← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

إذا أسلمتَ فهي لك، وحمله على فرس. قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج [مع علي] يوم النهروان. وقال سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا؟ قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شيء لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شيء لله. وقال أبو القاسم البغوي: حدَّثني جدي، حدَّثنا علي بن هاشم، عن صالح بياع الأكسية (١) عن جدته قالت: رأيت عليًا اشترى تمرًا بدرهم فحمله في ملحفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله (٢) عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعن أبي هاشم. عن زاذان قال: كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة [من أهل الأموال] من سائر الناس. وعن عبادة بن زياد، عن صالح بن أبي الأسود، عمن حدَّثه: أنه رأى عليًا قد ركب حمارًا ودلّى رجليه إلى موضع واحد [وناحية واحدة] ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا. وقال يحيى بن معين: عن علي بن الجَعْد، عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهّاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال هشام بن حسان: بينا (٣) نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن وقال: رحم الله عليًا، إن عليًا كان سهمًا لله صائبًا في أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها إلى (٤) رسول الله ﷺ ، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنومة، أعطى القرآن عزائمه وعمله وعلمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يالكع. وقال هشيم: عن يسار (٥)، عن عمار. قال: حدَّث رجل علي بن أبي طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمي.

стр. 3747

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني شريح بن يونس، حدَّثنا هشيم، عن إسماعيل بن (١) سالم، عن عمار الحضرمي، عن زاذان أبي عمر أن رجلًا حدّث عليًا بحديث فقال [له علي]: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع! فدعا، فما برح حتى عمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا خلف بن سالم، حدَّثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم! قال: فإن عليًا مرّ عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل بناؤها، قال: فما وضعت [فيها بعد ذلك، لبنة] قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثني عبد الله بن يونس بن بكير الشيباني، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، عن أبي بشير الشيباني. قال: شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يومًا قط أكثر ساعدًا نادرًا (٢)، وقدمًا نادرة من يومئذ، ولا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال: فحدَّثني الحكم بن عتيبة أن عليًا دعا يوم الجمل فقال: اللهم خذ أيديهم وأقدامهم. ومن كلامه الحسنِ ﵁ (٣) قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا علي بن الجعد، أنا عمرو بن شمر، حدَّثني إسماعيل السدّي سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كان عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرًا شعثًا غبرًا بين أعينهم كأمثال رُكبِ المِعْزى، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا مادوا كما يميد (٤) الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكان القوم باتوا غافلين. ثم نهض فما رؤي بعد ذلك مفترًّا يضحك حتى قتله ابن ملجَم عدو الله الفاسق. وقال وكيع: عن عمرو بن منبه، عن أوفى بن دلهم، عن علي بن أبي طالب أنه قال: تَعلَّموا العلم تُعْرفوا به، واعملوا تكونوا من أهله، فإنَّه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المَذاييعِ (٥) البُذْرِ (٦).

стр. 3748

ثم قال: ألا وإنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت (١) مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطًا، والتراب فراشًا، والماء طيبًا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات (٢)، ألا وإن لله عبادًا كم رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين (٣)، وأهل النار في النّار معذَّبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أيامًا قليلة لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافُّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم (٤). وأما النهار فظماء حكماء بررة أتقياء، كأنَّهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم. وعن الأصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عبد الله الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، والوحا الوحا (٥)، إن وراءكم طالب حثيث، القبر، فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته (٦)، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها ومقامعها حديد، وماؤها صديد، وخازنها مالك ليس لله فيها رحمة. قال: ثم بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم. ورواه ليث بن أبي سليم: عن مجاهد، حدَّثني منْ سمع عليًا فذكر نحوه. وقال وكيع: عن عمر بن منبه، عن أوفى بن دلهم، قال: خطب علي فقال: أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدًا السباق، ألا وإنكم في أيام [أمل] من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله (٧)، ألا

стр. 3749

فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودُللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فإن الله قد وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره منْ عصاه. إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفكّ أسيرها، ولا يجبر كسيرها (١)، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. وفي رواية: فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الأمل يُنسي الآخرة. وعن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غناء وزاد لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت بفنائها (٢) ونادت بفراقها، وشابت بشرورها السرور، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبًا وترهيبًا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي (٣) متى خدعتك الدنيا أو متى استدمت إليك؟ أبمصارع آبائك في البلا؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك. وقال سفيان الثوري والأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: جاء رجل إلى علي فأطراه - وكان يبغض عليًا - فقال له (٤): لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك. وروى ابن عساكر (٥) أن رجلًا قال لعلي: ثبتك الله قال: على صدرك. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر قال قال علي: إن الأمر ينزل إلى (٦) السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نفصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصًا في نفسه أو أهله أو ماله، ورأى لغيره عشرة فلا يكونن ذلك له فتنتة (٧)، فإن المسلم ما لم يعش دُناه يظهر تخشعًا لها إذا ذكرت،

стр. 3750

ويغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر (١) أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البريء من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالًا فإذا هو ذو أهل ومال معه حسبه ودينه، وإما أن يعطيه (٢) الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى (٣)، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. قال سفيان الثوري: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا علي ﵁؟ وقال: عن زبيد (٤) اليامي، عن مهاجر العامري (٥)، قال: كتب علي بن أبي طالب عهدًا لبعض أصحابه على بلد فيه: أما بعد فلا يطولن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب يقطع عنهم (٦) علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يواري عنه الناس به من الأمور، وليس على القوم سمات (٧) يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما امرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه؟ أو خلق كريم تسد (٨) به؟ وإما مبتلى بالمنع والشح فما أسرع زوال نعمتك (٩)، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك، مع أن أكثر حاجات (١٠) الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله. وقال المدائني: كتب علي إلى بعض عماله: رويدًا فكان قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة. وقال هشيم: أنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي يقول الشعر، كان علي أشهر الثلاثة.

стр. 3751

ورواه هشام بن عمار، عن إبراهيم بن أعين، عن عمر بن أبي زائدة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي فذكره. وقال أبو بكر بن دريد: قال: وأخبرنا عن دماد، عن أبي عبيدة، قال: كتب معاوية إلى علي: يا أبا الحسن إن لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيدًا في الجاهلية، وصرت ملكًا في الإسلام، وأنا صهر (١) رسول الله، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي. فقال علي: يا أبا الفضائل يفخرُ عليَّ ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال: اكتب يا غلام (٢). [من الوافر] محمدٌ النبيُّ أخي وصهري … وحمزةُ سيدُ الشُّهداءِ عَمِّي وجعفرٌ الذي يُمْسي ويُضْحي (٣) … يَطيرُ مع المَلائكةِ ابنُ أمِّي وبنتُ مُحمَّدِ سَكَني وعِرْسي … مَسُوطٌ (٤) لحمُها بدمي ولَحْمي وسبطا أحمدِ ولداي منها … فأيّكم (٥) لهُ سهمٌ كسهمي سَبَقْتُكُمُ إلى الإسلامِ طُرًّا … صغيرًا ما بلغتُ أوانَ حلمي (٦) قال: فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب لا يقرؤه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب. وهذا منقطع بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية. وقال الزبير بن بكار وغيره: حدَّثني بكر بن حارثة، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليًا ينشد ورسول الله ﷺ يسمع (٧): [من البسيط] أنا أخو المصطفى لا شكَّ في نَسَبي … معهُ ربيتُ وسبطاهُ هما ولدي جدَّي وجدُّ رسولِ اللهِ منفردٌ (٨) … وفاطمٌ زوجتي لا قولَ ذي فندِ صدقتُه وجميعُ الناسِ في بُهُمٍ (٩) … من الضلالةِ والإشراكِ والنكدِ فالحمدُ للهِ شكرًا لا شريك لهُ … البرُّ بالعبدِ والباقي بلا أمدِ قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "صدقت يا علي".

стр. 3752

وهذا بهذا الإسناد منكر والشعر فيه ركاكة. وبكر هذا لا يُقبل منه تفردُّه بهذا السند والمتن والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر (١)، من طريق أبي زكريا الرملي: حدَّثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك. فقال علي: اكتب حاجتك على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال عليٌّ: عليَّ بحلَّة، فأُتي بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول: [من البسيط] كَسَوْتني حلةً تَبْلى مَحاسِنُها … فسوفَ أكسوكَ من حسْن الثَّنا حُلَلا إنْ نلتَ حسنَ ثنائي نلتَ مكرمةً … ولستُ أبغي بما قدْ قلتهُ بدلا إنَّ الثناء ليحيي ذكرَ صاحبهِ … كالغيثِ يحيي نداهُ السهلَ والجبلا لا تزهدِ الدهرَ في خيبر تواقعُهُ … فكلُّ عبدٍ سيجزى بالذي عملا فقال علي: عليَّ بالدنانير فأتي بمئة دينار فدفعها إليه، قال الأصبغ: فقلت يا أمير المؤمنين حلة ومئة دينار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنزلوا الناس منازلهم" وهذه منزلة هذا الرجل عندي. وروى الخطيب البغدادي من طريق أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط، عن أبيه، عن جده قال: قال علي بن أبي طالب (٢): [من الوافر] إذا اشتملتْ على الناسِ القلوبُ … وضافَ بما (٣) به الصدرُ الرحيبُ وأوطنتِ المكارهُ واطمأنتْ … وأرستْ في أماكنها الخطوبُ ولم ترَ لانكشافِ الضرِ وجهًا … ولا أغنى بحيلتهِ الأريبُ أتاكَ على قُنوطٍ منكَ غوثٌ … يمنُّ (٤) به القريبُ المستجيبُ وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهت … فموصولٌ بها الفرجُ القريبُ ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب [قوله] (٥): [من الوافر] ألا فاصبرْ على الحدثِ الجليلِ … وداوِ جواكَ بالصبرِ الجميلِ

стр. 3753

ولا تجزعْ وإن (١) أعسرتَ يومًا … فقدْ أيسرتَ في الزمن (٢) الطويلِ ولا تظنن بربكَ ظنَّ سوءً (٣) … فإنَّ الله أولى بالجميلِ فإنّ (٤) العسر يتبعُه يسارٌ … وقولُ اللهِ أصدقُ كل قيلِ فلو أنَّ العقول تجر رزقًا … لكانَ الرزقُ عند ذوي العقولِ فكمْ من مؤمنٍ قد جاعَ يومًا … سَيُروى (٥) من رحيقِ السلسبيل من هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته، والكافر يأكل ويشرب، ويلبس ويتمتع، والمؤمن يجوع ويعرى، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين. ومما أنشده علي بن جعفر الورَّاق لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٦): [من الكامل] أجدُ الثيابَ إذا اكتسيتُ فإنها … زينُ الرجالِ بها تُعزُّ وتكرمُ وِدعِ التواضعَ في الثيابِ تخشعًا … فالله يعلمُ ما تجنُّ وتكتم فرَثاثُ ثوبكَ لا يزيدك زلفةً … عندَ الإلهِ وأنتَ عبدٌ مجرمُ وبهاءُ ثوبكَ لا يضركَ بعد أنْ … تخشى الإلَه وتتقي ما يحرمُ وهذا كما جاء في الحديث: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٧) وقال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا فصر الأمل. وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد: كان مكتوبًا على سيف علي (٨) ﵁: [من البسيط] للناسِ حرصٌ على الدنيا وتدبيرُ … وفي مرادِ الهوى عقلٌ وتشميرُ وإنْ أتوا طاعةً للهِ ربهمُ … فالعقلُ منهمْ عنِ الطاعاتِ ماسورُ لأجلِ هذا وذاك الحرصِ قد مزجت … صفاءُ عيشاتها همٌ وتكديرُ

стр. 3754

لم يرزقوها بعقل عندَ ما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير (١) كمْ من أديبِ لبيبٍ لا تساعدُهُ … ومائقٍ نالَ دنياهُ بتقصيرِ لو كانَ عن قوةٍ أو عنْ مغالبةٍ … طارَ البزاةُ بأرزاقِ العصافيرِ وقال الأصمعي: حدثنا سلمة بن بلال، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل (٢): [من الهزج] فلا تصحبْ أخا الجهلِ … وإياكَ وإياهُ فكم من جاهلٍ أردى … حليمًا حينَ آخاهُ يُقاسُ المرءُ بالمرءِ … إذا ما المرءُ ما شاهُ وللشيءِ على الشيء … مقاييسٌ وأشباهُ وللقلب على القلبِ … دليلٌ حين يلقاهُ وعن أبي عمرو بن العلاء، عن أبيه قال: وقف علي على قبر فاطمة فأنشأ يقول (٣): [من الطويل] ذَكرتُ أبا أرْوى فبتُّ كأنَّني … بردِّ الهُمومِ الماضياتِ وكيلٌ (٤) لكُلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ … وكلُّ الذي قبلَ المماتِ قليلُ وإن افتقادي واحدًا بعد واحدٍ (٥) … دليل على أنْ لا يدومُ خليلُ سَيُعرضُ عن ذكري وتُنسى مَوَدَّتي … ويحدث (٦) بعدي للخليل خليلٌ (٧) إذا انقطعتْ يومًا من العيشِ مدتي … فإنَّ غناء (٨) الباكياتِ قليلُ وأنشد بعضهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنا (٩): [من الوافر] حقيقٌ بالتواضعِ من يموتُ … ويكفي المرءَ منْ دنياهُ قوتُ فما للمرءِ يصبحُ ذا همومٍ … وحرصٍ ليسَ تدركهُ النعوت

стр. 3755

صنيعُ مليكنا حسنٌ جميلٌ … وما أرزاقهُ (١) عنا تفوتُ فيا هذا سترحلُ عن قريب (٢) … إلى قومٍ كلامُهُمُ السكوتُ وهذا الفصل يطول استقصاؤه وقد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده ولله الحمد والمنة. وقال حماد بن سلمة: عن أيوب السختياني أنه قال: من أحبَّ أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحبَّ عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق. غريبة من الغرائب وآبدة (٣) من الأوابد قال ابن أبي خيثمة: حدَّثنا أحمد بن منصور بن يسار، حدَّثنا عبد الرزاق قال: قال معمر مرة وأنا مستقبله وتبسم وليس معنا أحد فقلت له: ما شأنك؟ قال: عجبت من أهل الكوفة، كأن الكوفة إنما بنيت على حُبِّ علي، ما كلَّمت أحدًا منهم إلا وجدت المُقْتَصِد منهم الذي يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر ورأيته؟ - كأني أعظمت ذاك - فقال معمر: وما ذاك؟ لو أن رجلًا قال علي أفضل عندي منهما ما عبته (٤)، إذا ذكر فضلهما، ولو أن رجلًا قال: عمر عندي أفضل من علي وأبي بكر ما عنفته. قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح ونحن خاليان (٥) فاستهالها من سفيان وضحك وقال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد، ولكنه أفضى إلى معمر بما لم يفض إلينا، وكنت أقول لسفيان: يا أبا عبد الله أرأيت إن فضلنا عليًا على أبي بكر وعمر ما تقول في ذلك؟ فسكت (٦) ساعةً ثم قال: أخشى أن يكون ذلك طعنًا على أبي بكر وعمر ولكننا نقف. قال عبد الرزاق: وأما ابن التيمي - يعني معتمرًا - فقال: سمعت أبي يقول: فَضَلَ عليُّ بن أبي طالب [أصحاب رسول الله ﷺ ] بمئة منقبة وشاركهم في مناقبهم، وعثمان أحبُّ إليَّ منه. هكذا رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٧) بسنده عن ابن أبي خيثمة به. وهذا الكلام فيه تخبيط كثير ولعله اشتبه على معمر فإن المشهور عن بعض الكوفيين تقديم عليّ على عثمان، فأمّا على الشيخين فلا، ولا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلَّا على غبيّ، فكيف يخفى على هؤلاء الأئمة؟ بل قد قال

стр. 3756

غير واحد من علماء (الأمصار) - كأيوب والدارقطني [وغير واحد]- من قدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح. وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي (١)، حدَّثنا إبراهيم بن سعيد (٢)، عن شعبة، عن أبي عون - محمد بن عبد الله الثقفي - عن أبي صالح الحنفي قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى إني لأرى ورقه يتقعقع ثم قال: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه فأعطني ثواب ما فيه، ثم قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي (٣) وخلقي، وأخلاق لم تكن تعرف لي، اللهم فأبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرًا مني، اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء. قال إبراهيم: - يعني أهل الكوفة -. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثني عبد الرحمن بن صالح، حدَّثنا عمرو بن هشام الخبي أبو الحُباب، عن أبي عود (٤) الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي. قال: قال لي الحسن بن علي قال لي علي: إن رسول الله ﷺ سنح لي الليلة في منامي فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: أدع عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر [لهم] مني، [قال] فخرج فضربه الرجل. الأود: العوج (٥) واللدد: الخصومة. وقد قدمنا الحديث الوارد بالأخبار بقتله (٦) وأنه يخضب لحيته من فرن رأسه، فوقع كما أخبر صلوات الله وسلامه على رسوله. وروى أبو داود في كتاب القدر أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب علي يحرسونه كل ليلة عشرة - يبيتون في المسجد بالسلاح - فرآهم علي فقال: ما يجلسكم (٧)؟ فقالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء؟ ثم قال: إنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء، وإن علي من الله جنة حصينة. وفي رواية: وإن الرجل جنة محصونة (٨)، وإنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال: اتقه اتقه. فإذا جاء القدر خلا عنه. وفي رواية: ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا

стр. 3757

عنه، وإنه لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه [وفي رواية أنه قال: حارس كل امرئ أجله]. وكان علي يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة، وجمع أهله، فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوزُّ في وجهه فسكتوهن (١) عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا (٢) قبل. فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادًا كلها؟ فقال: لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره (٣)، فإن مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح قصاص. وجعلت أم كلثوم بنت علي تقول: ما لي ولصلاة الغداة، قتل زوجي عمر أمير المؤمنين [في] صلاة الغداة، وقتل أبي [علي] أمير المؤمنين [في] صلاة الغداة، ﵂. وقيل لعلي: ألا تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم (٤) كما ترككم رسول الله ﷺ ، فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ ، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق. وقد ثبت عنه بالتواتر (٥) أنه خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت. وعنه أنه قال وهو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان. ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله، وصلَّى عليه ابنه الحسن وكبّر أربعًا (٦)، وقيل أكثر من ذلك. ودفن علي بدار الخلافة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر البهوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية [وقيل بحائط جامع الكوفة]. وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله [ابنه] الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة (٧) بالبقيع إلى جانب [زوجته] فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وقال عيسى بن دأب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق (٨) على بعير، فلما مروا به ببلاد طيِّئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طيِّء تحسب فيه مالًا، فلما وجدوا بالصندوق (٩) ميتًا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك بن عمران أن خالد بن

стр. 3758

عبد الله القسري - نائب بني أمية في زمان هشام - لما هدم دورًا لبنيها وجد (١) قبرًا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي [بن أبي طالب]، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله [أي هذه المبالغة في طاعتهم قال] فلفه في قباطي ودفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه (٢) ابن عساكر. ثم إن الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه (٣)، فقال لهم أولاد علي: دعونا نشتفي منه، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك [الذي خلق خلق الإنسان من علق] إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا (٤) لا أذكر الله فيه. فقتل عند ذلك وحرق بالنار، قبّحه الله. قال محمد بن سعد (٥): كان ابن ملجم رجلًا أسمر حسن الوجه أبلج (٦) شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود. قال العلماء: ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي فإنه كان صغيرًا يوم قتل أبوه، قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصًا، والله أعلم. وكان طعن علي ﵁ يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من يومه قيل يوم الأحد التاسع عشر منه. قال الفلاس: وقيل ضرب (٧) ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة أربع وعشرين [منه] عن بضع أو ثمان وخمسين سنة، وقيل عن ثلاث وستين سنة وهوالمشهور، قاله محمد بن الحنفية [ابنه]، وأبو جعفر الباقر، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عياش. وقال بعضهم: عن ثلاث أو أربع وستين سنة، وعن أبي جعفر الباقر خمس وستين سنة. وكانت خلافته خمس سنين إلَّا ثلاثة أشهر، وقيل أربع سنين [وتسعة أشهر وثلاثة أيام وقيل: وستة أيام، وقيل: وأربعة عشر يومًا، وقيل أربع سنين] وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، ﵁ [وأرضاه]. وقال جرير: عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم (٨) مع

стр. 3759

امرأته فاختة بنت فرظة في يوم صائف، جلس وهو يقول: إنا لله وانا إليه راجعون، وجعل يبكي فقالت له فاختة: أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه، فقال: ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره. وذكر ابن أبي الدنيا - في كتاب مكايد الشيطان (١) - أن رجلًا من أهل الشام (٢) من أمراء معاوية [وجلسائه] غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله، فخرج الغلام لا يدري أين يذهب، فجلس وراءالباب من خارج فنام ساعةً ثم استيقظ وبابه يخمشه هر أسود بري، فخرج إليه الهر الذي في منزلهم فقال له البري: ويحك! افتح فقال: لا أستطيع، فقال: ويحك ائتني بشيء أتبلغ به فإني جائع وأنا تعبان، هذا أوان مجيئي من الكوفة، وقد حدث الليلة حدث عظيم، قتل علي بن أبي طالب، قال فقال له الهر الأهلي: والله إنه ليس هاهنا شيء إلا وقد ذكروا اسم الله عليه، غير سفود كانوا يشوون عليه اللحم، فقال: ائتني به، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته وانصرف، وذلك بمرأى من الغلام ومسمع، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال: من؟ فقال له: افتح، فقال: ويحك ما لك؟ فقال: افتح، ففتح فقص عليه خبر ما رأى، فقال له: ويحك أمنام هذا؟ قال: لا والله، قال: ويحك! أفاصابك جنون بعدي؟ قال: والله، ولكن الأمر كما وصفت لك، فاذهب إلى معاوية الآن فاتخذ عنده بما قلت لك، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده. فأرّخوا ذلك عندهم قبل مجيء البُرُد، ولما جاءت البُرُد وجدوا ما أخبروهم به مطابقًا لما كان أخبر به أبو الغلام، هذا ملخص ما ذكره. وقال أبو القاسم: حدَّثنا علي بن الجعد، حدَّثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسين بن علي: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليًا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله. ورواه أسباط بن محمد عن مطرف عن إسحاق، عن عمرو بن الأصم، عن الحسن بن علي بنحوه. والله سبحانه أعلم (٣).

стр. 3760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3761

خلافة الحسن بن علي ﵁ [وعن أبيه وعن أمه] قد ذكرنا أن عليًا ﵁ لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين. فقال: لا ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله ﷺ - يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم (١) على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله ﷺ . فلما توفي (٢) وصلى عليه ابنه الحسن - لأنه [كان]

стр. 3762

أكبر بنيه ﵃ ودفن كما ذكرنا بدار الإمارة [بالكوفة] على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرع (١) من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي ﵁ قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كاب الله وسنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان ذلك يوم مات علي، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وقيل إنما مات بعد الطعنة (٢) بيومين، وقيل مات في العشر الأخير من رمضان، ومن يومئذ ولي الحسن بن علي، وكان (٣) قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليًا على الموت، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير (٤) لقتال أهل الشام، فعزل قيسًا عن إمرة أذربيجان، وولَّى (٥) عبيد الله بن عباس عليها، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يسمع بمثله [لأن الناس مالوا إلى الحسن ميلًا عظيمًا محبة وطاعة إذ هو ابن بنت رسول الله ﷺ وريحانته] فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفًا بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدًا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام (٦) فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرًا بظاهرها، إذ صرخ في الناس (٧) صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم (٨) بعضًا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطًا كان جالسًا عليه، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب (٩) فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي - أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر (١٠) - فلما استقر الحسن بالقصر قال المختار بن أبي عبيد قبَّحه الله لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف والغنى؟ قال: ماذا؟ قال: تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه (١١) إلى معاوية، فقال له عمه: قبحك (١٢) الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله ﷺ ؟ ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه

стр. 3763

عنه (١) مقتهم مقتًا شديدًا وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام [لقتال أهل العراق] فنزل مسكن [وجعل]- يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمُرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال، فاشترط أن يأخذ من مال بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، وأن يكون خراج دار أبجرد له [في أشياء ذكرها] وأن لا يُسبَّ عليٌّ وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية، ويحقن الدماء بين المسلمين. فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله، وقد لام الحسين أخا (٢) الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه، والصواب مع الحسن ﵁ كما سنذكر دليله قريبًا. وبعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة (٣) قيس بن سعد أن يسمع ويطيع [لمعاوية]، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، وخرج عن طاعتهما جميعًا، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره. ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهود عند ابن جرير (٤) وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما (٥) سنذكره إن شاء الله. وحج بالناس (٦) في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة، وزعم ابن جرير (٧) فيما رواه عن إسماعيل بن راشد: أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابًا على لسان معاوية ليلي إمرة الحج عامئذ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان، وكان معه كتاب من أخيه بإمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الإمرة. وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل، ولا يظن بالمغيرة ﵁ ذلك، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فإن الصحابة أجل قدرًا من هذا، ولكن هذه نزغة شيعية. قال ابن جرير (٨): وفي هذه السنة بويع لمعاوية بإيلياء - يعني لما مات علي - قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي ﵁ ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاوله، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم (٩) ابن

стр. 3764

بنت رسول الله ﷺ ، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم. والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" (١) وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ﵁، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ ، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من [أكبر] دلائل النبوّة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا. وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية (٢)، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع (٣) الكلمة على أمير واحد. وهذا المدح قد ذكرناه [فيما تقدم، وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله ﷺ صعد المنبر يومًا وجلس الحسن بن علي إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال: "أيها الناس إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" رواه البخاري (٤). [بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء السابع من كتاب البداية والنهاية، ويليه الجزء الثامن وأوله: ثم دخلت سنة إحدى وأربعين من الهجرة النبوية … والحمد لله رب العالمين].

стр. 3765

البداية والنهاية «من خلافة معاوية ٤١ هـ - إلى ترجمة مروان بن الحكم ٦٥ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه أكرم عبد اللطيف البوشي راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الثامن

стр. 3766

ذكر أيام معاوية بن أبي سفيان [﵁] (١) وملكه قد تقدَّم في الحديث أنَّ الخلافة بعده ﵇ ثلاثون سنة، ثم تكون مُلكًا، وقد انقضت الثلاثون سنة بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول المُلْك، فهو أولُ ملوك الإسلام وخيارُهم. قال الطبراني (٢): حدثنا علي (٣) بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الفُضيل بن عِياض، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابِط، عن أبي ثعلبة الخُشَني، عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالا (٤): قال رسول الله ﷺ : "إنَّ هذا الأمرَ بدأ رحمةً ونبوَّة، ثم يكونُ رحمةً وخِلافَة، ثم كائن مُلكًا عَضُوضًا (٥)، ثم كائن عُتُوًّا وجَبَريَّةً وفسادًا في الأرض، يستحلُّونَ الحريرَ والفُروج والخمورَ، ويُرْزَقونَ على ذلك ويُنْصَرونَ حتى يَلْقَوا الله ". إسناده جيد (٦). وقد ذكرنا في "دلائل النبوة" الحديثَ الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عُمَيْر (٧) قال: قال معاوية: [والله ما حَمَلَني على الخلافة إلَّا قولُ رسول الله ﷺ لي: "يا معاويةُ] (٨) إنْ مَلكْتَ فأَحسِنْ". رواه البيهقي (٩) عن الحاكم، عن الأصمّ، عن العباس بن محمد، عن محمد بن سابق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسماعيل. ثم قال البيهقي: وله شواهد من وجوه أُخر، منها: حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، عن جدِّه سعيد: أنَّ معاويةَ أخذ الإداوة (١٠) فتبعَ رسولَ الله ﷺ فنظر إليه، فقال له: "يا مُعاويةُ إنْ وليتَ أمرًا فائقِ اللهَ واعْدِلْ". قال معاوية:

стр. 3767

فما زلتُ أظنُّ أني مبتلًى بعملٍ لقول رسول الله ﷺ (١). ومنها حديث راشد بن سعد، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكَ إن اتَّبَعْتَ عوراتِ النّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ". قال أبو الدَّرْداء: كلمة سمعها معاويةُ من رسول الله ﷺ فنفعَهُ اللهُ بها (٢). ثم روى البيهقي من طريق هُشيم، عن العوّام بن حَوْشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الخِلافةُ بالمدينة، والمُلْكُ بالشَّام". غريب جدًّا. وروى من طريق أبي إدريس، عن أبي الدَّرْداء قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُ [عمودَ] (٣) الكِتابِ احتُمِلَ من تحتِ رَأسي، فظَننتُ أنَّه مذهوبٌ به، فأَتْبَعْتُهُ بصَري، فعُمِدَ به إلى الشّام، أَلَا وإنَّ الإيمانَ حينَ تقعُ الفِتَنُ بالشّام" (٤). وقد رواه سعيد بن (٥) عبد العزيز، عن عطيَّة بن قيس، عن يونس (٦) بن مَيْسَرة. عن عبد الله بن عمرو. ورواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن مَعْدان، عن سليمان بن (٧) عامر، عن أبي أُمامة. وروى يعقوب بن سفيان (٨)، عن نصر بن محمد بن سليمان السّلمي الحمصي، عن أبيه، عن عبد الله بن [أبي] (٩) قيس، سمعت عمر بن الخطّاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عمودًا مِنْ نورٍ خرجَ من تحتِ رَأسي سَاطعًا حتى اسْتقرَّ بالشّام". وقال عبد الرزاق (١٠): عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفِّين: اللهم العَنْ أهل الشام. فقال له علي: لا تسبَّ أهلَ الشّام [جمًا غفيرًا] (١١) فإنَّ بها الأبدال [فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال] (١٢).

стр. 3768

وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرفوعًا (١). فضل معاوية [بن أبي سفيان ﵁] (٢) هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو عبد الرحمن القرشيُّ الأمويّ، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين. أسلم هو وأبوه وأمُّه هند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روي عن معاوية أنه قال: أسلمتُ يومَ عُمرة القضيَّة (٣)، ولكنِّي كتمتُ إسلامي من أبي إلى يوم الفتح (٤). وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهليّة، وأفضَتْ إليه رئاسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب. وكان رئيسًا مُطاعًا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مُرْني حتى أقاتل الكفّارَ كما كنتُ أقاتل المسلمين. قال: "نعم". قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: "نعم". ثم سأل أن يزوّج رسول الله ﷺ بابنته [الأُخرى] (٥) وهي عَزَّة (٦) بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أمِّ حَبيبة، فلم يقع ذلك، وبيَّن رسول الله ﷺ أنَّ ذلكَ لا يحلُّ له. وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع (٧). وأفردنا له مصنَّفًا على حدة ولله الحمدُ والمنَّة. والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ مع غيره من كتّاب الوحي ﵃. ولما فُتحت الشام ولّاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقرَّه على ذلك عثمان بن عفَّان وزاده بلادًا أخرى. وهو الذي بنى القُبَّة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة. قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولي عليُّ بن أبي طالب الخلافةَ أشار عليه كثير من أمرائه ممَّن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولِّي عليها سهل بن حُنَيْف، فعزله، فلم ينتظم له عزله، والتفَّ على معاوية جماعةٌ من أهل الشام، ومانع عليًّا عنها وقال: لا أبايعه حتّى يسلِّم إليَّ قَتَلة عثمان فإنه قُتل مظلومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].

стр. 3769

وروى الطبراني عن ابن عبّاس أنه قال: ما زلت موقنًا أن معاوية سيلي الملك [والسلطان] (١) من هذه الآية. وقد أوردنا سنده ومتنه عند تفسير هذه الآية. فلمَّا امتنع معاوية من بيعة علي كان من صِفِّين ما قدَّمنا ذكره. ثم آل الأمر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص وأبي موسى ما أسلفناه من قوَّة جانب أهل الشام في الصورة (٢) الظاهرة، واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتلَه ابن مُلْجَم كما تقدَّم. فعند ذلك بايع أهل العراق الحسنَ بن علي. وبايع أهل الشام معاوية. ثم ركب الحسن في جنود العراق من غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما بالصُّلح. فانتهى الحال إلى أنْ خلع الحسن نفسه من الخلافة، وسلَّم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناسَ بها خطبة بليغة بعدما بايعه الناس. واستوثقتْ له الممالك شرقًا وغربًا وبُعدًا وقربًا، وسمِّيَ هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفُرقة. فولَّى معاوية قضاء الشام لفَضالة بن عُبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخَوْلاني. وكان على شرطته قيس بن حمزة. وكان كاتبه وصاحب أمره سَرْجون (٣) بن منصور الرومي. ويقال: إنَّ معاوية أولُ من اتَّخذ الحرس، وأول من حزم الكتب وختمها. وكان أول الأحداث في دولته ﵁: خروج طائفة من الخوارج عليه وكان سبب ذلك أنَّ معاوية لما دخل الكوفة وخرج منها الحسن بن علي وأهلُه قاصدين الحجاز، قالت فرقة من الخوارج - وهم نحو من خمسمئة -: جاء ما لا يُشَكُّ فيه، فسِيروا إلى معاوية فجاهِدوه، فساروا حتى قربُوا من الكوفة وعليهم فروة بن نَوْفل (٤)، فبعث إليهم معاوية خيلًا من أهل الشام، فطَرد الخوارج الشاميِّين، فقال معاوية [لأهل الكوفة] (٥): لا أمانَ لكم عندي حتّى تكفوا بوائقكم. فخرجوا إلى الخوارج، فقالت لهم الخوارج: ويلكم ماذا تبغون؟ أليس معاوية عدوَّكم وعدوَّنا؟ فدعُونا حتى نقاتله، فإنْ أصبناه كنّا قد كفيناكموه، وإن أصابَنا كنتم قد كُفِيتمونا. فقالوا: لا والله حتّى نقاتلكم.

стр. 3770

فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهر، كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة. فاقتَتَلوا، فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم. ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على أهل الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له المغيرة بن شُعْبة: أتولِّيه الكوفة وأبوه بمصر، وتبقى أنت بين لَحْيَي (١) الأسد؟ فثناه عن ذلك، وولَّى عليها المغيرة بن شُعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: أتجعل المغيرة على الخَراج؟ هلّا وليتَ الخراج رجلًا آخر؟ فعزله عن الخراج وولّاه على الصلاة. فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له عمرو: ألستَ المشيرَ على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو؟ قال: بلى! قال: فهذه بتلك. وفي هذه السنة وثب حُمْران بن أَبان على البصرة، فأخذها وتغلَّب عليها، فبعث معاوية جيشًا ليقتلوه ومَنْ معه. فجاء أبو بَكْرَة الثقفي إلى معاوية، فسأله في الصَّفح والعفو، فعفا عنهم وأطلقهم، وولى على البصرة بُسْر (٢) بن أبي أَرْطاة، فتسلَّط على أولاد زياد يريد قتلَهم، وذلك أنَّ معاوية كتب إلى أبيهم ليحضُرَ إليه فتلبَّث، فكتب إليه بُسر بن أبي أَرْطاة: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين وإلَّا قتلت بَنِيكَ، فبعث أبو بَكْرة إلى معاوية في ذلك [فأخذ لهم أمانًا منه] (٣). وقد قال معاوية لأبي بَكْرة: هل من عهد تعهدُه إلينا؟ قال: نعم، أعهَدُ إليك - يا أمير المؤمنين - أن تنظرَ لنفسك ورعيَّتك وتعمل صالحًا فإنَّكَ قد تقلَّدتَ عظيمًا، خلافة الله في خلقه، فاتَّقِ الله، فإنَّ لك غايةً لا تعدُوها، ومن ورائك طالبًا حَثيثًا، وأوشك أنْ يبلغَ المدى فيلحق الطالب، فتصير إلى مَنْ يسألُكَ عمّا كنتَ فيه، وهو أعلم به منك، وإنَّما هي محاسبةٌ وتوقيفٌ، فلا تُؤْثرن على رضا الله شيئًا. ثم ولَّى معاوية - في آخر هذه السنة - البصرة لعبد الله بن عامر، وذلك أن معاوية أراد أن يولِّيها لعُتبة بن أبي سفيان، فقال له ابن عامر: إنَّ لي بها أموالًا وودائع، وإن لم تولِّنيها هلكتُ. فولَّاه إيّاها [وأجابه إلى سؤاله في ذلك] (٤). قال أبو مَعْشَر: وحجَّ بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وقال الواقدي: إنَّما حجَّ بهم عَنْبَسَة بن أبي سفيان. فالله أعلم. ومن أعيان من توفي هذا العام: رفاعة بن رافع (٥): ابن مالك بن العَجْلان. شهد العقبَة وبدرًا وما بعدها.

стр. 3771

رُكانَة بن عبد يَزيد (١) (٢): ابن هاشم (٣) بن عبد المطلب القرشي. وهو الذي صارعه النبي ﷺ . وكان رُكانة من أشدِّ الناس (٤). وكان صرع (٥) رسول الله ﷺ له من المُعجزات كما قدَّمنا ذلك في دلائل النبوَّة. أسلم رُكانة عام الفتح - وقيل: قبل ذلك - بمكة [لما صرعه رسول الله ﷺ ] (٦) فالله أعلم. صفْوان بن أميَّة (٧): ابن خلف بن وهب بن حُذافة أبو (٨) وهب القرشي. أحد رؤساء مكّة. تقدم أنه هرب [من رسول الله ﷺ ] (٩) عام الفتح، ثم جاء فأسلم وحسُن إسلامه، وكان الذي

стр. 3772

استأمن له [رسول الله ﷺ ] (١) عُمير بن وهب الجُمَحي وكان صاحبَه وصديقَه في الجاهلية كما تقدَّم، فقدم به في وقت صلاة العصر، فاستأمن له، فأمَّنه رسول الله ﷺ [أربعة أشهر] (٢)، وأستعار منه أدرُعًا وسلاحًا ومالًا. وحضر صفوان حُنينًا مشركًا، ثم أسلم [ودخل الإيمان قلبه] (٣)، فكان من سادات المسلمين كما كان من سادات الجاهلية. قال الواقدي: لم يزل صفوان مقيمًا بمكّة حتى توفي بها في أول خلافة معاوية. عثمان بن طلحة (٤): ابن أبي طَلْحة بن عبد العُزَّى بن عبد الدّار العَبْدري الحَجَبي. أسلم هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح. وقد روى الواقدي عنه حديثًا طويلًا في صفة إسلامه. وهو الذي أخذ رسول الله ﷺ منه مفتاح الكعبة عام الفتح، ثم ردَّه إليه وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقال له: "خُذْها يا عثمانُ خالدةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها منكُمْ إلّا ظالم" (٥). وكان عليٌّ قد طلبها [من النبي ﷺ ] (٦) فمنعه من ذلك. قال الواقدي: نزل المدينةَ حياة رسول الله ﷺ ، فلمّا مات نزل مكّة، ثم لم يزل بها حتّى مات في أول خلافة معاوية. عَمرو بن الأَسْوَد السَّكُوني (٧): كان من العُبّاد الزُّهّاد. وكانت له حُلَّة بمئتي درهم يلبسها إذا

стр. 3773

قام إلى صلاة الليل. وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافةَ الخُيَلاء. روى عن: معاذ، وعبادة بن الضامت، والعِرْباض بن سارية، وغيرهم. وقال أحمد في "الزهد" (١): حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو (٢) بكر، عن حَكيم بن عُمير وضَمرة بن حَبيب قالا: قال عمر بن الخطّاب: مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى هَدْي رسول الله ﷺ فلينظُرْ إلى هَدْي عَمْرو بن الأَسْود. عاتِكَة بنتُ زَيْد (٣): ابن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزَّى، وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة. أسلمتْ وهاجرتْ، وكانت من حسان النِّساء وعبّادهن. تزوَّجها عبد (٤) الله بن أبي بكر، فتَتيَّم بها، فلما قُتل عنها في غزوة الطائف آلت ألَّا تتزوَّج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوَّجها، فلما قُتل عنها تزوَّجها بعده الزبير بن العوام، فقُتل عنها بوادي السِّباع (٥)، فلما بعث إليها علي بن أبي طالب ليتزوَّجها قالت له: إني أخشى عليك أن تُقتل، فأبت أن تتزوَّجه، ولو تزوجته لقتل عنها أيضًا، فإنها لم تزل [بلا زوج] (٦) حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها الله. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين فيها غزا المسلمون اللان والروم، فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقًا كثيرًا، وغنموا وسلموا. وفيها ولَّى معاويةُ مروانَ بن الحكم نيابة المدينة، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى

стр. 3774

الكوفة المُغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شُريح القاضي، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى خُراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر. [واستقضى مروانُ على المدينة عبدَ الله بن الحارث، وعلى قضاء البصرة عَمِيرة بن يَثْرِبي] (١). وفيها تحرَّكت الخوارج الذين كانوا قد عَفَا عنهم عليٌّ يوم النَّهروان، وقد عوفي جرحاهم، وثابت إليهم قواهم. فلما بلغهم مقتلُ علي ترحَّموا على قاتله ابن مُلْجم وقال قائلهم: لا يقطع الله يدًا علت قَذَال (٢) عليٍّ بالسَّيف. وجعلوا يَحْمَدُون الله على قتل علي، ثم عزموا على الخروج على الناس، وتوافقوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يزعمون. وفي هذه السنة قدم زياد بن أَبيه على معاوية - وكان قد امتنع عليه قريبًا من سنة في قلعة عُرفت به يقال لها: قلعة زياد - فكتب إليه معاوية: ما يحملُكَ على أن تهلك نفسَك؟ أقدم عليَّ فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس وما صرفتَ منها وما بقي عندك فائتني به وأنت آمن، فإن شئت أن تقيم عندنا فعلتَ، وإلّا فاذهب حيث ما شئتَ من الأرض فأنت آمِن. فعند ذلك أزمع زياد المسير إلى معاوية، فبلغ المغيرةَ قدومُه، فخشي أن يجتمع بمعاوية قبلَه، فسار نحو دمشق إلى معاوية، فسبقه زياد إلى معاوية بشهر، فقال معاوية للمغيرة: ما هذا وهو أبعد منك وأنت قد خرجت قبله (٣) وقد سبقك إليّ؟! فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزِّيادة وأنا أنتظر النُّقصان. فأكرمَ معاوية زيادًا، وقبض منه ما كان معه من الأموال، وصدَّقه فيما صرَفَه [وما بقي عنده] (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين فيها غزا بُسْر بن أبي أَرْطاة بلاد الروم، فتوغَّل فيها حتى بلغ القُسْطَنْطينية، وشتا ببلادهم فيما زعمه الواقدي، وأنكر ذلك آخرون وقالوا: لم يكن بها مشتى لأحد قط، فالله أعلم. وفيها كانت وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمَّموا - كما قدَّمنا - على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمئة عليهم المستورِد بن عُلَّفَة (٥)، فجهَّز إليهم

стр. 3775

المغيرة بن شُعبة جندًا عليهم مَعْقِل بن قيس في ثلاثة آلاف، فسار إليهم، وقدَّم بين يديه أبا الرُّوَاع في طليعة هي ثلاثمئة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرُّوَاع بمكان يقال له المَذَار (١)، فاقتتلوا معهم، فهزمهم الخوارج، ثم كرُّوا عليهم فهزمتهم الخوارج [ولكنْ لم يُقتل أحد منهم] (٢)، فلزموا مكانهم في مقابلتهم (٣) ينتظرون قدوم أمير الجيش معقِل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار بعد أن غربت الشمس، فنزل وصلَّى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبي الرُّواع، فقال له أبو الرُّواع: أيها الأمير! إن لهم شدّاتٍ منكرة، فكن أنت رِدْءَ (٤) الناس، ومُرِ الفرسان فليقاتلوا بين يديك. فقال له معقِل بن قيس: نِعمَ ما رأيت. فما كان إلّا ريثما قال له ذلك حتّى حمل الخوارج على معقِل وأصحابه، فانجفَلْ (٥) عنه عامة أصحابه، فترجَّل عند ذلك معقِل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرضَ الأرضَ، فترجَّل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مئتي فارس منهم أبو الرُّواع الشاكِري، فحمل عليهم المستورِد بن عُلَّفَة [أمير الخوارج] (٦) بأصحابه، فاستقبلوهم بالرماح والسُّيوف، ولحق بقيَّة الجيش بعض الفرسان فذمَّرهم وعيَّرهم وأنَّبهم على الفرار، فرجع الناس إلى معقِل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار (٧) قتالًا شديدًا والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفَّهم معقل بن قيس ميمنةً وميسرةً ورتَّبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هربت الخوارج، فرجعوا من حيث أَتَوا، فسار معقِل في طلبهم وقدَّم بين يديه أبا الرّواع في ست مئة، فالتقوهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج، فتبارزوا ساعةً، ثم حملوا حملة رجل واحد، فصبر لهم أبو الرّواع بمن معه، وجعل يذمِّرهم ويعيِّرهم ويؤنِّبهم على الفرار ويحثُّهم على الصبر، فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم. فلما رأتِ الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شيء، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض بَهُرَسِير (٨)، واتبعهم أبو الرّواع ولحقه معقِل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة، فركب إليهم شريك بن عبيد - نائب المدائن - ولحقهم أبو الرّواع بمن معه من المقدّمة.

стр. 3776

[قال ابن جرير (١): وفيها مات عمرو بن العاص بمصر ومحمد بن مَسْلمة - قلت: وسنذكر ترجمة كل واحد منهما في آخر السنة - فولَّى معاوية بعد عمرو على ديار مصر ولدَه عبد الله بن عمرو. قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين] (٢). أما عَمْرو بنُ العاص (٣): فهو: عمرو بن العاص بن وائِل بن هاشم بن سُعَيد (٤) بن سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب بن لُؤَي بن غالب القرشيّ السَّهمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد. أحد رؤساء قريش في الجاهلية. وهو الذي أرسلوه إلى النَّجَاشي ليردَّ عليهم مَنْ هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يُجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال: إنه أسلم على يديه، والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد وعثمان [بن طلحة] بن أبي طلحة العَبْدري. وكان عمرو أحد أمراء الإسلام، وهو أمير غزوة ذات السَّلاسل (٥)، وأمدَّه رسول الله ﷺ بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصدِّيق وعمر الفاروق. وقد قال الترمذي (٦): حدثنا قُتيبة [حدثنا ابن لَهِيعَة] (٧) حدثنا مِشْرَح بن هاعان (٨)، عن

стр. 3777

عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "أسلَمَ النّاسُ وآمنَ عمرو بنُ العاص". وقال أيضًا (١): حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، عن نافع بن (٢) عمر الجُمحي، عن ابن أبي مُلَيكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ عَمرو بنَ العاص مِنْ صالحي قُريش". وفي الحديث الآخر: "ابنا العَاص مُؤْمنان" (٣). وفي الحديث الآخر: "نِعمَ أهلُ البيتِ: عبدُ الله، وأبو عبد الله، وأُمُّ عبد الله" (٤). رووه في فضائل عمرو بن العاص. ثم إن الصدِّيق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام، فكان ممَّن شهد تلك الحروب، وكانت له بها الآراء السَّديدة، والمواقف الحميدة، والأحوال السَّعيدة. ثم بعثه عمر إلى مصر، فافتتحها، واستنابه عليها، وأقرَّه فيها عثمان بن عفّان أربع سنين ثم عزله - كما قدمنا - وولّى عليها (٥) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، فاعتزل عمرو بفلسطين، وبقي في نفسه من عثمان ﵄، فلما قُتل عثمان سار إلى معاوية، فشهد معه مواقفه كلَّها بصفِّين وغيرها، وكان هو أحد الحكمَيْن. ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبي بكر استعمل عمرو بن العاص عليها، فلم يزل نائبَها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور، وقيل: إنه توفي سنة سبع وأربعين، وقيل: سنة ثمان وأربعين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، ﵀. وقد كان معدودًا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم. وله أمثال حسنة، وأشعار جيِّدة. وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل. ومن شعره: إذا المرءُ لم يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ … ولم يَنْهَ قَلْبًا غاويًا حيثُ يَمَّما

стр. 3778

قَضى وَطَرًا منهُ وغادر سُبَّةً … إذا ذُكرَتْ أمثالُها تملأُ الفَمَا (١) وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أخبرنا ابن لَهِيعَة، حدثني يزيد بن أبي حَبيب أن عبد الرحمن بن شُمَاسَة حدثه قال: لما حضرتْ عمرو بن العاص الوفاةُ بكى، فقال له ابنه عبد الله: لمَ تبكي؟ أجزعًا على الموت؟! فقال: لا والله، ولكنْ ممّا بعد الموت. فقال له: قد كنتَ على خير، فجعل يذكِّره صحبة رسول الله ﷺ وفتوحَه الشام، فقال عمرو: تركتُ أفضلَ من ذلك كلِّه: شهادةَ أنْ لا إله إلَّا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق (٣) ليس فيها طبقٌ إلّا قد عرفتُ نفسي فيه، كنتُ أول شيء (٤) كافرًا، وكنتُ أشدَّ الناس على رسول الله ﷺ فلو متُّ حينئذ وَجَبَتْ لي النّار، فلمّا بايعتُ رسول الله ﷺ كنتُ أشدَّ الناس حياءً منه، فما ملأتُ عينيَّ من رسول الله ﷺ ، ولا راجعتُه فيما أُريد حتّى لحِقَ بالله حياءً منه، فلو متُّ يومئذ قال الناس: هنيئًا لعَمرو؛ أسلمَ وكان على خير فمات، نرجو له الجنة. ثم تلبَّستُ بعد ذلك بالسُّلطان وأشياء فلا أدري عليَّ أم لي، فإذا متُّ فلا تبكينَّ عليَّ باكيةٌ، ولا تُتْبِعني مادحًا ولا نارًا، وشُدُّوا عليَّ إزاري فإني مُخاصم، وسُنُّوا عليَّ الترابَ سَنًّا (٥) فإنَّ جنبيَ الأيمن ليس بأحقَّ بالتراب من جنبيَ الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبةً ولا حَجَرًا، وإذا وارَيْتُموني فاقعُدُوا عندي قدرَ نحر جَزُور [وتقطيعِها] (٦) أَسْتَأنِس بكم. وقد روى مسلم هذا الحديث في "صحيحه" (٧) من حديث يزيد بن أبي حَبيب بإسناده نحوه، وفيه زيادات على هذا السِّياق حسنة، فمنها قوله: كي أَسْتأنسَ بكُم لأنظُرَ ماذا أُراجِعُ رسلَ ربِّي . [وفي رواية: أنه بعد هذا حوَّل وجهه إلى الجدار وجعل يقول: اللهم أَمَرْتنا فعَصَيْنا، ونَهَيْتَنا فما انتهينا، ولا يَسَعُنا إلّا عَفْوُك. وفي رواية: أنه وضع يده على موضع الغُلِّ من عنقه، ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمَّ لا قويٌّ فأَنتصِر، ولا بريءٌ فأَعتذر، ولا مُسْتكبرٌ بل مُسْتغفر، لا إله إلّا أنت. فلم يزل يردِّدُها حتّى مات ﵁] (٨).

стр. 3779

وأما محمد بن مَسْلَمة الأَنصاري (١): فإنه أسلمَ على يدي مصعب بن عُمير قبل أُسَيد بن حُضَير وسعد بن معاذ. شهد بدرًا وما بعدها إلا تبوك، فإنه استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في قول، وقيل: استخلفه في قَرْقَرة الكُدْر (٢). وكان فيمن قتلَ كعب بن الأَشْرف اليهودي. وقيل: إنه الذي قتل مَرْحبًا اليهودي يوم خيبر أيضًا. وقد أمَّره رسول الله ﷺ على نحو من خمس عشرة سَريَّة. وكان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل وصِفِّين ونحو ذلك، واتخذ سيفًا من خشب، وقد ورد في حديث قدَّمناه أنه أمره رسول الله ﷺ بذلك، وخرج إلى الرَّبَذَة (٣). وكان من سادات الصحابة. وكان هو رسول عمر إلى عمَّاله [بسائر البلاد] (٤). وهو الذي شاطَرَهم - أي: صادرهم - عن أمر عمر له في ذلك. وله وقائع عظيمة، وصِيانة وأمانة بليغة ﵁، واستعمله عمر على صدقات جُهَيْنة. وقيل: إنه توفي سنة ست - أو سبع - وأربعين، وقيل غير ذلك، وقد جاوز السبعين، وترك بعده عشرة ذكور وست بنات. وكان أسمرَ شديد السُّمرة طويلًا أصلع، ﵁.

стр. 3780

وممن توفي فيها: عبد الله بنُ سَلَام (١): أبو يوسف الإسرائيلي، أحد أَحبار اليهود. كان حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في نخل له. قال: فلمّا قدم كنتُ فيمن انجفل إليه، فلمّا رأيتُ وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذّاب، فكان أول ما سمعته يقول: "أيُّها الناس أَفْشُوا السَّلام، وأَطْعموا الطَّعام، وصِلُوا الأَرْحام، تَدْخُلوا الجنَّةَ بسَلام" (٢). وقد ذكرنا صفة إسلامه في أول الهجرة، وماذا سأل رسولَ الله ﷺ من الأسئلة النافعة الحسنة. وهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة (٣)، فيقطع له بها. ثم دخلت سنة أربع وأربعين فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومعه المسلمون، وشتوا هنالك. وفيها غزا بُسْر بن أبي أَرْطاة في البحر. وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وذلك أنه ظهر فيها الفساد بسبب لينِه؛ فإنه كان ليِّن العَريكة سهلًا كريمًا، وكان لا يأخذ على أيدي السُّفهاء، ولا يقطع لصًّا، ويريد أن يتألف الناس. [قال ابن جرير (٤): شكا عبد الله بن عامر إلى زياد فساد الناس، فقال: جرِّد فيهم السَّيف. فقال ابن عامر: إني أكرهُ أن أُصلحهم بفساد نفسي. قال: فذهب عبد الله بن الكوّاء إلى معاوية فشكا ابنَ عامر،

стр. 3781

فاستعمل (١) طُفَيل بن عوف اليَشْكري على خراسان، وكان طُفيل هذا عدوَّ ابن الكوّاء. فلما بلغ ابنَ الكوّاء ذلك قال: إنَّ ابن دَجَاجة لقليل العلم فيَّ (٢)، أظَنَّ أن ولاية طُفيل خراسان تسوءُني؟! لوددتُ أنه لم يبق في الأرض يشكريٌّ إلّا عاداني وإنه ولّاهم] (٣). فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة، وبعث إليها الحارث بن عبد الله الأزدي. ويقال: إنَّ معاوية استدعاه إليه ليزوره، فقدم ابن عامر على معاوية دمشق، فأكرمَه وردَّه إلى عمله، فلما ودَّعه قال له معاوية: ثلاث أسألُكهنَّ فقل: هنَّ لك [قال ابن عامر: هن لك] (٤) وأنا ابن أمِّ حكيم. فقال معاوية: تردّ عليَّ عملي ولا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت. قال معاوية: وتهب لي مالك بعَرَفة، قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دُورَك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: وصلتكَ رَحِم. قال ابن عامر: يا أمير المؤمنين وإني سائلُكَ ثلاثًا فقل: هنَّ لك [فقال: هنَّ لك] (٥) وأنا ابن هند. قال: تردّ عليَّ مالي بعرفة، قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملًا ولا أميرًا، قال: قد فعلت. قال: وتُنْكحني ابنتَك هندًا، قال: قد فعلت. ويقال: إن معاوية خيَّره بين هذه الثلاث وبين الولاية على البصرة، فاختار هذه الثلاث، وانعزل عن البصرة. قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أَبيه بن سميَّة بأبيه أبي سفيان. وذلك أن رجلًا [من عبد القيس] (٧) شهد على إقرار أبي سفيان أنه عاهَرَ بسُمَيَّةَ أمِّ زياد في الجاهليّة، وأنها حملتْ بزياد هذا منه، فلما استلحقه به قيل له: زياد بن أبي سفيان. وقد كان الحسن البَصْري ينكر هذا الاستلحاق ويقول: قال رسول الله ﷺ : "الولدُ للفِراش، وللعاهِرِ الحَجَر" (٨).

стр. 3782

وقال أحمد (١): [حدثنا هُشيم] (٢) حدثنا خالد، عن أبي عثمان قال: لما ادُّعي زياد لقيتُ أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟! إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت أذني رسول الله ﷺ يقول: "من ادَّعى أبًا في الإسلام غيرَ أبيهِ - وهو يعلمُ أنَّه غيرُ أبيه - فالجنَّةُ عليه حَرَام" فقال أبو بكرة: وأنا سمعتُه من رسول الله ﷺ . أخرجاه (٣) من حديث أبي عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة اسمُه نُفَيْع، واسم أمه سُميَّة أيضًا. وحج بالناس في هذه السَّنة معاوية. وفيها عمل معاوية المقصورةَ [بالجامع] (٤) بالشام، ومروان مثلَها بالمدينة. وفي هذه السنة توفيت: أمُّ حَبِيبَة (٥): بنت أبي سفيان، أخت معاوية، وأمُّ المؤمنين، واسمها رَمْلة. أسلمت قديمًا، وهاجرت هي وزوجها عُبَيد الله بن جحش (٦) إلى أرض الحبشة، فتنصَّر هناك زوجها ومات بالحبشة، وثبتت هي على دينها ﵂. وبنتُها حَبيبة هي أكبر أولادها من عُبيد الله بن جحش، ولدتها بالحبشة، وقيل: بمكة قبل الهجرة. ولما تأيَّمت من زوجها بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضَّمْري إلى النَّجاشي فتزوَّجها منه، وولي

стр. 3783

العقد خالد بن سعيد بن العاص، وأصدَقَها عنه النجاشي أربعمئة دينار، وحملها إلى رسول الله ﷺ في سنة سبع (١). ولما جاء أبوها عام الفتح ليشدَّ العقد [الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ] (٢) دخل عليها فثَنَتْ عنه فراش رسول الله ﷺ فقال: والله يا بنيَّة ما أدري أرغبتِ بهذا الفراش عنِّي أم بي عنه؟! فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك، فقال لها: والله يا بنيَّة لقد لقيتِ بعدي شرًّا (٣). وقد كانت هي من سادات النساء وأمهات المؤمنين، ومن العابدات الورعات. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهَيل (٤)، عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أمُّ حَبيبة عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضَّرائر. فقلت: يغفرُ اللهُ لي ولكِ ما كان من ذلك كلِّه وتجاوزت عنه وحاللتك، فقالت: سَرَرْتيني سرَّكِ الله. وأرسلت إلى أمِّ سلمة، فقالت لها مثل ذلك (٥). ثم دخلت سنة خمس وأربعين فيها ولَّى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الأزدي، ثم عزله عنها بعد أربعة أشهر، وولَّى زيادًا [فقدم زياد] (٦) الكوفة وعليها المغيرة بن شعبة، فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظنَّ المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة، فبعث إليه وائل بن حُجْر ليعلم خبره، فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء، فجاء البريد من معاوية إلى زياد بأن يسير إلى البصرة واليًا عليها، واستعمله على خراسان وسِجِسْتان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأولى، فقام في أول خطبة خطبها - وقد وجد الفسق ظاهرًا بالبصرة -[فقال فيها: أيها الناس! كأنكم لم تَسْمعوا ما أعدَّ الله من الثواب لأهل الطّاعة، والعذاب لأهل المعصية، أتكونون كمَنْ طَرَقَتْ عينَه الدنيا، وسَدَّتْ مسامعَه الشهوات فاختار الفانية على الباقية … ] (٧).

стр. 3784

ثم ما زال يُقيم أمر السُّلطان ويجرِّد السيف حتى خافه الناسُ خوفًا عظيمًا، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، واستعانَ على عمله بجماعة من الصَّحابة، وولَّى عمران بن حُصين القضاء بالبصرة، وولى الحكم بن عَمرو نيابة خُراسان، وولَّى سَمُرَة بن جُنْدب وعبد الرحمن بن سَمُرة وأنس بن مالك. وكان زياد حازم الرأي، ذا هيبة، داهية، وكان مفوَّهًا فصيحًا بليغًا. قال الشعبي: ما سمعت متكلِّمًا قطُّ تكلَّم فأحسن إلَّا أحببتُ أن يسكت خوفًا من أن يُسيء إلّا زيادًا، فإنه كان كلَّما أكثر كان أجودَ كلامًا. وقد كانت له وَجَاهة عند عمر بن الخطاب ﵁. وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمرو الغِفَاري - نائب زياد على خراسان - جبل الأَشَلّ (١) عن أمر زياد له في ذلك، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وغَنِمَ أموالًا جمَّة، فكتب إليه زياد: إنَّ أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يُصطفى له كلُّ صفراء وبيضاء - يعني الذهب والفضَّة - من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو الغِفَاري: إنَّ كتاب الله مقدَّم على كتاب أمير المؤمنين، وإنه - والله - لو كانت السماوات والأرض على عبد (٢) فاتَّقى الله لجعل له مَخْرجًا. ثم نادى في الناس: أن اغدُوا على قسم غنيمتكم، فقسمَها بينهم وخالف زيادًا فيما كتب إليه عن معاوية، وعزل الخُمس كما أمر الله ورسولُه. ثم قال الحكم: اللهمَّ إنْ كان لي عندك خيرٌ فاقبِضْني، فمات بمرو من خراسان ﵀. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم، وكان أميرًا على المدينة [وكانت الولاة والعمال هم الذين كانوا في السنة الماضية] (٣). وفي هذه السنة توفي: زيد بن ثابت الأنصاري (٤): أحد كُتّاب الوحي، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السِّيرة، وهو

стр. 3785

الذي كتب هذا المصحف الإمام الذي بالشام عن أمر عثمان له في ذلك، وهو خط جيِّد قويٌّ جدًّا فيما رأيتُه. وقد كان زيد بن ثابت من أشدِّ الناس ذكاءً، تعلَّم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يومًا. [قال أبو الحسن بن البراء: تعلَّمَ الفارسيَّة من رسول كسرى في ثمانية عشر يومًا] (١) وتعلَّمَ الحبشيَّة والروميَّة والقبطيَّة من خدّام رسول الله ﷺ . قال الواقدي: وأول مشاهده الخندقُ وهو ابن خمس عشرة سنة. وفي الحديث الذي رواه أحمد والنَّسائي (٢): "وأعلَمُهُمْ بالفَرائِضِ زيدُ بنُ ثابت". وقد استعمله عمر بن الخطاب ﵁ على القضاء. وقال مسروق: كان زيد بنُ ثابت من الراسخين في العلم (٣). وقال محمد بن عمرو (٤)، عن أبي سلَمة، عن ابن عباس: أنه أَخَذَ لزيد بن ثابت بالرِّكَاب، فقال له: تنحَّ يا بنَ عمِّ رسول الله، فقال: لا، هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا (٥). وقال الأعمش: عن ثابت بن (٦) عُبيد قال: كان زيد بن ثابت من أَفكه الناس في بيته، ومن أَزْمَتِه (٧) إذا خرج إلى الرِّجال. وقال محمد بن سيرين: خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة، فوجد الناس راجعين منها، فتوارى منهم وقال: مَنْ لا يَسْتحيي من الناس لا يَسْتحيي مِنَ الله (٨).
следующие страницы →