← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وقال ابن جُرَيج عمّن حدثه قال: قال أبو هريرة: إني أجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: فجزءًا لقراءة القرآن، وجزءًا أنام فيه، وجزءًا أتذكَّر فيه حديث رسول اللَّه (١). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا إسحاق بن عثمان القرشي، حدَّثنا أبو أيوب قال: كان لأبي هريرة مسجد في مَخْدَعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعها، وإذا دخل صلَّى فيها جميعها (٢). وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبِّح كل ليلة اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبِّح على قدر ديتي (٣). وقال هُشيم: عن يَعْلى بن عطاء، عن ميمون بن (٤) مَيْسرة قال: كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعُرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشيُّ يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعُرض آل فرعون على النار. فلا يسمع أحدٌ صوته إلَّا استعاذ باللَّه من النار. وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدَّثنا موسى بن عبيدة، عن زياد بن ثوبان، عن أبي هريرة قال: لا تَغْبطَن فاجرًا بنعمة فإنَّ من ورائه طالبًا حثيثًا طلبُه، جهنَّم كلما خَبَتْ زدناهم سعيرًا (٥). وقال ابن لَهِيعة: عن أبي يونس، عن أبي هريرة: أنه صلَّى بالناس يومًا، فلمّا سلَّم رفع صوته فقال: الحمدُ للَّه الذي جعل الدّين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا، بعدما كان أجيرًا لابنة غَزْوان على شبع بطنه، وحَمُولة رِجْله (٦). [وقال إبراهيم بن إسحاق الحَرْبي: حدَّثنا عفّان، حدَّثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبي هريرة قال: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي (٧)، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، فالحمدُ للَّه الذي جعل الذين قوامًا، وجعل أبا هريرة

стр. 3922

إمامًا] (١). ثم يقول: واللَّه يا أهل الإسلام إنْ كانت إجارتي معهم إلَّا على كِسْرة يابسة، وعُقْبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زَوَّجَنِيها اللَّه، فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إذا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني (٢): حدَّثنا الحجّاج بن نُصَير (٣)، حدَّثنا هلال بن عبد الرحمن الحنفي، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة قال: قال أبو هريرة وأبو ذَرّ: باب من العلم نتعلَّمه أحبُّ إلينا من ألف ركعة تطوُّعًا، وباب نعلّمه -عملنا به أو لم نعمل- أحبُّ إلينا من مئة ركعة تطوُّعًا. وقالا: سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا جاء طالبَ العلمِ الموتُ وهو على هذه الحالِ ماتَ وهو شهيد". وهذا حديث غريب في هذا الوجه (٤). وروى غير واحد عن أبي هريرة: أنَّه كان يتعوَّذ في سجوده من أن يزني، أو يسرق، أو يكفر، أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال: ما يُؤمنني وإبليس حيّ، ومصرِّف القلوب يصرِّفها كيف يشاء (٥). وقالت له ابنته: يا أبةِ إنَّ البنات يُعَيِّرنني يقلن: لمَ لا يُحلِّيك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنيَّة قولي لهن: إنَّ أبي يخشى عليَّ حرَّ اللهب (٦). [وقال (٧) أبو هريرة: أتيتُ عمر بن الخطاب، فقمت له وهو يسبِّح بعد الصلاة، فانتظرته، فلمّا انصرف دنوت منه فقلت: أقرئني آياتٍ من كتاب اللَّه، قال: وما أريد إلّا الطعام، قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلمّا بلغ أهلَه دخل وتركني على الباب، فأبطأ، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أَرَ شيئًا، فلمّا طال عليَّ قمتُ فمشيت، فاستقبلني رسول اللَّه ﷺ فكلَّمني فقال: "يا أبا هريرة إنَّ خُلُوفَ (٨) فمك الليلةَ لشديد"؟! فقلت: أَجَل يا رسول اللَّه، لقد ظللت صائمًا وما أفطرت بعد، وما أجد ما أُفطر عليه، قال: فانطلقَ وانطلقتُ معه حتى أتى بيته، فدعا جاريةً له سوداء فقال: "آتينا بتلك

стр. 3923

القَصْعة" فأتتنا بقَصْعة فيها وَضَر (١) من طعام أراه شعيرًا قد أُكل وبقي في جوانبها بعضُه وهو يسير، فسَمَّيت وجعلت أتتبَّعُه، فأكلت حتى شبعت (٢). وقال الطبراني: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن أيوب، عن محمد بن سِيرين أنَّ أبا هريرة قال لابنته: لا تَلبسي الذهب، فإني أخشى عليك حرَّ اللهب (٣). وقد روي هذا عن أبي هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شُعبة، عن سِمَاك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة أنه قال: إنَّ هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعني الشَّهوات وما يأكلونه. وروى الطبراني، عن ابن سِيرين، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعملَه، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل مَنْ هو خير منك؟ -أو قال: قد طلبه من هو خير منك-؟ قال: مَنْ؟ قال: يوسف ﵇، فقال أبو هريرة: يوسف نبيٌّ ابن نبيّ، وأنا أبو هريرة بن أُمَيْمة، فأخشى ثلاثًا واثنتين، فقال عمر: أفلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضيَ بغير حلم، وأن يُضْرب ظهري، ويُنْتزع مالي، ويُشْتَم عرضي (٤). وقال سعيد بن أبي هند: عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "ألا (٥) تسألُني من هذه الغنائم التي يَسألُني أصحابُك"؟ فقلت: أسألك أن تعلِّمني مما علَّمك اللَّه، قال: فنزع نَمِرَة (٦) على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني [أنظر] (٧) إلى القمل يدبُّ عليها، فحدثني، حتى إذا استوعب حديثه قال: "اجمعْها إليك فصرَّها" فأصبحتُ لا أُسقط حرفًا مما حدَّثني (٨). وقال أبو عثمان النَّهدي: قلت لأبي هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أوَّل الشهر ثلاثًا، فإنْ حدَثَ بي حدث كان لي أجرُ شهري (٩). وقال حمّاد بن سلمة: عن ثابت، عن أبي عثمان النَّهدي: أنَّ أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم،

стр. 3924

فلمّا نزلوا وضعوا السُّفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم، فقال: إني صائم، فلمّا كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إليّ، قد -واللَّه- أخبرني أنَّه صائم، فقال أبو هريرة: صَدَق، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "صومُ شهرِ الصَّبْر، وصومُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، صومُ الدَّهر". وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف اللَّه، صائم في تضعيف اللَّه (١). وروى الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا إسماعيل، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة: أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا: نطهِّر صيامنا (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو عبيدة الحدّاد، حدَّثنا عثمان الشحام أبو سلمة، حدَّثنا فرقد السَّبَخي قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويلٌ لي من بطني: إن أشبعتُه كظَّني (٣)، وإن أجعتُه أضعفني (٤). وروى الإمام أحمد: عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لأستغفر اللَّه وأتوبُ إليه كلَّ يوم اثني عشر ألف مرّة، وذلك على قدر ديتي (٥). وروى عبد اللَّه بن أحمد، عن أبي هريرة: أنه كان له خيطٌ فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبِّح به قبل أن ينام. وفي رواية: ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبِّح به. وهو أصح من الذي قبله. ولما حضره الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعد سفري، وقلَّة زادي، وأني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يُؤخذ بي (٦). وروى قتيبة بن سعيد، حدَّثنا الفرج بن فَضَالة، عن أبي هريرة قال: إذا زوَّقتم مساجدكم، وحلَّيتم مصاحفكم، فالدَّمار عليكم (٧). وروى الطبراني، عن مَعْمر قال: بلغني عن أبي هريرة أنه كان إذا مرّ به جنازةٌ قال: رُوحوا فإنّا

стр. 3925

غادُون، أو اغدُوا فإنّا رائحون. موعظة بليغة، وغفلة (١) سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدَّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي (٢)، حدَّثنا عبد المؤمن بن عبيد (٣) اللَّه السَّدوسي قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول اللَّه ﷺ دون مقام رسول اللَّه ﷺ بعَتَبة فقال: ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، ويلٌ لهم من إمارة الصِّبيان، يحكمون فيهم بالهوى، ويقتلون بالغضب. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا علي بن ثابت، عن أسامة بن زيد، عن أبي زياد -مولى ابن عباس- عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة تَمْرة، فأفطرتُ على خمس، وتسخَرتُ بخمس، وأبقيتُ خمسًا لفطري (٤). وقال أحمد: حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا إسماعيل -يعني العبدي- عن أبي المتوكل: أن أبا هريرة كانت لهم زنجيَّة قد غمتهم بعملها، فرفع عليها يومًا السَّوط ثم قال: لولا القصاصُ يوم القيامة لأغشينَّكِ به، ولكن سأبيعكِ ممَّن يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنتِ حرةٌ لوجه اللَّه (٥). وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن يحمى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن أبا هريرة مرض، فدخلتُ عليه أعوده فقلت: اللهمَّ اشفِ أبا هريرة، فقال: اللهمَّ لا تَرْجعها. ثم قال: يا أبا سلمة يوشكُ أن يأتيَ على الناس زمان يكون الموتُ أحبَّ إلى أحدهم من الذهب الأحمر (٦). وروى عطاء عن أبي هريرة قال: إذا رأيتم ستًّا فإنْ كانت نفس أحدكم في يده فليُرْسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني: إذا أُقَرت السُّفهاء، وبيع الحكم، وتهون الدم، وقُطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة (٧)، ونشأَ نَشَء (٨) يتخذون القرآن مزامير (٩).

стр. 3926

وقال ابن وهب: حدَّثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن زياد القُرَظي، أن ثَعْلبة بن أبي مالك القُرَظي حدثه: أن أبا هريرة أقبل في السُّوق يحمل حُزْمة حطب -وهو يومئذ أمير لمروان بن الحكم- فقال: أَوسع الطريق للأمير يا بن أبي مالك، فقلت: يرحمك اللَّه يكفي هذا، فقال: أَوسعِ الطريق للأمير والحُزمةُ عليه (١)] (٢). وله فضائل ومناقب كثيرة، وكلام حسن، ومواعظ جمَّة. أسلم -كما قدمنا- عام خيبر، فلزم رسول اللَّه ﷺ ولم يفارقه إلّا حين بعثه مع العلاء بن الحَضْرمي إلى البحرين، ووصّاه به، فجعله العلاء مؤذِّنًا بين يديه، وقال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيُّها الأمير. وقد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، وقاسمه مع جملة العمّال. قال عبد الرزاق: حدَّثنا مَعْمر، عن أيوب، عن ابن سِيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرتَ بهذه الأموال أي عدوَّ اللَّه وعدوَّ كتابه؟! فقال أبو هريرة: لستُ بعدوِّ اللَّه ولا عدوِّ كتابه، ولكني عدوُّ مَنْ عاداهما، فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نُتِجَت، وغَلَّة ورقيق لي، وأُعطية تتابعت عليّ. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعملَه، فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه مَنْ كان خيرًا منك؟! طلبه يوسف ﵇، فمّال: إنَّ يوسف نبيٌّ ابن نبيٍّ ابن نبيٍّ ابن نبيّ، وأنا أبو هريرة بن أُمَيْمة (٣)، وأخشى ثلاثًا واثنتين، قال عمر: فهلًا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقولَ بغير علم، وأقضيَ بغير حلم، أو يُضرب ظهري، ويُنتزع ما لي، ويُشتَم عرضى (٤). وذكر غيره: أنَّ عمر غرَّمه في العُمالة الأولى اثني عشر ألفًا، فلهذا امتنع في الثانية. وقال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن محمد بن زياد قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة، فإذا غضب عليه عزلَه وولَّى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان ورجع أبو هريرة، فقال لمولاه: مَنْ جاءك فلا تردَّه واحجبْ مروان، فلمّا جاء مروان دفع الغلام في صدره، فما دخل إلّا بعد جهد، فلمَّا دخل قال: إن الغلام حجبَنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحقُّ الناس ألَّا تغضب من ذلك. والمعروف أن مروان هو الذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك، واللَّه أعلم.

стр. 3927

وقال حمّاد بن سلمة: عن ثابت، عن أبي رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول: قد جاء الأمير -يعني نفسه- وكان يمرُّ بالصِّبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب -وهو أمير- فلا يشعرون إلَّا وقد ألقى نفسه بينهم ويضرب برجليه كأنه مجنون [يريد بذلك أن يضحكهم] (١) فيفزع الصِّبيان منه ويفرون عنه هاهنا وهاهنا يتضاحكون (٢). قال أبو رافع: وبما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العُراق للأمير -يعني قطع اللحم- قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت (٣). وقال ابن وهب: حدّثني عمرو بن الحارث، عن يزيد بن زياد القُرَظي، أن ثَعْلبة بن أبي مالك حدّثه: أن أبا هريرة أقبل في السُّوق يحمل حُزْمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان [فقال: أَوسعِ الطريق للأمير يا بن أبي مالك، فقلت: أصلحك اللَّه يكفي هذا، فقال: أَوسِع الطريق للأمير والحُزْمة عليه] (٤). وقد تقدم هذا. وروي نحوه من غير وجه. وقال أبو الزعيزعة - كاتب مروان: بعث مروان إلى أبي هريرة بمئة دينار، فلمّا كان الغد بعث إليه: إني غلطتُ ولم أردك بها، وإني إنما أردتُ غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتُها، فإذا خرج عطائي فخذها منه، وكان قد تصدَّق بها. وإنما أراد مروان اختباره (٥). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا العلاء (٦) بن عبد الجبّار، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد [عن سعيد] (٧) بن المسيِّب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، وإذا أمسك عنه تكلَّم (٨). وروى غير واحد، عن أبي هريرة: أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحتُ صائمًا، فدخلت على أبي، فجاءني بخبز ولحم، فأكلت ناسيًا. فقال: طعمةٌ أطعمكَها اللَّه، لا عليك. قال: ثم دخلتُ دارًا لأهلي، فجيء بلبن لِقْحَة، فشربتُه ناسيًا. قال: لا عليك. قال: ثم نمتُ فاستيقظت، فشربتُ ماءً - وفي رواية: وجامعتُ ناسيًا. قال أبو هريرة: إنك يا بن أخي لم تَعتَدِ الصيام (٩).

стр. 3928

[وقال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: رُوحوا فإنا غادُون، أو اغدُوا فإنا رائحون. وروى غير واحد: أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: على قلَّة الزاد، وشدَّة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إمّا إلى جنَّة أو إلى النار، فما أدري إلى أيِّهما أصير] (١). وقال مالك: عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبري قال: دخل مروان على أبي هريرة في مرضه الذي مات فيه فقال: شفاك اللَّه يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهمَّ إني أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبو هريرة (٢). وقال يعقوب بن سفيان: عن دحيم، عن الوليد [عن] (٣) ابن جابر، عن عمير بن هانئ قال: قال أبو هريرة: اللهمَّ لا تدركني سنة ستين. قال: فتوفي فيها أو قبلها بسنة. وهكذا قال الواقدي: إنه توفي سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة. قال الواقدي: وهو الذي صلَّى على عائشة في رمضان، وعلى أمِّ سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفي أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، والصواب أن أُمَّ سلمة تأخَّرت بعد أبي هريرة. وقد قال غير واحد: إنه توفي سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان، وقيل: سبع وخمسين، والمشهور: تسع وخمسين. قالوا: وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان نائب المدينة، وفي القوم ابنُ عمر، وأبو سعيد، وخلق من الصحابة وغيرهم. وكان ذلك عند صلاة العصر، وكانت وفاته في داره بالعَقيق، فحمل إلى المدينة، فصلِّي عليه ثم دفن بالبقيع، ﵀ ورضي عنه. وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبي هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظُر ورثته فأحسنْ إليهم، واصرفْ إليهم عشرة آلاف درهم، وأَحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفًا، فإنه كان ممَّن نصر عثمان، وكان معه في الدار، رحمهما اللَّه تعالى. * * *

стр. 3929

سنة ستين من الهجرة النبوية فيها كانت غزوة مالك بن عبد اللَّه مدينة سورية (١). قال الواقدي: وفيها دخل جُنادة بن أبي أميّة جزيرة رُودس. وفيها أخذ معاوية البَيْعة ليزيد من الوفد الذين قدموا صحبة عُبيد اللَّه بن زياد إلى دمشق. وفيها مرض معاوية مرضه الذي توفي فيه في رجب منها كما سنبيِّنه. روى ابن جرير من طريق أبي مِخْنَف: حدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد اللَّه بن مَخْرمة أن معاوية لمّا مرض مرضته التي هلك فيها دعا ابنَه يزيد فقال: يا بنيَّ إني قد كفيتك الرحلة والرجال، ووطَّأت لك الأشياء، وذلَّلت لك الأعداء (٢)، وأخضعت لك أعناق العرب. وإني لا أتخوَّف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتبَّ لك إلَّا أربعة نفر: الحسين بن علي، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر -كذا قال، والصحيح أن عبد الرحمن كان قد توفي قبل موت معاوية بسنتين كما قدمنا- فأما ابن عمر فهو رجل قد وَقَذَته (٣) العبادة، وإذا لم يبقَ أحد غيره بايعك. وأما الحسين فإن أهل العراق خلفَه لا يدعونه حتى يخرجوه عليك، فإن خرج عليك فظفرتَ به فاصفح عنه، فإن له رحمًا ماسَّة وحقًا عظيمًا. وأما ابن أبي بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئًا صنع مثله، ليست له همَّة إلّا في النساء واللهو. وأما الذي يَجْثِمُ لك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، وإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرتَ عليه فقطِّعه إرْبًا إرْبًا (٤). قال غير واحد: فحين حضرت معاوية الوفاة كان يزيد في الصَّيد، فاستدعى معاويةُ الضحّاك بن قيس الفِهْري -وكان على شرطة دمشق- ومسلم بن عُقبة، فاوصى إليهما أن يبلغا يزيد السلام، ويقولا له يتوصّى بأهل الحجاز، وإن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملًا ويولِّي عليهم عاملًا فليفعل، فعزلُ واحد أحبُّ إليك من أن يسلَّ عليك مئة ألف سيف، وأن يتوصّى بأهل الشام خيرًا، وأن يجعلهم أنصاره، وأن يعرف لهم حقَّهم. ولستُ أخاف عليه من قريش سوى ثلاثة: الحسين، وابن عمر، وابن الزبير -ولم يذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا أصح- فأما ابن عمر فقد وَقَذَته العبادة. وأما الحسين فرجل خفيف، وأرجو أن يكفيَكَهُ اللهم قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحمًا ماسَّة، وحقًّا عظيمًا،

стр. 3930

وقرابة من محمد ﷺ ، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرتَ عليه فاصفح عنه فإني لو أني صاحبته عفوتُ عنه. وأما ابن الزبير فإنه خَبٌّ ضَبٌّ، فإن شَخَصَ لك فالبُدْ له (١) إِلَّا أن يلتمس منك صلحًا، فإن فعل فاقبل منه. واصفح عن دماء قومك ما استطعت. وكان موت معاوية لاستهلال رجب من هذه السنة، قاله هشام بن الكلبي. وقيل: للنصف منه، قاله الواقدي، وقيل: يوم الخميس لثمان بقين منه، قاله المدائني. قال ابن جرير (٢): وأجمعوا على أنه هلك في رجب منها. وكان مدة ملكه استقلالًا من جمادى سنة إحدى وأربعين حين بايعه الحسن بن علي بأَذْرُح (٣) فذلك تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان نائبًا في الشام عشرين سنة تقريبًا، وقيل غير ذلك. وكان عمره ثلاثًا وسبعين سنة، وقيل: خمسًا وسبعين سنة، وقيل: ثمانيًا وسبعين سنة، وقيل: خمسًا وثمانين سنة. وسيأتي بقية الكلام في ذلك في آخر ترجمته. وقال أبو السُّكين (٤) زكريا بن يحيى: حدّثني عم أبي زَحْر بن حِصْن (٥)، عن جده حُمَيد بن مُنْهب قال: كانت هند بنت عُتبة عند الفاكِه بن المُغيرة المخزومي، وكان الفاكِهُ من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يومًا، فاضطجع الفاكِهُ وهند فيه في وقت القائلة (٦)، ثم خرج الفاكِهُ لبعض شأنه، وأقبل رجل ممَّن كان يغشاه، فولج البيت، فلمّا رأى المرأة فيه ولَّى هاربًا، ورآه الفاكِه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند وهي مضطجعة فضربها برجله وقال: مَنْ هذا الذي كان عندك؟ فقالت: ما رأيت أحدًا ولا انتبهت حتى أنبهتني أنت، فقال لها: الحقي بأبيك. وتكلَّم فيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنيَّة إن الناس قد أكثروا فيك القالة، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقًا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنك القالة، وإنْ يكُ كاذبًا حاكمته إلى بعض كُهّان اليمن، فحلفتْ هند لأبيها بما كانوا يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة بن ربيعة للفاكِه: يا هذا إنك قد رميتَ ابنتي بأمر عظيم [وعار كبير لا يغسله الماء، وقد جعلتنا في العرب بمكان ذلَّة ومَنْقصة، ولولا أنك مني ذو قرابة لقتلتك، ولكن سأحاكمك إلى كاهن اليمن] (٧) فحاكمني إلى بعض كهّان اليمن. فخرج الفاكِه في بعض جماعة من بني مخزوم -أقاربه-

стр. 3931

وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مَناف، وخرجوا بهند ونسوة معها من أقاربهم، وساروا قاصدين بلاد اليمن. فلمّا شارفوا بلاد الكاهن قالوا: غدًا نأتي الكاهن، فلمّا سمعت هند ذلك تنكرت حالها وتغيَّر وجهها وأخذت في البكاء، فقال لها أبوها: يا بنيَّة قد أرى ما بكِ من تنكُّر الحال وكثرة البكاء، وما ذاك أراه عندك إِلَّا لمكروه أحدثتيه وعمل اقترفتيه، فهلّا كان هذا قبل أن يشيع في الناس ويشتهر مسيرنا؟ فقالت: واللَّه يا أبتاه ما هذا الذي تراه مني لمكروه وقع مني، وإني لبريئة، ولكن هذا الذي تراه من الحزن وتغيُّر الحال هو أني أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن وهو بشر يخطئ ويصيب [وأخاف أن يخطئ في أمري بشيء، يكون عارُه عليَّ إلى آخر الدهر] (١) ولا آمَنُه أن يَسِمَني بسِيما (٢) تكون عليَّ سبَّة في العرب. فقال لها أبوها: لا تخافي فإني سوف أختبره وأمتحنُه قبل أن يتكلَّم في شأنك وأمرك [فإن أخطأ فيما أَمتحنه به لم أدعه يتكلَّم في أمرك. ثم انفرد عن القوم -وكان راكبًا مُهْرًا- حتى توارى عنهم خلف رابية، فنزل عن فرسه] (٣) ثم صفَّر له حتى أَدلى، ثم أخذ حبّاتٍ من حنطة فأدخلها في إحليل المُهْر، وأَوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها [ثم صفَّر له حتى اجتمع إحليلُه، ثم أتى القوم فظنُّوا أنه ذهب ليقضي حاجة] (٤) ثم أتى الكاهن، فلمّا قدموا عليه أكرمهم ونحر لهم. فقال له عُتبة: إنا قد جئناك في أمر، ولكن لا أدعك تتكلَّم فيه حتى تبيِّن لنا ما خبَّأتُ لك، فإني قد خبَّأت لك خَبيئًا فانظر ما هو فأخبرنا به. قال الكاهن: ثَمَرَة في كَمَرَة (٥)، قال: أريد أَبْيَن من هذا، قال: حبات بُرٍّ في إحليل مُهْر، قال: صدقت، فخذ لما جئناك له، انظر في أمر هؤلاء النسوة. [فأجلس النساء خلفه وهند معهم لا يعرفها] (٦) ثم جعل يدنو من إحداهنَّ فيضرب كتفها ويُبرِّيها ويقول: انهضي. حتى دنا من هند، فضرب كتفها وقال: انهضي حَصَان رَزان، غير رَسْحاء (٧) ولا زانية، ولتلدنَّ مَلِكًا يقال له معاوية. فوثب الفاكِهُ فأخذ بيدها، فنثرت يدها في يده وقالت له: إليك عني، واللَّه لا يجمع رأسي ورأسَك وسادة، واللَّه لأحرصنَّ أن يكون هذا الولد من غيرك. فتزوَّجها أبو سفيان بن حرب، فجاءت منه بمعاوية هذا. وفي رواية: أن أباها هو الذي قال للفاكِه ذلك. واللَّه أعلم (٨).

стр. 3932

وهذه ترجمة معاوية (١) وذكر شيء من أيامه وما ورد في مناقبه وفضائله هو معاوية بن أبي سُفيان صَخر بن حَرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصي، القرشيّ الأموي، أبو عبد الرحمن، خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين. وأمُّه هند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. أسلم معاوية عام الفتح، وروي عنه أنه قال: أسلمتُ يوم القضيَّة ولكن كتمت إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد -وهو خير منك- على دين قومه، فقلت له: لم آلُ نفسي جهدًا. قال معاوية: ولقد دخل رسول اللَّه ﷺ مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به، ثم لمّا دخل عام الفتح أظهرتُ إسلامي، فجئته فرحَّب بي وكتبتُ بين يديه. قال الواقدي: وشهد معه حُنينًا، وأعطاه مئة من الإبل وأربعين أوقية من ذهب، وزنها له بلال، وشهد اليمامة. وزعم بعضهم أنه هو الذي قَتل مسيلمة، حكاه ابن عساكر. وقد يكون شَرِكَ في قتله، وإنما الذي طعنه وَحْشي، وجلَّله (٢) أبو دُجَانة سِماك بن خَرَشَة بالسَّيف. وكان أبوه من سادات قريش [في الجاهلية] (٣) وتفرَّد بالسُّؤدَد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسُن بعد ذلك إسلامُه، وكان له مواقف شريفة وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وبعده. وصحب معاوية رسول اللَّه ﷺ ، وكتب الوحي بين يديه مع الكتّاب، وروى عن رسول اللَّه ﷺ

стр. 3933

أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان معاوية طويلًا أبيض جميلًا، إذا ضحك انقلبت شفتُه العليا، وكان يخضِب. حدثني محمد بن يزيد الأزدي، حدَّثنا أبو مُسْهر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبي عبد رب قال: رأيت معاوية يصفِّر لحيتَه كأنها الذهب. وقال غيره: كان أبيض، طويلًا، أجلح (١)، أبيض الرأس واللحية يخضبهما بالحِنَّاء والكَتَم. وقد أصابته لَقْوَة (٢) في آخر عمره، فكان يستُر وجهه ويقول: رحم اللَّه عبدًا دعا لي بالعافية، فقد رُميت في أحسني وما يبدو مني، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. وكان حليمًا وقورًا، رئيسًا سيِّدًا في الناس، كريمًا عادلًا شَهمًا. وقال المدائني: عن صالح بن كَيْسان قال: رأى بعضُ متفرِّسي العرب معاويةَ وهو صغير فقال: إني لأظنُّ هذا الغلام سيسود قومَه، فقالت هند: ثكِلتُه إن كان لا يسود إلَّا قومه. وقال الشافعي: قال أبو هريرة: رأيت هندًا بمكة كأنَّ وجهها فِلْقة قمر، وخلفها من عَجِيزتها (٣) مثل الرجل الجالس، ومعها صبيٌّ يلعب، فمرَّ رجل فنظر إليه فقال: إني لأرى غلامًا إن عاش ليسودنَّ قومه، فقالت هند: إن لم يَسُد إلَّا قومه فأماته اللَّه. وهو معاوية بن أبي سفيان. وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي سَيْف قال: نظر أبو سفيان يومًا إلى معاوية وهو غلام فقال لهند: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخَليقٌ أن يسود قومه. فقالت هند: قومه فقط؟! ثكلتُه إن لم يَسُدِ العرب قاطبة. وكانت هند تحمله وهو صغير وتقول: إنَّ بُنيَّ مُعْرِقٌ كريمْ … محبَّبٌ في أهلِه حَليمْ ليس بفحَّاشٍ ولا لئيمْ … ولا بطُخْرُورٍ (٤) ولا سَؤومْ صخر بني فِهْرٍ به زعيمْ … لا يُخلِفُ الظنَّ ولا يَخِيم (٥) قال: فلما ولَّى عمر يزيد بن أبي سفيان ما ولّاه من الشام خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيتِ صار ابنك تابعًا لابني؟! فقالت: إن اضطربتْ خيل العرب فستعلم أين يقع ابنُك مما يكون فيه ابني.

стр. 3934

فلمّا مات يزيد بن أبي سفيان سنة بضع عشرة، وجاء البريد إلى عمر بموته، ردَّ عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد، ثم عزَّى أبا سفيان في ابنه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين مَنْ ولَّيتَ مكانه؟ قال: أخوه معاوية، قال: وصلتَ رحمًا يا أمير المؤمنين. وقالت هند لمعاوية فيما كتبتْ به إليه: واللَّه يا بنيَّ إنه قلَّ أن تلد حرَّة مثلك، وإن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الأمر فاعمل بطاعته فيما أحببتَ وكرهت. وقال له أبوه: يا بنيَّ إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخَّرنا، فرفعهم سبقُهم [وقدَّمهم عند اللَّه وعند رسوله] (١) وقصَّر بنا تأخُّرنا، فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعًا، وقد ولَّوك جسيمًا من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافإ، فإن بلغتَه أورثته عَقِبك. فلم يزل معاوية نائبًا على الشام في الدولة العمريَّة والعثمانية مدة خلافة عثمان. وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قُبرص، وسكنها المسلمون قريبًا من ستين سنة في أيامه ومن بعده. ولم تزل الفتوحات والجهاد قائمًا على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفِرنج وغيرها، فلمّا كان من أمره وأمر أمير المؤمنين عليٍّ ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكليَّة، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخسأه وأذلَّه، وقهر جنده ودحرهم. فلمّا رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب عليٍّ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب إليه معاوية: واللَّه لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعينُ لأصطلحنَّ أنا وابن عمي عليك، ولأُخرجنَّك من جميع بلادك، ولأُضيقنَّ عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهُدْنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم، فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا، فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته [والجهادُ في بلاد العدو قائم، وكلمةُ اللَّه عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو] (٢). وقد ثبت في "صحيح مسلم" من طريق عِكْرمة بن عمّار، عن أبي زُمَيل سِمَاك بن الوليد، عن ابن عباس قال: قال أبو سفيان: يا رسول اللَّه ثلاثٌ أَعطنِيهنَّ، قال: "نَعَم"، قال: تُؤَمِّرُني حتى أُقاتلَ الكفَّار كما كنتُ أقاتلُ المسلمين، قال: "نَعَم". قال: ومعاويةُ تجعلُهُ كاتبًا بين يدَيْك، قال: "نَعَم". وذكر الثالثة وهي أنه أراد أن يزوِّج رسول اللَّه ﷺ بابنته الأخرى عَزَّة بنت أبي سفيان، واستعان

стр. 3935

على ذلك بأختها أمِّ حَبيبة، فقال: "إنَّ ذلكَ لا يحلُّ لي" (١). وقد تكلَّمنا على ذلك في جزء مفرد، وذكرنا أقوال الأئمة واعتذارهم عنه وللَّه الحمد. والمقصود منه أنَّ معاوية كان من جملة الكتّاب بين يدي رسول اللَّه ﷺ الذين يكتبون الوحي. وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في "مستدركه" (٢) من طريق أبي عَوَانة الوضّاح بن عبد اللَّه اليَشْكري عن أبي حَمْزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغِلمان فإذا رسولُ اللَّه ﷺ قد جاء، فقلت: ما جاء إلَّا إليَّ، فاختبأت على باب، فجاءني فحَطَأَني (٣) حطأةً أو حطأتين ثم قال: "اذهبْ فادعُ لي معاوية" -وكان يكتب الوحي- قال: فذهبت فدعوتُه له، فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إنه يأكل، فقال: "اذهبْ فادعُه"، فأتيتُه الثانية، فقيل: إنه يأكل، فأخبرته، فقال في الثالثة: "لا أَشْبعَ اللَّهُ بطنَه". قال: فما شبع بعدها. وقد انتفع معاويةُ بهذه الدعوة في دنياه وأُخراه: أمّا في دنياه فإنه لمّا صار في الشام أميرًا كان يأكل في اليوم سبع مرات، يُجاء بقصعة فيها لحم كثير ويصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات، ومن الحلوى والفاكهة شيئًا كثيرًا ويقول: واللَّه ما أشبع وإنما أعيا. وهذه نعمة ومَعِدة يرغب فيها كل الملوك. وأمّا في أُخراه فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه [هو و] (٤) البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ فأيُّما عبدٍ سَببتُهُ، أو جلَدتُهُ، أو دعوتُ عليهِ وليسَ لذلك أهلًا، فاجعلْ ذلك كفَّارةً وقُرْبةً تُقَرِّبُه بها عندَكَ يومَ القيامَة" (٥). فركَّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك. وقال المسيِّب بن واضح: عن أبي إسحاق الفَزَاري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن

стр. 3936

أبي رَباح، عن ابن عباس قال: "أتى جبريل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمّد أَقرئ معاوية السَّلام واستوصِ به خيرًا فإنَّه أمينُ اللَّهِ على كتابه ووَحْيه ونِعْمَ الأمين". ثم أورده ابن عساكر من وجه آخر عن عبد الملك بن أبي سليمان. ثم أورده أَيضًا من رواية علي وجابر بن عبد اللَّه "أنَّ رسول اللَّه ﷺ استشار جبريل في استكتابه معاوية، فقال: اسْتكْتِبْه فإنَّه أمين" ولكن في الأسانيد إليهما غرابة. ثم أورد عن عليٍّ في ذلك غرائب كثيرة [وكذا] (١) عن غيره أيضًا (٢). وقال أبو عَوَانة: عن سليمان، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن زهير بن الأقمر الزُّبيدي، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: كان معاوية يكتب للنبيِّ ﷺ (٣). وقال أبو القاسم الطبراني: حدَّثنا أحمد بن محمد الصَّيدلاني، حدَّثنا السَّري بن (٤) عاصم، حدَّثنا عبد اللَّه بن يحيى بن أبي كَثير، عن أبيه، [عن] (٥) هشام بن عروة، [عن أبيه] (٦)، عن عائشة قالت: لمّا كان يوم أمِّ حَبيبة من النَّبِيّ ﷺ دقَّ البابَ داق، فقال النَّبِيّ ﷺ : انظُروا مَنْ هذا؟ قالوا: معاوية، قال: ائذَنُوا له، فدخل وعلى أُذنه قلمٌ يخطّ (٧) به، فقال: ما هذا القلمُ على أُذنك يا معاوية؟ قال: قلمٌ أعددتُه للَّه ولرسوله، فقال: جزاك اللَّه عن نبيِّكَ خيرًا، واللَّهِ ما استكتبتُك إلَّا بوحيٍ من اللَّه، وما أفعلُ من صغيرة ولا كبيرة إلَّا بوحيٍ من اللَّه، كيفَ بكَ لو قَمَّصَك اللَّه قميصًا -يعني الخلافة-؟ فقامت أمُّ حَبيبة، فجلستْ بين يديه وقالت: يا رسول اللَّه وإن اللَّهَ مقمِّصٌ أخي قميصًا؟ قال: نعم، ولكنْ فيه هَناتٌ وهَنات. فقالت: يا رسول اللَّه فادعُ اللَّهَ له، فقال: اللهمَّ اهدِهِ بالهُدى، وجنِّبْه الرَّدى، واغفِرْ له في الآخرة والأُولى". قال الطبراني: تفرد به السَّري بن عاصم، عن عبد اللَّه بن يحيى بن أبي كثير، عن هشام. وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديثَ كثيرة موضوعة، والعجبُ منه مع حفظه واطِّلاعه كيف لا ينبِّه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها، واللَّهُ الموفق للصواب. وقد أورد (٨) من طريق أبي هريرة وأنس وواثلة بن الأسقع مرفوعًا: "الأُمناء ثلاثة: جبريل، وأنا، ومعاوية". ولا يصحُّ من جميع وجوهه. ومن رواية ابن عباس: "الأُمناء سبعة: القلَم، واللَّوح، وإسرافيل، وميكائيل،

стр. 3937

وجبريل، وأنا، ومعاوية". وهذا أنكر من الأحاديث التي قبلَه وأضعف إسنادًا. وقال الإمامَ أحمد: حدّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن معاوية -يعني ابن صالح- عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهْم، عن العِرْباض بن سارية السّلمي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يدعونا إلى السّحور في شهر رمضان: هلُمَّ إلى الغَداء المبارك، ثم سمعته يقول: اللهمَّ علِّمْ معاويةَ الكتابَ والحسَاب، وقِهِ العَذاب". تفرد به أحمد (١). ورواه ابن جرير من حديث ابن مَهْدي، وكذلك رواه أسد بن موسى، وبشر بن السَّري، وعبد اللَّه بن صالح [عن معاوية بن صالح] (٢) بإسناده مثله. وفي رواية بشر بن السَّري: "وأَدخِلْه الجنَّة". ورواه ابن عديّ وغيرُه من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمَّ علِّمْ معاويةَ الكتابَ والحسابَ وقِهِ العذاب" (٣). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا سليمان بن حرب، والحسن (٤) بن موسى الأَشْيَب قالا: حدَّثنا أبو هلال محمد بن سُليم، حدَّثنا جبَلة بن عطيَّة، عن مَسْلمة بن مخلَّد. قال الأَشْيَب (٥): قال أبو هلال أو عن رجل عن مَسْلمة بن مخلَّد، وقال سليمان بن حرب أو حدَّثه مَسْلمة عن رجل: أنه رأى معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص: إنَّ ابن عمِّك هذا لمِخْضَد (٦)، قال: أما إنِّي أقول لك هذا، وقد سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهمَّ علِّمْه الكتاب، ومكِّنْ له في البلاد، وقِهِ العذاب" (٧). وقد أرسلَه غيرُ واحد من التابعين منهم: الزهري، وعروة بن رُوَيم، وحَرِيز (٨) بن عثمان الرَّحَبي الحمصي، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس. وقال الطبراني: حدَّثنا أبو زرعة وأحمد بن يحيى بن حمزة الدمشقيان قالا: حدَّثنا أبو مُسْهر، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة المزني -وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ قال لمعاوية: "اللهمَّ علِّمْه الكتابَ والحساب، وقِهِ العذاب" (٩). قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث العِرْباض الذي تقدم. ثم روى من طريق

стр. 3938

الطبراني، عن أبي زرعة، عن أبي مُسْهر، عن سعيد، عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة المزني قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لمعاوية: "اللهمَّ اجعَلْه هاديًا مهديًّا، واهْدِه، واهْدِ به" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا علي بن بحر، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن (٢) يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة الأزدي، عن النَّبِيّ ﷺ أنه ذكر معاوية فقال: "اللَّهمَّ اجعلْه هاديًا مَهْديًّا، واهدِ به" (٣). وهكذا رواه الترمذي (٤) عن محمد بن يحيى، عن أبي مُسْهر، عن سعيد بن عبد العزيز به، وقال: حسن غريب. وقد رواه عمر بن عبد الواحد ومحمد بن سعليمان الحرّاني، كما رواه الوليد بن مسلم وأبو مُسْهر عن سعيد، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة. ورواه محمد بن المصفَّى، عن مروان بن محمد الطّاطَري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن ابن أبي عَميرة: أن رسول اللَّه ﷺ دعا لمعاوية فقال: "اللهمَّ علِّمه العلم، واجعله هاديًا مَهْديًا، واهدِه، واهدِ به". وقد رواه سلمة بن شَبيب، وصفوان بن صالح، وعيسى بن هلال، وأبو الأزهر عن مروان الطّاطَري، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده. ورواه الطبراني، عن عبدان بن أحمد، عن علي بن سهل الرّملي، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة المزني: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ وذكر معاوية فقال: "اللهمَّ اجعلْه هاديًا مَهْديًّا، واهدِه". قال ابن عساكر: وقول الجماعة هو الصواب. وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث، وأطنب فيه وأطرب، وأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد، فرحمه اللَّه، كم له من موطن يبرِّز فيه على غيره من الحفّاظ والنقّاد. وقال الترمذي: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا عبد اللَّه بن محمد النُّفيلي، حدَّثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس الخولاني قال: لما عزل عمر بن الخطاب عُمير بن سعد عن حِمْص ولَّى معاوية فقال الناس (٥): عزل عُمر عُميرًا وولَّى معاوية، فقال عُمير (٦): لا تذكروا معاوية إلَّا

стр. 3939

بخير، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهمَّ اهدِ به". تفرد به الترمذي (١) وقال: غريب. وعمرو بن واقد ضعيف. هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عمير بن سعد الأنصاري. وعندي أنه ينبغي أن يكون من رواية عمر بن الخطاب، ويكون الصواب فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلَّا بخير، ليكون عذرًا له في توليته له. ومما يقوِّي هذا أن هشام بن عمّار قال: حدَّثنا ابن أبي السائب -هو عبد العزيز بن الوليد بن سليمان- قال: وسمعت أبي يذكر أن عمر بن الخطاب ولَّى معاوية بن أبي سفيان، فقالوا: ولَّى حدث السِّنّ، فقال: تلومونني في ولايته، وأنا سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهمَّ اجعلْه هاديًا مَهْديًا، واهدِ به". وهذا منقطع (٢) يقوِّيه ما قبله. قال الطبراني: حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدَّثنا نُعيم بن حمَّاد، حدَّثنا محمد بن شُعيب بن شابور، حدَّثنا مروان بن جَناح، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس، عن عبد اللَّه بن بُسر أن رسول اللَّه ﷺ استشار أبا بكر وعمر في أمر، فقال: "أشيروا علَيّ" فقالا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: "ادعوا معاوية" فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول اللَّه ﷺ ورجلين من رجال قريش [ما يتقنون أمرهم حتى يبعث رسول اللَّه ﷺ إلى غلام من غلمان قريش] (٣)؟! فقال: "ادعوا لي معاوية" فدُعي له، فلمّا وقف بين يديه قال رسول اللَّه ﷺ : "أَحضِروه أمركم، وأَشهِدوه أمركم، فإنه قوي أمين" (٤). ورواه بعضهم عن نُعيم، وزاد "وحمِّلوه أمركم". ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة -بلا شك- في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحًا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصِّحاح والحِسان والمستجادات عمّا سواها من الموضوعات والمنكرات. قال ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي حمزة عن ابن عباس: "أنه كان كاتب النَّبِيّ ﷺ منذ أسلم". أخرجه مسلم في "صحيحه" (٥). وبعده حديث العِرْباض: "اللهم علِّم معاوية الكتاب" (٦).

стр. 3940

وبعده حديث ابن أبي عَميرة: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا" (١). قلت: وقد قال البخاري في كتاب المناقب (٢): ذكر معاوية بن أبي سفيان: حدَّثنا الحسن بن بشر، حدَّثنا المعافى، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مُليكة قال: أوترَ معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال (٣): دعه، فإنه قد صحب رسول اللَّه ﷺ . حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا نافع بن عمر، حدَّثنا ابن أبي مُليكة قال: قيل لا بن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إِلَّا بواحدة! قال: أصاب، إنه فقيه. حدَّثنا عمرو بن عباس، حدَّثنا [محمد بن] جعفر، حدَّثنا شعبة، عن أبي التيّاح قال: سمعت حُمْران (٤) بن (٥) أبان، عن معاوية قال: إنكم لتصلُّون صلاة، لقد صحبنا رسول اللَّه ﷺ فما رأيناه يصلِّيهما، ولقد نهى عنهما - يعني الركعتين بعد العصر. ثم قال البخاري بعد ذلك: ذكر هند بنت عتبة بنت ربيعة: حدَّثنا عبدان (٦)، حدَّثنا عبد اللَّه، حدَّثنا يونس، عن الزهري، حدّثني عروة: أن عائشة قالت: "جاءت هند بنت عتبة (٧) فقالت: يا رسول اللَّه! ما كان على ظهر الأرض من أهل خِبَاء أحبُّ إليَّ من أن يَذِلُّوا من أهل خِبَائك، [ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خِبَاء أحبُّ إليَّ أن يعزُّوا من أهل خِبائك] (٨) فقال: "وأيضًا والذي نفسي بيده". قالت (٩): يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل مِسِّيك، فهل عليَّ حرج (١٠) أن أُطعم من الذي له عيالَنا؟ قال: "لا [أُراه]، إِلَّا بالمعروف" (١١). فالمدحة في قوله: "وأيضًا والذي نفسي بيده" وهو أنه كان يود أن هندًا وأهلها وكل كافر يذلُّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحب أن يَعِزُّوا، فأعزَّهم اللَّه - يعني أهل خبائها.

стр. 3941

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا أبو أميَّة عمرو بن يحيى بن سعيد قال: سمعت جدِّي يحدث: أن معاوية أخذ الإداوة (١) بعد أبي هريرة فتبع رسول اللَّه ﷺ بها -وكان أبو هريرة قد اشتكى- فبينما هو يُوضئ رسول اللَّه ﷺ إذ رفع رأسه إليه مرةً أو مرتين وهو يتوضأ فقال: "يا معاوية! إنْ وليتَ أمرًا فاتَّقِ اللَّهَ واعدِل". قال معاوية: فما زلت أظن أني سأُبتلى بعمل لقول النَّبِيّ ﷺ حتى ابتُليت. تفرد به أحمد (٢). ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي إسحاق الهمداني سعيد بن زُنْبور بن ثابت، عن عمرو بن يحيى بن سعيد. ورواه ابن مَنْدة من حديث بشر بن الحكم، عن عمرو بن يحيى به. وقال أبو يعلى (٣): حدَّثنا سويد بن سعيد، حدَّثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدِّه، عن معاوية قال: "اتبعت رسول اللَّه ﷺ بوضوء، فلما توضأ نظر إلي فقال: "يا معاوية! إنْ وليتَ أمرًا فاتَّقِ اللَّهَ واعدِل". فما زلت أظن أني مبتلًى بعمل حتى وليت. ورواه غالب القطّان عن الحسن قال: سمعت معاوية يخطُب وهو يقول: صببت يومًا على رسول اللَّه ﷺ وضوءه، فرفع رأسه إلي فقال: "أما إنَّك ستَلي أمرَ أقَتي بعدي، فإذا كانَ ذلك فاقبَلْ من مُحسنِهم وتجاوَزْ عن مُسِيئهم". قال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا. وروى البيهقيّ عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر، عن عبد الملك بن عُمير قال: قال معاوية: واللَّه ما حَملني على الخلافة إلّا قول رسول اللَّه ﷺ : "إنْ ملكتَ فأَحسِنْ". قال البيهقيّ: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلّا أن للحديث شواهد (٤). وروى ابن عساكر بإسناده عن نُعيم بن حمّاد: حدَّثنا محمد بن حرب، عن أبي بكر بن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن زياد، عن عوف بن مالك الأَشْجعي قال: بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا -وهي يومئذ مسجد يصلَّى فيها- إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يديّ، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مَهْ، إنما أُرسلت إليك برسألة لتبلّغها. قلت: ومن أرسلك؟ قال: اللَّهُ أرسلني إليك لتبلِّغ معاوية السلام، وتعلمه أنه من أهل الجنة، فقلت له: ومن معاوية؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. ورواه الطبراني، عن أبي يزيد القراطيسي، عن المعلّى بن الوليد القعقاعي، عن محمد بن حبيب الخَولاني، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغسّاني، وفيه ضعف. وهذا غريب جدًا، ولعل الجميع منامًا، ويكون قوله: "إذ انتبهت من نومي" مدرجًا لم يضبطه ابن أبي مريم، واللَّه أعلم.

стр. 3942

وقال محمد بن عائذ: عن الوليد، عن ابن لَهِيعة، عن يونس، عن الزهري قال: قدم عمر الجابية، فنزع شُرَحبيل، وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقَّى الشام على أميرين أبي عبيدة ويزيد، ثم توفي أبو عبيدة، فاستخلف عياض بن غَنْم، ثم توفي يزيد فأمّر معاوية مكانه، ثم نعاه عمر لأبي سفيان، فقال: يا أبا سفيان احتسِبْ يزيد بن أبي سفيان، قال: من أمَّرت مكانه؟ قال: معاوية، فقال: وصلتَ رحمًا يا أمير المؤمنين. فكان على الشام معاوية [وعمير بن سعد حتى قتل عمر] (١). وقال محمد بن إسحاق: مات أبو عبيدة في طاعون عَمَواس (٢) واستخلف معاذًا، فمات معاذ واستخلف يزيد بن أبي سفيان، فمات واستخلف أخاه معاوية، فأقرَّه عمر، وولَّى عمرو بن العاص فلسطين والأردن، ومعاوية دمشق وبعلبكّ والبَلقاء، وولَّى سعيد بن عامر بن حِذْيَم (٣) حمص، ثم جمع الشام كلّها لمعاوية بن أبي سفيان، ثم استمرَّ به عثمان بن عفان. وقال إسماعيل بن أميَّة: أفرد عمر معاويةَ بإمرة الشام، وجعل له في كل شهر ثمانين دينارًا. والصواب أن الذي جمع لمعاوية الشام كلَّها عثمان بن عفان، وأما عمرُ فإنه إنما ولّاه بعض أعمالها. وقال بعضهم: لما عُزِّيت هند في يزيد بن أبي سفيان -ولم يكن منها- قيل لها: إنه قد جعل معاوية أميرًا مكانه، فقالت: أو مثل معاوية يُجعل خلفًا من أحد؟! فواللَّه لو أنَّ العرب اجتمعت متوافرةً ثم رُمي به فيها لخرج من أي أعراضها (نواحيها) (٤) شاء. وقال آخرون: ذُكر معاوية عند عمر، فقال: دعوا فتى قريش وابنَ سيِّدها، إنه لمن يضحك في الغضب، ولا ينال منه إلّا على الرضا، ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلّا من تحت قدميه. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني محمد بن قدامة الجوهري، حدّثني عبد العزيز بن يحيى، عن شيخ له قال: لمّا قدم عمر بن الخطاب الشام تلقّاه معاويةُ في موكب عظيم، فلمّا دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولمَ تفعلُ هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز. قال: يا أمير المؤمنين! إنا بأرضٍ جواسيسُ العدوِّ فيها كثيرة، فيجب أن نُظهر من عزِّ السلطان ما يكون فيه عزٌّ للإسلام وأهله ويرهبهم به، فإنْ أمرتَني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية! ما سألتك عن شيء إلّا تركتني في مثل رواجب الضَّرِس، لئن كان ما قلت حقًّا إنه لرأي

стр. 3943

أريب، وإن كان باطلًا إنه لخديعة أديب. قال: فمُرْني يا أمير المؤمنين بما شئت. قال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين! ما أحسن ما صَدَر عما أوردتَه فيه! فقال عمر: لحُسْن موارده ومصادره جشَّمناه ما جشَّمناه (١). وفي رواية: أن معاوية تلقَّى عمر حين قدم الشام، ومعاويةُ في موكب كثيف، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، ولم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزتَ أمير المؤمنين، فرجع، فلمّا رأى عمرَ ترجَّل وجعل [يمشي وعمرُ يحدِّثه حتى انهال عرقه وكثر اصفرار لونه وجعل] (٢) يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صَدَر عمّا أوردتَه فيه يا أمير المؤمنين! فقال: من أجل ذلك جشَّمناه ما جشَّمناه. وقال عبد اللَّه بن المبارك في كتاب "الزهد" (٣): أخبرنا محمد بن [أبي] (٤) ذئب، عن مسلم بن جُنْدب، عن أسلم -مولى عمر- قال: قدم علينا معاوية وهو أبيضُ بضٌّ وباضٌّ، أبضُّ الناس وأجملُهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ثم يضع أصبعَه على متن معاوية، ثم يرفعها عن مثل الشِّراك فيقول: بخٍ بخٍ، نحن إذًا خيرُ الناس أن جُمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: يا أمير المؤمنين! سأحدِّثك؟ إنا بأرض الحمّامات والريف والشهوات، فقال عمر: سأحدِّثك، ما بك إلَّا إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبُّحك حتى تضرب الشمسُ متنيك وذوو الحاجات وراء الباب. [فقال: يا أمير المؤمنين علِّمْني أمتثل] (٥). قال: فلمّا جئنا ذا طُوى أخرج معاوية حُلَّة فلبسها، فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم يخرُج حاجًّا تَفِلًا (٦)، حتى إذا جاء أعظم بلدان اللَّه حرمةً أخرج ثوبيه كأنهما كأنا في الطِّيب فلبسهما! فقال معاوية: إنما لبستُهما لأدخل فيهما على عشيرتي وقومي. واللَّه لقد بلغني أذاك هاهنا وبالشام، فاللَّهُ يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه. ثم نزع ثوبيه ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما (٧). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبي، عن هشام بن محمد، عن أبي عبد الرحمن المدني قال: كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب (٨).

стр. 3944

وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك. وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي: عن جدِّه قال: دخل معاويةُ على عمرَ وعليه حُلَّة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدَّرَّة، وجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين اللَّهَ اللَّهَ فيّ. فرجع عمر إلء مجلسه، فقال له القوم: لمَ ضربتَه يا أمير المؤمنين وما في قومك مثله؟ فقال: واللَه ما رأيت إلّا خيرًا، وما بلغني إلّا خير [ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير ما رأيتم] (١) ولكن رأيته -وأشار بيده- فأحببتُ أن أضع منه ما شمخ. وقد قال أبو داود: حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقي، حدَّثنا يحيى بن حمزة، حدَّثنا ابن أبي مريم، أن القاسم بن مُخَيمرة أخبره، أن أبا مريم الأزدي أخبره قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعَمَنا بك (٢) أبا فلان -وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديث سمعتُه أخبرك به، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ ولّاه اللَّهُ شيئًا من أمر المسلمين فاحتجَبَ دونَ حاجتِهم وخَلَّتِهم (٣) وفَقْرهم احتجَب اللَّهُ دونَ حاجتِه وخَلَّتِه وفَقْره". قال: فجعل معاوية -حين سمع هذا الحديث- رجلًا على حوائج الناس (٤). ورواه الترمذي (٥) وغيره. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا مروان (٦) بن معاوية الفَزَاري، حدَّثنا حبيب بن الشّهيد، عن أبي مِجْلَز قال: خرج معاوية على الناس، فقاموا له، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ أحبَّ أن يمثُلَ له الرجالُ قِيامًا فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النّار" (٧). وفي رواية: قال: خرج معاوية على ابن عامر وابن الزبير، فقام له ابن عامر ولم يقم ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ أحبَّ أن يمثُلَ له العباد قيامًا فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النّار" (٨).

стр. 3945

ورواه أبو داود (١) والترمذي (٢) من حديث حبيب بن الشهيد، وقال الترمذي: حديث حسن (٣). وروى أبو داود (٤) من حديث الثَّوري، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد المَقْرائي الحمصي، عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّكَ إنْ تتبَّعْتَ عَوْراتِ الناسِ أفسَدْتَهُمْ أو كدتَ أنْ تُفسِدَهم" قال [أبو الدرداء]: كلمة سمعها معاوية نفعه اللَّه بها. تفرد به أحمد (٥). يعني أنه كان جيِّد السِّيرة، حسن التجاوز، جميل العفو، كثير السّتر، رحمه اللَّه تعالى. وثبت في "الصحيحين" من حديث الزُّهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن معاوية أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خيرًا يفقِّهْهُ في الدِّين، وإنَّما أنا قاسمٌ واللَّهُ يُعْطي، ولا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولامَنْ خالَفَهم حتى يأتي أمرُ اللَّهِ وهم ظاهرون" وفي رواية: "وهم على ذلك" (٦). وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال: وهذا مالك بن يُخامِر يخبر عن معاذ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وهم بالشام" (٧) يحثُّ بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق، وأن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها. وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق. وقال الليث بن سعد: فتح معاوية قيساريَّة سنة تسمع عشرة في دولة عمر بن الخطاب. وقال غيره: وفتح قُبرص سنة خمس -وقيل: سبع، وقيل: ثمان- وعشرين في أيام عثمان. قالوا: وكان عام غزوة المضيق -يعني مضيق القُسْطنطينية- في سنة اثنتين وثلاثين في أيامه، وكان هو الأمير على الناس عامئذ. وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام [وقيل: إن عمر هو الذي جمعها له. والصحيح عثمان] (٨). واستقضى معاويةُ فَضَالة بن عبيد بعد أبي الدرداء. ثم كان ما كان بينه وبين عليٍّ بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدَّمنا، وكان الحقُّ والصواب مع عليّ، ومعاوية معذور

стр. 3946

عند جمهور العلماء سلَفًا وخلَفًا، وقد شهدتِ الأحاديثُ الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين -أهل العراق وأهل الشام- كما ثبت في الحديث الصحيح "تمرُقُ مارقَةٌ على خير فُرْقةٍ من المسلمين، فيقتلُها أَدنى الطائفتينِ إلى الحقّ" (١) فكانت المارقة الخوارج، وقتلَهم عليٌّ وأصحابه. ثم قُتل علي، فاستقلَّ معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلًا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين، وفيها -أو في التي بعدها- أغزاه بلاد الروم [فسار معه خلقٌ كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القُسْطنطينية. وقد ثبت في الصحيح: "أوَّلُ جيشٍ يغزو القُسْطنطينيةَ مغمْورٌ لهُم"] (٢). وقال وكيع: عن الأعمش، عن أبي صالح قال: كان الحادي يحدو بعثمان فيقول: إنَّ الأميرَ بعدَهُ عليُّ … وفي الزُّبير خلفٌ مَرْضيُّ فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشَّهباء - يعني معاوية [فأتاه معاوية] (٣) فقال: يا أبا إسحاق! تقول هذا وهاهُنا عليٌّ والزبيرُ وأصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: أنت صاحبُها. ورواه سيف، عن بدر بن الخليل، عن عثمان بن عطيَّة (٤) الأسدي، عن رجل من بني أسد قال: ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول: إنَّ الأميرَ بعدَهُ عليُّ … وفي الزبير خلفٌ مَرْضيُّ فقال كعب: كذبتَ، بل صاحب البغلة الشَّهباء بعده -يعني معاوية- فقال له معاوية في ذلك، فقال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنها واللَّه لا تصل إليك حتى تكذِّب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية (٥). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا محمد بن عبّاد المكي، حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي هارون قال: قال عمر: إياكم والفُرقة بعدي، فإن فعلتم فإنَّ معاوية بالشام، وستعلمون إذا وُكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم (٦).

стр. 3947

ورواه الواقدي من وجه آخر عن عمر ﵁. وقد روى ابن عساكر عن عامر الشَّعبي: أن عليًّا حين بعث جرير بن عبد اللَّه البَجَلي إلى معاوية قبل وقعة صفِّين -وذلك حين عزم عليٌّ على قصد الشام، وجمع الجيوش لذلك- وكتب معه كتابًا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعتُه لأنه قد بايعه المهاجرون والأنصار، فإن لم تبايع استعنتُ باللَّه عليك وقاتلتُك، وقد أكثرت القول في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب اللَّه. . . في كلام طويل، وقد قدَّمنا أكثره. فقرأه معاوية على الناس، وقام جرير فخطب الناس، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة، وحذَّره من المخالفة والمعاندة، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس، وأن يضرب بعضهم بعضًا بالسيوف. فقال له معاوية: انتظر حتى آخذ رأي أهل الشام. فلمَّا كان بعد ذلك أمر معاوية مناديًا فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فلمَّا اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال: "الحمدُ للَّه الذي جعلَ الدَّعائم للإسلام أركانا، والشرائع للإيمان بُرْهانا، يتوقَّد مصباحُه بالسنَّة في الأرض المقدَّسة التي جعلها اللَّه محلَّ الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلَّها أهل الشام، ورضيهم لها ورضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها، والقوام بأمره، الذابِّين عن دينه وحُرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظامًا، وفي أعلام الخير عظامًا، يردع اللَّه بهم الناكثين، ويجمع بهم الألفة بين المؤمنين، واللَّه نستعين على إصلاح ما تشعَّث من أمور المسلمين، وتباعد بينهم بعد القرب والألفة. اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائمًا، ويريدون هراقة دمائنا، وإخافة سبيلنا، وقد يعلم اللَّه أنّا لا نريد لهم عقابًا، ولا نَهتِك لهم حجابًا، غير أن اللَّه الحميد كسانا من الكرامة ثوبًا لن ننتزعَه طوعًا ما جاوب الصَّدى، وسقط النَّدى، وعرف الهدى. وقد علمنا أنَّ الذي حملهم على خلافنا البغيُ والحسدُ لنا، فاللَّهَ نستعين عليهم. أيُّها الناس قد علمتم أني خليفةُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأني خليفةُ أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأني لم أُقم رجلًا منكم على خزاية قطّ، وإني وليُّ عثمان وابن عمِّه. قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقد علمتم أنه قُتل مظلومًا، وأنا أحبُّ أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان. فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلبُ بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، ووثَّقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسَهم وأموالَهم، أو يدركوا بثأره، أو يفني اللَّهُ أرواحَهم قبل ذلك. فلمّا رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى أفزعه ذلك وعجب منه. وقال معاوية لجرير: إنْ ولّاني على الشام ومصر بايعتُه على ألا يكون لأحد بعده عليَّ بَيْعة. فقال: اكتب إلى عليٍّ بما شئتَ وأنا أكتب معك. فلما بلغ عليًّا الكتاب قال: هذه خديعة، وقد سألني المغيرةُ بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة، فأبيتُ ذلك ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]. ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلّا وقد اجتمعت العساكر إلى عليّ.

стр. 3948

وكتب معاوية إلى عمرو بن الغاص -وكان معتزلًا بفلسطين حين قُتل عثمان، وكان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين- فكتب معاوية يستدعيه ليستشيرَه في أموره، فركب إليه، فاجتمعا على حرب علي. وقد قال [الوليد بن] (١) عُقبة بن أبي مُعَيط في كتاب معاوية إلى عليٍّ حين سأله نيابة الشام ومصر، فكتب إلى معاوية يؤنِّبه ويلومُه على ذلك ويعرِّض بأشياء فيه: مُعاويَ إنَّ الشَّامَ شامُكَ فاعتصِمْ … بشامِكَ لا تُدخِلْ عليكَ الأَفاعِيَا فإنَّ عليًّا ناظرٌ ما تُجِيبُهُ … فأَهْدِ لهُ حربًا تُشِيبُ النَّواصِيَا وحَامِ علَيها بالقِتال وبالقَنَا … ولا تَكُ مَخْشُوشَ الذِّراعَيْن وانِيَا وإلَّا فسلِّم إنَّ في الأمن راحةً … لمنْ لا يريدُ الحربَ فاخترْ معاويَا وإنَّ كتابًا يا بنَ حربٍ كتبتَهُ … على طمعٍ جانٍ عليكَ الدَّواهِيَا سألتَ عليًّا فيه ما لا تَنالُهُ … ولو نلتَهُ لم يبقَ إلَّا لياليَا إلى أنْ ترى منهُ التي ليس بعدَها … بقاءٌ فلا تكثِرْ عليكَ الأَمانيَا ومثلُ عليٍّ تغتررْهُ بخدعَةٍ … وقد كانَ ما خرَّبتَ من قبلُ بانيَا ولو نَشِبَتْ أظفارُهُ فيكَ مرَّةً … فَراكَ ابنَ هندٍ بعد ما كنتَ فاريَا (٢) وقد ورد من غير وجه: أنَّ أبا مسلم الخولاني وجماعةً معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: واللَّه إني لأعلم أنه خيرٌ مني وأفضل، وأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمِّه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي؟ فقولوا له: فليسلِّم إليَّ قَتَلةَ عثمان وأنا أسلِّم له أمره. فأتوا عليًا فكلموه في ذلك، فلم يدفع إليهم أحدًا. فعند ذلك صمَّم أهل الشام على القتال مع معاوية (٣). وعن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن عامر الشَّعبي وأبي جعفر الباقر قال: بعث عليٌّ رجلًا إلى دمشق يُنذرهم أن عليًا قد نَهَد (٤) في العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية، فلمّا قدم أمر معاوية فنُودي في الناس: الصلاة جامعة، فملؤوا المسجد، ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليًّا قد نَهَد إليكم في أهل العراق فما الرأي؟ فضرب كلٌّ منهم على صدره، ولم يتكلَّم أحدٌ منهم، ولا رفعوا إليه

стр. 3949

أبصارهم، وقام ذو الكَلَاع فقال: يا أمير المؤمنين! عليك الرأي وعلينا الفعال. ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاثٍ، فمن تخلَّف بعدها فقد أحل بنفسه. فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى عليٍّ فأخبره، فأمر عليٌّ مناديًا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم فما الرأي؟ فقال كلُّ فريق منهم مقالة، واختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدرِ عليٌّ مما قالوا شيئًا، فنزل عن المنبر وهو يقول: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، ذهب واللَّهِ بها ابنُ آكلةِ الأكباد (١). ثم كان من أمر الفريقين ما كان، كما ذكرناه مبسوطًا في سنة ست وثلاثين. وقد قال أبو بكر بن دُريد: أنبأنا أبو حاتم، عن أبي عُبيدة قال: قال معاوية: لقد وضعتُ رجلي في الرِّكاب وهممتُ يوم صفِّين بالهزيمة، فما منعني إِلَّا قولُ ابن الإطنابة حيث يقول: أبَتْ لي عفَّتي وأَبى بَلآئي … وأخذي الحمدَ بالثمنِ الرَّبيح وإكراهي على المكروهِ نَفْسي … وضَرْبي هامةَ البطلِ المُشِيح وقولي كلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ … مكانَكِ تُحمَدي أو تَسْتريحي (٢) وروى البيهقيّ عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فقيل له: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحدٌ أحق بالخلافة في زمان عليٍّ من عليّ، ورحم اللَّه معاوية. وقال علي بن المَديني: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: ما كانت في علي خصلةٌ تقصِّر به عن الخلافة، ولم يكن في معاوية خصلةٌ ينازع بها عليًّا. وقيل لشَريك القاضي: كان معاوية حليمًا؟ فقال: ليس بحليم مَنْ سفه الحقَّ وقاتل عليًا. رواه ابن عساكر (٣). وقال سفيان الثوري: عن حبيب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنه ذكر معاوية وأنه لبَّى عثية عرفة، فقال فيه قولًا شديدًا. ثم بلغه أن عليًا لبَّى عشية عرفة، فتركه. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني عبّاد بن موسى، حدَّثنا علي بن ثابت الجزري، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده،

стр. 3950

فسلَّمت وجلست، فبينما أنا جالسٌ إذ أتي بعلي ومعاوية، فأُدخلا بيتًا وأُجيف (١) الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قُضي لي وربِّ الكعبة. ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غُفر لي وربِّ الكعبة. وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أُبغِض معاوية، فقال له: ولمَ؟ قال: لأنه قاتًل عليًا، فقال له أبو زرعة: ويحك! إن ربَّ معاوية ربٌّ رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄ (٢). وسئل الإمام أحمد عمّا جرى بين علي ومعاوية، فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي: سُئل الحسن عمّا جرى بين علي وعثمان، فقال: كانت لهذا سابقةٌ ولهذا سابقة، ولهذا قرابةٌ ولهذا قرابة، فابتُلي هذا وعُوفي هذا. وسُئل عمّا جرى بين علي ومعاوية، فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة، ولهذا سابقةٌ ولم يكن لهذا سابقة، فابتُليا جميعًا. وقال كلثوم بن جَوْشن: سأل النضر أبو عمر الحسَن البصري فقال: أبو بكر أفضل أَمْ علي؟ فقال: سبحان اللَّه! ولا سواء، سبقت لعلي سوابق يشركه فيها أبو بكر، وأحدث علي حوادثَ لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل. قال: فعمر أفضل أم علي؟ فقال مثل قوله في أبي بكر، ثم قال: عمر أفضل. ثم قال: عثمان أفضل أم علي؟ فقال مثل قوله الأول، ثم قال: عثمان أفضل. قال: فعلي أفضل أم معاوية؟ قال: سبحان اللَّه! ولا سواء، سبقت لعلي سوابقُ لم يشركه فيها معاوية، وأحدث علي أحداثًا شركه فيها معاوية، علي أفضل من معاوية. وقد روى عن الحسن البصري: أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء: قتالَه عليًّا، وقتلَه حُجر بن عدي، واستلحاقَه زياد بن أبيه، ومبايعتَه ليزيد ابنه. وقال جرير بن عبد الحميد: عن مغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلتَه؟ فقال: ويحكِ! إنك لا تدرينَ ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. [وفي رواية: أنها قالت له: بالأمس تقاتله واليوم تبكيه] (٣)؟! قلت: وقد كان مقتل علي في رمضان سنة أربعين، ولهذا قال الليث بن سعد: إنَّ معاوية بُويع له بإيلياء بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين. والصحيح الذي قاله ابن إسحاق والجمهور أنه بُويع له

стр. 3951

بإيلياء في رمضان سنة أربعين حين بلغ أهل الشام مقتل علي، ولكنَّه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة، وذلك بمكان يقال له أَذْرُح (١)، وقيل بمسكن من أرض سواد العرالتى من ناحية الأَنْبار، فاستقل معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين. قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. وقيل: بل كان: لا قوَّة إلّا باللَّه. وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيبة وسعيد بن منصور قالا: حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرَّة، عن سعيد بن سويد قال: صلَّى بنا معاوية بالنُّخيلة -يعني خارج الكوفة- الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفتُ أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، فقد أعطاني اللَّه ذلك وأنتم كارهون (٢). ورواه محمد بن سعد، عن يعلَى بن عبيد، عن الأعمش به. وقال محمد بن سعد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا حمّاد بن زيد (٣)، عن مَعْمر، عن الزهري: أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم إنه بَعُدَ عن ذلك. وقال نعيم بن حمّاد: حدَّثنا ابن فُضيل، عن السَّري بن إسماعيل، عن الشعبي، حدّثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن علي لمّا قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مُذِلَّ المؤمنين. قال: لا تقل ذلك، فإني سمعت [أبي] (٤) يقول: "لا تذهبُ الأيام والليالي حتى يملكَ معاوية" فعلمت أنَّ أمر اللَّه واقع، فكرهتُ أن تُهراقَ بيني وبينه دماء المسلمين. وقال مُجالد: عن الشعبي، عن الحارث الأعور قال: قال عليٌّ بعدما رجع من صفِّين: أيها الناسُ! لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تَنْدُر (٥) عن كواهلها كأنها الحنظل. وقال ابن عساكر بإسناده عن أبي داود الطيالسي: حدَّثنا أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الأسود ابن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبينَ لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد ﷺ في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان اللَّه يؤتيه البَرَّ والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمئة سنة (٦).

стр. 3952

وقال الزهري: حدّثني القاسم بن محمد: أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلَّمها خاليَيْن لم يشهد كلامهما أحد إلّا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة، فقالت: أمنتَ أن أخبَأ لك رجلًا يقتلك بقتلك أخي محمدًا؟ فقال: صدقت، فلمّا قضى معاوية كلامه معها تشهَّدت عائشة ثم ذكرت ما بعث اللَّه به نبيَّه ﷺ من الهدى ودين الحق، والذي سنَّ الخلفاءُ بعده، وحضَّتْ معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم تترك له عذرًا. فلمّا قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت -واللَّه- العالمةُ العاملة بأمر رسول اللَّه ﷺ الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضتِ على الخير، وأمرتِ به، ولم تأمرينا إلّا بالذي هو لنا مصلحة، وأنتِ أهل أن تُطاعي. وتكلمتْ هي ومعاوية كلامًا كثيرًا. فلمّا قام معاوية اتَّكأ على ذكوان وقال: واللَّه ما سمعتُ خطيبًا -ليس رسول اللَّه ﷺ أبلغَ من عائشة (١). وقال محمد بن سعد: حدَّثنا خالد بن مَخْلد البجلي، حدَّثنا سليمان بن بلال، حدّثني علقمة بن أبي علقمة، عن أمِّه قالت: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة، فأرسل إلى عائشة: أن أرسلي إلي بأَنْبِجانيَّة رسول اللَّه ﷺ وشعره، فأرسلتْ به معي أحمله، حتى دخلتُ به عليه، فأخذ الأَنْبِجانيَّة فلبسها، وأخذ شعره فدعا بماء فغسله وشربه وأفاض على جلده (٢). وقال الأصمعي: عن الهُذَلي [عن الشعبي] (٣) قال: لما قدم معاويةُ المدينة عام الجماعة تلقَّته رجال من وجوه قريش، فقالوا: الحمد للَّه الذي أعزَّ نصرك، وأعلى أمرك. فما ردَّ عليهم جوابًا حتى دخل المدينة، فقصد المسجد، وعلا المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني -واللَّه- ما وليتُ أمركم حين وليتُه وأنا أعلم أنكم لا تُسَرُّون بولايتي ولا تحبُّونها، وإني لعالم بما في نفوسكم من ذلك، ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمتُ نفسي على عمل ابن أبي قحافة، فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه، وأردتُها على عمل ابن الخطاب، فكانت أشدَّ نفورًا وأعظم هربًا من ذلك، وحاولتُها على مثل سنّيات عثمان، فأبتْ عليَّ، وأين مثلُ هؤلاء؟! ومَنْ يقدر على أعمالهم؟ هيهات أن يدرك فضلَهم أحدٌ ممن بعدهم، رحمة اللَّه ورضوانه عليهم، غير أني سلكتُ بها طريقًا لي فيه منفعةٌ ولكم فيه مثل ذلك، ولكل فيه مواكلةٌ حسنة، ومشاربةٌ جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خيرٌ لكم، واللَّهِ لا أحملُ السيف على مَنْ لا سيفَ معه، ومهما تقدَّم ما قد علمتموه

стр. 3953

فقد جعلته دُبر أذني، وإن لم تجدوني أقومُ بحقكم كلِّه فارضَوا مني ببعضه، فإنها [ليست] (١) بقاببة قُوبها، وإنَّ السيل إذا جاء تترى -وإن قلَّ- أغنى. وإياكم والفتنةَ فلا تهمُّوا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدِّر النعمة، وتورث الاستئصال. أستغفر اللَّه لي ولكم، أستغفر اللَّه. ثم نزل. قال أهل اللغة: القاببة: البيضة، والقوب: الفرخ. قابت البيضة تقوب: إذا انفلقت عن الفرخ. والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حجَّ في سنة أربع وأربعين، أو في سنة خمسين، لا في عام الجماعة. وقال الليث: حدّثني علوان بن صالح بن كيسان: أن معاوية قدِم المدينة أول حجَّة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش، فتوجَّه إلى دار عثمان بن عفان، فلمّا دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإنَّ لي حاجةً في هذه الدار، فانصرفوا، ودخل معاوية فسكَّن عائشة بنت عثمان، وأمرها بالكف، وقال لها: يا بنت أخي! إن الناس أعطونا سلطانًا فأظهرنا لهم حِلمًا تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حِقد، فبعناهم هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحُّوا عليها بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرةُ أم علينا؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني أمَةً من إماء المسلمين، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك (٢). وقد روى ابن عدي من طريق علي بن زيد -وهو ضعيف- عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد. [ومن حديث مجالد -وهو ضعيف أيضًا- عن أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد] (٣) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا رأَيتم معاويةَ على مِنْبري فاقتُلوه". وأسنده أيضًا من طريق الحكم بن ظُهَير -وهو متروك- عن عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود مرفوعًا. وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحًا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك لأنهم كانوا لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم. وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري. قال أيوب: هو كذب.

стр. 3954

ورواه الخطيب البغدادي (١) بإسناد مجهول، عن أبي الزُّبَير، عن جابر مرفوعًا: "إذا رأيتُم معاويةَ يخطُب على مِنْبري فاقبَلوه (٢)، فإنَّه أمينٌ مأمون". وقال أبو زرعة الدمشقي: عن دحيم، عن الوليد، عن الأوزاعي قال: أدركتْ خلافة معاوية عدَّة من الصحابة منهم: أسامة، وسعد، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت [ومسلمة (٣) بن مخلَّد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة] (٤) وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممَّن سمَّينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيلَه (٥)، وأخذوا عن رسول اللَّه ﷺ تأويلَه. ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء اللَّه، منهم: المِسْور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيِّب [وعروة بن الزُّبَير] (٦) وعبد اللَّه بن مُحَيريز. . . في أشباه لهم، لم ينزعوا يدًا من جماعة في أُمَّة محمد ﷺ . وقال أبو زرعة: عن دُحيم، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز قال: لمَّا قُتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة، فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سريَّة في الصيف وتشتو بأرض الروم، ثم تقفُل وتعقُبها الأخرى. وكان في جملة من أغزى ابنُه يزيد ومعه خلقٌ من الصحابة، فجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القُسْطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعًا إلى الشام (٧). وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شُدَّ خناق الروم. وقال ابن وهب: عن يونس، عن الزُّهري قال: حجَّ معاوية بالناس في أيام خلافته مرَّتين، وكانت أيامه عشرين سنة إلّا شهرًا. وقال أبو بكر بن عياش: حجَّ بالناس معاوية سنة أربع وأربعين، وسنة خمسين. وقال غيره: سنة إحدى وخمسين. فاللَّه أعلم. وقال الليث بن سعد: حدَّثنا بُكير، عن بُسْر (٨) بن سعيد: أن سعد بن أبي وقّاص قال: ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحقٍّ من صاحب هذا الباب - يعني معاوية.

стр. 3955

وقال عبد الرزاق: حدَّثنا مَعْمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، حدَّثنا المِسْور بن مَخْرمة: أنه وفد على معاوية، قال: فلمّا دخلت عليه -حسبت أنه قال: سلَّمت عليه- فقال: ما فعل طعنُك على الأئمَّة يا مِسْور؟ قال: قلت: أرفضنا (١) من هذا وأحسِنْ فيما قدمنا له، فقال: لتكلِّمنِّي بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئًا أعيبُه عليه إلّا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها اللَّه لك؟ قال: قلت: نعم [إن لي ذنوبًا إن لم يغفرها هلكت بسببها] (٢) قال: فما الذي يجعلك أحقَّ بان ترجو أنت المغفرة مني؛ فواللَّه لما إلي من إصلاح الرعايا، وإقامة الحدود، والإصلاح بين الناس، والجهاد في سبيل اللَّه، والأمور العظام التي لا يحصيها إلّا اللَّه ولا نحصيها أكثرُ مما تذكر من العيوب والذنوب، وإني لعلى دين يقبل اللَّهُ فيه الحسناتِ ويعفو عن السيِّئات، واللَّه على ذلك ما كنت لأخيَّر بين اللَّه وغيره إلَّا اخترت اللَّه على غيره مما سواه. قال: ففكَّرت حين قال لي ما قال، فعرفت أنه قد خصمني. قال: فكان المِسْور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير (٣). وقد رواه شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن المِسْور بنحوه. وقال ابن دُريد: عن أبي حاتم، عن العُتْبي قال: قال معاوية: يا أيها الناس! ما أنا بخيركم، وإن منكم لمَنْ هو خير مني: عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل. ولكنْ عسى أن أكون أنفعَكُم ولاية، وأنكاكم في عدوِّكم، وأدرَّكم حلبًا. وقد رواه محمد بن سعد، عن محمد بن مصعب، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ثابت مولى معاوية: أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك (٤). وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدَّثنا عمرو بن واقد، حدَّثنا يونس بن حَلْبَس قال: سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول: أيها الناس! اعقلوا قولي فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة أو ليخالفنَّ اللَّهُ بين قلوبكم. خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطن اللَّه عليكم عدوكم فليسومنَّكم سوء العذاب. تصدَّقوا، ولا يقولنَّ الرجل: إني مُقِلّ [فإن صدقة المُقِل أفضلُ من صدقة الغني. إياكم وقذفَ المحصَنات، وأن يقول] (٥) الرجل: سمعت وبلغني، فلو قذف أحدكم امرأةً على عهد نوح لسُئِل عنها يوم القيامة.

стр. 3956

وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا يزيد بن طَهْمان (١) الرَّقاشي، حدَّثنا محمد بن سِيرين قال: كان معاوية [إذا حدَّث عن رسول اللَّه ﷺ لم يُتَّهم (٢). وروى أبو القاسم البغوي: عن سُويد بن سعيد، عن همام بن إسماعيل، عن أبي قَبيل قال: كان معاوية] (٣) يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم، فيدور على المجالس يسأل: هل وُلدَ لأحد مولود؟ أو قدم أحدٌ من الوفود؟ فإذا أُخبر بذلك أثبتَ في الديوان - يعني ليجري عليه الرزق. وقال غيره: كان معاوية متواضعًا، ليس له مَجالد إلّا كمجالد الصِّبيان التي يسمُّونها المَخَاريق، فيضرب بها الناس. وقال هشام بن عمّار: عن عمرو بن واقد، عن يونس بن مَيْسرة بن حَلْبَس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردَف وراءه وَصِيفٌ عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق. وقال الأعمش: عن مجاهد أنه قال: لو رأيتُم معاوية لقبتُم: هذا المَهْدي. وقال هشيم: عن العوّام، عن جبلة بن سُحيم، عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدًا أسودَ من معاوية، قال: قلت: ولا عمر؛ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسودَ منه (٤). ورواه أبو سفيان الحِيري، عن العوّام بن حَوْشب به، وقال: ما رأيت أحدًا بعد رسول اللَّه ﷺ أسودَ من معاوية، قيل: ولا أبو بكر؛ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه، وهو أسود منهم. وروي من طرق عن ابن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن همام، سمعت ابن عباس يقول: ما رأيتُ رجلًا كان أخلقَ بالملك من معاوية. وقال حنبل بن إسحاق: حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا ابن أبي عتيبة، عن شيخ من أهل المدينة قال: قال معاوية: أنا أوَّل الملوك. وقال ابن أبي خيثمة: حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا ضَمْرة (٥)، عن ابن شَوْذب قال: كان معاوية يقول: أنا أولُ الملوك وآخرُ خليفة.

стр. 3957

قلت: والسنة أن يُقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له: خليفة، لحديث سَفِينة "الخِلافةُ بعدي ثلاثونَ سنَة، ثم تكون مُلْكًا عَضُوضًا" (١). وقال عبد الملك بن مروان يومًا وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثلَه في حِلْمه [واحتماله وكرمه] (٢). وقال قَبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سُؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية. وقال بعضهم: أسمع رجل معاوية كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: لو سطوتَ عليه؛ فقال: إني لأستحي من اللَّه أن يضيقَ حلمي عن ذنب أحد من رعيَّتي. وفي رواية: قال له رجل: يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟! فقال: إني لأستحيي أن يكون جرم أحدٍ أعظمَ من حلمي. وقال الأصمعي: عن الثوري قال: قال معاوية: إني لأستحي أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عفوي، أو جهلٌ أكبرَ من حلمي، أو تكون عورةٌ لا أُواريها بستري. وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل -يقال له: أبو الجَهْم- وبين معاوية كلام، فتكلَّم أبو الجَهْم بكلام فيه غمٌّ لمعاوية، فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجَهْم! إياك والسُّلطان، فإنه يغضبُ غضبَ الصِّبيان، ويأخذُ أخذَ الأسد، وإنَّ قليلَه يغلب أكثر الناس. ثم أمر معاوية لأبي الجَهْم بمال، فقال أبو الجَهْم في ذلك يمدح معاوية: نَمِيلُ على جوانِبهِ كأنَّا … إذا مِلْنا نَمِيلُ على أَبينا نُقَلِّبُهُ لِنَخْبُرَ حالتَيْهِ … فنَخْبُر منهُما كرَمًا ولِينا (٣) وقال الأعمش: طاف الحسن بن عليٍّ مع معاوية، فكان معاوية يمشي بين يديه، فقال الحسن:

стр. 3958

ما أشبهَ أَليتيه بأَليتي هند؟! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إنَّ ذلك كان يُعجب أبا سفيان. وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أُمَّ الحكم لمعاوية: إنَّ فلانًا يشتمني، فقال له: طأطِئ لها، فتمرَّ، فتجاوزك. وقال ابن الأعرابي: قال رجل لمعاوية: ما رأيتُ أندلَ منك، فقال معاوية: بلى، مَنْ واجه الرجال بمثل هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء: قال معاوية: ما يسرُّني بذل الكرم حمرُ النَّعم. [وقال: ما يسرُّني بذل الحلم عزُّ النصر] (١). وقال بعضهم: قال معاوية: يا بني أميَّة قاربوا (٢) قريشًا بالحِلْم، فواللَّه لقد كنتُ ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأُوسعه حِلْمًا [فارجع وهو لي صديق، إن استنجدتُه أنجدني، وأثور به فيثور معي. وما وضع الحِلم] (٣) عن شريف شرفَه، ولا زاده إلّا كرمًا. وقال: آفةُ الحِلْم الذلّ. وقال أيضًا: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حثى يغلبَ حِلمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ الرجل ذلك إلّا بقوة الحِلْم. وقال عبد اللَّه بن الزُّبَير: للَّه درُّ ابن هند! إنْ كنّا لنفرِّقه (٤) وما الليثُ على براثنه بأجرأَ منه، فيتفارق لنا، وإنْ كنا لنخدِّعه وما ابنُ ليلةٍ من أهل الأرض بأدهى منه، فيتخادع لنا. واللَّه لوددتُ أنّا مُتِّعنا به ما دام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبي قُبيس. وقال رجل لمعاوية: مَنْ أسودُ الناس؟ فقال: أسخاهم نفسًا حين يُسْأل، وأحسنُهم في المجالس خلُقًا، وأحلمُهم حين يُسْتجهل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنَّى: كان معاوية يتمثَّل بهذه الأبيات كثيرًا: فما قَتَلَ السَّفاهَةَ مثلُ حِلْم … يعودُ به على الجَهْل الحَليمُ فلا تَسْفَهْ وإنْ مُلِّئتَ غَيْظًا … على أحدٍ فإنَّ الفحشَ لُومُ ولا تَقْطَعْ أخًا لكَ عندَ ذنبٍ … فإنَّ الذنبَ يَغْفِرُهُ الكريمُ (٥)

стр. 3959

وقال القاضي الماوردي في "الأحكام السُّلطانية": وحُكي أن معاوية أُتي بلصوص، فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم فقال: يَميني أميرَ المؤمنينَ أُعيذُها … بعَفْوكَ أنْ تلقَى نَكالًا يُبِينُها يدي كانتِ الحسناءَ لو تمَّ سترُها … ولا تَعدَمُ الحسناءُ عَيْبًا يَشِينُها فلا خيرَ في الدُّنيا وكانتْ حبيبةً … إذا ما شِمالي فارَقَتْها يَمِينُها فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك. فقالت أمُّ السارق: يا أمير المؤمنين! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلَّى سبيلَه، فكان أول حدٍّ تُرك في الإسلام (١). وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بما غلبَ معاوية الناس: كانوا إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار. وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن تَسُوس الناس سياسةً واحدة باللِّين فيمرحوا، ولا بالشدَّة فتحمل الناس على المهالك. ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغِلْظة، وأنا للِّين والأُلفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه. وقال أبو مُسْهر: عن سعيد بن عبد العزيز قال: قضى معاويةُ عن عائشةَ أمِّ المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدِّين الذي كانت تعطيه الناس. وقال هشام بن عروة: عن أبيه قال: بعث معاوية إلى أمِّ المؤمنين عائشةَ بمئة ألف، ففرَّقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلّا أبقيتِ لنا درهمًا نشتري به [لحمًا تفطري عليه] (٢)؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت. وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة -وهي بمكة- بطوقٍ قيمتُه مئة ألف، فقبلته. وقال زيد بن الحُباب: عن الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بُرَيدة قال: قدم الحسن بن علي على معاوية، فقال له: لأجيزنَّك بجائزة لم يُجزها أحد كان قبلي. فأعطاه أربعمئة ألف ألف. ووفد إليه مرة الحسن والحسين، فأجازهما على الفور بمئتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعطِ أحدًا أفضل منّا. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا جرير، عن مغيرة قال: أرسل الحسنُ بن علي وعبدُ اللَّه بن جعفر إلى معاويةَ يسألانه المال، فبعث إليهما -أو إلى كلٍّ منهما- بمئة ألف، فبلغ ذلك عليًّا

стр. 3960

فقال لهما: ألا تستحيان؟! رجل نطعن في عينه غدوةً وعشيةً تسألانه المال؟ فقالا: بل حرمتنَا أنت وجاد هو لنا. وروى الأصمعي قال: وفد الحسن وعبد اللَّه بن الزُّبَير على معاوية، فقال للحسن: مرحبًا وأهلًا بابن رسول اللَّه، وأمر له بثلاثمئة ألف. وقال لابن الزُّبَير: مرحبًا وأهلًا بابن عمة رسول اللَّه، وأمر له بمئة ألف. [وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسين بن علي بمئة ألف] (١) فقسَّمها على جلسائه وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. وبعث إلى عبد اللَّه بن جعفر بمئة ألف، فاستوهبتها منه امرأته فاطمة، فأطلقها لها. وبعث إلى مروان بن الحكم بمئة ألف، فقسم منها خمسين ألفًا وحبس خمسين ألفًا. وبعث إلى ابن عمر بمئة ألف، ففرَّق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف، فقال معاوية: [إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. وبعث إلى عبد اللَّه بن الزُّبَير بمئة ألف، فقال للرسول: لم جئتَ بها بالنهار؟ هلا جئتَ بها بالليل؟! ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحدًا شيئًا، فقال معاوية] (٢): إنه لخَبٌّ ضَبّ (٣)، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله (٤). وقال ابن دأب: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ويقضي له معها مئة حاجة، فقدم عليه عامًا، فأعطاه المال وقضى له الحاجات وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أَصْبَهْبَذ (٥) سِجِسْتان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ووعد مَنْ قضى له هذه الحاجة من ماله بألف ألف، فطاف على رؤوس الأمراء من أهل الشام وأمراء العراق ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلُّهم يقولون: عليك بعبد اللَّه بن جعفر، فقصده الدّهقان، فكلَّم فيه ابنُ جعفر معاوية، فقضى حاجته تكملة المئة حاجة، وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان، فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجُد للَّه واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية، فقال: لأن يكونَ يزيد قالها أحبُّ إليَّ من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلّا كرمًا (٦). وقال غيره: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض
следующие страницы →