← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

فاستعمل (١) طُفَيل بن عوف اليَشْكري على خراسان، وكان طُفيل هذا عدوَّ ابن الكوّاء. فلما بلغ ابنَ الكوّاء ذلك قال: إنَّ ابن دَجَاجة لقليل العلم فيَّ (٢)، أظَنَّ أن ولاية طُفيل خراسان تسوءُني؟! لوددتُ أنه لم يبق في الأرض يشكريٌّ إلّا عاداني وإنه ولّاهم] (٣). فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة، وبعث إليها الحارث بن عبد الله الأزدي. ويقال: إنَّ معاوية استدعاه إليه ليزوره، فقدم ابن عامر على معاوية دمشق، فأكرمَه وردَّه إلى عمله، فلما ودَّعه قال له معاوية: ثلاث أسألُكهنَّ فقل: هنَّ لك [قال ابن عامر: هن لك] (٤) وأنا ابن أمِّ حكيم. فقال معاوية: تردّ عليَّ عملي ولا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت. قال معاوية: وتهب لي مالك بعَرَفة، قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دُورَك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: وصلتكَ رَحِم. قال ابن عامر: يا أمير المؤمنين وإني سائلُكَ ثلاثًا فقل: هنَّ لك [فقال: هنَّ لك] (٥) وأنا ابن هند. قال: تردّ عليَّ مالي بعرفة، قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملًا ولا أميرًا، قال: قد فعلت. قال: وتُنْكحني ابنتَك هندًا، قال: قد فعلت. ويقال: إن معاوية خيَّره بين هذه الثلاث وبين الولاية على البصرة، فاختار هذه الثلاث، وانعزل عن البصرة. قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أَبيه بن سميَّة بأبيه أبي سفيان. وذلك أن رجلًا [من عبد القيس] (٧) شهد على إقرار أبي سفيان أنه عاهَرَ بسُمَيَّةَ أمِّ زياد في الجاهليّة، وأنها حملتْ بزياد هذا منه، فلما استلحقه به قيل له: زياد بن أبي سفيان. وقد كان الحسن البَصْري ينكر هذا الاستلحاق ويقول: قال رسول الله ﷺ : "الولدُ للفِراش، وللعاهِرِ الحَجَر" (٨).

стр. 3782

وقال أحمد (١): [حدثنا هُشيم] (٢) حدثنا خالد، عن أبي عثمان قال: لما ادُّعي زياد لقيتُ أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟! إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت أذني رسول الله ﷺ يقول: "من ادَّعى أبًا في الإسلام غيرَ أبيهِ - وهو يعلمُ أنَّه غيرُ أبيه - فالجنَّةُ عليه حَرَام" فقال أبو بكرة: وأنا سمعتُه من رسول الله ﷺ . أخرجاه (٣) من حديث أبي عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة اسمُه نُفَيْع، واسم أمه سُميَّة أيضًا. وحج بالناس في هذه السَّنة معاوية. وفيها عمل معاوية المقصورةَ [بالجامع] (٤) بالشام، ومروان مثلَها بالمدينة. وفي هذه السنة توفيت: أمُّ حَبِيبَة (٥): بنت أبي سفيان، أخت معاوية، وأمُّ المؤمنين، واسمها رَمْلة. أسلمت قديمًا، وهاجرت هي وزوجها عُبَيد الله بن جحش (٦) إلى أرض الحبشة، فتنصَّر هناك زوجها ومات بالحبشة، وثبتت هي على دينها ﵂. وبنتُها حَبيبة هي أكبر أولادها من عُبيد الله بن جحش، ولدتها بالحبشة، وقيل: بمكة قبل الهجرة. ولما تأيَّمت من زوجها بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضَّمْري إلى النَّجاشي فتزوَّجها منه، وولي

стр. 3783

العقد خالد بن سعيد بن العاص، وأصدَقَها عنه النجاشي أربعمئة دينار، وحملها إلى رسول الله ﷺ في سنة سبع (١). ولما جاء أبوها عام الفتح ليشدَّ العقد [الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ] (٢) دخل عليها فثَنَتْ عنه فراش رسول الله ﷺ فقال: والله يا بنيَّة ما أدري أرغبتِ بهذا الفراش عنِّي أم بي عنه؟! فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك، فقال لها: والله يا بنيَّة لقد لقيتِ بعدي شرًّا (٣). وقد كانت هي من سادات النساء وأمهات المؤمنين، ومن العابدات الورعات. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهَيل (٤)، عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أمُّ حَبيبة عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضَّرائر. فقلت: يغفرُ اللهُ لي ولكِ ما كان من ذلك كلِّه وتجاوزت عنه وحاللتك، فقالت: سَرَرْتيني سرَّكِ الله. وأرسلت إلى أمِّ سلمة، فقالت لها مثل ذلك (٥). ثم دخلت سنة خمس وأربعين فيها ولَّى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الأزدي، ثم عزله عنها بعد أربعة أشهر، وولَّى زيادًا [فقدم زياد] (٦) الكوفة وعليها المغيرة بن شعبة، فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظنَّ المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة، فبعث إليه وائل بن حُجْر ليعلم خبره، فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء، فجاء البريد من معاوية إلى زياد بأن يسير إلى البصرة واليًا عليها، واستعمله على خراسان وسِجِسْتان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأولى، فقام في أول خطبة خطبها - وقد وجد الفسق ظاهرًا بالبصرة -[فقال فيها: أيها الناس! كأنكم لم تَسْمعوا ما أعدَّ الله من الثواب لأهل الطّاعة، والعذاب لأهل المعصية، أتكونون كمَنْ طَرَقَتْ عينَه الدنيا، وسَدَّتْ مسامعَه الشهوات فاختار الفانية على الباقية … ] (٧).

стр. 3784

ثم ما زال يُقيم أمر السُّلطان ويجرِّد السيف حتى خافه الناسُ خوفًا عظيمًا، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، واستعانَ على عمله بجماعة من الصَّحابة، وولَّى عمران بن حُصين القضاء بالبصرة، وولى الحكم بن عَمرو نيابة خُراسان، وولَّى سَمُرَة بن جُنْدب وعبد الرحمن بن سَمُرة وأنس بن مالك. وكان زياد حازم الرأي، ذا هيبة، داهية، وكان مفوَّهًا فصيحًا بليغًا. قال الشعبي: ما سمعت متكلِّمًا قطُّ تكلَّم فأحسن إلَّا أحببتُ أن يسكت خوفًا من أن يُسيء إلّا زيادًا، فإنه كان كلَّما أكثر كان أجودَ كلامًا. وقد كانت له وَجَاهة عند عمر بن الخطاب ﵁. وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمرو الغِفَاري - نائب زياد على خراسان - جبل الأَشَلّ (١) عن أمر زياد له في ذلك، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وغَنِمَ أموالًا جمَّة، فكتب إليه زياد: إنَّ أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يُصطفى له كلُّ صفراء وبيضاء - يعني الذهب والفضَّة - من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو الغِفَاري: إنَّ كتاب الله مقدَّم على كتاب أمير المؤمنين، وإنه - والله - لو كانت السماوات والأرض على عبد (٢) فاتَّقى الله لجعل له مَخْرجًا. ثم نادى في الناس: أن اغدُوا على قسم غنيمتكم، فقسمَها بينهم وخالف زيادًا فيما كتب إليه عن معاوية، وعزل الخُمس كما أمر الله ورسولُه. ثم قال الحكم: اللهمَّ إنْ كان لي عندك خيرٌ فاقبِضْني، فمات بمرو من خراسان ﵀. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم، وكان أميرًا على المدينة [وكانت الولاة والعمال هم الذين كانوا في السنة الماضية] (٣). وفي هذه السنة توفي: زيد بن ثابت الأنصاري (٤): أحد كُتّاب الوحي، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السِّيرة، وهو

стр. 3785

الذي كتب هذا المصحف الإمام الذي بالشام عن أمر عثمان له في ذلك، وهو خط جيِّد قويٌّ جدًّا فيما رأيتُه. وقد كان زيد بن ثابت من أشدِّ الناس ذكاءً، تعلَّم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يومًا. [قال أبو الحسن بن البراء: تعلَّمَ الفارسيَّة من رسول كسرى في ثمانية عشر يومًا] (١) وتعلَّمَ الحبشيَّة والروميَّة والقبطيَّة من خدّام رسول الله ﷺ . قال الواقدي: وأول مشاهده الخندقُ وهو ابن خمس عشرة سنة. وفي الحديث الذي رواه أحمد والنَّسائي (٢): "وأعلَمُهُمْ بالفَرائِضِ زيدُ بنُ ثابت". وقد استعمله عمر بن الخطاب ﵁ على القضاء. وقال مسروق: كان زيد بنُ ثابت من الراسخين في العلم (٣). وقال محمد بن عمرو (٤)، عن أبي سلَمة، عن ابن عباس: أنه أَخَذَ لزيد بن ثابت بالرِّكَاب، فقال له: تنحَّ يا بنَ عمِّ رسول الله، فقال: لا، هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا (٥). وقال الأعمش: عن ثابت بن (٦) عُبيد قال: كان زيد بن ثابت من أَفكه الناس في بيته، ومن أَزْمَتِه (٧) إذا خرج إلى الرِّجال. وقال محمد بن سيرين: خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة، فوجد الناس راجعين منها، فتوارى منهم وقال: مَنْ لا يَسْتحيي من الناس لا يَسْتحيي مِنَ الله (٨).

стр. 3786

مات في هذه السنة وقيل: في سنة خمس وخمسين، والصحيح الأول، وقد قارب الستِّين، وصلَّى عليه مروان بن الحكم. وقال ابن عباس: لقد مات اليوم علمٌ كثير (١). وقال أبو هريرة: مات حَبْرُ هذه الأمَّة (٢). وفيها مات: سَلَمة بن سَلامَة (٣): ابن وَقْش (٤) عن سبعين سنة. وقد شهد بدرًا وما بعدَها. ولا عَقِبَ له. وعاصِمُ بن عَدِيّ (٥): وقد استخلفه رسول الله ﷺ حين خرج إلى بدر على قُباء وأهلِ العالية، وشهد أُحدًا وما بعدها، وتوفي عن خمس عشرة (٦) ومئة سنة. وقد بعثه رسول الله ﷺ هو ومالك بن الدُّخْشُم إلى مسجد الضِّرَار فحرَّقاه (٧).

стр. 3787

وفيها توفيت: حَفْصَة بنتُ عمر (١): ابن الخطاب، أمُّ المؤمنين، وكانت قبلَ رسول الله ﷺ تحت خُنَيْس (٢) بن حُذافة السَّهمي، وهاجرتْ معه إلى المدينة، فتوفي عنها بعد بدر، فلما انقضتْ عدَّتُها عرضها أبوها على عثمان بعد موت زوجته رُقَيَّة بنت رسول الله ﷺ فأبى أن يتزوَّجها، فعرضها على أبي بكر، فلم يردَّ عليه شيئًا، ثم عن قريب خطبها رسول الله ﷺ فتزوَّجها، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك، فقال له أبو بكر: [ما منعني أن أردَّ عليك إلّا أن رسول الله ﷺ كان قد ذكرها] (٣) ولو تركها لتزوَّجْتُها (٤). وقد روينا في الحديث: "أن رسول الله ﷺ طلَّق حَفْصَة ثم راجعها" (٥). وفي رواية: "أن جبريل أمره بمراجعتها وقال: إنها صَوَّامة قَوّامة، وهي زوجتُكَ في الجنَّة" (٦). وقد أجمع الجمهور على أنَّها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستّين سنة، وقيل: إنها توفيتْ أيام عثمان، والأول أصح، والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وأربعين فيها شتا المسلمون ببلاد الرُّوم لأجل الجهاد مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: كان أميرهم غيره، فالله أعلم. [وحج بالناس فيها عُتْبة بن أبي سفيان أخو معاوية، والعمال على البلاد هم المتقدم ذكرهم] (٧).

стр. 3788

وممن توفي في هذه السنة: سالم بن عمير (١): أحد البَكّائين المذكورين في القرآن (٢). شهد بدرًا وما بعدَها من المشاهد كلها. سراقة بن كعب (٣): شهد بدرًا وما بعدها. عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٤): القرشي المخزومي. وكان من الشُّجعان المعروفين، والأبطال المشهورين كأبيه. وكان قد عظم [أمره، وعلا قدره] (٥) ببلاد الشام كذلك حتى خاف منه معاوية. ومات وهو مسمومٌ، ﵀ وأكرم مثواه. قال ابن مَنْدة وأبو نعيم الأصبهاني: أدرك النبي ﷺ . وقد روى ابن عساكر من طريق أبي عمر: أن (٦) عمرو بن قيس روى عنه عن النبي ﷺ في الحِجَامة بين الكتفَيْن. قال البخاري (٧): وهو منقطع. - يعني مرسلًا -. وقال الزبير بن بَكّار (٨): كان عظيم القدر في أهل الشام، شهد صفِّين مع معاوية. وكان كعبُ بن جُعَيل مدَّاحًا له ولأخويه مُهاجر وعبد الله. وقال ابن سُميع: كان يَلي الصَّوائف زمن معاوية، وقد حفظ عن معاوية.

стр. 3789

وقد ذكر ابن جرير (١) وغيره: أنَّ رجلًا يقال له ابن أُثَال - وكان رئيس الذِّمَّة بأرض حمص - سقاه شَربةً فيها سمٌّ فمات. وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك، ولا يصح، والله أعلم. وقد رثاه بعضهم (٢) فقال: أَبُوكَ الذي قادَ الجيوشَ مُغَرِّبًا … إلى الرُّوم لمَّا أعطَتِ الخَرْجَ فارِسُ وكمْ مِنْ فَتىً نَبَّهْتَهُ بعدَ هَجْعَةٍ … بقَرْع لجام وهو أَكتَعُ ناعِسُ وما يَسْتَوي الصَّفّانِ صَفٌّ لخالدٍ … وصَفٌّ علَيهِ من دِمَشْقَ البَرانِسُ وقد ذكروا أن خالد بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة، فقال له عروة بن الزُّبير: ما فعل ابن أُثال؟ فسكت خالد بن عبد الرحمن، ثم رجع إلى حمص فثار على ابن أُثال، فقتلَه، [فحبسه معاوية ثم أطلقه، ثم قدم المدينة، فقال له عروة: ما فعل ابن أُثال] (٣)؟ فقال: قد كفيتُك إيّاه، ولكن ما فعل ابنُ جرموز؟ فسكت عروة. وفيها توفي محمد بن مَسْلمة في قول، وقد قدَّمنا وفاته. هَرِم بن حَيّان (٤) العَبْدي (٥): كان أحد عمّال عمر بن الخطّاب، ولقي أُويسًا القَرَني، وكان من عقلاء الناس وعلمائهم وعبّادهم. ويقال: إنه لما دُفن جاءتْ سحابة فروَّتْ قبره، ونبتَ العشبُ عليه من وقته، والله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين فيها شتا المسلمون ببلاد الروم [لأجل الجهاد] (٦).

стр. 3790

وفيها عزل معاويةُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص عن مصر، وولَّى عليها معاوية بن حُدَيج (١). وحج بالناس عتبة - وقيل: أخوه عَنْبسة - بن أبي سفيان، فالله أعلم. وممن توفي فيها: قيسُ بنُ عاصِم المِنْقَري (٢): كان من سادات الناس في الجاهليّة والإسلام، وكان ممَّن حرَّم الخمر في الجاهليَّة، وذلك أنه سكر يومًا فعبثَ بذات مَحْرَم منه فهربت منه، فلمّا أصبح قيل له في ذلك، فحرَّمها وقال في ذلك: رأيتُ الخمرَ مَنْقَصَةً وفيها … مَقَابحُ تَفْضَحُ الرجُلَ الكَريما فلا واللهِ أَشْرَبُها حَيَاتي … ولا أَشْفي بها أبدًا سَقيما (٣) وكان إسلامه مع وفد بني تميم (٤). وفي بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ قال: "هذا سَيِّدُ أهلِ الوَبَر" (٥). وكان جوادًا ممدَّحًا كريمًا. وهو الذي يقول فيه الشاعر (٦) يوم مات: وما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ … ولكنَّهُ بُنْيانُ قومٍ تَهَدَّما [وقيل: إنما قال هذا البيت الخنساء في أخيها صخر] (٧). وقال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل للأحنف بن قيس: ممَّن تعلمتَ الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المِنْقَري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يُختلف إلى الفقهاء في الفقه، فبينا نحن عنده يومًا، وهو قاعد بِفنائه، محتبٍ بكسائه أتته جماعةٌ فيهم مقتول ومكتوف - المقتول ابنُه، والمكتوف ابنُ أخيه - فقالوا: هذا ابنُك قتلَه ابنُ أخيك، قال: فوالله ما حلَّ

стр. 3791

حَبْوَته حتى فرغ من كلامه، ثم التفتَ إلى ابن له في المجلس (١) فقال: أَطلِقْ عن ابن عمِّك، ووارِ أخاك، واحمل إلى أمِّه مئة من الإبل فإنها غريبة. [ثم نظر إلى ابن أخيه فقال له: لقد نقصتَ عددَك، وقطعتَ رحمَك، وعصَيتَ ربَّك، وأطعتَ شيطانك] (٢). ويقال: إنه لمّا حضرته الوفاةُ جلس حولَه بنوه - وكانوا اثنين وثلاثين ذكرًا - فقال لهم: يا بَنيَّ سَوِّدُوا عليكم أكبرَكم تخلفوا أباكم، ولا تُسَوِّدوا أصغركم فيزدري بكم أكفاؤكم. وعليكم بالمال واصْطِناعه فإنه نعمَ ما يهبه (٣) الكريم، ويُستغنى به عن اللئيم. وإيّاكم ومسألةَ الناس فإنها من أخَسِّ مكسَبة الرجل. ولا تَنُوحوا عليَّ، فإن رسول الله ﷺ لم يُنَح عليه. ولا تَدْفنوني حيث يشعر بكرُ بن وائل فإني كنتُ أُعاديهم في الجاهليّة (٤). وفيه يقول الشاعر (٥): عليكَ سَلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصِم … ورحمتُهُ ما شاءَ أنْ يَتَرحَّما تحيَّةَ مَنْ أوليتَهُ منكَ مِنَّةً … إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما (٦) فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ … ولكنَّهُ بُنْيانُ قومٍ تَهَدَّما ثم دخلت سنة ثمان وأربعين فيها شتا أبو عبد الرحمن القَيْني (٧) بالمسلمين ببلاد أنطاكية [لأجل الجهاد] (٨). وفيها غزا عُقبة بن عامر بأهل مصر البحر. وفيها حجَّ بالناس مروان بن الحكم نائبُ المدينة.

стр. 3792

ثم دخلت سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قُسْطنطينيَّة، وكان معه جماعة من سادات الصحابة منهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأبو أيوب الأنصاري. وقد ثبت في "صحيح البخاري" (١) أن رسول الله ﷺ قال: "أَوَّلُ جيشٍ [مِنْ أُمتي] يغزونَ مدينةَ قَيْصَر مغفورٌ لهم" فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. وبها (٢) توفي أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، ولم يَمُتْ في هذه الغزوة، بل بعدها في سنة بضع وخمسين كما سيأتي. وفيها عزل معاويةُ مروانَ عن المدينة، وولَّى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف. وفيها شتا مالك بن هُبيرة الفَزَاري بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فَضالة بن عُبيد، وشتا هنالك، ففتح البلد، وغنم شيئًا كثيرًا [من الرقيق وغيره] (٣). وفيها كانت صائفة عبد الله بن كُرْز البَجَلي. وفيها وقع الطاعون بالكوفة، فخرج منها المغيرة بن شُعبة فارًّا، فلمّا ارتفع الطاعون رجع إليها، فأصابه الطاعون فمات. والصحيح أنه مات سنة خمسين كما سيأتي. [وفيها عزل معاويةُ مروانَ بن الحكم عن المدينة في شهر ربيع الأول منها، وولَّى عليها سعيد بن العاص في شهر ربيع الآخر، فكانت ولاية مروان على المدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين، وكان قاضي مروان على المدينة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فلمّا ولي سعيد عزله عن القضاء، واستقضى أبا سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف] (٤). وفيها جمع معاويةُ بين ولاية الكوفة والبصرة لزياد، فكان أول مَنْ جُمع له بينهما، فكان يُقيم في هذه ستة أشهر، وفي هذه ستة أشهر، وكان إذا سار من البصرة استخلف عليها سَمُرَة بن جُنْدب.

стр. 3793

وحجَّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان: الحسنُ بنُ عليِّ بن أبي طالب (١): أبو محمد القرشيُّ الهاشميُّ، سِبطُ رسول الله ﷺ ابن ابنته فاطمة الزَّهراء، ورَيْحانتُه، وأشبهُ خلق الله به في وجهه. ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنَّكه رسول الله بريقه، وسمَّاه حسنًا. وهو أكبر ولد أبويه. وقد كان رسول الله ﷺ يحبُّه حبًّا شديدًا حتى كان يقبِّل زُبيبة (٢) وهو صغير، وربما مصَّ لسانه واعتنقه وداعبه. وربما جاء ورسولُ الله ﷺ ساجدٌ في الصلاة، فيركب على ظهره، فيقرّه على ذلك ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر. وقد ثبت في الحديث أنه ﵇ بينما هو يخطُب إذ رأى الحسن والحسين مقبلَين، فنزل إليهما، فاحتضنهما وصعِد بهما معه إلى المنبر وقال: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] إني رأيتُ ابنيَّ هذَين يمشِيَانِ ويَعْثُرانِ فلَم أَملِكْ أَنْ نزلتُ إليهما" (٣). ثم قال: "إنَّكم لَمِنْ روحِ الله، وإنَّكم لتُبَخِّلون وتُجَبِّنون" (٤). وقد ثبت في "صحيح البخاري" (٥) عن أبي عاصم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن

стр. 3794

أبي مُلَيكة، عن عُقبة بن الحارث أن أبا بكر صلَّى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ ثم خرج هو وعليٌّ يمشِيان، فرأى الحسن يلعبُ مع الغِلْمان، فاحتملَه على عُنُقه وجعل يقول: بأَبي شِبهُ النَّبي … ليسَ شَبيهًا بعَلي قال: وعليٌّ يضحَك. وروى سفيان الثَّوري وغير واحد قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمعت أبا جُحَيفة يقول: "رأيت رسول الله ﷺ وكان الحسنُ بنُ علي يُشْبِهُه". ورواه البخاري ومسلم (١) من حديث إسماعيل بن أبي خالد. قال وكيع: ولم يسمع إسماعيل من أبي جُحَيْفة إلا هذا الحديث. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو داود الطَّيالسي، حدثنا زَمْعَة، عن ابن أبي مُليكة قال: كانت فاطمة تُنقِّز الحسن بن علي وتقول: بأَبي شِبهُ النَّبي … ليسَ شَبيهًا بعَلي وقال عبد الرزاق (٣) وغيره: عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن أنس قال: "كان الحسنُ بنُ عليٍّ أشبَهَهُم وَجْهًا برسول الله ﷺ ". ورواه أحمد (٤) عن عبد الرزاق بنحوه. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا حجّاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: "الحسنُ أَشبَهُ [الناس] برسول الله ﷺ ما بينَ الصَّدرِ إلى الرَّأس، والحسينُ أَشبَهُ الناسِ برسول الله ما كانَ أسفلَ مِنْ ذلك". ورواه الترمذي (٦) من حديث إسرائيل، وقال: حسن غريب. وقال أبو داود الطيالسي (٧): حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: "كان الحسنُ أشبَهَ الناسِ برسول الله مِنْ وَجْههِ إلى سُرَّته، وكان الحسينُ أشبَهَ الناسِ به ما أسفلَ منْ ذلك".

стр. 3795

وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير: أن الحسنَ بن علي كان يُشبِهُ النبي ﷺ . وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عارِم بن الفَضْل (٢)، حدثنا مُعتمر، عن أبيه قال: سمعت أبا تَمِيمة يحدِّث عن أبي عثمان النَّهْدي ويحدِّث أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: "كان النبي ﷺ يأخُذُني فيُقعدني على فَخذِهِ ويُقعد الحسنَ على فَخذِهِ الأُخرى ثم يَضُمُّنا ثم يقول: اللهمَّ ارْحَمْهما فإنِّي أَرْحَمهما". وكذا رواه البخاري (٣) عن المسندي (٤)، عن محمد بن الفضل أخي (٥) عارم به. وعن علي بن المَديني، عن يحيى القطّان، عن سليمان التَّيمي، عن أبي تَمِيمة، عن أبي عثمان، عن أسامة. [وأخرجه أيضًا (٦) عن موسى بن إسماعيل ومسدَّد، عن معتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة] (٧) فلم يذكر أبا تَمِيمة، والله أعلم. وفي رواية: "اللهمَّ إنِّي أُحِبُّهُما فأَحِبَّهُما" (٨). وقال شُعبة: عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ والحسنُ بن علي على عاتقه وهو يقول: "اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّه". أخرجاه (٩) من حديث شعبة. ورواه علي بن الجَعْد، عن فُضيل بن مَرْزوق، عن عدي، عن البراء، فزاد "وأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّه". وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أحمد (١٠): حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جُبير بن مُطعم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال للحسن بن علي: "اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّه فأَحِبَّه وأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّه". ورواه مسلم (١١) عن أحمد، وأخرجاه من حديث أبي هريرة. وقال أحمد (١٢): حدثنا أبو النَّضر، حدثنا وَرْقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جُبَير [عن أبي هريرة قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سوق من أسواق المدينة، فانصرفَ وانصرفتُ معه، فجاء إلى فِناء

стр. 3796

فاطمة، فقال: أَيْ لُكَع (١)، أَيْ لُكَع، أَيْ لُكَع، فلم يُجِبْهُ أحد، فانصرفَ وانصرفتُ معه إلى فناء عائشة، فقعَد، قال: فجاء الحسنُ بن علي - قال أبو هريرة: ظننّا أنَّ أُمَّه حَبَسَتْه لتجعلَ في عُنُقه السَّخَاب (٢) - فلما دخل التَزَمه رسولُ الله والتزم هو رسولَ الله. ثم قال: "اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه [فأحِبَّه] وأحِبَّ مَنْ يُحِبُّه" ثلاث مرات. وأخرجاه (٣) من حديث سفيان بن عُيينة، عن عُبَيد الله به. وقال أحمد (٤): حدثنا حمّاد الخيّاط، حدثنا هشام بن سعد، عن نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ إلى سوق بني قَيْنُقاع مُتّكئًا على يدي، فطاف فيها ثم رجع، فاحتَبى في المسجد وقال: "أينَ لَكَاع؟ ادعُوا لي لَكَاعًا". فجاء الحسن فاشتَدَّ حتى وثَبَ في حَبْوَته، فأدخلَ فمَه في فمِه ثم قال: "اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه فأَحِبَّه، وأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّه" ثلاثًا. قال أبو هريرة: ما رأيت الحسن إلّا فاضت عيني - أو قال: دمعت عيني، أو بكَت. وهذا على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقد رواه الثَّوري، عن نُعيم، عن محمد بن سِيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثلَه أو نحوه. ورواه معاوية بن أبي مزرِّد (٥)، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه وفيه زيادة. وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي نحوًا من هذا. ورواه عثمان بن أبي الكنات (٦)، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة بنحوه وفيه زيادة. وقال سفيان الثَّوري وغيره، عن سالم بن أبي حَفْصة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة] (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ الحسنَ والحسينَ فقد أَحَبَّني، ومَنْ أَبْغَضَهُما فقد أَبْغَضَني". غريب من هذا الوجه (٨).

стр. 3797

وقال أحمد (١): حدثنا ابن نُمير، حدثنا الحجاج - يعني ابن دينار - عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثُمُ هذا مرَّةَ، وهذا مرَّةً حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسولَ اللهِ إنَّكَ لتُحِبُّهما، فقال: "مَنْ أَحَبَّهُما فقد أَحَبَّني، ومَنْ أَبْغَضَهُما فقد أَبْغَضَني". تفرد به أحمد. وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي، فجاء الحسن والحسين، فجعلا يَثِبَانِ على ظَهره إذا سجد، فأراد الناس زَجْرَهما، فلمّا سلَّم قال للناس: "هذانِ ابنايَ، مَنْ أَحَبَّهُما فقد أَحَبَّني". ورواه النَّسائي من حديث عُبيد (٢) الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن عاصم به. وقد ورد عن عائشة وأمِّ سلَمة أُمَّي المؤمنين أن رسول الله ﷺ اشتمل على الحسن والحسين وأُمِّهما وأبيهما فقال: "اللَّهُمَّ هؤُلاءِ أهلُ بَيْتي فأَذهِبْ عنهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهيرًا" (٣). وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، حدثنا شريك، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظرَ إلى سيِّد شباب أهل الجنَّة فلينظرْ إلى الحسن بن علي". وقد رواه وكيع، عن الرّبيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، فذكر مثله. وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه (٤). وجاء من حديث علي وأبي سعيد وبُريدة [وحُذيفة] (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "الحسنُ والحسينُ سَيِّدا شَبابِ أهلِ الجنَّة" (٦) ومن طريق "وأبوهما خيرٌ منهما" (٧). وقال أبو القاسم البَغَوي: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، حدثني عبد الله بن

стр. 3798

عثمان بن خُثَيم (١)، عن سعيد بن [أبي] راشد، عن يَعْلى بن مُرَّة قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله ﷺ فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده تحت رقبته ثم ضمَّه إلى إبطه، ثم جاء الآخر، فجعل يده الأخرى في رقبته ثم ضمَّه إلى صدره، ثم قبَّل هذا، ثم قبَّل هذا، ثم قال: "اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهما فأَحِبَّهما"، ثم قال: "أيُّها الناس! إنَّ الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَة" (٢). وقد رواه عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن ابن خُثيم، عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أخذ حسنًا فقبَّله، ثم أقبل عليهم فقال: "إنَّ الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَة" (٣). وقال ابن خُزيمة: حدّثنا عبدة بن عبد الله الخُزاعي، حدّثنا زيد بن الحُباب ح وقال أبو يَعْلى: حدّثنا أبو خَيْثمة، حدّثنا زيد بن الحُباب، حدّثني حسين بن واقد، حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يخطُب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يَعْثُران ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ إليهما، فأخذهما فوضعهما في حَجْره على المنبر وقال: صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيتُ هذينِ الصَّبِيَّينِ فلم أَصْبِر". ثم أخذ في خُطبته. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (٤) من حديث الحسين بن واقد به. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديثه. وقد رواه محمد الضَّمري، عن زيد بن أرقم، فذكر القصة للحسن وحده. وفي حديث عبد الله بن شدّاد، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ صلَّى بهم إحدى صلاتي العشي، فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلمّا سلَّم قال الناس له في ذلك، فقال: "إنَّ ابني هذا - يعني الحسن - ارتَحَلَني فكرهتُ أنْ أُعْجِلَهُ حتى يقضيَ حاجَتَه" (٥). وقال الثوري (٦): عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع، فقلت: نعمَ الجَمَلُ جَمَلُكما، فقال: "ونعمَ العِدْلان هُما".

стр. 3799

إسناده على شرط مسلم ولم يخرجوه (١). وقال أبو يَعْلى: حدّثنا أبو هاشم، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا زَمْعَة بن صالح، عن سلَمة بن وَهْرام، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ وهو حامل الحسن على عاتقه، فقال له رجل يا غلام! نعمَ المركبُ ركِبْتَ، فقال رسول الله ﷺ : ونعمَ الراكبُ هو" (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا تَلِيد بن سليمان، حدّثنا أبو الجَحَّاف (٤)، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله ﷺ إلى علي وحسن وحسين وفاطمة، فقال: "أنا حَرْبٌ لمنْ حارَبْتُم، وسِلْمٌ لمنْ سالَمْتُم". وقد رواه النسائي من حديث أبي نُعيم، وابنُ ماجه (٥) من حديث وكيع، كلاهما عن سفيان الثَّوري، عن أبي الجحّاف داود بن أبي عوف - قال وكيع: وكان مرضيًّا (٦) - عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال عن الحسن والحسين: "مَنْ أحَبَّهُما فَقَدْ أَحَبَّني، ومَنْ أَبْغَضَهُما فَقَدْ أَبْغَضَني". وقد رواه أَسْباط عن السُّدِّي، عن صُبَيح مولى أمِّ سلَمة، عن زيد بن أرقم فذكره. وقال بقيّة: عن بَحِير (٧) بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن المِقْدام بن مَعْدي كرِب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسنُ منِّي، والحسينُ مِنْ عليّ". فيه نكارةٌ لفظًا ومعنى (٨). وقال أحمد (٩): حدّثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون (١٠)، عن عُمير بن إسحاق قال: كنت مع

стр. 3800

الحسن بن علي، فلقيَنا أبو هريرة فقال: أرني أُقبِّل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل، فقال بقميصه (١)، قال: فقبَّل سُرَّتَه. تفرد به أحمد. ثم رواه عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن ابن عون. وقال أحمد (٢): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا حَرِيز (٣)، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، عن معاوية قال: رأيت رسول الله ﷺ يمصُّ لسانَه - أو قال: شَفَتَه، يعني الحسن بن علي - وإنَّه لنْ يُعَذَّبَ لسانٌ أو شفتانِ مَصَّهُما رسول الله ﷺ . تفرد به أحمد. وقد ثبت في "الصحيح" عن أبي بكرة (٤)، وروى أحمد عن جابر (٥) بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ ابني هذا سيِّد، ولعل اللهَ أَنْ يُصْلحَ بهِ بينَ فِئَتينِ عَظيمتَيْنِ منَ المُسْلمين". وقد تقدم هذا الحديث في "دلائل النبوة" وتقدم قريبًا عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة. ووقع ذلك كما أخبر ﷺ (٦). وقد كان الصدِّيق يجلُّه ويعظِّمه ويكرمه ويحبُّه ويتفدّاه. وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي، عن أبيه: أن عمر لما عمل الدِّيوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف. وكذلك كان عثمان بن عفّان يكرم الحسن والحسين ويحبُّهما. وقد كان الحسن بن علي يوم الدار - وعثمان بن عفّان محصور - عنده ومعه السيف متقلِّدًا به يحاجف عن عثمان، فخشي عثمان عليه، فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبًا لقلب علي، وخوفًا عليه، ﵃. وكان علي يكرم الحسن إكرامًا زائدًا ويعظِّمه ويبجِّلُه. وقد قال له يومًا: يا بني ألا تخطُب حتى

стр. 3801

أسمعك؟ فقال: إني أَستحيي أن أخطُب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيبًا وعليٌّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة، فلما انصرف جعل علي يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤]. وقد كان ابن عباس يأخذ الرِّكاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من نعم الله عليه. وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطِمونهما مما يزدحمون عليهما، ﵄ وأرضاهما. وكان ابن الزبير يقول: واللهِ ما قامت النساءُ عن مثل الحسن بن علي. وقال غيره: كان الحسن إذا صلَّى الغداة في مسجد رسول الله ﷺ يجلس في مصلّاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه مَنْ يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلِّم عليهنّ، وربما أتحفنَه، ثم ينصرف إلى منزله. ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانةً لدماء المسلمين كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمئة ألف درهم، وراتبُه في كل سنة مئة ألف. فانقطع سنةً عن معاوية، وجاء وقت الجائزة، واحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس وأسخاهم - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعثَ بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله ﷺ في المنام، فقال له: يا بُني! أتكتبُ إلى مخلوق بحاجتك؟! وعلَّمه دعاءً يدعو به، فترك الحسن ما كان همَّ به من كتابة، فذكَره معاوية وافتقده وقال: ابعثوا إليه بجائزته وزيدوا مئة ألف أخرى، فلعلَّ له ضرورة في تركه القدوم علينا. فحُملت إليه من غير سؤال. [قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: الحسن بن علي مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في "تاريخه"] (١). قالوا: وقاسَمَ الحسنُ اللهَ مالَه ثلاث مرات، وخرج من ماله مرَّتين. وحجَّ خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا وإن الجنائبَ لتُقَاد بين يديه. روى ذلك البَيْهقي من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمير عن ابن عباس، وقاله علي بن زيد بن جُدْعان (٢). وقد علَّق البخاري في "صحيحه" أنه حجَّ ماشيًا والجنائبُ تُقاد بين يديه. وروى داود بن رُشيد، عن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: حجَّ الحسنُ بن علي ماشيًا ونجائبُه تُقاد إلى جَنْبه. وقال العباس بن الفضل: عن القاسم، عن محمد بن علي قال: قال الحسن بن علي: إني لأَستحيي من ربِّي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته، فمشى عشرين مرَّة من المدينة على رجليه.

стр. 3802

قالوا: وكان يقرأ في بعض خُطَبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كلَّ ليلة سورة الكهف قبل أن يام، يقرؤها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرؤها بعدما يدخل في الفِراش قبل أن ينام، ﵁. وقد كان من الكرم على جانب عظيم "قال محمد بن سِيرين: ربَّما أجاز الحسن بن علي الرجل الواحد بمئة ألف. وقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن بن علي إلى جانبه رجلًا يدعو الله أن يُملكَه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث إليه بها. وذكروا أن الحسن رأى غلامًا أسود يأكل من رغيف لقمةً ويطعم كلبًا هناك لقمة، فقال له: يا غلام! ما حملك على هذا؟ فقال الغلام: إني أُستحي منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيِّده، فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملَّكه الحائط. فقال الغلام: يا مولاي إنِّي قد وهبت الحائط للذي وهبتَني له. قالوا: وكان كثير التزوّج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مِطْلاقًا مِصْداقًا، يقال: إنه أحصن سبعين امرأة [وقيل: سبعمئة، وقيل: ألف امرأة، وربما كان يعقِد العَقد على أربعة في المجلس، ويفارق أربعة] (١). وذكروا أنه طلَّق امرأتين في يوم، واحدة من بني أسَد، وأخرى فَزاريَّة، وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف وبزِقَاقٍ (٢) من عسل، وقال للغلام: اسمع ما تقول كلُّ واحدة منهما. فأما الفَزاريَّة فقالت: جزاه الله خيرًا، ودعت له. وأما الأسديَّة فقالت: مَتَاعٌ قليلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفارقِ فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الأسديَّة، وترك الفَزاريَّة (٣). وقد كان علي يقول لأهل الكوفة: لا تزوِّجوه فإنه مِطْلاق، فيقولون: والله - يا أمير المؤمنين - لو خطب إلينا كل يوم لنُزوِّجنَّه ما أراد محبةً في صهر رسول الله ﷺ . وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفَزاري - وقيل: هند بنت سهيل - فوق إجّار (٤)، فعَمَدَت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خَلْخالها، فلمّا استيقظ ورأى ذلك قال: ما حملك على هذا؟ فقالت:

стр. 3803

خشِيتُ أن تقوم من وَسَن النوم فتسقط فأكون أشأمَ سَخْلة على العرب. فأعجبَه ذلك منها، واستمرَّ بها سبعة أيام بعد ذلك [وأجازها بجائزة] (١). وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن علي، فاستعان به في حاجه، فوجده معتكفًا، فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن، فاستعان به، فقضى حاجته وقال: لَقضاءُ حاجة أخٍ لي في الله أحبُّ إليَّ من اعتكاف شهر. وقال هُشيم: عن منصور، عن ابن سِيرين قال: كان الحسن بن علي لا يدعو إلى طعامه أحدًا، يقول: إنَّ الطعام اْهونُ من أن يُدعى إليه أحد [مَنْ أراد أن يأكلَ فليأكلْ لا مِنَّةَ لنا فيه على أحد] (٢). وقال أبو جعفر: قال علي: يا أهل الكوفة لا تزوِّجوا الحسن بن علي فإنه مِطْلاق، فقال رجل من هَمْدان: والله لنُزَوِّجنَّه، فما رضيَ أمسك، وما كره طلَّق. وقال أبو بكر الخرائطي في كتاب "مكارم الأخلاق": حدّثنا إبراهيم بن الجُنيد (٣)، حدّثنا القَوَاريري، حدّثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد بن سِيرين قال: تزوَّج الحسن بن علي امرأة، فبعث إليها بمئة جارية مع كلِّ جارية ألف درهم. وقال عبد الرزاق: عن الثَّوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن الحسن بن سعد، عن أبيه قال: متَّع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألفًا وزِقَاق من عسل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفيَّة: مَتَاعٌ قليلٌ مِنْ حَبِيب مُفارق وقال الواقدي (٤): حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: كان الحسن بن علي مِطْلاقًا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبُّه. وقال جُوَيْريَةُ بن أسماء: لما مات الحسن بكى عليه مروان بن الحكم في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنتَ تجرِّعه ما تجرِّعه؟! فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلَم من هذا، وأشار إلى الجبل (٥).

стр. 3804

وقال محمد بن سعد (١): أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأَسَدي، عن ابن عون، عن عُمير (٢) بن إسحاق قال: ما تكلَّم عندي أحدٌ كان أحبَّ إلي إذا تكلَّم ألَّا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قطُّ إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة، فقال الحسن: ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه، فهذه أشدُّ كلمة فحش سمعتُها منه قطّ. قال محمد بن سعد (٣): وأخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا مسافر الجصاص، عن رُزَيْق (٤) بن سَوّار قال: كان بين الحسن وبين مروان خصومة، فجعل مروان يُغلِظ للحسن، وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمتَ أن اليُمنى للوجه والشمال للفَرْج؟ أُفٍّ لك! فسكت مروان. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرِّد: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذَر (٥) يقول: إن الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، والسُّقم أحب إلي من الصَّحة. فقال: رحم الله أبا ذر، أمّا أنا فأقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَّ أن يكون في غير الحالة التي اختار اللهُ له. وهذا حدُّ الوقوف على الرِّضى بما تصرَّف (٦) به القضاء. وقال أبو بكر محمد بن كَيْسان الأَصَمّ: قال الحسن بن علي ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخٍ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظَّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجًا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجًا من سلطان فَرْجه فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجًا من سلطان جهله فلا يمدُّ يدًا إلا على ثقة المنفعة، [ولا يخطو خطوة إلا لحسَنَة] (٧) وكان لا يسخط ولا يتبرَّم، وكان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرصَ منه على أن يتكلَّم، وكان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على الصَّمت، كان أكثر دهره صامتًا فإذا قال بذَّ (٨) القائلين، كان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مِرَاءٍ، ولا يُدلي بحُجَّة حتى يرى قاضيًا يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول تفضُّلًا وتكرُّمًا، كان لا يغفل عن إخوانه ولا يستخصُّ بشيء دونهم، كان لا يلوم (٩) أحدًا فيما يقع العُذر بمثله، كان إذا ابتداه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحقِّ نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.

стр. 3805

رواه ابن عساكر (١) والخطيب. وقال أبو الفرج المُعافى بن زكريا الجَرِيري: حدثنا بدر بن الهيثم الحَضْرمي، حدثنا علي بن المنذر الطَّرِيقي (٢)، حدّثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدّثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تُسْتَر - حدّثنا شعبة بن الحجّاج الواسطي، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن الحارث الأعور أن عليًا سأل ابنه - يعني الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بُنيَّ ما السَّداد؟ قال: يا أبةِ! السَّدادُ دفعُ المنكر بالمعروف. قال: فما الشَّرف؟ قال: اصطِناع العَشيرة، وحملُ الجَريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العَفاف، وإصلاحُ المرء ماله (٣). قال: فما الدنية (٤)؟ قال: النَّظرُ في اليَسير، ومنعُ الحَقير. قال: فما اللؤم؟ قال: إحرازُ المرء نفسه، وبذلُه عِرْسه. قال: فما السَّماحة؟ قال: البذلُ في العُسْر واليُسْر. قال: فما الشُّحّ؟ قال: أن ترى ما في يديك شَرَفًا، وما أنفقتَه تَلَفًا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشِّدة والرَّخاء. قال: فما الجُبْن؟ قال: الجرأة على الصَّديق، والنُّكول عن العدو. قال: فما الغَنيمة؟ قال: الرَّغبة في التقوى، والزَّهادة في الدنيا [هي الغنيمة الباردة] (٥). قال: فما الحِلْم؟ قال: كَظْم الغَيْظ، ومَلْكُ النفس. قال: فما الغِنى؟ قال: رضى النفس بما قسمَ اللهُ لها وإن قَلَّ [فإنما الغنى غنى النفس] (٦). قال: فما الفقر؟ قال: شَرَهُ النفس في كل شيء. قال: فما المَنَعَة؟ قال: شدَّة البأس، ومُقارعة أشدِّ الناس. قال: فما الذُّل؟ قال: الفَزَع عند المصدُوقية.

стр. 3806

[قال: فما الجُرأة؟ قال: موافقة الأقران] (١). قال: فما الكُلْفة؟ قال: كلامُك فيما لا يَعْنيك. قال: فما المجد؟ قال: أن تُعطيَ في الغُرم، وأن تعفوَ عن الجُرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظُ القلب كلَّ ما استرعَيْتَه. قال: فما الخُرْق (٢)؟ قال: معاداتُك لإمامك، ورفعُك عليه كلامَك. قال: فما السَّناء؟ قال: إتيانُ الجميل، وتَرْك القبيح. قال: فما الحَزم؟ قال: طول الأَنَاة، والرِّفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظنِّ، هو الحزم. قال: فما الشَّرف؟ قال: مُوافقة الإخوان، وحِفظ الجيران. قال: فما السَّفَه؟ قال: اتِّباع الدُّناة، ومُصاحبة الغُواة. قال: فما الغَفْلة؟ قال: تركُك المسجد، وطاعتُك المُفسد. قال: فما الحِرْمان؟ قال: تركُك حظَّك وقد عُرض عليك. قال: فمن السيِّد؟ قال: الأحمقُ في المال، المتهاون بعِرْضه يُشتم فلا يُجيب، المُتحزِّن (٣) بأمر العَشيرة، هو السيِّد. قال: ثم قال علي: يا بُنيَّ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا فَقْرَ أشدّ من الجَهْل، ولا مالَ أفضل من العَقْل، ولا وحدةَ أوحش من العُجْب، ولا مُظاهرة (٤) أوثق من المُشاورة، ولا عقلَ كالتَّدبير، ولا حَسَب كحُسن الخُلُق، ولا وَرَعَ كالكفِّ، ولا عبادةَ كالتَّفكُّر، ولا إيمانَ كالحَياء، ورأسُ الإيمان الصَّبر، وآفةُ الحديث الكذب، وآفةُ العلم النِّسيان، وآفةُ الحِلْم السَّفَه، وآفةُ العبادة الفَتْرة (٥)، وآفةُ الظُّرف الصَّلَف، وآفةُ الشَّجاعة البَغْي، وآفةُ السَّماحة المَنّ، وآفةُ الجَمال الخُيَلاء، وآفةُ الحَسَب (٦) الفخر". ثم قال علي: يا بُنيَّ لا تستخفنَّ برجل تراه أبدًا، فإن كان أكبر منك فعُدَّهُ أباك، وإن كان مثلك فعدَّهُ أخاك، وإن كان أصغر منك فعُدَّه ابنَك.

стр. 3807

قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدَّب نفسه بالعمل عليه، وهذَّبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدتُه بالوقوف عنده. وفيما رواه أمير المؤمنين في أضعافه عن النبي ﷺ ما لا غِنىً لكل لبيب عليم عن حفظه وتأمُّله، والمسعودُ من هُدي لتلقِّيه، والمجدود (١) من وُفِّق لامتثاله وتقبّله (٢). قلت: ولكن إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدلُّ ما في بعضها من النَّكارة على أنه ليس بمحفوظ، والله أعلم. وقد ذكر الأصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أنَّ معاوية سأل الحسن بن علي عن أشياء تُشبه هذا، فأجابه بنحو ما تقدَّم لكن هذا السِّياق أطول بكثير، فالله أعلم. وقال علي بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن علي مكتوبًا (٣): قَدِّمْ لنفسِكَ ما استطعتَ من التُّقى … إنَّ المنيَّة نازل (٤) بكَ يا فَتَى أصبحتَ ذا فَرَحٍ كأنَّكَ لا ترى … أحبابَ قلبِكَ في المقابر والبِلَى وقال الإمام أحمد: حدّثنا مطَّلب بن زياد أبو محمد، حدّثنا محمد بن أَبَان قال: قال الحسنُ بن علي لبنيه وبني أخيه (٥): "تعلَّموا، فإنكم صغارُ قومٍ اليوم، كبارُهم غدًا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب". رواه البيهقي، عن الحاكم [عن الأصم] (٦) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. [وفي رواية: "إنكم إنْ تكونوا صِغَارَ قوم، فعسى أن تكونوا كبارَ قومٍ آخرين"] (٧). وقال محمد بن سعد: حدّثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: حدّثنا زهير بن معاوية، حدّثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن بن علي: إن هذه الشِّيعة تزعم أن عليًا مبعوث [قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله، ما هؤلاء بالشِّيعة، لو علمنا أَنَّه مبعوث] (٨) ما زوَّجنا نساءَه، ولا اقتسمنا مالَه.

стр. 3808

وقال عبد الله بن أحمد: حدّثنا أبو علي سُوَيد الطّحان، حدّثنا علي بن عاصم، أخبرنا أبو رَيْحانة، عن سَفِينَة، عن النبي ﷺ قال: "الخِلافةُ منْ بعدي ثلاثونَ سَنَة" (١). فقال رجل كان حاضرًا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستَّة شهور في خلافة معاوية. فقال: من ها هنا أُتيت، تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفًا أو اثنان وأربعون ألفًا. وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: بايع الحسنَ سبعون (٢) ألفًا، فزهِدَ في الخلافة وصالح معاوية، ولم يُسفك في أيامه محجمةٌ من دم (٣). وقال ابن أبي خَيْثمة: حدّثنا أبي، حدّثنا وَهْب بن جرير قال: قال أبي: لما قُتل علي بايع أهل الكوفة الحسنَ بن علي، وأطاعوه، وأحبُّوه أشدَّ من حبِّهم لأبيه (٤). وقال ابن أبي خَيْثمة: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضَمْرة، عن ابن شَوْذَب قال: لما قُتل علي سار الحسن في أهل العراق، وسار معاوية في أهل الشام، فالتقَوا، فكره الحسنُ القتال وبايع معاويةَ على أن جعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين! قال: فكان يقول لهم: العار خيرٌ من النار (٥). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا العباس بن هشام (٦)، عن أبيه قال: لما قُتل علي بايع الناسُ الحسنَ بن علي، فوليها سبعةَ أشهر وأحدَ عشرَ يومًا. وقال غير عباس: بايع الحسنَ أهلُ الكوفة، وبايع أهلُ الشام معاويةَ بإيلِيَاء (٧) بعد قتل علي، وبُويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين [ثم لقي الحسنُ معاويةَ بمَسْكِن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين] (٨) فاصطلحا، وبايع الحسنُ معاوية.

стр. 3809

وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين. وقد تكلَّمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم. وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ الحسنُ ما في بيت مال الكوفة، فوفَّى له معاوية بذلك، فأخذه فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل: سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خَراج البصرة - وقيل: دَارَابْجِرْد (١) - له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخَراج إليه، فعوَّضه معاوية عن ذلك بستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ماله في كل عام في وِفادته من الجوائز والتُّحف والهدايا إلى أن توفي في هذا العام. وقال محمد بن سعد (٢): عن هَوْذة بن خليفة، عن عوف، عن محمد بن سِيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة وبايعه الحسن بن علي قال أصحاب معاوية لمعاوية: مُرِ الحسنَ بن علي أن يخطُب بذلك فإنه حديث السِّن عَيِيّ، فلعلَّه يتلعثم فيتَّضع في قلوب الناس. فأمره معاوية، فخطب فقال في خطبته: أيُّها الناس! لو ابتغيتم بين جابَلْق وجابَرْس (٣) رجلًا جدُّه نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية، ورأينا أنَّ حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، والله ما أَدري لعلَّه فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين. وأشار إلى معاوية، فغضب من ذلك وقال: ما أردتَ من هذه؟ قال: أردتُ منها ما أراد الله منها. فصَعِد معاوية وخطب بعده. وقد رواه غير واحد (٤)، وقدَّمنا أن معاوية عتَب على أصحابه [لما خطب الحسن بذلك] (٥). وقال محمد بن سعد (٦): حدثنا أبو داود الطَّيالسي، حدثنا شعبة، عن يزيد بن خُمير قال: سمعت [عبد الرحمن بن] (٧) جُبير بن نُفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة. فقال: كانت جماجمُ العرب بيدي، يسالمون من سالمتُ ويحاربون من حاربت، فتركتُها ابتغاء وجه الله، ثم أُثيرها ثانيًا بين أهل الحجاز (٨)!

стр. 3810

وقال محمد بن سعد (١): أخبرنا علي بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أَسْلم قال: دخل رجل على الحسن بن علي وهو بالمدينة وفي يده صحيفةٌ، فقال: ما هذه الصحيفة؟ فقال: من (٢) معاوية يَعِدُ فيها ويتوعَّد، فقال الرجل: قد كنتَ على النّصف منه؟ قال: أجل، ولكن خشِيتُ أن يجيء يومَ القيامة سبعون ألفًا أو ثمانون ألفًا أو أكثر أو أقل كلُّهم تَنْضَح أَوْداجُهم (٣) دمًا، كلُّهم يَستعدي اللهَ فيمَ هُريق دمُه (٤)؟. وقال الأصمعي: عن سلّام بن مِسْكين، عن عمران بن عبد الله قال: رأى الحسنُ بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ففرح بذلك، فبلغ ذلك سعيد بن المسيِّب فقال: إنْ كان رأى هذه الرؤيا فقلَّ ما بقي من أجَلِه. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلّا أيامًا حتى مات (٥). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح العَتَكي ومحمد بن عثمان العِجْلي قالا: حدّثنا أبو أسامة، عن ابن عَوْن، عن عُمير بن إسحاق قال: دخلتُ أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي، فقام فدخل المَخْرَج ثم خرج فقال: لقد لفظتُ طائفة من كبدي أقلِّبها بهذا العود، ولقد سُقِيتُ السُّم مرارًا وما سُقيت مرة أشدَّ من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سَلْني قبل ألَّا تسألني، فقال: ما أسألك شيئًا، يعافيك الله. قال: فخرجنا من عنده، ثم عدنا إليه من الغد وقد أخذ في السَّوْق (٦)، فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي! مَنْ صاحبك؟ قال: تريد قتلَه؟ قال: نعم، قال: لئن كان صاحبي الذي أظنُّ للهُ أشدُّ نقمة وعقوبة - وفي رواية: للهُ أشدُّ بأسًا وأشدُّ تنكيلًا - وإن لم يكن هو ما أحبُّ أن تَقتل بي بريئًا (٧). ورواه محمد بن سعد (٨)، عن ابن عُلَيَّة، عن ابن عَوْن. وقال محمد بن عمر الواقدي (٩): حدثني عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المِسْور قالت: كان الحسن قد سُقي السُّم مرارًا كل ذلك يُفلِت منه، حتى كانت المرة الأخيرة التي مات فيها، فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النَّوح شهرًا (١٠).

стр. 3811

[وقال الواقدي (١): وحدثتنا عبيدة بنت نابل (٢)، عن عائشة (٣) قالت: حَدَّ (٤) نساءُ بني هاشم على الحسن بن علي سنَة]. قال الواقدي (٥): حدّثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن بن علي كثير نكاح النساء، وقلَّ ما يحظَيْنَ عنده، وكان قلَّ امرأة تزوَّجها إلا أحبَّتْه وضنَّت (٦) به، فيقال: إنه كان سُقي سُمًّا، ثم أفلت، ثم سُقي ثم أفلت، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلمّا حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قد قطع السُّمُّ أمعاءَه. فقال الحسين: يا أبا محمد! أخبرني مَنْ سقاك؟ قال: ولمَ يا أخي؟ قال: أقتلُه والله قبل أن أدفنَك، أولا أقدر عليه، أو يكون بأرض أتكلَّف الشخوص إليه، فقال: يا أخي! إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله. وأبى أن يسمِّيَه له. وقد سمعت بعض مَنْ يقول: كان معاوية قد تلطَّف لبعض خدم الحسن أن يسقيَه سُمًّا. قال محمد بن سعد (٧): أخبرنا يحيى بن حمّاد (٨)، أخبرنا أبو عَوَانة، عن المُغيرة، عن أمِّ موسى، أن جَعْدة بنت الأَشعث بن قيس سقت الحسن السُّم، فاشتكى منه شكاته، قال: فكان يوضع تحته طستٌ ويرفع آخر نحوًا من أربعين يومًا. وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جَعْدة بنت الأشعث: أن سُمِّي الحسن وأنا أتزوَّجُك بعده، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إليه في ذلك، فقال: إنا والله لم نرضَكِ للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟!. وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأَولى والأَحرى [والله أعلم، ويومُ الفصل ميقاتُ الخلائق أجمعين] (٩). وقد قال كُثَيِّر عزَّة (١٠) في ذلك:

стр. 3812

يا جَعْدُ بَكِّيهِ ولا تَسْأمي … بكاءَ حقٍّ ليسَ بالباطِل لنْ تَسْتُري البيتَ على مثلِه … في الناسِ من حافٍ ولا ناعِل أَعني الذي أَسْلَمَهُ أهلُه … للزَّمنِ المُسْتخرج الماحِل كان إذا شُبَّتْ له نارُهُ … يرفَعُها بالنَّسَبِ الماثِل كيْما يراها بائِسٌ مُرْمِلٌ … أو فردُ قومٍ ليسَ بالآهِل يُغْلي بِنِيءِ اللَّحم حتَّى إذا … أنضجَ لم يُغْل على آكِل قال سفيان بن عُيَينة: عن رَقَبَة بن مَصْقَلَة قال: لما حضرت الحسنَ الوفاةُ قال: أخرجوني إلى الصَّحن حتى أنظر في ملكوت السماوات، فأخرجوا فراشه، فرفع رأسه، فنظر فقال: اللَّهمَّ إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعزُّ الأنفس علَيّ. قال: فكان مما صنع اللهُ له أن احتسب نفسه عنده. قال عبد الرحمن بن مَهْدي: لما اشتد بسفيان الثوري المرض جزِع جزعًا شديدًا، فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز فقال: ما هذا الجزع يا أبا عبد الله؟! تقدم على ربٍّ عبدتَه ستين سنة، صمتَ له، صلَّيتَ له، حججتَ له … قال: فسُرِّي عن الثوري. وقال أبو نُعيم: لما اشتدَّ بالحسن بن علي الوجع جَزِع، فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزَع؟! ما هو إلّا أن تفارقَ روحُك جسدَك فتقدم على أبويك: علي وفاطمة، وعلى جدَّيك: النبي ﷺ وخديجة، وعلى أعمامك، حمزة وجعفر، وعلى أخوالك: القاسم والطِّيب ومطهّر وإبراهيم، وعلى خالاتك: رُقيَّة وأمِّ كلثوم وزينب. قال: فسُرِّي عنه. وفي رواية: أن القائل له ذلك أخوه الحسين، وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقًا من خلق الله لم أرَ مثلهم قطّ. قال: فبكى الحسين ﵄. رواه عباس الدُّوري، عن ابن مَعِين. ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد، عن أبيه فذكر نحوه. وقال الواقدي (١): حدّثنا إبراهيم بن الفضل، عن أبي عتيق قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهدنا حسن بن عليٍّ يوم مات، فكادت الفتنةُ تقعُ بين الحسين بن علي ومروان بن الحكم، لأنَّ الحسن كان قد عهد إلى أخيه أن يُدفن مع رسول الله ﷺ فإنْ خاف أن يكون في ذلك قتال أو شرّ فليُدْفن بالبقيع،

стр. 3813

فأبى مروان أن يدعه - ومروان يومئذ معزولٌ، وإنما أراد أن يرضي معاوية بذلك - ولم يزل مروان عدوًّا لبني هاشم حتى مات. قال جابر: فكلَّمت يومئذ حسين بن علي فقلت: يا أبا عبد الله! اتَّقِ الله فإنَّ أخاك كان لا يحبُّ ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أمِّه، ففعل. ثم روى الواقدي: حدّثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن [ابن] (١) عمر قال: حضرت موت الحسن بن علي، فقلت للحسين: اتَّقِ الله، ولا تُثِرْ فتنة، ولا تَسفِك الدماء، وادفِنْ أخاك إلى جنب أمِّه، فإنه قد عَهِدَ بذلك إليك. قال: ففعل. وقد روى الواقدي عن أبي هريرة نحوًا من هذا. وفي رواية: أن الحسن بعث يستأذن عائشة في ذلك، فأَذنت له، فلمّا مات لبس الحسين السلاح، وتسلَّح بنو أمية وقالوا: لا ندعُه يُدفن مع رسول الله ﷺ أيُدفن عثمان بالبقيع ويُدفن الحسن بن علي في الحُجْرة؟! فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وجابر، وابن عمر على الحسين ألّا يقاتل، فامتثل، ودفن أخاه قريبًا من قبر أمِّه بالبقيع. وقال سفيان الثوري: عن سالم بن أبي حَفْصة، عن أبي حازم قال: رأيت الحسين بن علي قدَّم يومئذ سعيد بن العاص فصلَّى على الحسن، وقال: لولا أنها سنَّةٌ ما قدَّمته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني مُساور - مولى بني سعد بن بكر - قال: رأيت أبا هريرة قائمًا على مسجد رسول الله ﷺ يوم مات الحسنُ بن علي وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس! مات اليوم حِبُّ رسول الله ﷺ فابْكُوا (٢). وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحدًا من الزّحام، وقد بكاه الرجال والنساء سبعًا، واستمرَّ نساء بني هاشم [يَنُحْنَ عليه شهرًا، وحدَّت نساء بني هاشم] (٣) عليه سَنَة. وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا سفيان، عن جعفر (٤) بن محمد، عن أبيه قال: قُتل عليٌّ وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها الحسن، وقُتل لها الحسين. وقال شعبة: عن أبي بكر بن حفص قال: توفي سعدٌ والحسنُ بن علي في أيام بعدما مضى من إمارة معاوية عشرُ سنين.

стр. 3814

وقال [ابن] (١) عُلَيَّة: عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: توفي الحسن وهو ابن سبع وأربعين، وكذا قال غير واحد، وهو أصح. والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين كما ذكرنا. وقال آخرون: مات سنة خمسين. وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين. والله أعلم سبحانه. ثم دخلت سنة خمسين من الهجرة في هذه السنة توفي أبو موسى الأشعري في قول، والصحيح أنه مات سنة ثنتين وخمسين كما سيأتي. وفيها حج بالناس معاوية، وقيل: ابنه يزيد. وكان نائبَ المدينة سعيدُ بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسِجِسْتان وفارس والسِّند والهند زياد. وفي هذه السنة اشتكى بنو نَهْشَل على الفرزدق إلى زياد، فهرب الفرزدق منه إلى المدينة، وكان سبب ذلك أنَّ الفرزدق هجا معاويةَ وعرَّض بذكره في قصيدة له، فتطلَّبه زياد أشدَّ الطلب، ففرَّ منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، وقال في ذلك أشعارًا، ولم يزل يتردَّدُ بين مكة والمدينة حتى توفي زياد، فرجع إلى بلاده. وقد طوَّل ابن جرير (٢) قصته. وذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه الواقدي: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه: أن معاوية كان قد عزم على تحويل منبر رسول الله ﷺ من المدينة إلى دمشق، وأن يأخذ العصا [التي كان رسول الله ﷺ يُمْسكها في يده إذا خطب] (٣) فيقف معاوية على المنبر فيمسكها، حتى قال أبو هريرة وجابر بن عبد الله: يا أمير المؤمنين! نذكِّركَ الله أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصلح، ولا يحل أن يُحوَّل المنبر عن موضعه الذي وضعه رسول الله ﷺ فيه، وأن تخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية، ولكن زاد في المنبر ستَّ درجات [واعتذر إلى الناس] (٤). ثم روى الواقدي: أنَّ عبد الملك بن مروان في أيام خلافته هَمَّ بذلك وعزَم عليه، فقيل له: إن معاوية كان قد عزَم على هذا ثم تركه، وأنه لما حرّك المنبر وأراد قلعه كُسفت (٥) الشمس. فترك ذلك. ثم لما حجَّ الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضًا، فقيل له: إنَّ معاوية وأباك أرادا ذلك ثم تركاه.

стр. 3815

وكان السبب في تركه أنَّ سعيد بن المسيِّب كلَّم عمر بن عبد العزيز أن يكلِّمه في ذلك ويَعِظَه، فترك. ثم لما حجَّ سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد وأنَّ سعيد بن المسيِّب نهاه عن ذلك، فقال سليمان: ما أحبُّ أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد، وما يكون لنا أن نفعل هذا، ما لنا ولهذا، وقد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمَدَ إلى علَم من أعلام الإسلام يفدُ إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا؟! هذا ما لا يَصلُح. ﵀. وفي هذه السنة عزل معاويةُ عن مصر معاويةَ بن حُدَيج (١)، وولَّى عليه مع إفريقية مَسْلمة بن مخلّد. وفيها افتتح عُقبة بن نافع - عن أمر معاوية - بلاد إفريقية، واختطَّ القَيْروان، وكان مكانها غيضة تأوي إليها السِّباع والوحوش والحيّات العظام، فدعا الله، فلم يبقَ فيها شيء من ذلك، حتى إن السِّباع جعلت تخرج منها حاملةً أولادها، والحيّات يخرجن من أجحارهنَّ هوارب. فعند ذلك أسلم خلق كثير من البربر، فبنى في مكانها القيروان. وفيها غزا بُسْر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف أرض الروم. وفيها غزا فَضَالة بن عُبيد البحر. وفيها توفي: مِدْلاج (٢) بن عَمرو السُّلمي (٣): صحابي جليل. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ولم أر له ذكرًا في الصحابة (٤) (٥). وذكر أبو الفرح بن الجَوْزي في كتابه "المنتظم" أن في هذه السنة توفي: جُبير بن مُطْعِم، وحسان بن ثابت، والحكم بن عمرو الغِفَاري، ودِحْيَة بن خليفة الكلبي، وعَقيل بن أبي طالب، وعمرو بن أمية الضَّمري بدري، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شُعبة، وجُويرية بنت الحارث، وصفيَّة بنت حيي، وأمُّ شريك الأنصارية، ﵃ أجمعين.

стр. 3816

فأما جُبَير بنُ مُطْعِم (١) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشي النَّوْفلي، أبو محمد - وقيل: أبو عدي (٢) - المدني، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر، فلمّا سمع قراءة رسول الله ﷺ في سورة الطُّور ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] دخل في قلبه الإسلام، ثم أسلم عام خَيْبر، وقيل: زمن الفتح، والأول أصح. وكان من سادات قريش وأعلمها بالأنساب، أخذ ذلك عن الصِّدِّيق. والمشهور أنه توفي سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وأما حسان بن ثابت - شاعر الإسلام - فالصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين كما سيأتي. وأما الحَكَم بن عَمرو بن مُجَدَّع الغِفَاري (٣): أخو رافع بن عمرو الغفاري - ويقال له: الحكم بن الأَقرع - فصحابي جليل، له عند البخاري (٤) حديث واحد في النهي عن لحوم الحمر الإنسيَّة. وقد استنابه زياد بن أَبيه على غزو جبل الأَشَل (٥)، فغنم شيئًا كثيرًا من الذهب والفضَّة وغير ذلك، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يَصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضة لبيت ماله، فردَّ عليه الحكم: إنَّ كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، أولم يسمعْ لقوله ﵇: "لا طاعةَ

стр. 3817

لمَخْلوقٍ في مَعْصيَةِ الخالِق" (١). ثم نادى في الناس: أن اغدُوا على غنائمكم، وقسَّمها في الناس، ولم يترك إلّا الخُمس. فيقال: إنه حُبس إلى أن مات بمرو في هذه السَّنة، وقيل في سنة إحدى وخمسين، ﵀. وأما دِحْيَة بن خَليفة الكَلْبي (٢): فصحابي جليل، كان جميل الصُّورة، ولهذا كان جبريل يأتي كثيرًا على صورته. وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى قيصر (٣). أسلم قديمًا ولكن لم يشهد بدرًا، وشهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك، وأقام بالمزة - غربي دمشق - إلى أن مات في خلافة معاوية. وفيها توفي: عبدُ الرحمن بنُ سَمُرة (٤) بن حبيب بن ربيعة (٥) بن عبد شمس القرشي، أبو سعيد العَبْشَمي. أسلم يوم الفتح، وقيل: إنه شهد مؤتة، وغزا خراسان، وافتتح سِجِسْتان وكابُل وغيرهما. وكانت له دار بدمشق، وأقام بالبصرة، وقل: بمرو.

стр. 3818

قال محمد بن سعد (١) وغير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين - وقيل: سنة إحدى وخمسين - وصلَّى عليه زياد، وترك عدَّة من الذكور. وكان اسمه في الجاهلية عبد كُلال، وقيل: عبد كلوب، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. وكان أحد السَّفيرين بين معاوية والحسن. [وقد قال له رسول الله ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرة، لا تَسْأَلِ الإمَارة، فإنَّكَ إنْ أُعْطيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها" (٢). وفيها توفي: عثمان بن أبي العاص الثقفي (٣): أبو عبد الله الطائفي. له ولأخيه الحكَم صحبة. قدم على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فاستعملَه رسول الله ﷺ على الطائف، وأقرَّه عليها أبو بكر وعمر، فكان إمامهم وأميرهم مدَّة طويلة حتى مات سنة خمسين - وقيل سنة إحدى وخمسين ﵁. وأما عَقِيل بن أبي طالب (٤): أخو عليّ. وكان أكبرَ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أكبر من

стр. 3819

علي بعشر سنين، كما أن طالبًا أكبر من عَقيل بعشر سنين، وكلُّهم أسلم إلّا طالبًا. أسلم عَقيل قبل الحُدَيبية، وشهد مُؤتة، وكان من أنسب قريش، وكان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم بمكَّة، ومات في خلافة معاوية. وأما عَمرو بن أميَّة الضَّمْري (١): فصحابي جليل. أسلم بعد أُحد، وأول مشاهده بئر مَعُونة. وكان ساعي رسول الله ﷺ إلى النَّجاشي في تزويج أمِّ حبيبة، وأن يأتي بمَنْ بقي من المسلمين هناك. وله أفعال حسنة وآثار محمودة ﵁. توفي في خلافة معاوية. وفيها كانت وفاة: عَمرو بن الحَمِق بن الكاهن الخُزاعي (٢): أسلم قبل الفتح وهاجر، وقيل: إنما أسلم عام حجَّة الوداع (٣). وقد ورد في حديث "أن رسول الله ﷺ دعا له أن يُمْتِعَه اللهُ بشَبابه، فعاش ثمانين سنة لا يُرى في لحيته شعرةٌ بيضاء" (٤). ومع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شِيعة علي، فشهد معه الجمل وصفِّين. وكان من جملة الذين قاموا مع حُجْر بن عدي، فتطلَّبه زياد، فهرب منه إلى المَوْصل، فبعث معاوية

стр. 3820

إلى نائبها، فطلبوه فوجدوه قد اختفى في غار، فنهشَتْه حيَّة فمات، فقُطع رأسه، فبُعث به إلى معاوية، فطِيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشَّريد - وكانت في سجن معاوية - فأُلقي في حِجْرها، فوضعت كفَّها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيَّبْتُموه عنِّي طويلًا، ثم أهديتُموه إليَّ قتيلًا، فأهلًا بها من هديَّة غير قالية ولا مقليَّة (١). وأما كعبُ بن مالك (٢): السَّلَمي الأنصاري، شاعر الإسلام، فإنه أسلم قديمًا، وشهد العَقَبة، ولم يشهد بدرًا كما ثبت في "الصحيحين" في سياق توبة الله عليه، فإنه كان أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم لمّا تخلَّفوا عن غزوة تبوك كما تقدم ذلك مفصَّلًا [في التفسير، وكما تقدم في غزوة تبوك] (٣). وغلِط ابن الكلبي في قوله: إنه شهد بدرًا، وفي قوله: توفي قبل الأربعين، فإن الواقدي - وهو أعلم - قال: توفي سنة خمسين. وقال الهيثم (٤) بن عدي: سنة إحدى وخمسين (٥). المُغيرة بنُ شُعبة (٦) بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى [ويقال: أبو محمد] (٧) ويقال:
следующие страницы →