← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

هِرَقل: هل لقيتَ ابن عمِّك جبلَة؟ قال: لا، قال: فالقَهُ، فذكر اجتماعه به، وما هو فيه من النّعمة والسُّرور والحُبور الدُّنيوي في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحِسَان من الخدم والقِيَان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوَّض بها عن دار السلام (١)، وذكر أنه دعاه إلى الإسلام والعَوْد إلى الشام، فقال له جبلَة: أبعدَ ما كان مني من الارتداد؟ فقال: نعم، إنَّ الأشعث بن قيس ارتدَّ وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحقِّ قبلوه منه وزوَّجه الصدِّيق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئًا حتى سكر، ثم أمر جواريه القِيَان فغنَّيْنَه بالعيدان من قول حسّان يمدح بني عمِّه من غسان، والشعر في والد جبلَة هذا الحيوان: للّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ نادَمْتُهُمْ … يومًا بجلِّقَ في الزَّمانِ الأوَّلِ أولادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قبرِ أَبيهم … قبرِ ابنِ ماريَةَ الكريم المُفْضِلِ يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَلَيهمُ … بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرحيقِ السَّلْسَلِ بيضُ الوُجوهِ كريمة أَحسَابُهُمْ … شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطِّرازِ الأَوَّلِ يُغْشَوْنَ حتَّى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ … لا يَسْأَلونَ عن السَّوادِ المُقْبِلِ (٢) قال: فأعجبه قولُهنَّ ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابِت الأنصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حال حسان؟ قلت له: تركته ضريرًا شيخًا كبيرًا. ثم قال لهن: أَطْرِبْنني، فاندفعن يغنِّين لحسان أيضًا: لِمَنِ الدَّارُ أقفَرتْ بمَعَانِ … بينَ أعلى اليَرْموكِ فالصَّمَّانِ فالقُرَيَّاتِ مِنْ بَلاسَ فدارَيَّـ … ـا فسَكاءَ فالقصورِ الدَّواني فحِمى جاسمٍ إلى مرجِ ذي الصُّـ … ـفْرِ مَغْنى قبائل وهِجانِ تلكَ دارُ العزيزِ بعدَ أَنيسٍ … وملوكٍ عظيمةِ الأَرْكانِ صلواتُ المسيحِ في ذلكَ الدَّيْـ … ـر دعاء القسِّيسِ والرُّهْبانِ ذاكَ مَغْنى لآلِ جَفْنَةَ في الدَّهْـ … ـر وحقٌّ تعاقبُ الأزمانِ قد أراني هناكَ حقَّ مَكينٍ … عند ذي التّاجِ مَجْلسي ومَكاني ثكلتْ أُمُّهُمْ وقَدْ ثكلتْهُمْ … يومَ حلُّوا بحارثِ الجَوْلانِ ودَنا الفصحُ فالوَلائِدُ يَنْظِمْـ … ـنَ سِراعًا أَكلَّةَ المَرْجَانِ (٣)

стр. 3852

ثم قال: هذا لابن الفُريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلًا ثم قال لهن: بكينني، فوضعن عيدانهنَّ ونكَّسن رؤوسهنَّ وقلن: تَنَصَّرتِ الأشرافُ من عارِ لَطْمةٍ … وما كانَ فيها لو صبرتُ لها ضَرَرْ تكنَّفَني فيها لجاجٌ ونَخْوَةٌ … وبعتُ بها العينَ الصَّحِيحةَ بالعَوَرْ فيا ليتَ أُمي لم تَلِدْني ولَيْتَني … رجعتُ إلى القولِ الذي قالهُ عُمَرْ ويا ليتَني أَرعى المخاضَ بقفْرَةٍ … وكنتُ أسيرًا في ربيعةَ أو مُضَرْ ويا ليتَ لي بالشّامِ أدنى مَعيشةٍ … أُجال قومي ذاهبَ السَّمعِ والبَصَرْ أَدِينُ بما دانُوا به مِنْ شريعةٍ … وقد يَصْبِرُ العَوْدُ الكبيرُ على الدَّبَرْ (١) قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بلَّ لحيته بدموعه، وبكيت معه، ثم استدعى بخمسئة دينار هِرَقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى مثلها فقال: خذ هذه لك، فقلت: لا حاجةَ لي فيها ولا أقبل منك شيئًا وقد ارتددتَ عن الإسلام - فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان فبعث بألف دينار هِرَقلية - ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين. فلمَّا قدمت على عمر أخبرته خبره، فقال: ورأيتَه يشرب الخمر؟ قلت: نعم، قال: أبعده اللّه، تعجَّل فانيةً بباقية فما ربحت تجارتُه. ثم قال: وما الذي وجَّه به لحسان؟ قلت: خمسمئة دينار هِرَقلية، فدعا حسانًا فدفعها إليه، فأخذها وولَّى وهو يقول: إنَّ ابنَ جَفْنَةَ من بقيَّةِ معشرٍ … لم يَغْزُهُمْ آباؤُهُمْ باللُّومِ لم يَنْسَني بالشَّام إذ هو ربُّها … كلَّا ولا مُتَنَصِّرًا بالرُّومِ يُعطي الجزيلَ ولا يراهُ عندَهُ … إلَّا كبعضِ عطيَّةِ المَذْمومِ (٢) وأَتَيْتُهُ يومًا فقرَّبَ مجلسي … وسَقى فروّاني من الخُرْطُومِ (٣) ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد اللّه بن مَسْعدة الفَزَاري رسولًا إلى ملك

стр. 3853

الروم، فاجتمع بجبلَة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والأموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلَة: لو أعلم أن معاوية يُقْطِعُني أرض البَثَنِيَّة (١) فإنها منازلنا وعشرين قريةً من غوطة دمشق، ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد اللّه بن مَسْعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: نعم أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابًا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلّا وقد مات في هذه السنة، قبَّحه الله. ذكر أكثرَ هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج بن الجَوْزي في "المنتظم" وأرَّخ وفاته في هذه السنة - أعني سنة ثلاث وخمسين. وقد ترجمه ابن عساكر في "تاريخه" فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلَة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة، والله أعلم. ثم دخلت سنة أربع وخمسين فيها شتا محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصّائفة معن بن يزيد السُّلمي. وفيها عزل معاويةُ سعيدَ بن العاص عن إمرة المدينة، وردَّ إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص ويصفِّي أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان بالفَعَلة إلى دار سعيد ليهدمها، فقال سعيد: ما كنتَ لتفعل ذلك، فقال: إنَّ أمير المؤمنين كتب إليَّ بذلك، ولو كتب إليك في داري لفعلتَه. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولّاه المدينة بأن يهدم دار مروان ويصفِّي ماله، وذكر أنه لم يزل يحاجف معاوية دونه حتى صرف ذلك عنه. فلمَّا رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك ثناه ذلك عن دار سعيد وعن أخذ أمواله، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقرَّ عليه أمواله. وفيها عزل معاويةُ سَمُرةَ بن جُنْدب عن البصرة، وكان زياد قد استخلفه عليها، فأقرَّه معاوية ستة أشهر ثم عزله، وولَّى عليها عبد الله بن عمرو بن غَيْلان. وروى ابن جرير وغيره عن سَمُرة أنه قال لمَّا عزله معاوية: لعن الله معاوية، لو أطعتُ اللّه كما أطعتُ معاوية ما عذَّبني أبدًا. وهذا لا يصح عنه. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية [دمشق من العراق] (٢) فأكرمه وسأله عن نوّاب أبيه

стр. 3854

على البلاد، فأخبره عنهم. ثم ولّاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهَّز من فوره غاديًا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارى [ففتح رامِيثَن (١) ونصف بِيْكَنْد - وهما من معاملة بخارى -] (٢) والتقى الترك هناك، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إنَّ المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبَس خفَّيها، فلبست واحدة وتركت الأخرى، فأخذها المسلمون فقوَّموا جَوْرَبها (٣) بمئتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين. في هذه السنة حجَّ بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أَسِيد، وقيل: بل كان عليها الضحَّاك بن قيس. وكان على البصرة عبد الله بن غَيْلان. ذكر من توفي فيها من الأعيان: أسامة بن زيد بن حارثَه الكَلْبي (٤): أبو محمد المدني، مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه، وحِبُّه وابن حِبِّه، وأمُّه بَرَكَة أمُّ أيمن مولاة رسول الله ﷺ وحاضنتُه. ولّاه رسول اللّه ﷺ الإمرة بعد مقتل أبيه، فطَعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله ﷺ : "إن تَطعَنوا في إمارتَه فقد طَعَنْتم في إمرة أبيهِ من قَبْله، وايمُ اللّهِ إنْ كان لخَليقًا بالإمارة وإن كان لمن أَحبِّ الناسِ إليَّ [وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناسِ إليّ] (٥) بعده (٦). وثبت في "صحيح البخاري" (٧) عنه: "أن رسول الله ﷺ كان يُجلسُ الحسنَ بن عليٍّ على فخذه ويُجلسُ أسامة على فخذه الأُخرى ويقول: اللهمَّ إنِّي أُحِبُّهما فأَحِبَّهما".

стр. 3855

وفضائله كثيرة جدًّا. توفي رسول الله ﷺ وعمره تسع عشرة سنة. وكان عمر إذا لقيه يقول: السلام عليك أيُّها الأمير. وصحح أبو عمر بن عبد البَرّ (١) أنه توفي في هذه السنة، وقال غيره: سنة ثمان - أو تسع - وخمسين، وقيل: توفي بعد مقتل عثمان. فالله أعلم. ثَوْبان بن بُجْدُد (٢): مولى رسول الله ﷺ تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه ﵇. أصله من العرب، فأصابه سَبْي، فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، فلزم رسولَ الله ﷺ سفرًا وحضرًا، فلمّا مات أقام بالرَّملة، ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارًا، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل: سنة أربعين وهو غلط، ويقال: إنه توفي بمصر، والصحيح بحمص. جُبير بن مُطْعم (٣): تقدم أنه توفي سنة خمسين. الحارثُ بنُ رِبْعي (٤): أبو قَتَادة الأنصاري، [وقال الواقدي: اسمه النعمان بن رِبْعي. وقال غيره: عَمرو بن رِبْعي. وهو أبو قَتادة الأنصاري] (٥) السَّلمي المدني، فارس الإسلام.

стр. 3856

شهد أُحدًا وما بعدها، وكان له يوم ذي قَرَد سعي مشكور كما قدمنا هناك. قال رسول الله ﷺ : "خيرُ فرسانِنا اليومَ أبو قَتَادة، وخيرُ رَجَّالتِنا سلَمةُ بنُ الأكْوَع" (١). وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرًا، وليس بمعروف. وقال أبو سعيد الخُدري: أخبرني من هو خير مني - أبو قَتَادة الأنصاري - أن رسول الله ﷺ قال لعمّار: "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَة" (٢). قال الواقدي وغيره: توفي في هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة. وزعم الهيثم بن عديٍّ وغيرُه: أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلَّى عليه علي بن أبي طالب، وهذا غريب. حَكيم بنُ حِزَام (٣): ابن خُويلد بن أسَد بن عبد العُزى بن قُصيِّ بن كِلاب القرشيُّ الأسديّ، أبو خالد المكي. أمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزى، وعمتُه خديجة بنت خُويلد زوجة رسول الله ﷺ وأمُّ أولاده سوى إبراهيم. ولدت حَكيمًا أمُّه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وذلك أنها دخلت الكعبة تزور، فضربها الطَّلق وهي في الكعبة، فوضعته على نِطع. وكان شديد المحبَّة لرسول الله ﷺ ، ولما كان بنو هاشم وبنو المطَّلب في الشِّعب لا يبايعون ولا يناكحون كان حكيم يُقبل بالعير تقدم من الشام فيشتريها بكمالها (٤)، ثم يذهب بها فيضرب

стр. 3857

أدبارها حتى تلج الشِّعب تحمل الطعام والكسوة تكرمةً لرسول الله ﷺ ولعمته خديجة. وهو الذي اشترى زيد بن حارثة أولًا، فابتاعته منه عمتُه خديجة، فوهبته لرسول الله ﷺ فأعتقَه. وهو الذي اشترى حُلَّة ذي يَزَن، فأهداها لرسول الله ﷺ فلبسها، قال: فما رأيت شيئًا أحسن منه فيها. ومع هذا ما أسلم إلَّا يوم الفتح هو وأولاده كلهم. قال البخاري (١) وغيره: عاش حَكيم في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنَّسب، وكان كثير الصدقة والبِرّ والعَتَاقة، فلما أسلم سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال له: "أَسلمتَ على ما أَسْلَفْتَ (٢) مِنْ خَيْر" (٣). وقد كان حَكيم شهد مع المشركين بدرًا، وتقدَّم إلى الحوض فكاد حمزة أن يقتلَه، فما سُحب إلا سَحبًا من بين يديه، فلهذا كان حَكيم إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي نجَّاني يوم بدر. ولما نزل رسول الله ﷺ يوم الفتح بمَرِّ الظَّهران (٤) ومعه الجنود خرج أبو سفيان وحَكيم يتحسَّسان الأخبار، فلقيهما العباس، فأخذ أبا سفيان فأجاره وأخذ له أمانًا من رسول الله ﷺ ، وأسلم أبو صفيان ليلتئذ كُرْهًا، ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم. وشهد مع رسول الله ﷺ حُنَينًا، وأعطاه رسول الله ﷺ مئةَ من الإبل، ثم سأله، فأعطاه، ثم سأله، فأعطاه ثم قال له: "يا حَكيم إنَّ هذا المال حُلوةٌ خَضِرة، وإنَّه مَنْ أخذهُ بسَخاوة نَفْسٍ بُوركَ له فيه، ومَنْ أخذَهُ بإشْراف نَفْس لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكلُ ولا يَشْبع". فقال حكيم: والذي بعثك بالحقِّ لا أَرْزَأُ (٥) بعدك أحدًا شيئًا. فلم يَرْزَأْ أحدًا بعده، فكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، وكذلك عمر فكان يعرض عليه العطاء فيأبى، فيُشهد عليه المسلمين (٦). ومع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مئة ألف.

стр. 3858

وقد كان بيده حين أسلم الرِّفادة (١) ودار الندوة، فباعها بعد من معاوية بمئة ألف - وفي رواية: بأربعين ألف دينار - فقال له ابن الزبير: بعتَ مَكرُمَة قريش؟! فقال له حكيم: يا بن أخي ذهبت المكارم فلا كرمَ إلَّا بالتقوى، يا بن أخي إني اشتريتها في الجاهلية بزِقّ خمر، ولأَشترينَّ بها دارًا في الجنة، أُشهدك أن قد جعلتُها في سبيل اللّه، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، وكانوا لا يُمكنون أحدًا من دخولها إلَّا مَنْ جاوز الأربعين سنة إلَّا حكيم بن حِزام فإنه دخلها وعمره خمس عشرة سنة. ذكره الزبير بن بكّار (٢). وذكر الزبير: أنَّ حكيمًا حجَّ عامًا فأهدى مئة بَدَنَة مجلَّلة، وألف شاة، وأوقف معه بعرفات مئة وَصِيف (٣) في أعناقهم أَطوقة الفضة قد نُقش فيها: هؤلاء عتقاء الله عن حَكيم بن حِزام، فأعتقهم وأهدى جميع تلك الأنعام (٤). ﵁. توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح، [وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة ستين] (٥) وقيل غير ذلك، وله من العمر مئة وعشرون سنة. حُوَيطِب بنُ عبد العزَّى العامري (٦): صحابي جليل. أسلم عام الفتح، وكان قد عُمِّر دهرًا طويلًا، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جدَّدوا أنصاب الحرم (٧).

стр. 3859

وقد شهد بدرًا مع المشركين، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض. وشهد الحُدَيبية وسعى في الصُّلح، فلمّا كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذين أمرا رسول اللّه ﷺ بالخروج من مكة، فأمر بلالًا ألَّا تغرُبَ الشمس وبمكة أحد من أصحابه. قال: وفي كل هذه المواطن أهمُّ بالإسلام ويأبى الله إلّا ما يريد. فلما كان زمن الفتح خفتُ خوفًا شديدًا وهربت، فلحقني أبو ذرّ - وكان لي خليلًا في الجاهلية - فقال: يا حُوَيطب ما لك؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخف فإنه أبرُّ الناس وأَوْصل الناس، وأنا جار لك فأقدم معي، فرجعت معه، فوقف بي على رسول الله ﷺ وهو بالبَطحاء ومعه أبو بكر وعمر، وقد علَّمني أبو ذرٍّ أن أقول: السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة اللّه وبركاته، فلما قلت ذلك قال: "حُوَيطب"؟! قلت: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: "الحمدُ للّهِ الذي هَداك" وسُرَّ بذلك، واستقرضني مالًا، فأقرضتُه أربعين ألفًا. وشهدت معه حُنَينًا والطائف، وأعطاني من غنائم حُنين مئة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها، وله بها دار، ولما ولي عليها مروان بن الحكم جاءه حُوَيطب وحكيم بن حِزام ومَخْرمة بن نوفل، فسلَّموا عليه وجعلوا يتحدَّثون عنده ثم تفرَّقوا. ثم اجتمع حُوَيطب بمروان يومًا آخر، فسأله مروان عن عمره، فأخبره، فقال له: تأخر إسلامُك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث، فقال حُوَيطب: اللهُ المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير مرَّة كل ذلك يَعُوقني أبوك يقول: تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين مُحْدَث، وتصير تابعًا؟! قال: فأُسكت مروان واستحيى وندم على ما كان قال لي. ثم قال حُوَيطب: أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم؟ قال: فازداد مروان غَمًّا. وكان حُوَيطب فيمن شهد دفن عثمان. واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار، فاستكثرها الناس، فقال حُوَيطب: وما هي في رجل له خمسة من العيال؟!. قال الشافعي: كان حُوَيطب حميد الإسلام، وكان أكثر قريش بمكة ريعًا جاهليًا. وقال الواقدي: عاش حُوَيطب في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. ومات حويطب في هذه السنة بالمدينة، وله مئة وعشرون سنة. وقال غيره: توفي بالشام. له حديث واحد رواه البخاري ومسلم والنَّسائي (١) من حديث السائب بن يزيد عنه، عن عبد الله بن

стр. 3860

السعدي، عن عمر في العُمَالة (١) بتمامه، وهو من غريب الحديث لأنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة، ﵃. سَعيد (٢) بن يَرْبوع (٣): ابن عَنْكَثَة بن عامر بن مخزوم. أسلم عام الفتح، وشهد حُنينًا، وأعطاه رسول اللّه ﷺ خمسين من الإبل. وكان اسمه صُرْمًا - وفي رواية: أَصْرم - فسمّاه سعيدًا. وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم (٤). وقد أُصيب بصرُه بعد ذلك، فأتاه عمر يعزِّيه فيه. رواه البخاري (٥). قال الواقدي وخليفة (٦) وغير واحد: مات في هذه السنة بالمدينة - وقيل: بمكة - وهو ابن مئة وعشرين سنة، وقيل: أكثر من ذلك. مُرَّة بن شَرَاحيل الهَمْداني (٧): ويقال له: مُرَّة الطَّيِّب، ومُرَّة الخَيْر. روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. كان يصلِّي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما كبر صلَّى أربعمئة ركعة.

стр. 3861

ويقال: إنه سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رُئي في المنام - وقد صار ذلك المكان نورًا - فقيل له: أين منزلك؟ فقال: في دار لا يَظْعَن أهلُها ولا يموتون. [النُّعَيْمان بن عَمْرو] (١) (٢): ابن رفاعة بن الحارث (٣). شهد بدرًا وما بعدها. ويقال: إنه هو الذي كان يُؤتى به في الخمر [فيجلده النبي ﷺ ] (٤) فقال رجل: لعنه اللهُ ما أكثرَ ما يُؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَلْعَنْه، فإنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَه" (٥). سَوْدة بنت (٦) زَمْعَة (٧): القرشيَّة العامريَّة، أمُّ المؤمنين. تزوجها رسول الله ﷺ بعد خديجة، وكانت قبلَه عند السَّكران بن عمرو - أخي سهيل بن عمرو - فلما كبرت همَّ رسول الله ﷺ بطلاقها، ويقال: إنه طلَّقها، فسألته أن يُبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها، وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨] (٨). وكانت ذات عبادة وورع وزهادة. قالت عائشة: ما من امرأة أحبّ أن أكون في مِسْلاخها إلا سَوْدة، إلَّا أن فيها حدَّة تسرعُ منها الفَيْئة (٩).

стр. 3862

ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة، وقال ابن أبي خَيْثمة: توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب، فاللّه أعلم. ثم دخلت سنة خمس وخمسين فيها عزل معاوية عبد اللّه [بن عمرو] (١) بن غَيْلان عن البصرة وولَّى عليها عبيد الله بن زياد، وكان سبب عزله أنه كان يخطُب الناس، فحصَبه رجل من بني ضَبَّة، فأمر بقطع يده، فجاء قومه إليه فقالوا له: إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعتَ يد صاحبنا في هذا الصَّنيع فعل به وبقومه نظير ما فعل بحُجر بن عدي، فاكتب لنا كتابًا أنك قطعت يده في شُبهة، فكتب لهم، فتركوه عندهم حينًا، ثم جاؤوا معاوية فقالوا له: إنَّ نائبك قطع يد صاحبنا في شُبهة فأَقِدْنا منه، قال: لا سبيل إلى القَوَد من نوّابي ولكن الدِّية، فأعطاهم الدية [من بيت المال] (٢) وعزل عنهم ابن غَيْلان، وقال لهم: اختاروا مَنْ تريدون، فذكروا رجالًا، فقال: لا، ولكن أولِّي عليكم ابنَ أخي عبيد الله بن زياد، فولّاه، فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة، فلم يغزُ ولم يفتح شيئًا من البلاد. وجاء ابن زياد إلى البصرة فولَّى قضاءها لزُرارة بن أَوْفى، ثم عزله وولَّى ابن أُذينة العبدي، وولَّى شرطتها عبد اللّه بن حصن (٣). وحجَّ بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وفيها عزل معاوية عبد اللّه بن خالد بن أَسِيد عن الكوفة، وولَّى عليها الضحاك بن قيس الفِهْري. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان: الأَرْقم بنُ أبي الأَرْقم (٤): عبد مناف بن أسَد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. أسلم قديمًا - يقال: سابع سبعة - وكانت داره كهفًا للمسلمين يأوي إليها رسول اللّه ﷺ ومَنْ أسلم معه

стр. 3863

من قريش، وكانت عند الصَّفا، وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي، فوهبها لامرأته الخَيْزُران أمِّ موسى الهادي وهارون الرشيد، فَبَنَتْها وجدَّدتها فعُرفت بها، ثم صارت لغيرها. وقد شهد الأَرقم بدرًا وما بعدها من المشاهد. ومات بالمدينة في هذه السنة، وصلَّى عليه سعد بن أبي وقاص أوصى به ﵄، وله بضع وثمانون سنة. سَحْبان بنُ زُفَر بن إياس (١): ابن عبد شمس بن الأحب (٢) الباهلي الوائلي، الذي يضرب بفصاحته المثل فيقال: أفصح من سَحْبان وائل. ووائل: هو ابن مَعْن (٣) بن مالك بن أعصُر بن سعد بن قيس بن عَيْلان (٤) بن مُضر بن نزار. وباهلة امرأة مالك بن أعصُر، ينسب إليها ولدها، وهي: باهلة بنت صَعب بن سعد العَشيرة. قال ابن عساكر: سَحْبان المعروف بسَحْبان وائل، بلغني أنه وفد على معاوية فتكلَّم، فقال معاوية: أنت الشيخ؟ فقال: إي واللّه وغير ذلك. ولم يزد ابن عساكر على هذا. وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه "المنتظم" كما ذكرنا، ثم قال: وكان بليغًا يُضرب المثل بفصاحته، دخل يومًا على معاوية وعنده خطباء القبائل، فلمّا رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه، فقال سَحْبان: لقَدْ علِمَ الحيُّ اليَمانُون أنَّني … إذا قلتُ: أمَّا بعدُ، أَنِّي خطيبُها فقال له معاوية: اخطب، فقال: انظروا لي عَصًا تُقيم من أَوَدي، فقالوا: وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربَّه ، فأخذها وتكلم من الظُّهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح ولا سعَل ولا توقَّف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيتْ عليه بقيةٌ فيه، فقال معاوية: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد، وعِظة وتنبيه، وتذكير ووعد ووعيد؟! فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدَها؟! بل أخطب الجنِّ والإنس، قال: أنت كذلك.

стр. 3864

سعد بن أبي وقّاص (١): واسمه (٢) مالك بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كِلاب، أبو إسحاق القرشي الزُّهري. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشُّورى الذين توفي رسول اللّه ﷺ وهو عنهم راض. أسلم سعد قديمًا، قالوا: وكان عمره يوم أسلم سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلمَ أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه، ولقد مكثتُ سبعة أيام وإني لثلُث الإسلام (٣) سابع سبعة (٤). وهاجر، وشهد بدرًا وما بعدها. وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللّه (٥). وكان فارسًا شجاعًا، من أمراء رسول الله ﷺ . وكان في أيام الصدِّيق معظَّمًا جليل القدر، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه عمر على الكوفة، وهو الذي كوَّف الكوفة، ونفى عنها الأعاجم. وكان مجاب الدعوة. وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جَلُولاء (٦). وكان سيِّدًا مطاعًا. وعزله عمر عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن للمصلحة التي ظهرتْ لعمر في ذلك، وقد ذكره في الستة أصحاب الشُّورى. ثم ولّاه عثمان الكوفة، ثم عزله عنها.

стр. 3865

وقال الحميدي: عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر دومة الجَنْدل يوم الحكَمَين. وثبت في "صحيح مسلم" (١) أن ابنه عُمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال: الناسُ يتنازعون الإمارة وأنت هاهنا؟! فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ الغَنيَّ التَّقيَّ الخَفيّ". قال ابن عساكر: وذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص جاءه فقال: يا عم هاهنا مئة ألف سيف يَرَوْنك أحقَّ الناس بهذا الأمر، فقال: أريد من مئة ألف سيف سيفًا واحدًا إذا ضربتُ به المؤمن لم يؤذه ولم يقطع فيه شيئًا، واذا ضربتُ به الكافر قطع. [أو قال: أريد سيفًا يعرف المؤمن من غيره حتى لا أؤذيه] (٢). وقال عبد الرزاق: [عن معمر] (٣) عن ابن جُريج، حدثني زكريا بن عمرو أنَّ سعد بن أبي وقّاص وفد على معاوية، فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر (٤) وقال غيره: فبايعه وما سأله سعد شيئًا إلّا أعطاه إياه. وقال أبو يعلى (٥): حَدَّثَنَا زهير، حدّثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: قال سعد: إني لأولُ رجل رمى بسهم في سبيل الله في المشركين، وما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحدٍ قبلي، ولقد سمعتُه يقول: "ارْمِ فداكَ أبي وأُمي". وقال أحمد (٦): حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا إسماعيل، عن فيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهمٍ في سبيل اللّه، ولقد كنا نغزو ومالنا طعام نأكله إلّا ورق الحُبْلَة وهذا السَّمُر (٧) حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحتْ بنو أسد تعزِّرني على الدِّين، لقد خبتُ إذًا وضلَّ عملي. رواه شعبة ووكيع وغير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد به.

стр. 3866

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا [يحيى بن سعيد] (١) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيِّب، عن سعد قال: "جمعَ لي رسولُ الله ﷺ أبوَيْه يومَ أُحد". ورواه أحمد [أيضًا عن غُنْدَر] (٢)، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. [وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الأنصاري] (٣). ورواه غير واحد عن سعيد بن المسِّيب، عن سعد. ورواه الناس من حديث عامر بن سعد، عن أبيه. وفي بعض الروايات: "فداكَ أبي وأمي". وفي رواية: "فقال: اِرْمِ وأنتَ الغلامُ الحَزَوَّر" (٤). وقال أحمد (٥): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شدّاد، سمعت عليًا يقول: ما سمعتُ رسول اللّه ﷺ يفدي أحدًا بأبويه إلَّا سعد بن مالك، فإني سمعتُه يقول له يوم أُحد: "اِرْمِ سعدُ فداكَ أبي وأُمي". ورواه البخاري (٦) عن أبي نعيم عن مِسْعَر، عن سعد بن إبراهيم به. ورواه شعبة، عن سعد بن إبراهيم. ورواه سفيان بن عُيينة وغير واحد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيِّب، عن علي بن أبي طالب، فذكره. وقال الأعمش: عن أبي خالد، عن جابر بن سَمُرة قال: أول الناس رمى بسهمٍ في سبيل الله سعدٌ ﵁. وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمر، عن أيوب أنه سمع عائشةَ بنت سعد تقول: أنا ابنةُ المهاجر الذي فدَّاه رسول اللّه ﷺ بالأبوين. وقال الواقدي: حدّثتني عبيدة بنت نابل (٧)، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها قال: لقد رأيتني أرمي بالسَّهم يوم أُحد فيردّه عليَّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتّى لمّا كان بعد ذلك ظننتُ أنه مَلَك.

стр. 3867

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن أبيه [عن أبيه] (١) عن سعد بن أبي وقّاص قال: لقد رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره يوم أُحدٍ رجلَين عليهما ثيابٌ بيض يقاتلان عنه كأشدِّ القتال، ما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ. ورواه الواقدي: حدّثني [أبو] (٢) إسحاق بن أبي عبد اللّه، عن عبد الواحد (٣) - جد ابن أبي عون - عن زياد مولى سعد، عن سعد قال: رأيتُ رجلَين يوم بدرٍ يقاتلان عن رسول اللّه ﷺ أحدُهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وإني لأراهُ ينظرُ إلى ذا مرةً وإلى ذا مرةً مسرورًا بما ظفَّره الله (٤). وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن (٥) علقمة، عن ابن مسعود قال: لقد رأيتُ سعدَ بن أبي وقاص يقاتل يوم بدرٍ قتالَ الفارس للرّاجل. وقال سفيان: عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة بن (٦) عبد اللّه بن مسعود، عن أبيه قال: اشتركتُ أنا وسعدٌ وعمّار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء سعد بأَسِيرين، ولم أَجئ أنا وعمّار بشيء. وقال مالك: عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد اللّه بن عامر بن ربيعة يقول: قالت عائشة: بات رسول الله ﷺ أَرِقًا ذات ليلة ثم قال: "ليتَ رجلًا صالحًا يحرسُني الليلة" قالت: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا صوت السِّلاح، فقال رسول اللّه: "مَنْ هذا"؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت أحرسُكَ يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعتُ غَطِيطه (٧). أخرجاه (٨) من حديث يحيى بن سعيد. وفي رواية: فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام. وقال أحمد: حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا رِشْدين بن سعد، عن الحجّاج (٩) بن شدّاد، عن أبي صالح

стр. 3868

الغِفَاري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "أولُ مَنْ يدخلُ مِنْ هذا الباب رجلٌ منْ أهلِ الجنَّة" فدخل سعد بن أبي وقّاص (١). وقال أبو يعلى: حدّثنا محمد بن المثنى [حَدَّثَنَا عبد اللّه] (٢) بن قيس الرَّقاشي الخرّاز بصري، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنّا جلوسًا عند رسول اللّه ﷺ فقال: "يدخلُ عليكم مِنْ هذا الباب رجلٌ من أهل الجنَّة"، قال: فليس منا أحد إلا وهو يتمنَّى أن يكون من أهل بيته، فإذا سعدُ بن أبي وقّاص قد طلَع (٣). وقال حَرْملة: عن ابن وَهْب، أخبرني حَيْوة، أخبرني عقيل، عن ابن شِهاب، حدّثني مَنْ لا أتَّهم، عن أنس بن مالك قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول اللّه ﷺ فقال: "يطلُعُ الآنَ عليكُم رجلٌ من أهل الجنَّة" فاطَّلع سعد بن أبي وقّاص، حتى إذا كان الغد قال: رسول اللّه ﷺ مثل ذلك، قال: فاطَّلع سعد بن أبي وقّاص على ترتيبه الأول. حتى إذا كان الغد قال رسول اللّه ﷺ مثل ذلك، قال: فطلَع على ترتيبه الأول. فلمّا قام رسول اللّه ﷺ ثار عبد اللّه بن عمرو بن العاص [إلى سعد] (٤) فقال: إني غاضبتُ أبي فأقسمتُ ألَّا أدخلَ عليه ثلاث ليال، فإن رأيتَ أن تُؤويني إليكَ حتى تنحلَّ يميني فعلت. قال أنس: فزعم عبد اللّه بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان مع الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئًا، غير أنه كان إذا انقلبَ على فراشه ذكر الله وكبَّره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلَّى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمَّه ثم يصبح مفطرًا. قال عبد اللّه بن عمرو: فرمقتُه ثلاث ليال وأيامَهُنَّ لا يزيد على ذلك، غير أني لم أسمعه يقول إلَّا خيرًا، فلمّا مضت الليالي الثلاث وكدتُ أحتقر عمله، قلتُ: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجر، ولكني سمعتُ رسول الله ﷺ قبل ذلك يقول ثلاث مرات في ثلاثة مجالس: "يطلُع عليكم رجلٌ من أهلِ الجنَة" فاطَّلعتَ أنت، فأردتُ أن آوي إليك حتى أنظرَ ما عملك فأَقتدي بكَ لأنال ما نلتَ، فلم أرَ لك كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه ﷺ ؟ فقال: ما هو إلّا ما رأيتَ. قال: فانصرفتُ، فدعاني حين ولَّيت، فقال: ما هو إلَّا ما رأيتَ غيرَ أني لا أجد في نفسي سوءًا لأحد من المسلمين، ولا أنوي له شرًّا، ولا أقوله. قال: قلت: هذه التي بلغتْ بك وهي التي لا أُطيق (٥).

стр. 3869

هكذا رواه صالح المُرِّي، عن عمرو بن دينار - مولى [آل] (١) الزبير - عن سالم، عن أبيه، فذكر مثلَه من رواية أنس بن مالك. وثبت في "صحيح مسلم" (٢) من طريق سفيان الثَّوري، عن المِقْدام بن شُريح، عن أبيه، عن سعدٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم. وفي رواية: أنزل اللّه فيّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] وذلك أنه لما أسلم امتنعتْ أمُّه من الطعام والشراب أيامًا، فقال لها سعد: تعلمين والله لو كانت لك مئة نفس فخرجتْ نفسًا نفسًا ما تركتُ ديني هذا لشيء، إن شئتِ فكُلي واشرَبي، وإن شئتِ فلا تأكُلي ولا تَشْربي [فلمّا رأتْ ذلك أكلتْ] (٣) فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنَّة فثبت في الصحيح (٤) من حديث سعيد بن زيد (٥). وجاء من حديث سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة في قصة حِرَاء (٦) ذكرُ سعد بن أبي وقّاص منهم. وقال هشيم وغير واحد: عن مجالد، عن الشَّعبي، عن جابر قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ فأقبل سعد، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خالي، فَلْيُرِني امرُؤٌ خالَه". رواه الترمذي (٧). وقال الطبراني (٨): حدّثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري، حدّثنا عبد الوهّاب بن الضحّاك، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عيّاش، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التَّميمي، عن جابر قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ إذ أقبل سعد، فقال: "هذا خالي". وثبت في "الصحيحين" من حديث مالك وغيره، عن الزُّهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه "أنَّ رسول الله ﷺ جاءه يعودُه عام حجَّة الوداع من وجع اشتدَّ به. فقلت: يا رسول اللّه! إني ذو مال

стр. 3870

ولا يَرثني إلا ابنة، أفأتصدَّق بثلُثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول اللّه؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنكَ أن تَذَر ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تذرَهم عالةً يتكفَّفون الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللّه إلّا أُجرت بها، حتى ما تجعلُ في في امرأتِك - وفي رواية: حتى اللقمة تضعُها في فم امرأتك - قلتُ: يا رسول اللّه أُخلَّف بعد أصحابي؟ فقال: إنك لن تخلَّف فتعملَ عملًا تبتغي به وجهَ الله إلّا ازددتَ به درجةً ورِفعَة، ولعلَّك أن تخلَّف حتى يَنتفِعَ بك أقوام ويُضَرَّ بك آخرون. ثم قال: اللهمَّ أَمضِ لأصحابي هجرتَهم ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائسُ سعدُ بن خَوْلَة" يرثي له رسول الله ﷺ أنْ مات بمكة (١). ورواه أحمد (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن الجَعْد بن أوس، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها فذكر نحوه، وفيه: قال: "فوضعَ يدَهُ على جبهتِه فمسحَ وجهَه وصدرَه وبطنَه وقال: اللهمَّ اشْفِ سعدًا وأتمَّ لهُ هجرتَه". قال سعد: فما زلتُ يخيَّل إليَّ أني أجدُ برد يده على كبدي حتى السّاعة. وقال ابن وهب: حدّثني موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ عاد سعدًا فقال: "اللهمَّ أَذهِبْ عنه الباس، إلهَ الناس مَلِك الناس، أنتَ الشّافي لا شافيَ له إلَّا أنت، بسم الله أَرْقِيكَ من كلِّ شيء يُؤْذيك، من حَسَدٍ وعَيْن، اللهمَّ أَصِحَّ قلبَهُ وجسمَه، واكشِفْ سَقَمَه، وأَجِبْ دَعْوَتَه". وقال ابن وهب: أخبرني عمرو، عن بكر بن الأَشَجّ قال: سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله ﷺ لسعد: "وعسى أَنْ تبقى ينتفع بكَ أقوام ويُضَرّ بك آخرون" فقال: أُمِّر سعدٌ على العراق، فقتل قومًا على الرِّدَّة فضرَّهم، واستتاب قومًا كانوا سجعُوا (٣) سجع مُسَيْلمة الكذّاب، فتابوا، فانتفعوا به. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا مُعان (٥) بن رِفاعة، حدّثني علي بن يزيد (٦)، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أُمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكَّرنا ورقَّقَنا، فبكى سعد بن أبي وقّاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني متّ، فقال رسول الله ﷺ : ["يا سعد! أعندي تتمنّى الموت"؟ فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال] (٧) "يا سعد! إنْ كنتَ للجنَّة خُلقتَ، فما طالَ من عُمركَ أو حسُنَ من عملكَ فهو خيرٌ لك".

стр. 3871

وقال موسى بن عقبة وغيره: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس عن سعد: أن رسول اللّه ﷺ قال: "اللهمَّ سَدِّدْ رميتَه، وأَجِبْ دَعْوَتَه". ورواه سيار بن بشير، عن قيس، عن أبي بكر الصدِّيق قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول لسعد: "اللهمَّ سَدِّدْ سهمَه، وأَجِبْ دعوتَه، وحبِّبْهُ إلى عبادك". وروي من حديث ابن عباس - وفي رواية: محمد بن عائذ الدمشقي - عن الهيثم بن حميد، عن مطعم، عن المقدام وغيره: أن سعدًا قال: يا رسول الله! ادع الله أن يجيب دعوتي، فقال: "إنَّ اللهَ لا يستجيبُ دعوةَ عبدٍ حتى يطيبَ مطعَمَه" فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يطيب مطعمي، فدعا له. قالوا: فكان سعد يتورَّع من السنبلة يجدها في زرعه، فيردّها من حيث أخذت. وقد كان سعد مجاب الدعوة، لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له، فمن أشهر ذلك ما ثبت في "الصحيحين" من طريق عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة (١): أنَّ أهل الكوفة شكَوا سعدًا إلى عمر في كلِّ شيء حتى قالوا: لا يحسن يصلِّي، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلِّي بهم صلاة رسول اللّه ﷺ أُطيل في الأُولَيين وأَحذف [في] (٢) الأُخْرَيين، فقال عمر: ذاك الظنُّ بكَ يا أبا إسحاق (٣). وكان قد بعث مَنْ يسأل عنه بمحالِّ الكوفة، فجلعوا لا يسألون أهل مسجد إلَّا أثنَوا خيرًا، حتى مرُّوا بمسجد لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قَتادة فقال: إن سعدًا كان لا يسير في السَّريَّة، ولا يقسم بالسَّويَّة، ولا يعدل في القضيَّة. فبلغ سعدًا قولُه، فقال: اللهمَّ إن كان عبدُك هذا قام مقام رياء وسمعة فأَطلْ عمرَه، وأَدم فقرَه، وأَعم بصرَه، وعرِّضه للفتن. قال: فأنا رأيته بعد ذلك شيخًا كبيرًا قد سقطت حاجباه على عينيه، يقف في الطريق فيغمز الجواري، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ مفتونٌ أصابته دعوةُ سعد، وفي رواية غريبة: أنه أدرك فتنة المختار بن أبي عُبيد، فقتل فيها (٤). وقال الطبراني (٥): حَدَّثَنَا يوسف القاضي، حَدَّثَنَا عمرو بن مرزوق، حدّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيِّب قال: خرجتْ جاريةٌ لسعد يقال لها زبراء، وعليها قميص جديد،

стр. 3872

فكشفها الريح، فشدَّ عليها عمر بالدِّرَّة، وجاء سعد ليمنعَه، فتناوله عمر بالدِّرَّة، فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدِّرَّة وقال: اقتصَّ مني، فعفا عن عمر. وروي أيضًا: أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام، فهمَّ سعدٌ أن يدعوَ عليه، فخاف ابن مسعود وجعل يشتدُّ في الهرب. وقال سفيان بن عُيينة: لمّا كان يوم القادسيَّة كان سعد على الناس، وقد أصابته جراح فلم يشهد يوم الفتح - يعني: فتح القادسيَّة - فقال رجل من بَجِيلَة: أَلمْ تَرَ أنَّ اللهَ أظهرَ دِينَهُ … وسعدٌ ببابِ القادسيَّة مُعْصَمُ فأُبْنا وقد آمَتْ نسَاءٌ كثيرةٌ … ونِسْوةُ سعدٍ ليسَ فيهنَّ أَيِّمُ (١) فقال سعد: اللهمَّ اكفنا يدَهُ ولسانَه، فجاء سهمُ غَرب (٢)، فخرسَ ويبستْ يداه جميعًا. وقد أسند زياد البكّائي وسيف بن عمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن قَبيصة بن جابر، عن ابن عمر (٣) .. فذكر مثله، وفيه: ثم خرج سعد فأرى القوم ما به من القروح في ظهره ليعذر إليهم. وقال هشيم: عن أبي بلح، عن مصعب بن سعد أن رجلًا نال من علي، فنهاه سعد، فلم ينته، فقال سعد: أدعو عليك، فلم ينته، فدعا اللّه عليه [فما برح] (٤) حتى جاء بعير نادٌّ (٥) فتخبَّطه. وجاء من وجه آخر: عن عامر بن سعد: أنَّ سعدًا رأى جماعة عكوفًا على رجل، فأدخل رأسه من بين اثنين، فإذا هو يسبُّ عليًا وطلحة والزبير، فنهاه عن ذلك، فلم ينته، فقال: أدعو عليك، فقال الرجل: تتهدَّدني كأنك نبيّ؟! فانصرف عنه سعد، فدخل دار آل فلان، فتوضأ وصلَّى ركعتين، ثم رفع يديه فقال: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أن هذا الرجل قد سبَّ أقوامًا قد سبقت لهم منك سابقة الحسنى، وأنه قد أسخطك سبُّه إياهم، فاجعلْه اليوم آيةً وعبرة. قال: فخرجتْ بُخْتيَّة (٦) نادَّة من دار آل فلان لا يردُّها شيء حتى دخلتْ بين أضعاف الناس، فافترق الناس عنها، فأخذته بين قوائمها، فلم تزل تتخبَّطه حتى مات. قال: فلقد رأيت الناس يشتدُّون وراء سعد يقولون: استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق.

стр. 3873

ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب .. فذكر نحوه. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي، حدّثنا عبد الرزّاق، عن أبيه، عن مِينا (١) - مولى عبد الرحمن بن عوف -: أنَّ امرأة كانت تطَّلع على سعد، فنهاها، فلم تنته، فاطَّلعتْ يومًا وهو يتوضأ، فقال: شاهَ وجهُكِ، فعاد وجهُها في قفاها. وقال كثير النَّوّاء: عن عبد الله بن بديل قال: دخل سعد على معاوية، فقال له: ما لكَ لم تقاتلْ معنا؟ فقال: إني مرَّت بي ريح مظلمة فقلت: إخْ إخْ (٢)، فأنختُ راحلتي حتى انجلتْ عني، ثم عرفتُ الطريق فسرت، فقال معاوية: إنه ليس في كتاب اللّه إخْ إخْ، ولكن قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فواللّه ما كنتَ مع الباغية على العادلة، ولا مِع العادلة على الباغية. قال سعد: ما كنت لأقاتل رجلًا قال له رسول الله ﷺ : "أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى غيرَ أنَّهُ لا نبيَّ بعدي". فقال معاوية: مَنْ سمع هذا معك؟ فقال: فلان وفلان وأمُّ سلمة. فقال معاوية: أما إنِّي لو سمعتُه منه ﷺ لما قاتلتُ عليًا. وفي رواية من وجه آخر: أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجَّة حجَّها معاوية، وأنهما قاما إلى أمِّ سلمة، فسألاها، فحدَّثتهما بما حدَّث به سعد، فقال معاوية: لو سمعتُ هذا قبلَ هذا اليوم لكنتُ خادمًا لعلي حتى يموت أو أموت. وفي إسناد هذا ضعف (٣)، واللّه أعلم. وقد روي عن سعد: أنه سمع رجلًا يتكلَّم في علي وفي خالد، فقال: إنَّه لم يبلغ ما بينَنا إلى ديننا. وقال محمد بن سِيرين: طاف سعد على تسع جوارٍ في ليلة، فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم، فاستحيتْ أن توقظه. ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب: يا بُنيَّ إذا طلبتَ شيئًا فاطلبه بالقناعة، فإنه مَنْ لا قناعةَ له لم يُغنه المال. وقال حماد بن سلمة: عن سِمَاك بن حرب، عن مصعب بن سعد قال: كان رأس أبي في حَجْري وهو يقضي، فبكيت، فقال: ما يبكيك يا بُنيّ؟ واللّه إنَّ اللّه لا يعذِّبني أبدًا، وإني لمن أهل الجنَّة، إنَّ

стр. 3874

الله يدين للمؤمنين بحسناتهم، فاعملوا للّه خالصًا. وأمّا الكفار فيخفّف عنهم بحسناتهم، فإذا نَفِدَت قال: ليطلُبْ كل عامل ثواب عمله ممّن عمل له (١). وقال الزهري: لما حضرتْ سعدًا الوفاة دعا بخَلَقِ جُبَّة فقال: كفِّنوني في هذه فإني لقيتُ فيها المشركين يوم بدر، وإنَّما خبَّأتها لهذا اليوم. [وقال سعد: كنّا مع رسول الله ﷺ بمكة يُصيبنا شدَّة العيش، فخرجتُ ليلةً أبول، فإذا شيء يُقَعْقع تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتُها فغسلتُها ثم أحرقتُها، ثم وضعتُها بين حَجَرين، فسحقتُها ثم استففتُها، وشربتُ عليها من الماء فقويت عليها ثلاثًا] (٢). وكانت وفاة سعد بالعَقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال، فصلَّى عليه مروان، وصلَّى بصلاته عليه أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودُفن بالبقيع، وكان ذلك في هذه السنة - سنة خمس وخمسين - على المشهور الذي عليه الجمهور، وقد جاوز الثمانين على الصحيح. قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة. وقال غيره: كان آخر المهاجرين السابقين الأوَّلين وفاة، ﵃ أجمعين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة خمسين. وقال أبو معشر وأبو نعيم وقَعْنَب (٣) بن المحرَّر: توفي سعد سنة ثمان وخمسين، وزاد قَعْنَب (٣): وفيها توفي الحسن بن علي وعائشة وأمُّ سلَمة. والصحيح الأول - سنة خمس وخمسين. قالوا: وكان سعدٌ قصيرًا، غليظًا، شَثْن (٤) الكفَّين، أفطس، أشعر الجسد، يخضِبُ بالسَّواد (٥). وكان ميراثُه مئتي ألفٍ وخمسين ألفًا. فَضَالة بن عُبيد الأنصاريُّ الأَوْسي (٦): أول مشاهده أُحد، وشهد بيعة الرّضوان، ودخل الشام، وتولَّى القضاء بدمشق في أيام معاوية بعد أبي الدرداء.

стр. 3875

قال أبو عبيد: مات سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: سنة سبع وستين. وقال ابن الجوزي في "المنتظم": توفي في هذه السنة، واللّه أعلم. قُثَم بن العبّاس بن عبد المطَّلب (١): كان أشبَهَ الناس برسول الله ﷺ . تولّى نيابة المدينة في أيام علي. وشهد فتح سَمَرْقند [ممّا وراء النهر] (٢) فاستشُهْد بها، ﵀. كعبُ بنُ عَمْرو (٣): أبو اليَسَر الأنصاري السَّلَمي. شهد العقبة وبدرًا، وأَسَرَ يومئذ العباس بن عبد المطَّلب، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله ﷺ . قال أبو حاتم (٤) وغيره: مات سنة خمس وخمسين. وزاد غيره: وهو آخر من مات من أهل بدر. [قال أبو اليَسَر: أشهدُ لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أو وضَعَ له أظلَّه اللهُ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه"] (٥). ثم دخلت سنة ست وخمسين ففيها شتا جُنادة بن أبي أميّة بأرض الروم. وقيل: عبد الرحمن بن مسعود.

стр. 3876

وقيل: فيها غزا في البحر يزيد بن شجرة (١)، وفي البرِّ عِياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها ولَّى معاويةُ سعيدَ بن عثمان بلاد خراسان، وعزل عنها عبيد اللّه بن زياد، فسار سعيد إلى خراسان، والتقى مع الترك عند صُغد سَمَرْقند، فقتل منهم خلقًا كثيرًا واستشهد معه جماعة منهم - فيما قيل - قُثَم بن العبّاس بن عبد المطلب. [قال ابن جرير: سأل سعيدُ بن عثمان بن عفّان معاوية أن يولِّيه خراسان، فقال: إنَّ بها عبيد اللّه بن زياد، فقال سعيد لمعاوية: أما لقد اصطنعك أبي ورقّاك حتى بلغتَ باصطناعه المدى الذي لا يُجارى ولا يُسامى، فما شكرتَ بلاءه، ولا جازيتَه بآلائه، وقدَّمتَ عليَّ هذا - يعني: يزيد بن معاوية - وبايعتَ له، وواللّه لأنا خير منه أبًا وأمًّا ونفسًا. فقال له معاوية: أمَّا بلاء أبيك عندي فقد يحقُّ عليَّ الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أنِّي طلبتُ بدمه حتى تكشَّفت الأمور، ولستُ بلائم لنفسي في التَّشمير. وأمّا فضل أبيك على أبيه، فأبوكَ خيرٌ مني وأقربُ برسول اللّه ﷺ . وأمّا فضل أمِّك على أمِّه فما لا يُنكر، فإنَّ امرأةً من قريش خيرٌ من امرأة من كلب. وأمّا فضلك عليه، فوالله ما أحبُّ أنَّ الغوطةَ دُحِسَتْ ليزيد رجالًا مثلك - يعني أنَّ الغوطة لو مُلِئت رجالًا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرًا وأحبَّ إليَّ منهم. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين! ابنُ عمِّك وأنت أحقُّ مَنْ نظر في أمره، وقد عَتَب عليك فيَّ فأَعْتبه. فولّاه حرب خراسان، فأتى سَمَرْقند، فخرج إليه أهل الصُّغد من الترك، فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطَوْه رُهُنًا خمسين غلامًا يكونون في يده من أبناء عظمائهم، فأقام بالتِّرمذ ولم يفِ لهم، وجاء بالغلمان الرُّهُن معه إلى المدينة (٢). وفيها دعا معاويةُ الناس إلى البيعة ليزيدَ ولده أن يكون وليَّ عهده من بعده، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة، فروى ابن جرير (٣) من طريق الشَّعبي: أنَّ المغيرة كان قد قدم على معاوية واستعفاه من إمرة الكوفة، فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلمّا بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد بن معاوية، فأشار عليه أن يسأل من أبيه أن يكون وليَّ العهد من بعده، فسأل يزيدُ ذلك من أبيه، فقال: مَنْ أمرك بهذا؟ قال: المغيرة، فأَعجب ذلك معاويةَ من المغيرة، وردَّه إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يَسْتشيره في ذلك، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب

стр. 3877

والصَّيد، فبعث إليه من يَثْني رأيه عن ذلك وهو عبيد بن كعب النُّميري -وكان صاحبًا أكيدًا لزياد- فسار إلى دمشق، فاجتمع بيزيد أولًا، فكلَّمه عن زياد، وأشار عليه بألَّا يطلب ذلك [ولا يقبله] (١) فإنَّ تركَهُ خير له من السَّعي فيه، فانزجر يزيدُ عما يريد من ذلك، ثم اجتمع بأبيه واتَّفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلمّا مات زياد وكانت هذه السنة شرَعَ معاوية في نظم ذلك ليزيد والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك، فبايع له الناس في سائر الأقاليم إلَّا عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد اللَّه ابن عمر، والحسين بن علي، وعبد اللَّه بن الزبير، وابن عبّاس، فركب معاوية إلى مكة معتمرًا، فلما اجتاز بالمدينة -مرجعه من مكة- استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأَوعده وتهدَّده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردًّا وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، وكان ألينَهم كلامًا عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ثم خطب معاويةُ وهؤلاء الخمسة حضورٌ تحت منبره، وبايع الناس ليزيد وهم قعود، لم يواففوا ولم يُظهروا خلافًا لما تهدَّدهم وتوعَّدهم، فاتَّسَقت البيعة ليزيد في سائر البلاد، وقدمت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد، فكان فيمن قدم الأحنفُ بن قيس، فأمره معاوية أن يحادث يزيد، فجلسا، ثم خرج الأحنف، فقال له معاوية: ماذا رأيتَ من ابن أخيك؟ فقال: إنا نخاف اللَّهَ إنْ كذَبْنا، ونخافكم إنْ صَدَقنا، وأنت أعلم به في ليله ونهاره، وسرِّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، وأنت أعلم بما أردت، وإنّما علينا أن نسمع ونطيع، وعليك أن تنصح للأمَّة. وقد كان معاوية لمّا صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده، فلمّا مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهل، وذاك من شدَّة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسَّم فيه من النَّجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأُبَّهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحدٌ من أبناء الصحابة في هذا المعنى مقامَه، ولهذا قال لعبد اللَّه بن عمر فيما خاطبه به: إني خفتُ أن أذرَ الرعيَّة من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع. فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلُّهم بايعتُه ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدَّع الأطراف. وقد عاتب معاويةَ في ولايته يزيدَ سعيدُ بنُ عثمان بن عفّان، وطلب منه أن يولِّيه مكانه -يعني مكان ابنه يزيد- وقال له [سعيد فيما قال: إنَّ أبي لم يزل معتنيًا بك حتى بلغتَ ذروة المجد والشرف، وقد قدَّمتَ ولدك عليَّ وأنا خير منه أبًا وأمًّا ونفسًا. فقال له: أمَّا ما ذكرتَ من إحسان أبيك إليَّ فإنه أمر لا يُنكر، وأمّا كون أبيك خيرًا من أبيه فحقّ، وأمك قرشيّة وأمه كلبيَّة فهي خير منها، وأما كونك خيرًا منه] (٢) فواللَّه لو مُلئت إلي الغوطة رجالًا مثلك لكان يزيدُ أحبَّ إليَّ منكم كلكم.

стр. 3878

وروينا عن معاوية أنه قال يومًا في خطبته: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أني ولَّيته لأنه فيما أراه أهل لذلك فأَتِمَّ له ما ولَّيته، وإن كنتَ تعلم أني إنَّما ولَّيتُه لأني أحبُّه فلا تتمَّ له ما ولَّيته. وذكر الحافظ ابن عساكر (١): أن معاوية كان قد سَمَرَ ليلة، فتكلَّم أصحابه في المرأة التي يكون ولدها نجيبًا، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبًا، فقال معاوية: وددتُ لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة؟! فقال أحد جلسائه: قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين. قال: ومَن؟ قال: ابنتي يا أمير المؤمنين. فتزوَّجها معاوية، فولدت له يزيد بن معاوية، فجاء نجيبًا ذكيًّا حاذقًا. ثم خطب امرأة أخرى فحَظِيت عنده وولدت له غلامًا آخر، وهجر أمَّ يزيد فكانت عنده في جنب داره، فبينما هو في النظارة ومعه امرأته الأُخرى إذ نظر إلى أمِّ يزيد وهي تسرِّحُه، فقالت امرأته: قبَّحها اللَّه وقبَّح ما تسرِّح. فقال: ولمَ؟ فواللَّه إنَّ ولدها لأنجبُ من ولدك، وإن أحببتِ بيَّنتُ لكِ ذلك، ثم استدعى ولدها فقال له: إنَّ أمير المؤمنين قد عنَّ له أن يُطْلِق لك ما تتمنّاه عليه فاطلُب مني ما شئت. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يُطْلِق لي كلابًا للصَّيد وخيلًا ورجالًا يكونون معي في الصَّيد. فقال معاوية: قد أمرنا لكَ بذلك. ثم استدعى يزيد فقال له كما قال لأخيه، فقال يزيد: أو يعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا؟ فقال: لا بدَّ لك أن تسأل حاجتك، فقال: أسأل -وأطال اللَّه عمر أمير المؤمنين- أن أكون وليَّ عهده من بعده، فإنه بلغني أنَّ عدل يومٍ في الرعيَّة كعبادة خمسمئة عام. فقال: قد أجبتك إلى ذلك. ثم قال لامرأته: كيف رأيت؟ فعلمتْ وتحققتْ فضل يزيد على ولدها. وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أمِّ حرَام بنت مِلْحان الأنصاريَّة امرأة عبادة بن الصامت، والصحيح الذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة سبع وعشرين [في خلافة عثمان، وكانت هي وزوجها] (٢) مع معاوية حين دخل قبرص، وَقَصَتْها (٣) بغلتُها فماتت هناك، وقبرها بقبرص. والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرَّج في "الصحيحين" في قيلولة النبي ﷺ في بيتها ورؤياه في منامه قومًا من أمته يركبون ثَبَج (٤) البحر مثل الملوك على الأسرَّة غزاة في سبيل اللَّه، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم، فدعا لها، ثم نام فرأى كذلك، فقالت: ادعُ اللَّه أن يجعلَني منهم، فقال: "لا، أنت من الأوَّلين" (٥) وهم الذين فتحوا قبرص فكانت معهم وذلك في سنة سبع وعشرين، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية [ومعهم أبو أيوب، وقد توفي

стр. 3879

هناك، فقبره قريب من سور القُسْطنطينيَّة. وقد ذكرنا هذا مقررًا في دلائل النبوة] (١). ثم دخلت سنة سبع وخمسين فيها كان مَشْتى عبد اللَّه بن قيس بأرض الروم. قال الواقدي: وفي شوّالها عزل معاويةُ مروانَ بن الحكم عن المدينة، وولَّى عليها الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان، وهو الذي حجَّ بالناس في هذه السنة، لأنه صارت إليه إمرة المدينة، وكان على الكوفة الضحّاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد اللَّه بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان. قال ابن الجوزي: وفيها توفي عثمان بن حُنَيف الأنصاريُّ الأوسيّ، وهو أخو عبادة وسهل ابني حُنَيف. بعثه عمر لمساحة خَرَاج السَّواد بالعراق، واستنابه عمر على الكوفة، فلمّا قدم طلحة والزبير صحبة عائشة، وامتنع من تسليم دار الإمارة نُتِفتْ لحيتُه وحواجبُه وأشفارُ عينيه ومُثِّل به، فلمّا جاء عليٌّ وسلَّمه البلد، قال له: يا أمير المؤمنين فارقتُك ذا لحيةٍ واجتمعتُ بك أمرد، فتبسَّم علي ﵁ وقال: لك أجرُ ذلك عند اللَّه. وله في "المسند" و"السنن" حديث الأعمى الذي سأل رسول اللَّه ﷺ أن يدعوَ له ليردَّ اللَّهُ عليه ضوء بصره، فردَّه اللَّه عليه (٢). وله حديث آخر عند النَّسائى (٣). ولم أر أحدًا أرَّخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي، واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين فيها غزا مالك بن عبد اللَّه الخَثْعَمي أرض الروم.

стр. 3880

وفيها قُتل يزيد بن شَجَرة في البحر. [وقيل: بل غزا البحر وبلاد الروم جُنادة بن أبي أميَّة. وقيل: إنما شتا بأرض الروم عمرو بن يزيد الجُهَني. قال أبو معشر والواقدي] (١): وحجَّ بالناس فيها الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان. وفيها ولَّى معاويةُ الكوفة لعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عثمان بن ربيعة الثَّقفي -ابن أمِّ الحكم [وأمُّ الحكم هي أخت معاوية- وعزل عنها الضحّاك بن قيس، فولّى ابنُ أمِّ الحكم] (٢) على شرطته زائدة بن قدامة. وخرجت الخوارج في أيام ابن أمِّ الحكم، وكان رئيسهم في هذه الوقعة حيان بن ظَبْيان السُّلمي، فبعث إليهم جيشًا فقتلوا الخوارج جميعًا. ثم إن ابن أمِّ الحكم أساء السيرة في أهل الكوفة، فأخرجوه من بين أظهرهم طريدًا، فرجع إلى خاله معاوية، فذكر له ذلك، فقال: لأولينَّك مصرًا خيرًا منها، فولّاه مصر، فلمّا سار إليها تلقّاه معاوية بن حُدَيج (٣) على مرحلتين من مصر فقال له: ارجع إلى خالك معاوية، فلَعَمري لا ندعُك تدخلها فتسير فيها وفينا سيرتَك في إخواننا من أهل الكوفة، فرجع ابن أمِّ الحكم إلى معاوية، ولحقه معاوية بن حُدَيج وافدًا على معاوية، فلمّا دخل عليه وجد عنده أخته أمَّ الحكم -وهي أم عبد الرحمن الذي طرده أهل الكوفة وأهل مصر- فلمّا رآه معاوية قال: بخٍ بخٍ، هذا معاوية بن حُدَيج، فقالت أمُّ الحكم: لا مَرْحبًا به، تسمع بالمُعَيْديِّ خيرٌ من أنْ تراه (٤)، فقال معاوية بن حُدَيج: على رِسْلِكِ يا أمَّ الحكم، أما واللَّه لقد تزوَّجتِ فما أكرمتِ، وولدتِ فما أَنجبتِ، أردتِ أن يليَ ابنُك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة، فما كان اللَّه ليريَه ذلك، ولو فعل لضربناه ضربًا يطأطِئ منه رأسه، وإن كره ذلك الجالس -يعني معاوية- فالتفت إليها معاوية فقال: كُفِّي. قصَّة غريبَة ذكرها ابن الجوزي في كتابه "المنتظم" بسنده. وهو أنَّ شابًا من بني عُذرة جرت له قصَّة مع ابن أتمَ الحكم [وهو والي على الكوفة في هذه السنة] (٥) وملخَّصُها: أنَّ معاوية بينما هو يومًا على السِّماط (٦) إذا شاب من بني عُذرة قد مثَل بين يديه، فأنشده شعرًا مضمونه التشؤق إلى زوجته سعاد، فاستدناه معاويةُ واستحكاه عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين! إني كنت مزوَّجًا بابنة عمٍّ لي، وكان لي إبل وغنم،

стр. 3881

فأنفقتُ ذلك عليها، فلمّا قلَّ ما بيدي رغب عني أبوها وشكاني إلى عاملك بالكوفة -ابن أمِّ الحكم- وبلغه جمالها، فحبسَني في الحديد، وحملَني على أن طلَّقتُها، فلمّا انقضت عدَّتُها أعطاه عاملك عشرة آلاف درهم فزوَّجه بها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحزون الملهوف المكروب، وسند المسلوب، فهل من فَرَج؟ ثم بكى وأنشأ يقول: في القلب منِّيَ نارُ … والنَّارُ فيها شَرَارُ والجسمُ منِّي نَحيلٌ … واللَّونُ فيه اصْفِرارُ والعينُ تبكي بشَجْوٍ … فدَمْعُها مِدْرارُ والحبُّ داءٌ عسِيرٌ … فيه الطَّبيبُ يَحَارُ (١) حُمِّلتُ فيه عَظيمًا … فما علَيهِ اصْطبارُ فليسَ ليلي بلَيلٍ … ولا نهاري نهارُ قال: فرقَّ له معاوية، وكتب إلى ابن أمِّ الحكم يؤنِّبُه على ذلك ويعيبه عليه ويأمره بطلاقها قولًا واحدًا، فلمّا جاءه كتاب معاوية تنفَّس الصُّعَداء وقال: وددتُ أن أمير المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السَّيف، وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك ولا تُجيبه نفسه. وجعل الرسول الذي ورد عليه بالكتاب يستحثُّه، فطلَّقها وأخرجها عنه، وسيَّرها مع الوفد إلى معاوية. فلمّا وقفت بين يديه رأى منظرًا جميلًا، فلما استنطقها فإذا أفصح الناس، وأحلاهم كلامًا، وأكملهم جمالًا ودلالًا، فقال لابن عقَها: يا أعرابيّ! هل من سُلُوٍّ عنها بأفضل الرَّغبة؟ قال: نعم، إذا فرقتَ بين رأسي وجسدي، ثم أنشأ يقول: لا تجعلَنِّيَ والأمثالُ تُضربُ بي … كالمُستغيثِ من الرَّمضاء بالنَّار اردُدْ سُعادَ على حَيْرانَ مُكتئبٍ … يُمسي ويُصبحُ في همٍّ وتَذْكار قد شَفَّهُ قلقٌ ما مثلُهُ قلقٌ … وأُسعر القلبُ منه أيّ إسْعار واللَّهِ واللَّهِ لا أَنسى محبَّتَها … حتى أُغيَّبَ في رَمْسٍ وأحجار كيف السُّلوُّ وقد هام الفؤادُ بها … وأصبحَ القلبُ عنها غيرَ صَبَّار فقال معاوية: فإنا نخيِّرها بيني وبينك وبين ابن أمِّ الحكم، فأنشأتْ تقول: هذا وإنْ أصبحَ في أَطْمار (٢) … وكان في نقصٍ من اليَسَار

стр. 3882

أَحبُّ عندي من أبي وجاري … وصاحبِ الدِّرهم والدِّينار أخشى إذا غَدَرْتُ حرَّ النَّار قال: فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاءٍ، ولما انقضت عدَّتها زوَّجه بها وسلَّمها إليه. حذفنا منها أشعارًا كثيرة مطوَّلة (١). وجرت فى هذه السنة فصول طويلة بين عبيد اللَّه بن زياد والخوارج، فقتل منهم خلقًا كثيرًا وجمًا غفيرًا، وحبسّ منهم آخرين، وكان صارمًا كأبيه مقدامًا في أمرهم. ذكر من توفي من الأعيان في هذا العام: سَعيد بن العاص (٢): ابن [سعيد بن العاص] (٣) بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيُّ الأمويّ. قتل أبوه يوم بدر كافرًا، قتلَه علي بن أبي طالب، ونشأ سعيد في حجر عثمان بن عفّان، وكان عمر سعيد يوم مات رسول اللَّه ﷺ تسع سنين. وكان من سادات المسلمين والأجواد المشهورين. وكان جدُّه سعيد بن العاص -ويكنى بابي أُحَيْحة (٤) - رئيسًا فى قريش، يقال له: ذو التاج، لأنه كان إذا اعتمَّ لا يعتمُّ أحد يومئذ إعظامًا له، وكان سعيد هذا من عمّال عمر على السَّواد، وجعله عثمان فيمن يكتب المصاحف لفصاحته. قالوا: وكان أشبهَ الناس لهجة (٥) برسول اللَّه ﷺ . وكان في جملة الاثني عشر رجلًا [الذين يستخرجون

стр. 3883

القرآن ويعلمونه ويكتبونه] (١) منهم أُبيُّ بن كعب، وزيدُ بن ثابت. واستنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عُقْبة، فافتتح طَبرستان وجُرجان، ونقض العهد أهل أَذْرَبيجان فغزاهم ففتحها، ولمّا مات عثمان اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفِّين، فلمّا استقرَّ الأمر لمعاوية وفد إليه، فعتب عليه، فاعتذر إليه، فعذره. . . في كلام طويل جدًّا، وولّاه المدينة مرتين، وعزله عنها مرتين بمروان بن الحكم. وكان سعيد هذا لا يسبُّ عليًّا، ومروان يسبُّه. وروى عن النبي ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعائشة، وعنه ابناه: عَمرو بن سعيد الأَشْدَق، وأبو سعيد، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وليس له في "المسند" ولا في الكتب الستة شيء. وقد كان حسن السِّيرة، جيِّد السَّريرة. وكان كثيرًا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبز الكثير، وكان يصرُّ الصُّرَر فيضعها بين يدي المصلِّين من ذوي الحاجات في المسجد. قال ابن عساكر: وقد كانت له دار بدمشق تُعرف بعده بدار نعيم بنواحي الديماس، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات. وكان كريمًا جوادًا ممدَّحًا. ثم أورد شيئًا من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو سعيد الجُعْفي، حدَّثنا عبد اللَّه بن الأَجْلح، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه أن سعيد بن العاص قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "خِيَارُكم في الإسلام خِيَارُكم في الجاهليَّة" (٢). ومن طريق الزبير بن بكّار: حدّثني رجل، عن عبد العزيز بن أبان، حدّثني خالد بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ببُرْد فقالت: إني نويت أن أُعطي هذا الثوبَ أكرمَ العرب، فقال: "أعطيه هذا الغلام" يعني سعيد بن العاص، وهو واقف، فلذلك سمِّيت الثياب السَّعيديَّة (٣). وأنشد للفرزدق فيه: تَرَى الغُرَّ الجَحَاجحَ من قُرَيْشٍ … إذا ما الخطبُ في الحَدَثانِ عَالا قِيامًا يَنْظرونَ إلى سَعيدٍ … كأنَّهُمُ يَرَوْنَ بِهِ هِلَالا (٤) وذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرةَ وولّاها سعيد بن العاص (٥)، ثم عزله وولَّى الوليد بن

стр. 3884

عُقبة (١)، ثم عزله وولَّى سعيد بن العاص، فأقام بها حينًا، ولم تُحمد سيرتُه فيهم ولم يحبُّوه، ثم ركب مالك بن الحارث -وهو الأشتر النَّخعي- في جماعة إلى عثمان وسألوه أن يعزل عنهم سعيدًا، فلم يعزله، وكان عنده بالمدينة، فبعثه إليه، وسبق الأشترُ إلى الكوفة، فخطب النَّاسَ وحثَّهم على منعه من الدخول إليهم، وركب الأشترُ في جيش يمنعوه من الدخول، قيل: تلقَّوه إلى العُذَيب، وقد نزل سعيد بالرعثة (٢)، فمنعوه من الدخول إليهم، ولم يزالوا به حتى ردُّوه إلى عثمان، وولَّى الأشترُ أبا موسى الأشعري على الصلاة والثغر، وحذيفة بن اليَمَان على الفيء، فأجاز ذلك أهلُ الكوفة وبعثوا إلى عثمان في ذلك، فأمضاه وسرَّه ذلك فيما أظهره، ولكن هذا كان أول وهن دخل على عثمان. وأقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان فكان عنده بالدار، ثم لمّا ركب طلحة والزبير مع عائشة من مكة يريدون قتَلَة عثمان ركب معهم، ثم انفرد عنهم هو والمغيرة بن شعبة وغيرهما، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلّها، ثم ولّاه معاوية إمرة المدينة سنة تسع وأربعين، وعزل مروان، فأقام حينًا (٣) ثم ردَّ مروان. وقال عبد الملك بن عُمير: عن قَبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلمّا فرغتُ من أموري فلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمرُ من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة: أما كريم (٤) قريش فسعيد بن العاص، وأما فتى قريش حياءً ودهاءً وسخاءً فعبد اللَّه بن عامر، وأما الحسن (٥) بن علي فرجل سيِّد كريم، وأما القارئ لكتاب اللَّه الفقيهُ في دين اللَّه الشديدُ في حدود اللَّه فمروان بن الحكم، وأما رجل فقيه فعبد اللَّه بن عمر، وأما رجل يرد الشريعة مع دواهي السِّباع ويروغ رَوَغان الثعلب فعبد اللَّه بن الزبير. وروينا أنه استسقى يومًا في بعض طرق المدينة، فأخرج له رجل من داره ماءً فشرب، ثم بعد حين رأى ذلك الرجل يَعرِض داره للبيع، فسأل عنه لمَ يبيعُ داره؟ فقالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فبعث إلى غريمه فقال: هي لك عليّ، وأرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك (٦). وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر وأصابته فاقة شديدة، فقالت له امرأته: إن أميرنا هذا

стр. 3885

يوصف بكرم، فلو ذكرتَ له حالك فلعلَّه يسمح لك بشيء، فقال: ويحك! لا تُخْلِقي (١) وجهي، فألحَّت عليه في ذلك، فجاء فجلس إليه، فلمّا انصرف الناس عنه مكث الرجل جالسًا في مكانه، فقال له سعيد: أظن جلوسك لحاجة، فسكت [الرجل، فقال سعيد لغلمانه: انصرفوا، ثم قال له سعيد: لم يبقَ غيري وغيرك، فسكت] (٢) فأطفأ المصباح ثم قال له: رحمك اللَّه لست ترى وجهي فاذكر حاجتك، فقال: أصلح اللَّه الأمير! أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت، فقال له: إذا أصبحت فالقَ وكيلي فلانًا، فلمّا أصبح الرجل لقي الوكيل، فقال له الوكيل: إن الأمير قد أمر لك بشيء فأْتِ بمن يحملُه معك، فقال: ما عندي من يحملُه، ثم انصرت الرجل إلى امرأته فلامَها وقال: حملتيني على بذل وجهي للأمير، فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى مَنْ يحملُه، وما أراه أمَرَ لي إلَّا بدقيق أو طعام، ولو كان مالًا لما احتاج إلى من يحملُه ولأعطانيه. فقالت له المرأة: فمهما أعطاك فإنه يقوتنا فخذه، فرجع الرجل إلى الوكيل، فقال له الوكيل: إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحملُه، وقد أرسل بهؤلاء الثلاثة السُّودان يحملونه معك، فذهب الرجل أمامهم، فلمّا وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فقال للغِلْمان: ضَعُوا ما معكم وانصرفوا، فقالوا: إن الأمير قد أطلقَنا لك، فإنه ما بعث مع خادم هدية إلى أحد إلّا كان الخادم الذي يحملها من جملتها. قال: فحسن حال ذلك الرجل. وذكر ابن عساكر: أن زياد بن أبي سفيان بعث إلى سعيد بن العاص هدايا وأموالًا وكتابًا ذكر فيه أنه يخطُب إليه ابنتَه أمَّ عثمان من آمنة بنت جرير بن عبد اللَّه البَجَلي، فلمّا وصلت الهدايا والأموال والكتاب قرأه، ثم فرَّق الهدايا في جلسائه، ثم كتب إليه كتابًا لطيفًا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] والسلام. وروينا أن سعيدًا خطب أمَّ كلثوم بنت علي من فاطمة، التي كانت تحت عمر بن الخطاب، فأجابت إلى ذلك، وشاورت أخويها، فكرها ذلك -وفي رواية: إنما كره ذلك الحسين وأجاب الحسن- فهيأت دارها، ونصبت سريرًا، وتواعدوا للكتاب، وأمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوِّجها منه، فبعث إليها بمئة ألف -وفي رواية: بمئتي ألف- مَهْرًا، واجتمع الناس عنده ليذهبوا معه، فقال: إني أكره أن أُحرج ابنَيْ (٣) فاطمة، فترك التزويج، وأطلق جميع ذلك المال لها. وقال ابن مَعِين وعبد الأعلى بن حمّاد: سأل أعرابيٌّ سعيد بن العاص، فأمر له بخمسمئة، فقال الخادم: خمسمئة درهم أو دينار؟ فقال: إنما أمرتك بخمسمئة درهم، وإذ قد جاش في نفسك أنها

стр. 3886

دنانير فادفع إليه خمسمئة دينار. فلمَّا قبضها الأعرابيُّ جلس يبكي، فقال له: مالك، ألم تقبض نوالك؟ قال: بلى واللَّه، ولكن أبكي على الأرض كيف تأكل مثلك (١). وقال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حَمَالة (٢) أربع دِيَات سأل فيها أهل المدينة، فقيل له: عليك بالحسن بن علي، أو عبد اللَّه بن جعفر، أو سعيد بن العاص، أو عبد اللَّه بن عباس، فانطلق إلى المسجد، فإذا سعيد داخل إليه، فقال: مَنْ هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، فقصده فذكر له ما أقدمه، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل، فقال للأعرابي: ائتِ بمن يحمل معك، فقال: رحمك اللَّه! إنما سألتك مالًا لا تمرًا، فقال: أعرف، ائتِ بمن يحمل معك، فأعطاه أربعين ألفأ، فأخذها الأعرابي وانصرف، ولم يسأل غيره (٣). وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني! أخزى اللَّه (٤) المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة، فأمّا إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرًا لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فواللَّه لو خرجتَ له من جميع مالك ما كافأتَه. وقال سعيد: لجليسي عليَّ ثلاث: إذا دنا رحَّبتُ به، وإذا جلس أوسعتُ له، وإذا حدَّث أقبلتُ عليه. وقال أيضًا: يا بني! لا تُمازحِ الشريف فيحقد عليك، ولا الدَّنيء فتهون عليه - وفي رواية: فيجترئ عليك. وخطب يومًا فقال: مَنْ رزقه اللَّه رزقًا حسنًا فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لأحد رجلين: إمّا مصلح فيسعد بما جمعتَ له وتخيب أنت، والمصلح لا يقلُّ عليه شيء [وإمّا مفسد فلا يبقى له شيء] (٥). فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. وروى الأصمعي، عن حكيم بن قيس قال: قال سعيد بن العاص: موطنان لا أَستحيي من رفقي فيهما والتأنِّي عندهما: مخاطبتي جاهلًا أو سفيهًا، وعند مسألتي حاجة لنفسي. ودخلت عليه امرأة من العابدات -وهو أمير الكوفة- فأكرمها وأحسن إليها، فقالت: لا جعل اللَّه لك حاجة إلى لئيم، ولا زالت المنَّة لك في أعاق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببًا لردِّها عليه.

стр. 3887

وقد كان له عشرة من الولد ذكورًا وإناثًا، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص -أخت مروان بن الحكم- ولمّا حضرت سعيدًا الوفاةُ جمع بنيه وقال لهم: لا يفقدن أصحابي غير وجهي، وصِلُوهم بما كنت أصلهم به، وأجروا عليهم [ما كنت أُجري عليهم] (١) واكفوهم مؤنة الطلب، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه وارتعدت فرائصه مخافة أن يُردّ، فواللَّه لرجل يتململُ على فراشه يراكم موضعًا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة منها: أن يوفوا ما عليه من الدَّين والوعود، وألا يزوِّجوا أخواتهم إلّا من الأكفاء، وأن يسوِّدوا أكبرهم. فتكفَّل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأَشْدق، فلمّا مات دفنه بالبقيع، ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزّاه فيه، واسترجع معاوية وحزن عليه وقال: هل ترك من دَين عليه؟ قال: نعم، قال: وكم هو؟ قال: ثلاثمئة ألف درهم -وفي رواية: ثلاثة آلاف ألف درهم- فقال معاوية: هي عليّ، فقال ابنه: يا أمير المؤمنين! إنه أوصاني ألَّا أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه، فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدَّين، وسأل منه عمرو أن يحملها له إلى المدينة، فحملها له. ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدَّين حتى لم يبق أحد، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفًا، فقال له عمرو: كيف استحققت هذه على أبي؟ فقال الشاب: إنه كان يومًا يمشي وحده، فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله، فقال: ابغني رقعة من أدم، فذهبت إلى بعض الجزّارين فأتيته بهذه، فكتب لي فيها هذا المبلغ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء. فدفع إليه عمرو ذلك المال، وزاده شيئًا كثيرًا. ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد: من ترك مثلك لم يَمُت، ثم قال: رحم اللَّه أبا عثمان ثم قال: قد مات من هو أكبر منِّي ومن هو أصغر مني. ثم أنشد قول الشاعر: إذا سَارَ مَنْ دونَ امرئٍ وأمامَهُ … وأُوْحِشَ مِنْ إخوانه فهو سَائر (٢) وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها، وقال بعضهم: كانت وفاته قبل عبد اللَّه بن عامر بجمعة. فاللَّه أعلم. شَدَّاد بن أَوْس (٣): ابن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو يعلى الأنصاريُّ الخزرجيّ. صحابي جليل، وهو ابن أخي حسان بن ثابت.

стр. 3888

وحكى ابن مَنْده، عن موسى بن عقبة أنه قال: شهد بدرًا. قال ابن مَنْده: وهو وَهْم. وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم، كان إذا أخذ مضجعه يقلَقُ (١) على فراشه، ويتلوّى كما تتلوّى الحيَّة ويقول: اللهمَّ إنَّ خوف النار قد أقلَقَني، ثم يقوم إلى صلاته. قال عُبادة بن الصامت: كان شدّاد من الذين أُوتوا العلم والحلم. نزل شدّاد فلسطين وبيت المقدس، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة. وقيل: مات سنة أربع وستين. وقيل: سنة إحدى وأربعين. فاللَّه أعلم. عبدُ اللَّهِ بنُ عامر (٢): ابن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصيّ القرشيُّ العَبْشَمي، ابن خال عثمان بن عفّان. ولد في حياة رسول اللَّه ﷺ وتَفَل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول اللَّه ﷺ ، فقال (٣): "إنه لمُسْقًى". فكان لا يُعالج أرضًا إلّا ظهر له الماء. وكان كريمًا ممدَّحًا ميمون النَّقيبة. استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى، وولّاه فارس بعد عثمان بن أبي العاص -وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة- ففتح خراسان كلَّها، وأطراف فارس، وسِجِسْتان، وكَرْمان، وبلاد غَزْنة. وقتل كسرى -ملك الملوك في أيامه، وهو يَزْدَجِرْد (٤) - ثم أحرم عبد اللَّه بن عامر بحجَّة -وقيل: بعمرة- من تلك البلاد شكرًا للَّه ، وفرَّق في أهل المدينة أموالًا كثيرة جزيلة.

стр. 3889

وهو أول من لبس الخَزَّ بالبصرة. وهو أول من اتخذ الحِيَاض بعرفة وأجرى إليها الماء المَعين (١). ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان، فأخذ أموال بيت المال وتلقّى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل، ثم سار إلى دمشق. ولم يُسمع له بذكر في صفِّين، ولكن ولّاه معاوية البصرة بعد. وتوفي في هذه السنة [بأرضه بعرفات] (٢) وأوصى إلى عبد اللَّه بن الزبير. له حديث واحد، وليس له في الكتب شيء. روى مصعب الزُّبيري، عن أبيه، عن جدِّه، عن حنظلة بن قيس، عن عبد اللَّه بن الزبير وعبد اللَّه بن عامر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهيد" (٣). وقد زوَّجه معاوية بابنته هند، وكانت جميلة، فكانت تلي خدمته بنفسها من محبتها له، فنظر يومًا في المرآة فرأى صَباحة وجهها وشيبة في لحيته، فطلَّقها، وبعث إلى أبيها أن يزوِّجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف. توفي في هذه السنة. وقيل: بعدها بسنة. عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصدِّيق (٤): وهو أكبر ولد أبي بكر، قاله الزبير بن بكّار. قال: وكانت فيه دُعَابة، وأمُّه أمُّ رومان، وأمُّ عائشة، فهو شقيقها. بارز يوم بدر وأُحُد مع المشركين [وأراد قتل أبيه أبي بكر] (٥) فتقدَّم إليه أبوه أبو بكر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أَمْتِعْنا بنفسِك" (٦). ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك في الهُدْنة، وهاجر قبل الفتح، ورزقه رسول اللَّه ﷺ من خيبر كل سنة أربعين وَسْقًا، وكان من سادات المسلمين. وهو الذي دخل على رسول اللَّه ﷺ يوم مات وعائشةُ مسندتُه إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سِواكٌ

стр. 3890

رَطْب، فأمدَّه بصَرَه [فأخذتْ عائشةُ ذاك السِّواك، فقضَمَتْه وطيَّبَتْه، ثم دفعَتْه إلى رسول اللَّه ﷺ فاستَنَّ به أحسنَ اسْتِنان ثم قال: "اللهمَّ في الرَّفيق الأَعلى". ثم قَضى. قالت: فجمعَ اللَّهُ ريقي وريقه، ومات بين سَحري ونَحري في بيتي ويومي، لم أظلم فيه أحدًا] (١). وقد شهد عبد الرحمن فتح اليَمَامة، وقَتل يومئذ سبعة، وهو الذي قتل مُحَكَّم بن الطُّفيل (٢) صديق مُسَيْلمة على باطله، كان محكَّم واقفًا في ثُلْمة حائط، فرماه عبد الرحمن فسقط محكَّم، فدخل المسلمون من الثُّلْمة فخلصوا إلى مُسَيلمة فقتلوه. وقد شهد فتح الشام، وكان معظَّمًا بين أهل الإسلام. ونُفل ليلى بنت الجُودي ملك عرب الشام، نفلَه إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصَّلًا. وقد قال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي بكر -ولم نجرب عليه كذبة قط- ذكر عنه حكاية: أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة قال عبد الرحمن لمروان: جعلتُموها واللَّه هِرَقْليَّة وكِسْرويَّة -يعني: يجعل الملِكُ المُلْك لمن بعده من ولده- فقال له مروان: اسكتْ، فإنك أنت الذي أنزل اللَّه فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧] فقالت عائشة: ما أنزل اللَّه فينا شيئًا من القرآن إلّا أنَّه أنزل عُذري. ويروى أنها بعثت إلى مروان تؤنِّبه وتخبره بخبر [فيه ذمٌّ له ولأبيه لا يصح عنها. قال الزبير بن بكّار: حدّثني إبراهيم بن محمد بن] (٣) عبد العزيز الزّهري، عن أبيه، عن جدّه قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمئة ألف درهم بعد أن أَبَى البيعة ليزيد بن معاوية، فردَّها عبد الرحمن [وأَبَى أن يأخذها وقال: أَبيعُ ديني بدُنياي؟! وخرج إلى مكة فمات بها] (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي (٥): حدَّثنا أبو مُسْهر، حدَّثنا مالك قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومةٍ نامها. ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد: فأَعتقت عنه عائشة رقابًا. ورواه الثَّوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره.
следующие страницы →