← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فأما جُبَير بنُ مُطْعِم (١) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشي النَّوْفلي، أبو محمد - وقيل: أبو عدي (٢) - المدني، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر، فلمّا سمع قراءة رسول الله ﷺ في سورة الطُّور ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] دخل في قلبه الإسلام، ثم أسلم عام خَيْبر، وقيل: زمن الفتح، والأول أصح. وكان من سادات قريش وأعلمها بالأنساب، أخذ ذلك عن الصِّدِّيق. والمشهور أنه توفي سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وأما حسان بن ثابت - شاعر الإسلام - فالصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين كما سيأتي. وأما الحَكَم بن عَمرو بن مُجَدَّع الغِفَاري (٣): أخو رافع بن عمرو الغفاري - ويقال له: الحكم بن الأَقرع - فصحابي جليل، له عند البخاري (٤) حديث واحد في النهي عن لحوم الحمر الإنسيَّة. وقد استنابه زياد بن أَبيه على غزو جبل الأَشَل (٥)، فغنم شيئًا كثيرًا من الذهب والفضَّة وغير ذلك، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يَصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضة لبيت ماله، فردَّ عليه الحكم: إنَّ كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، أولم يسمعْ لقوله ﵇: "لا طاعةَ

стр. 3817

لمَخْلوقٍ في مَعْصيَةِ الخالِق" (١). ثم نادى في الناس: أن اغدُوا على غنائمكم، وقسَّمها في الناس، ولم يترك إلّا الخُمس. فيقال: إنه حُبس إلى أن مات بمرو في هذه السَّنة، وقيل في سنة إحدى وخمسين، ﵀. وأما دِحْيَة بن خَليفة الكَلْبي (٢): فصحابي جليل، كان جميل الصُّورة، ولهذا كان جبريل يأتي كثيرًا على صورته. وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى قيصر (٣). أسلم قديمًا ولكن لم يشهد بدرًا، وشهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك، وأقام بالمزة - غربي دمشق - إلى أن مات في خلافة معاوية. وفيها توفي: عبدُ الرحمن بنُ سَمُرة (٤) بن حبيب بن ربيعة (٥) بن عبد شمس القرشي، أبو سعيد العَبْشَمي. أسلم يوم الفتح، وقيل: إنه شهد مؤتة، وغزا خراسان، وافتتح سِجِسْتان وكابُل وغيرهما. وكانت له دار بدمشق، وأقام بالبصرة، وقل: بمرو.

стр. 3818

قال محمد بن سعد (١) وغير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين - وقيل: سنة إحدى وخمسين - وصلَّى عليه زياد، وترك عدَّة من الذكور. وكان اسمه في الجاهلية عبد كُلال، وقيل: عبد كلوب، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. وكان أحد السَّفيرين بين معاوية والحسن. [وقد قال له رسول الله ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ بنَ سَمُرة، لا تَسْأَلِ الإمَارة، فإنَّكَ إنْ أُعْطيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها" (٢). وفيها توفي: عثمان بن أبي العاص الثقفي (٣): أبو عبد الله الطائفي. له ولأخيه الحكَم صحبة. قدم على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فاستعملَه رسول الله ﷺ على الطائف، وأقرَّه عليها أبو بكر وعمر، فكان إمامهم وأميرهم مدَّة طويلة حتى مات سنة خمسين - وقيل سنة إحدى وخمسين ﵁. وأما عَقِيل بن أبي طالب (٤): أخو عليّ. وكان أكبرَ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أكبر من

стр. 3819

علي بعشر سنين، كما أن طالبًا أكبر من عَقيل بعشر سنين، وكلُّهم أسلم إلّا طالبًا. أسلم عَقيل قبل الحُدَيبية، وشهد مُؤتة، وكان من أنسب قريش، وكان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم بمكَّة، ومات في خلافة معاوية. وأما عَمرو بن أميَّة الضَّمْري (١): فصحابي جليل. أسلم بعد أُحد، وأول مشاهده بئر مَعُونة. وكان ساعي رسول الله ﷺ إلى النَّجاشي في تزويج أمِّ حبيبة، وأن يأتي بمَنْ بقي من المسلمين هناك. وله أفعال حسنة وآثار محمودة ﵁. توفي في خلافة معاوية. وفيها كانت وفاة: عَمرو بن الحَمِق بن الكاهن الخُزاعي (٢): أسلم قبل الفتح وهاجر، وقيل: إنما أسلم عام حجَّة الوداع (٣). وقد ورد في حديث "أن رسول الله ﷺ دعا له أن يُمْتِعَه اللهُ بشَبابه، فعاش ثمانين سنة لا يُرى في لحيته شعرةٌ بيضاء" (٤). ومع هذا كان أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شِيعة علي، فشهد معه الجمل وصفِّين. وكان من جملة الذين قاموا مع حُجْر بن عدي، فتطلَّبه زياد، فهرب منه إلى المَوْصل، فبعث معاوية

стр. 3820

إلى نائبها، فطلبوه فوجدوه قد اختفى في غار، فنهشَتْه حيَّة فمات، فقُطع رأسه، فبُعث به إلى معاوية، فطِيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشَّريد - وكانت في سجن معاوية - فأُلقي في حِجْرها، فوضعت كفَّها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيَّبْتُموه عنِّي طويلًا، ثم أهديتُموه إليَّ قتيلًا، فأهلًا بها من هديَّة غير قالية ولا مقليَّة (١). وأما كعبُ بن مالك (٢): السَّلَمي الأنصاري، شاعر الإسلام، فإنه أسلم قديمًا، وشهد العَقَبة، ولم يشهد بدرًا كما ثبت في "الصحيحين" في سياق توبة الله عليه، فإنه كان أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم لمّا تخلَّفوا عن غزوة تبوك كما تقدم ذلك مفصَّلًا [في التفسير، وكما تقدم في غزوة تبوك] (٣). وغلِط ابن الكلبي في قوله: إنه شهد بدرًا، وفي قوله: توفي قبل الأربعين، فإن الواقدي - وهو أعلم - قال: توفي سنة خمسين. وقال الهيثم (٤) بن عدي: سنة إحدى وخمسين (٥). المُغيرة بنُ شُعبة (٦) بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى [ويقال: أبو محمد] (٧) ويقال:

стр. 3821

أبو عبد الله الثَّقفي. [وعروة بن مسعود الثقفي] (١) عمُّ أبيه. كان المغيرة من دهاة العرب وذوي آرائها. أسلم عام الخندق بعد ما قَتل ثلاثة عشر رجلًا من ثَقيف مرجعَهم من عند المُقَوْقِس (٢)، وآخذ أموالهم، فغُرم دياتهم عُروة بن مسعود. وشهد الحُديبية، وكان واقفًا يوم الصُّلح على رأس رسول الله ﷺ بالسيف صَلْتًا. وبعثه رسول الله ﷺ بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب، فهدما اللَّات، وقد قدَّمنا كيفية ذلك. وبعثه الصدِّيق إلى البحرين، وشهد اليَمامة واليرموك وأُصيبت عينه يومئذ، وقيل: بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينه. وشهد القادسيَّة. وولّاه عمر فتوحًا كثيرة منها: همذان ومَيْسان. وأرسله سعد بن أبي وقاص إلى رُسْتم، فكلَّمه بذلك الكلام الفصيح البليغ. واستنابه عمر على البصرة، فلمّا شُهد عليه بالزِّنى - ولم يثبتْ عليه (٣) - عزله عنها وولّاه الكوفة، واستمرَّ به عثمان حينًا ثم عزله، فبقي معزولًا حتى كان أمر الحكمَيْن فلحق بمعاوية، فلما قُتل علي وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولّاه عليها، فلم يزل أميرَها حتى مات في هذه السنة على المشهور. قاله محمد بن سعد (٤) وغيره. وقال الخطيب (٥): أجمع الناس على ذلك، وذلك في رمضان منها عن سبعين سنة. وقال أبو عبيد: مات سنة تسع وأربعين. وقال ابن عبد البَرّ (٦): سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين. وقيل سنة ست وثلاثين، وهو غلط. قال محمد بن سعد: كان المغيرة أصهبَ الشَّعر جدًّا، أكشف اللون، مقلَّص الشفتَيْن، أهتم (٧)، ضخم الهامة، عَبْل الذِّراعين، بعيد ما بينَ المنكبين، وكان يفرق رأسه أربعة قُرون (٨). وقال الشَّعبي: القُضاة أربعة: أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والدُّهاة أربعة: معاوية، وعَمرو بن العاص، والمُغيرة، [وزياد. وقال الزُّهري: الدُّهاة في الفتنة خمسة: معاوية، وعَمرو بن العاص، والمُغيرة] (٩) بن

стр. 3822

شُعبة - وكان معتزلًا - وقيس بن سعد بن عُبَادة، وعبد الله بن بُدَيل بن ورقاء، وكانا مع علي. قلت: والشِّيعة يقولون: الأشياخ (١) خمسة: رسول الله ﷺ وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين. والأضداد خمسة: أبو بكر، وعمر، ومعاوية، وعَمرو بن العاص، والمُغيرة بن شُعبة. وقال الشعبي: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: ما غلبني أحدٌ إلّا فتىً، مرة، أردت أن أتزوَّج امرأة، فاستشرته فيها، فقال: أيها الأمير! لا أرى لك أن تتزوَّجها، فقلت له: لم؟ فقال: إني رأيت رجلًا يقبِّلُها. ثم بلغني عنه أنه تزوَّجها، فقلت له: ألم تزعم أنك رأيتَ رجلًا يقبِّلها؟ فقال: نعم، رأيت أباها يقبِّلها وهي صغيرة (٢). [وقال أيضًا: سمعت قَبيصة بن جابر يقول: صحبتُ المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانيةُ أبواب لا يُخرج من باب منها إلا بمكرٍ لخرج المغيرة من أبوابها كلِّها. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول] (٣): كان المغيرة بن شعبة يقول: صاحبُ المرأة الواحدة تَحِيض فيَحيض معها، وتمرض فيمرض معها، وصاحب المرأتين بين نارين تشتعلان، وصاحب الأربعة قرير العين. وكان يتزوَّج أربعًا معًا ويطلِّقهنَّ معًا. وقال عبد الله بن نافع الصّائغ: أَحصن المغيرةُ ثلاثمئة امرأة. وقال غيره: ألف امرأة. وقال قَتادة: مئة امرأة. وقيل: ثمانين امرأة. فالله أعلم. وأما جُوَيْريَة بنتُ الحارث (٤) بن أبي ضِرار الخُزاعيَّة المُصْطلقيَّة، أمّ المؤمنين، فكان سباها رسول الله ﷺ في غزوة المُرَيْسِيع، وهي غزوة بني المُصْطلق، وكان أبوها ملكَهُم، فأسلمت، فأعتقها رسول الله ﷺ وتزوَّجها. وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، فكاتَبَها، فأتتْ رسول الله ﷺ تستعينُه في كتابتها، فقال: "أو خيرٌ مِنْ ذلك"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أَشتريك، وأُعتقك، وأَتزوَّجك" فأعتقها، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأعتقوا ما بأيديهم من سَبْي بني المُصْطلق، وكان نحوًا من مئة أهل بيت. قالت عائشة: فما أعلمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على أهلها منها (٥).

стр. 3823

وكان اسمها بَرَّة، فسمّاها رسول الله ﷺ جُوَيْريَة (١). وكانت امرأة مُلَّاحة - أي: حلوة الكلام. توفيت في هذه السنة كما ذكره ابن الجَوْزي وغيره عن خمس وستين سنة. وقال الواقدي: سنة ست وخمسين، ﵂ وأرضاها. وأما صَفِيَّة بنتُ حُيَيّ (٢) بن أَخطَب بن سَعْية (٣) بن ثعلبة بن عبيد (٤) بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النَّضير بن النحام بن نحوم، أمّ المؤمنين، النَّضَريَّة، من سلالة هارون أخي موسى ﵉. وكانت مع أبيها وعمها حُدَي بن أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النَّضير ساروا إلى خيبر، وقُتل أبوها حُيَي مع بني قُريظة صَبْرًا كما قدَّمنا، فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر كانت صَفيَّة من جملة السَّبي، فوقعت في سهم دِحْية بن خليفة الكَلْبي، فذكر لرسول الله ﷺ جمالها وأنها بنت ملكهم، فاصطفاها لنفسه، وعوَّض دِحْية عنها، وأسلمت، فأعتقها وتزوَّجها، فلما حلَّت بالصَّهْباء (٥) بنى بها، وكانت ماشطتَها أمُّ سُلَيم. وقد كانت تحت ابن عمِّها كنانة بن أبي الحُقَيْق، فقُتل في المعركة بخيبر، ووجد رسول الله ﷺ بخدِّها لطمةً فقال: ما هذه؟ فقالت: إني رأيت كأن القمرَ أقبل من يثرب فسقط في حِجْري، فقصصتُ المنام على ابن عمي، فلطمني وقال: أتتمنَّيْنَ أن يتزوَّجك ملك يثرب؟ فهذه من لطمته. وكانت من سيِّدات النساء عبادة وورعًا وزهادة وبرًّا وصَدَقة. ﵂. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين. وقال غيره: سنة ست وثلاثين. والأول أصح، والله أعلم. وأما أمُّ شَرِيك الأَنصَاريَّة (٦): - ويقال: العامريَّة - فهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فقيل: قَبِلَها،

стр. 3824

وقيل: لم يقبلْها. ولم تتزوج حتى ماتت (١) [ترجو بذلك أن تكون من أزواجه] (٢). وهي التي سُقيتْ بدلو من السماء لمّا منعها المشركون الماء، فأَسلموا عند ذلك. واسمها غزيَّة - وقيل: غُزَيلة - بنت دودان بن عمرو بن عامر [بن رواحة بن مُنقذ بن عمرو بن مَعِيص بن عامر بن لؤي. أسلمت قديمًا. قلت: قد ذكر ابن الجوزي والمؤلِّف في "جامع المسانيد" أن رسول الله ﷺ دخل بها لمّا وهبت نفسها له. وروت أحاديث. وقيل: لما رأى كبر سنِّها طلَّقها، والله أعلم. ماتت في هذه السنة] (٣) على الصحيح. وقال ابن الجوزي: ماتت سنة خمسين. ولم أره لغيره. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين فيها كان مقتل حُجْر بن عديّ وأصحابه، وهو: حُجْر بنُ عَديّ (٤) بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الكرم (٥) بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرْتِع بن كندة (٦) الكوفي، ويقال: حُجر الخير، ويقال له: حُجر بن الأَدْبَر، لأن أباه عَديًّا طُعن مولِّيًا فسمِّي الأَدْبر. [ويُكنى حُجر بأبي عبد الرحمن [(٧). وهو من كِنْدة، من رؤساء أهل الكوفة.

стр. 3825

قال ابن عساكر (١): وفد إلى النبي ﷺ . وسمع عليًّا، وعمّارًا، وشراحيل بن مرَّة - ويقال: شرحبيل بن مرّة. وروى عنه أبو ليلى مولاه، وعبد الرحمن بن عباس، وأبو البَخْتري الطائي. وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عَذْراء (٢)، وشهد صفِّين مع عليّ أميرًا، وقُتل بعَذْراء من قرى دمشق، ومسجد قبره بها معروف. ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حُجْر قذكر طرفًا صالحًا من روايته عن علي وغيره. وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وذكر له وفادة على النبي ﷺ ثم ذكره في الأولى من تابعي أهل الكوفة. قال: وكان ثقة معروفًا، ولم يرو عن غير (٣) علي شيئًا. قال ابن عساكر: بل قد روى عن عمّار، وشراحيل بن مرَّة. وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يُصحِّحون له صحبة. شهد القادسية، وافتتح مرج (٤) عَذْراء، وشهد الجمل وصفِّين، وكان مع علي حُجْر الخير - وهو حُجْر بن عديّ هذا - وحُجْر الشَّر (٥) - وهو حُجْر بن يزيد بن سلمة بن مُرَّة. وقال المرزباني: قد روي أن حُجْر بن عديّ وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عديّ. وكان هذا الرجل من عُبّاد الناس وزُهّادهم، وكان بارًّا بأمِّه، وكان كثير الصلاة والصيام. قال أبو مَعْشر: ما أحدثَ قطُّ إلّا توضأ، ولا توضأ إلّا صلَّى ركعتين. وهكذا قال غير واحد. وقال الإمام أحمد: حدّثنا يعلى بن عُبيد، حدّثني الأعمش، عن أبي إسحاق قال: قال سلمان لحُجر: يا بن أمِّ حُجْر، لو تقطَّعت أعضاؤك ما بلغت الإيمان. وكان ينكر على المغيرة بن شعبة - إذ كان المغيرة على الكوفة - إذا ذكر عليًّا في خطبته فتنقَّصه بعد مدح عثمان وشِيعته فيغضب حُجْر هذا ويظهر الإنكار عليه، ولكن كان المغيرة فيه حِلْم وأناة، فكان يصفح عنه ويَعِظُه فيما بينه وبينه، ويحذِّره غِبَّ (٦) هذا الصَّنيع، فإنَّ معارضة ذي السلطان شديدٌ وبالُها. فلم يرجع حُجْر عن ذلك. فلمّا كان في آخر أيام المغيرة قام حُجْر يومًا، فأنكر عليه في الخطبة، وصاح به، وذمَّه بتأخيره العطاء عن الناس، وقام معه فِئَام من الناس (٧) لقيامه، وتبعه قومه فشنَّعوا على المغيرة، فدخل

стр. 3826

المغيرة القصر بعد الصلاة، ودخل معه جمهور الناس من الأمراء، فأشاروا على المغيرة أن يردَع حُجْرًا هذا عما يتعاطاه من الجرأة على السلطان وشقِّ العصا والقيام على الأمراء، وذمَّروه وحثُّوه على التنكيل به. فصفَح عنه وحَلُم به. وذكر يونس بن عبيد: أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمدُّه بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عِيرًا تحمل مالًا، فاعترض لها حُجْر، فأمسك بزِمام أوَّلها وقال: لا والله حتى تعطيَ كل ذي حقٍّ حقَّه. فقال شباب ثقيف للمغيرة: ألا نأتيك برأسه؟ فقال: ما كنت لأفعل ذلك بحُجْر، فتركه، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة وولَّى زيادًا. والصحيح أن المغيرة ما زال واليًا حتى مات، فلما مات جمع معاوية الكوفة مع البصرة لزياد، فدخلها وقد التف على حُجْر جماعات من شِيعة عليٍّ يقوُّون أمره، ويشدُّون على يده، ويسبُّون معاوية ويتبرَّؤون منه. فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة ذكر في آخرها فضائل عثمان، وذمَّ مَنْ قتله أو أعان على قتله، فقام حُجْر كما كان يقوم في أيام المغيرة، وتكلَّم بما كان يكلِّم به المغيرة، فلم يعرض له زياد. ثم ركب زياد إلى البصرة، وأراد أن يأخذ حُجْرًا معه إلى البصرة لئلّا يحدث حدثًا، فقال: إني مريض، فقال: والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل، والله لئن أحدثتَ شيئًا لأسعينَّ في ذلك إلى معاوية. ثم سار زياد إلى البصرة، فبلغه أن حُجْرًا وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة - وهو عمرو بن حُريث - وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة، فركب زياد إلى الكوفة، فنزل القصر، ثم خرج إلى المنبر وعليه قباء سُنْدس ومطرف خزّ أحمر، قد فَرَق شعره، وحُجْر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا [يومئذ، وكان مَنْ لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، وجلسوا حوله] (١) في المسجد في الحديد والسلاح. فخطب زياد، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن غِبَّ البغي والغيِّ وخيم، وإن هؤلاء القوم أَمِنُوني فاجترؤوا علَيّ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأُداوينَّكم بدوائكم. ثم قال: ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حُجْر وأدعه نكالًا لمن بعدَه، ويلُ امِّكَ يا حُجْر، سقط بك العشاءُ على سِرْحان. ثم قال: أَبْلِغْ نَصِيحَةَ أنَّ راعيَ إبْلِها … سَقَطَ العَشَاءُ به على سِرْحان (٢) وجعل زياد يقول في خطبته: إنَّ من حقِّ أمير المؤمنين [إنَّ من حقِّ أمير المؤمنين، فقال حُجْر: كذبتَ، فسكت زياد ونظر إليه ثم عاد: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين] (٣) - يعني

стр. 3827

كذا وكذا - فأخذ حُجْر كفًّا من حصى، فحصبَه بها وقال: كذبتَ، عليك لعنة الله. فانحدر زياد، فصلَّى، ثم دخل القصر، واستحضر حُجْرًا. ويقال: إن زيادًا لما خطب طوَّل الخطبة وأخَّر الصلاة، فقال له حُجْر: الصلاة، فمضى في خطبته] (١)، فلمّا خشي حُجْر فوت الصلاة عمد إلى كفٍّ من حصى، ونادى: الصلاة [بصوت عالٍ وصيحة عظيمة حتى سمعها أهل المسجد ومَنْ هو خارج منه] (٢) وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلَّى بالناس، فلمّا انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شُدَّه في الحديد واحملْه إلي، فبعث إليه زياد والي الشرطة - وهو شدّاد بن الهيثم - ومعه أعوانه فقال له: إن الأمير يطلبك، فامتنع عن الحضور إلى زياد، وقام دونه أصحابه، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه، فاستنهض زيادٌ جماعاتٍ من القبائل، فركبوا مع الوالي إلى حُجْر وأصحابه، فكان بينهم قتال بالحجارة والعِصيّ، فعجزوا عنه، فندب له محمد بن الأشعث، وأمهله ثلاثًا، وجهَّز معه جيشًا، فركبوا في طلبه، ولم يزالوا في طلبه حتى أحضروه إلى زياد، وما أغنى عنه قومه ولا مَنْ كان يظن أنه ينصره، فعند ذلك قيَّده زياد، وسجنه عشرة أيام، ثم بعث به إلى معاوية، وبعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سبَّ الخليفة، وأنه حارب الأمير، وأنه يقول: إن هذا الأمر لا يصلُح إلَّا في آل علي بن أبي طالب. وكان من جملة الشهود عليه أبو بُرْدة بن أبي موسى، ووائل بن حجر، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وإسحاق وإسماعيل وموسى بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزُّبير، وكَثِير بن شهاب، وشَبَث (٣) بن رِبْعي … في سبعين رجلًا (٤). ويقال: إنه كتبت شهادة شُريح القاضي فيهم، وإنه أنكر ذلك وقال: إنما قلت لزياد: إنه كان صوّامًا قوّامًا. ثم بعث زياد حُجْرًا وأصحابه مع وائل بن حُجْر وكَثِير بن شهاب إلى الشام. وكان مع حُجْر بن عديٍّ من أصحابه جماعة، قيل: عشرون، وقيل أربعة عشرة رجلًا، منهم: الأرقم بن عبد اللّه الكندي، وشريك بن شدّاد الحَضْرمي، وصَيْفي بن فَسيل (٥)، وقَبِيصة بن ضُبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخَثْعمي، وعاصم بن عوف البَجَلي، وورقاء بن سُمَيّ البَجَلي،

стр. 3828

وكِدَام بن حيان (١) وعبد الرحمن بن حسان العَنَزيّان من بني هُمَيم (٢)، ومحرز بن شهاب التَّميمي، وعبد (٣) اللّه بن حَوِيَّة السَّعدي التَميمي أيضًا. فهؤلاء أصحاب حُجْر الذين وصلوا معه إلى معاوية. ثم إن زيادًا أتبعهم برجلين آخرين: عتبة بن الأخنس - من بني سعد - وسعيد بن نمران (٤) الهَمْداني، فكملوا أربعة عشر رجلًا، فساروا بهم إلى الشام. ويقال: إن حُجرًا لما دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فغضب معاوية غضبًا شديدًا. وأمر بضرب عنقه هو ومن معه. ويقال: إن معاوية ركب فتلقاهم إلى مرج عَذْراء. ويقال: بل بعث إليهم مَن تلقاهم إلى عَذْراء تحت الثنيَّة - ثنيّة العقاب - فقتلوا هنالك. بعث إليهم معاوية من دمشق ثلاثة نفر وهم: هُدْبة بن فيّاض القَضاعي، وحُصين (٥) بن عبد اللّه الكِلابي، وأبو شريف البدوي (٦)، فجاؤوا إليهم عشاءً، فبات حُجر وأصحابه يصلُّون طول الليل، فلما صلَّوا الصبح قتلوهم. وهذا هو الأشهر، والله أعلم. وذكر محمد بن سعد: أنهم دخلوا على معاوية فردَّهم، فقُتلوا بعَذْراء. وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حين وصل بهم إلى مرج عَذْراء -[وقيل: إنهم حُبسوا فيها] (٧) - فمن مُشير بقتلهم، ومن مُشير بتفريقهم في البلاد، فكتب معاوية إلى زياد كتابًا آخر في أمرهم، فأشار عليه بقتلهم إن كانت له حاجة في ملك العراق. فعند ذلك أمر بقتلهم، فاستوهب منه الأمراء واحدًا بعد واحد حتى استوهبوا منه ستة [وقتل منهم ستة] (٨) أولهم حُجر بن عدي، ورجع آخر، فعفا عنه معاوية، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الحكم ومدح عليًا، فبعث به معاوية إلى زياد وقال: لم تبعث إليَّ فيهم أردى من هذا. فلما وصل إلى زياد دفنه في الناطف (٩) حيًّا - وهو عبد الرحمن بن حسان العَنَزي (١٠).

стр. 3829

وهذه تسمية الذين قُتلوا بعَذْراء: حُجر بن عديّ، وشريك بن شدّاد، وصيفي بن فَسيل الشيباني، وقَبيصة بن ضُبَيعة العبسي، ومُحْرز بن شهاب المِنْقري السَّعدي، وكدام بن حيان (١) العَنَزي [وعبد الرحمن بن حسان العَنَزي المبعوث إلى زياد المدفون في الناطف] (٢). ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القَصَب في غربيّه (٣) [ومنهم من يزعم أنهم مدفونون بمسجد السَّبعة خارج باب تُوما - وإنما نسبت السبعة إليهم لأنهم سبعة - في شرقيّه] (٤). والصحيح أنهم مدفونون بعَذْراء من غوطة دمشق، ﵏. ويُذكر أن حُجرًا لما أرادوا قتله قال: دعُوني حتى أتوضأ، فقالوا: توضأ، فقال: دعُوني حتى أصلي ركعتين، فصلّاهما وخفَّف فيهما ثم قال: والله ما صلَّيت صلاة قطُّ أخفَّ منهما، ولولا أن يقولوا أن ما بي جزعٌ من الموت لأطلتُهما، ثم قال: قد تقدم لهما صلوات كثيرة. ثم قدَّموه للقتل - وقد حُفرت قبورهم، ونُشرت أكفانهم - فلما تقدم إليه السَّيّاف ارتعدت فرائصُه، فقيل له: إنك قلت لست بجازع من القتل! فقال: وما لي لا أجزع وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا. فأرسلها مثلًا. ثم تقدَّم إليه السَّيّاف، وهو أبو شريف البدوي، وقيل: تقدم إليه رجل آخر، فلما أراد ضرب عنقه قال له: ارفع عنقك واشدُده، فقال: لا أُعين على قتل نفسي فأُسأل عن ذلك يوم القيامة، فضربه فقتله. وكان قد أوصى أن يُدفن في قيوده، ففُعل به ذلك، وقيل: بل غسَّلوه وصلَّوا عليه. وروي أن الحسن بن علي لما بلغه قتل حُجر وأصحابه قال: أَصلَّوا عليهم، وغسَّلوهم، واستقبلوا بهم القِبلة، ودفنوهم في قيودهم؟ قالوا: نعم، قال: حَجُّوهم (٥) وربِّ الكعبة. والظاهر أن قائل هذا هو الحسين بن علي [أو الحسن البَصْري] (٦) فإن حُجرًا إنما قتل في سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وعلى كل تقدير فالحسن كان قد مات قبلَه، والله أعلم. وروينا أن معاوية لما دخل على أمِّ المؤمنين عائشة فسلَّم عليها من وراء الحجاب - وذلك بعد مقتل

стр. 3830

حجر وأصحابه - قالت له: أين ذهب عنك حِلْمُك يا معاوية حين قتلتَ حُجرًا وأصحابَه؟ فقال لها: فقدتُه حين غاب عنِّي من قومي مثلُكِ يا أمّاه، ثم قال لها: فكيف برِّي بك يا أمّاه؟ فقالت: إنك بي لبارّ، فقال: يكفيني هذا عند الله، وغدًا لي ولحُجر موقف بين يدي الله . وفي رواية: أنه قال لها: إنما قتله الذين شهدوا عليه. وروى ابن جرير (١) أن معاوية لما حضره الموتُ جعل يُغَرْغر بروحه وهو يقول: إنَّ يومي بكَ يا حُجر بن عدي لطويل. قالها ثلاثًا، فالله أعلم. وقال محمد بن سعد في "الطبقات" (٢): ذكر بعض أهل العلم أن حُجرًا وفد إلى رسول الله ﷺ مع أخيه هانئ بن عديّ، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، فلمّا قدم زياد بن أبي سفيان واليًا على الكوفة دعا حُجر بن عديٍّ فقال له: ثعلم أني أعرفك، وقد كنت أنا وإيّاك (٣) على ما قد علمت - يعني من حبِّ علي - وإنه قد جاء غير ذلك، وإني أنشدك اللّهَ أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كلّه، املِكْ عليك لسانَك وليَسَعْك منزلُك، وهذا سريري فهو مجلسُك، وحوائجك مقضيَّة لديّ، فاكفني نفسَك فإني أعرف عجلتك، فأنشدك اللّه في نفسك، وإياك وهذه السَّفَلَة (٤) وهؤلاء السُّفهاء أن يَسْتزلُّوك عن رأيك … فقال حُجر: قد نصحتَ ونهيت، ثم انصرف إلى منزله، فأتاه الشِّيعة فقالوا: ما قال لك؟ قال: قال لي كذا وكذا [قالوا: ما نصح لك] (٥). وسار زياد إلى البصرة، فجعل الشِّيعة يتردَّدون إلى حُجر ويقولون له: أنت شيخنا وذو رأينا. وإذا جاء المسجد مَشَوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حُريث - وكان نائب زياد على الكوفة - يقول: ما هذه الجماعة وقد أَعطيتَ الأمير ما قد علمت؟! فقال للرسول: إنهم يُنكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حُريث إلى زياد: إن كانت لك حاجة بالكوفة فالعَجَل. فأعجلَ زياد السَّير إلى الكوفة، فلما وصل بعث إلى حُجر بن عديٍّ عديَّ بن حاتم، وجرير بن عبد الله البَجَلي، وخالد بن عُرْفُطَة في جماعة من أشراف أهل الكوفة ليَنْهَوه عن هذه الجماعة، فأتوه فجعلوا يكلِّمونه، وجعل لا يردُّ عليهم شيئًا، وإنما جعل يقول: يا غلام! اعلفِ البِكْر - لبكر مربوط في الدار - فقال له عديُّ بن حاتم: أمجنون أنت؟ نكلِّمك وأنت تقول: يا غلامُ اعلفِ البِكر، ثم قال عديٌّ لأصحابه: ما كنت أظنُّ هذا البائس بلغ به الضعف كلَّ ما أرى. ثم نهضوا فأخبروا زيادًا ببعض الخبر وكتموه بعضًا، وحسَّنوا أمر حُجر عنده، وسألوه الرِّفق به، فلم يقبل، بل

стр. 3831

بعث إليه الشُّرَطَ والبخاريّة (١)، فأتي به وبأصحابه، فقال له زياد: ويلك مالك؟ فقال: إني على بيعتي لمعاوية. فجمع زياد سبعين من وجوه أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهاداتكم على حُجر وأصحابه، ففعلوا، ثم أوفدهم على معاوية. وبلغ الخبر عائشة، فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم، فوجدهم قد قتلوا منهم سبعة وأطلقوا السبعة الباقين، ولكن كان حُجر فيمن قُتل، وكان قد سألهم أن يصلِّي ركعتين قبل أن يقتلوه، فصلَّى ركعتين طوَّلهما وقال: إنها لأخفُّ صلاة صلَّيتها. وجاء رسول عائشة بعد ما فُرغ من شأنهم، فلما حجَّ معاويةُ قالت له عائشة: أين عَزَبَ (٢) عنك حلمُكَ حين قتلتَ حُجرًا؟ فقال: حين غاب عنِّي مثلُكِ من قومي. ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أقتلتَ حُجر بن الأَدبر؟ فقال معاوية: قتلُه أحبُّ إليَّ من أن أقتل معه مئة ألف. وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حُجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان، ويطلقون فيه مقالة الجَوْر، وينتقدون على الأمراء، ويسارعون في الإنكار عليهم، ويبالغون في ذلك، ويتولَّون شيعة علي، ويتشدَّدون في الدين. ويروى أنه لما أُخذ في قيوده سائرًا من الكوفة إلى الشام تلقته بناتُه في الطريق وهن يبكين، فمال نحوهنّ، فسكت ساعة ثم قال: إن الذي يُطعمكنَّ ويَسْقيكنَّ ويكسيكنَّ هو الله، وهو حيٌّ باقٍ لا يموت، وهو لكُنَّ بعدي، فعليكنَّ بتقوى الله وعبادته، والصبر ابتغاء وجهه، والتوكل عليه [وإني لأرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنَيَيْن: إما الشهادة وهي السعادة الكبرى، وإما الانصراف إليكنَّ في عافية، وإني لأرجو من الله الذي كان يكفيني مؤنتكنَّ ألَّا يضيعَكنَّ، وأن يحفظني فيكنّ. ثم انصرف، فمرَّ بقومه، فجعلوا يدعون اللّه له بالعافية، فأتوا به وبأصحابه مرج عَذْراء، فقُتلوا ودفنوهم مستقبلي القِبلة، ﵏ وعفا عنهم] (٣). وقد قالت امرأة من المتشيِّعات تَرثي حُجرًا - وهي هند بنت زيد بن مَخْرمة الأنصارية - ويقال: إنها لهند أخت حُجر، فاللّه أعلم: ترفَّعْ أَيُّها القمرُ المُنيرُ … تَبَصَّرْ هَلْ تَرى حُجْرًا يَسِيرُ يَسِيرُ إلى معاويةَ بنِ حَرْبٍ … ليقتُلَهُ كما زَعَمَ الأَمِيرُ

стр. 3832

يرى قتلَ الخيارِ عليهِ حقًّا … لهُ مِنْ شَرِّ أُمَّتِهِ وزيرُ أَلَا يا ليتَ حُجْرًا ماتَ مَوْتًا … ولَمْ يُنْحَرْ كما نُحِرَ البَعيرُ تجبَّرَتِ الجبابرُ بعدَ حُجْرٍ … وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ (١) وأَصبحتِ البلادُ لهُ مُحُولًا … كأنْ لمْ يُحْيِها مُزْنٌ مَطِيرُ أَلَا يا حُجْرُ حُجْرَ بني عَدِيٍّ … تَلَقَّتْكَ السَّلامَةُ والسُّرورُ أخافُ عليكَ ما أردى عَديًّا … وسَبْعًا في دمشقَ له زَئيرُ (٢) فإنْ تهلِكْ فكلُّ زعيمِ قَومٍ … منَ الدُّنيا إلى هُلكٍ يَصِيرُ فرضوانُ الإلهِ عليكَ مَيْتًا … وجناتٌ بها نِعَمٌ وحُورٌ (٣) وقد ذكر ابن عساكر له مراثي كثيرة. وقال يعقوب بن سفيان (٤): حدّثني حَرْملة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لَهِيعَة، عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشةَ فقالت: ما حملكَ على فتل أهل عَذْراء: حُجرًا وأصحابه؟ فقال: يا أمَّ المؤمنين إني رأيتُ في قتلهم صلاحًا للأمة، وفي بقائهم فسادًا للأمة. فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَيُقتلُ بعَذْراء ناسٌ يغضبُ اللّهُ لهم وأهلُ السَّماء". وهذا إسناد ضعيف منقطع. وقد رواه عبد الله بن المبارك، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود: أن عائشة قالت: "بلغني أنه سَيُقتل بعَذْراء أناسٌ سبعة (٥) يغضبُ اللهُ لهم وأهلُ السماء". وقال يعقوب بن سفيان: [حدّثني ابن بُكير] (٦) حدّثني ابن لَهِيعة، حدّثني الحارث بن يزيد، عن عبد اله بن أبي رزين الغافقي قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب يقول: يا أهل العراق! سَيُقتل منكم سبعةُ نفر بعَذْراء، مثلُهم كمثل أصحاب الأُخدود. قال: فقتل حُجر وأصحابه.

стр. 3833

ابن لهِيعة ضعيف. وروى الإمام أحمد، عن ابن عُلَيَّة، عن ابن عون، عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق، فنُعي له حُجر، فأطلق حبوته وقام، وغلب عليه التَّحيب (١). وروى الإمام أحمد أيضًا، عن عفان، عن ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيكة - أو غيره - قال: لمّا قدم معاوية المدينة دخل على عائشة، فقالت: أقتلتَ حُجرًا؟ فقال: يا أمَّ المؤمنين [إني وجدتُ قتل حُجر فيه صلاح للأمَّة - أو قال: صلاح الناس. وفي رواية] (٢): إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرٌ من استحيائه في فسادهم (٣). وقال حمّاد بن سلَمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على أمِّ المؤمنين عائشة، فقالت: يا معاوية قتلتَ حُجرًا وأصحابَه وفعلتَ الذي فعلت، أما خشيتَ أن أخبأ لك رجلًا يقتلك؟ فقال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإيمانُ قَيَّدَ (٤) الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤْمن". يا أمَّ المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحُجرًا حتى نلتقي عند ربنا (٥). [وفي رواية: أنها حجَبتْه وقالت: لا يدخل عليَّ أبدًا، فلم يزل يتلطَّف حتى دخل، فلامَتْه في قتله حُجرًا لومًا عنيفًا، فلم يزل يعتذر حتى عَذَرَتْه] (٦). وفي رواية أخرى: أنها كانت تتوعَّدُه كثيرًا وتقول: لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حُجرًا شأن. فلما اعتذر إليها عذَرَتْه [على إغماض، والله أعلم] (٧) (٨).

стр. 3834

قال المؤلف: قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة ولَّى زيادٌ على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيعَ بن زياد الحارثي، ففتح بلخ صُلحًا، وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس، وفتح قوهِسْتان عَنْوة، وكان عندها أتراك، فقتلهم ولم يبقَ منهم إلَّا نَيْزك (٢) طَرْخان، فقتله قُتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي. وفيها غزا الربيع - هذا المذكور - ما وراء النهر، فغَنِمَ وسَلم. وفيها حج بالناس يزيد بن معاوية - فيما قاله أبو مَعْشر والواقدي. وذكر ابن الجوزي في "المنتظم" أنه توفي في هذه السنة من الأكابر: جرير بن عبد الله البَجَلي، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وحارثة بن النعمان، وحُجر بن عدي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعبد الله بن أُنيس، وأبو بكرة نُفَيع بن الحارث الثقفي، ﵃. فأما جَرير بنُ عبد الله البَجَلي (٣): فأسلم بعد نزول المائدة في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله ﷺ يخطُب، وكان قد قال في خطبته: "إنَّه يقدمُ عليكم رجلٌ من هذا الفَجِّ من خير ذي يَمَن، وإنَّ على وجهه مسحةَ مَلَك" فلما دخل جرير رماه الناس بأبصارهم، فكان كما وصف رسول اللّه ﷺ فأخبروه بذلك، فحمِدَ اللّه تعالى (٤). ويُروى أن رسول اللّه ﷺ لمّا جالسَهُ بسطَ له رداءه وقال: "إذا جاءَكم كريمُ قومٍ فأكرِمُوه (٥). وبعثه رسول اللّه ﷺ إلى ذي الخَلَصَة - وهو بيت كانت تعظّمه دَوْس في الجاهليّة - فذكر للنبي ﷺ أنه لا يَثْبُتُ على الخيل، فضرب في صدره وقال: "اللهمَّ ثبّتْهُ واجعلْهُ هاديًا مَهْديًّا" (٦) فذهب إليه فهدَمه.

стр. 3835

وفي "الصحيحين" عنه أنه قال: "ما حَجَبَني رسول الله ﷺ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّم" (١). وكان عمر بن الخطاب يقول: جريرٌ يوسفُ هذه الأمَّة. وقال عبد الملك بن عُمَير: رأيت جريرًا كأنَّ وجهَه شِقَّة قمر. وقال الشعبي: كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت، فاشتمَّ عمر من بعضهم ريحًا، فقال: عزمتُ على صاحب هذه الرِّيح إلّا قام فتوضَّأ. فقال جرير: أوَ نقوم كلّنا فنتوضَّأ يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: نعمَ السَّيدُ كنتَ في الجاهلية، ونعمَ السيِّدُ أنتَ في الإسلام (٢). وقد كان عاملًا لعثمان على هَمَذان (٣) وبلادها - ويقال: إنه أُصيبت عينُه هناك - فلما قُتل عثمان اعتزل عليًّا ومعاوية، ولم يزل مقيمًا بالجزيرة حتى توفي بالشَّراة سنة إحدى وخمسين. قاله الواقدي. وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ست وخمسين. وأما جعفر بن أبي سفيان (٤) بن الحارث بن عبد المطَّلب، فأسلم مع أبيه حين تلقَّياه بين مكة والمدينة عام الفتح، فلما ردَّهما قال أبو سفيان: والله لئن لم يأذن لي عليه لآخذنَّ بيد بُنيّ هذا فلأذهبنَّ في الأرض فلا يُدرى أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق له، وأَذن له، وقَبل إسلامهما، فأسلما إسلامًا حسنًا بعدما كان أبو سفيان يؤذي رسول الله ﷺ أذى كثيرًا. وشهد حُنينًا، وكان ممَّن ثبت يومئذ. وأما حارثة بن النُّعمان الأنصاريُّ النجّاري (٥): فشهد بدرًا واحدًا والخندق والمشاهد كلَّها، وكان من فضلاء الصحابة، ويُروى أنه رأى جبريل مع رسول الله ﷺ بالمقاعد يتحادثان بعد خَيْبر، وأنه رآه يوم بني قُريظة في صورة دِحْية الكلبي (٦).

стр. 3836

وفي الصحيح (١): أن رسول اللّه ﷺ سمع قراءتَه في الجنَّة (٢). قال محمد بن سعد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن يونس، حدّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، حدّثنا محمد بن عثمان عن أبيه: أن حارثة بن النعمان كان قد كُفَّ بصرهُ، فجعل خيطًا من مُصَلّاه إلى باب حُجْرته، [وكان يضع عنده مِكْتَلًا فيه تمرٌ وغيره] (٣) فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يُمسك بذلك الخيط حتى يضع ذلك في يد المسكين. وكان أهله يقولون له: نحن نكفيك ذلك، فيقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إنَّ مُناولةَ المسكينِ تَقي مِيْتَةَ السُّوء" (٤). وأما حُجر بن عدي فقد تقدَّمت قصته مطولةً مبسوطة. وأما سعيدُ بنُ زيد (٥) بن عَمرو بن نُفيل: القرشي [أبو الأعور العدوي] (٦) فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، وهو ابن عمِّ عمر بن الخطّاب، وأختُه عاتكة زوجة عمر، [وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد] (٧). أسلم سعيد قبل عمر هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة. قال عروة والزهري وموسى بن عُقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرًا لأنه كان قد بعثَه رسول اللّه ﷺ هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتحسَّسان أخبار قريش فلم يَرْجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجرهما. ولم يذكره عمر في أهل الشُّورى لئلّا يُحابي قرابته

стр. 3837

من عمر فيولَّى، فتركه لذلك، وإلّا فهو ممَّن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة في جملة العشرة كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة. ولم يتولَّ بعد رسول اللّه ﷺ ولاية، وما زال كذلك حتى مات بالكوفة - وقيل: بالمدينة وهو الأصح - قال الفلّاس وغيره: سنة إحدى وخمسين [وقيل: سنة ثنتين وخمسين] (١) واللّه أعلم. وكان رجلًا طُوالًا أشعر، وقد غسَّله سعد بن أبي وقّاص، وحُمل من العَقيق على أعناق الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعًا وسبعين سنة. وأما عبد اللّه بن أُنَيْس الجُهَني (٢): أبو يحيى المدني، فصحابي جليل، شهد العقبة، ولم يشهد بدرًا، وشهد ما بعدها، وكان هو ومعاذ يكسِران أصنام الأنصار. له في الصحيح حديث: أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين (٣). وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهُذَلي، فقتلَه بعُرَنَة (٤)، وأعطاه رسول الله ﷺ مِخْصرة (٥) وقال: "هذهِ آيةُ ما بَيْني وبَيْنَكَ يومَ القيامَة" فأَمر بها فدُفنت معه في أكفانه (٦). وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفي سنة إحدى وخمسين. وقال غيره: سنة أربع وخمسين [وقيل: سنة ثمان وخمسين] (٧) وقيل: سنة ثمانين. والله أعلم. وأما أبو بَكْرة نُفَيْع بن الحارث (٨): ابن كَلَدة بن عمرو بن عِلاج بن أبي سلمة الثَّقفي، فصحابيٌّ

стр. 3838

جليل، كبير القدر، ويقال: كان اسمه مَسْروح، وإنما قيل له أبو بَكْرة لأنه تدلَّى في بَكْرة يوم الطائف فأعتقه رسول الله ﷺ وكل من نزل من مواليهم يومئذ. وأمه سُميَّة هي أمُّ زياد. وكان ممَّن شهد على المغيرة بن شعبة بالزنى هو وأخوه زياد، ومعهما شِبْل (١) بن مَعْبد ونافع بن الحارث، فلمَّا تلكَّأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين، ثم استتابهم فتابوا إلَّا أبا بَكْرة فإنه صمَّم على الشهادة [وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشفِني من هذا العبد، فنهرَه عمر وقال له: اسكت! لو كملت الشهادة لرجمتُك بأحجارك] (٢). وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود. وكان ممَّن اعتزل الفتن، فلم يحضر شيئًا منها. ومات في هذه السنة - وقيل: قبلها بسنة، وقيل: بعدها بسنة - وصلَّى عليه أبو بَرْزة الأَسْلمي، وكان قد آخى بينهما رسول اللّه ﷺ . وفيها توفيت: أم المؤمنين مَيْمونة بنتُ الحارث الهِلاليَّة (٣): تزوَّجها رسول اللّه ﷺ في عمرة القضاء (٤) سنة سبع. قال ابن عباس - وكان ابنَ أختها أمِّ الفضل -: تزوَّجها رسول اللّه ﷺ وهو مُحْرم (٥). وثبت في "صحيح مسلم" (٦) عنها: أنهما كانا حلالَيْن. وقولها مقدَّم عند الأكثرين على قول ابن عباس.

стр. 3839

وروى الترمذيّ (١) عن أبي رافع - وكان السَّفير بينهما - "أنهما كانا حلالَيْن". ويقال: كان اسمها برَّة، فسمّاها رسول الله ﷺ مَيْمونة. وتوفيت بسَرِف بين مكة والمدينة - حيث بنى بها رسول الله ﷺ - في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وستين، [وقيل: سنة ست وستين] (٢) والمشهور الأول. وصلَّى عليها ابن أُختها عبد الله بن عباس ﵄. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ففيها غزا بلاد الروم وشتا بها سفيان بن عوف الأزدي، فمات هنالك، واستخلف على الجند بعده عبد اللّه بن مَسْعدة الفَزاري. وقيل: إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم في هذه السنة بُسْر بن أبي أَرْطاة، ومعه سفيان بن عوف. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة. قاله أبو مَعْشر والواقدي وغيرهما. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثَّقفي. وعمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية. ذكر من توفي فيها من الأعيان: خالد بن زَيْد بن كُلَيب (٣): أبو أيوب الأنصاري الخَزرجي. شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلَّها، وشهد مع علي قتال الحروريَّة.

стр. 3840

وفي داره كان نزول رسول اللّه ﷺ حيث قدم المدينة مهاجرًا من مكة، فأقام عنده شهرًا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحوَّل إليها، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله ﷺ في أسفل داره، ثم تحرَّج من أن يعلو فوقه، فسأل رسول الله أن يصعد إلى أعلى الدار، وأن يكون هو وأم أيوب في السُّفل، فأجابه إلى ذلك. وقد روينا عن ابن عباس أنَّ أبا أيوب لما قدم عليه البصرة - وكان ابن عباس نائبها - خرج له عن داره وأنزله بها، فلمّا أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها، وزاده تُحفًا وخدمًا كثيرًا: أعطاه أربعين ألفًا وأربعين عبدًا إكرامًا له ومجازاة له عمّا فعل مع رسول اللّه ﷺ من إنزاله له في داره، وما فعلَه معه هو من أعظم الشرف لأبي أيوب. وهو القائل لزوجته أمِّ أيوب حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ فقال لها: أكنتِ فاعلة ذلك يا أمَّ أيوب؟ فقالت: لا والله، فقال: واللّه لَهي خيرٌ منكِ، فأنزل اللّه ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] الآية. وكانت وفاته ببلاد الروم قريبًا من سور القُسْطنطينية من هذه السنة، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها. وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الذي صلَّى عليه. وقد قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا عفّان (٢)، حدّثنا همام، حَدَّثَنَا عاصم (٣)، عن رجل من أهل مكة: أن يزيدَ بن معاوية كان أميرًا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت، فقال له: إذا أنا متُّ فاقرؤوا على الناس مني السلام، وأخبروهم أنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ ماتَ لا يُشْركُ باللّه شيئًا جعلَه اللّهُ في الجنَّة" ولْينطلِقوا بجنازتي ولْيبعدُوا في أرض الروم ما استطاعوا. قال: فحدَّث الناس لما مات أبو أيوب بهذا الحديث، فاستلأم (٤) الناس وانطلقوا بجنازته. وقال الإمام أحمد (٥): حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان قال: غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية، فقال أبو أيوب: إذا متُّ فأدْخلوني في أرض العدو، فادْفِنوني تحتَ أقدامكم حيث تلقَوْن العدو. قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ ماتَ لا يُشركُ باللّهِ شَيْئًا دخلَ الجنَّة".

стр. 3841

ورواه أحمد (١) أيضًا عن ابن نمير ويعلى بن عبيد، عن الأعمش: سمعت أبا ظَبْيان فذكره، وقال فيه: سأحدِّثكم حديثًا سمعتُه من رسول الله ﷺ لولا حالي هذا ما حدَّثتكموه، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ بالله شَيْئًا دخلَ الجنَّة". وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا إسحاق بن عيسى [حدّثني ليث] (٣) حدّثني محمد بن قيس قاصّ (٤) عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمَة، عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنتُ كتمتُ عنكم شيئًا سمعتُه من رسول الله ﷺ سمعته يقول: "لولا أنكم تُذنبونَ لخَلَقَ اللهُ قومًا يُذْنبونَ فيَغْفِر لهُم". وعندي أن هذا الحديث والذي قبلَه هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الإرجاء [وما كان يتعاطاه من القبائح] (٥) وركبَ بسببه أفعالًا كثيرة أُنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته، والله أعلم. قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين، ودُفن عند القُسْطنطينية، وقبره هناك يَسْتَسْقي به الروم إذا قَحَطُوا. وقيل: إنه مدفون في حائط القُسْطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد، وهم يعظِّمونه. وقال أبو زُرْعة الدمشقي: توفي سنة خمس وخمسين. والأول أثبت، والله أعلم. [وقال (٦) أبو بكر بن خلّاد: حَدَّثَنَا الحارث بن أبي أُسامة، حَدَّثَنَا داود بن المحبَّر، حَدَّثَنَا مَيْسرة بن عبد ربه، عن موسى بن عبيدة، عن الزُّهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الرجلَينِ ليتوجَّهانِ إلى المسجد فيصلِّيان، فينصرف أحدُهما وصلاتُه أوزنُ من صلاة الآخر، وينصرف الآخر وما تعدِلُ صلاتُه مثقال ذرَّة، إذا كان أورعهما عن محارم الله، وأحرصهما على المسارعة إلى الخير" (٧). وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ لرجل سألَه أن يعلِّمه ويوجز، فقال له: "إذا صلَّيتَ صلاة فَصَلِّ صلاةَ مُوَدِّع، ولا تَكلَّمن بكلامٍ تَعتذرُ منه، وأجمعِ اليأسَ ممّا في أيدي النّاس" (٨)].

стр. 3842

وفيها توفي: أبو موسى (١) عبدُ الله بنُ قيس بن سُلَيم بن حَضَّار بن حرب بن عامر بن غَنْم (٢) بن بكر بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية بن جَمَاهر بن الأَشْعر الأَشْعَري اليماني. أسلم ببلاده، وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر. وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولًا إلى مكّة، ثم هاجر إلى اليمن، وليس هذا بالمشهور. وقد استعمله رسول الله ﷺ مع مُعاذ على اليمن، واستنابه عمر على البصرة، وفتح تُسْتَر، وشهد خطبة عمر بالجابية، وولّاه عثمان الكوفة، وكان أحد الحكَمين بين علي ومعاوية، فلمّا اجتمعا خدع عمرو أبا موسى. وكان من قرّاء الصحابة وفقهائهم، وكان أحسن الصحابة صوتًا بالقرآن (٣) في زمانه. قال أبو عثمان النَّهدي: ما سمعتُ صوت صَنْج ولا بَرْبَط (٤) ولا مِزْمار أطيبَ من صوت أبي موسى (٥). وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "لقد أُوتيَ هذا مِزْمارًا مِنْ مَزاميرِ آلِ داود" (٦). وكان عمر يقول له: ذكِّرنا ربَّنا يا أبا موسى، فيقرأ وهم يسمعون. وقال الشعبي: كتب عمر في وصيته: أن لا يُقَرَّ لي عامل أكثر من سنة إلآ أبا موسى فلْيقرَّ أربع سنين.

стр. 3843

ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" أنه توفي في هذه السنة، وهو قول بعضهم. وقيل: قبلها بسنة، وقيل: في سنة ثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وكانت وفاته بمكة مقيمًا بها معتزلًا للناس بعد التحكيم، وقيل: بمكان يقال له الثَّوِيَّة على ميلين من الكوفة. وكان قصيرًا، نحيفَ الجسم، أَثَطّ - أي: لا لحية له. ﵁. وذكر ابن الجوزي أنه توفي في هذه السنة أيضًا: عبدُ اللهِ بنُ المُغَفل المُزَني (١): وكان أحد البكَّائين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقِّهوا الناس في الدين. وهو أول من دخل تُسْتَر من المسلمين حين فتحها. لكن الصحيح ما حكاه البخاري (٢) عن مسدَّد أنه توفي سنة سبع (٣) وخمسين. وقال ابن عبد البَرّ (٤): توفي سنة ستين، وقال غيره: سنة إحدى وستين، فاللّه أعلم. ويُروى عنه أنه رأى في نومه كأنَّ القيامة قد قامت، وكان هناك مكانٌ مَنْ وصل إليه نجا، فجعل يحاول الوصول إليه، فقيل له: أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك من الدنيا؟! فاستيقظ فعَمِدَ إلى عَيْبَة (٥) عنده فيها ذهب كثير [مما حصل له من الغنائم من نصيبه حلالًا] (٦) فلم يصبح عليه الصباح إلّا وقد فرَّقها في المساكين والمحاويج والأقارب، ﵁. وفيها توفي: عِمرانُ بن حُصَين (٧): ابن عبيد بن خلف، أبو نُجيد الخُزاعي.

стр. 3844

أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر، وشهد غزوات، وكان من سادات الصحابة. استقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة، فحكم بها مدَّة، ثم استعفاه فأعفاه، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة. قال الحسن وابن سِيرين: ما قدم البصرة راكب خير منه. وقد كانت الملائكة تسلِّم عليه، فلمّا اكتوى انقطع عنه سلامُهم، ثم عادوا فسلَّموا عليه قبل موته بقليل، ﵁ وعن أبيه أيضًا. كعبُ بنُ عُجْرَة الأنصاري (١): أبو محمد المدني، صحابي جليل، وهو الذي نزلت فيه آية الفِدْيَة (٢) في الحج. مات في هذه السنة، وقيل: في التي قبلَها بسنة، عن خمس - أو سبع - وسبعين سنة. معاوية بن حُدَيج (٣) (٤): ابن جَفْنة بن قُتَيرة الكِنْدي الخولاني المصري. صحابي على قول الأكثرين، وذكره ابن حبّان في التابعين من الثقات (٥)، والصحيح الأول.

стр. 3845

شهد فتح مصر، وهو الذي وفد إلى عمر بفتح الإسكندريَّة، وشهد مع ابن أبي سَرْح قتال البربر فذهبت عينُه يومئذ، وتولَّى حروبًا كثيرة في بلاد المغرب. وكان عثمانيًا في أيام علي ببلاد مصر، ولم يبايع عليًا بالكليَّة، فلما أخذ معاوية بن أبي سفيان مصر أكرمه واستنابه بها بعد عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وقد تولّاها عبد الله بن عمرو نائبًا بها بعد أبيه سنتين، ثم عزله معاوية وولَّى عليها معاوية بن حُدَيج هذا، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة. هانئ بن نِيَار (١): أبو بُرْدة البَلَوي [وهو خال البَرَاء بن عازب] (٢). وهو الذي خصَّه رسول الله ﷺ بذبح العَنَاق (٣)، وأخبره أنها تَجزيهِ عن غيرها من الأضاحي [ولن تَجزيَ عن أحدٍ بعدَه] (٤). وقد شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلَّها، وكانت راية بني حارثة معه يوم الفتح، ﵁. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين فيها غزا عبد الرحمن بن أمِّ الحكم الثقفيّ بلاد الروم وشتا بها. وفيها افتتح المسلمون وعليهم جُنادة بن أبي أميَّة جزيرة رُودُس، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا شديدين على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدرُّ عليه الأرزاق والأُعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفِرَنج، يبيتون في حِصْن عظيم لهم عنده فيه ذراريهم (٥) ودوابُّهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر يُنذرونهم إنْ قدم عدو أوكادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى مات معاوية وولي ابنُه يزيد، فحوَّلهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزروعات غزيرة.

стр. 3846

وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والي المدينة. قاله أبو مَعْشر والواقدي. وفي هذه السنة توفي جبلة بن الأيهم الغسّاني كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم. وفيها توفي: الرَّبيع بن زياد الحارثي (١): مختلَف في صحبته. وكان نائب زياد على خراسان. وكان قد ذكر حُجر بن عديّ، فتأسَّف عليه وقال: واللّه لو ثارت العرب له لما قُتل صبرًا، ولكن أقرت العرب فذلت. ثم لما كان يوم الجمعة دعا اللّه على المنبر أن يَقبضه إليه، فما عاش إلى الجمعة الأخرى. واستخلف على عمله ابنه عبد الله بن الربيع، فأقرَّه زياد على ذلك، فمات بعد ذلك بشهرين، واستخلف على عمله خُليد بن عبد الله الحنفي، فأقرَّه زياد. ورُوَيفع بن ثابت (٢): صحابيٌّ جليل، شهد فتح مصر، وله آثار جيِّدة في فتح بلاد المغرب، ومات بِبَرْقة واليًا عليها من جهة مَسْلمة بن مخلَّد نائب مصر. وفيها توفي: زياد بن أبي سفيان (٣): ويقال له: زياد بن أَبيه، وزياد بن سُميَّة - وهي أمُّه - توفي في رمضان من هذه

стр. 3847

السنة مطعونًا [لمْ يُمهله الله بعد حُجر بن عديٍّ إلا نحو سنة وثلثي سنة، فالتقى هو وعبد الله] (١). وكان سبب هلاكه بالطاعون أنه كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطتُ لك العراق بشمالي، ويميني فارغةٌ فارْعَ لي ذلك، وهو يعرّض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضًا، فلمّا بلغ أهل الحجاز ذلك جاؤوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فشكَوا إليه ذلك، وخافوا أن يليَ عليهم زياد فيَعْسِفهم كما عسَفَ أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القِبلة - ودعا على زياد والناس يؤمِّنون، فطُعن زياد بالعراق في يده، فضاق ذرعًا بذلك، واستشار شُريحًا القاضي في قطع يده، فقال له شُريح: إني لا أرى أن تفعل بنفسك ذلك، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيتَ الله أجذم قد قُطعت يدك جزعًا من لقاء الله، وإن كان لك أجل بقيتَ في الناس أجذم فتعيَّر بذلك أنت وولدك. فصرفه عن ذلك، فلما خرج شُريح من عنده عاتبه بعض الناس وقالوا: هلّا تركته يقطع يده؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَن" (٢). ويقال: إن زيادًا جعل يقول: أأنام أنا والطاعون في فراش واحد؟ فعزم على قطع يده، فلما جيء بالمكاوي والحديد خاف من ذلك فترك ذلك. ويذكر أنه جمع مئة وخمسين طبيبًا عنده ليداووه مما يجد من الحرِّ في باطنه، منهم ثلاثة ممّن كان يَطِبُّ كسرى بن هُرْمز، فعجزوا هم وهو عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة، وقد أقام في إمرة العراق خمس سنين، ودفن بالثَّويَّة (٣) خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدًا إلى الحجاز واليًا عليها [مضافًا إلى ما بيده من العراق وخراسان وغير ذلك] (٤)، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا بن سُميَّة، فلا الدنيا بقيتْ لك، ولا الآخرة أدركت. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني أبي، عن هشام بن محمد، حدّثني يحيى بن ثعلبة أبو المقوَّم (٥) الأنصاري، عن أمه عائشة، عن أمها (٦)، عن عبد الرحمن بن السائب الأنصاري قال: جمع زياد أهل

стр. 3848

الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليه البراءة من علي بن أبي طالب. قال عبد الرحمن: فإني لمع نفر من أصحابي من الأنصار والناسُ في أمر عظيم من ذلك وفي حصر، قال: فهوَّمْتُ تَهْويمة - أي: نَعَسْتُ نَعْسَة - فرأيت شيئًا أقبل طويلَ العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقَّاد ذو الرقبة، بُعثت إلى صاحب هذا القصر، قال: فاستيقظتُ فزعًا، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم [فما هو إلا أن أخبرتهم] (١) خرج علينا خارج من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عنِّي فإني عنكم مشغول، وإذا الطاعون قد أصابه (٢). وروى ابن أبي الدنيا: أن زيادًا لما ولي الكوفة سأل عن أعبَد أهلها، فدُلَّ على رجل يقال له: أبو المغيرة الحميَري، فجيء به، فقال له: الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت، فقال: لو أعطيتني ملك الأرض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة. فقال: الزم الجماعة ولا تتكلم بشيء، فقال: لا أستطيع ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فامر به فضُربت عنقُه. [ولما احتُضر قال له ابنه: يا أبة قد هيَّأت لك ستين ثوبًا أكفنكَ فيها، فقال: يا بنيَّ قد دنا من أبيك أمرٌ إما لباس خير من لباسه، وإما سلب سريع] (٣). وهذا غريب جدًّا. صَعْصَعة بنُ ناجِيَة (٤): ابن عِقال (٥) بن محمد بن سفيان بن مُجاشع بن دارم. كان سيِّدًا في قومه في الجاهلية وفي الإسلام. يقال: إنه أحيا في الجاهلية ثلاثمئة وستين مَوْؤودة، وقيل: أربعمئة، وقيل: ستًّا وتسعين مَوْؤودة، فلمَّا أسلم قال له رسول اللّه ﷺ "لكَ أجرُ ذلكَ إذ مَنَّ اللّهُ عليكَ بالإسلام" (٦). ويروى عنه: أنه أولَ ما أحيا الموؤودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال: فبينا أنا في الليل

стр. 3849

أسيرُ إذ أنا بنار تضيء تارة وتخبو أخرى، فجعلت لا أهتدي إليها، فقلت: اللهم لك عليَّ إن أوصلتني إليها أن أدفع عن أهلها ضيمًا إن وجدته بهم، قال: فوصلتُ إليها وإذا شيخ كبير يوقد نارًا وعنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن؟ فقلن: إنَّ هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تُطْلَق ولم تخلُص، فقال لي الشيخ صاحب المنزل: وما خبرك؟ فقلت: إني في طلب ناقتين ندَّتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما في إبلنا، قال: فنزلتُ عنده، قال: فما هو إلَّا أن نزلت إذ قلن: وضعتْ، فقال الشيخ: إن كان ذكرًا فارتحلوا، وإن كانت أنثى فلا تُسْمعنني صوتها، فقلت له: علامَ تقتلُ ولدك ورِزقُه على اللّه؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تَبِين (١) عنك أو تموت، قال: بكم؟ قلت: بإحدى ناقتَيّ، قال: لا، قلت: فبهما، قال: لا إلَّا أن تزيدني بعيرك هذا، فإني أراه شابًا حسن اللون، قلت: على أن تردَّني إلى أهلي، قال: نعم، فلما خرجتُ من عندهم رأيت أن الذي صنعتُه نعمة من الله منَّ بها عليَّ وهداني إليها، فجعلتُ لله عليَّ ألَّا أجد مَوْؤودة إلَّا افتديتها كما افتديت هذه. قال: فما جاء الإسلام حتى أحييتُ مئة موؤودة إلّا أربعًا، ونزل القرآن بتحريم ذلك على الناس. وممن توفي في هذه السنة من المشاهير المذكورين: جَبَلَة بنُ الأَيْهَم الغسَّاني (٢): ملك نصارى العرب. وهو: جبلَة بن الأَيهم بن جبلَة بن الحارث بن أبي شَمِر، واسمُه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القُرْطَيْن، وهو ابن ثعلَبة بن عمرو بن جَفْنة، واسمه كعب بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس، ومارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جَفْنة، ويقال غير ذلك في نسبه. وكنيةُ جبلة أبو المنذر الغشَاني الجَفْني. وكان ملك غسّان، وهم نصارى العرب أيام هِرَقل، وغسّان أولاد عم الأنصار أَوسِها وخَزْرجها. وكان جبلة آخر ملوك غوإن، فكتب إليه رسول الله ﷺ كتابًا مع شُجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﷺ (٣). قال ابن عساكر: قيل: إنه لم يسلم قطّ. وقد صرح به الواقدي (٤) وسعيد بن عبد العزيز.

стр. 3850

وقال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب، ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وَطِئ رداء رجل من مُزينة بدمشق (١)، فلطمه ذلك المُزَني، فرفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلَة، فقالوا: أو ما يُقتل؟ قال: لا، قالوا: فما تقطع يده؟ قال: لا، إنما أمر الله بالقَوَد، فقال جبلَة: أترون أني جاعل وجهي بدلًا لوجه مُزَني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا، ثم ارتدَّ نصرانيًا، وترحَّل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشقَّ عليه وقال لحسان: إن صديقك جبلَة ارتدَّ عن الإسلام، فقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم قال: ولم؟ قال: لطمه رجل من مُزَينة، فقال: وحقَّ له، فقام إليه عمر بالدِّرَّة فضربه بها. رواه الواقدي عن مَعْمر وغيره، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقد روى ابن الكلبي وغيرُه: أن عمر لما بلغه إسلام جبلَة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، وقيل: بل استأذنه جبلَة في القدوم عليه فأذن له، فركب في خلق كثير من قومه - قيل: مئة وخمسين راكبًا، وقيل: خمسمئة - وتلقته هدايا عمر ونزلُه قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يومُ دخوله إلى المدينة يومًا مشهودًا، دخلها وقد ألبس خيولَه قلائد الذهب والفضة، ولبس هو تاجًا على رأسه مرصَّعًا باللآلئ والجواهر، وفيه قُرْطا مارية جدَّته، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلمَّا سلَّم على عمر رحَّب به عمر وأدنى مجلسَه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وَطِئ إزاره رجلٌ من بني فَزَارة، فانحلّ، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل الذي وَطئ إزاره - ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه - فاستعداه الفَزَاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فَزَارة، فاستحضره عمر، فاعترف جبلة، فقال له عمر: أَقِدْه، فقال جبلة: كيف وأنا ملك وهو سُوقَة؟ فقال: إنَّ الإسلام جمعك وإياه فلستَ تفضلُه إلَّا بالتقوى، فقال جبلَة: قد كنتِ أظن أن أكون في الإسلام أعزَّ مني في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم تُرضِ الرجل أقَدْته منك، فقال: إذًا أتنصَّر، فقال: إن تنصَّرتَ ضربتُ عنقك، فلمّا رأى الجدَّ قال: أمهلني لأنظر في أمري هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما ادلهمَّ الليل ركب في قومه ومَنْ أطاعه فسار إلى الشام، ثم دخل بلاد الروم، ودخل على هِرَقل في مدينة القُسْطنطينية، فرحَّب به هِرَقل، وأكرمه، وأقطعه بلادًا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقًا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سُمّاره، فمكث عنده دهرًا. ثم إنَّ عمر كتب كتابًا إلى هِرَقل مع رجل يقال له: جَثّامة بن مساحق (٢) الكناني، فلما بلغ هِرَقل كتابُ عمر بن الخطاب قال له

стр. 3851

هِرَقل: هل لقيتَ ابن عمِّك جبلَة؟ قال: لا، قال: فالقَهُ، فذكر اجتماعه به، وما هو فيه من النّعمة والسُّرور والحُبور الدُّنيوي في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحِسَان من الخدم والقِيَان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوَّض بها عن دار السلام (١)، وذكر أنه دعاه إلى الإسلام والعَوْد إلى الشام، فقال له جبلَة: أبعدَ ما كان مني من الارتداد؟ فقال: نعم، إنَّ الأشعث بن قيس ارتدَّ وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحقِّ قبلوه منه وزوَّجه الصدِّيق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئًا حتى سكر، ثم أمر جواريه القِيَان فغنَّيْنَه بالعيدان من قول حسّان يمدح بني عمِّه من غسان، والشعر في والد جبلَة هذا الحيوان: للّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ نادَمْتُهُمْ … يومًا بجلِّقَ في الزَّمانِ الأوَّلِ أولادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قبرِ أَبيهم … قبرِ ابنِ ماريَةَ الكريم المُفْضِلِ يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَلَيهمُ … بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ بيضُ الوُجوهِ كريمة أَحسَابُهُمْ … شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطِّرازِ الأَوَّلِ يُغْشَوْنَ حتَّى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ … لا يَسْأَلونَ عن السَّوادِ المُقْبِلِ (٢) قال: فأعجبه قولُهنَّ ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابِت الأنصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حال حسان؟ قلت له: تركته ضريرًا شيخًا كبيرًا. ثم قال لهن: أَطْرِبْنني، فاندفعن يغنِّين لحسان أيضًا: لِمَنِ الدَّارُ أقفَرتْ بمَعَانِ … بينَ أعلى اليَرْموكِ فالصَّمَّانِ فالقُرَيَّاتِ مِنْ بَلاسَ فدارَيَّـ … ـا فسَكاءَ فالقصورِ الدَّواني فحِمى جاسمٍ إلى مرجِ ذي الصُّـ … ـفْرِ مَغْنى قبائل وهِجانِ تلكَ دارُ العزيزِ بعدَ أَنيسٍ … وملوكٍ عظيمةِ الأَرْكانِ صلواتُ المسيحِ في ذلكَ الدَّيْـ … ـر دعاء القسِّيسِ والرُّهْبانِ ذاكَ مَغْنى لآلِ جَفْنَةَ في الدَّهْـ … ـر وحقٌّ تعاقبُ الأزمانِ قد أراني هناكَ حقَّ مَكينٍ … عند ذي التّاجِ مَجْلسي ومَكاني ثكلتْ أُمُّهُمْ وقَدْ ثكلتْهُمْ … يومَ حلُّوا بحارثِ الجَوْلانِ ودَنا الفصحُ فالوَلائِدُ يَنْظِمْـ … ـنَ سِراعًا أَكلَّةَ المَرْجَانِ (٣)

стр. 3852

ثم قال: هذا لابن الفُريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلًا ثم قال لهن: بكينني، فوضعن عيدانهنَّ ونكَّسن رؤوسهنَّ وقلن: تَنَصَّرتِ الأشرافُ من عارِ لَطْمةٍ … وما كانَ فيها لو صبرتُ لها ضَرَرْ تكنَّفَني فيها لجاجٌ ونَخْوَةٌ … وبعتُ بها العينَ الصَّحِيحةَ بالعَوَرْ فيا ليتَ أُمي لم تَلِدْني ولَيْتَني … رجعتُ إلى القولِ الذي قالهُ عُمَرْ ويا ليتَني أَرعى المخاضَ بقفْرَةٍ … وكنتُ أسيرًا في ربيعةَ أو مُضَرْ ويا ليتَ لي بالشّامِ أدنى مَعيشةٍ … أُجال قومي ذاهبَ السَّمعِ والبَصَرْ أَدِينُ بما دانُوا به مِنْ شريعةٍ … وقد يَصْبِرُ العَوْدُ الكبيرُ على الدَّبَرْ (١) قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بلَّ لحيته بدموعه، وبكيت معه، ثم استدعى بخمسئة دينار هِرَقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى مثلها فقال: خذ هذه لك، فقلت: لا حاجةَ لي فيها ولا أقبل منك شيئًا وقد ارتددتَ عن الإسلام - فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان فبعث بألف دينار هِرَقلية - ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين. فلمَّا قدمت على عمر أخبرته خبره، فقال: ورأيتَه يشرب الخمر؟ قلت: نعم، قال: أبعده اللّه، تعجَّل فانيةً بباقية فما ربحت تجارتُه. ثم قال: وما الذي وجَّه به لحسان؟ قلت: خمسمئة دينار هِرَقلية، فدعا حسانًا فدفعها إليه، فأخذها وولَّى وهو يقول: إنَّ ابنَ جَفْنَةَ من بقيَّةِ معشرٍ … لم يَغْزُهُمْ آباؤُهُمْ باللُّومِ لم يَنْسَني بالشَّام إذ هو ربُّها … كلَّا ولا مُتَنَصِّرًا بالرُّومِ يُعطي الجزيلَ ولا يراهُ عندَهُ … إلَّا كبعضِ عطيَّةِ المَذْمومِ (٢) وأَتَيْتُهُ يومًا فقرَّبَ مجلسي … وسَقى فروّاني من الخُرْطُومِ (٣) ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد اللّه بن مَسْعدة الفَزَاري رسولًا إلى ملك

стр. 3853

الروم، فاجتمع بجبلَة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلَة: لو أعلم أن معاوية يُقْطِعُني أرض البَثَنِيَّة (١) فإنها منازلنا وعشرين قريةً من غوطة دمشق، ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد اللّه بن مَسْعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: نعم أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابًا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلّا وقد مات في هذه السنة، قبَّحه الله. ذكر أكثرَ هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج بن الجَوْزي في "المنتظم" وأرَّخ وفاته في هذه السنة - أعني سنة ثلاث وخمسين. وقد ترجمه ابن عساكر في "تاريخه" فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلَة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة، والله أعلم. ثم دخلت سنة أربع وخمسين فيها شتا محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصّائفة معن بن يزيد السُّلمي. وفيها عزل معاويةُ سعيدَ بن العاص عن إمرة المدينة، وردَّ إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص ويصفِّي أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان بالفَعَلة إلى دار سعيد ليهدمها، فقال سعيد: ما كنتَ لتفعل ذلك، فقال: إنَّ أمير المؤمنين كتب إليَّ بذلك، ولو كتب إليك في داري لفعلتَه. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولّاه المدينة بأن يهدم دار مروان ويصفِّي ماله، وذكر أنه لم يزل يحاجف معاوية دونه حتى صرف ذلك عنه. فلمَّا رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك ثناه ذلك عن دار سعيد وعن أخذ أمواله، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقرَّ عليه أمواله. وفيها عزل معاويةُ سَمُرةَ بن جُنْدب عن البصرة، وكان زياد قد استخلفه عليها، فأقرَّه معاوية ستة أشهر ثم عزله، وولَّى عليها عبد الله بن عمرو بن غَيْلان. وروى ابن جرير وغيره عن سَمُرة أنه قال لمَّا عزله معاوية: لعن الله معاوية، لو أطعتُ اللّه كما أطعتُ معاوية ما عذَّبني أبدًا. وهذا لا يصح عنه. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية [دمشق من العراق] (٢) فأكرمه وسأله عن نوّاب أبيه

стр. 3854

على البلاد، فأخبره عنهم. ثم ولّاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهَّز من فوره غاديًا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارى [ففتح رامِيثَن (١) ونصف بِيْكَنْد - وهما من معاملة بخارى -] (٢) والتقى الترك هناك، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إنَّ المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبَس خفَّيها، فلبست واحدة وتركت الأخرى، فأخذها المسلمون فقوَّموا جَوْرَبها (٣) بمئتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين. في هذه السنة حجَّ بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أَسِيد، وقيل: بل كان عليها الضحَّاك بن قيس. وكان على البصرة عبد الله بن غَيْلان. ذكر من توفي فيها من الأعيان: أسامة بن زيد بن حارثَه الكَلْبي (٤): أبو محمد المدني، مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحِبُّه وابن حِبِّه، وأمُّه بَرَكَة أمُّ أيمن مولاة رسول الله ﷺ وحاضنتُه. ولّاه رسول اللّه ﷺ الإمرة بعد مقتل أبيه، فطَعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله ﷺ : "إن تَطعَنوا في إمارتَه فقد طَعَنْتم في إمرة أبيهِ من قَبْله، وايمُ اللّهِ إنْ كان لخَليقًا بالإمارة وإن كان لمن أَحبِّ الناسِ إليَّ [وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناسِ إليّ] (٥) بعده (٦). وثبت في "صحيح البخاري" (٧) عنه: "أن رسول الله ﷺ كان يُجلسُ الحسنَ بن عليٍّ على فخذه ويُجلسُ أسامة على فخذه الأُخرى ويقول: اللهمَّ إنِّي أُحِبُّهما فأَحِبَّهما".

стр. 3855

وفضائله كثيرة جدًّا. توفي رسول الله ﷺ وعمره تسع عشرة سنة. وكان عمر إذا لقيه يقول: السلام عليك أيُّها الأمير. وصحح أبو عمر بن عبد البَرّ (١) أنه توفي في هذه السنة، وقال غيره: سنة ثمان - أو تسع - وخمسين، وقيل: توفي بعد مقتل عثمان. فالله أعلم. ثَوْبان بن بُجْدُد (٢): مولى رسول الله ﷺ تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه ﵇. أصله من العرب، فأصابه سَبْي، فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، فلزم رسولَ الله ﷺ سفرًا وحضرًا، فلمّا مات أقام بالرَّملة، ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارًا، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل: سنة أربعين وهو غلط، ويقال: إنه توفي بمصر، والصحيح بحمص. جُبير بن مُطْعم (٣): تقدم أنه توفي سنة خمسين. الحارثُ بنُ رِبْعي (٤): أبو قَتَادة الأنصاري، [وقال الواقدي: اسمه النعمان بن رِبْعي. وقال غيره: عَمرو بن رِبْعي. وهو أبو قَتادة الأنصاري] (٥) السَّلمي المدني، فارس الإسلام.
следующие страницы →