← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

دنانير فادفع إليه خمسمئة دينار. فلمَّا قبضها الأعرابيُّ جلس يبكي، فقال له: مالك، ألم تقبض نوالك؟ قال: بلى واللَّه، ولكن أبكي على الأرض كيف تأكل مثلك (١). وقال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حَمَالة (٢) أربع دِيَات سأل فيها أهل المدينة، فقيل له: عليك بالحسن بن علي، أو عبد اللَّه بن جعفر، أو سعيد بن العاص، أو عبد اللَّه بن عباس، فانطلق إلى المسجد، فإذا سعيد داخل إليه، فقال: مَنْ هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، فقصده فذكر له ما أقدمه، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل، فقال للأعرابي: ائتِ بمن يحمل معك، فقال: رحمك اللَّه! إنما سألتك مالًا لا تمرًا، فقال: أعرف، ائتِ بمن يحمل معك، فأعطاه أربعين ألفأ، فأخذها الأعرابي وانصرف، ولم يسأل غيره (٣). وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني! أخزى اللَّه (٤) المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة، فأمّا إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرًا لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فواللَّه لو خرجتَ له من جميع مالك ما كافأتَه. وقال سعيد: لجليسي عليَّ ثلاث: إذا دنا رحَّبتُ به، وإذا جلس أوسعتُ له، وإذا حدَّث أقبلتُ عليه. وقال أيضًا: يا بني! لا تُمازحِ الشريف فيحقد عليك، ولا الدَّنيء فتهون عليه - وفي رواية: فيجترئ عليك. وخطب يومًا فقال: مَنْ رزقه اللَّه رزقًا حسنًا فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لأحد رجلين: إمّا مصلح فيسعد بما جمعتَ له وتخيب أنت، والمصلح لا يقلُّ عليه شيء [وإمّا مفسد فلا يبقى له شيء] (٥). فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. وروى الأصمعي، عن حكيم بن قيس قال: قال سعيد بن العاص: موطنان لا أَستحيي من رفقي فيهما والتأنِّي عندهما: مخاطبتي جاهلًا أو سفيهًا، وعند مسألتي حاجة لنفسي. ودخلت عليه امرأة من العابدات -وهو أمير الكوفة- فأكرمها وأحسن إليها، فقالت: لا جعل اللَّه لك حاجة إلى لئيم، ولا زالت المنَّة لك في أعاق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببًا لردِّها عليه.

стр. 3887

وقد كان له عشرة من الولد ذكورًا وإناثًا، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص -أخت مروان بن الحكم- ولمّا حضرت سعيدًا الوفاةُ جمع بنيه وقال لهم: لا يفقدن أصحابي غير وجهي، وصِلُوهم بما كنت أصلهم به، وأجروا عليهم [ما كنت أُجري عليهم] (١) واكفوهم مؤنة الطلب، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه وارتعدت فرائصه مخافة أن يُردّ، فواللَّه لرجل يتململُ على فراشه يراكم موضعًا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة منها: أن يوفوا ما عليه من الدَّين والوعود، وألا يزوِّجوا أخواتهم إلّا من الأكفاء، وأن يسوِّدوا أكبرهم. فتكفَّل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأَشْدق، فلمّا مات دفنه بالبقيع، ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزّاه فيه، واسترجع معاوية وحزن عليه وقال: هل ترك من دَين عليه؟ قال: نعم، قال: وكم هو؟ قال: ثلاثمئة ألف درهم -وفي رواية: ثلاثة آلاف ألف درهم- فقال معاوية: هي عليّ، فقال ابنه: يا أمير المؤمنين! إنه أوصاني ألَّا أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه، فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدَّين، وسأل منه عمرو أن يحملها له إلى المدينة، فحملها له. ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدَّين حتى لم يبق أحد، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفًا، فقال له عمرو: كيف استحققت هذه على أبي؟ فقال الشاب: إنه كان يومًا يمشي وحده، فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله، فقال: ابغني رقعة من أدم، فذهبت إلى بعض الجزّارين فأتيته بهذه، فكتب لي فيها هذا المبلغ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء. فدفع إليه عمرو ذلك المال، وزاده شيئًا كثيرًا. ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد: من ترك مثلك لم يَمُت، ثم قال: رحم اللَّه أبا عثمان ثم قال: قد مات من هو أكبر منِّي ومن هو أصغر مني. ثم أنشد قول الشاعر: إذا سَارَ مَنْ دونَ امرئٍ وأمامَهُ … وأُوْحِشَ مِنْ إخوانه فهو سَائر (٢) وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها، وقال بعضهم: كانت وفاته قبل عبد اللَّه بن عامر بجمعة. فاللَّه أعلم. شَدَّاد بن أَوْس (٣): ابن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو يعلى الأنصاريُّ الخزرجيّ. صحابي جليل، وهو ابن أخي حسان بن ثابت.

стр. 3888

وحكى ابن مَنْده، عن موسى بن عقبة أنه قال: شهد بدرًا. قال ابن مَنْده: وهو وَهْم. وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم، كان إذا أخذ مضجعه يقلَقُ (١) على فراشه، ويتلوّى كما تتلوّى الحيَّة ويقول: اللهمَّ إنَّ خوف النار قد أقلَقَني، ثم يقوم إلى صلاته. قال عُبادة بن الصامت: كان شدّاد من الذين أُوتوا العلم والحلم. نزل شدّاد فلسطين وبيت المقدس، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة. وقيل: مات سنة أربع وستين. وقيل: سنة إحدى وأربعين. فاللَّه أعلم. عبدُ اللَّهِ بنُ عامر (٢): ابن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصيّ القرشيُّ العَبْشَمي، ابن خال عثمان بن عفّان. ولد في حياة رسول اللَّه ﷺ وتَفَل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول اللَّه ﷺ ، فقال (٣): "إنه لمُسْقًى". فكان لا يُعالج أرضًا إلّا ظهر له الماء. وكان كريمًا ممدَّحًا ميمون النَّقيبة. استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى، وولّاه فارس بعد عثمان بن أبي العاص -وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة- ففتح خراسان كلَّها، وأطراف فارس، وسِجِسْتان، وكَرْمان، وبلاد غَزْنة. وقتل كسرى -ملك الملوك في أيامه، وهو يَزْدَجِرْد (٤) - ثم أحرم عبد اللَّه بن عامر بحجَّة -وقيل: بعمرة- من تلك البلاد شكرًا للَّه ، وفرَّق في أهل المدينة أموالًا كثيرة جزيلة.

стр. 3889

وهو أول من لبس الخَزَّ بالبصرة. وهو أول من اتخذ الحِيَاض بعرفة وأجرى إليها الماء المَعين (١). ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان، فأخذ أموال بيت المال وتلقّى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل، ثم سار إلى دمشق. ولم يُسمع له بذكر في صفِّين، ولكن ولّاه معاوية البصرة بعد. وتوفي في هذه السنة [بأرضه بعرفات] (٢) وأوصى إلى عبد اللَّه بن الزبير. له حديث واحد، وليس له في الكتب شيء. روى مصعب الزُّبيري، عن أبيه، عن جدِّه، عن حنظلة بن قيس، عن عبد اللَّه بن الزبير وعبد اللَّه بن عامر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهيد" (٣). وقد زوَّجه معاوية بابنته هند، وكانت جميلة، فكانت تلي خدمته بنفسها من محبتها له، فنظر يومًا في المرآة فرأى صَباحة وجهها وشيبة في لحيته، فطلَّقها، وبعث إلى أبيها أن يزوِّجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف. توفي في هذه السنة. وقيل: بعدها بسنة. عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصدِّيق (٤): وهو أكبر ولد أبي بكر، قاله الزبير بن بكّار. قال: وكانت فيه دُعَابة، وأمُّه أمُّ رومان، وأمُّ عائشة، فهو شقيقها. بارز يوم بدر وأُحُد مع المشركين [وأراد قتل أبيه أبي بكر] (٥) فتقدَّم إليه أبوه أبو بكر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أَمْتِعْنا بنفسِك" (٦). ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك في الهُدْنة، وهاجر قبل الفتح، ورزقه رسول اللَّه ﷺ من خيبر كل سنة أربعين وَسْقًا، وكان من سادات المسلمين. وهو الذي دخل على رسول اللَّه ﷺ يوم مات وعائشةُ مسندتُه إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سِواكٌ

стр. 3890

رَطْب، فأمدَّه بصَرَه [فأخذتْ عائشةُ ذاك السِّواك، فقضَمَتْه وطيَّبَتْه، ثم دفعَتْه إلى رسول اللَّه ﷺ فاستَنَّ به أحسنَ اسْتِنان ثم قال: "اللهمَّ في الرَّفيق الأَعلى". ثم قَضى. قالت: فجمعَ اللَّهُ ريقي وريقه، ومات بين سَحري ونَحري في بيتي ويومي، لم أظلم فيه أحدًا] (١). وقد شهد عبد الرحمن فتح اليَمَامة، وقَتل يومئذ سبعة، وهو الذي قتل مُحَكَّم بن الطُّفيل (٢) صديق مُسَيْلمة على باطله، كان محكَّم واقفًا في ثُلْمة حائط، فرماه عبد الرحمن فسقط محكَّم، فدخل المسلمون من الثُّلْمة فخلصوا إلى مُسَيلمة فقتلوه. وقد شهد فتح الشام، وكان معظَّمًا بين أهل الإسلام. ونُفل ليلى بنت الجُودي ملك عرب الشام، نفلَه إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصَّلًا. وقد قال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي بكر -ولم نجرب عليه كذبة قط- ذكر عنه حكاية: أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة قال عبد الرحمن لمروان: جعلتُموها واللَّه هِرَقْليَّة وكِسْرويَّة -يعني: يجعل الملِكُ المُلْك لمن بعده من ولده- فقال له مروان: اسكتْ، فإنك أنت الذي أنزل اللَّه فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧] فقالت عائشة: ما أنزل اللَّه فينا شيئًا من القرآن إلّا أنَّه أنزل عُذري. ويروى أنها بعثت إلى مروان تؤنِّبه وتخبره بخبر [فيه ذمٌّ له ولأبيه لا يصح عنها. قال الزبير بن بكّار: حدّثني إبراهيم بن محمد بن] (٣) عبد العزيز الزّهري، عن أبيه، عن جدّه قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمئة ألف درهم بعد أن أَبَى البيعة ليزيد بن معاوية، فردَّها عبد الرحمن [وأَبَى أن يأخذها وقال: أَبيعُ ديني بدُنياي؟! وخرج إلى مكة فمات بها] (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي (٥): حدَّثنا أبو مُسْهر، حدَّثنا مالك قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومةٍ نامها. ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد: فأَعتقت عنه عائشة رقابًا. ورواه الثَّوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره.

стр. 3891

ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له الحُبْشِي -على ستة أميال من مكة، وقيل اثني عشر ميلًا- فحملَه الرجال على أعناقهم حتى دُفن بأعلى مكة، فلمّا قدمتْ عائشة مكة زارته وقالت: أما واللَّه لو شهدتُك لم أبكِ عليك، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي متَّ فيه، ثم تمثَّلت بشعر مُتَمِّم بن نُوَيرة في أخيه مالك: وكنّا كَنْدمانَيْ جَذِيمةَ بُرْهةً … منَ الدَّهر حتّى قيلَ لنْ يتصَدَّعا فلمّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكًا … لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا رواه الترمذي وغيره (١). وروى ابن سعد: أن ابن عمر رأى فُسْطاطًا مضروبًا على قبر عبد الرحمن -ضربته عائشةُ بعد ما ارتحلت- فأَمر بنزعه وقال: إنَّما يُظِلُّه عملُه. وكانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ، ويقال: إن عبد الرحمن توفي سنة ثلاث وخمسين، قاله الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وأبو عبيد وغير واحد، وقيل: سنة أربع وخمسين. فاللَّه أعلم. قصَّتُه مع لَيْلى بنت الجُوديِّ ملك عرب الشّام قال الزبير بن بكّار: حدّثني محمد بن الضحّاك الحزامي عن أبيه: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق قدم الشام في تجارة -يعني في زمان جاهليته- فرأى هنالك امرأة يقال لها ليلى ابنة الجُوديّ على طِنْفِسَة (٢) لها وحولها ولائدها (٣)، فأعجبته -قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى- فقال فيها: تذكَّرتُ لَيْلى والسَّماوَةُ دونَها … فما (٤) لابنةِ الجُوديِّ ليلى وماليا وأنَّى تُعاطِي قلبَه حارثيَّةٌ … تَؤُمَّنَّ بُصْرى أو تَحُلُّ الجَوابيا وأنَّى تُلاقيها بَلى ولعلَّها … إنِ الناسُ حَجُّوا قابلًا أنْ تُوافيا قال: فلمّا بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش: إنْ ظفرتَ بليلى بنت

стр. 3892

الجُودي فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فظفر بها، فدفعها إليه، فأُعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشكونَها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك، فقال: واللَّه كأني أَرشِفُ بأنيابها حبَّ الرُّمان، فأصابها وجع سقط له فُوها، فجفاها حتى شكَتْه إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن! لقد أحببتَ ليلى فأَفرطت، وأبغَضْتَها فأَفرطت، فإمّا أن تُنْصفها وإما أن تُجهِّزها إلى أهلها (١). قال الزبير: وحدّثني عبد اللَّه بن نافع، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إنَّ عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجُودي حين فتح دمشق، وكانت ابنة ملك دمشق - يعني ابنه ملك العرب الذين حول دمشق. عُبيد اللَّه بنُ عباس بن عبد المطَّلب (٢): القرشيُّ الهاشميّ، ابن عمِّ النبي ﷺ وكان أصغر من أخيه عبد اللَّه بسنة، وأمُّهما أمُّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليّة. وكان عُبيد اللَّه كريمًا جميلًا وسيمًا يشبه أباه في الجمال. روينا أن رسول اللَّه ﷺ كان يَصُفُّ عبد اللَّه وعبيد اللَّه وكَثيرًا صفًّا ويقول: مَنْ سبقَ إليَّ فله كذا وكذا. فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبِّلهم ويلتزمهم (٣). وقد استنابه علي بن أبي طالب -في أيام خلافته- على اليمن. وحج بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين، فلما كان سنة ثمان وثلاثين اختلف هو ويزيد بن شجرة (٤) الرّهاوي الذي قدم على الحج من جهة معاوية، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحَجَبي، فأقام للناس الحج عامئذ، ثم لما صارت الشوكة لمعاوية تسلَّط على عبيد اللَّه بسر بن أبي أَرْطاة فقتل له ولدين، وجرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها.

стр. 3893

وكان يقدم هو وأخوه عبد اللَّه المدينة، فيوسعهم عبد اللَّه علْمًا ويوسعهم عبيد اللَّه كَرَمًا. وقد روي أنه نزل في مسيبر له مع مولى له على خيمة رجل من الأعراب، فلمّا رآه الأعرابيُّ أعظمه وأجلَّه، ورأى حسنه وشكله، فقال لامرأته: ويحكِ ماذا عندك لضيفنا هذا؟! فقالت: ليس عندنا إلّا هذه الشُّويهة (١) التي حياةُ ابنتِك من لبنها، فقال: إنه لا بدَّ من ذبحها، فقالت: أتقتلُ ابنتَك؟ فقال: وإن، فأخذ الشفرة والشاة وجعل يذبحُها ويسلخُها وهو يقول مرتجزًا: يا جَارَتي لا تُوْقِظي البُنَيَّهْ إنْ تُوْقِظيها تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ وتَنْزِعِ الشَّفْرَةَ من يَدَيَّهْ ثم هيَّأها طعامًا، ثم حملَها فوضعها بين يدي عبيد اللَّه ومولاه، فعشّاهما. وكان عبيد اللَّه قد سمع محاورته مع امرأته في الشاة، فلمّا أراد الارتحال قال لمولاه: ويلك ماذا معك من المال؟ فقال: معي خمسمئة دينار فضَلَت من نفقتك، فقال: ادفعها إلى الأعرابي، فقال: سبحان اللَّه! تعطيه خمسمئة دينار وإنما ذبح لك شاةً واحدة تساوي خمسة دراهم؟! فقال: ويحك! واللَّه لهو أسخى منّا وأجود، لأنَّا إنما أعطيناه بعض ما نملك [وجاد علينا بجميع ما يملك] (٢) وآثَرَنا على مُهْجة نفسه وولده. فبلغ ذلك معاوية فقال: للَّه درُّ عبيد اللَّه من أي بيضة خَرَج [ومن أي عُشٍّ دَرَج] (٣). قال خليفة بن خياط (٤): توفي سنة ثمان وخمسين. وقال غيره: توفي في أيام يزيد بن معاوية. قال أبو عبيد القاسم بن سلّام: توفي في سنة سبع وثمانين. وكانت وفاته بالمدينة، وقيل: باليمن. وله حديث واحد. قال أحمد: حدّثنا هُشيم، حدّثنا يحيى بن [أبي] (٥) إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عُبيد اللَّه بن عباس قال: جاءت الغُمَيْصاء (٦) -أو الرُّمَيْصاء- إلى رسول اللَّه ﷺ تشكو زوجَها تزعمُ أنَّه لا يصلُ إليها، فما كان إلَّا يسيرًا حتّى جاء زوجُها فزعم أنَّها كاذبة وأنَّها تريد أن ترجعَ إلى زوجها الأوَّل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليسَ لَكِ ذلكَ حتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رجلٌ غيرُه" (٧).

стр. 3894

وأخرجه النَّسائي (١)، عن علي بن حُجْر (٢)، عن هُشيم به. وممن توفي في هذه السنة: أمُّ المؤمنين عائشةُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق (٣): [زوجة رسول اللَّه ﷺ وأحبُّ أزواجه إليه، المبرَّأة من فوق سبع سماوات ﵂] (٤) وأمُّها هي أمُّ رُومان بنت عامر بن عُويمر الكِنَانيّة. تكنى عائشة بأمِّ عبد اللَّه، قيل: كنّاها بذلك رسول اللَّه ﷺ بابن أُختها عبد اللَّه بن الزبير. وقيل: إنها أَسقطت من رسول اللَّه ﷺ سِقْطًا (٥) فسمّاه عبد اللَّه. ولم يتزوَّج رسول اللَّه ﷺ بِكْرًا غيرها، ولم ينزل عليه الوحيُ في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحبّ إليه منها. تزوَّجها بمكة بعد وفاة خديجة. "وقد أتاه المَلَك بها في المنام في سَرَقةٍ (٦) من حرير مرتين أو ثلاثًا فيقول: هذه زوجتُك. قال: فأكشِفُ عنكِ فإذا هي أنت. فأقول: إنْ يكن هذا من عند اللَّه يُمْضِه" (٧). فخطبها من أبيها، فقال: يا رسول اللَّه أوَ تحلُّ لك؟ قال: نعم. قال: أولستُ أخاك؟ قال: بلَى في الإسلام، وهي لي حلال (٨). فتزوَّجها رسول اللَّه ﷺ فحظِيَتْ عنده. وقد قدمنا ذلك في أول السيرة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بسنة ونصف، وقيل: بثلاث سنين. وكان عمرها إذ ذاك ست سنين، ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر من شوال من سنة اثنتين من الهجرة، فأحبَّها. ولما تكلَّم فيها أهل الإفك بالزُّور والبُهْتان غار اللَّه لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تُتلى على

стр. 3895

تعاقب الأزمان. [وقد ذكرنا ذلك مفصَّلًا فيما سلف، وشرحنا الآياتِ والأحاديثَ الواردة في ذلك في غزوة المُرَيْسِيع، وبسطنا ذلك أيضًا في كتاب التفسير بما فيه كفاية ومَقْنع وللَّه الحمد والمنّة] (١). وقد أجمع العلماء على تكفير مَنْ قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقيَّة أمهات المؤمنين: هل يكفر مَنْ قذفهنَّ أم لا؟ على قولين، وأصحُّهما أنه يكفر لأن المقذوفة زوجة رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه تعالى إنَّما غضب لها لأنَّها زوجة رسول اللَّه ﷺ ، فهي وغيرها منهن سواء. ومن خصائصها ﵂ أنها كان لها في القَسْم يومان يومها ويوم سَوْدة [حين وهبتها ذلك تقرُّبًا إلى رسول اللَّه ﷺ ] (٢). وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سَحرها ونَحرها، وجمع اللَّه بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته من الدنيا وأول ساعة من الآخرة، ودُفن في بيتها (٣). وقد قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّه ليُهَوّنُ عليَّ أنِّي رأيتُ بياضَ كف عائشَةَ في الجنَّة". تفرد به أحمد. [وهذا في غاية ما يكون من المحبَّة العظيمة أن يرتاح لأنه رأى بياض كفِّ عائشة أمامه في الجنَّة] (٥). ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي ﷺ بل هي أعلم النساء على الإطلاق. قال الزُّهري: لو جُمع علمُ عائشةَ إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء لكان علمُ عائشةَ أفضل (٦). وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشةُ أفقهَ الناس، وأعلمَ الناس، وأحسنَ الناس رأيًا في العامة. وقال عُروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقهٍ ولا طبٍّ ولا شعرٍ من عائشة، ولم تروِ امرأة ولا رجل -غير أبي هريرة- عن رسول اللَّه ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها. وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكلَ علينا -أصحابَ محمد- حديثٌ قط فسألنا عائشةَ إلَّا وجدنا عندها منه عِلمًا. رواه الترمذي (٧). وقال أبو الضّحى عن مَسْروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.

стр. 3896

وأما ما يلهَجُ به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث: "خُذُوا شَطْر دينكم عن هذه الحُمَيْراء" فإنه ليس له أصل، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجّاج المزِّي، فقال: لا أصلَ له (١). ثم لم يكن من النساء أعلم من تلميذاتها: عَمْرة بنت عبد الرحمن، وحَفْصة بنت سِيرين، وعائشة بنت طَلْحة. وقد تفرَّدت أمُّ المؤمنين عائشةُ بمسائلَ عن الصحابة لم توجد إلَّا عندها، وانفردت باختيارات "أيضًا وردت أخبارٌ بخلافها بنوع من التأويل. وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة. وقال الشعبي: كان مسروقٌ إذا حدَّث عن عائشة قال: حدّثتني الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، حبيبةُ رسول اللَّه، المبرَّأة من فوق سبع سماوات. وثبت في "صحيح البخاري" من حديث أبي عثمان النَّهْدي، عن عمرو بن العاص أنه قال: "قلت يا رسول اللَّه، أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: ومن الرجال؟ قال: أبوها" (٢). وفي "صحيح البخاري" أيضًا عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كَمُلَ من الرَّجالِ كَثير، ولم يكمُلْ من النِّساء إلَّا مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خُوَيلد، وآسِيَةُ امرأةُ فرعون، وفضلُ عائشةَ على النّساءِ كفضلِ الثَّرِيد على سائِر الطَّعام" (٣). وقد استدل كثير من العلماء ممَّن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث وقال: فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن. ويعضُد ذلك أيضًا الحديث الذي رواه البخاري أيضًا: حدّثنا إسماعيل بن خليل، حدّثنا علي بن مُسْهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: استأذنتْ هالَةُ بنت خُوَيلد -أخت خديجة- على رسول اللَّه ﷺ فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، فقال: اللهمَّ هالَة. قالت عائشة: فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين هلكتْ في الدهر الأول، قد أبدلكَ اللَّهُ خيرًا منها؟! ". هكذا رواه البخاري (٤)، فأما ما يُروى فيه من الزيادة: "واللَّهِ ما أبدلَني خيرًا منها" فليس يصحُّ سندها. وقد ذكرنا ذلك مطوَّلًا عند وفاة خديجة، وذكرنا حُجَّة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته هاهنا.

стр. 3897

وروى البخاري عن عائشة: أنَّ النبي ﷺ قال يومًا: "يا عائِشُ، هذا جبريلُ يُقرِئُكِ السَّلام، فقال: وعليهِ السَّلام ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، تَرى ما لا أرى" (١). وثبت في "صحيح البخارى" أن الناس كانوا يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواج النبي ﷺ إلى أمِّ سلَمة وقلنَ لها: قُولي له يأمر الناس أن يُهْدوا له حيث كان، فقالت أمُّ سلَمة: فلمَّا دخل عليَّ قلتُ له ذلك، فأعرضي عني، ثم قلنَ لا ذلك، فقالت له، فأعرض عنها. ثم لمَّا دار إليها قالت له، فقال: "يا أمَّ سلَمة لا تُؤْذيني في عائشة، فإنَّه واللَّهِ ما نزلَ عليَّ الوحيُ وأنا في لِحَاف امرأةٍ منكنَّ غيرها". وذكر أنهنَّ بعثنَ فاطمةَ ابنتَه إليه فقالت: إنَّ نساءَك يَنْشُدْنَكَ العدلَ في ابنة أبي بكر بن أبي قُحافة، فقال: يا بُنَيَّة، ألا تُحبِّين مَنْ أحِبُّ؟ قال: قلت: بلَى، قال: فأَحِبِّي هذه". ثم بعثنَ زينب بنت جَحش، فدخلت على رسول اللَّه ﷺ وعنده عائشة، فتكلَّمت زينبُ ونالتْ من عائشة [فانتصرتْ عائشةُ منها وكلَّمتها حتى أَفْحمتها، فجعل رسول اللَّه ﷺ ينظرُ إلى عائشةَ] (٢) ويقول: "إنَّها ابنةُ أبي بكر" (٣). وذكرنا أن عمّارًا لما جاء يستصرخ النَّاسَ ويستنفرهم إلى قتال طَلْحة والزُّبير أيام الجَمَل، صَعِد هو والحسن بن عليٍّ على منبر الكوفة، فسمع عمّارٌ رجلًا ينال من عائشة، فقال له: اسكُتْ مَقْبوحًا مَنْبوذًا، واللَّه إنَّها لَزوجةُ رسول اللَّه ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن اللَّهَ ابتلاكم ليعلمَ إيّاهُ تطيعونَ أو إيّاها (٤). وقال الإمام أحمد: حدّثنا معاوية بن عمرو، حدَّثنا زائدة، حدَّثنا عبد اللَّه بن خُثيم، حدّثني عبد اللَّه بن أبي مُليكة أنه حدّثه ذكوان -حاجب عائشة- أنه جاء عبد اللَّه بن عباس يستأذن على عائشة، فجئت -وعند رأسها ابن أخيها عبدُ اللَّه بن عبد الرحمن- فقلت: هذا ابنُ عباس يستأذن، فأكبَّ عليها ابن أخيها عبد اللَّه فقال: هذا عبد اللَّه بن عباس يستأذن -وهي تموت- فقالت: دَعْني من ابن عباس، فقال: يا أمّاه إنَّ ابن عباس من صالح بَنيك يسلِّم عليك ويودِّعك، فقالت: ائذنْ له إن شئت، قال: فأدخلته، فلمّا جلس قال: أبشري، فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقَي محمدًا والأحبَّة ألَّا أن تخرج الروح من الجسد، وقد كنتِ أحبَّ نساء رسول اللَّه ﷺ إليه، ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يحبُّ إلّا طيِّبًا، وسقطتْ قِلادتُك ليلة الأَبْواء فأصبح رسول ﷺ وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل اللَّه آية التيمُّم (٥)، فكان ذلك في سَببك، وما أنزل اللَّه من الرُّخصة لهذه الأمة. وأنزل اللَّه براءَتَك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجدٌ من مساجد اللَّه إلَّا تُتْلى فيه آناء الليل وآناء النهار.

стр. 3898

فقالت: دَعْني منك يا بن عباس، والذي نفسي بيده لوددتُ أني كنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (١). والأحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدًّا. وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين، وقيل: قبلَه بسنة، وقيل: بعده بسنة، والمشهور في رمضان منه وقيل: في شوال، والأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان. وأوصت أن تُدفن بالبقيع ليلًا. وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر. ونزل في قبرها خمسة وهم: عبد اللَّه وعروة ابنا الزبير بن العوّام من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم وعبد اللَّه ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، و [عبد اللَّه بن] (٢) عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان عمرها يومئذ سبعًا وستين سنة، لأنه توفي رسول اللَّه ﷺ وعمرها ثمان عشرة سنة، وكان عمرها عام الهجرة ثماني سنين أو تسع سنين، فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة تسع وخمسين فيها كان مشتى عَمرو بن مرَّة الجُهَني في أرض الروم في البرّ. قال الواقدي: ولم يكن فيها غزوٌ [في البحر، وقال غيره: بل غزا في البحر عامئذ جُنادة بن أبي أميَّة] (٣). وفيها عزل معاويةُ ابنَ أمِّ الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم، وولَى عليه النُّعمان بن بَشير. وفيها ولَّى معاويةُ عبدَ الرحمن بن زياد ولاية خراسان، وعزل عنها سعيد بن عثمان بن عفّان، فصار عبيد اللَّه على البصرة، وعبّاد بن زياد على سِجسْتان، وعبد الرحمن بن زياد على خراسان. ولم يزل عبد الرحمن عليها إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين، فقال له: كم قدمتَ به من المال؟ قال: عشرون ألف ألف، فقال له: إن شئتَ حاسبناك، وإن شئتَ سوَّغناكها وعزلناك عنها على أن تعطي عبد اللَّه بن جعفر خمسمئة ألف درهم، قال: بل سَوِّغها، وأما عبد اللَّه بن جعفر فأُعطيه ما قلتَ ومثلَها معها، فعزله وولَّى غيره، وبعث عبد الرحمن إلى عبد اللَّه بن جعفر بالف ألف درهم وقال: خمسمئة ألف من جهة أمير المؤمنين، وخمسمئة ألف من قِبَلي. وفي هذه السنة وفد عبيد اللَّه بن زياد على معاوية ومعه أشراف أهل البصرة والعراق، فاستأذن لهم عبيد اللَّه (٤) عليه على منازلهم منه، وكان من آخر مَنْ أدخله على معاوية الأحنفُ بن قيس -ولم يكن عبيد اللَّه يجلُّه- فلما رأى معاوية الأحنف رحَّب به وعظَّمه وأجلَّه وأجلسه معه على السرير، ثم تكلَّم القوم فأثنوا على عبيد اللَّه والأحنفُ ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلَّم؟ فقال له: إن تكلمتُ خالفتُ

стр. 3899

القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلتُه عنكم فاطلبوا واليًا ترضَوْنه، فمكثوا أيامًا يتردَّدون إلى أشراف بني أميَّة يسألون كل واحد منهم أن يتولى عليهم، فلم يقبل أحد منهم ذلك. ثم جمعهم معاوية فقال: من اخترتم؟ فاختلفوا عليه والأحنفُ ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلَّم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن ولَّيت علينا من أهل بيتك فإنا لا نعدل بعبيد اللَّه بن زياد أحدًا، وإن ولَّيت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك، فقال معاوية: قد أعدتُه إليكم. ثم إن معاوية أوصى عُبيد اللَّه بن زياد بالأحنف خيرًا، وقبَّح رأيه في مباعدته، فكان الأحنف بعد ذلك من أخص أصحاب عبيد اللَّه، ولمَّا وقعت الفتنة لم يَفِ لعبيد اللَّه غيرُ الأحنف بن قيس. قصة يَزيد بن رَبيعة بن مُفَرِّغ الحِمْيَري مع ابني زياد: عُبيد اللَّه وعبّاد ذكر ابن جرير (١) عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى وغيره: أن هذا الرجل كان شاعرًا وكان مع عبّاد بن زياد بسِجسْتان، فاشتغل عنه بحرب الترك، وضاق على الناس عَلَف الدواب، فقال ابن مفرِّغ شعرًا يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال: ألَا ليتَ اللِّحَى كانَتْ حَشِيشًا … فنَعْلِفَها خيولَ المُسْلمينا وكان عبَّاد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدًا، فبلغه ذلك، فغضب وتطلَّبه، فهرب منه وقال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة، فمن ذلك قوله: إذا أَوْدى معاويةُ بنُ حَرْبٍ … فبَشر شعْبَ قَعْبِكَ بانْصِدَاع فاَشْهَدُ أنَّ أفَكَ لم تُباشِرْ … أبا سُفيانَ واضعَةَ القِنَاع ولكنْ كانَ أمرًا فيه لَبْسٌ … علَى خَوْفٍ شَديدٍ وارْتِيَاع وقال أيضًا: ألَا أَبلِغْ مُعاويةَ بنَ حَرْبٍ … مُغَلْغَلَةً من الرَّجُل اليَمَاني أتَغْضَبُ أنْ يُقالَ أبوكَ عَفٌّ … وتَرْضى أنْ يُقالَ أبوكَ زاني فأَشْهَدُ أنَّ رِحْمَكَ من زيادٍ … كرِحْمِ الفيلِ من وَلَدِ الأَتان فكتب عبّاد بن زياد إلى أخيه عبيد اللَّه وهو وافد على معاوية بهذه الأبيات، فقرأها عبيد اللَّه على معاويةَ واستأذنه في قتله، فقال: لا تقتله ولكن أَدِّبه ولا تبلغ به القتل. فلمّا رجع عُبيد اللَّه إلى البصرة استحضره، وكان قد استجار بوالد زوجة عُبيد اللَّه بن زياد وهو المُنْذر بن الجارود، وكانت ابنتُه بَجْريَّة

стр. 3900

عند عُبيد اللَّه، فأجاره وآواه إلى داره. وجاء الجارود مسلِّمًا على عبيد اللَّه، وبعث عبيد اللَّه الشُّرَط إلى دار المنذر، فجاؤوا بابن مفرِّغ فأُوقف بين يديه، فقال المنذر: إني قد أجرتُه، فقال: يمدحك ويمدح أباك فترضى عنه، ويهجوني ويهجو أبي ثم تُجيره عليّ؟! ثم أمر عبيد اللَّه بابن مفزغ فسُقي دواءً مُسْهلًا، وحملوه على حمار عليه إكاف وجعلوا يطوفون به في الأسواق وهو يَسْلَح والناس ينظرون إليه، ثم أمر به فنُفي إلى سِجسْتان إلى عند أخيه عبّاد، فقال ابن مفرِّغ لعبيد اللَّه بن زياد: يَغْسِلُ الماءُ ما صَنَعْتَ وقَوْلي … راسخٌ منكَ في العِظامِ البَوَالي فلما أَمر عبيد اللَّه بنفي ابن مفرِّغ إلى سِجسْتان كلَّم اليمانيّون معاوية في أمر ابن مفرِّغ: أنَّه إنَّما بعثه إلى أخيه ليقتلَه، فبعث معاوية إلى ابن مفرِّغ وأحضره، فلمَّا وقف بين يديه بكى وشكا إلى معاوية ما فعل به ابن زياد، فقال له معاوية: إنك هجوتَه، ألستَ القائل كذا؟ ألستَ القائل كذا؟ فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئًا، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان وأحبَّ أن يُسْندها إليّ، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنَعَه العطاء حتى يرضى عنه عبيد اللَّه بن زياد. وأنشد ابنُ مفرِّغ ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته: عَدَسْ ما لعبّاد عليكِ إمارةٌ … نَجَوْتِ وهذا تحملِينَ طَلِيقٌ (١) لَعَمْري لقَدْ نجّاكِ من هُوَّةِ الرَّدى … إمامٌ وحَبْلٌ للأنام وَثِيقُ سأشكُرُ ما أَوْليتَ من حُسْنِ نِعمةٍ … ومثلي بشُكْرِ المُنْعِمِينَ حَقِيقُ فقال له معاوية: أما لو كنّا نحن الذين هَجَوْتنا لم يكن من أذانا شيء يصل إليك ولم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه ارتكب فيَّ ما لم يرتكب مسلمٌ من مسلمٍ على غير حَدَثٍ ولا جُرْم، قال: ألستَ القائل كذا؟ ألستَ القائل كذا؟ فقد عفونا عن جُرْمك، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء، فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، ولا تعامل أحدًا إلّا بالحُسْنى، وانظر لنفسك أي البلاد أحبّ إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فاختار المَوْصل، فأرسله إليها، ثم استأذن عبيد اللَّه في القدوم إلى البصرة والمقام بها، فاذن له. ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عُبيد اللَّه فاسترضاه، فرضي عنه، وأنشده عبد الرحمن: لأَنتَ زيادةٌ في آلِ حَرْبٍ … أحبُّ إليَّ من إحدَى بَناني أراكَ أخأ وعمّا وابنَ عمٍّ … فلا أَدرِي بغَيْبٍ ما تَراني

стр. 3901

فقال له عبيد اللَّه: أراك واللَّهِ شاعر سَوْء، ثم رضي عنه، وأعاد إليه ما كان منعه من العطاء (١). قال أبو معشر والواقدي: وحجَّ بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وكان نائب المدينة الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان، وعلى الكوفة النُّعمان بن بَشير وقاضيها شُريح، وعلى البصرة عبيد اللَّه بن زياد [وقاضيها هشام بن هُبيرة] (٢) وعلى سِجسْتان عبّاد بن زياد، وعلى كَرْمان شَريك بن الأعور الحارثي، من قِبَل عبيد اللَّه بن زياد. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان: قال ابن الجوزي: توفي فيها أسامة بن زيد، والصحيح قبلها كما تقدم (٣). الحُطَيئةُ الشاعر (٤): واسمه: جَرْول [بن أوس] (٥) بن مالك بن جُؤَيَّة بن مخزوم بن مالك بن قُطَيعة ابن عَبْس (٦)، أبو (٧) مُلَيكة، الشاعر الملقب بالحُطَيئة لقِصَرِه. أدرك الجاهلية، وأسلم في زمن الصدِّيق. وكان كثير الهجاء حتى يقال: إنَّه هجا أباه وأمَّه، وخاله وعمَّه، ونفسه وعِرْسه (٨). فمما قال في أمِّه: تَنَحَّيْ فاقعُدي عَنِّي بَعيدًا … أَراحَ اللَّهُ منكِ العالَمِينا أَغِرْبالًا إذا استُودِعْتِ سِرًّا … وكانُونًا على المُتحدِّثينا جَزاكِ اللَّهُ شَرًّا من عَجُوزٍ … ولقَّاكِ العُقُوقَ منَ البَنِينا (٩) وقال في أبيه وعمِّه وخاله:

стр. 3902

لَحَاكَ اللَّهُ ثمَّ لَحَاكَ حقًّا … أَبًا ولَحَاكَ منْ عمٍّ وخال فنعمَ الشَّيخُ أنتَ لدَى المَخَازي … وبئسَ الشَّيخُ أنتَ لدَى المَعَالي (١) ومما قال في نفسه يذمُّها: أَبَتْ شَفَتايَ اليومَ إلّا تَكلّما … بِشَرٍّ فما أَدري لمَنْ أنا قائِلُهْ أرى ليَ وجهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ … فقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُه (٢) وقد شكاه الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأحضره وحبسَه، وكان سبب ذلك الزِّبْرقان بن بدر، شكاه لعمر أنه قال له يهجوه: دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغْيَتها … واقعُدْ فإنَّكَ أنتَ الطّاعمُ الكاسي (٣) فقال له عمر: ما أراه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعمًا كَاسيًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لا يكون هجاء أشدّ من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! ما هجاه ولكنْ سلَح عليه. فعند ذلك حبسه عمر وقال: يا خبيث! لأشغلنَّك عن أعراض المسلمين. ثم شفّع فيه عمرو بن العاص، فأخرجه وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه، ويقال: إنه أراد أن يقطع لسانه، فشفّعوا فيه حتى أطلقه. وقال الزبير بن بكّار: حدثني محمد بن الضحّاك عن عثمان الحِزَامي (٤)، عن عبد اللَّه بن مصعب، حدثني عن ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: أمر عمر بإخراج الحُطَيئة من الحبس، وقد كلَّمه فيه عمرو بن العاص وغيره، فأُخرج وأنا حاضر، فأنشأ يقول: ماذا تقولُ لأَفراخٍ بذي مَرَخٍ … زُغْبِ الحواصِلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ غادرتَ كاسِبَهم في قَعْر مُظْلمةٍ … فارحَمْ هداكَ مليكُ الناسِ يا عُمَرُ أنتَ الإمامُ الذي من بعد صاحِبِه … أَلقى إليكَ مقاليدَ النُّهى البَشَرُ لم يُؤْثروكَ بها إذ قدَّموك لها … لكنْ لأنفسِهم كانتْ بكَ الأَثَرُ فامنُنْ على صِبيةٍ بالرّمل مسْكنُهمْ … بينَ الأباطح يَغْشاهُم بها القَدَرُ نفسي فداؤُكَ كم بيني وبينَهُمُ … من عَرضِ داويَّةٍ يعمى بها الخَبَرْ (٥)

стр. 3903

قال: فلما قال الحُطيئة: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص: ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحُطيئة. ثم ذكر أنه أراد قطع لسان الحُطَيئة لئلّا يهجو به الناس، فأجلسه على كرسي وجيء بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين، وأشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر: النَّجاء، فلمّا ولَى قال له عمر: ارجع يا حُطيئة، فرجع، فقال له: كأني بك عند شاب من قريش قد كسَر لك نُمْرُقَة (١) وبسَط لك أخرى وقال: يا حُطيئة غنِّنا، فاندفعتَ تغنِّيه بأعراض الناس. قال أسلم: فرأيت الحُطيئة بعد ذلك عند عبيد اللَّه بن عمر وقد كسَر له نُمْرُقَة وسسط له أخرى وقال: يا حُطيئة غنِّنا، فاندفع حُطيئة يغني، فقلت له: يا حُطيئة! أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال؟ ففزع وقال: رحم اللَّه ذلك المرء، لو كان حيًّا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد اللَّه: إني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنتَ أنت ذلك الرجل. وقال الزبير: حدَّثني محمد بن الضحّاك عن أبيه قال: قال عمر للحُطيئة: دع قول الشعر، قال: لا أستطيع، قال: لمَ؟ قال: هو مَأْكلة عيالي وعلَّة لساني، قال: فدع المِدْحة المُجْحفة، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول: بنو فلان أفضل من بني فلان، امدح ولا تفضِّل، فقال: أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين. ومن مديحه الجيِّد المشهور قوله: أَقِلُّوا علَيهِمْ لا أَبا لأَبيكُمُ … من اللَّوْم أو سَدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا أولئِكَ قومٌ إنْ بَنَوا أحسَنُوا البُنا … وإنْ عاهَدُوا أَوْفَوْا وإنْ عقَدُوا شَدُّوا وإنْ كانتِ النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها … وإنْ أنعَمُوا لا كَدَّرُوها ولاكَدُّوا (٢) قالوا: ولما احتُضر الحُطيئة قيل له: أَوصِ، قال: أُوصيكم بالشعر، ثم قال: الشِّعر صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ … إذا ارتَقى فيهِ الذي لا يَعْلَمُهْ زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيض قَدَمُهْ … والشِّعر لا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيُعْجِمُه (٣) قال أبو الفرج ابن الجوزي في "المنتظم": توفي الحطيئة في هذه السنة. وذكر أيضًا فيها وفاة عبد اللَّه بن عامر بن كُريز، وقد تقدَّم في التي قبلها.

стр. 3904

عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب (١): واسمه جُنْدُب بن نَضْلَة بن عبد اللَّه بن رافع الأَزدي، أبو محمد، حليف بني عبد المطَّلب، المعروف بابن بُحَيْنَة [وهي أمُّه بُحَيْنة] (٢) بنت الأَرَتّ بن المطَّلب بن عبد مناف. أسلم قديمًا، وصحب رسول اللَّه ﷺ ، وكان ناسكًا صوّامًا قوّامًا، وكان ممَّن يسرُد صوم الدهر كله. قال ابن سعد: كان ينزل بطنَ رِيم على ثلاثين ميلًا من المدينة، ومات في عمل مروان في المرَّة الثانية، ما بين سنة أربع وخمسين إلى ثمان وخمسين. والعجب أن ابن الجَوْزي نقل من كلام محمد بن سعد، ثم إنه ذكر وفاته في هذه السنة - يعني سنة تسع وخمسين، فاللَّه أعلم. قيس بن سَعد بن عُبَادة الأنصاريُّ الخَزْرجي (٣): صحابي جليل كأبيه. له في "الصحيحين" حديث القيام للجنازة (٤)، وله في "المسند" حديث في صوم عاشوراء (٥)، وحديث غسل رسول اللَّه ﷺ في دارهم (٦)، وغير ذلك (٧).

стр. 3905

وخدم رسول اللَّه ﷺ عشر سنين. وثبت في "صحيح البخاري" (١) عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النَّبِيّ ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير. وحمل لواء رسول اللَّه ﷺ في بعض الغزوات، واستعمله على الصَّدَقَة. ولما بعث رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة بن الجزاح ومعه ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير، فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سِيف البحر، فأكلوا منها وأقاموا عليها شهرًا حتى سمنوا. وكان قيس سيِّدًا مطاعًا كريمًا ممدَّحًا شجاعًا. ولّاه علي نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله [علي] (٢) عن مصر وولَى عليها محمد بن أبي بكر الصدِّيق، فاستخفَّه معاوية ولم يزل حتى أخذ منه مصر كما قدمنا. وأقام قيس عند عليٍّ فشهد معه صفِّين والنهروان ولزمه حتى قُتل، ثم صار إلى المدينة، فلما اجتمعت الكلمة على معاوية جاءه ليبايعه كما بايعه أصحابه. قال عبد الرزاق: عن ابن عُيينة قال: قدم قيس بن سعد على معاوية، فقال له معاوية: وأنت يا قيس تُلحِمُ عليَّ مع من أَلحم؟! أما واللَّه لقد كنتُ أحبُّ ألَّا تأتيني هذا اليوم إلّا وقد ظفر بك ظفر من أظفاري مُوجع، فقال له قيس: وأنا واللَّه قد كنت كارهًا أن أقوم في هذا المقام فاحيِّيك بهذه التحيَّة، فقال له معاوية: ولمَ؟ وهل أنت إلَّا حَبرٌ من أحبار يهود؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنتَ صنمًا من أصنام الجاهلية، دخلتَ في الإسلام كارهًا وخرجت منه طائعًا، فقال معاوية: اللهم غفرًا، مدَّ يدك، فقال له قيس بن سعد: إن شئت زدت وزدت. وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلَّة فأر بيتي، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية! املؤوا بيتها خبرًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا (٣). وقال غيره: كانت له صحفة (٤) يُدار بها حيث دار، وكان ينادي له منادٍ: هلمُّوا إلى اللحم والثَّريد. وكان أبوه وجدُّه من قبله يفعلان كفعله.

стр. 3906

وقال عروة بن الزبير: باع قيس بن سعد من معاوية أرضًا بتسعين ألفًا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأتِ، فأقرض منها خمسين ألفًا، وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقلَّ عُوّاده، فقال لزوجته قُريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصدِّيق: إني أرى قلَّة عُوّادي في مرضي هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممَّن كان له عليه دَيْن بصكِّه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم. [وقيل: إنه أمر مناديَه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دَيْن فهو منه في حلّ، فما أمسى حتى كُسرت عتبة بابه من كثرة العوّاد] (١). وكان يقول: اللهمَّ ارزقني مالًا وفَعَالًا، فإنه لا تصلح الفَعَال إلّا بالمال (٢). وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفًا، فلمّا جاء ليوفيَه إياها قال له قيس: إنا قومٌ ما أعطينا أحدًا شيئًا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عديّ: اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد اللَّه بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عَرَابة الأوسي. فتمارَوْا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه، وليحكم على العِيان. فذهب صاحب عبد اللَّه بن جعفر إليه، فوجده قد وضع رجلَه في الغَرْز (٣) ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا بن عمِّ رسول اللَّه! ابنُ سبيل ومُنْقطَع به. قال: فأخرج رجلَه من الغَرْز وقال: ضع رجلك واستَوِ عليها فهي لك بما عليها، وخُذْ ما في الحقيبة، ولا تخدعن السَّيف فإنه من سيوف علي. فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة، وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف وخزّ وغير ذلك، وأجلُّ ذلك سيف علي بن أبي طالب ﵁. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه، فوجده نائمًا، فقالت له الجارية: ما حاجتُك إليه؟ قال: ابنُ سبيل ومنقَطَع به، قالت: فحاجتك أيسرُ من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمئة دينار، ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في مَعَاطن الإبل (٤) فخذ لك ناقةً وعبدًا واذهب راشدًا. فلمّا استيقظ قيس من نومه أخبرتْه الجارية بما صنعت، فأعتقها [شكرًا على صنيعها ذلك] (٥) وقال: هلّا أيقظتيني حتى أُعطيَه ما يكفيه، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عَرَابة الأوسي إليه، فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكَّأ على عبدَين له -وكان قد كُفَّ بصره- فقال له: يا عَرَابة، فقال: قل، فقال: ابنُ سبيل ومنقَطَعٌ به، قال: فخلَّى عن العبدين، ثم صفَّق بيده اليمنى على اليسرى، ثم قال:

стр. 3907

أوَّه أوه، واللَّه ما أصبحتُ ولا أمسيتُ وقد تركتِ الحقوقُ من مال عَرَابة شيئًا، ولكن خذ هذين العبدَين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حرّان، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده. قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه. قال: فحكم الناس على أنَّ ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأنَّ ذلك ليس بمستنكر له، إلَّا أن السَّيف أجلها. وأن قيسًا أحد الأجواد، حكَّم مملوكته في ماله بغير علمه، واستحسن فعلها، وعتقها شكرًا لها على ما فعلت. وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عَرَابة الأوسي [لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك] (١) جهد من مقلّ. وقال سفيان الثوري: عن عمرو، عن (٢) أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام فمات بها، فوُلد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم بحال هذا الولد إذ كان حَمْلًا، فاقسِمُوا له معكم. فقال قيس: إنِّي لا أغيِّر ما فعله سعد، ولكن نصيبي له. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سِيرين، فذكره. ورواه عبد الرزاق عن ابن جُريج: أخبرني عطاء، فذكره. وقال ابن أبي خَيْثمة: حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا مِسْعَر، عن مَعْبد بن خالد قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبُعَه المسبحة - يعني يدعو (٣). وقال هشام بن عمّار: حدَّثنا الجرّاح بن مَليح، حدَّثنا أبو رافع، عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "المكرُ والخَدِيعَةُ في النار" لكنت من أمكر هذه الأمّةُ (٤). وقال الزهري: دُهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمُغيرة بن شُعبة، وقيس بن سعد، وعبد اللَّه بن بُدَيل (٥) وكانا (٦) مع علي، وكان المغيرة معتزلًا بالطائف حتى حُكِّم الحكمان (٧) فصار إلى معاوية.

стр. 3908

وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلَّب على مصر وأخرج منها عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح -نائب عثمان بعد عمرو بن العاص- فأقرَّه عليٌّ مدة يسيرة، ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معهما على علي، فامتنع وأظهر للناس مُناصحتَه لهما، وفي الباطن هو مع علي، فبلغ ذلك عليًا، فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النَّخعي [فمات] (١) الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر، فخفَّ أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبي بكر هذا وأُحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم صار إلى علي بن أبي طالب بالكوفة، فكان معه في حروبه حتى قُتل علي، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتلَه، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسًا ذلك وما أحبَّه، وامتنع من طاعته معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد الأنصار، فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدَّمه، وحظي عنده. وبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إليَّ بسراويل أطول رجل من العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلّا قد احتجنا إلى سراويلك -وكان قيس مديد القامة جدًا- فقام قيس فتنحَّى ثم خلع سراويلَه فألقاها إلى معاوية، فقال له معاوية: لو ذهبتَ إلى منزلك ثم أرسلتَ بها إلينا، فأنشأ قيس يقول عند ذلك: أَردتُ بها كي يعلمَ الناسُ أنَّها … سَراويلُ قيسٍ والوفودُ شُهُودُ وأنْ لا يقولوا غابَ قَيسٌ وهذه … سَراويلُ عاديٍّ نَمَتْهُ ثَمُودُ وإنِّي منَ الحيِّ اليَمَاني لَسَيِّدٌ … وما النَّاسُ إلّا سيِّدٌ ومَسُودُ فكِدْهُمْ بمثلي إنَّ مثلي عَلَيهمُ … شديدٌ وخلْقي في الرِّجال مَدِيدُ وفَضَّلَني في النَّاس أصلٌ ووالدٌ … وباعٌ به أَعلُو الرِّجالَ مَدِيدُ قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه، فوقفت بالأرض (٢). وفي رواية: أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلَين من جيشه يزعم أنَّ أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم، فانظر هل في قومك من يفوقُهما في قوة هذا وطول هذا؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثتُ إليك من الأسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول

стр. 3909

منهما فهادني ثلاث سنين. فلمّا حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ماله إلّا أحد رجلين: إما محمد ابن الحنفيَّة، أو عبد اللَّه بن الزبير، فجيء بمحمد ابن الحنفيَّة وهو ابن علي بن أبي طالب، فلمّا اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيمَ أرسلتُ إليك؟ قال: لا، فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومي: إما أن تجلسَ لي أو أجلس لك، وتناولني يدك أو أُناولُك يدي، فأينا قدر على أن يُقيم الآخر من مكانه غلَبَه، وإلّا فقد غُلب. فقال له: ماذا تريد، تجلس أو أجلس؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت، فجلس محمد ابن الحنفيَّة وأعطى الرومي يدَه، فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيلَه من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلًا، فغُلب الرومي عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غُلب. ثم قام محمد ابن الحنفيَّة فقال للرومي: اجلس لي، وأعطى محمدًا يده، فما أمهله أن أقامه سريعًا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض، فسُرَّ بذلك معاوية سرورًا عظيمًا. ونهض قيس بن سعد، فتنحَّى عن الناس ثم خلع سراويلَه، وأعطاها لذلك الرومي الطويل، فلبسها فبلغت إلى ثَدْيَيْه وأطرافها تخُطُ بالأرض، فاعترف الروم بالغلب. وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية. وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس، فقال ذلك الشعر المتقدم معتذرًا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجَّة التي تقوم على الروم وأقطع لما حاولوه (١). وروى الحميدي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلًا ضخمًا جسيمًا، صغير الرأس، [ليست] (٢) له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض. وقال الواقدي (٣) وخليفة بن خياط (٤) وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك.

стр. 3910

مَعْقِل بن يَسَار المُزَني (١): صحابي جليل، شهد الحُديبية، وكان هو الذي يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول اللَّه ﷺ وهو يبايع الناس تحتها، وكانت من السَّمُرة، وهي المذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وقد ولاه عمر إمرة البصرة، فحفر بها النهر المنسوب إليه، فيقال: نهر مَعْقل. وله بها دار. قال الحسن البصري: دخل عُبيد اللَّه بن زياد على مَعْقل بن يَسَار يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له مَعْقل: إني محدِّثُك حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ لو لم أكن على حالي هذه لم أحدثك به، سمعته يقول: "مَن اسْترعاهُ اللَّهُ رعيَّةً فلم يحُطها بنصيحة لم يَجِدْ رائحةَ الجنَّة، وإنَّ ريحَها ليُوجد من مَسِيرة مئة عام" (٢). وممن توفي في هذه السنة: أبو هُرَيْرَة الدَّوْسي (٣) ﵁: وقد اختُلِف في اسمه في الجاهلية والإسلام واسم أبيه على أقوال متعدِّدة، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا "التكميل"، وقد بسط ذلك ابن عساكر في "تاريخه". والأشهر أنَّ اسمه عبد الرحمن بن صَخْر، وهو من الأزد ثم من دَوْس. ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وقيل: عبد نُهْم، وقيل: عبد غَنْم. ويكنى بأبي الأسود. فسمّاه رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه -وقيل: عبد الرحمن- وكناه بأبي هريرة.

стр. 3911

وروي عنه أنه قال: وجدتُ هريرة وحشيَّة، فأخذت أولادها، فقال لي أبي: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته، فقال: أنت أبو هريرة. وثبت في "الصحيح" (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "أبا هِرّ". وثبت أنه قال له (٢): "يا أبا هُريرة". قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطَّبراني: اسم أمِّه مَيْمونة بنت صُفَيح (٣) بن الحارث بن أبي صعب بن هبة (٤) بن سعد بن ثعلبة. أسلمت وماتت مسلمة. وروى أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ الكثير الطّيب، وكان من حفّاظ الصحابة، وروى عن أبي بكر، وعمر، وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وبَصْرة بن أبي بَصْرة (٥)، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وعائشة أمِّ المؤمنين. وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في "التكميل" كما ذكره شيخنا في "تهذيبه". قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمئة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال عمرو بن علي الفلّاس: كان ينزل المدينة، وكان إسلامه سنة خَيْبر. وقال الواقدي: وكان له بذي الحُلَيفة دار. وقال غيره: كان آدم اللون، بعيد ما بين المَنْكبين، ذا ضَفيرتين، أفرق (٦) الثَّنِيَّتين. وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد: عن أبي خَلْدة خالد بن دينار، عن أبي العالية، عن أبي هريرة قال: لمّا أسلمت قال رسول اللَّه ﷺ : "ممَّن أنت؟ " فقلت: من دَوْس، فوضع يده على جبهته وقال: "ما كنتُ أرى أنَّ في دوسٍ رجلًا فيه خَيْر" (٧). وقال الزهري: عن سعيد، عن أبي هريرة قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ خَيْبر. وروى عبد الرزاق، عن سفيان بن عُيينة، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال أبو هريرة: جئت يوم خَيْبر بعدما فَرَغوا من القتال.

стр. 3912

وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا الدَّراوَرْدي قال: حدّثني خُثَيم بن (١) عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ واستخلف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة مُهاجرًا (٢) فصلَّيت الصبح وراء سِبَاع، فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، وفي الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويلٌ لأبي فلان - لرجلٍ كان بأرض الأزد، وكان له مِكْيالان: مكيال يَكيل به لنفسه، ومكيال يَبْخس به الناس (٣). وقد ثبت في "صحيح البخاري" أنه ضلَّ غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول اللَّه ﷺ وأنه جعل ينشد: يا ليلةً مِنْ طُولهَا وعَنَائِهَا … علَى أنَّها مِنْ دارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ فلما قدم على رسول اللَّه ﷺ قال له: "هذا غلامُك" فقال: هو حرٌّ لوجه اللَّه (٤). وقد لزم أبو هريرة رسول اللَّه ﷺ فلم يفارقْه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شيء على سماع الحديث منه وتفهُّمه عنه. وكان يلزمه على شِبَع بطنه. وقال أبو هريرة - وقد تمخَّط يومًا في قميص عليه من كتان: بَخْ بَخْ (٥)، أبو هريرة يتمخَّط في الكتان! لقد رأيتُني أَخرُّ فيما بين المنبر والحُجَر من الجوع، فيمرُّ المارُّ فيقول: به جنون، وما بي إلَّا الجوع، واللَّه الذي لا إله إلَّا هو لقد كنتُ أعتمدُ بكبدي على الأرض من الجوع، وأشُدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد كنتُ أستقرئ أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه وما بي إلّا أن يستتبعَني إلى منزله فيطعمَني شيئًا (٦). وذكر حديث اللبن مع أهل الصُفَّة كما قدَّمناه في "دلائل النبوّة". وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا عكرمة بن عمّار (٨)، حدّثني أبو كثير -وهو

стр. 3913

يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السُّحَيمي الأعمى- حدّثني أبو هريرة قال: واللَّه ما خلق اللَّهُ مؤمنًا يسمع بي ولا يراني إلَّا أحبَّني، قلت: وما علمُك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إنَّ أمي كانت امرأة مشركة، وإني كنتُ أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى علَيّ، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول اللَّه ﷺ ما أكره، فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام فكانت تأبى علَيّ، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيكَ ما أكره، فادعُ اللَّهَ أن يهديَ أمَّ أبي هريرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهُمَّ اهدِ أمَّ أبي هريرة". فخرجتُ أعدو أُبشِّرها بدعاء رسول اللَّه ﷺ لها، فلمّا أتيتُ الباب إذا هو مُجَاف، وسمعتُ خَضْخَضَة الماء، وسمعتْ خشف رجل -يعني وَقْعها- فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحتِ الباب وقد لبستْ درعها وعجِلَتْ عن خمارها أن تلبسَه، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. فرجعتُ إلى رسول اللَّه ﷺ أبكي من الفرح كما بكيتُ من الحزن، فقلت: يا رسول اللَّه أبشِرْ فقد استجاب اللَّه دعاءك، قد هدى اللَّهُ أمَّ أبي هريرة، وقلت: يا رسول اللَّه ادعُ اللَّه أن يحبِّبَني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهُمَّ حبِّب عُبَيْدَك هذا وأُمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحبِّبْهم إليهما". قال أبو هريرة: فما خلق اللَّهُ من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلّا وهو يحبُّني. وقد رواه مسلم (١) من حديث عكرمة بن عمّار بإسناد نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبَّب إلى جميع الناس، وقد شهر اللَّه ذكره بما قدَّره من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعدِّدة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة والإمامُ على المنبر، وهذا من تقدير اللَّه العزيز العليم، ومحبة الناس له ﵁. وقال هشام بن عمار: حدَّثنا سعيد، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن المَقْبُري، عن سالم مولى النصْريّين (٢) أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّما محمدٌ بَشَر، أغضبُ كما يغضبُ البشر، وإنّي قد اتَّخذتُ عندكَ عَهْدًا لن تخلفَنِيه، فأيُّما رجلٍ من المسلمينَ آذيتُه أو شتمتُه أو جلدتُه فاجعلْها له قربة تقربُه بها عندَكَ يومِ القيامة" (٣). قال أبو هريرة: لقد رفع عليَّ رسول اللَّه ﷺ يومًا الدِّرَّة ليضربني بها فلأَنْ يكونَ ضَرَبني بها أَحبُّ إليَّ من حُمر النَّعَم، ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمنًا، وأن يستجاب لرسول اللَّه ﷺ دعوته. وقال ابن أبي ذئب: عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول اللَّه إني أسمع منك

стр. 3914

حديثًا كثيرًا فأنساه، فقال: "ابسُطْ رداءَك" فَبسطتُه، ثم قال: "ضُمَّه" فضممتُه، فما نسيتُ حديثًا بعدُ. رواه البخاري (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا سفيان، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أنَّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللَّه ﷺ واللَّهُ الموعِد، إني كنتُ امرأً مسكينًا أصحب رسول اللَّه ﷺ على ملء بَطني، وكان المهاجرون يشغَلُهم الصَّفقُ في الأسواق، وكانت الأنصار يشغَلُهُم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول اللَّه ﷺ يومًا مجلسًا فقال: "من بسطَ رداءَهُ حتى أقضيَ مَقالتي ثم يقبضُه إليه فلن ينسى شيئًا سمعَه منِّي" فبسطتُ بردة عليَّ حتى قضى مقالتَه ثم قبضتُها إليّ، فوالذي نفسي بيده ما نسيتُ شيئًا سمعتُه منه (٢). وقد رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة. وله طرق أُخر عنه. وقد قيل: إن هذا كان خاصًا بتلك المقالة، لم ينس منها شيئًا، بدليل أنه نسي بعض الأحاديث كما هو مصرَّح به في الصحيح، حيث نسي حديث "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة" مع حديثه "لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ" (٣). وقيل: إن هذا كان عامًّا في تلك المقالة وغيرها، واللَّه أعلم. وقال الدَّراوردي: عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول اللَّه مَنْ أسعدُ الناسِ بشفاعتِك يوم القيامة؟ فقال: "لقد ظننتُ -يا أبا هريرة- أنَّ أحدًا لا يسألُني عن هذا الحديث أولَ منك لما رأيتُ منْ حرصِكَ على الحديث. إنَّ أسعدَ الناسِ بشَفاعتي يوم القيامةِ مَنْ قال لا إلهَ إلَّا اللَّه خالصًا من قِبَلِ نفسِه" (٤). ورواه البخاري (٥) من حديث عمرو بن أبي عمرو به. وقال ابن أبي ذئب: عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه قال: حفظتُ من رسول اللَّه ﷺ وعاءَين: فأمّا أحدُهما فبثَثْتُه في الناس، وأمّا الآخر فلو بثَثْتُه لقُطِعَ هذا البلعوم. رواه البخاري (٦) من حديث ابن أبي ذئب. ورواه غير واحد عن أبي هريرة.

стр. 3915

وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع، التي لو أخبر بها قبلَ كونِها لبادر كثيرٌ من الناس إلى تكذيبه وردُّوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامَكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدَّقتموني. وقد يتمسَّك بهذا الحديث طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة، ويسندون ذلك إلى هذا الجراب الذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أنَّ ما هم عليه كان في هذا الجراب الذي لم يخبر به أبو هريرة، وما من مُبطل مع تضادّ أقوالهم إلّا وهو يدَّعي هذا، وكلُّهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه من بعده؟! وإنما الذي فيه شيء من الفتن والملاحم، قد أخبر بها هو وغيره من الصحابة مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم. وقال حمّاد بن زيد: حدَّثنا عمرو بن عبيد الأنصاري، حدَّثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم: أن مروان دعا أبا هريرة، وأقعده (١) خلف السَّرير، وجعل مروان يسأل وجعلتُ أكتب، حتى إذا كان رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدَّم ولا أخَّر (٢). وروى أبو بكر بن عيّاش وغيره، عن الأعمش، عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولم يكن بأفضلهم (٣). وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره (٤). وقال أبو القاسم البَغَوي: حدَّثنا أبو خَيْثمة، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قُبَّة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة، فحدَّثهم عن رسول اللَّه ﷺ حتى أصبح (٥). وقال سفيان بن عُيَيْنة: عن عمرو (٦)، عن وهب بن منبِّه، عن أخيه هَمّام بن منبِّه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أكثر حديثًا عنه مني، إِلَّا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتبُ ولا أكتب (٧).

стр. 3916

وقال أبو زرعة الدمشقي: حدّثني محمد بن زرعة الرُّعَيْني، حدَّثنا مروان بن محمد، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد (١) اللَّه، عن السّائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أو لأُلحقنَّك بأرض [دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أو لأُلحقنَّك بأرض] (٢) القِرَدة. قال أبو زرعة: وسمعت أبا مُسْهر يذكر عن سعيد بن عبد العزيز نحوًا منه ولم يسند (٣). وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد يضعها الناس على غير مواضعها [وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرُّخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك] (٤). وقد جاء أن عمر أَذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدَّد: حدَّثنا خالد الطحّان، حدَّثنا يحيى بن عبيد (٥) اللَّه، عن أبي هريرة قال: بلغَ عمرَ حديثي، فأرسل إليَّ، فقال: كنتَ معنا يوم كنّا مع رسول اللَّه ﷺ في بيت فلان؟ قال: قلتُ: نعم، وقد علمتُ لمَ تسألُني عن ذلك؟ قال: ولمَ سألتُك؟ قلتُ: إن رسول اللَّه ﷺ قال يومئذ: "مَنْ كذَبَ [عليَّ متعمِّدًا فَلْيتبوَّأ مَقْعَدَه مِنَ النّار" قال: أما إذًا فاذهب فحدِّث. وقال] (٦) الإمام أحمد: حدَّثنا عفّان، حدَّثنا عبد الواحد -يعني ابن زياد- حدَّثنا عاصم بن كُلَيب، حدّثني أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدِئ حديثه بأن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ الصادقُ المصدوق: "مَنْ كذَبَ عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مقعَدَه من النّار" (٧). وروي مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدّثني يحيى بن أيوب، عن محمد بن عَجْلان: أن أبا هريرة كان يقول: إني لأحدِّث أحاديث لو تكلَّمتُ بها في زمان عمر -أو عند عمر- لشجَّ رأسىي (٨).

стр. 3917

وقال صالح بن أبي الأخضر: عن الزهري، عن أبي سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، حتى قُبض عمر (١). وقال محمد بن يحيى الذُّهلي: حدَّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزُّهري قال: قال عمر: أَقِلُّوا الرواية عن رسول اللَّه ﷺ إلّا فيما يُعمل به. قال: ثم يقول أبو هريرة: أفكنتُ محدِّثَكم بهذه الأحاديث وعُمر حيّ؟ أما واللَّه إذًا لأيقنت أن المِخْفَقَة (٢) ستباشر ظهري. [فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن فإنَّ القرآن كلام اللَّه، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأتي قومًا لهم في مساجدهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فدعهم على ما هم عليه ولا تَشْغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك. وهذا معروف عن عمر ﵁] (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا هُشَيم، عن يعلَى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر: أنه مرَّ بأبي هريرة وهو يحدِّث عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "مَنْ تَبعَ جنازةً فصلَّى عليها فلَهُ قِيراط، فإنْ شَهِدَ دفنَها فلَهُ قيراطان، القيراطُ أعظمُ مِنْ أُحُد" فقال له ابن عمر: أبا هرّ انظر ما تحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ ، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أمَّ المؤمنين أَنشُدُكِ باللَّه أسمعتِ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ تَبعَ جنازة فصلَّى عليها فلَهُ قيراط، فإنْ شَهِدَ دفنَها فلَهُ قيراطان"؟ فقالت: اللهمَّ نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يَشْغَلُني عن رسول اللَّه ﷺ [غرسُ الوَدِيّ (٤) ولا صَفْقٌ بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول اللَّه ﷺ ] (٥) كلمةً يعلِّمُنيها أو أكلةً يُطعمُنيها. فقال له ابن عمر: يا أبا هرّ كنتَ ألزَمَنا لرسول اللَّه ﷺ وأعلَمنا بحديثه (٦). وقال الواقدي: حدّثني عبد اللَّه بن نافع، عن أبيه قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبي هريرة، وهو يمشي أمامَها ويكثر الترحُّم عليه ويقول: كان ممَّن يحفظ حديث رسول اللَّه ﷺ على المسلمين (٧). وقد روي: أن عائشة تأوَّلت أحاديث كثيرة من رواية أبي هريرة، ووهَّمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث والإكثار منه في الساعة الواحدة.

стр. 3918

وقال أبو القاسم البغوي: حدَّثنا بشر بن الوليد الكِنْدي، حدَّثنا إسحاق بن سعيد (١)، عن سعيد: أن عائشة قالت لأبي هريرة: أكثرتَ الحديث عن رسول اللَّه ﷺ يا أبا هريرة، قال: إني واللَّه ما كانت تَشْغَلُني عنه المُكْحُلة والخِضاب، ولكن أرى ذلك شَغَلكِ عما استكثرتِ من حديثي. قالت: لعلَّه (٢). وقال أبو يَعْلى: حدَّثنا إبراهيم الشامي، حدَّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، أن رجلًا من قريش أتى أبا هريرة في حُلَّة وهو يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول اللَّه ﷺ فهل سمعتَه يقول في حُلَّتي هذه شيئًا؟ قال: واللَّه إنكم لتُؤْذوننا، ولولا ما أخذ اللَّه على أهل الكتاب ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ما حدَّثتكم بشيء، سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "إنَّ رجلًا ممَّن كانَ قبلَكُم بينما هو يتبخترُ في حُلَّة إذ خسفَ اللَّهُ بهِ الأرضَ فهو يَتَجَلْجَلُ (٣) فيها حتّى تقومَ السّاعة" فواللَّه ما أدري لعلَّه كان من قومك -أو من رهطك- شكَّ أبو يَعْلى (٤). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا محمد بن عمر، حدّثني كثير بن زيد، عن الوليد بن ربَاح قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللَّه ما أنت بِوالٍ، وإن الوالي لغيرُك، فدعه -يعني حين أرادوا دفن الحسن مع رسول اللَّه ﷺ ولكنَّك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك -يعني معاوية- قال: فأقبل عليه مروان مُغْضَبًا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا: إنك أكثرتَ على رسول اللَّه ﷺ الحديث، وإنما قَدِمْتَ قبل وفاة النَّبِيّ ﷺ بيسير. فقال أبو هريرة: نعم قدمتُ ورسولُ اللَّه ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدتُ على الثلاثين سنة سنوات، وأقمتُ معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدُمُه -وأنا واللَّه يومئذ مُقِلّ- وأصلِّي خلفه، وأحجُّ وأغزو معه، فكنت -واللَّه- أعلمَ الناس بحديثه، قد واللَّه سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا واللَّه ما يخفى عليَّ كلُّ حديث كان بالمدينة، وكل من أحبَّ اللَّه ورسوله، وكل من كانت له عند رسول اللَّه ﷺ منزلة، وكل صاحب له، فكان أبو بكر صاحبَه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول اللَّه ﷺ أن يساكنه - يعرِّض بأبي مروان الحكم بن العاص. ثم قال أبو هريرة: ليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنَّه يجد عندي منه علمًا جمًّا ومقالًا. قال: فواللَّه ما زال مروان يقصر عن أبي هريرة، ويتَّقيه بعد ذلك، ويخافُه ويخاف جوابَه (٥). [وفي رواية: أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمتُ وهاجرتُ اختيارًا وطوعًا، وأحببتُ

стр. 3919

رسول اللَّه ﷺ حبًّا شديدًا، وأنتم -أهل الدار وموضع الدعوة- أخرجتم الداعيَ من أرضه، وآذيتموه وأصحابَه، وتأخَّر إسلامُكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له، واتَّقاه] (١). وقال ابن أبي خيثمة: حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا محمد بن سلمة، حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عمر -أو عثمان- بن عروة، عن أبيه -يعني عروة بن الزبير بن العوام- قال: قال لي أبي الزبير: أَدْنني من هذا اليماني -يعني أبا هريرة- فإنه يكثر الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: فأَدْنَيْتُه منه، فجعل أبو هريرة يحدِّث وجعل الزبير يقول: صدق، كذب، صدق، كذب. قال: قلت: يا أبة ما قولك: صدق، كذب؟ قال: يا بني أمَّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول اللَّه ﷺ فلا أشكُّ، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه (٢). وقال علي بن المَديني: عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي أنس (٣) بن أبي عامر قال: كنت عند طلحة بن عُبيد اللَّه إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد واللَّه ما ندري هذا اليماني أعلم برسول اللَّه منكم، أم هو يقول على رسول اللَّه ﷺ ما لم يسمع أو ما لم يَقُل؟ فقال طلحة: واللَّه ما نشكُّ أنه قد سمع من رسول اللَّه ﷺ ما لم نسمع، وعلم منه ما لم نعلم. إنا كنّا قومًا أغنياء، لنا بيوتاتٌ وأهلون، وكنّا نأتي رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشكُّ أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع. وقد رواه الترمذي (٤) بنحوه. وقال شُعبة: عن أشعث بن سليم، عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدّث عن أبي هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول اللَّه ﷺ وتحدِّث عن أبي هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدِّث عنه أحبُّ إليَّ من أن أحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ يعني ما لم أسمعه منه. وقال مسلم بن الحجّاج: حدَّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، حدَّثنا مروان الدمشقي، عن الليث بن سعد، حدّثني بُكَير بن الأشَجّ قال: قال لنا بُسْر (٥) بن سعيد: اتقوا اللَّه وتحفَّظُوا من الحديث، فواللَّه لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ ويحدِّثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فاسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللَّه ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول اللَّه ﷺ . وفي

стр. 3920

رواية: يجعل ما قاله كعبٌ عن رسول اللَّه، وما قاله رسول اللَّه عن كعب. فاتقوا اللَّه وتحفَّظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلِّس -[أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللَّه ﷺ ولا يميز هذا من هذا] (١) - ذكره ابن عساكر (٢). وكأنَّ شعبة يشير بهذا إلى حديثه "مَنْ أصبح جُنبًا فلا صِيامَ له" فإنه لما حُوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر، ولم أسمعه من رسول اللَّه ﷺ (٣). وقال شَريك: عن مُغيرة، عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يَدَعُون من حديث أبي هريرة. [وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة] (٤). وقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يَرَوْن في أحاديث أبي هريرة شيئًا، وما كانوا يأخذون من حديثه [إلَّا ما كان من حديث] (٥) صفة جنَّة أو نار، أو حثٍّ على عمل صالح، أو نهي عن شرٍّ جاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة، وردَّ هذا الذي قاله إبراهيم النَّخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفةٌ من الكوفيِّين، والجمهورُ على خلافهم. وقد كان أبو هريرة من الصِّدق والحفظ والدِّيانة والعبادة والزَّهادة والعمل الصالح على جانب عظيم. قال حمّاد بن زيد: عن عباس الجُريري، عن أبي عثمان النَّهدي قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأتُه ثلثه، وابنثُه ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا (٦). وفي "الصحيحين" عنه أنه قال: أوصاني خَليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعَتَي الضُّحى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنام (٧).

стр. 3921

وقال ابن جُرَيج عمّن حدثه قال: قال أبو هريرة: إني أجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: فجزءًا لقراءة القرآن، وجزءًا أنام فيه، وجزءًا أتذكَّر فيه حديث رسول اللَّه (١). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا إسحاق بن عثمان القرشي، حدَّثنا أبو أيوب قال: كان لأبي هريرة مسجد في مَخْدَعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعها، وإذا دخل صلَّى فيها جميعها (٢). وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبِّح كل ليلة اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبِّح على قدر ديتي (٣). وقال هُشيم: عن يَعْلى بن عطاء، عن ميمون بن (٤) مَيْسرة قال: كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعُرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشيُّ يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعُرض آل فرعون على النار. فلا يسمع أحدٌ صوته إلَّا استعاذ باللَّه من النار. وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدَّثنا موسى بن عبيدة، عن زياد بن ثوبان، عن أبي هريرة قال: لا تَغْبطَن فاجرًا بنعمة فإنَّ من ورائه طالبًا حثيثًا طلبُه، جهنَّم كلما خَبَتْ زدناهم سعيرًا (٥). وقال ابن لَهِيعة: عن أبي يونس، عن أبي هريرة: أنه صلَّى بالناس يومًا، فلمّا سلَّم رفع صوته فقال: الحمدُ للَّه الذي جعل الدّين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا، بعدما كان أجيرًا لابنة غَزْوان على شبع بطنه، وحَمُولة رِجْله (٦). [وقال إبراهيم بن إسحاق الحَرْبي: حدَّثنا عفّان، حدَّثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبي هريرة قال: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي (٧)، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، فالحمدُ للَّه الذي جعل الذين قوامًا، وجعل أبا هريرة

стр. 3922

إمامًا] (١). ثم يقول: واللَّه يا أهل الإسلام إنْ كانت إجارتي معهم إلَّا على كِسْرة يابسة، وعُقْبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زَوَّجَنِيها اللَّه، فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إذا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني (٢): حدَّثنا الحجّاج بن نُصَير (٣)، حدَّثنا هلال بن عبد الرحمن الحنفي، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة قال: قال أبو هريرة وأبو ذَرّ: باب من العلم نتعلَّمه أحبُّ إلينا من ألف ركعة تطوُّعًا، وباب نعلّمه -عملنا به أو لم نعمل- أحبُّ إلينا من مئة ركعة تطوُّعًا. وقالا: سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا جاء طالبَ العلمِ الموتُ وهو على هذه الحالِ ماتَ وهو شهيد". وهذا حديث غريب في هذا الوجه (٤). وروى غير واحد عن أبي هريرة: أنَّه كان يتعوَّذ في سجوده من أن يزني، أو يسرق، أو يكفر، أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال: ما يُؤمنني وإبليس حيّ، ومصرِّف القلوب يصرِّفها كيف يشاء (٥). وقالت له ابنته: يا أبةِ إنَّ البنات يُعَيِّرنني يقلن: لمَ لا يُحلِّيك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنيَّة قولي لهن: إنَّ أبي يخشى عليَّ حرَّ اللهب (٦). [وقال (٧) أبو هريرة: أتيتُ عمر بن الخطاب، فقمت له وهو يسبِّح بعد الصلاة، فانتظرته، فلمّا انصرف دنوت منه فقلت: أقرئني آياتٍ من كتاب اللَّه، قال: وما أريد إلّا الطعام، قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلمّا بلغ أهلَه دخل وتركني على الباب، فأبطأ، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أَرَ شيئًا، فلمّا طال عليَّ قمتُ فمشيت، فاستقبلني رسول اللَّه ﷺ فكلَّمني فقال: "يا أبا هريرة إنَّ خُلُوفَ (٨) فمك الليلةَ لشديد"؟! فقلت: أَجَل يا رسول اللَّه، لقد ظللت صائمًا وما أفطرت بعد، وما أجد ما أُفطر عليه، قال: فانطلقَ وانطلقتُ معه حتى أتى بيته، فدعا جاريةً له سوداء فقال: "آتينا بتلك

стр. 3923

القَصْعة" فأتتنا بقَصْعة فيها وَضَر (١) من طعام أراه شعيرًا قد أُكل وبقي في جوانبها بعضُه وهو يسير، فسَمَّيت وجعلت أتتبَّعُه، فأكلت حتى شبعت (٢). وقال الطبراني: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن أيوب، عن محمد بن سِيرين أنَّ أبا هريرة قال لابنته: لا تَلبسي الذهب، فإني أخشى عليك حرَّ اللهب (٣). وقد روي هذا عن أبي هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شُعبة، عن سِمَاك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة أنه قال: إنَّ هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعني الشَّهوات وما يأكلونه. وروى الطبراني، عن ابن سِيرين، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعملَه، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل مَنْ هو خير منك؟ -أو قال: قد طلبه من هو خير منك-؟ قال: مَنْ؟ قال: يوسف ﵇، فقال أبو هريرة: يوسف نبيٌّ ابن نبيّ، وأنا أبو هريرة بن أُمَيْمة، فأخشى ثلاثًا واثنتين، فقال عمر: أفلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضيَ بغير حلم، وأن يُضْرب ظهري، ويُنْتزع مالي، ويُشْتَم عرضي (٤). وقال سعيد بن أبي هند: عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "ألا (٥) تسألُني من هذه الغنائم التي يَسألُني أصحابُك"؟ فقلت: أسألك أن تعلِّمني مما علَّمك اللَّه، قال: فنزع نَمِرَة (٦) على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني [أنظر] (٧) إلى القمل يدبُّ عليها، فحدثني، حتى إذا استوعب حديثه قال: "اجمعْها إليك فصرَّها" فأصبحتُ لا أُسقط حرفًا مما حدَّثني (٨). وقال أبو عثمان النَّهدي: قلت لأبي هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أوَّل الشهر ثلاثًا، فإنْ حدَثَ بي حدث كان لي أجرُ شهري (٩). وقال حمّاد بن سلمة: عن ثابت، عن أبي عثمان النَّهدي: أنَّ أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم،

стр. 3924

فلمّا نزلوا وضعوا السُّفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم، فقال: إني صائم، فلمّا كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إليّ، قد -واللَّه- أخبرني أنَّه صائم، فقال أبو هريرة: صَدَق، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "صومُ شهرِ الصَّبْر، وصومُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، صومُ الدَّهر". وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف اللَّه، صائم في تضعيف اللَّه (١). وروى الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا إسماعيل، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة: أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا: نطهِّر صيامنا (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو عبيدة الحدّاد، حدَّثنا عثمان الشحام أبو سلمة، حدَّثنا فرقد السَّبَخي قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويلٌ لي من بطني: إن أشبعتُه كظَّني (٣)، وإن أجعتُه أضعفني (٤). وروى الإمام أحمد: عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لأستغفر اللَّه وأتوبُ إليه كلَّ يوم اثني عشر ألف مرّة، وذلك على قدر ديتي (٥). وروى عبد اللَّه بن أحمد، عن أبي هريرة: أنه كان له خيطٌ فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبِّح به قبل أن ينام. وفي رواية: ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبِّح به. وهو أصح من الذي قبله. ولما حضره الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعد سفري، وقلَّة زادي، وأني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يُؤخذ بي (٦). وروى قتيبة بن سعيد، حدَّثنا الفرج بن فَضَالة، عن أبي هريرة قال: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم، فالدَّمار عليكم (٧). وروى الطبراني، عن مَعْمر قال: بلغني عن أبي هريرة أنه كان إذا مرّ به جنازةٌ قال: رُوحوا فإنّا

стр. 3925

غادُون، أو اغدُوا فإنّا رائحون. موعظة بليغة، وغفلة (١) سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدَّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي (٢)، حدَّثنا عبد المؤمن بن عبيد (٣) اللَّه السَّدوسي قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول اللَّه ﷺ دون مقام رسول اللَّه ﷺ بعَتَبة فقال: ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، ويلٌ لهم من إمارة الصِّبيان، يحكمون فيهم بالهوى، ويقتلون بالغضب. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا علي بن ثابت، عن أسامة بن زيد، عن أبي زياد -مولى ابن عباس- عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة تَمْرة، فأفطرتُ على خمس، وتسخَرتُ بخمس، وأبقيتُ خمسًا لفطري (٤). وقال أحمد: حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا إسماعيل -يعني العبدي- عن أبي المتوكل: أن أبا هريرة كانت لهم زنجيَّة قد غمتهم بعملها، فرفع عليها يومًا السَّوط ثم قال: لولا القصاصُ يوم القيامة لأغشينَّكِ به، ولكن سأبيعكِ ممَّن يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنتِ حرةٌ لوجه اللَّه (٥). وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن يحمى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن أبا هريرة مرض، فدخلتُ عليه أعوده فقلت: اللهمَّ اشفِ أبا هريرة، فقال: اللهمَّ لا تَرْجعها. ثم قال: يا أبا سلمة يوشكُ أن يأتيَ على الناس زمان يكون الموتُ أحبَّ إلى أحدهم من الذهب الأحمر (٦). وروى عطاء عن أبي هريرة قال: إذا رأيتم ستًّا فإنْ كانت نفس أحدكم في يده فليُرْسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني: إذا أُقَرت السُّفهاء، وبيع الحكم، وتهون الدم، وقُطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة (٧)، ونشأَ نَشَء (٨) يتخذون القرآن مزامير (٩).
следующие страницы →