← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا يزيد بن طَهْمان (١) الرَّقاشي، حدَّثنا محمد بن سِيرين قال: كان معاوية [إذا حدَّث عن رسول اللَّه ﷺ لم يُتَّهم (٢). وروى أبو القاسم البغوي: عن سُويد بن سعيد، عن همام بن إسماعيل، عن أبي قَبيل قال: كان معاوية] (٣) يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم، فيدور على المجالس يسأل: هل وُلدَ لأحد مولود؟ أو قدم أحدٌ من الوفود؟ فإذا أُخبر بذلك أثبتَ في الديوان - يعني ليجري عليه الرزق. وقال غيره: كان معاوية متواضعًا، ليس له مَجالد إلّا كمجالد الصِّبيان التي يسمُّونها المَخَاريق، فيضرب بها الناس. وقال هشام بن عمّار: عن عمرو بن واقد، عن يونس بن مَيْسرة بن حَلْبَس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردَف وراءه وَصِيفٌ عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق. وقال الأعمش: عن مجاهد أنه قال: لو رأيتُم معاوية لقبتُم: هذا المَهْدي. وقال هشيم: عن العوّام، عن جبلة بن سُحيم، عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدًا أسودَ من معاوية، قال: قلت: ولا عمر؛ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسودَ منه (٤). ورواه أبو سفيان الحِيري، عن العوّام بن حَوْشب به، وقال: ما رأيت أحدًا بعد رسول اللَّه ﷺ أسودَ من معاوية، قيل: ولا أبو بكر؛ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه، وهو أسود منهم. وروي من طرق عن ابن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: عن مَعْمر، عن همام، سمعت ابن عباس يقول: ما رأيتُ رجلًا كان أخلقَ بالملك من معاوية. وقال حنبل بن إسحاق: حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا ابن أبي عتيبة، عن شيخ من أهل المدينة قال: قال معاوية: أنا أوَّل الملوك. وقال ابن أبي خيثمة: حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا ضَمْرة (٥)، عن ابن شَوْذب قال: كان معاوية يقول: أنا أولُ الملوك وآخرُ خليفة.

стр. 3957

قلت: والسنة أن يُقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له: خليفة، لحديث سَفِينة "الخِلافةُ بعدي ثلاثونَ سنَة، ثم تكون مُلْكًا عَضُوضًا" (١). وقال عبد الملك بن مروان يومًا وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثلَه في حِلْمه [واحتماله وكرمه] (٢). وقال قَبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سُؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية. وقال بعضهم: أسمع رجل معاوية كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: لو سطوتَ عليه؛ فقال: إني لأستحي من اللَّه أن يضيقَ حلمي عن ذنب أحد من رعيَّتي. وفي رواية: قال له رجل: يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟! فقال: إني لأستحيي أن يكون جرم أحدٍ أعظمَ من حلمي. وقال الأصمعي: عن الثوري قال: قال معاوية: إني لأستحي أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عفوي، أو جهلٌ أكبرَ من حلمي، أو تكون عورةٌ لا أُواريها بستري. وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل -يقال له: أبو الجَهْم- وبين معاوية كلام، فتكلَّم أبو الجَهْم بكلام فيه غمٌّ لمعاوية، فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجَهْم! إياك والسُّلطان، فإنه يغضبُ غضبَ الصِّبيان، ويأخذُ أخذَ الأسد، وإنَّ قليلَه يغلب أكثر الناس. ثم أمر معاوية لأبي الجَهْم بمال، فقال أبو الجَهْم في ذلك يمدح معاوية: نَمِيلُ على جوانِبهِ كأنَّا … إذا مِلْنا نَمِيلُ على أَبينا نُقَلِّبُهُ لِنَخْبُرَ حالتَيْهِ … فنَخْبُر منهُما كرَمًا ولِينا (٣) وقال الأعمش: طاف الحسن بن عليٍّ مع معاوية، فكان معاوية يمشي بين يديه، فقال الحسن:

стр. 3958

ما أشبهَ أَليتيه بأَليتي هند؟! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إنَّ ذلك كان يُعجب أبا سفيان. وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أُمَّ الحكم لمعاوية: إنَّ فلانًا يشتمني، فقال له: طأطِئ لها، فتمرَّ، فتجاوزك. وقال ابن الأعرابي: قال رجل لمعاوية: ما رأيتُ أندلَ منك، فقال معاوية: بلى، مَنْ واجه الرجال بمثل هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء: قال معاوية: ما يسرُّني بذل الكرم حمرُ النَّعم. [وقال: ما يسرُّني بذل الحلم عزُّ النصر] (١). وقال بعضهم: قال معاوية: يا بني أميَّة قاربوا (٢) قريشًا بالحِلْم، فواللَّه لقد كنتُ ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأُوسعه حِلْمًا [فارجع وهو لي صديق، إن استنجدتُه أنجدني، وأثور به فيثور معي. وما وضع الحِلم] (٣) عن شريف شرفَه، ولا زاده إلّا كرمًا. وقال: آفةُ الحِلْم الذلّ. وقال أيضًا: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حثى يغلبَ حِلمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ الرجل ذلك إلّا بقوة الحِلْم. وقال عبد اللَّه بن الزُّبَير: للَّه درُّ ابن هند! إنْ كنّا لنفرِّقه (٤) وما الليثُ على براثنه بأجرأَ منه، فيتفارق لنا، وإنْ كنا لنخدِّعه وما ابنُ ليلةٍ من أهل الأرض بأدهى منه، فيتخادع لنا. واللَّه لوددتُ أنّا مُتِّعنا به ما دام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبي قُبيس. وقال رجل لمعاوية: مَنْ أسودُ الناس؟ فقال: أسخاهم نفسًا حين يُسْأل، وأحسنُهم في المجالس خلُقًا، وأحلمُهم حين يُسْتجهل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنَّى: كان معاوية يتمثَّل بهذه الأبيات كثيرًا: فما قَتَلَ السَّفاهَةَ مثلُ حِلْم … يعودُ به على الجَهْل الحَليمُ فلا تَسْفَهْ وإنْ مُلِّئتَ غَيْظًا … على أحدٍ فإنَّ الفحشَ لُومُ ولا تَقْطَعْ أخًا لكَ عندَ ذنبٍ … فإنَّ الذنبَ يَغْفِرُهُ الكريمُ (٥)

стр. 3959

وقال القاضي الماوردي في "الأحكام السُّلطانية": وحُكي أن معاوية أُتي بلصوص، فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم فقال: يَميني أميرَ المؤمنينَ أُعيذُها … بعَفْوكَ أنْ تلقَى نَكالًا يُبِينُها يدي كانتِ الحسناءَ لو تمَّ سترُها … ولا تَعدَمُ الحسناءُ عَيْبًا يَشِينُها فلا خيرَ في الدُّنيا وكانتْ حبيبةً … إذا ما شِمالي فارَقَتْها يَمِينُها فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك. فقالت أمُّ السارق: يا أمير المؤمنين! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلَّى سبيلَه، فكان أول حدٍّ تُرك في الإسلام (١). وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بما غلبَ معاوية الناس: كانوا إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار. وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن تَسُوس الناس سياسةً واحدة باللِّين فيمرحوا، ولا بالشدَّة فتحمل الناس على المهالك. ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغِلْظة، وأنا للِّين والأُلفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه. وقال أبو مُسْهر: عن سعيد بن عبد العزيز قال: قضى معاويةُ عن عائشةَ أمِّ المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدِّين الذي كانت تعطيه الناس. وقال هشام بن عروة: عن أبيه قال: بعث معاوية إلى أمِّ المؤمنين عائشةَ بمئة ألف، ففرَّقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلّا أبقيتِ لنا درهمًا نشتري به [لحمًا تفطري عليه] (٢)؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت. وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة -وهي بمكة- بطوقٍ قيمتُه مئة ألف، فقبلته. وقال زيد بن الحُباب: عن الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بُرَيدة قال: قدم الحسن بن علي على معاوية، فقال له: لأجيزنَّك بجائزة لم يُجزها أحد كان قبلي. فأعطاه أربعمئة ألف ألف. ووفد إليه مرة الحسن والحسين، فأجازهما على الفور بمئتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعطِ أحدًا أفضل منّا. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا جرير، عن مغيرة قال: أرسل الحسنُ بن علي وعبدُ اللَّه بن جعفر إلى معاويةَ يسألانه المال، فبعث إليهما -أو إلى كلٍّ منهما- بمئة ألف، فبلغ ذلك عليًّا

стр. 3960

فقال لهما: ألا تستحيان؟! رجل نطعن في عينه غدوةً وعشيةً تسألانه المال؟ فقالا: بل حرمتنَا أنت وجاد هو لنا. وروى الأصمعي قال: وفد الحسن وعبد اللَّه بن الزُّبَير على معاوية، فقال للحسن: مرحبًا وأهلًا بابن رسول اللَّه، وأمر له بثلاثمئة ألف. وقال لابن الزُّبَير: مرحبًا وأهلًا بابن عمة رسول اللَّه، وأمر له بمئة ألف. [وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسين بن علي بمئة ألف] (١) فقسَّمها على جلسائه وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. وبعث إلى عبد اللَّه بن جعفر بمئة ألف، فاستوهبتها منه امرأته فاطمة، فأطلقها لها. وبعث إلى مروان بن الحكم بمئة ألف، فقسم منها خمسين ألفًا وحبس خمسين ألفًا. وبعث إلى ابن عمر بمئة ألف، ففرَّق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف، فقال معاوية: [إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. وبعث إلى عبد اللَّه بن الزُّبَير بمئة ألف، فقال للرسول: لم جئتَ بها بالنهار؟ هلا جئتَ بها بالليل؟! ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحدًا شيئًا، فقال معاوية] (٢): إنه لخَبٌّ ضَبّ (٣)، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله (٤). وقال ابن دأب: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ويقضي له معها مئة حاجة، فقدم عليه عامًا، فأعطاه المال وقضى له الحاجات وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أَصْبَهْبَذ (٥) سِجِسْتان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ووعد مَنْ قضى له هذه الحاجة من ماله بألف ألف، فطاف على رؤوس الأمراء من أهل الشام وأمراء العراق ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلُّهم يقولون: عليك بعبد اللَّه بن جعفر، فقصده الدّهقان، فكلَّم فيه ابنُ جعفر معاوية، فقضى حاجته تكملة المئة حاجة، وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان، فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجُد للَّه واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية، فقال: لأن يكونَ يزيد قالها أحبُّ إليَّ من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلّا كرمًا (٦). وقال غيره: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض

стр. 3961

الأوقات دين خمسمئة ألف، فألحَّ عليه غرماؤه، فاستنظرهم حتى يقدم على معاويةَ فيسأله أن يُسْلفه شيئًا من العطاء، فركب إليه، فقال له: ما أقدمك يا بن جعفر؟ قال: دين ألحَّ عليَّ غرماؤه، فقال: وكم هو؟ قال: خمسمئة ألف، فقضاها عنه وقال له: إن الألف ألف ستأتيك في وقتها. وقال ابن سعد (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبو هلال، عن قَتادة قال: قال معاوية: يا عجبًا للحسن بن علي! شرب شربةَ عسل يمانيّة بماء رُومه (٢)، فقضى نحبَه. ثم قال لا بن عباس: لا يسوءُك اللَّه ولا يُحزنك من الحسن بن علي. فقال ابن عباس لمعاوية: لا يُحزنني اللَّه ولا يسوءُني ما أبقى اللَّه أمير المؤمنين. قال: فأعطاه ألف ألف درهم وعروضًا وأشياء وقال: خذها فاقسمها في أهلك. وقال أبو الحسن المدائني: عن سلمة بن مُحارب قال: قيل لمعاوية: أيُّكم كان أشرف: أنتم أو بنو هاشم؟ قال: كنّا أكثر أشرافًا وكانوا هم أشرف، فيهم واحد لم يكن في بني عبد مناف مثل هاشم، فلمَّا هلك كنّا أكثر عددًا وأكثر أشرافًا، وكان فيهم عبد المطلب لم يكن فينا مثله، فلما مات صرنا أكثر عددًا وأكثر أشرافًا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إِلَّا كقَرار العين حين قالوا: منّا نبيّ، فجاء نبيٌّ لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد ﷺ ، فمن يدركُ هذه الفضيلة وهذا الشرف؟ وروى ابن أبي خَيْثمة، عن موسى بن إسماعيل، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس: أن عمرو بن العاص قصَّ على معاوية منامًا رأى فيها أبا بكر وعمر وعثمان وهم يحاسَبون على ما ولوه في أيامهم، ورأى معاوية وهو مُوكل به رجلان يحاسِبانه على ما عمل في أيامه. فقال له معاوية: وما رأيتَ ثَمَّ دنانير مصر (٣)؟ وقال ابن دريد: عن أبي حاتم، عن العُتْبي قال: دخل عمرو على معاويةَ وقد ورد عليه كتاب فيه تعزيةٌ له في بعض الصحابة، فاسترجع معاوية، فقال عمرو بن العاص: يموتُ الصّالحونَ وأنتَ حيٌّ … تَخطّاكَ المنايا لا تموتُ فقال له معاوية: أَترجو أنْ أموتَ وأنتَ حيٌّ … فلستُ بميِّتٍ حتى تموت (٤)

стр. 3962

وقال ابن السمَّاك: قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أُرضيَه إلّا حاسد نعمةٍ فإنَّه لا يُرضيه إلّا زوالُها. وقال الزُّهري: عن عبد الملك، عن أبي بحريّة قال: قال معاوية: المروءة في أربع: العَفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وحفظ الجار. وقال أبو بكر الهُذَلي: كان معاوية يقول الشعر، فلما ولي الخلافةَ قال له أهلُه: قد بلغتَ الغاية فماذا تصنع بالشعر؟ فارتاح يومًا فقال: صرمتُ سَفاهتي وأَرحتُ حِلْمي … وفيَّ على تحمُّليَ اعتِراضُ على أَني أُجيبُ إذا دَعَتْني … إلى حاجاتِها الحَدَقُ المِراضُ (١) وقال مغيرة: عن الشعبي: أول من خطب جالسًا معاوية حين كثر شحمُه وعظُم بطنُه. وكذا روي عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال: أول من خطب جالسًا يوم الجمعة معاوية. وقال أبو المليح: عن ميمون: أول من جلس على المنبر معاوية، واستأذن النَّاسَ في الجلوس. وقال قَتادة: عن سعيد بن المسيب: أول من أذَّن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية. وقال أبو جعفر الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاقَ لها، وأول من اتَّخذ لها الأبواب معاوية. وقال أبو اليمان: عن شعيب، عن الزُّهري: مضت السنَّة ألا يرثَ الكافرُ المسلم، ولا المسلمُ الكافر، وأول من ورَّث المسلمَ من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أميَّة بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز، فراجع السنَّة، وأعاد هشام ما قضى به معاويةُ وبنو أميَّة من بعده. وبه قال الزُّهري (٢). ومضت السنَّة أنَّ دِيَة المعاهَد كدِيَة المسلم، وكان معاوية أول من قَصَرها إلى النصف وأخذ النصف لنفسه. وقال ابن وهب: عن مالك، عن الزُّهري قال: سألت سعيد بن المسيِّب عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال لي: اسمع يا زهري! من مات محبًّا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنة، وترحَّم على معاوية كان حقًّا على اللَّه ألا يُناقشَه الحساب. وقال سعيد بن يعقوب الطَّالْقاني: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: ترابٌ في أنف معاويةَ أفضل من عمر بن عبد العزيز.

стр. 3963

وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ما أقول في رجل قال رسول اللَّه ﷺ : سمع اللَّهُ لمن حَمِدَه، فقال خلفَه: ربَّنا ولكَ الحمد. فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لترابٌ في مَنْخِري معاويةَ مع رسول اللَّه ﷺ خيرٌ وأفضل من عمر بن عبد العزيز (١). وقال غيره: عن ابن المبارك قال: معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شَزْرًا اتَّهمناه على القوم (٢) - يعني الصحابة. وقال محمد بن عبد اللَّه بن عمّار المَوْصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران: أيُّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلًا من الصحابة مثل رجل من التابعينِ؟! معاوية صاحبُه وصهرُه وكاتبُه وأمينُه على وحي اللَّه، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "دَعُوا لي أَصْحابي وأصْهاري" (٣) فمن سبَّهم فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين. وكذا قال الفضل بن عَنْبَسة (٤). وقال أبو تَوْبة الربيع بن نافع الحلبي (٥): معاوية سِتْر لأصحاب محمد ﷺ ، فإذا كشف الرجلُ السِّتر اجترأ على ما وراءه. وقال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن! إذا رأيتَ رجلًا يذكر أحدًا من الصحابة بسوء فاتهِمْه على الإسلام. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد اللَّه يُسأل عن رجل تنقَّص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له: رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلّا وله خبيئةُ سوء. ما انتقص أحد أحدًا من الصحابة إلّا وله داخلةُ سوء. وقال ابن المبارك: عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسرة قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانًا قطُّ إلَّا إنسانًا شتم معاوية، فإنه ضربه أسواطًا.

стр. 3964

وقال بعض السلف (١): بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفًا يقول: من أبغض الصدِّيق فذاك زِنْديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنَّم زُمَرا، ومن أبغض عثمان فذاك خصمُه الرحمن، ومن أبغض عليًا فذاك خصمُه النبي، ومن أبغض معاوية سحَبَته الزبانية إلى جهنَّم الحامية، يُرمى به في الهاوية. وقال بعضهم (٢): رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل، فقال عمر: يا رسول اللَّه! هذا ينتقصُنا، فكأنه انتهَره رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إني لا أنتقصُ هؤلاء ولكن هذا -يعني معاوية- فقال: "ويلك! أوليس هو من أصحابي"؟ قالها ثلاثًا، ثم أخذ رسول اللَّه ﷺ حَرْبة، فناولها معاوية فقال: "جَأْ بها في لَبَّتِه (٣) " فضربه بها. وانتبهتُ فبكَّرت إلى منزلي، فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذَّبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. وروى ابن عساكر عن الفُضيل بن عِيَاض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، ولكن ابتُلي بحبِّ الدنيا. وقال العُتْبي: قيل لمعاوية: أسرع إليك الشيب! فقال: كيف لا، ولا أزال أرى رجلًا من العرب قائمًا على رأسي يُلْقح لي كلامًا يلزمني جوابه، فإن أصبتُ لم أُحمَد، وإن أخطأتُ سارت بها البُرُد. وقال الشعبي وغيره: أصابت معاوية في آخر عمره لَقْوَة. وروى ابن عساكر في ترجمة حُدَيج (٤) الخَصِي مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلتُها عليه مجرَّدة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها -يعني فرجها- ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادعُ لي ربيعة بن عمرو الجُرَشي -وكان فقيهًا- فلمَّا دخل عليه قال: إن هذه أُتيت بها مجرَّدة فرأيتُ منها ذاك وذاك، وإني أردتُ أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنها لا تصلح له، فقال: نِعْم ما رأيت. قال: ثم وهبها لعبد اللَّه بن مَسْعدة الفَزَاري مولى فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ وكان أسود، فقال له: بيِّض بها ولدَك. وهذا من فقه معاوية وتحرِّيه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنَّه استضعف نفسه عنها، فتحرَّج أن يَهَبَها من ولده يزيد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقد وافقه على ذلك الفقيهُ ربيعة بن عمرو الجُرَشي الدمشقي.

стр. 3965

[وذكر (١) ابن جرير: أن عمرو بن العاص قدمَ في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق: إذا دخلتُم على معاويةَ فلا تسلِّموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلمّا دخل عليه عمرو قبلَهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، وأوعزَ إليه أن يخوِّفهم في الدخول ويُرْعبهم، وقال: إني لأظن عمرًا قد تقدم إليهم في شيء. فلمَّا أدخلوهم عليه -وقد أهانوهم- جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلمَّا نهض عمرو من عنده قال: قبَّحكم اللَّه! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلَّمتم عليه بالنبوَّة (٢)! وذكر: أن رجلًا سأل من معاوية أن يساعدَه في بناء داره باثني عشر ألف جِذْع من الخشب، فقال له معاوية: أين دارك؟ قال: بالبصرة، قال: وكم اتِّساعُها؟ قال: فرسخان في فرسخَين، قال: لا تقل: داري بالبصرة، ولكن قل: البصرة في داري (٣). وذكر: أن رجلًا دخل بابنٍ معه، فجلسا على سِمَاط معاوية، فجعل ولده يأكل أكلًا ذريعًا، فجعل معاوية يلاحظه، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلمَّا خرجا لامَهُ أبوه وقطعه عن الدخول، فقال له معاوية: أين ابنُك التِّلْقامة (٤)؟ قال: اشتكى. قال: قد علمتُ أن أكلَه سيورِّثه داءً. قال: ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عَباءة، فجعل يَزْدريه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك لا تخاطب العَباءة، إنَّما يخاطبك مَنْ بها (٥). وقال معاوية: أفضل الناس مَنْ إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قَدَر غفر، وإذا وعد أَنجز، وإذا أساء استغفر (٦). وكتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁: إذا الرِّجالُ ولَدَتْ أولادُها … واضطربَتْ من كِبَرٍ أعضادُها وجعَلتْ أسقامُها تَعْتادُها … فهيَ زُرُوعٌ قد دَنَا حصادُها

стр. 3966

فقال معاوية: نعى إليَّ نفسي (١)] (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني هارون بن سفيان، عن عبد اللَّه السَّهمي، حدّثني ثمامة بن كُلْثوم: أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيُّها الناس! إنَّ من زرع قد استَحْصَد، وإني قد وليتكم ولن يَليَكم أحد بعدي خير مني، وإنما يليكم من هو شرٌّ مني، كما كان مَنْ وليكم قبلي خيرًا مني. ويا يزيد! إذا دنا أجلي فولِّ غَسْلي رجلًا لبيبًا، فإن اللبيب من اللَّه بمكان، فليُنْعم الغسل، وليَجْهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوبٌ من ثياب رسول اللَّه ﷺ وقُرَاضة من شعره وأظفاره، فاستودعِ القُراضة أنفي وفمي وأذنيّ وعينيّ، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون أكفاني. ويا يزيد! احفظْ وصيَّة اللَّه في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جَريدتي، ووضعتموني في حُفْرتي، فخلُّوا معاوية وأرحم الراحمين (٣). وقال بعضهم: لما احتُضِرَ معاوية جعل يقول: لَعمري لقد عمِّرتُ في الدَّهر بُرْهةً … ودانَتْ ليَ الدُّنيا بوقع البَوَاتر وأُعطيتُ حمرَ المال والحُكمَ والنُّهى … ولي سَلَّمتْ كلُّ الملوكِ الجبابر فأضحى الذي قَدْ كانَ ممَّا يَسُرُّني … كحكم مَضَى في المُزْمناتِ الغوابر فيالَيتني لم أُعْنَ في الملكِ ساعةً … ولم أَسْعَ في لذَّاتِ عيشٍ نواضر وكنتُ كذي طِمْرَين عاشَ ببُلْغةٍ … من العيشِ حتّى زارَ ضِيقَ المَقابر (٤) وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد، عن محمد بن الحكم، عمَّن حدثه: أن معاوية لما احتُضِر أوصى بنصف ماله أن يُرَدَّ إلى بيت المال -كأنه أراد أن يطيب له- لأن عمر بن الخطاب قاسم عمّاله. وذكروا أنه في آخر عمره اشتدَّ به البرد، فكان إذا لبس أو تغطَّى بشيء ثقيل يغمُّه، فاتخذ له ثوبًا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبًّا لكِ من دار! ملكتُك أربعين سنة: عشرين أميرًا وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيكِ ومصيري منكِ! تبًّا للدنيا ولمحبِّيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة، عن أبي يعقوب الثَّقَفي، عن عبد الملك بن عُمير قال: لما

стр. 3967

ثقل معاوية، وتحدَّث الناس بموته، قال لأهله: احشُوا عينيَّ إِثْمِدًا، وأوسِعوا رأسي دهنًا. ففعلوا وغرَّقوا وجهه بالدهن، ثم مُهِّد له، فجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلِّموا عليَّ قيامًا ولا يجلس أحد. فجعل الرجل يدخل فيسلِّم قائمًا، فيراه مكتحلًا متدهنا فيقول: يقول الناس: إن أمير المؤمنين لمآبه، وهو أصح الناس. فلما خرجوا من عنده قال معاوية: وتجلُّدي للشَّامتينَ أُريهِمُ … أَنِّي لرَيْبِ الدَّهر لا أَتَضَعْضَعُ وإذا المنيَّةُ أنشَبَتْ أظفارَها … ألفَيْتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ قال: وكان به النقابة -يعني لوقة- فمات من يومه ذلك، ﵀ (١). وقال محمد (٢) بن عقبة: لمَّا نزل بمعاويةَ الموتُ قال: يا ليتني كنتُ رجلًا من قريش بذي طَوَى (٣)، ولم أَلِ من هذا الأمر شيئًا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرتْ معاويةَ الوفاةُ تمثَّل بقول الشاعر: إنْ تُناقشْ يكنْ نقاشُكَ يا ربّ … عذابًا لا طَوْقَ لي بالعَذابِ أو تُجاوزْ تجاوز العَفْو فاصفَحْ … عن مُسِيءٍ ذنوبُهُ كالتُّراب (٤) وقال بعضهم: لما احتُضر معاوية جعل أهلُه يقلِّبونه، فقال لهم: أي شيخٍ تقلِّبون إنْ نجَّاه اللَّه من عذاب النار غدًا! وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية -لما احتُضر- يضع خدًّا على الأرض ثم يقلِّب وجهه، ويضع الخدَّ الآخر ويبكي ويقول: اللهمَّ إنك قد قلت في كتابك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، اللَّهمَّ فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العُتبي عن أبيه: تمثَّل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السِّياق (٥): هو الموتُ لا مَنْجَى منَ الموتِ والذي … نُحاذرُ بعدَ الموتِ أَدهى وأَفظعُ

стр. 3968

ثم قال: اللهم أَقلِ العَثْرة، واعفُ عن الزَّلَّة، وتجاوز بحلمك عن جهل مَنْ لم يرجُ غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهربٌ إِلَّا إليك (١). ورواه ابن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله وزاد: ثم مات. وقال غيره: أُغمي عليه، ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا اللَّه فإنَّ اللَّه تعالى يَقي من اتقاه، ولا يَقي من لا يتَّقي. ثم مات، ﵀. وقد روى أبو مِخْنف، عن عبد الملك بن نوفل قال: لما مات معاوية صَعِدَ الضحاك بن قيس المنبر، فخطب الناس -وأكفانُ معاوية على يديه- فقال بعد حمد اللَّه والثناء عليه: إن معاوية الذي كان سور العرب وعونَهم وحدَّهم، قطع اللَّه به الفتنة، وملَّكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، وهذه أكفانه، فنحن مُدْرجوه فيها، ومُدْخلوه قبره، ومُخَلُّون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضُر عند الأولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يُعْلمه ويستحثُّه على المجيء. ولا خلافَ أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين، فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل: ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين، قاله ابن إسحاق وغير واحد. وقيل: لأربع خلتْ من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم: لمستهلِّ رجب. قال محمد بن إسحاق والشافعي: صلَّى عليه ابنه يزيد. وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفَّن في ثوب رسول اللَّه ﷺ الذي كساه إياه وكان مدَّخرًا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبًا فصلَّى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن، فقيل: بدار الإمارة وهي الخضراء، وقيل: بمقابر باب الصغير وعليه الجمهور، واللَّه أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيًا وسبعين سنة، وقيل: جاوز الثمانين. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج لتلقي يزيد بن معاوية -وكان يزيد بحُوَّارين (٢) - فلما وصلوا إلى ثنيَّة العُقاب (٣) تلقَّتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بُخْتي وعليه الحزن ظاهر، فسلَّم عليه

стр. 3969

الناس بالإمارة وعزَّوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلَّم معه إِلَّا الضحاك بن قيس. فانتهى إلى باب تُوما (١)، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السُّور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير، فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلمّا وصل إلى باب الصغير ترجَّل عند القبر ثم دخل فصلَّى على أبيه بعد ما دُفن، ثم انفتل، فلمّا خرج من المقبرة أُتي بمراكب الخلافة فركب. ثم دخل البلد، وأمر فنُودي في الناس: أنَّ الصلاة جامعة. ودخل الخضراء فاغتسل، ولبس ثيابًا حسنة، ثم خرج فخطب الناس [أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين] (٢) فقال بعد حمد اللَّه والثناء عليه: أيُّها الناس! إنَّ معاوية كان عبدًا من عبيد اللَّه، أنعم اللَّه عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممِّن بعده، ودون من قبلَه، ولا أزكِّيه على اللَّه فإنه أعلم به، إنْ عفا عنه فبرحمته، وإنْ عاقبه فبذنبه، وقد وليتُ الأمر من بعده، ولست آسي على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد اللَّه شيئًا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإنَّ معاوية كان يُغزيكم في البر والبحر، وإني لست حاملًا أحدًا من المسلمين في البحر. وإنَّ معاوية كان يُشتيكم بأرض الروم، ولست مُشتيًا أحدًا بأرض الروم. وإن معاوية كان يُخرج لكم العطاء أثلاثًا، وأنا أجمعه لكم كلَّه. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضِّلون عليه أحدًا. وقال محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: بعث معاوية -وهو مريض- إلى ابنه يزيد، فلمّا جاءه البريد ركب وهو يقول: جاءَ البريدُ بقرطاسٍ يخُبُّ به … فأوجسَ القلبُ من قرطاسِهِ فَزَعا قلنا: لكَ الويلُ ماذا في صَحيفتِكم؟ … قال: الخليفةُ أمسى مُثْقَلًا وَجِعا فمادتِ الأرضُ أو كادتْ تَميدُ بنا … كانَ أغبرَ من أركانها انْقَلعا ثم انبَعَثْنا إلى خُوصٍ مضمَّرةٍ … نرمي الفِجاجَ بها ما نَأْتلي سَرَعا فما نُبالي إذا بلَّغن أرحُلَنا … ما ماتَ منهنَّ بالمرمات أو ظَلَعا [لما انْتَهَيْنا وبابُ الدارِ مُنصفقٌ … بصوتِ رَمْلَةَ رِيعَ القلبُ فانصَدَعا مَنْ لا تزلْ نفسُهُ تُوفّي على شَرفٍ … توشِكْ مقاليدُ تلكَ النفسِ أن تَقَعا] (٣) أودَى ابنُ هندٍ وأودَى المجدُ يَتْبَعُهُ … كانا جميعًا خليطًا سالمَيْن مَعَا أغرُّ أبلجُ يُسْتَسْقى الغمامُ بهِ … لو قارَعَ النَّاسَ عن أحلامِهِم قَرَعا

стр. 3970

لا يرقعُ الناسُ ما أوهى وإنْ جَهَدوا … أن يَرْقعوهُ ولا يُوهُونَ ما رَقَعَا (١) وقال الشافعي: سرق يزيد هذين البيتين (٢) من الأعشى. ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق، وأنه أوصى إليه. وهذا ما قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلّا بعد موت أبيه، وأنه صلَّى على قبره بالناس كما قدمناه، واللَّه أعلم. وقال أبو الورد العَنْبري يرثي معاوية ﵁: ألَا أَنْعى معاويةَ بنَ حَرْبٍ … نعاةَ الحلِّ للشَّهرِ الحَرَام نعاهُ النَّاعياتُ بكلِّ فجٍّ … خواضع في الأَزمَّةِ كالسِّهام فهاتيكَ النُّجومُ وهنَّ خُرْسٌ … يَنُحْنَ على معاويةَ الشَّآم (٣) وقال أيمن بن خُرَيم (٤) يرثيه أيضًا: رمَى الحَدَثانُ نِسوةَ آلِ حربٍ … بمقدارٍ سَمَدْنَ لهُ سُمُودا (٥) فردَّ شُعورَهُنَّ السُّودَ بيضًا … وردَّ وجوهَهُنَّ البيضَ سُودا فإنَّكَ لو شَهِدتَ بكاءَ هندٍ … ورَمْلَةَ إذ يُصَفِّقْنَ الخُدودا بكيتَ بكاءَ مُعْوِلَةٍ قَريحٍ … أصابَ الدَّهرُ واحدَها الفَريدا ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له كان له عبد الرحمن -وبه كان يُكنى- وعبد اللَّه، وكان ضعيف العقل. وأمُّهما فاختة بنت قَرَظَة بن [عبد] (٦)

стр. 3971

عَمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوَّج بأختها منفردة عنها بعدها [وهي كَنُود بنت قرَظَة] (١) وهي التي كانت معه حين افتتح قُبرص. وتزوَّج نائلة بنت عُمارة الكلبيَّة، فأعجبته، وقال لميسون بنت بَحْدَل: ادخلي فانظري إلى ابنة عمِّك، فدخلت، فسألها عنها، فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكنْ رأيت تحت سُرَّتها خالًا، وإِنِّي لأرى هذه يُقتل زوجها ويوضع رأسُه في حِجْرها. فطلَّقها معاوية، فتزوَّجها بعده حبيب بن مَسْلَمة (٢) الفِهْري، ثم خلف عليها بعده النعمانُ بن بشير، فقُتل ووضع رأسُه في حِجْرها. ومن أشهر أولاده يزيد، وأُمُّه مَيْسون بنت بَحْدَل بن أُنيف بن دُلجة بن قُنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرتْ معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالًا ورياسة وعقلًا ودينًا. دخل عليها معاوية يومًا ومعه خادم خَصي، فاستترتْ منه وقالت: من هذا الرجل معك؟ فقال: إنه خَصِي فاظهري عليه، فقالت: ما كانت المُثْلة لتُحِلَّ له ما حرَّم اللَّه عليه، وحجبته عنها. وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مُثْلتك له لن تُحِلَّ ما حرَّمه اللَّه عليه (٣). فلهذا أولى اللَّه ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير: أن ميسونَ هذه ولدتْ لمعاوية بنتًا أخرى يقال لها: أمة ربِّ المشارق، ماتت صغيرة (٤). ورَمْلة تزوَّجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تُجاه زقاق الرمّان. قاله ابن عساكر. قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن (٥). وهند بنت معاوية تزوَّجها عبد اللَّه بن عامر، فلما أُدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنَّعت عليه وأبت أشد الإباء، فضربها، فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلَت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهنَّ ما الخبر؟ فقلن: سمعنا صوت سيِّدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكي من ضربه، فقال لا بن عامر: ويحك! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة؟ ثم قال له: اخرج من هاهنا، فخرج ابن عامر، وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنيَّة! إنه زوجك الذي أحلَّه اللَّه لك، أو ما سمعتِ قول الشاعر: من الخَفِراتِ البِيض أمَّا حرامُها … فصعبٌ، وأما حلُّها فَذَلول؟

стр. 3972

ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهَّدتُ لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر، فوجدها قد طابت أخلاقها، فقضى حاجته منها (١). رحمهم اللَّه تعالى. فصل وكان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلمّا حضره الموت أشار على معاوية بتولية فَضَالة بن عُبيد، ثم مات فَضَالة فولَّى أبا إدريس الخَوْلاني. وكان على حَرَسه رجل من الموالي يقال له: المختار، وقيل: مالك، ويُكنى أبا المُخَارق -مولى لحِميَر- وكان معاوية أول من اتّخذ الحرس. وعلى حجابته سعدٌ مولاه. وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زُميل بن عمرو العُذْري، ثم الضحاك بن قيس الفِهْري. وكان صاحب أمره سَرْجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتَّخذ ديوان الخاتم وختم الكتب. فصل وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ستين: صَفوان بنُ المُعَطَّل (٢): ابن رَحْضة (٣) بن المؤمَّل بن خُزاعِي، أبو عمرو. أول مشاهده المُرَيْسِع (٤)، وكان في السَّاقة (٥) يومئذ.

стр. 3973

وهو الذي رماه أهل الإفك بأمِّ المؤمنين، فبرَّأه اللَّه وإياها مما قالوا. وكان من سادات المسلمين. وكان ينام نومًا شديدًا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إذا اسْتيقظتَ فصَلِّ" (١). وقد قُتل صفوان شهيدًا. وأبو مسلم الخَوْلاني (٢): عبد اللَّه بن ثُوَب الخَوْلاني، من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العَنْسي (٣) إلى أن يشهد أنه رسول اللَّه، فقال له: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فقال: لا أسمع، أشهد أنَّ محمدًا رسول اللَّه. فأجَّج له نارًا وألقاه فيها، فلم تضرَّه، وأَنجاه اللَّه منها، فكان يشبَّه بإبراهيم الخليل. ثم هاجر فوجد رسول اللَّه ﷺ قد مات، فقدم على الصدِّيق، فأجلسه بينه وبين عمر، وقال له عمر: الحمد للَّه الذي لم يُمتني حتى أراني في أُمَّة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم الخليل، وقبَّله بين عينيه (٤). وكانت له أحوال ومكاشفات. ويقال: إنه توفي فيها النعمان بن بشير. والأظهر أنه مات بعد ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع

стр. 3974

ابن أربع وثلاثين سنة. فأقرَّ نوابَ أبيه على الأقاليم، ولم يعزل أحدًا منهم. وهذا من ذكائه (١). قال هشام بن محمد الكلبي (٢): عن أبي مِخْنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري: ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأميرُ المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأميرُ الكوفة النعمان بن بشير، وأميرُ البصرة عبيد (٣) اللَّه بن زياد، وأميرُ مكة عمرو بن سعيد بن العاص. ولم يكن ليزيد همَّة حين ولي إلَّا بيعة النفر الذين أَبَوْا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من يزيدَ أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإنَّ معاوية كان عبدًا من عباد اللَّه، أكرمه اللَّه واسثخلفه، وخوَّله ومكَّن له، فعاش بقدر، ومات بأجل، فرحمه اللَّه، فقد عاش محمودًا، ومات بَرًّا تقيًّا، والسلام". وكتب إليه بصحيفة كأنها أُذن الفأرة: "أمَّا بعد، فخذ حسينًا، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزُّبَير بالبَيْعة أخذًا شديدًا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام". فلما أتاه نَعْيُ معاوية فَظُعَ (٤) به وكبُرَ عليه، فبعث إلى مروان، فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوَهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة، فإن أبَوْا ضربتَ أعناقهم. فأرسل من فوره عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزُّبَير -وهما في المسجد- فقال لهما: أَجيبا الأمير، فقالا: انصرف، الآن نأتيه، فلمّا انصرف عنهما قال الحسين لابن الزُّبَير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، فقال ابن الزُّبَير: وأنا ما أظن غيره. قال: ثم نهض حسين، فأخذ معه مواليَه وجاء باب الأمير، فاستأذن، فأذن له، فدخل وحده وأجلس مواليَه على الباب وقال: إنْ سمعتم أمرًا يريبكم فادخلوا. فسلَّم وجلس ومروانُ عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب، ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال: رحم اللَّه معاوية، وعظم لك الأجر. فدعاه الأمير إلى البَيْعة، فقال له الحسين: إن مثلي لا يُبايع سرًّا، وما أراك تجتزئ مني بهذا، ولكنْ إذا اجتمع الناس دعوتَنا معهم فكان أمرًا واحدًا. فقال له الوليد - وكان يحب العافية: فانصرف على اسم اللَّه حتى تأتيَنا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: واللَّه لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرنَّ القتل بينكم وبينه، فاحبِسْه ولا تُخرجه حتى يبايع وإِلَّا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال: يا بن الزرقاء أنت تقتلني؟! كذبتَ واللَّه وأثمت. ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: واللَّه ما تراه بعدها أبدًا، فقال الوليد: واللَّه -يا مروان- ما أُحبُّ أنَّ لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين، سبحان اللَّه! أقتل

стр. 3975

حسينًا أن قال: لا أبايع؟ واللَّه إني لأظن أن مَن يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة (١). وبعث الوليد إلى عبد اللَّه بن الزُّبَير، فامتنع عليه وماطله يومًا وليلة، ثم إن ابن الزُّبَير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفرًا وسارا إلى مكة على طريق الفُرْع (٢)، وبعث الوليد خلف ابن الزُّبَير الرجال والفرسان فلم يقدروا على ردِّه. وقد قال جعفر لأخيه عبد اللَّه -وهما سائران- متمثلًا بقول صَبرة الحنظلي: وكلُّ بني أُمٍّ سَيُمْسونَ ليلةً … ولم يَبْقَ مِنْ أعقابهم غيرُ واحِدِ فقال: سبحان اللَّه! ما أردتَ إلى هذا؟ فقال: واللَّه ما أردتُ به شيئًا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إليّ. قالوا: وتطيَّر به (٣). وأما الحسين بن علي فإنَّ الوليد تشاغل عنه بابن الزُّبَير (٤)، وجعل كلَّما بعث إليه يقول: حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه، وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة، بعد خروج ابن الزُّبَير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفيَّة، فإنه قال له: يا أخي! واللَّه لأنت أعزُّ أهل الأرض عليّ، وإني ناصح لك: لا تدخلن مصرًا من هذه الأمصار، ولكن اسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس، فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل فيهم (٥)، وإن أبيتَ إِلَّا سُكنى الأمصار فاذهب إلى مكة، فإن رأيت ما تحب وإِلَّا ترفعتَ إلى الجبال والرمال. فقال له: جزاك اللَّه خيرًا، فقد نصحتَ وأشفقت. وسار الحسين إلى مكة، فاجتمع هو وابن الزُّبَير بها. وبعث الوليد إلى عبد اللَّه بن عمر فقال: بايعْ ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن يختلف الناس ويقتتلوا حتى يتفانَوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟ فقال ابن عمر: لا أحبُّ شيئًا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت. قال: فتركوه وكانوا يتخوَّفونه (٦). وقال الواقدي (٧): لم يكن ابن عمر في المدينة حين قدم نَعْيُ معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة، فلقيهما -وهما مقبلان منها- الحسين وابن الزُّبَير، فقالا: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد، فقال لهما ابن عمر: اتَّقيا اللَّه، ولا تفرِّقا بين جماعة المسلمين. وقدم ابن عمر وابن

стр. 3976

عباس إلى المدينة، فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر (١) مع الناس، وأما الحسين وابن الزُّبَير فإنهما قدما مكة، فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص، فخافاه وقالا: إنا جئنا عُوّاذًا بهذا البيت (٢). وفي هذه السنة -في رمضان منها- عزل يزيدُ بنُ معاوية الوليدَ بنَ عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة، فقدم المدينة في رمضان، وقيل: في ذي القعدة، وكان متواها (٣) متكبِّرًا. وسلَّط عمرو بن الزُّبَير -وكان عدوًا لأخيه عبد اللَّه- على حربه، وجرَّده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزُّبَير. وقد ثبت في "الصحيحين" أن أبا شُريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي -أيُّها الأمير- أُحدِّثْك قولًا (٤) قام به رسول اللَّه ﷺ الغَدَ من يوم الفتح، سمعَتْهُ أذناي، ووعاه قلبي [وأَبْصرتْهُ عيناي] (٥) حين تكلَّم به. أنه حَمِدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "إنَّ مكَّةَ حرَّمها اللَّهُ ولم يحرِّمْها الناس، وإنه لم يحلّ القتالُ فيها لأحدٍ كان قَبْلي، ولن تحل لأحدٍ بَعْدي، ولم تحل لي إلَّا ساعةً من نهار، ثم قد عادَتْ حرمتُها اليومَ كحرمتها بالأَمس، فليبلغ الشاهدُ الغائب". وفي رواية: "فإنْ أحدٌ ترخَّص بقتال رسول اللَّه ﷺ فيها فقولوا: إنَّ اللَّه أَذِنَ لرسوله ولم يأذَنْ لكم". فقيل لأبي شُريح: ما قال لك؟ فقال: قال لي: نحن أعلم بذلك منك. يا أبا شُريح! إنَّ الحرمَ لا يُعِيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًا بخَرْبة (٦). وقال الواقدي: ولَّى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرَو بن الزُّبَير، فتتبَّع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضربًا شديدًا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزُّبَير (٧) [وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد اللَّه بن حَكيم بن حِزام، وخُبيب بن

стр. 3977

عبد اللَّه بن الزُّبَير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جَلْدة، وفرَّ منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمر (١) بن سهل. . في أناس من مكة] ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلُّب ابن الزُّبَير، وأنه لا يقبل منه -وإن بايع- حتى يُؤتى به إليَّ في جامعة من ذهب أو فضة تحت بُرْنُسه، فلا تُرى إِلَّا أنه يسمع صوتها. وكان ابن الزُّبَير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها، فحينئذ صمَّم عمرو على تجهيز سريَّة إلى مكة بسبب ابن الزُّبَير، فاستشار عمرُو بنُ سعيد عمرَو بنَ الزُّبَير: من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله؟ فقال له عمرو بن الزُّبَير: إنك لا تبعث إليه مَنْ هو أنكى له منِّي، فعيَّنه على تلك السريَّة، وجعل على مقدمته أُنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمئة مقاتل. -وقال الواقدي: إنما عيَّنهما يزيد بن معاوية نفسُه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد- فعسكر أُنيس بالجُرْف. وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزوَ مكة، وأن يتركَ ابن الزُّبَير بها فإنه عما قليل إن لم يُقتل يمت. فقال أخوه عمرو بن الزُّبَير: واللَّه لنغزونَّه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رَغِم. فقال مروان: واللَّه إن ذلك ليَسُوءني (٢). فسار أُنيس، واتبعه عمرو بن الزُّبَير في بقية الجيش -وكانوا ألفين- حتى نزل بالأَبطَح، وقيل: بداره عند الصفا، ونزل أُنيس بذي طوَى. فكان عمرو بن الزُّبَير يصلِّي بالناس، ويصلي وراءه أخوه عبد اللَّه بن الزُّبَير، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له: برَّ يمينَ الخليفة، وأْتِهِ وفي عنقك جامعةٌ من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضًا، واتَقِ اللَّه فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد اللَّه يقول لأخيه: موعدك المسجد. وبعث عبدُ اللَّه بن الزُّبَير عبدَ اللَّه بن صفوان بن أمية في سريَّة، فاقتتلوا مع أُنيس بن عمرو (٣) الأسلمي، فهزموا أُنيسًا هزيمة قبيحة، وتفرَّق عن عمرو بن الزُّبَير أصحابه، ودخل (٤) عمرو إلى دار ابن علقمة، فأجاره أخوه عبيدة بن الزُّبَير، فلأمه أخوه عبد اللَّه بن الزُّبَير وقال: تجير مِن حقوق الناس (٥)؟! ثم ضربه بكل من ضرب بالمدينة إلَّا المنذر بن الزُّبَير وابنه فإنهما أبيا أن يَسْتقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمِّي سجن عارم. وقد قيل: إن عمرو بن الزُّبَير مات تحت السِّياط، واللَّه أعلم.

стр. 3978

قصة الحسين بن علي (١) وسبب خروجه [بأهله] (٢) من مكَّة [إلى العراق] (٣) في طلب الإمارة وكيفيَّة مقتله ولنبدأ قبل ذلك بشيء من ترجمته، ثم نُتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله: هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم، أبو عبد اللَّه، القرشيُّ الهاشمي، السِّبط الشهيد بكربلاء، ابن بنت رسول اللَّه ﷺ فاطمة الزهراء ﵂ وريحانتُه من الدنيا. ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن (كما قدمنا) (٣) في سنة ثلاث من الهجرة. وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع. وقال قَتَادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ، وقُتل يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، ﵁. وروي عن النَّبِيّ ﷺ أنه حنَّكَه وتَفَل في فِيه، ودعا له، وسمّاه حسينًا، وقد كان سمَّاه أبوه قبل ذلك حَرْبًا وقيل: جعفرًا، وقيل: إنما سمّاه يوم سابعه، وعَقَّ عنه. وقال جماعة: عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁ قال: الحسنُ أشبهُ برسول اللَّه ﷺ ما بين الصَّدر إلى الرأس، والحسينُ أشبهُ به ما بين أسفل من ذلك (٤). وقال الزُّبَير بن بكّار: حدّثني محمد بن الضحاك الحِزَامي قال: كان وجهُ الحسن يشبهُ وجهَ رسول اللَّه ﷺ ، وكان جسدُ الحسين يشبهُ جسدَ رسول اللَّه ﷺ (٥).

стр. 3979

وروى محمد بن سِيرين وأختُه حفصة عن أنس قال: كنت عند ابن زياد، فجيء برأس الحسين، فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيتُ مثلَ هذا حُسْنًا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول اللَّه ﷺ (١). وقال سفيان: قلت لعبيد اللَّه بن أبي يزيد (٢): رأيتَ الحسين؟ قال: نعم، أسود الرأس واللحية إلَّا شعرات هاهنا في مقدَّم لحيته، فلا أدري أَخَضَب وترك ذلك المكان تشبُّهًا برسول اللَّه ﷺ أو لم يكن شابَ منه غير ذلك. وقال ابن جُريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيتُ الحسين بن علي يصبُغُ بالوَسْمة (٣)، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسُه ولحيتُه شديدَي السَّواد. فأما الحديث الذي رُوي من طريقين ضعيفين، أنَّ فاطمة سألت رسول اللَّه ﷺ في مرض الموت أن ينحل ولَدَيها شيئًا فقال: "أمّا الحسنُ فلَه هَيْبَتي وسُؤْددي، وأمَّا الحسينُ فلَهُ جُرْأتي وجُودي" فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة. وقد أدرك الحسين من حياة النَّبِيّ ﷺ خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث. وقال مسلم بن الحجّاج (٤): له رؤية من النبي ﷺ . وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي: تابعي ثقة. وهذا غريب، فلأن يقول في الحسين: إنه تابعي، بطريق الأَولى. وسنذكر ما كان رسول اللَّه ﷺ يكرمهما به، وما كان يُظهر من محبَّتهما والحنوِّ عليهما [في فضائل الحسين إذا فرغنا من ذكر مقتله] (٥)، والمقصودُ: أن الحسين عاصر رسول اللَّه ﷺ وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرًا. ثم كان الصدِّيق يكرمه ويعظِّمه، وكذلك عمر وعثمان. وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلِّها، في الجمل وصفِّين، وكان معظَّمًا موقَّرًا، ولم يزل في طاعة

стр. 3980

أبيه حتى قُتل. فلمّا آلت الخلافة إلى أخيه الحسن وأراد أن يصالح معاوية شقَّ ذلك عليه ولم يسدِّد رأي أخيه في ذلك، بل حثَّه على قتال أهل الشام، فقال له أخوه: واللَّه لقد هممتُ أن أسجنَكَ في بيت وأُطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلمّا رأى الحسين ذلك سكت وسلم. فلمَّا استقرَّت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردَّد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكرامًا زائدًا ويقول لهما: مرحبًا وأهلًا، ويعطيهما عطاءً جزيلًا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مئتي ألف وقال: خذاها وأنا ابن هند، واللَّه لا يُعطيكُماها أحد قبلي ولا بعدي. فقال الحسين: واللَّه لن تُعطيَ أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلًا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه. وقد كان في الجيش الذين غزوا القُسْطنطينيّة مع يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين، ولما أُخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممِّن امتنع من مبايعته هو وابن الزُّبَير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمِّم على ذلك، فلمّا مات معاوية سنة ستين، ودُعي الناس إلى البيعة (١) ليزيد بايع ابن عمر وابن عباس، وصمَّم على المخالفة الحسينُ وابنُ الزُّبَير، وخرجا من المدينة فارَّين إلى مكة، فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يغدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه ويسمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد. وأما ابن الزُّبَير فإنه لزم مصلّاه عند الكعبة، وجعل يتردَّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرَّك بشيء ممَّا في نفسه مع وجود الحسين لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعيَّنت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره اللَّه بهم كما تقدم ذلك آنفًا، فانقشعت السرايا عن مكة مغلولين، وانتصر عبد اللَّه بن الزُّبَير على من أراد هلاكه من اليزيديِّين، وضرب أخاه عَمْرًا وسجنه واقتصَّ منه وأهانه. وعظُم شأن ابن الزُّبَير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتَهَر أمرُه، وبعُد صِيتُه، ومع هذا كلِّه ليس هو عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلُهم إلى الحسين لأنه السيد الكبير، وابن بنت رسول اللَّه ﷺ فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه. وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم -وذلك حين بلغهم موت معاوية، وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فرارًا من بيعة يزيد- فكان أول من قدم عليه عبد اللَّه بن سبع الهَمْداني، وعبد اللَّه بن وال، ومعهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية، فقَدِما على الحسين لعشر مضَيْن من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدهما نفرًا منهم قيس بن مُسْهر الصّدائي، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الكوا الأَرْحبي، وعمارة بن عبد اللَّه السَّلولي، ومعهم نحو من مئة وخمسين كتابًا إلى الحسين، ثم بعثوا

стр. 3981

هانئ بن هانئ السَّبيعي، وسعيد بن عبد اللَّه الحنفي، ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السَّيْر إليهم. وكتب إليه شَبَث بن رِبْعي، وحَجّار بن أَبْجَر، ويزيد بن الحارث بن رُوَيم، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر بن يحيى التميمي: "أما بعد، فقد اخضرَّت الجِنان، وأَينعت الثِّمار، ولطمت الجِمام، فإذا شئت فاقدَم على جندٍ لك مجنَّدة، والسلام عليك". فاجتمعت الرسل كلُّها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضًا عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم قد فرحوا بموت معاوية، وينالون منه، ويتكلَّمون في دولته، وأنهم لمّا يبايعوا أحدًا إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم. فعند ذلك. بعث ابنَ عمِّه مسلم بن عَقيل بن أبي طالب إلى العراق ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق، فإن كان متحتمًا وأمرًا حازمًا محكمًا بعث إليه ليركب في أهله وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتابًا إلى أهل العراق بذلك. فلمّا سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلَين، فسارا به على براري مهجورة المسألك، فكان أحد الدليلَين منهما أول هالك، وذلك من شدَّة العطش، وقد أضلُّوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له: المَضيق من بطن خُبيت، فتطيَّر به مسلم بن عَقيل، فتلبَّث مسلم على ماء هنالك، ومات الدليل الآخر، فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه الحسين يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم، ويستخبر خبرهم. فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عَوْسجة الأسدي - وقيل: نزل في دار المختار بن أبي عُبيد الثقفي، فاللَّه أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه، فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنَّه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفًا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفًا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهَّز الحسين من مكة قاصدًا الكوفة كما سنذكره. وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير، خبَّره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحًا ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسُّنة وقال: إني لا أقاتل من لا يقاتلُني، ولا أثب على مَنْ لا يثب علي، ولا آخذكم بالظِّنَّة، ولكن -واللَّه الذي لا إله إِلَّا هو- لئن فارقتُم إمامكم ونكثتُم بيعته لأقاتلنَّكم ما دام في يدي من سيفي قائمتُه (١). فقام إليه رجل يقال له عبد اللَّه بن مسلم بن شعبة الحَضْرمي فقال له: إنَّ هذا الأمر لا يصلُح إلّا بالغَشْم (٢)، وإن الذي سلكتَه -

стр. 3982

أيها الأمير- مسلك المستضعَفين. فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعَفين في طاعة اللَّه أحبُّ إليَّ من أن أكون من الأقوياء الأَعزِّين في معصية اللَّه. ثم نزل. فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يُعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة بن عقبة، وعمر بن سعد بن أبي وقاص. فبعث يزيد فعزل النعمالق عن الكوفة وضمَّها إلى عبيد اللَّه بن زياد مع البصرة، وذلك بإشارة سَرْجون مولى معاوية [وكان يزيد يستشيرُه، فقال سَرْجون: أكنت قابلًا من معاوية ما أشار به لو كان حيًّا؟ قال: نعم، قال: فاقبل منىِ فإنه ليس للكوفة إلّا عبيد اللَّه بن زياد فولِّه إياها. وكان يزيد يبغض عبيد اللَّه بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولّاه البصرة والكوفة معًا لما يريده اللَّه به وبغيره] (١). ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمتَ الكوفة فاطلُب مسلم بن عَقيل، فإنْ قدرتَ عليه فاقتلْه أو انفِه. وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى الكوفة، فلمّا دخلها دخلها متلثِّمًا بعِمامة سوداء، فجعل لا يمرُّ بملأ من الناس إلَّا قال: سلام عليكم. فيقولون: وعليك السلام، مرحبًا بابن رسول اللَّه - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه. وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكبًا، فقال لهم مسلم بن عمرو الذي من جهة يزيد: تأخروا، هذا الأمير عبيد اللَّه بن زياد. فلمّا علموا ذلك عَلَيْهم كآبة وحزن شديد، فتحقَّق عبيد اللَّه الخبر، ونزل قصر الإمارة من الكوفة، فلما استقرَّ أمره أرسل مولى أبي رهم -وقيل: كان مولى له يقال له مَعْقل- ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى، فلم يزل يتلطَّف ويستدلُّ على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عَقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحوَّل إليها من الدار الأولى، فبايع، وأدخلوه على مسلم بن عَقيل، فلزمهم أيامًا حتى اطَّلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبي ثُمامة العائذي (٢) بأمر مسلم بن عَقيل -وكان هو الذي يقبض ما يُؤتى به من الأموال ويشتري السلاح، وكان من فرسان العرب- فرجع ذلك المولى، وأعلم عبيد اللَّه بالدار وصاحبها. وقد تحوَّل مسلم بن عَقيل إلى دار هانئ بن عروة المُرادي، ثم إلى دار شَريك بن الأعور - وكان من الأمراء الأكابر، وبلغه أن عبيد اللَّه يريد عيادته، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عَقيل حتى يكون في داري ليقتل عبيد اللَّه [إذا جاء يعودني، فبعثه إليه، فقال له شَريك: كن أنت في الخباء، فإذ جلس عبيد اللَّه] (٣) فإني أطلب الماء -وهي إشارتي إليك- فاخرج فاقتُله. فلمَّا جاء عبيد اللَّه جلس على فراش شَريك وعنده هانئ بن عروة، وقام بين يديه غلام له يقال له مِهْران، فتحدَّث عنده ساعة ثم قال شَريك:

стр. 3983

اسقُوني. فتجبَّن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماءٍ، فوجدت مسلمًا في الخباء، فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثًا. ثم قال: اسقُوني ولو كان فيه ذهاب نفسي. ففهم مِهْران الغدر، فغمز مولاه، فنهض سريعًا وخرج. فقال شريك: أيها الأمير! إني أريد أن أُوصي إليك، فقال: سأعود. فخرج به مولاه، فأركبه وطرد به -أي ساق به- وجعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك، فقال: ويحك إني بهم لرفيق فما بالهم؟! وقال شَريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فتقتله؟ قال: حديث بلغني عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "الإِيمانُ قَيَّد (١) الفَتْك، لا يَفْتِكُ مُؤْمِن" (٢) وكرهتُ أن أقتلَه في بيتك، فقال: أما لو قتلتَه فجلست في القصر لم يستعد منه أحد، ولتكفينَّ أمر القصر (٣) -أو قال: لأكفينَّك أمر القصر- ولو قتلتَه لقتلتَ ظالمًا فاجرًا. ومات شَريك بعد ثلاث. ولمَّا انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثِّم ظنَّه النعمانُ بن بشير الحسينَ قد قدم، فأغلق باب القصر وقال: ما أنا بمسلم إليك أمانتي، فقال له عبيد اللَّه: افتح لا فتحتَه، ففتح وهو يظنُّه الحسين، فلمّا تحقَّق أنه عبيد اللَّه أُسقط في يده. فدخل عبيد اللَّه إلى قصر الإمارة، وأمر مناديًا فنادى في الناس: إن الصلاة جامعة. فاجتمع الناس، فخرج إليهم، فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد ولّاني أمركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدَّة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمرَه ومنفِّذ عهدَه. ثم نزل. وأمر العرفاء أن يكتبوا مَن عندهم من الزّورية (٤) وأهل الرّيب والخِلاف والشِّقاق، وأيما عريف لم يُطلعنا على ذلك صُلب أو نُفي وأُسقطت عرافته من الديوان. وكان هانئ أحد الأمراء الكبار، ولم يسلِّم على عبيد اللَّه منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد اللَّه وقال: ما بال هانئ لم يأتني مع الأمراء؟ فقالوا: أيها الأمير! إنه يشتكي، فقال: إنه بلغني أنه يجلس على باب داره. وزعم بعضهم أنه عاده قبل شَريك بن الأعور ومسلم بن عَقيل عنده، وقد همُّوا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره، فجاء الأمراء إلى هانئ بن عروة، فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد اللَّه بن زياد، فالتفت إلى القاضي شُريح فقال متمثِّلًا بقول الشاعر:

стр. 3984

أُريدُ حياتَهُ ويُريدُ قَتْلي … عَذيرَك مِنْ خَليلكَ مِنْ مُراد (١) فلما سلَّم هانئ على عبيد اللَّه قال: يا هانئ! أين مسلم بن عَقيل؟ قال: لا أدري، فقام ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم، فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم. فلما رآه هانئ قُطع وأسقط في يده، فقال: أصلح اللَّه الأمير، واللَّه ما دعوتُه إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه عليِّ. فقال عبيد اللَّه: فائتني به، فقال: واللَّه لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. فقال: أَدنُوه منِّي، فاَدنوْه، فضربه بحربة على وجهه فشجَّه على حاجبه وكسر أنفه. وتناول هانئ سيف شرطي ليسلَّه، فدُفع عن ذلك، وقال عبيد اللَّه: قد أحلَّ اللَّه لي دمك لأنك حَرُوري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار، وجاء قومه من بني مَذْحج مع عمرو بن الحجاج، فوقفوا على باب القصر يظنُّون أنه قد قُتل، فسمع عبيد اللَّه جلَبة، فقال لشُريح القاضي وهو عنده: اخرُج إليهم فقل لهم: إن الأمير لم يحبسه إلّا ليسأله عن مسلم بن عَقيل. فقال لهم: إنَّ صاحبكم حيّ، وقد ضربه سلطاننا ضربًا لم يبلغ نفسه، فانصرِفوا ولا تُحلُّوا بانفسكم ولا بصاحبكم. فتفرَّقوا إلى منازلهم. وسمع مسلم بن عَقيل الخبر، فركب ونادى بشعاره: "يا منصور أمت" فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبي عُبيد ومعه راية خضراء، وعبد اللَّه بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتَّبهم مَيْمنة ومَيْسرة، وسار هو في القلب إلى عبيد اللَّه وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذِّرهم من الاختلاف، وأشرافُ الناس وأمراؤهم تحت منبره، فبينما هو كذلك إذ جاءت النَّظَّارة يقولون: جاء مسلم بن عَقيل، فبادر عبيد اللَّه فدخل القصر ومَنْ معه، وأغلقوا عليهم البالب، فلمّا انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد اللَّه في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهدَّدوهم وتوعَّدوهم. وأخرج عبيد اللَّه بعض الأمراء، وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذِّلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول له: ارجع إلى البيت، الناس يكفونك. ويقول الرجل لابنه وأخيه: كأنك غدًا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم؟. فتخاذل الناس وقصروا وتصرَّموا وانصرفوا عن مسلم بن عَقيل حتى لم يبق إلّا في خمسمئة نفس، ثم تقالُّوا حتى بقي في ثلاثمئة، ثم تقالُّوا حتى بقي معه ثلاثون رجلًا، فصلَّى بهم المغرب وقصد أبواب كِنْدة، فخرج منها في عشرة، ثم انصرفوا عنه، فبقي وحده ليس معه من يدلُّه على الطريق، ولا من يواسيه بنفسه، ولا من يؤويه إلى منزله، فذهب على وجهه، واختلط الظلام وهو وحده يتردَّد في الطريق لا يدري أين يذهب، فأتى بابًا، فنزل عنده وطرقه، فخرجت منه امرأة يقال لها طَوْعة، كانت أمَّ ولد للأشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له: بلال بن أَسِيد، خرج مع الناس وأمُّه قائمة

стр. 3985

بالباب تنتظره، فقال لها مسلم بن عَقيل: اسقيني ماءً، فسقَته، ثم دخلت وخرجت فوجدته، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك عافاك اللَّه، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أُجمله لك. فقام فقال: يا أمة اللَّه! ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم؟ فقالت: يا عبد اللَّه وما هو؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، كَذَبني هؤلاء القوم وغرُّوني. فقالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل. فأدخلته بيتًا من دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العَشاء فلم يتعشَّ، فلم يكن بأسرعَ من أن جاء ابنها، فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها، فقالت: يا بنيَّ الْهُ عن هذا، فألحَّ عليها، فأخذت عليه أن لا يحدِّث أحدًا، فأخبرَتْه خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتًا لا يتكلَّم. وأما عبيد اللَّه بن زياد، فإنه نزل من القصر بمن معه من الأمراء والأشراف بعد عِشَاء الآخرة، فصلَّى بهم العِشاء في المسجد الجامع، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عَقيل وحثَّ على طلبه، ومَنْ وُجد عنده ولم يعلم به فدمُه هَدَر، ومَنْ جاء به فله دِيَتُه، وطلب الشُّرَط وحثَّهم على ذلك وتهدَّدهم. فلمّا أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فاعلمه بأنَّ مسلم بن عَقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسارَّ أباه بذلك وهو عند ابن زياد، فقال ابن زياد: ما الذي سارَّك به؟ فأخبره الخبر، فنَخَس (١) بقضيب في جَنْبه وقال: قم فائتني به الساعة. وبعث ابن زياد عمرو (٢) بن حُريث المخزومي -وكان صاحب شُرطته- ومعه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارسًا، فلم يشعر مسلم إلّا وقد أُحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه، فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأُصيبت شفته العليا والسُّفلى، ثم جعلوا يرمونه بالحجارة، ويُلهبون النار في أطناب القصب ويلقونها عليها، فضاف بهم ذرعًا، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكنه من يده، وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها، وسلبوا عنه سيفه، فلم يبق يملك من نفسه شيئًا، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول، فيئس من نفسه وقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. فقال بعض مَنْ حوله: إنَّ من يطلب مثل الذي تطلُب لا يبكي إذا نزل به هذا. فقال: أما واللَّهِ لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمسِ من مكّة. ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال: إن استطعتَ أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدِّق الرسولَ في ذلك، وقال: كل ما حمَّ (٣) الإله واقع.

стр. 3986

قالوا: ولمّا انتهى مسلم بن عَقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعةٌ من الأمراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يُؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضَّب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مُثْخَن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قُلَّة (١) من ماءٍ بارد هنالك، فأراد أن يتناولها ليشرب منها، فقال له رجل من أولئك: واللَّه لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم، فقال له: ويلك يا بن باهلة (٢)، أنت أَولى بالحميم والخلود في نار الجحيم مني. ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكَلال والعطش، فبعث عُمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيط مولى له إلى داره، فجاء بقُلَّة عليها منديل ومعه قَدَح، فجعل يُفرغ له في القَدَح ويعطيه، فيشرب فلا يستطيع أن يستسيغَه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثًا، فلمّا شرب سَقطت ثناياه مع الماء فقال: الحمدُ للَّه لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماءٍ. ثم أُدخل على ابن زياد، فلمّا وقف بين يديه لم يسلم عليه، فقال له الحرس: ألا تسلم على الأمير؟ فقال: لا، إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلي فسأسلِّم عليه كثيرًا. فأقبل ابن زياد عليه فقال: إيه يا بن عَقيل، أتيتَ الناس وأمرُهم جميعٌ وكلمتُهم واحدة لتشتِّثَهم وتفرِّقَ كلمتهم وتحملَ بعضهم على قتل بعض؟! قال: كلّا لست لذلك أتيت، ولكنَّ أهل المصر زعموا أنَّ أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب. قال: وما أنت وذاك يا فاسق؟! لِمَ لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟ فقال: أنا أشرب الخمر؟! واللَّهِ إنَّ اللَّه ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحقُّ بذلك مني [فإني لست كما ذكرتَ، وإنَّ أَولى بها مني من يَلَغُ في دماء المسلمين وَلغًا، ويقتل النفس التي حرَّم اللَّه بغير نفس، ويقتل على الغضب والظنّ، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئًا. فقال له ابن زياد: يا فاسق إنَّ نفسك تمنِّيك ما حال اللَّه دونك ودونه، ولم يُرك أهلَه. قال: فمن أهلُه يا بن زياد؟ قال: أميرُ المؤمنين يزيد. قال: الحمد للَّه على كل حال، رَضِينا باللَّه حكمًا بيننا وبينكم. قال: كأنك تظن أنَّ لكم في الأمر شيئًا؟ قال: لا واللَّه ما هو بالظن ولكنَّه اليقين. قال له: قتلني اللَّهُ إنْ لم أقتلْكَ قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس. قال: أما إنك أحقُّ مَنْ أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القِتْلة وقُبح المُثْلة وخُبْث السيرة المكتسبة عن كباركم (٣) وجُهّالكم] (٤). وأقبل ابن زياد يشتِمُه ويشتِمُ حسينًا وعليًّا ومسلمٌ ساكت لا يكلِّمه -رواه ابن جرير عن

стр. 3987

أبي مِخْنف وغيره من رواة الشيعة- ثم قال له ابن زياد: إني قاتلُك. قال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أُوصي إلى بعض قومي، قال: أَوصِ، فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال: يا عمر! إنَّ بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سرٌّ فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أَذن له ابن زياد. فقام فتنحَّى قريبًا من ابن زياد، فقال له مسلم: إنَّ علي دينًا في الكوفة سبعمئة درهم فاقضِها عني، واستوهبْ جثَّتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين فإني كنت فد كتبت له أن الناس معه، ولا أراه إلّا مقبلًا. فقام عمر، فعرض على ابن زياد ما قال له، فأجاز ذلك له كلّه وقال: أما الحسين فإنه إن لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكفّ عنه. ثم أمر ابنُ زياد بمسلم بن عَقيل، فأُصعد إلى أعلى القصر وهو يكبِّر ويهلِّل ويسبِّح ويسغفر ويصلِّي على ملائكة اللَّه ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غزُّونا وخذلونا. ثم ضرب عنقه رجل يقال له بُكير بن حُمْران، ثم ألقى رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده. ثم أمر بهانئ بن عروة المَذْحجي، فضربت عنقه بسوق الغنم، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكُنَاسة، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة: فإنْ كنتِ لا تَدْرينَ ما الموتُ فانظُري … إلى هانئٍ في السُّوق وابنِ عَقيل أصابَهُما أمرُ الإمام فأصبَحا … أحاديثَ مَنْ يغشى بكلِّ سَبيل [إلى بطلٍ فد هَشَّم السيفُ وجهَهُ … وآخر يَهْوي من (١) طَمَارَ قَتيل تَرَيْ جسَدًا قد غيَّر الموتُ لونَه … ونَضْحَ دمٍ قَدْ سال كلَّ مسيل فإنْ أنتمُ لم تَثْأروا بأخيكمُ … فكُونوا بَغِيًّا أُرْضِيتْ بقليل (٢) ثم إن ابن زياد قَتل معهما أناسًا آخرين] (٣) ثم بعث برؤوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب إليه كتابًا صورة ما وقع من أمرهما. وقد كان عبيد اللَّه قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلَها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذَّرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرُّق. كما رواه هشام بن الكلبي وأبو مِخْنف، عن الصَّقْعب بن زهير،

стр. 3988

عن أبي عثمان النَّهدي قال: بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان كتابًا إلى أشراف أهل البصرة، فيه: أما بعد، فإنَّ اللَّه اصطفى محمدًا على خلقه، وأكرمه بنبوَّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلَّغ ما أُرسل به، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وأحقَّ الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقُّ بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحرَّوا الحق، فرحمهم اللَّه وغفر لنا ولهم. وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب اللَّه وسنَّة نبيِّه، فإن السنَّة قد أُميتت، وإنَّ البدعة فد أُحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدِكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة اللَّه. وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرَّز بكلام مَزيد من بعض رواة الشيعة. قال: فكل من قرأ ذلك من الأشراف كتمه إلّا المنذر بن الجارود، فإنه ظنَّ أنه دسيسة من ابن زياد، فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين، فضرب عنقه، وصعد عبيد اللَّه بن زياد المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فواللَّه ما بي تُقرن الصَّعبة، وما يُقعقع لي بالشِّنان (١)، وإني لنَكَال لمن عاداني، وسِهَام لمن حاربني، أنصف القارة مَنْ رماها. يا أهل البصرة إنَّ أمير المؤمنين ولَّاني الكوفة وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، فإياكم والخلافَ والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنَّه وعريفَه ووليَّه، ولآخذنَّ الأدنى بالأقصى حتى يستقيم لي الأمر ولا يكون فيكم مخالفٌ ولا مشاقق. أنا ابن زياد، أشبهته من بين مَنْ وطئ الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا عم (٢). ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، فكان من أمره ما تقدم. قال أبو مخنف: عن الصَّقْعب بن زهير، عن عون بن [أبي] (٣) جُحَيفة قال: كان مخرج مسلم بن عَقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجَّة، وقيل (٤) يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة، وذلك يوم عرفة سنة ستين، وكان ذلك مخرج الحسيق من مكَّة قاصدًا أرض العراق بيوم واحد. وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكَّة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكَّة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان. فأقام بمكَّة بقيَّة شعبان ورمضان وشوال وذا القعدة، وخرج من مكَّة لثمان مضين من ذي الحجَّة يوم الثلاثاء يوم التَّرويَة.

стр. 3989

وفي رواية ذكرها ابن جرير (١): أن مسلم بن عَقيل لمَّا بكى قال له [عمرو بن] (٢) عبيد اللَّه بن عباس السُّلمي: إنَّ من يطلب مثلَ ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثلُ الذي نزل بك. قال: إني واللَّهِ ما لنفسي أبكي، ومالها من القتل أَرثي، وإن كنتُ لم أحبَّ لها طرفة عين تلَفًا، ولكنني أبكي لأهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي للحسين وآل الحسين. ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد اللَّه! إني واللَّه أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث رجلًا على لساني يبلِّغ حسينًا عني رسالة، فإني لا أراه إلَّا قد خرج إليكم اليوم أو غدًا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جَزَعي لذلك، فتقول له: إنَّ ابن عَقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسيرٌ لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يُقتل، وهو يقول لك: ارجع باهلك ولا يغرنَّك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنَى فراقهم بالموت أو القتل. إنَّ أهل الكوفة قد كذَبُوك وكذَبُوني، وليس لكاذب رأي. فقال ابن الأشعث: واللَّه لأفعلنَّ ولأُعلمنَّ ابن زياد أني قد أمَّنتُك. قال أبو مخنف: فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس الطائي من بني مالك [بن عمرو] (٣) بن ثمامة -وكان شاعرًا- فقال له: اذهب فالْقَ حسينًا فأبلغه هذا الكتاب -وكتب فيه الذي أمره به ابن عَقيل- ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام باهله وداره. فخرج حتى لقي الحسين بزُبالةَ لأربع ليال من الكوفة، فأخبره الخبر، وأبلغه الرسالة. فقال الحسين: كلُّ ما حُمَّ نازل، عند اللَّه نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا. ولما انتهى مسلم إلى باب القصر، وأراد شرب الماء، قال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردَها! واللَّه لا تذوقها أبدًا حتى تذوق الحميم في نار الجحيم. فقال له ابن عَقيل: ويحك من أنت؟ قال: أنا من عرف الحقَّ إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششتَه، وسمع وأطاع إذ عصَيْت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لأُمِّك الويل! ما أجفاك وأفظَّك، وأقساك وأغلظَك يا بن باهلة!! أنت واللَّه أَوْلى بالحميم ونار الجحيم. صفة مخرج الحسين إلى العراق "لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق، وتكرَّرت الرسل بينهم وبينه [وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله] (٤) ثم وقع في غضون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عَقيل، والحسينُ

стр. 3990

لا يعلم بشيء من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتَّفق خروجه من مكة يوم التَّرويَة قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فإن مسلمًا قُتل يوم عرفة. ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذَّروه منه [وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم] (١). قال سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن طاوُوس، عن ابن عباس قال: استشارني الحسين بن علي في الخروج، فقلت: لولا أن يُزري بي وبك الناس لنشَبْت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب. فكان الذي ردَّ عليَّ أن قال: لأن أُقتل في مكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بمكة. قال: فكان هذا الذي سلَّى نفسي عنه. وروى أبو مِخْنف، عن الحارث بن كعب الوالبي، عن عُقبة بن سِمْعان: أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال: يا بن عمّ! إنه قد أَرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيَّن لنا ما أنت صانع؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يوميَّ هذين إن شاء اللَّه تعالى، فقال له ابن عباس: أخبرني، إن كانوا قد دعوك بعدما قتلوا أميرهم، ونفَوْا عدوهم، وضبطوا بلادهم فسِرْ إليهم، وإن كان أميرهم حيًّا، وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعمّالُه تَجْبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمَنُ عليك أن يستنفروا إليك الناس ويقلِّبوا قلوبهم عليك، فيكون الذين دعوك أشدَّ الناس عليك. فقال الحسين: إني أَستخير اللَّه وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس من عنده، ودخل ابن الزُّبَير فقال له: ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم! أخبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: واللَّه لقد حدَّثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير اللَّه. فقال ابن الزُّبَير: أما لو كان [لي] (٢) بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ عنها. فلمّا خرج من عنده قال الحسين: قد علم ابن الزُّبَير أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يَعْدِلوه بي، فودَّ أني خرجتُ منها لتخلوَ له. فلمَّا كان من العشيِّ أو من الغد جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له: يابن عمّ! إني أتصبَّر ولا أصبر، إني أتخوَّف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غُدر فلا تغترنَّ بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم اقدَم عليهم، وإلَّا فسِرْ إلى اليمن فإنَّ به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم، وبُثَّ دعاتك فيهم، فإني أرجو -إذا فعلت ذلك- أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا بن عمّ! واللَّه إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولا بد سائرًا فلا تَسِرْ بأولادك ونسائك، فواللَّه إني لخائف أن تُقتل كما قُتل

стр. 3991

عثمان ونساؤه وولدُه ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررتَ عين ابن الزُّبَير بتخليتك إياه بالحجاز، فواللَّه الذي لا إله إلّا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناسُ أطعتني وأقمتَ لفعلتُ ذلك. قال: ثم خرج من عنده، فلقي ابن الزُّبَير فقال: قرَّت عينك يا بن الزُّبَير؟! ثم قال: يالكِ مِنْ قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ … خَلا لكِ الجوُّ فبِيضي واصْفِري ونَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّرِي … صيَّادُكِ اليومَ قتيلٌ فابشِري ثم قال ابن عباس: هذا الحُسين (١) يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز (٢). وقال غير واحد (٣): عن شَبَابة بن سَوَّار قال: حدَّثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال: سمعت الشعبي يحدِّث عن ابن عمر: أنه كان بمكة، فبلغه أنَّ الحسين بن علي قد توجَّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير (٤) وكتب، فقال: هذه كتبهم وبَيْعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى، فقال ابن عمر: إني محدِّثك حديثًا: إن جبريل أتى النَّبِيّ ﷺ فخيَّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يُرِد الدنيا. وإنك بضعة من رسول اللَّه، واللَّه لا يليها أحدٌ منكم أبدًا، وما صرفها اللَّه عنكم إلّا للذي هو خير لكم. فأبى أن يرجع. قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك اللَّه من قَتيل. وقال يحيى بن معين (٥): حدَّثنا أبو عبيدة، حدَّثنا سَلِيم بن حَيّان، عن سعيد بن مِينا قال: سمعت عبد اللَّه بن عَمْرو يقول: عجل حسين قدره، واللَّه لو أدركتُه ما تركته يخرج إلّا أن يغلبَني، ببني هاشم فُتح هذا الأمر، وببني هاشم يُختم، فإذا رأيت الهاشميَّ قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدلُّ على أنَّ الفاطميِّين أدعياء كَذَبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة، كما نص عليه غير واحد من الأئمة، على ما سنذكره في موضعه إن شاء اللَّه.

стр. 3992

وقال يعقوب بن سفيان (١): حدَّثنا أبو بكر الحميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا عبد اللَّه بن شَريك، عن بشر بن غالب قال: قال ابن الزُّبَير للحسين: أين تذهب، إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟! فقال: لأَن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن تُستحل بي - يعني مكة. وقال الزُّبَير بن بكّار: حدّثني عمي مصعب بن عبد اللَّه، أخبرني مَنْ سمع هشام بن يوسف يقول: عن مَعْمر قال: سمعت رجلًا يحدِّث عن الحسين أنه قال لعبد اللَّه بن الزُّبَير: أتتني بيعة أربعين ألفًا يحلفون بالطَّلاق والعَتاق إنَّهم معي. فقال له ابن الزُّبَير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟! قال هشام: فسألت مَعْمرًا عن الرجل، فقال: هو ثقة. قال الزُّبَير: وقال عمي: وزعم بعض الناس أنَّ ابن عباس هو الذي قال هذا (٢). وقد ساق محمد بن سعد (٣) -كاتب الواقدي- هذا سياقًا حسنًا مبسوطًا فقال: أخبرنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المُهاجر، عن أبيه. وعن لوط بن يحيى الغامدي (٤)، عن محمد بن بشير الهمداني وغيره. وعن محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عُمير. وعن هارون بن عيسى، عن يونس بن [أبي] (٥) إسحاق، عن أبيه. وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مُجالد، عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضًا في هذا الحديث بطائفة، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ﵁ وأرضاه. قالوا: لما بايع الناس معاويةَ ليزيدَ كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفيَّة يطلبون إليه أن يخرج معهم، فأبى. وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويشيطوا (٦) دماء الناس ودماءنا. فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يُجمع الإقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد اللَّه! إني لكم ناصح، هاني عليكم مُشفِق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: واللَّه لقد مللتُهم

стр. 3993

وأبغضتُهم، وملُّوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قطّ، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأَخْيَب، واللَّه مالهم نيّات ولا عَزْم على أمر، ولا صَبْر على السيف. قال: وقدم [المسيّب بن نَجَبَة (١) الفَزَاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدَعَوه إلى خلع] (٢) معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطي اللَّه أخي على نيَّته في حبِّه الكف، وأن يعطيني على نيَّتي في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمَنُ أن يكون حسين مرصدًا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلًا. فكتب معاوية إلى الحسين: إنَّ من أعطى اللَّه صفقةَ يمينه وعهده لجديرٌ بالوفاء، وقد أنبئت أنَّ قومًا من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهلُ العراق مَنْ قد جرَّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتَّقِ اللَّه واذكر الميثاق، فإنك متى يمِدْني أكِدْك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عنِّي جدير، والحسنات لا يَهدي لها إلّا اللَّه، وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافًا، وما أظن لي عند اللَّه عذرًا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أَثَرنا بأبي عبد اللَّه إلَّا أسدًا (٣). وكتب إليه معاوية أيضًا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظنُّ أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلمّا احتُضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظُر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول اللَّه، فإنه أحبُّ الناس إلى الناس، فصِلْ رحمه، وارفقْ به يصلحْ لك أمرُه، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيَكَهُ اللَّه بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس ليزيد (٤)، فكتب يزيد مع عبد اللَّه بن عمرو بن أُوَيس العامري -عامر بن لؤي- إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادعُ الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أولَ من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إليَّ في أمره الرفقَ به واستصلاحَه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد اللَّه بن الزُّبَير، فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البَيْعة ليزيد بن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس. ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن

стр. 3994

الزُّبَير وقالا: هو يزيد الذي نعرف، واللَّه ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعِمَامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إنْ هِجْنا بأبي عبد اللَّه إلّا أسدًا (١). فقال له مروان - أو بعض جلسائه: اقتُلْه، فقال: إنَّ ذلك لدمٌ مضنونٌ به مَصُونٌ في بني عبد مناف (٢). قالوا: وخرج الحسين وابن الزُّبَير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس، فغَدَوا على البيعة ليزيد، وطُلِب الحسينُ وابن الزُّبَير فلم يوجدا، فقال المِسْور بن مَخْرمة: عجل الحسين، وابنُ الزُّبَير يلفتُه ويرجِّيه ليخلوَ بمكة. فقدِمَا مكة، فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزُّبَير الحِجر، ولبس المعافريّ (٣) وجعل يحرِّض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدَم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك. وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك. وقال له عبد اللَّه بن مطيع: إني فداؤك وأبي وأمي، فأَمتِعْنا بنفسك ولا تَسِرْ إلى العراق، فواللَّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذُنّا عبيدًا وخَوَلًا. قالوا: ولقيهما عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عياش (٤) بن أبي ربيعة بالأَبْواء (٥) منصرفَيْن من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكِّركما اللَّهَ إلَّا رجعتُما فدخلتُما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذّا، وإن افترق (٦) عليه كان الذي تريدان. وقال له: لا تخرج، فإن رسول اللَّه ﷺ خيَّره اللَّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها -يعني الدنيا- واعتنقه وبكى وودَّعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن عليٍّ بالخروج، ولَعَمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخِذْلان الناس لهم (٧) ما كان ينبغي له أن لا يتحركَ ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا بن فاطمة؟ فقال: العراق وشيعثي، فقال: إني لكارهٌ لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطةً وملالةً لهم؟! أذكِّرك اللَّهَ أن تغرِّر بنفسك.

стр. 3995

وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتَّقِ اللَّهَ في نفسك، والزَم بيتك، ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي، فأدركته بمَلَل (١)، فناشدتُه اللَّهَ أن لا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه. فقال: لا أَرجع. وقال جابر بن عبد اللَّه: كلَّمت حسينًا فقلت: اتَّقِ اللَّه، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فواللَّه ما حمدتم ما صنعتم. فعصاني. وقال سعيد بن المسيِّب: لو أنَّ حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجَّعه على ذلك ابن الزُّبَير. وكتب إليه المِسْور بن مَخْرمة: إياك أن تغترَّ بكتب أهل العراق وبقول ابن الزُّبَير: الْحَقْ بهم فإنهم ناصروك (٢)، إياك تبرح الحرم، فإنهم إن كانت بهم إليك حاجةٌ فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوَّة وعدَّة. فجزاه خيرًا وقال: أَستخير اللَّه في ذلك. وكتبت إليه عَمْرة بنت عبد الرحمن تعظِّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يُساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول: إنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُقتلُ الحسينُ بأرضِ بابل". فلمَّا قرأ كتابها قال: فلا بدَّ لي إذًا من مَصْرعي. ومضى (٣). وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له: يا بن عمّ! قد رأيتَ ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَنْ أنت أحبُّ إليه ممن ينصره، فأذكِّرك اللَّهَ في نفسك. فقال: جزاك اللَّه -يا بن عم- خيرًا، مهما يقضِ اللَّه من أمر يكُن. فقال أبو بكر: إنا للَّه وإنَّا إليه راجعون، نحتسب أبا عبد اللَّه عند اللَّه. وكتب إليه عبد اللَّه بن جعفر كتابًا يحذِّره أهل الكوفة (٤)، ويناشدُه اللَّهَ أن يشخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول اللَّه ﷺ أمرني بأمر وأنا ماضٍ له، ولست بمُخبر بها أحدًا حتى أُلاقيَ عملي.
следующие страницы →