ " قلت: لا! قال: "فأين درعك الحطمية (٢) التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ "قلت: عندي، قال: "فأعطها" فأعطيتها؛ فزوجني فلما كان ليلة دخلت عليها قال: "لا تحدثا شيئًا حتى آتيكما" قال: فأتانا وعلينا قطيفة أو كساء فتحثثنا فقال: "مكانكما" ثم دعا بقدح من ماء فدعا فيه ثم رشه عليَّ وعليها (٣)، فقلت: يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي؟ قال: "هي أحب إلي وأنت أعز علي منها". وقد روى النسائي (٤) من طريق عبد الكريم بن سليط، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره بأبسط من هذا السياق، وفيه أنه أولم عليها بكبش من عند سعد وآصع من الذرة من عند جماعة من الأنصار، وأنه دعا لهما بعدما صب عليهما الماء، فقال: "اللهم بارك لهما في شملهما" - يعني الجماع -. وقال (٥) محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لما خطب علي فاطمة دخل عليها رسول الله فقال لها: "أي بنية! إن ابن عمك قد خطبك فماذا تقولين؟ " فبكت ثم قالت: كأنك (يا أبت) إنما ادخرتني لفقير قريش؟ فقال: "والذي بعثني بالحق ما تكلمت فيه حتى أذن الله لي فيه من السموات" فقالت فاطمة: رضيت (٦) بما رضي الله [لي] ورسوله. فخرج من عندها واجتمع المسلمون إليه ثم قال: "يا علي أخطب لنفسك" فقال علي: الحمد لله الذي لا يموت وهذا محمد رسول الله ﷺ زوّجني ابنتَه على صداقٍ مبلغُه أربعمئة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا. قالوا: ما تقول يا رسول الله؟ قال: "أشهدكم أني قد زوجته". رواه ابن عساكر (٧) وهو [حديث] منكر. وقد ورد في هذا الفصل أحاديث كثيرة منكرة وموضوعة أضربنا عنها لئلا يطول الكتاب بها. وقد أورد منها طرفًا جيدًا الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٨).

стр. 3714

وقال وكيع، عن أبي خالد، عن الشعبي، قال: قال علي: ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحيته وتعجن فاطمة على ناحيته. وفي رواية مجالد عن الشعبي: ونعلف عليه الناضح بالنهار وما لي خادم (١) عليها غيرها. حديث آخر: قال أحد (٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أبواب شارعة في المسجد قال ققال يومًا: "سُدُّوا هذه الأبواب إلا بابَ علي" (٣) قال فتكلم في ذلك الناس؛ فقام رسول الله ﷺ وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أمرت بسدَّ هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أمِرْتُ بشيء فاتَّبعتُهُ". وقد رواه أبو الأشهب: عن عوف (٤)، عن ميمون، عن البراء بن عازب فذكره. وقد تقدم ما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس الحديث الطويل وفيه سد الأبواب غير باب علي (٥). وكذا رواه شعبة عن أبي بلج. ورواه سعد بن أبي وقاص: قال أحمد (٦): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا فِطْر، عن عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن الرُّقيم الكناني، قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ﵁. تفرد به أحمد. طريق أخرى عن سعد (٧): قال أبو يعلى (٨): حدَّثنا موسى بن محمد بن حيان (٩)، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر الطحان،

стр. 3715

حدَّثنا غسان بن بشر الكاهلي، عن مسلم عن خيثمة عن سعد: أن رسول الله ﷺ سد أبواب [الناس في] المسجد وفتح باب علي فقال الناس في ذلك فقال: "ما أنا فتحته ولكن الله فتحه". وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري (١) من أمره ﵇ في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقًا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵊، وفيه إشارة إلى خلافته. وقال الترمذي (٢): حدَّثنا علي بن المنذر، حدَّثنا ابن فُضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطيَّة، عن أبي سعيد. قال قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي لا يحلّ لأحدٍ يجنب في المسجد غيري وغيرك" قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك. ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد سمع محمد بن إسماعيل هذا الحديث (واستغربه) (٣). وقد رواه ابن عساكر (٤) من طريق كثير النواء، عن عطية، عن أبي سعيد به، ثم أورده من طريق أبي نعيم، حدَّثنا عبد الملك بن أبي غنية، عن أبي الخطاب عمر الهجري، عن محدوج، عن جسرة بنت دجاجة، أخبرتني أم سلمة قالت: خرج النبي ﷺ في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: "إنه لا يحل المسجد لجُنُبٍ ولا لحائضٍ إلا لمحمد وأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمد ألا هل بينت لكم ألا ساء أن تضلوا" وهذا إسناد غريب وفيه ضعف، ثم ساقه من حديث أبي رافع بنحوه وفي إسناده غرابة أيضًا. حديث آخر: قال الحاكم (٥) وغير واحد: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة بِن الحصيب: قال غزوت مع علي إلى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله ﷺ فذكرت عليًا فتَنقَّصْتُهُ فرأيت وجه

стр. 3716

رسول الله ﷺ يتغيَّر فقال: "يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ فقلتُ: بلى يا رسول الله. فقال: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه". وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا الأجلح الكندي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريده قال: بعث رسول الله ﷺ بعثتين إلى اليمن على إحداهما علي بن أبي طالب وعلى الأخرى خالد بن الوليد وقال: "إذا التقيتما فعلي على الناس وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده" قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين؛ [فقتلتا المقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه. قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ يخبره بذلك، فلما أتيت رسول الله دفعت إليه الكتاب فقُرئ عليه فرأيت الغضبَ في وجه رسول الله فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه فبلَّغت ما أرسلت به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي" هذه اللفظة منكرة والأجلح شيعي ومثله لا يقبل إذا تفرد بمثلها. وقد تابعه فيها من هو أضعف منه والله أعلم. والمحفوظ في هذا رواية أحمد (٢): عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كنت مولاه فعليّ وليُّه". ورواه أحمد (٣) أيضًا والحسن بن عرفة عن الأعمش به. ورواه النسائي (٤): عن أبي كريب، عن أبي معاوية به. وقال أحمد (٥): حدَّثنا روح، حدَّثنا علي بن سويد بن منْجُوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: بعث رسول الله ﷺ عليًا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس قال فأصبح ورأسه تقطر، فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما يصنع هذا؟ قال: فلما رجعت إلى رسول الله أخبرته ما صنع علي، قال: - وكنت أبغض عليًا - فقال: "يا بريدة أتبغض عليًا؟ " فقلت: نعم! قال: "لا تبغضه وأحبَّه فإن له في الخمس أكثر من ذلك". وقد رواه البخاري في "الصحيح" (٦) عن بندار، عن روح به مطولًا. وقال أحمد (٧): حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا عبد الجليل، قال: انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجْلَز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة: حدَّثني أبي بريدة قال: أبغضت عليًا بغضًا لم أبغضه أحدًا، قال

стр. 3717

وأحببت رجلًا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليًا، قال فبعث ذلك الرجل على خيل قال فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليًا، فأصبنا سبيًا، فكتبنا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا من يخمِّسه، فبعث إلينا عليًا، قال: وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي - فخمَّس وقَسَم -، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي؟ فإني قَسَمْتُ وخمَّستُ فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ، ثم صارت في آل علي فوقعت بها. قال: وكتب الرجل إلى نبي الله ﷺ فقلت: ابعثني، فبعثني مصدقًا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدَقَ، قال: فأمسك النبي ﷺ بيدي والكتاب قال: "أتبغض عليًا؟ " قال: قلت: نعم! قال: "فلا تبغضهُ وإن كنت تحبه فازدد له حبًا، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة" قال: فما كان في الناس أحد بعد قول رسول الله ﷺ أحب إليَّ من علي. قال عبد الله: فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي بريدة. تفرد به أحمد، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن أبي الجوَّاب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن البراء بن عازب، نحو رواية بريدة بن الحصيب وهذا غريب. وقد رواه الترمذي (١): عن عبد الله بن أبي زياد، عن أبي الجوَّاب الأحوص بن جوَّاب به، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا جعفر بن سليمان، حدَّثني يزيد الرشك، عن مُطَرِّف بن عبد الله، عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله سرية وأمَّر عليها علي بن أبي طالب، فأحدث شيئًا في سفره، فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره إلى رسول الله ﷺ قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله، فسلمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله إن عليًا فعل كذا وكذا؟ فأعرض عنه، ثم قام الثاني، فقال يا رسول الله إن عليًا فعل كذا وكذا، فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال: يا رسول الله إن عليًا فعل كذا وكذا، ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله إن عليًا فعل كذا وكذا، قال: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيّر وجهه وقال: "دعوا عليًا، دعوا عليًا، دعوا عليًا، إن عليًا مني وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي". وقد رواه الترمذي والنسائي (٣) عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، وسياق الترمذي مطوَّل وفيه: أنه أصاب جارية من السبي. ثم قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان (٤).

стр. 3718

ورواه أبو يعلى الموصلي (١) عن عبيد الله بن عمر القواريري والحسن بن عمر بن شقيق الجَرْمي والمعلى بن مهدي كلهم، عن جعفر بن سليمان به. وقال خيثمة بن سليمان: حدَّثنا أحمد بن حازم، أخبرنا عبيد الله بن موسى بن يوسف بن صهيب، عن دُكين، عن وهب بن حمزة قال: سافرت مع علي بن أبي طالب من المدينة إلى مكة، فرأيت منه جفوة فقلت: لئنْ رجعتُ فلقيتُ رسول الله لأنالنَّ منه، قال: فرجعت فلقيت رسول الله فذكرت عليًا فنلت منه، فقال لي رسول الله ﷺ : "لا تقولن هذا لعلي فإن عليًا وليكم بعدي": وقال أبو داود الطيالسي (٢): عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي". وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا أبي، عن أبي إسحاق، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينت بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد قال: اشتكى عليًا الناسُ فقام رسول الله فينا خطيبًا فسمعته يقول: "أيها الناس لا تشكوا عليًا فوالله إنه لأُخَشْيِنّ في ذات الله" أو"في سبيل الله". تفرّد به أحمد. وقال الحافظ البيهقي (٤): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان، أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان، حدَّثنا أبو إسحاق القاضي، حدَّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدَّثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه فلما أحضر إبل الصدقة سالناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللًا - فأبى علينا وقال: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين، قال: فلما فرغ عليٌّ وانصرف من اليمن راجعًا، أمَرَّ علينا إنسانا فأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي ﷺ : "ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم". قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ففعل، فلما جاء على عرف في إبل الصدقة أنها قد رُكبت - رأى أثر المراكب - فذمَّ الذي أمَّره ولامه، فقلت: أما إن لله عليَّ إن قدمت المدينة وغدوت إلى رسول الله ﷺ لأذكرن لرسول الله ﷺ ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق، قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله ﷺ أريد أن أذكر له ما كنت حلفت عليه فلقيت أبا بكر خارجًا من عند رسول الله ﷺ فلما رآني وقف معي، ورحب بي، وساءلني وساءلته وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة،

стр. 3719

فرجع معي إلى رسول الله ﷺ وقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: "ائذن له" فدخلت فحئيت رسول الله ﷺ ، وحيَّاني، وسلَّمت عليه، وسألني عن نفسي، وعن أهلي فأخفى المسألة فقلت: يا رسول الله لقينا من علي من الغِلْظةِ وسوءِ الصحبة والتضييق، فابتدر رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله ﷺ على فخذي - وكنت منه قريبًا - وقال: "سعد بن مالك بن الشهيد بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه جيش في سبيل الله" قال فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعد بن مالك ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم وما أدري، لا جرم، والله لا أذكره بسوء أبدًا سرًا ولا علانية. وقال يونس بن بكير. عن محمد بن إسحاق، حدَّثني أبان بن صالح، عن عبد الله بن دينار الأسلمي، عن خاله عمرو بن شاش الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبية - قال: كنت مع علي في خيله التي بعثه فيها رسول الله إلى اليمن، فجفاني علي بعض الجفاء فوجدت عليه في نفسي، فلما قدمتُ المدينة اشتكيته في مجالس المدينة، وعند من لقيته، فأقبلت يومًا ورسوله الله جالس في المسجد، فلما رآني أنظر إلى عينيه، نظر إليَّ حتى جلست إليه، فلما جلست إليه قال: "أما إنه والله يا عمرو لقد آذيتني" فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون أعوذ بالله والإسلام أن أؤذي رسول الله ﷺ فقال:"من آذى عليًا فقد آذاني". وقد رواه الإمام أحمد (١): عن يعقوب، عن أبيه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الفضل بن معقل، عن عبد الله بن نياز (٢)، عن خاله عمرو بن شاش فذكره. وكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن الفضل. وكذلك رواه سيف بن عمر، عن عبد الله بن سعيد، عن أبان بن صالح به ولفظه: فقال رسول الله ﷺ : "من آذى مسلمًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله". وروى عباد بن يعقوب الرواجني، عن موسى بن عمير، عن عقيل بن نجدة بن هبيرة، عن عمرو بن شاش قال قال رسول الله ﷺ : "يا عمرو إن من آذى عليًا فقد آذاني". وقال أبو يعلى (٣): حدَّثنا محمود بن خداش، حدَّثنا مروان بن معاوية، حدَّثنا قَنان بن عبد الله النَّهْمي، حدَّثنا مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: كنت جالسًا في المسجد أنا ورجلان معي فنلنا من علي، فأقبل رسول الله يُعرف في وجهه الغضب، فتعوذت باللّه من غضبه فقال: "ما لكم ومالي؟ من آذى عليًا فقد آذاني".

стр. 3720

حديث غدير خم قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعني قالا: حدَّثنا فطر، عن أبي الطفيل قال: جمع عليٌّ الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد الله كلَّ امرئ مسلم سمع رسول الله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام، فقام كثير من الناس قال أبو نعيم! - فقام ناس كثير - فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: "أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا نعم يا رسول الله قال: "من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". قال فخرجت كأن في نفسي شيئًا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليًا يقول كذا وكذا: قال. فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك له. ورواه النسائي (٢) من حديث حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل عنه أتم من ذلك. وقال أبو بكر الشافعي (٣): حدَّثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا أبو إسرائيل الملائي، عن الحكم، عن أبي سليمان المؤذن، عن زيد بن أرقم أن عليًا انتشد الناس: من سمع رسول الله يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" فقام ستة عشر رجلًا فشهدوا بذلك وكنت فيهم. وقال أبو يعلى وعبد الله بن أحمد في "مسند" (٤) أبيه: حدَّثنا القواريري، حدَّثنا يونس بن أرقم، حدَّثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهدت عليًا في الرحبة يناشد الناس: أنشد باللّه من سمع رسول الله يقول يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه" لما قام فشهد. قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريًا كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم؟ " قلنا: بلى يا رسول الله، قال:"فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". ثم رواه عبد الله بن أحمد (٥)، عن أحمد بن عمر الوكيعي، عن زيد بن الحباب، عن الوليد بن عقبة بن نزار (٦)، عن سماك بن عبيد بن الوليد العبسي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره، قال: فقام اثنا عشر رجلًا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حين أخذ بيدك يقول: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله". وهكذا رواه أبو داود الطَّهَوي - واسمه عيسى بن مسلم - عن

стр. 3721

عمرو بن عبد الله بن هند الجملي، وعبد الأعلى بن عامر التغلبي كلاهما، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره بنحوه، قال الدارقطني: غريب تفرد به عنهما أبو داود الطهوي. وقال الطبراني (١): حدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن كيسان المديني سنة تسعين ومئتين، حدَّثنا إسماعيل بن عمرو البَجليّ، حدَّثنا مِسْعرٌ، عن طلحةَ بن مُصرِّفٍ، عن عَميرَةَ بن سعد قال: شهدت عليًا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله من سمع رسول الله يوم غدير خم يقول ما قال؟ فقام اثنا عشر رجلًا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". ورواه أبو العباس بن عقدة الحافظ الشيعي، عن الحسن بن علي بن عفان العامري، عن عبد الله بن موسى، عن قَطن، عن عمرو بن مرة، وسعيد بن وهب، وعن زيد بن يُثَيْع قالوا: سمعنا عليًا يقول في الرحبة فذكر نحوه فقام ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا أن رسول الله قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره واخذل من خذله". قال أبو إسحاق حين فرغ من هذا الحديث: يا أبا بكر أي أشياخ هم؟. وكذلك رواه عبد الله بن أحمد (٢)، عن علي بن حكيم الأودي، عن شريك، عن أبي إسحاق فذكر نحوه. وقال عبد الرزاق (٣): عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب وعبد خير قالا: سمعنا عليًا برحبة الكوفة يقول: أنشد الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقام عدة من أصحاب رسول الله فشهدوا أنهم سمعوا رسول يقول الله ذلك. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت سعيد بن وهب قال: نشد علي الناس فقام خمسة أو ستة من أصحاب رسول الله فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وقال أحمد (٥): حدَّثنا يحيى بن آدم، حدَّثنا حسين بن الحارث بن لقيط الأشجعي، عن رِياح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا: فقال: كيف أكون مولاكم

стр. 3722

وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله يوم غدير خم يقول: "من كنت مولاه فإن هذا مولاه" قال رِياح، فلما مضوا اتبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (١): حدَّثنا شريك، عن حنش، عن رباح بن الحارث قال: بينا نحن جلوس في الرحبة مع علي إذ جاء رجل عليه أثر السفر فقال: السلام عليك يا مولاي قالوا: من هذا؟ فقال أبو أيوب: سمعت رسول الله يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وقال أحمد (٢): حدَّثنا محمد بن عبد الله، حدَّثنا الربيع - يعني ابن أبي صالح الأسلمي - حدَّثني زياد بن أبي زياد الأسلمي، سمعت علي بن أبي طالب ينشد الناس فقال أنشد الله رجلًا مسلمًا سمع رسول الله يقول يوم غدير خم ما قال، فقام اثنا عشر رجلًا بدريًا فشهدوا. وقال أحمد (٣): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان أن ابن عمر قال: سمعت عليًا في الرحبة وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وقال أحمد (٤): حدَّثنا حجاج بن الشاعر، حدَّثنا شَبَابة، حدَّثنا نُعيم بن حكيم، حدَّثني أبو مريم، ورجل من جلساء علي، عن علي: أن رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال فزاد الناس بعد، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". وقد روي هذا من طرق متعددة عن علي ﵁، وله طرق متعددة عن زيد بن أرقم. وقال غندر عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي مريم أو زيد بن أرقم - شعبة الشاك - قال قال رسول الله ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال سعيد بن جبير: وأنا قد سمعته قبل هذا من ابن عباس. رواه الترمذي (٥)، عن بندار، عن غندر وقال: حسن غريب. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا سفيان، حدَّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله قال قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله بوادٍ يقال له واد خم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير قال: فخطبنا وظلل لرسول الله ﷺ بثوب على شجرة سمر من الشمس فقال: "ألستم تعلمون - أو ألستم تشهدون - أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا:"بلى! " قال: "فمن كنت مولاه فإن عليًا

стр. 3723

مولاه، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه". وكذا رواه أحمد (١): عن غندر، عن شعبة، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم. وقد رواه عن زيد بن أرقم جماعة منهم: أبو إسحاق السبيعي وحبيب الإساف وعطية العوفي وأبو عبد الله الشامي وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وقد رواه معروف بن خرَّبوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد قال: لما قفل رسول الله من حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهن، ثم بعث إليهن فصلى تحتهن ثم قام فقال: "أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلَّا مثل نصف عمر الذي قبله، وإني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرًا، قال: "ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن جنته حق، وأن ناره حق، وأن الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ " قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: "اللهم اشهد". ثم قال: "يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" ثم قال: "أيها الناس إني فرطكم (٢) وإنكم واردون على الحوض حوض أعرض مما بين بصرى وصنعاء فيه آنية عدد النجوم قدحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون عليه من الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي (٣) أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض". رواه ابن عساكر (٤) بطوله من طريق معروف كما ذكرنا. وقال عبد الرزاق (٥): أنا معمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله حتى نزلنا غدير خم بعث مناديًا ينادي، فلما اجتمعنا قال: "ألست أولى بكم من أنفسكم؟ " قلنا: بلى يا رسول الله! قال: "ألست أولى بكم من أمهاتكم؟ " قلنا: بلى يا رسول الله: قال: "ألست أولى بكم من آبائكم؟ " قلنا بلى يا رسول الله! قال: "ألست ألست ألست"؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" فقال عمر بن الخطاب: هنيئًا لك يا بن أبي طالب أصبحت اليوم ولي كل مؤمن. وكذا رواه ابن ماجه (٦)

стр. 3724

من حديث حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد وأبي هارون العبدي، عن عديَّ بن ثابت، عن البراء به. وهكذا رواه موسى بن عثمان الحضرمي، عن أبي إسحاق، عن البراء به. وقد روي هذا الحديث عن سعد، وطلحة بن عبيد الله، وجابر بن عبد الله، وله طرق عنه، وأبي سعيد الخدري، وحبشي بن جنادة، وجرير بن عبد الله، وعمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وله عنه طرق منها - وهي أغربها - الطريق الذي قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (١): حدَّثنا عبد الله بن علي بن محمد بن بِشْران، أنا عليُّ بن عمر الحافظ، أنا أبو نصر حَبْشُون بن موسى بن أيوب الخَلال، حدَّثنا علي بن سعيد الرَّملي، حدَّثنا ضمرة بن ربيعة القرشي، عن ابن شوذب، عن مطر الورَّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرًا وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي ﷺ بيد علي بن أبي طالب فقال: "ألست ولي المؤمنين"؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. فأنزل الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ومن صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهرًا وهو أول يوم نزل جبريل بالرسالة. قال الخطيب: اشتهر هذا الحديث برواية حبشون وكان يقال إنه تفرد به، وقد تابعه عليه أحمد بن عبيد الله بن العباس بن سالم بن مهران المعروف بابن التبري، عن علي بن سعيد الشامي. قلت: وفيه نكارة من وجوه. منها قوله نزل فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقد ورد مثله من طريق ابن هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ولا يصح أيضًا، وإنما نزل ذلك يوم عرفة كما ثبت في الصحيحين (٢) عن عمر بن الخطاب وقد تقدم. وقد روي عن جماعة من الصحابة غير من ذكرنا في قوله ﵇ "من كنت مولاه" والأسانيد إليهم ضعيفة. حديث الطير وهذا الحديث قد صنف الناس فيه وله طرق متعددة وفي كل منها نظر ونحن نشير إلى شيء من ذلك: قال الترمذي (٣): حدَّثنا سُفيان بن وكيع، حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عُمر، عن السُّدِّي،

стр. 3725

عن أنس قال: كان عند النبي ﷺ طير فقال: "اللهمَّ ائتني بأحبِّ خلقكَ إليكَ يأكل معي من هذا الطير" فجاء علي فأكل معه. ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث السُّدِّي إلا من هذا الوجه، قال: وقد روي من غير وجه عن أنس. وقد رواه أبو يعلى (١): عن الحسن بن حماد، عن مسهر بن عبد الملك، عن عيسى بن عمر به. وقال أبو يعلى: حدَّثنا قَطَن بن بشير، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعي، حدَّثنا عبد الله بن مثنى، حدَّثنا عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله حجل مشوي بخبزه وضيافه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام" فقالت عائشة: اللهم اجعله أبي، وقالت حفصة: اللهم اجعله أبي، وقال أنس: وقلت: اللهم اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: فسمعت حركة بالباب فقلت: إن رسول الله ﷺ على حاجة فانصرف ثم سمعت حركة بالباب فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إن رسول الله ﷺ على حاجة فأنصرف ثم سمعت حركة بالباب فسلّم علي فسمع رسول الله ﷺ صوته فقال: انظر من هذا؟ فخرجت فإذا هو علي فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له يدخل عليَّ فأذنت له فدخل"، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وال من والاه". ورواه الحاكم في "مستدركه" (٢): عن أبي علي الحافظ، عن محمد بن أحمد الصفار وحميد بن يونس الزيات كلاهما، عن محمد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة، ثنا عن يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس فذكره، وهذا إسناد غريب. ثم قال الحاكم: هذا الحديث على شرط البخاري ومسلم. وهذا فيه نظر: فإن أبا علاثة محمد بن أحمد بن عياض هذا غير معروف لكن روى هذا الحديث عنه جماعة عن أبيه، وممن رواه عنه أبو القاسم الطبراني (٣) ثم قال: تفرد به عن أبيه، والله أعلم. قال الحاكم: وقد رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسًا. قال شيخنا الحافظ الكبير أبو عبد الله الذهبي: فصلهم بثقة يصح الإسناد إليه. ثم قال الحاكم: وصحَّت الرواية عن علي وأبي سعيد وسفينة. قال شيخنا أبو عبد الله: لا والله ما صح شيء من ذلك. ورواه الحاكم (٤) من طريق إبراهيم بن ثابت القصار - وهو مجهول - عن ثابت البناني، عن أنس قال: دخل محمد بن الحجاج فجعل يسب عليًا. فقال أنس: اسكت عن سب علي، فذكر

стр. 3726

الحديث مطولًا وهو منكر سندًا ومتنًا. لم يورد الحاكم في "مستدركه" غير هذين الحديثين. وقد رواه ابن أبي حاتم: عن عمار بن خالد الواسطي، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس. وهذا أجود من إسناد الحاكم. ورواه عبد الله بن زياد أبو العلاء، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أنس بن مالك. فقال: أهدي لرسول الله ﷺ طير مشوي فقال: "اللهم ائتني باحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير" فذكر نحوه. ورواه محمد بن مصفى: عن حفص بن عمر، عن موسى بن سعد، عن الحسن، عن أنس، فذكره. ورواه علي بن الحسن الشامي، عن خليل بن دعلج، عن قتادة، عن أنس بنحوه. ورواه أحمد بن يزيد الورتنيس، عن زهير، عن عثمان الطويل، عن أنس فذكره. ورواه عبيد الله بن موسى، عن سكين بن عبد العزيز، عن ميمون أبي خلف، حدَّثني أنس بن مالك فذكره، قال الدارقطني: من حديث ميمون أبي خلف تفرد به سكين بن عبد العزيز. ورواه الحجاج بن يوسف بن قتيبة، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس. ورواه ابن يعقوب إسحاق بن الفيض، حدَّثنا المضاء بن الجارود، عن عبد العزيز بن زياد، أن الحجاج بن يوسف دعا أنس بن مالك من البصرة فسأله عن علي بن أبي طالب فقال: أهدي للنبي ﷺ طائر فأمر به فطبخ وصنع فقال: "اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي". فذكره. وقال الخطيب البغدادي (١): أنا الحسن بن أبي بكر، أنا أبو بكر محمد بن العبَّاس بن نجيح، حدَّثنا محمد بن القاسم النَّحوي أبو عبد الله، حدَّثنا أبو عاصم، عن أبي الهندي، عن أنس فذكره. ورواه الحاكم: عن محمد بن سليم، عن أنس بن مالك فذكره. وقال أبو يعلى (٢): حدَّثنا الحسن بن حماد الورَّاق، حدَّثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع ثقة، حدَّثنا عيسى بن عمر، عن إسماعيل السدي [عن أنس بن مالك] أن رسول الله ﷺ كان عنده طائر فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير" فجاء أبو بكر فرده، ثم جاء عمر فرده. ثم جاء عثمان فرده، ثم جاء علي فأذن له. وقال أبو القاسم بن عقدة: حدَّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدَّثنا يوسف بن عدي، حدَّثنا حمَّاد بن المختار الكوفي، حدَّثنا عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله ﷺ

стр. 3727

طائر فوضع بين يديه فقال:"اللهم ائتني بأحبِّ خلقك إليكَ يأكل معي". قال: فجاء عليٌّ فدقَّ البابَ فقلت من ذا؟ فقال: أنا عليّ، فقلت إن رسول الله على حاجة حتى فعل ذلك ثلاثًا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل فقال النبيُّ ﷺ : "ما حَبَسَكَ؟ " فقال: قد جئتُ ثلاث مرات فيحبسني أنس، فقال النبي ﷺ : "ما حملك على ذلك [يا أنس]؟ " قال قلت: كنتُ أحبُّ أن يكون رجلًا من قومي. وقد رواه الحاكم النيسابوري (١)، عن عبدان بن يزيد، عن يعقوب الدقّاق، عن إبراهيم بن الحسين الشامي، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن حمسين بن سليمان بن عبد الملك بن عُمَيْر، عن أنس فذكره، ثم قال الحاكم: لم نكلتبه إلا بهذا الإسناد. وساقه ابن عساكر (٢) من حديث الحارث بن نبهان، عن إسماعيل - رجل من هل الكوفة - عن أنس بن مالك فذكره. ومن حديث حفص بن عمر المهرقاني، عن الحكم بن بشير (٣) بن إسماعيل أبي سليمان أخي إسحاق بن سليمان الرازي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس فذكره" ومن حديث سليمان بن قرم، عن محمد بن علي السلمي، عن أبي حذيفة العقيلي، عن أنس فذكره. وقال أبو يعلى: حدَّثنا أبو هشام، حدَّثنا ابن فضيل، حدَّثنا مسلم الملائي، عن أنس قال: أهدت أم أيمن إلى رسول الله ﷺ طيرًا مشويًا فقال."اللهم ائتني بمن تحبه يأكل معي من هذا الطي" قال أنس فجاء علي فاستأذن، فقلت: هو على حاجته (٤)، فرجع ثم عاد فاستأذن فقلت: هو على حاجته فرجع، ثم عاد فاستأذن فقلت: هو على حاجته فرجع، ثم عاد فاستأذن فسمع النبي ﷺ صوته فقال: "إئذن له" فدخل وهو موضوع بين يديه فأكل منه وحمد الله، فهذه طرق متعددة عن أنس بن مالك، وكل منها فيه ضعف ومقال. وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٥) - في جزء جمعه في هذا الحديث بعد ما أورد طرقًا متعددة نحوًا مما ذكرنا - ويروى هذا الحديث من وجوه باطلة أو مظلمة عن حجاج بن يوسف، وأبي عصام خالد بن عبيد، ودينار أبي كيسان (٦)، وزياد بن محمد الثقفي، وزياد العبسي، وزياد بن المنذر، وسعد بن ميسرة البكري، وسليمان التيمي، وسليمان بن علي الأمير، وسلمة بن وردان، وصباح بن محارب، وطلحة بن مصرف، وأبي الزناد، وعبد الأعلى بن عامر، وعمر بن راشد، وعمر بن أبي حفص الثقفي الضرير،

стр. 3728

وعمرو بن سليم البجلي، وعمر بن يحيى الثقفي، وعثمان الطويل، وعلي بن أبي رافع، وعيسى بن طهمان، وعطية العوفي، وعباد بن عبد الصمد، وعمَّار الدُّهني، وعباس بن علي، وفضيل بن غزوان، وقاسم بن جندب، وكلثوم بن جبر، ومحمد بن علي الباقر، والزهري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن مالك الثقفي، ومحمد بن جحادة، وميمون بن مهران، وموسى الطويل، وميمون بن جابر السلمي، ومنصور بن عبد الحميد، ومعلّى بن أنس، وميمون أبي خلف الجراف (١)، وقيل أبو خالد ومطر بن خالد، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر، وموسى بن عبد الله الجهني، ونافع مولى ابن عمر، والنضر بن أنس بن مالك، ويوسف بن إبراهيم، ويونس بن حيان، ويزيد بن سفيان، ويزيد بن أبي حبيب، وأبي المليح، وأبي الحكم، وأبي داود السبيعي، وأبي حمزة الواسطي، وأبي حذيفة العقيلي، وإبراهيم بن هُدْبة، ثم قال بعد أن ذكر الجميع: الجميع بضعة وتسعون (٢) نفسًا أقربها غرائب ضعيفة، وأردؤها طرق مختلقة مفتعلة، وغالبها طرق واهية. وقد روي من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ فقال أبو القاسم البغوي وأبو يعلى الموصلي قالا: حدَّثنا القواريري، حدَّثنا يونس بن أرقم، حدَّثنا مطير بن أبي خالد، عن ثابت البجلي، عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: أهدت امرأة من الأنصار طائرين بين رغيفين [إلى النبي ﷺ ] ولم يكن في البيت غيري وغير أنس - فجاء رسول الله ﷺ فدعا بغدائه. فقلت: يا رسول الله قد أهدت لك امرأة من الأنصار هدية، فقدمت الطائرين إليه فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك" فجاء علي بن أبي طالب فضرب الباب [ضربًا] خفيا فقلت: من هذا؟ قال أبو الحسن، ثم ضرب الباب ورفع صوته فقال رسول الله: "من هذا" قلت: علي بن أبي طالب. قال: "افتح له" ففتحت له فأكل معه رسول الله ﷺ من الطيرين حتى فنيا (٣). وروي عن ابن عباس؛ فقال أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد: حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا حسين بن محمد، حدَّثنا سليمان بن قرم، عن محمد بن شعيب، عن داود بن [علي بن] (٤) عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس قال: إن النبي ﷺ أتي بطائر فقال: اللهم ائتني برجل يحبه الله ورسوله" فجاء علي فقال: "اللهم وإليَّ". وروي عن علي نفسه فقال عباد بن يعقوب (٥): حدَّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن علي قال: أهدي لرسول الله ﷺ طير يقال له الحباري، فوضعت

стр. 3729

بين يديه - وكان أنس بن مالك يحجبه - فرفع النبي ﷺ يده إلى الله ثم قال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير". قال فجاء علي فاستأذن فقال له أنس: إن رسول الله على حاجته (١) فرجع ثم أعاد رسول الله ﷺ الدعاء، فرجع، ثم دعا الثالثة فجاء علي، فأدخله، فلما رآه رسول الله ﷺ : "اللهم وإليَّ". فأكل معه، فلما أكل رسول الله. وخرج علي قال أنس: سمعت عليًا فقلت: يا أبا الحسن استغفر لي، فإن لي إليك ذنبًا وإن عندي بشارة، فأخبرته بما كان من النبي ﷺ فحمد الله واستغفر لي ورضي عني، أذهب ذنبي عنده بشارتي إياه. ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري أورده ابن عساكر (٢): من طريق عبد الله بن صالح كاتب اللّيث، عن ابن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره بطوله. وقد روي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الحاكم (٣) [من حديث أبي سعيد الخدري] ولكن إسناده مظلم وفيه ضعفاء. وروى من حديث حبشي بن جنادة ولا يصح أيضًا، ومن حديث يعلى بن مرة والإسناد إليه مظلم، ومن حديث أبي رافع نحوه وليس بصحيح [بل طريقه مظلم]. وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم أبو بكر بن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي، ورأيت فيه مجلدًا في جميع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سندًا ومتنًا للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلّم. وبالجملة (٤) ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه، والله أعلم. حديث آخر في فضل علي (٥): قال أبو بكر الشافعي: حدَّثنا بشر بن موسى الأسدي، حدَّثنا زكريا بن عدي، حدَّثنا عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل (٦)، عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار في نخل لها. يقال له الإسراف (٧) ففرشت لرسول الله ﷺ تحت صور لها مرشوش فقال رسول الله ﷺ : "الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة" فجاء أبو بكر، ثُمّ قال: "الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة" فجاء عمر، ثم قال: "الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة" قال: فلقد رأيته مطأطئًا رأسه [من]

стр. 3730

رأسه تحت الصور ثم يقول: "اللهم إن شئت جعلته عليًا" فجاء علي، ثم إن الأنصارية ذبحت لرسول الله ﷺ شاة وصنعتها فأكل وأكلنا فلما حضرت الظهر قام يصلي وصلينا ما توضأ ولا توضأنا، فلما حضرت العصر صلى وما توضأ ولا توضأنا. حديث آخر: قال أبو يعلى (١): حدثنا الحسن بن حمّاد الكوفي، حدَّثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن الشيباني، عن جُميع بن عمير (٢) قال: دخلت مع أبي على عائشة فسألتها عن علي فقالت: ما رأيت رجلًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ منه، ولا امرأة كانت أحب إلى رسول الله ﷺ من امرأته. وقد رواه غير واحد من الشيعة عن جميع بن عمير به. حديث آخر: قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا يحيى بن أبي بكير، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجَدلي (٤) قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله ﷺ فيكم؟ قلت: معاذ الله - أو سبحان الله أو كلمة نحوها - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سبَّ عليًا فقد سبَّني". وقد رواه أبو يعلى (٥): عن عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن عبد الرحمن البَجلي - من بجيلة من سليم - عن السدّي، عن أبي عبد الله الجَدلي (٤) قال: قالت لي أم سلمة: "أيسب رسول الله فيكم على المنابر؟ " قال: قلت: وأنى ذلك؟ قالت: أليس يُسبُّ علي ومن أحبه؟ فأشهد أن رسول الله ﷺ كان يحبه. وقد روي من غير هذا الوجه عن أم سلمة. وقد ورد من حديثها وحديث جابر وأبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك" ولكن أسانيدها كلها ضعيفة لا يحتج بها. حديث آخر: قال عبد الرزاق (٦): أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش قال:

стр. 3731

سمعت عليًا يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إليَّ أنَّه لا يُحبُّك إلا مؤمنٌ ولا يبغضكَ إلا منافقٌ. ورواه أحمد (١)، عن ابن عمير ووكيع، عن الأعمش. وكذلك رواه أبو معاوية ومحمد بن فضيل وعبد الله بن داود الخُريبي (٢) وعبيد الله بن موسى ومحاضر بن المُورِّع (٣) ويحيى بن عيسى الرملي [وغيرهم] عن الأعمش به. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٤) عن (٥). ورواه غسان بن حسان، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن علي فذكره. وقد روي من غير وجه عن علي. وهذا الذي أوردناه هو الصحيح من ذلك، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا محمد بن فضيل، عن عبد الله (٧) بن عبد الرحمن بن أبي نصر، حدَّثني مُساور الحِمْيري، عن أمه، قالت (٨): سمعت أم سلمة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: "لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق". وقد روي من غير هذا الوجه عن أم سلمة بلفظ آخر ولا يصح. وروى ابن عقدة، عن الحسن بن علي بن بزيغ، حدَّثنا عمر بن إبراهيم، حدَّثنا سوار بن مصعب، عن الحكم، عن يحيى الخراز، عن عبد الله بن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زعم أنه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليًا فهو كاذب ليس بمؤمن" وهذا بهذا الإسناد مختلق لا يثبت، والله أعلم. وقال الحسن بن عرفة: حدَّثني سعيد بن محمد الوراق، عن علي بن الخراز، سمعت أبا مريم الثقفي [يقول] سمعت عمار بن ياسر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول لعلي: "طوبى لمن أحبك وصدّق فيك، وويل لمن أبغضك وكذَّب فيك".

стр. 3732

وقد روي (١) في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة لا أصل لها. وقال غير واحد، عن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر: حدَّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله (٢)، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ انظر إلى علي فقال: "أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني وبغيضك بغيض الله، والويل (٣) لمن أبغضك من بعدي" (٤). وروى غير واحد أيضًا عن الحارث بن حَصِيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي قال: دعاني رسول الله فقال: "إن فيك من عيسى بن مريم مثلًا أبغضته يهود حتى بهتوا أمه، وأحبته (٥) النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس هو له" قال علي: ألا وإنه يهلك فيَّ اثنان محب مُطْرٍ مفرط يُقَرِّظُني بما ليس فيَّ. ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحقُّ (٦) عليكم طاعتي فيما أحببتم (٧) وكرهتم، لفظ عبد الله بن أحمد (٨). [حديث آخر]: قال يعقوب بن سفيان. حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد، حدَّثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية، عن علي قال: أنا قسيم النار، إذا كان يوم القيامة قلت هذا لك وهذا لي. قال يعقوب: وموسى بن طريف ضعيف يحتاج إلى من يعدله [وليس بثقة] وعباية أقل منه ليس حديثه بشيء (٩). وذكر أن أبا معاوية لام الأعمش على تحديثه بهذا [الحديث] فقال له الأعمش: إذا نسيت فذكروني، ويقال: إن الأعمش إنما رواه على سبيل الاستهزاء بالروافض والتنقيص لهم في تصديقهم ذلك. قلت: وما يتوهمه بعض العوام بل هو مشهور بين كثير منهم، أن عليًا هو الساقي على الحوض فليس له أصل ولم يجئ من طريق مرضي يعتمد عليه، والذي ثبت أن رسول الله ﷺ هو الذي يسقي الناس.

стр. 3733

وهكذا الحديث الوارد في أنه ليس أحد يأتي يوم القيامة راكبًا إلا أربعة، رسول الله على البراق، وصالح على ناقته، وحمزة على العضباء، وعلي على ناقة من نوق الجنة رافعًا صوته بالتهليل. وكذلك ما في أفواه الناس من اليمين بعلي يقول أحدهم: خذ بعلي، أعطني (١) بعلي، ونحو ذلك كل ذلك لا أصل له، بل ذلك من نزعات الروافض ومقالاتهم ولا يصح من شيء من الوجوه (٢)، وهو من وضع الرافضة ويخشى على من اعتاد ذلك سلب الإيمان عند الموت، ومن حلف بغير الله فقد أشرك. حديث آخر: قال الإمام أحمد (٣): حدَّثني يحيى، عن شعبة، حدَّثنا عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا وجع وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان آجلًا فارفع عني، وإن كان بلاءً فصبِّرني. قال: "ما قلت؟ " فأعدت عليه، فضربني برجله وقال: "ما قلت؟ " فأعدت عليه فقال: "اللهم عافه أو اشفه" فما اشتكيت ذلك الوجع بعد. حديث آخر: قال محمد بن مسلم بن وارة (٤): حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا أبو عمر الأزدي، عن أبي راشد الحرَّاني، عن أبي الحمراء قال قال رسول الله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فَهمه، وإلى إبراهيم في حلمه (٥)، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه (٦) فلينظر إلى علي بن أبي طالب" وهذا [حديث] منكر جدًّا ولا يصح إسناده. حديث آخر في ردِّ الشمس (٧): قد ذكرناه في دلائل النبوة بأسانيده وألفاظه فأغنى له عن إعادته. حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي (٨): حدَّثنا علي بن المنذر الكوفي، حدَّثنا محمد بن فَضيل، عن الأجلح،

стр. 3734

عن أبي الزبير، عن جابر قال: دعا رسول الله ﷺ عليًا يوم الطائف فانتجاه (١) فقال الناس: لقد طال بنجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله ﷺ : "ما انتجيته ولكن الله انتجاه" ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه (٢) إلا من حديث الأجلح وقد رواه [عنه] غير ابن فضيل عن الأجلح. ومعنى قوله: "ولكن الله انتجاه" أن الله أمرني أن أنتجي معه. [قلت: وقد يكون أراد أن الله أمرني بمناجاته (٣). والله أعلم]. حديث آخر: قال الترمذي (٤): حدَّثنا محمد بن بشار ويعقوب بن إبراهيم وغير واحد، حدَّثنا أبو عاصم، عن أبي الجَرَّاح، عن جابر بن صُبْح (٥)، حدَّثتني أمُ شراحيل (٦)، حدَّثتني أمُّ عطية قالت: بعث رسول الله ﷺ جيشًا فيهم عليّ قالت: فسمعت رسول الله ﷺ رافعًا يديه (٧) يقول: "اللهم لا تمتني حتى تُريني عليًا" ثم قال: هذا حديث حسن [غريب إنما نعرفه من هذا الوجه]. حديث آخر: قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا علي بن عاصم، قال: حصين أخبرنا عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم المازني قال: لما خرج معاوية من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة، قال: فأقام خطباء يقعون في علي، قال وأنا إلى جنب سعيد بن زيد بن عمرو (٩) بن نُفيل قال: فغضب فقام وأخذ بيدي فتبعته (١٠) فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه، الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة (١١) فأشهد على التسعة أنهم من أهل الجنة، ولو شهدت على العاشر لم آثم، قال: قلت: وما ذاك؟ قال قال رسول الله ﷺ : "اثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد" قال قلت: من هم؟ فقال: رسول الله، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف،

стр. 3735

وسعد بن مالك. [قال: ثم سكت] قلت: ومن العاصر؟ قال: قال: أنا. وينبغي أن يكتب هاهنا حديث أم سلمة المتقدم قريبًا أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: "أيسب رسول الله فيكم على المنابر "؟ الحديث. رواه أحمد [أيضًا] (١). حديث آخر: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير قالا: حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة السلولي - وكان قد شهد حجة الوداع - قال قال رسول الله ﷺ : "عليٌّ منِّي وأنا منه ولا يؤدّى عنِّي إلا أنا أو عليّ" ثم رواه أحمد عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل. حديث آخر: قال أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا: حدَّثنا إسرائيل: قال أبو إسحاق: عن زيد بن يُثَيْع (٤)، عن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ بعثه ببراءة لأهل مكة: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (٥)، من كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله". قال: فسار بها ثلاثًا، ثم قال لعلي: "الحقه وردَّ عليَّ أبا بكر وبلِّغها أنت" [قال: ففعل] قال: فلما قدم أبو بكر على رسول الله بكى، وقال يا رسول الله: حدث فيّ شيء؟ قال: "ما حدث فيك إلا خيرٌ، ولكن أمرتُ أن لا يبلِّغه إلا أنا أو رجل مني" (٦). حديث آخر: وقال عبد الله بن أحمد (٧): حدَّثني محمد بن سليمان لوين، حدَّثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حنش (٨)، عن علي قال: لما نزلت عشر آيات من براءة دعا رسول الله أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: "أدرك أبا بكر فحيث لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه

стр. 3736

عليهم" فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: "لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك (١) ". وقد رواه كثيرٌ النَّوَّاء، عن جُميع بن عُمير، عن ابن عمر، بنحوه، وفيه نكارة من جهة أمره بردِّ الصدِّيق فإن الصدِّيق لم يرجع بل كان هو أمير الحج في سنة تسع، وكان علي هو وجماعة معه بعثهم الصدّيق يطوفون برحاب منى في يوم النحر وأيام التشريق ينادون ببراءة؟ وقد قررنا ذلك في حجّة الصديق وفي أول تفسير سورة براءة. حديث آخر: [روي من حديث] (٢) أبي بكر الصديق وعمر وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمران بن حصين وأنس [بن مالك] وثوبان وعائشة وأبي ذر وجابر أن رسول الله ﷺ قال: "النظر إلى وجه عليّ عبادة" (٣). وفي حديث عن عائشة "ذكرُ عليّ عبادةٌ" ولكن لا يصحُّ شيءٌ منها فإنه لا يخلو كل سند منها (٤) عن كذاب أو مجهول لا يعرف حاله وهو شيعي. حديث الصدقة بالخاتم وهو راكع: قال الطبراني: حدَّثنا عبد الرحمن بن سَلْم (٥) الرازي، حدَّثنا محمد بن يحيى، عن ضريس العبدي، حدَّثنا عيسى بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] فخرج رسول الله ﷺ ، فدخل المسجد، والناس يصلون بين راكع وقائم وإذا سائل فقال: "يا سائل هل أعطاك أحد شيئًا" فقال: لا! إلا هاذاك الراكع - لعلي - أعطاني خاتمه. وقال الحافظ ابن عساكر (٦): أخبرنا خالي أبو المعالي القاضي، أخبرنا أبو الحسن الخلعي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الشاهد، حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث الرملي، حدَّثنا القاضي جملة بن محمد، حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو نعيم الأحول، عن

стр. 3737

موسى بن قيس (١)، عن سلمة قال: تصدق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] وهذا لا يصح بوجه من الوجوه لضعف أسانيده ولم ينزل في عليّ شيء من القرآن بخصوصيته، وكل ما يوردونه في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في أنها نزلت في عليٍّ لا يصح شيء منها، وأما قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] فثبت في الصحيح (٢) أنه نزل (٣) في علي وحمزة وعبيدة من المؤمنين، وفي عتبة وشيبة والوليد بن عتبة من الكافرين. وما روي عن ابن عباس أنه قال: ما نزل (٤) في أحد من الناس ما نزل في عليٍّ. وفي رواية عنه أنه قال: نزل فيه ثلاثمئة آية فلا يصح ذلك عنه لا هذا ولا هذا. [ولا يصح أيضًا ما قالوا فيه أنه قال: ما نزلت آية فيها يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي بن أبي طالب رأسها (٥)، كل ذلك لا يصح وإنما هذا من غلو الرافضة]. حديث آخر: قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدَّثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدَّثنا العباس بن بكار أبو الوليد، حدَّثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا بالمسجد وقد أطاف به أصحابه إذ أقبل علي فسلم ثم وقف فنظر (٦) مكانًا يجلس فيه فنظر [إليه] رسول الله ﷺ وإلى وجوه أصحابه أيهم يوسِّع له - وكان أبو بكر عن يمين رسول الله ﷺ جالسًا - فتزحزح أبو بكر عن مجلسه وقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر، فرأينا السرور في وجه رسول الله ﷺ ، ثم أقبل على أبي بكر فقال: "يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لأهل الفضل [ذوو الفضل] ". فأما الحديث الوارد عن علي وحذيفة مرفوعًا: "علي خير البشر، من أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر" فهو موضوع من الطريقين معًا، قبح الله من وضعه واختلقه (٧).

стр. 3738

حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي (١): حدَّثنا إسماعيل بن موسى، [حدَّثنا محمد بن عمر بن] الرُّومي، حدَّثنا شُريك، عن [سَلَمة بن] كهيل، عن سُوَيد بن غَفَلة، عن الصُّنابحيِّ، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا دار الحكمة وعلي بابها" ثم قال: هذا الحديث غريب [منكر]. قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن ابن عباس قلت: رواه سويد بن سعيد، عن شريك، عن سلمة، عن الصنابحي، عن علي مرفوعًا: "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت باب المدينة" (٢). وأما حديث ابن عباس فرواه ابن عدي (٣) من طريق أحمد بن سلمة أبي عمرو الجرجاني، حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من قبل بابها" ثم قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بأبي الصلت الهروي، عن أبي معاوية، سرقه منه أحمد بن سلمة هذا ومعه جماعة من الضعفاء، هكذا قال ﵀. وقد روى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز، عن ابن معين أنه قال: أخبرني ابن أيمن أن أبا معاوية حدّث بهذا الحديث قديمًا ثم كفَّ عنه، قال: وكان أبو الصلت رجلًا موسرًا يكرم (٤) المشايخ ويحدثونه بهذه الأحاديث، وساقه ابن عساكر بإسناد مظلم عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله فذكره مرفوعًا، ومن طريق أخرى عن جابر: قال ابن عدي وهو موضوع أيضًا. وقال أبو الفتح الأزدي (٥): لا يصح في هذا الباب شيء. حديث آخر (٦): يقرب مما قبله، قال ابن عدي (٧): حدَّثنا أحمد بن حمدون النيسابوري، حدَّثنا ابن بنت أبي أسامة - هو جعفر بن هذيل - حدَّثنا ضرار بن صُرد، حدَّثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن ابن عباية، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "عليٌّ عيبة علمي".

стр. 3739

حديث آخر: في معنى ما تقدم. قال ابن عدي: حدَّثنا أبو يعلى، حدَّثنا كامل بن طلحة، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "ادعوا لي أخي" فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه ثم قال: "ادعوا لي أخي" فدعوا له عمر فاعرض عنه ثم قال: "ادعوا لي أخي" فدعوا له عئمان فأعرض عنه، ثم قال: "ادعوا لي أخي" فدعي له علي بن أبي طالب فستره بثوب وأكب عليه فلما خرج من عنده قيل له: ما قال [لك رسول الله ﷺ ]؟ قال: علّمني ألف باب يفتح كل باب إلى ألف باب. قال ابن عدي: هذا حديث منكر، ولعل البلاء فيه من ابن لهيعة، فإنه شديد الإفراط في التشيع وقد تكلّم فيه الأئمة ونسبوه إلى الضعف، والله أعلم. حديث آخر: قال ابن عساكر (١): أنبأنا أبو علي المقرئ (٢)، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو أحمد الغطريفي، حدَّثنا أبو الحسين بن أبي مقاتل، حدَّثنا محمد بن عبيد بن عتبة، حدَّثنا محمد بن علي الوهبي الكوفي، حدَّثنا أحمد بن عمران بن سلمة - وكان ثقة عدلًا مرضيًا - حدَّثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ فسئل عن علي فقال: "قسمت الحكمة عشرة أجزاء أعطي (٣) علي تسعة والناس جزءًا واحدًا" وسكت الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث ولم ينبه على أمره وهو منكر بل موضوع مركب على سفيان الثوري بإسناده، قبح الله واضعه ومن افتراه واختلقه. حديث آخر: قال أبو يعلى (٤): حدَّثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن عمرو (٥) بن مرة، عن أبي البَخْتريِّ، عن علي. قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن ليس لي علم بالقضاء قال: فضرب في صدري وقال: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك" قال: فما شككتُ في قضاء بين اثنين بعد. وقد ثبت عن عمر أنه كان يقول: علي أقضانا وأبيٌّ أقرؤنا للقرآن. وكان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها.

стр. 3740

حديث آخر: قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن أم موسى، عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به إن كان علي بن أبي طالب لأقرب الناس عهدًا برسول الله ﷺ عدنا رسول الله غداة بعد غداة يقول: "جاء علي؟ " مرارًا - وأظنه كان بعثه في حاجة - قالت: فجاء بعدُ فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، فكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه عليٌّ، فجعل يسارُّه ويناجيه، ثم قبض من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهدًا. وهكذا رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة به (٣). حديث آخر في معناه: قال أبو يعلى (٤): حدَّثنا عبد الرحمن بن صالح، حدَّثنا أبو بكر بن عياش، عن صدقة، عن جُميع بن عمير، أن أمه وخالته دخلتا على عائشة فقالتا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن علي، قال: أيُّ شيء [تسألان عنه] تسألن عن رجل وضع يده من رسول الله موضعًا فسالت نفسه في يده فمسح بها وجهه ثم اختلفوا في دفنه فقال: إن أحب الأماكن إلى الله مكان قبض فيه نبيه ﷺ ؟ قالتا: فَلِمَ خرجت عليه؟ قالت أمر قضي لوددت أني أفديه بما على الأرض (٥). وقذا منكر جدًّا وفي الصحيح ما يرد هذا، والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثني عبد الحميد بن أبي جعفر - يعني الفراء - عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع، عن علي قال: قيل يا رسول الله من نُؤمِّر بعدك؟ قال: "إن تُؤَمِّروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تُؤَمِّروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف (٧) في الله لومة لائم، وإن تُؤَمِّروا عليًا - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم". وقد روي هذا الحديث من طريق عبد الرزاق، عن النعمان بن أبي شيبة، وعن يحيى بن العلاء، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع، عن حذيفة عن النبي ﷺ بنحوه.

стр. 3741

ورواه أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، عن ابن نمير، عن الثوري، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثيْع، عن حذيفة به. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (١): أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الآدمي بمكة، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، أنا عبد الرزاق بن همام، عن أبيه، عن ابن مينا (٢)، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ ليلة وفد الجن قال: فتنفس فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "نُعيت إليّ نفسي "قلت: فاستخلف. قال: "من؟ " قلت: أبا بكر. قال: فسكت، ثم مضى، ثم تنفس، قلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال نعيت إلي نفسي يا بن مسعود، قلت: فاستخلف قال: من؟ قلت: عمر. قال: فسكت، ثم مضى ساعةً، ثم تنفس قال: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "نعيت إليّ نفسي يا ابن مسعود" قلت: فاستخلف، قال: "من؟ " قلت: علي بن أبي طالب قال: "أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخُلنَّ الجنة أجمعون أكتعون" (٣) قال ابن عساكر: همام وابن ميناء مجهولان. حديث آخر: قال أبو يعلى (٤): حدَّثنا أبو موسى - يعني محمد بن المثنى - حدَّثنا سهيل بن حماد أبو عتاب الدلال، حدَّثنا مختار بن نافع التميمي، حدَّثنا أبو حيان التيمي، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحَمَلني إلى دار الهجرة وأعتق بلالًا من ماله، رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرًّا تركه الحق وماله من صديق، رحم الله عثمان تستحييه الملائكة، رحم الله عليًا اللهم أدر الحق (٥) معه حيث دار "وقد ورد عن أبي سعيد وأم سلمة أن الحق مع علي ﵁ وفي كلٍّ منهما انظر والله أعلم. حديث آخر: قال أبو يعلى (٦): حدَّثنا عثمان، [حدَّثنا] جرير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: "لا! " فقال عمر: أنا هو

стр. 3742

يا رسول الله، قال: "لا! ولكنه خاصف النعل" - وكان قد أعطى عليًا نعله يخصفه -. ورواه الإمام البيهقي (١)، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. ورواه الإمام أحمد (٢): عن وكيع وحسين بن محمد، عن فطر بن خليفة، عن إسماعيل بن رجاء به. ورواه البيهقي أيضًا من حديث أبي نعيم، عن فطر بن خليفة، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد به. ورواه فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد. وروى من حديث علي نفسه. وقد قدّمنا (٣) هذا الحديث في موضعه في قتال علي أهل البغي والخوارج ولله الحمد، وقدّمنا أيضًا حديث علي للزبير أن رسول الله ﷺ قال لك: إنك تقاتلني وأنت ظالم. فرجع الزبير وذلك يوم الجمل، ثم قتل بعد مرجعه في وادي السباع. وقدمنا صبره وصرامته وشجاعته في يومي الجمل وصفين، وبسالته وفضله في يوم النهروان، وما ورد في فضل طائفته الذين قتلوا الخوارج من الأحاديث، وذكرنا الحديث الوارد من غير طريق عن علي وأبي سعيد وأبي أيوب أن رسول الله ﷺ أمره بقتال المارقين والقاسطين والناكثين، وفسروا الناكثين بأصحاب الجمل والقاسطين بأهل الشام والمارقين بالخوارج، والحديث ضعيف. فصل في ذكر شيء من سيرته [العادلة وطريقته] الفاضلة ومواعظه وقضاياه الفاصلة وخطبه [الكاملة] وحكمه التي هي إلى القلوب واصلة قال عبد الوارث: عن أبي عمرو بن العلاء، عن أبيه فالا: خطب عليٌّ الناس فقال: أيها الناس! والله الذي لا إله إلا هو ما رزأتُ (٤) من مالكم [لا] قليلًا ولا كثيرًا إلَّا هذه - وأخرج قارورة من كُمِّ قميصه فيها طيب -. فقال: أهداها إليَّ الدهقان، - وفي رواية بضم الدال - وقالا: ثم أتى بيت المال فقال: خذوا وأنشأ يقول (٥): [من الرجز] أفلحَ منْ كانتْ له قوصرهْ … يأكلُ منها كلَّ يوم تمرهْ وفي رواية: مرة. وفي رواية طوبى لمن كانت له قوصرة.

стр. 3743

وقال حرملة: عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن عبد الله بن زُرَيْر (١) الغافقي قال: دخلنا مع علي يوم الأضحى فقرب إلينا خَزِيرَة (٢). فقلنا: أصلحك الله لو قدمت إلينا هذا البط والإوز، فإن الله قد أكثر الخير فقال: يا بن زُرَير إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها بين الناس (٣) ". وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا حسن وأبو سعيد مولى بني هاشم قالا: حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا عبد (٥) الله بن هبيرة، عن عبد الله بن زُرَيْر أنه قال: دخلت على علي بن أبي طالب، قال حسن: يوم الأضحى، فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو أطعمتنا هذا البط؟ - يعني الإوز - فإن الله قد أكثر الخير، قال: يا بن زُرَيْر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس". وقال أبو عبيد: حدَّثنا عباد بن العوام، عن مروان بن عنترة، عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبًا في هذا المال وأنت ترعد من البرد؟ فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئًا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي - أو قال من المدينة - وقال أبو نعيم. سمعت سفيان الثوري يقول: ما بنى علي لبنة ولا قصبة على لبنة (٦)، وإن كان ليؤتى بحبوبة من المدينة في جراب. وقال يعقوب بن سفيان (٧): حدَّثنا أبو بكر الحميدي، حدَّثنا سفيان، حدثنا أبو حسان (٨)، عن مجمع بن سمعان (٩) التيمي، قال: خرج علي بن أبي طالب بسيفه إلى السوق فقال: منْ يَشْتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزارًا ما بعته. وقال الزبير بن بكار: حدَّثني سفيان، عن جعفر، قال - أظنه عن أبيه - إن عليًا كان إذا لبس قميصًا مدَّ يده في كمه فما فضل من الكم عن أصابعه قطعه وقال: ليس للكم فضل عن الأصابع. وقال أبو بكر بن عياش: عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: اشترى علي

стр. 3744

قميصًا بثلاثة دراهم وهو خليفة وقطع كمه من موضع الرسغين، وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه. وروى الإمام أحمد: في "الزهد" عن عبّاد بن العوَّام، عن هلال بن خَبَّاب (١)، عن مولى لأبي غصين (٢) قال: رأيت عليًا [خرج] فأتى رجلًا من أصحاب الكرابيس فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصًا فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمينه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدرًا حسنًا، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلَّها من إزاره فدفعها إليه ثم انطلق. وقال محمد بن سعد (٣): أنا الفضل بن دكين، أنا الحسن بن جرموز، عن أبيه قال: رأيت عليًا وهو يخرج من القصر وعليه قبطيتان (٤) إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منه، ومعه درة له يمشي بها في الأسواق ويأمر الناس بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان. ويقول: لا تنفخوا اللحم. وقال عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٥): أنا رجل، حدَّثني صالح بن ميثم، حدَّثنا زيد (٦) بن وهب الجهني قال: خرج علينا علي بن أبي طالب ذات يوم وعليه بردان مُتزر بأحدهما مُرْتد بالآخر قد أرخى جانب إزاره ورفع جانبًا، قد رفع إزاره بخرقة، فمر به أعرابي فقال: أيها الإنسان البس من هذه الثياب فإنك ميت أو مقتول. فقال: أيها الأعرابي إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي من الزهو، وخيرًا لي في صلاتي، وسنة للمؤمن. وقال عبد بن حميد (٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا المختار بن نافع، عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي: ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لك، وخذ من رأسك إن كنت مسلمًا، (فمشيت) خلفه، وهو [بين يدي متزر] بإزار ومرتدٍ برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي [فمشيت] فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبًا بهذا البلد. فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة. فقال: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو يسوق الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكي (٨) فقال: ما يبكيك؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرًا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له

стр. 3745

علي: خذ تمرك وأعطها درهمًا فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا؟ فقال: لا، فقلت: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره وأعطاها درهمها (١). ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مرَّ مجتازًا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يرب (٢) كسبكم. ثم مرَّ مجتازًا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافي. ثم أتى دار فرات - وهي سوق الكرابيس - فأتى شيخًا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا، فأتى غلامًا حَدَثًا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم ولبسه (٣) ما بين الرسغين إلى الكعبين. يقول في لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في (٤) الناس، وأواري به عورتي. ففيل له: يا أمير المؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا! بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصًا بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ منه أبوه درهمًا ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: أمسك هذا الدرهم. فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه. وقال عمرو بن شمر (٥)، عن جابر الجعفي، عن الشعبي قال: وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء علي حتى جلس جنب شريح وقال: يا شريح لو كان خصمي مسلمًا ما جلست إلَّا معه، ولكنه نصراني وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغِّروا بهم كما صغَّر الله بهم من غير أن تطغوا" ثم قال عليّ: هذا الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين هل من بيِّنة؟ فضحك علي وقال أصاب شريح، ما لي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني ومشى خطًا ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه [وقاضيه] يقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال: أما

стр. 3746

إذا أسلمتَ فهي لك، وحمله على فرس. قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج [مع علي] يوم النهروان. وقال سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا؟ قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شيء لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شيء لله. وقال أبو القاسم البغوي: حدَّثني جدي، حدَّثنا علي بن هاشم، عن صالح بياع الأكسية (١) عن جدته قالت: رأيت عليًا اشترى تمرًا بدرهم فحمله في ملحفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله (٢) عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعن أبي هاشم. عن زاذان قال: كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة [من أهل الأموال] من سائر الناس. وعن عبادة بن زياد، عن صالح بن أبي الأسود، عمن حدَّثه: أنه رأى عليًا قد ركب حمارًا ودلّى رجليه إلى موضع واحد [وناحية واحدة] ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا. وقال يحيى بن معين: عن علي بن الجَعْد، عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهّاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال هشام بن حسان: بينا (٣) نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن وقال: رحم الله عليًا، إن عليًا كان سهمًا لله صائبًا في أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها إلى (٤) رسول الله ﷺ ، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنومة، أعطى القرآن عزائمه وعمله وعلمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يالكع. وقال هشيم: عن يسار (٥)، عن عمار. قال: حدَّث رجل علي بن أبي طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمي.

стр. 3747

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني شريح بن يونس، حدَّثنا هشيم، عن إسماعيل بن (١) سالم، عن عمار الحضرمي، عن زاذان أبي عمر أن رجلًا حدّث عليًا بحديث فقال [له علي]: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع! فدعا، فما برح حتى عمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا خلف بن سالم، حدَّثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم! قال: فإن عليًا مرّ عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل بناؤها، قال: فما وضعت [فيها بعد ذلك، لبنة] قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثني عبد الله بن يونس بن بكير الشيباني، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، عن أبي بشير الشيباني. قال: شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يومًا قط أكثر ساعدًا نادرًا (٢)، وقدمًا نادرة من يومئذ، ولا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال: فحدَّثني الحكم بن عتيبة أن عليًا دعا يوم الجمل فقال: اللهم خذ أيديهم وأقدامهم. ومن كلامه الحسنِ ﵁ (٣) قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا علي بن الجعد، أنا عمرو بن شمر، حدَّثني إسماعيل السدّي سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كان عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرًا شعثًا غبرًا بين أعينهم كأمثال رُكبِ المِعْزى، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا مادوا كما يميد (٤) الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكان القوم باتوا غافلين. ثم نهض فما رؤي بعد ذلك مفترًّا يضحك حتى قتله ابن ملجَم عدو الله الفاسق. وقال وكيع: عن عمرو بن منبه، عن أوفى بن دلهم، عن علي بن أبي طالب أنه قال: تَعلَّموا العلم تُعْرفوا به، واعملوا تكونوا من أهله، فإنَّه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المَذاييعِ (٥) البُذْرِ (٦).

стр. 3748

ثم قال: ألا وإنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت (١) مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطًا، والتراب فراشًا، والماء طيبًا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات (٢)، ألا وإن لله عبادًا كم رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين (٣)، وأهل النار في النّار معذَّبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أيامًا قليلة لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافُّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم (٤). وأما النهار فظماء حكماء بررة أتقياء، كأنَّهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم. وعن الأصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عبد الله الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، والوحا الوحا (٥)، إن وراءكم طالب حثيث، القبر، فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته (٦)، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها ومقامعها حديد، وماؤها صديد، وخازنها مالك ليس لله فيها رحمة. قال: ثم بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم. ورواه ليث بن أبي سليم: عن مجاهد، حدَّثني منْ سمع عليًا فذكر نحوه. وقال وكيع: عن عمر بن منبه، عن أوفى بن دلهم، قال: خطب علي فقال: أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدًا السباق، ألا وإنكم في أيام [أمل] من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله (٧)، ألا

стр. 3749

فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودُللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فإن الله قد وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره منْ عصاه. إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفكّ أسيرها، ولا يجبر كسيرها (١)، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. وفي رواية: فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الأمل يُنسي الآخرة. وعن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غناء وزاد لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت بفنائها (٢) ونادت بفراقها، وشابت بشرورها السرور، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبًا وترهيبًا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي (٣) متى خدعتك الدنيا أو متى استدمت إليك؟ أبمصارع آبائك في البلا؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك. وقال سفيان الثوري والأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: جاء رجل إلى علي فأطراه - وكان يبغض عليًا - فقال له (٤): لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك. وروى ابن عساكر (٥) أن رجلًا قال لعلي: ثبتك الله قال: على صدرك. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر قال قال علي: إن الأمر ينزل إلى (٦) السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نفصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصًا في نفسه أو أهله أو ماله، ورأى لغيره عشرة فلا يكونن ذلك له فتنتة (٧)، فإن المسلم ما لم يعش دُناه يظهر تخشعًا لها إذا ذكرت،

стр. 3750

ويغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر (١) أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البريء من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالًا فإذا هو ذو أهل ومال معه حسبه ودينه، وإما أن يعطيه (٢) الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى (٣)، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. قال سفيان الثوري: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا علي ﵁؟ وقال: عن زبيد (٤) اليامي، عن مهاجر العامري (٥)، قال: كتب علي بن أبي طالب عهدًا لبعض أصحابه على بلد فيه: أما بعد فلا يطولن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب يقطع عنهم (٦) علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يواري عنه الناس به من الأمور، وليس على القوم سمات (٧) يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما امرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه؟ أو خلق كريم تسد (٨) به؟ وإما مبتلى بالمنع والشح فما أسرع زوال نعمتك (٩)، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك، مع أن أكثر حاجات (١٠) الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله. وقال المدائني: كتب علي إلى بعض عماله: رويدًا فكان قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة. وقال هشيم: أنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي يقول الشعر، كان علي أشهر الثلاثة.
следующие страницы →