← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

عثمان ونساؤه وولدُه ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررتَ عين ابن الزُّبَير بتخليتك إياه بالحجاز، فواللَّه الذي لا إله إلّا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناسُ أطعتني وأقمتَ لفعلتُ ذلك. قال: ثم خرج من عنده، فلقي ابن الزُّبَير فقال: قرَّت عينك يا بن الزُّبَير؟! ثم قال: يالكِ مِنْ قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ … خَلا لكِ الجوُّ فبِيضي واصْفِري ونَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّرِي … صيَّادُكِ اليومَ قتيلٌ فابشِري ثم قال ابن عباس: هذا الحُسين (١) يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز (٢). وقال غير واحد (٣): عن شَبَابة بن سَوَّار قال: حدَّثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال: سمعت الشعبي يحدِّث عن ابن عمر: أنه كان بمكة، فبلغه أنَّ الحسين بن علي قد توجَّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير (٤) وكتب، فقال: هذه كتبهم وبَيْعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى، فقال ابن عمر: إني محدِّثك حديثًا: إن جبريل أتى النَّبِيّ ﷺ فخيَّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يُرِد الدنيا. وإنك بضعة من رسول اللَّه، واللَّه لا يليها أحدٌ منكم أبدًا، وما صرفها اللَّه عنكم إلّا للذي هو خير لكم. فأبى أن يرجع. قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك اللَّه من قَتيل. وقال يحيى بن معين (٥): حدَّثنا أبو عبيدة، حدَّثنا سَلِيم بن حَيّان، عن سعيد بن مِينا قال: سمعت عبد اللَّه بن عَمْرو يقول: عجل حسين قدره، واللَّه لو أدركتُه ما تركته يخرج إلّا أن يغلبَني، ببني هاشم فُتح هذا الأمر، وببني هاشم يُختم، فإذا رأيت الهاشميَّ قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدلُّ على أنَّ الفاطميِّين أدعياء كَذَبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة، كما نص عليه غير واحد من الأئمة، على ما سنذكره في موضعه إن شاء اللَّه.

стр. 3992

وقال يعقوب بن سفيان (١): حدَّثنا أبو بكر الحميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا عبد اللَّه بن شَريك، عن بشر بن غالب قال: قال ابن الزُّبَير للحسين: أين تذهب، إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟! فقال: لأَن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن تُستحل بي - يعني مكة. وقال الزُّبَير بن بكّار: حدّثني عمي مصعب بن عبد اللَّه، أخبرني مَنْ سمع هشام بن يوسف يقول: عن مَعْمر قال: سمعت رجلًا يحدِّث عن الحسين أنه قال لعبد اللَّه بن الزُّبَير: أتتني بيعة أربعين ألفًا يحلفون بالطَّلاق والعَتاق إنَّهم معي. فقال له ابن الزُّبَير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟! قال هشام: فسألت مَعْمرًا عن الرجل، فقال: هو ثقة. قال الزُّبَير: وقال عمي: وزعم بعض الناس أنَّ ابن عباس هو الذي قال هذا (٢). وقد ساق محمد بن سعد (٣) -كاتب الواقدي- هذا سياقًا حسنًا مبسوطًا فقال: أخبرنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المُهاجر، عن أبيه. وعن لوط بن يحيى الغامدي (٤)، عن محمد بن بشير الهمداني وغيره. وعن محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عُمير. وعن هارون بن عيسى، عن يونس بن [أبي] (٥) إسحاق، عن أبيه. وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مُجالد، عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضًا في هذا الحديث بطائفة، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ﵁ وأرضاه. قالوا: لما بايع الناس معاويةَ ليزيدَ كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفيَّة يطلبون إليه أن يخرج معهم، فأبى. وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويشيطوا (٦) دماء الناس ودماءنا. فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يُجمع الإقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد اللَّه! إني لكم ناصح، هاني عليكم مُشفِق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: واللَّه لقد مللتُهم

стр. 3993

وأبغضتُهم، وملُّوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قطّ، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأَخْيَب، واللَّه مالهم نيّات ولا عَزْم على أمر، ولا صَبْر على السيف. قال: وقدم [المسيّب بن نَجَبَة (١) الفَزَاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدَعَوه إلى خلع] (٢) معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطي اللَّه أخي على نيَّته في حبِّه الكف، وأن يعطيني على نيَّتي في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمَنُ أن يكون حسين مرصدًا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلًا. فكتب معاوية إلى الحسين: إنَّ من أعطى اللَّه صفقةَ يمينه وعهده لجديرٌ بالوفاء، وقد أنبئت أنَّ قومًا من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهلُ العراق مَنْ قد جرَّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتَّقِ اللَّه واذكر الميثاق، فإنك متى يمِدْني أكِدْك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عنِّي جدير، والحسنات لا يَهدي لها إلّا اللَّه، وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافًا، وما أظن لي عند اللَّه عذرًا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أَثَرنا بأبي عبد اللَّه إلَّا أسدًا (٣). وكتب إليه معاوية أيضًا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظنُّ أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلمّا احتُضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظُر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول اللَّه، فإنه أحبُّ الناس إلى الناس، فصِلْ رحمه، وارفقْ به يصلحْ لك أمرُه، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيَكَهُ اللَّه بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس ليزيد (٤)، فكتب يزيد مع عبد اللَّه بن عمرو بن أُوَيس العامري -عامر بن لؤي- إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادعُ الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أولَ من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إليَّ في أمره الرفقَ به واستصلاحَه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد اللَّه بن الزُّبَير، فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البَيْعة ليزيد بن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس. ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن

стр. 3994

الزُّبَير وقالا: هو يزيد الذي نعرف، واللَّه ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعِمَامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إنْ هِجْنا بأبي عبد اللَّه إلّا أسدًا (١). فقال له مروان - أو بعض جلسائه: اقتُلْه، فقال: إنَّ ذلك لدمٌ مضنونٌ به مَصُونٌ في بني عبد مناف (٢). قالوا: وخرج الحسين وابن الزُّبَير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس، فغَدَوا على البيعة ليزيد، وطُلِب الحسينُ وابن الزُّبَير فلم يوجدا، فقال المِسْور بن مَخْرمة: عجل الحسين، وابنُ الزُّبَير يلفتُه ويرجِّيه ليخلوَ بمكة. فقدِمَا مكة، فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزُّبَير الحِجر، ولبس المعافريّ (٣) وجعل يحرِّض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدَم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك. وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك. وقال له عبد اللَّه بن مطيع: إني فداؤك وأبي وأمي، فأَمتِعْنا بنفسك ولا تَسِرْ إلى العراق، فواللَّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذُنّا عبيدًا وخَوَلًا. قالوا: ولقيهما عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عياش (٤) بن أبي ربيعة بالأَبْواء (٥) منصرفَيْن من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكِّركما اللَّهَ إلَّا رجعتُما فدخلتُما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذّا، وإن افترق (٦) عليه كان الذي تريدان. وقال له: لا تخرج، فإن رسول اللَّه ﷺ خيَّره اللَّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها -يعني الدنيا- واعتنقه وبكى وودَّعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن عليٍّ بالخروج، ولَعَمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخِذْلان الناس لهم (٧) ما كان ينبغي له أن لا يتحركَ ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا بن فاطمة؟ فقال: العراق وشيعثي، فقال: إني لكارهٌ لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطةً وملالةً لهم؟! أذكِّرك اللَّهَ أن تغرِّر بنفسك.

стр. 3995

وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتَّقِ اللَّهَ في نفسك، والزَم بيتك، ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي، فأدركته بمَلَل (١)، فناشدتُه اللَّهَ أن لا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه. فقال: لا أَرجع. وقال جابر بن عبد اللَّه: كلَّمت حسينًا فقلت: اتَّقِ اللَّه، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فواللَّه ما حمدتم ما صنعتم. فعصاني. وقال سعيد بن المسيِّب: لو أنَّ حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجَّعه على ذلك ابن الزُّبَير. وكتب إليه المِسْور بن مَخْرمة: إياك أن تغترَّ بكتب أهل العراق وبقول ابن الزُّبَير: الْحَقْ بهم فإنهم ناصروك (٢)، إياك تبرح الحرم، فإنهم إن كانت بهم إليك حاجةٌ فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوَّة وعدَّة. فجزاه خيرًا وقال: أَستخير اللَّه في ذلك. وكتبت إليه عَمْرة بنت عبد الرحمن تعظِّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يُساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول: إنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُقتلُ الحسينُ بأرضِ بابل". فلمَّا قرأ كتابها قال: فلا بدَّ لي إذًا من مَصْرعي. ومضى (٣). وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له: يا بن عمّ! قد رأيتَ ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَنْ أنت أحبُّ إليه ممن ينصره، فأذكِّرك اللَّهَ في نفسك. فقال: جزاك اللَّه -يا بن عم- خيرًا، مهما يقضِ اللَّه من أمر يكُن. فقال أبو بكر: إنا للَّه وإنَّا إليه راجعون، نحتسب أبا عبد اللَّه عند اللَّه. وكتب إليه عبد اللَّه بن جعفر كتابًا يحذِّره أهل الكوفة (٤)، ويناشدُه اللَّهَ أن يشخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول اللَّه ﷺ أمرني بأمر وأنا ماضٍ له، ولست بمُخبر بها أحدًا حتى أُلاقيَ عملي.

стр. 3996

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين: إني أسأل اللَّه أن يُلهمَك رشدَك، وأن يصرفك عمّا يُرديك، بلغني أنك قد عزمتَ على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك باللَّه من الشقاق، فإنك إنْ كنت خائفًا فأقبل إليّ، فلك عندي الأمان والبرُّ والصِّلَة. فكتب إليه الحسين: إنْ كنتَ أردتَ بكتابك برّي وصلتي فجُزيت خيرًا في الدنيا والآخرة، وإنا لم نشاقق مَنْ دعا إلى اللَّه وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان اللَّه، ولم يؤمن باللَّه مَنْ لم يخفه في الدنيا، فنسأل اللَّه مخافة في الدنيا توجب لنا أمانًا يوم القيامة عنده. قالوا: وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبُه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنَّوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجرِبة، فإن كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكفُفْه عن السَّعي في الفُرقة. وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: يا أيُّها الراكبُ الغادي لطِيَّتِهِ … على عُذافرةٍ في سَيْرها قُحَمُ (١) أبلغْ قريشًا على نَأْي المَزارِ بها … بيني وبينَ حسينِ اللَّهُ والرَّحِمُ وموقفٌ بفِناءِ البيتِ أَنْشُدُهُ … عهدَ الإلهِ وما تُوفى بهِ الذِّمم عَنَّيْتُمُ قومَكم فخرًا بأُمِّكُمُ … أمّ لعَمْري حَصَانٌ بَرَّةٌ كرمُ هي التي لا يُداني فَضْلَها أحدٌ … بنتُ الرسولِ وخير الناسِ قد علموا وفضلُها لكُمُ فضلٌ وغيرُكُمُ … من قومكمْ لهمُ في فضلِها قِسَمُ إنِّي لأعلمُ أو ظنًّا كعالمِهِ .. والظَّنُّ يصدُقُ أحيانًا فينتظِمُ أنْ سوفَ يتركُكُمْ ما تَدَّعونَ بها … قَتْلى تَهَاداكُمُ العِقْبانُ والرَّخَم (٢) يا قومَنا لا تَشُبُّوا الحربَ إذ سَكَنَتْ … ومَسِّكُوا بحبال السّلم واعتصِمُوا قد جَرَّبَ الحربَ مَنْ قد كان قبلكُمُ … من القُرون وقد بادتْ بها الأُمَمُ فأَنْصِفُوا قومَكُمْ لا تَهْلِكوا بَذَخًا (٣) … فربَّ ذي بَذَخٍ زلَّتْ به القَدَمُ (٤) قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهُه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الأُلفة وتُطفأ به الثائرة. ودخل ابن عباس على الحسين فكلَّمه طويلًا وقال

стр. 3997

له: أَنشُدك اللَّهَ أن تهلك غدًا بحال مضيعة، لا تأت العراق، وإن كنت لا بدَّ فاعلًا فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلَّا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: واللَّه إني [لأظنك ستُقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان بين نسائه وبناته، واللَّه إني] (١) لأخاف أن تكون أنت الذي يُقاد به عثمان، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. فقال له الحسين: أبا العباس! إنك شيخ قد كبرت. فقال له ابن عباس: لولا أن يُزري ذلك بي وبك لنشبتُ يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تناصَينا (٢) أقمتَ لفعلتُ، ولكن لا إخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن تُستحل بي -يعني مكة- (٣). قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررتَ عينَ ابن الزُّبَير بذلك، وذلك الذي سلَّى نفسي عنه. قال: ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضبٌ وابنُ الزُّبَير على الباب، فلمّا رآه قال: يا بن الزُّبَير قد أتى ما أحببت، قرَّت عينك، هذا أبو عبد اللَّه خارج ويتركك والحجاز، ثم قال: يا لَكِ مِنْ قُنْبَرَةٍ بمَعْمَر … خَلَا لَكِ الجوُّ فبِيضِي واصْفِري ونقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تنقِّري (٤) قال: وبعث الحسين إلى المدينة يقدّم عليه من خفَّ معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلًا ونساءً وصِبيان من إخوانه وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفيَّة، فأدرك حسينًا بمكة، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمدُ بن الحنفيَّة ولده فلم يبعث أحدًا منهم حتى وجد (٥) الحسينُ في نفسه على محمد وقال: ترغب بولدك عن موضع أُصاب فيه؟! فقال محمد: وما حاجتي إلى أن تُصاب ويُصابوا معك؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم. قالوا: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجِّهًا إليهم في أهل بيته وستين شيخًا (٦) من أهل الكوفة (٧)، وذلك يوم الإثنين في عشر ذي الحجة [سنة ستين] (٨) فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد: فإن الحسين بن علي قد توجَّه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة

стр. 3998

بنت رسول اللَّه ﷺ ، وتاللَّه ما أحد يسلِّمه اللَّه أحبّ إلينا من الحسين، فإياك أن تُهيج على نفسك ما لا يسدُّه شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر. والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد: فقد توجَّه إليك الحسين، وفي مثلها تُعتق أو تكون عبدًا تُسترقُّ كما يُسترقُّ العبيد. وقال الزُّبَير بن بكّار: حدّثني محمد بن الضحّاك، عن أبيه قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسينًا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتُليت أنت به من بين العمّال، وعندها تُعتق أو تعود عبدًا كما ترقُّ العبيد وتعبُّد. فقتله ابن زياد، وبعث برأسه إليه. قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام، كما سيأتي. [وفي رواية: أن يزيد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجَّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترِس، واحبس على الظنَّة، وخذ على التُّهمة، غير أن لا تقاتل إلّا مَنْ قاتلك، واكتب إليَّ في كل ما يحدُث من خبر. والسلام] (١). قال الزُّبَير بن بكّار: وحدّثني محمد بن الضحّاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مرَّ بباب المسجد الحرام وقال: لا ذَعَرْتُ السَّوَام في فَلَقِ الصُّبـ … ــح مُغيرًا ولا دُعِيتُ يَزيدا يومَ أُعطي مخافةَ الموتِ ضَيْمًا … والمنايا يَرْصُدْنني أنْ أَحِيدا (٢) وقال أبو مِخْنف: قال أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّة (٣): عن عدي بن حَرْملة الأسدي، عن عبد اللَّه بن سُليم والمذري (٤) بن المشْمَعِلّ الأسديَّين قالا: خرجنا حاجَّيْن من الكوفة، فقدمنا مكة، فدخلنا يوم التَّرويَة، فإذا نحن بالحسين وابن الزُّبَير قائمَيْن عند ارتفاع الضحى فيما بين الحِجْر والباب، فسمعنا ابن الزُّبَير وهو يقول للحسين: إن شئتَ أن تقيم أقمت فولِّيتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك. فقال الحسين: إنَّ أبي حدّثني أنَّ لها كبشًا يستحل حرمتها، فما أحِبُّ أن أكون أنا ذلك الكبش. فقال له ابن الزُّبَير: فأقم إن شئتَ وولِّني أنا الأمر فتُطاع ولا تُعصى. فقال: وما أريد هذا أيضًا. ثم إنهما أخفَيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين (٥) متوجِّهين إلى

стр. 3999

مِنًى عند الظهيرة. قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروة، وقصَّر من شعره، وحلَّ من عُمرته، ثم توجَّه نحو الكوفة، وتوجَّهنا نحن مع الناس إلى مِنًى (١). وقال أبو مِخْنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عُقبة بن سِمْعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد -يعني نائب مكة- عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرِف، أين تريد؟! فابى عليه ومضى، وتدافع الفريقان، وتضاربوا بالسِّياط والعصيّ. ثم إن حسينًا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعًا قويًا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فنادَوْه: يا حسين! ألا تتقي اللَّه، أتخرج من الجماعة وتفرِّق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟! فتأَوَّل الحسين قول اللَّه تعالى (٢): ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. قال: ثم إن الحسين مرَّ بالتَّنعيم (٣)، فلقي بها عِيرًا قد بعث بها بَحِير بن رَيْسَان (٤) الحِمْيري نائب اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها [ورسٌ وحُلَلٌ كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها] (٥) إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم. ثم ساق أبو مِخْنف بإسناده الأول: أن الفَرَزدق (٦) لقي الحسين في الطريق، فسلَّم عليه وقال له: أعطاك اللَّه سؤلك وأمَّلك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس (٧) وراءه، فقال له: قلوبُ الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، واللَّه يفعل ما يشاء. فقال له: صدقتَ، للَّه الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبُّ فنحمَد اللَّه على نَعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد (٨) من كان الحق نيَّته والتقوى سريرته. ثم حرَّك الحسين راحلته وقال: السلام عليكم. ثم افترقا (٩).

стр. 4000

وقال هشام بن الكلبي: عن عَوانة بن الحكم، عن لَبَطَة (١) بن الفَرَزدق، عن أبيه قال: حججتُ بأمي، فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج -وذلك سنة ستين- إذ لقيتُ الحسين خارجًا من مكة معه أسيافُه وأتراسُه، فقلت له: بأبي وأمي يا بنَ رسول اللَّه! ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأُخِذت. ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت: امرؤ من العراق، فسألني عن الناس، فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية. وذكر نحو ما تقدم. قال الفرزدق: وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك، فأخبرني بها. قال: وإذا هو ثقيل اللسان من بِرْسام (٢) كان أصابه بالعراق. قال: ثم مضيت فإذا فُسْطاط (٣) مضروب في الحرم، وهيئة حسنة، فإذا هو لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرته أني لقيت الحسين، فقال: فهلّا اتَّبعته؟ فإن الحسين لا يَحِيكُ (٤) فيه السِّلاح، ولا يجوز فيه ولا في أصحابه. فندم الفرزدق وهمَّ أن يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدَّني ذلك عن اللحاق به. فلمَّا بلغه أنه قُتل لَعَن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول: واللَّه لا تبلغ الشجرةُ ولا النخلةُ ولا الصغيرُ حتى يبلغ هذا الأمر ويظهر. وإنما أراد ابن عمرو بقوله: لا يَحيك فيه السِّلاح، أي: السِّلاح الذي لم يقدَّر أن يقتل به. وقيل غير ذلك، وقيل: أراد الهَزْل بالفرزدق (٥). قالوا: ثم سار الحسين لا يَلوي على شيء، حتى نزل ذات عِرْق. قال أبو مِخْنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين بن علي قال: لمّا خرجنا من مكة كتب عبد اللَّه بن جعفر إلى الحسين مع ابنيه (٦): عون ومحمد: أما بعد، فإني أسألك باللَّه لما انصرفتَ حتى تنظر في كتابي هذا، فإني مشفِق عليك من الوجه الذي توجَّهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طُفئ نور الإسلام، فإنك علَم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجَل بالسير فإني في أثر كتابي، والسلام. ثم نهض عبد اللَّه بن جعفر إلى عمرو بن سعيد -نائب مكة- فقال له: اكتب إلى الحسين كتابًا تجعل له فيه الأمان، وتمنِّيه فيه البِرَّ والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعلَّه يطمئنُّ إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو: اكتب عني ما شئتَ وائتني به حتى أختمه. فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد

стр. 4001

ما أراد عبد اللَّه، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه، وقال عبد اللَّه لعمرو بن سعيد: ابعث معي أخاك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين، فقرأا عليه الكتاب، فأبى أن يرجع وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ له، فقالا: وما تلك الرؤيا؟ فقال: لا أحدِّث بها أحدًا حتى ألقى ربي (١). قال أبو مِخْنف: وحَدَّثَنِي محمد بن قيس: أنَّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرُّمَّة (٢)، بعث قيس بن مُسْهِر الصَّيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليٍّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإني أحمَد إليكم اللَّهَ الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عَقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا، فنسأل اللَّه أن يحسن لنا الصنيع، وأن يُثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التَّرويَة، فإذا قدم عليكم رسولي فأكيسُوا (٣) أمركم وجدُّوا، فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء اللَّه تعالى، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. قال: وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يُقتل بسبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد، فإن الرائد لا يَكذِبُ أهلَه، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأَقبِل حين تقرأ كتابي هذا، والسلام عليك. قال: وأقبل قيس بن مُسهِر الصَّيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسيَّة أخذه الحُصَين بن نمير، فبعث به إلى عبيد اللَّه بن زياد، فقال له ابن زياد: اصعَد إلى أعلى القصر فسُبَّ الكذّاب ابن الكذّاب. فصعِدَ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنَّ هذا الحسين بن علي خير خلق اللَّه، وهو ابن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ وأنا رسوله إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر من بطن الرُّمَّة، فأَجيبوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن عبيد اللَّه بن زياد وأباه، واستغفر لعليٍّ والحسين. فأمر به ابن زياد، فأُلقي من رأس القصر فتقطَّع، ويقال: بل تكسَّرت عظامه وبقي فيه بقية رَمَق. فقام إليه عبد الملك بن عُمير البَجلي فذبحه وقال: إنما أردتُ إراحته من الألم - وقيل: إنه رجل يشبه عبد الملك بن عُمير وليس به. وفي رواية: أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد اللَّه بن بُقطر أخو الحسين من الرَّضاعة، فأُلقي من أعلى القصر. واللَّه أعلم (٤). ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشيء من أخبار ما وقع.

стр. 4002

قال أبو مِخْنف: عن أبي علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المُزَني قال: وكان الحسين لا يمرُّ بماءٍ من مياه العرب إِلَّا اتَّبعوه. قال أبو مِخْنف: عن أبي جَنَاب، عن عدي بن حَرْملَة، عن عبد اللَّه بن سُليم والمذري (١) بن المشْمَعِلّ الأسديَّين قالا: لما قضينا حجَّنا لم يكن لنا همة إلّا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مرَّ برجل من بني أسد، فهمَّ الحسين أن يكلِّمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل، فسألناه عن أخبار الناس، فقال: واللَّه لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، ورأيتهما يُجرّان بأرجلهما في السوق. قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه، فجعل يقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مرارًا. فقلنا له: اللَّهَ اللَّهَ في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما. قلنا: خارَ اللَّهُ لك. وقال له بعض أصحابه: واللَّه ما أنت مثل مسلم بن عَقيل، ولو قدمتَ الكوفة لكان الناس إليك أسرع (٢). وقال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عَقيل وثب عند ذلك بنو عَقيل بن أبي طالب وقالوا: لا واللَّه لا نرجع حنى ندركَ ثأرنا أو نذوقَ ما ذاق أخونا. فسار الحسين، حتى إذا كان بزَرُود (٣) بلغَه أيضًا مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال: قد خذلتنا شيعتُنا، فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذِمام. قال: فتفرَّق الناس عنه أيادِي سَبَا (٤) يمينًا وشمالًا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه [من مكة. وإنَّما فعل ذلك لأنه ظنَّ أن مَن اتَّبعه من الأعراب إنما اتَّبعوه لأنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعةُ أهلها، فكرِهَ أن يسيروا معه إلَّا وهم يعلمون على ما يقدمون، وقد علم أنه إذا بيَّن لهم الأمر لم يصحبْه إلَّا مَنْ يريد مواساته في الموت معه] (٥). قال: فلمّا كان السَّحَر أمر فتيانه أن يستقُوا من الماء ويُكثروا منه. ثم سار حتى مرَّ ببطن العَقَبة، فنزل بها. وقال محمد بن سعد: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِّشْك قال: حدّثني من شافَهَ الحسين قال: [رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه

стр. 4003

لحسين، قال] (١): فأتيتُه، فإذا شيخٌ يقرأ القرآن والدموعُ تسيل على خدَّيه ولحيته، قال: قلت بأبي وأمي يا بن رسول اللَّه، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟! فقال: هذه كتب أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهم إلّا قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يَدَعوا للَّه حرمة إلّا انتهكوها، فيسلِّط اللَّه عليهم مَنْ يذِلُّهم حتى يكونوا أذلَّ مِن فَرَمِ الأَمَة - يعني: مِقْنَعَتها (٢). وأخبرنا علي بن محمد، عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قُرَّة قال: قال الحسين: واللَّه لتَعْتدنَ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. وحدّثنا علي بن محمد، عن جعفر بن سليمان الضُّبعي قال: قال الحسين: واللَّه لا يَدَعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلَّط اللَّه عليهم من يُذلُّهم حتى يكونوا أذل مِن فَرَم الأَمَة. فقُتل بِنيْنَوى (٣) يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا أبو بكر الحميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا شهاب بن خِرَاش (٤)، عن رجل من قومه قال: كنت في الجيش الذين بعثهم ابن زياد إلى الحسين [وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الدَّيلم، فعيَّنهم ابن زياد، وصرفهم إلى قتال الحسين] (٥) فلقيتُ حسينًا، فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك أبا عبد اللَّه. فقال: وعليك السلام -وكانت فيه غُنَّة- فقال: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة - يعني سُرّاقًا (٦). قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي فأعجبه: وكانت فيه غُنَّة. قال سفيان بن عيينة: وهي في الحسينيِّين (٧). قال أبو مِخْنف: عن أبي خالد الكاهلي قال: لما صبَّحت الخيلُ الحسينَ بن علي رفع يديه فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدَّة، وأنت لي من كل أمر نزل بي ثقةٌ وعدَّة، فكم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلُّ فيه الحيلة، ويخذُل فيه الصديق، ويشمَت فيه العدو، فأنزلتُه بك وشكوتُه إليك، رغبةً فيه إليك عمن سواك، ففرَّجتَه وكشفتَه وكفيتَنيه، فأنت (٨) وليُّ كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية (٩).

стр. 4004

وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: حدّثني حجّاج بن محمد، عن أبي مَعْشر (١)، عن بعض مشيخته قال: قال الحسين حين نزلوا كَرْبلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كَرْبلاء. قال: كربٌ وبلاء. وبعث عبيدُ اللَّه بن زياد عمرَ بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر! اختَرْ لي إحدى ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيتَ هذه فسيِّرْني إلى يزيد [فأضع يدي في يده فيحكم فيَّ ما رأى، فإن أبيتَ هذه فسيِّرْني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمَّ أن يسيِّره إلى يزيد] (٢) فقال شَمِرُ بن ذي الجَوْشَن: لا، إلَّا أن ينزل على حُكمك. فأرسل إلى الحسين بذلك، فقال الحسين: واللَّه لا أفعل. وأبطأ عمر عن قتاله، فأرسل ابن زياد شَمِرَ بن ذي الجَوْشَن وقال له: إنْ تقدَّم عمرُ فقاتلَ وإلَّا فاقتله وكن مكانه، فقد ولَّيتك الإمرة. وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلًا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئًا؟! فتحوَّلوا مع الحسين يقاتلون معه (٣). وقال أبو زرعة: حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عبّاد بن العوّام، عن حُصين قال: أدركتُ ذاك -يعني مقتل الحسين- قال: فحدّثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبَّة برود، ورماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطُّهَوي بسهم، فنظرتُ إلى السهم معلَّقًا بجبَّته (٤). وقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بن عمّار الرازي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عبّاد بن العوّام، حدَّثنا حُصين: أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إنَّ معك مئة ألف. فبعث إليهم مسلم به عَقيل. . . فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حُصين: فحدّثني هلال بن يِسَاف: أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصةَ إلى طريق الشام إلى طريق البصرة، فلا يَدَعون أحدًا يلج ولا أحدًا يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء، حتى أتى الأعراب، فسألهم عن الناس، فقالوا: واللَّه لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج. قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقَّته الخيول بكربلاء، فنزل يناشدهم اللَّه والإسلام. قال: وكان بعث إليه ابنُ زياد عمرَ بن سعد وشَمِرَ بن ذي الجَوْشَن وحُصين بن نُمير، فناشدهم اللَّهَ والإسلام أن يسيِّروه إلى أمير المؤمنين يزيد، فيضع يده في يده، فقالوا له: لا، إلَّا أن تنزل على حُكم ابن زياد. وكان في جملة من معهم الحرُّ بن يزيد الحَنْظلي ثم النَّهْشلي على خيل، فلمّا سمع ما يقول الحسين قال

стр. 4005

لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يَعرضون عليكم؟! واللَّه لو سألتْكم هذا الترك والدَّيلم ما حلَّ لكم أن تردُّوهم. فأبَوْا إلّا حكم ابن زياد، فضرب الحرُّ وجه فرسه وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنُّوا أنه جاء ليقاتلهم، فلمّا دنا منهم قلب ترسه وسلَّم عليهم، ثم كرَّ على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين، ثم قُتل ﵀ (١). وذكر أن زهير بن القَيْن البَجَلي لقي الحسين وكان حاجًّا، فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي مخرمة (٢) المرادي ورجلان آخران -وهما عمرو بن الحجَّاج ومعن السُّلمي-[قال الحُصين: وقد رأيتهما. قال:] (٣) وأقبل الحسين يكلّم من بعث إليه ابن زياد [وإني لأنظر إليه] (٤) وعليه جبَّة من برود، فلمّا كلَّمهم انصرف، فرماه رجل من بني تميم يقال له عَمْرو الطُّهَوي بسهم بين كتفيه، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلِّقًا بجبَّته، فلما أبَوْا عليه رجع إلى مصافِّه، وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مئة رجل، فيهم لصُلب علي خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سُليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد. وقال حُصين: وحدّثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فسارَّه فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جُوَيرية بن بدر التميمي، وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها، ثم دعا بسلاحه فلبسه، وإنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتَلوهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد، فوضع بين يديه، فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: إن أبا عبد اللَّه كان قد شَمِط (٥). قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنَعَه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهم رزقًا، وأمر لهم بنفقة وكسوة. قال: وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد اللَّه بن جعفر -أو ابن أبي جعفر- فأتيا رجلًا من طيئٍ، فلجأ إليه يستجيران به، فضرب أعناقهما وجاء برأسَيْهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد. قال: فهمَّ ابن زياد بضرب عنقه، وأمر بداره فهُدمت (٦). قال: وحدّثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أُتي يزيدُ برأس الحسين فوضع بين يديه، رأيته يبكي ويقول: لو كان بينه وبينه رحِمٌ ما فعل هذا - يعني ابن زياد (٧).

стр. 4006

قال الحصين: ولما قُتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطَّخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع (١). [قال أبو مخنف: حدّثني لَوْذان -أحد بني (٢) عكرمة- أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدَّثه، فقال له: أنشُدُك اللَّه لما انصرفت راجعًا، فواللَّه ما بين يديك من القوم أحد يذبُّ عنك ولا يقاتل معك، وإنما -واللَّه- أنت قادم على الأسنَّة والسيوف، فإنَّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفَوْك مؤنة القتال ووطؤوا لك الأشياء ثم قدمتَ عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيًا، فأمّا على هذه الصفة فإني لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس يخفى عليَّ ما قلتَ وما رأيت، ولكنَّ اللَّه لا يُغلب على أمره. ثم ارتحل قاصدًا الكوفة. وقال خالد بن العاص: رُبَّ مستَنْصَحٍ يَغُشُّ ويُرْدِي … وظَنِينٍ بالغَيْب يُلفَى نَصِيحا] (٣) وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص، وكان عامل المدينة ومكة ليزيد. وقد عَزل يزيدُ عن إمرة المدينة الوليد بن عُتبة وولّاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها [وكان عُبيد اللَّه بن زياد على البصرة والكوفة] (٤). ثم دخلت سنة إحدى وستين استهلّت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه وقراباته، فقُتل في يوم عاشوراء من شهر المحرّم من هذه السنة على المشهور الذي صحَّحه الواقدي وغير واحد، وزعم بعضهم أنه قُتل في صفر منها، والأول أصح. وهذه صفة مَقْتله مأخوذة من كلام أئمَّة هذا الشأن لا كما يزعمُه أهل التشيُّع من الكذب الصَّريح والبُهتان قال أبو مِخْنف: عن أبي جَنَاب، عن عدي بن حَرْملة، عن عبد اللَّه بن سُليم (٥) والمذري بن

стр. 4007

المشمعِلّ الأسديّين قالا: أقبل الحسين، فلمّا نزل شَرَاف (١) قال لغِلمانه وقت السحر: استقُوا من الماء فأكثِروا، ثم ساروا إلى صدر النهار، فسمع الحسين رجلًا يكبِّر، فقال له: ممَّ كبَّرت؟ فقال: رأيت النخل، فقال له الأسديّان: إن هذا المكان لم يرَ أحد منه نخلة، فقال الحسين: فماذا تريانه رأى؟ فقالا: هذه الخيل قد أقبلت، فقال الحسين: أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقالا: بلى، ذو حُسم، فأخذ ذات اليسار إليها فنزل، وأمر بأبنيته فضُربت، وجاء القوم -وهم ألف فارس مع الحرِّ بن يزيد التميمي، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد- حتى وقفوا في مقابلته في نَحْر (٢) الظَّهيرة، والحسين وأصحابه معتمُّون متقلِّدو سيوفهم، فأمر الحسين أصحابه أن يتروَّوا من الماء، ويَسقُوا خيولهم، وأن يسقُوا خيول أعدائهم أيضًا. وروى هو وغيره قالوا: لمّا دخل وقتُ الظهر أمر الحسين الحجَّاج بن مَسْروق الجُعْفي فأذَّن، ثم خرج الحسين في إزار ورداءٍ ونعلَين، فخطب الناس من أصحابه وأعدائه، واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى هاهنا: بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة: أن ليس لهم إمام، وإن أنتَ قدمتَ علينا بايعناك وقاتلنا معك. ثم أُقيمت الصلاة، فقال الحسين للحرّ: تريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا، ولكن صلِّ أنت ونصلِّي نحن وراءك. فصلَّى بهم الحسين، ثم دخل خيمته واجتمع به أصحابه، وانصرف الحرُّ إلى جيشه وكلٌّ على أُهبته، فلما كان وقتُ العصر صلَّى بهم الحسين، ثم انصرف، فخطبهم وحثَّ على السمع والطاعة له وخلع من عاداهم من الأدعياء السائرين بالجَوْر. فقال له الحرّ: إنا لا ندري ما هذه الكتب ولا مَنْ كتبها، فأحضر الحسين خُرجَيْن مملوءين كتبًا، فنثرها بين يديه وقرأ منها طائفة، فقال الحرّ: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك (٣) وقد أُمرنا -إذا نحن لقيناك- أن لا نفارقك حتى نُقدمك على عبيد اللَّه بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال الحسين لأصحابه: اركبوا، فركبوا وركب النساء، فلمَّا أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف، فقال الحسين للحرّ: ثكلتك أمُّك! ماذا تريد؟ فقال له الحرّ: أما واللَّه لو غيرك يقولها لي [من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها] (٤) لأقتصنَّ منه ولما تركت ذكر أمِّه، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلّا بأحسن ما نقدر عليه. وتقاول القوم

стр. 4008

وتراجعوا، فقال له الحرّ: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أُمرت أن لا أفارقك حتى أُقدمك الكوفة على ابن زياد، فإن أبيتَ فخذ طريقًا لا تقدمك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة، واكتب أنت إلى يزيد، وأكتب أنا إلى ابن زياد إن شئت، فلعل اللَّه أن يأتيَ بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك. قال: فأخذ الحسين يسارًا عن طريق العُذَيب (١) والقادسيّة، والحرُّ بن يزيد يسايره وهو يقول له: يا حسين! إني أذكِّرك اللَّهَ في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلتَ لتُقتلنّ، ولئن قوتلت لتَهلكنَّ فيما أرى. فقال له الحسين: أفبالموت تخوِّفني؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمِّه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول اللَّه ﷺ فقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال: سَأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفَتَى … إذا ما نوى حقًّا وجاهَدَ مُسْلِما وآسَى الرجالَ الصَّالحينَ بنفسِهِ … وفارقَ خَوْفًا أنْ يعيشَ ويُرْغَما ويروى على صفة أخرى: سَأمضي وما بالموتِ عارٌ على امرئٍ … إذا ما نوى حقًّا ولم يُلفَ مُجْرِما فإنْ متُّ لم أَندمْ وإنْ عشتُ لم أُلَمْ … كفى بكَ موتًا أن تَذِلَّ وتُرْغَما (٢) فلما سمع ذلك الحرُّ منه تنحَّى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه، فانتهَوْا إلى عُذيب الهِجانات [كان بها هجائن النعمان ترعى هنالك] (٣) فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبُّون ويجنِّبون (٤) فرسًا لنافع بن هلال يقال له الكامل، يقصدون الحسين، ودليلُهم رجل يقال له الطِّرِمَاح بن عديّ راكب على فرس وهو يقول: يا ناقتي لا تُذْعَري من زَجْري … وشمِّري قبلَ طلوعِ الفَجْر بخيرِ رُكبانٍ وخيرِ سَفْر … حتى تحلِّي بكريم النَّجْر (٥) الماجدِ الحرِّ رَحيبِ الصَّدر … أَتى بهِ اللَّهُ لخير أَمْر ثُمَّتَ أَبقاهُ بقاءَ الدَّهر فأراد الحرُّ أن يحُول بينهم وبين الحسين، فمنعه الحسين من ذلك، فلمّا خلَصوا إليه قال لهم: أخبروني عن الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد اللَّه العائذي (٦) -أحد النفر الأربعة: أما أشراف الناس

стр. 4009

فهم إلْب [عليك، لأنهم قد عظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يُستمال بذلك ودُّهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم إلْبٌ] (١) واحد عليك، وأما سائر الناس فأفئدتهم تَهوي إليك، وسيوفهم غدًا مشهورة عليك. قال لهم: فهل لكم برسولي علم؟ قالوا: ومن رسولك؟ قال: قيس بن مُسْهر الصَّيداوي، قالوا: نعم، أخذه الحُصين بن نُمير فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلَّى عليك وعلى أبيك ولعن ابنَ زياد وأباه، ودعا الناس إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به فأُلقي من رأس القصر فمات. فترقرقت عينا الحسين وقرأ قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية. . . . [الأحزاب: ٢٣]، ثم قال: اللهمَّ اجعل منازلهم الجنَّة، واجمع بيننا وبينهم في مستقرٍّ من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك. ثم إن الطِّرِمَاح بن عديّ قال للحسين: أنظرُ فما أرى معك أحدًا إلَّا هذه الشِّرْذمة اليسيرة، وإني لا أرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدوك! فأنشُدُك اللَّهَ إن قدرتَ أن لا تتقدم إليهم شبرًا فافعل، فإن أردتَ أن تنزل بلدًا يمنعك اللَّهُ به [حتى ترى رأيك فسِرْ معي حتى أنزلك مَنَاع جبلنا، وهو أَجَأ، منعنا اللَّه به] (٢) من ملوك غسان وحِمْير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، واللَّه إن دخلنا ذلٌّ قطُ فأسير معك حتى أنزلك القُريَّة ثم تبعث إلى الرجال ممن بأَجَأ وسَلمى من طيِّئ، ثم أقم فينا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، واللَّه لا يوصل إليك أبدًا ومنهم عين تَطرف. فقال له الحسين: جزاك اللَّه خيرًا. ولم يرجع عمَّا هو بصدده، فودَّعه الطِّرِمّاح. ومضى الحسين، فلمّا كان من الليل أمر فتيانه أن يستقُوا من الماء كفايتهم، ثم سرى فنَعَس في مسيره حتى خفق برأسه، واستيقظ وهو يقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، والحمد للَّه ربِّ العالمين. ثم قال: رأيت فارسًا على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنها أنفسنا نُعيت إلينا. فلمّا طلع الفجر صلَّى بأصحابه، وعجل الركوب، ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نِيْنَوى، فإذا راكب متنكِّب قوسًا قد قدم من الكوفة، فسلَّم على الحرِّ بن يزيد ولم يسلِّم على الحسين، ودفع إلى الحرِّ كتابًا من ابن زياد، ومضمونُه: أن يَعْدِلَ بالحسين في السير إلى العراء (٣) في غير قرية ولا حِصْن حتى تأتيه رسلُه وجنوده، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرَّم سنة إحدى وستين. فلمَّا كان من الغد قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، وكان قد جهَّزه ابن زياد في هؤلاء إلى الدَّيلم، وخيَّم بظاهر الكوفة، فلمّا قدم عليهم أمر الحسين قال له: سِرْ إليه، فإذا فرغتَ منه فسِرْ إلى الدَّيلم. فاستعفاه عمر بن سعد من

стр. 4010

ذلك، فقال له ابن زياد: إن شئت عفيتُك وعزلتُك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتُك عليها، فقال: حتى أنظر في أمري، فجعل لا يستشير أحدًا إلّا نهاه عن المسير إلى الحسين، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: إياك أن تسير إلى الحسين فتعصي ربَّك وتقطع رحمَك، فواللَّه لأن تخرج من سلطان الأرض كلِّها أحبُّ إليك من أن تلقى اللَّه بدم الحسين، فقال: إني أفعل إن شاء اللَّه تعالى. ثم إن عبيد اللَّه بن زياد تهدَّده وتوعَّده بالعزل والقتل، فسار إلى الحسين، فنازله في المكان الذي ذكرنا، ثم بعث إلى الحسين الرسل: ما الذي أقدمك؟ فقال: كتب إليَّ أهل الكوفة أن أقدم عليهم، فإذ قد كرهوني فأنا راجع إلى مكة وأذركم. فلمّا بلغ عمر بن سعد هذا قال: أرجو أن يعافيَني اللَّهُ من حربه. وكتب إلى ابن زياد بذلك، فردَّ عليه ابن زياد: أن حُلْ بينهم وبين الماء كما فُعل بالتقيِّ الزكيِّ المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، واعرِضْ على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فإذا فعلوا ذلك رأَيْنا رأْيَنا. وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من ورود الماء، وعلى سرية منهم عمرو بن الحجّاج، فدعا عليهم [الحسين] (١) بالعطش، فمات هذا الرجل من شدَّة العطش. ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسًا، فتكلَّما طويلًا حتى ذهب هَزِيع (٢) من الليل، ولم يدر أحد ما قالا، ولكن ظنَّ بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ويتركا العسكرين متواقفين، فقال عمر: إذًا يهدم ابن زياد داري، فقال الحسين: أنا أبنيها لك أحسن مما كانت. قال: إذًا يأخذ ضِيَاعي، قال: أنا أعطيك خيرًا منها من مالي بالحجاز. قال: فتكرَّه عمر بن سعد من ذلك. وقال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز، أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك. فكتب عمر إلى عبيد اللَّه بذلك، فقال: نعم، قد قبلت. فقام الشَّمِر بن ذي الجَوْشن فقال: لا واللَّه حتى ينزل على حُكمك هو وأصحابه. ثم قال: واللَّه لقد بلغني أن حسينًا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدَّثان عامة الليل. فقال له ابن زياد: فنِعم ما رأيت. وقد روى أبو مِخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندَب، عن عقبة بن سِمْعان قال: لقد صحبتُ الحسين من مكة إلى حين قُتل، واللَّه ما من كلمة قالها في موطن إلَّا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده في يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين: إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يَدَعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه (٣).

стр. 4011

ثم إن عبيد اللَّه بعث شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال: اذهب فإن جاء حسين وأصحابه على حُكمي وإلّا فمُرْ عمر بن سعد أن يقاتلهم، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم أنت الأمير على الناس. وكتب إلى عمر بن سعد يتهدَّده على توانيه في قتال الحسين. وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه فإنهم مشاقُّون. فاستأمن عبيد (١) اللَّه بن أبي المحلّ لبني عمته أمِّ البنين بنت حِزام (٢) من علي، وهم العباس وعبد اللَّه وجعفر وعثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد اللَّه بن أبي المحلّ مع مولى له يقال له: كرمان (٣)، فلمّا بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سُمَيَّة فلا نريده، وإنا لنرجو أمانًا خيرًا من أمان ابن سُمَيَّة. ولما قدم شَمِر بن ذي الجَوْشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد اللَّه بن زياد، قال عمر: أبعدَ اللَّهُ دارك، وقبَّح ما جئت به، واللَّه إني لأظنك الذي صرفتَه عن الذي عرضتُ عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين، فقال له شَمر: فأخبرني ما أنت صانع، أمقاتلهم أنت أو تاركي إياهم؟ فقال له عمر: لا، ولا كرامة لك! أنا أتولَّى ذلك، وجعله على الرَّجَّالة. ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرّم، فقام شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس وعبد اللَّه وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمَّنْتنا وابن رسول اللَّه ﷺ وإلَّا فلا حاجة لنا بأمانك. قال: ثم نادى عمر بن سعد في الجيش: يا خيل اللَّه اركبي وأبشري، فركبوا وزحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ، هذا والحسين أمام خيمته محتبيًا بسيفه، نَعَس فخفق برأسه، وسمعت أخته الضجَّة، فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فقال لي: "إنَّكَ تروحُ إلينا"، فلطمتْ وجهها وقالت: يا ويلتا. فقال: ليس لك الويل يا أختاه، اسكُني رحمك الرحمن. وقال له أخوه العباس بن علي: يا أخي جاءك القوم، فقال: اذهب إليهم فسَلْهم: ما بدا لهم؟ فذهب إليهم في نحو من عشرين فارسًا فقال: ما لكم؟ فقالوا: جاء أمر الأمير إما أن تأتوا على حُكمه، وإما أن نقاتلكم. فقال: مكانَكم حتى أذهب إلى أبي عبد اللَّه فأعلمه. فرجع ووقف أصحابه، فجعلوا يتراجعون القول ويؤنِّب بعضهم بعضًا، يقول أصحاب الحسين: بئس القوم أنتم، تريدون قتل ذريَّة نبيِّكم وخيار الناس في زمانهم؟! ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم فقال لهم: يقول لكم أبو عبد اللَّه: انصرفوا عشيَّتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة. فقال عمر بن سعد لشَمِر بن ذي الجَوْشن: ما تقول؟ فقال: أنت الأمير والرأيُ رأيك، فقال عمرو بن الحجَّاج بن سلمة الزُّبيدي:

стр. 4012

سبحان اللَّه! واللَّه لو سألكم ذلك رجل من الدَّيلم لكان ينبغي إجابته. [وقال قيس بن الأشعث: أجِبْهم إلى ما سألوك، فلعَمْري] (١) ليصبحنَّك بالقتال غُدْوة. وهكذا جرى الأمر، فإن الحسين لما رجع العباس قال له: ارجع فاردُدْهم هذه العشيَّة لعلَّنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره، فقد علم اللَّه مني أني أُحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، والاستغفار والدعاء. وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله، وخطب أصحابه في أول الليل، فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة، وقال لأصحابه: من أحبَّ منكم أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنتُ له، فإن القوم إنما يريدونني. [فقال مالك بن النضر: عليَّ دينٌ ولي عيال، فقال: هذا الليل قد غشيَكم فاتَّخِذوه جَمَلًا (٢)، ثم ليأخذ كلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإن القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابوني لهَوْا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرِّج اللَّه . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: لا بقاء لنا بعدك، ولا أرانا اللَّه فيك ما نكره. فقال الحسين: يا بني عَقيل! حسبُكم بمسلم أخيكم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: فما يقول الناس، إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، لم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعنْ معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، رغبة في الحياة الدنيا؟ لا واللَّه لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرِدَ موردك، فقبَّح اللَّه العيش بعدك. وقال نحو ذلك مسلم بن عَوْسجة الأسدي، وكذلك قال سعيد بن عبد اللَّه الحنفي: واللَّه لا نخليك حتى يعلم اللَّه أنا قد حفظنا غيبة رسول اللَّه ﷺ فيك، واللَّه لو علمتُ أني أُقتل دونك ألف قَتْلة، وأنَّ اللَّه يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لأحببتُ ذلك، فكيف وإنما هي قَتْلة واحدة؟! وتكلَّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضًا من وجه واحد فقالوا: واللَّه لا نفارقك، وأنفسُنا الفداء لك، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قُتلنا وفَّينا وقضينا ما علينا] (٣). وقال أخوه العباس: لا أرانا اللَّه يوم فقدك، ولا حاجة لنا في الحياة بعدك. وتتابع أصحابه على ذلك. وقال أبو مِخْنف: حدّثني الحارث بن كعب وأبو الضحّاك، عن علي بن الحسين زين العابدين قال: إني لجالس تلك العشيَّة التي قُتل أبي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرِّضني، إذ اعتزل أبي في خبائه ومعه أصحابه، وعنده حُوَيّ مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

стр. 4013

يا دهرُ أفٍّ لكَ مِنْ خليل … كم لكَ بالإشْراقِ والأَصِيل من صاحبٍ أو طالبٍ قَتيل … والدهرُ لا يَقْنعُ بالبَدِيل وإنَّما الأمرُ إلى الجَليل … وكلُّ حيٍّ سألكُ السَّبيل فأعادها مرتين أو ثلاثًا حتى حفظتُها وفهمتُ ما أراد، فخنقَتْني العَبْرة [فرددتها، ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء نازل] (١). وأما عمتي فقامت حاسرةً حتى انتهتْ إليه فقال: واثُكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت أمي فاطمة، وعليّ أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثِمال الباقي، فنظر إليها وقال: يا أُخيَّة! [لا يُذهبنَّ حِلمَك الشيطان. فقالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد اللَّه! أستقتَلْت؟ ولطمَتْ وجهها، وشقَّت جيبها، وخرَّت مغشيًّا عليها. فقام إليها، وصبَّ على وجهها الماء، وقال: يا أخيَّة] (٢) اتقي اللَّه واصبري وتعزَّيْ بعزاء اللَّه، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شي هالك إلَّا وجه اللَّه الذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه (٣) وحده، وهو فرد وحده، واعلمي أنَّ أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول اللَّه أسوة حسنة. ثم حرَّج عليها أن لا تفعل شيئًا من هذا بعد مَهْلكه. ثم أخذ بيدها فردَّها إلى عندي. ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يُدنوا بيوتهم بعضها من بعض حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصًا إليهم إلَّا من جهة واحدة، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم (٤). وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلُّون ويستغفرون ويدعون ويتضرَّعون، وخيل حرس عدوهم تدور من ورائهم عليها عَزْرة بن قيس الأَحْمسي [والحسين يقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨ - ١٧٩] فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد فقال: نحن -ورب الكعبة- الطيبون ميَّزنا اللَّه منكم. قال: فعرفته، فقلت لبُرَير بن خُضير (٥): أتدري من هذا؟ قال: لا، فقلت: هذا أبو حَرْب السَّبيعي عبيد اللَّه بن شمير -وكان مِضْحاكًا بطالًا،

стр. 4014

وكان شريفًا شجاعًا فاتكًا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسَه في خبائه- فقال له بُرير بن خُضير (١): يا فاسق، متى كنت من الطيِّبين؟! فقال له: من أنت ويلك؟ قال: أنا بُرير بن خُضير (١). قال: إنا للَّه! هلكت واللَّه، عز -واللَّه- عليَّ يا بُرير قتلك. قال: فقلت له: يا أبا حرب! هل لك أن تتوب من ذنوبك العظام؟ فواللَّه لنحن الطيِّبون وإنكم لأنتم الخبيثون. قال: نعم، وأنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك أفلا ينفعك معرفتك؟! قال: فانتهره عَزْرة بن قيس -أمير السرية التي تحرسنا- فانصرف عنا] (٢). قالوا: فلما صلَّى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة، وقيل يوم السبت -وكان يوم عاشوراء- انتصب للقتال، وصلَّى الحسين أيضًا بأصحابه وهم اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا، ثم انصرف فصفَّهم، فجعل على ميمنته زهير بن القَيْن، وعلى الميسرة حبيب بن المُظهِر (٣)، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، وقد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقًا، وقذفوا فيه حطبًا وخشبًا وقصبًا، ثم أُضرمت فيه النار لئلّا يخلُص أحد إلى بيوتهم من ورائها. وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزُّبيدي، وعلى الميسرة شَمِر بن ذي الجَوْشن -واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بني الضباب بن كلاب- وعلى الخيل عَزْرة بن قيس الأَحْمسي؛ وعلى الرَّجَّالة شَبَث (٤) بن رِبْعي، وأعطى الراية دريدًا (٥) مولاه. وتواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نُصبت، فاغتسل فيها، واطَّلى بالنورة، وتطيَّب بمسك كثير، ودخل بعده بعض الأمراء ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة؟ فقال بعضهم: [دعنا منك، واللَّه ما هذه بساعة باطل، فقال يزيد بن حصين: واللَّه لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابًا ولا كهلًا، ولكن -واللَّه- إني لمستبشر بما نحن لاقون] (٦) واللَّه ما بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا. ثم ركب الحسين على فرسه، وأخذ مصحفًا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعًا يديه يدعو بما

стр. 4015

تقدم ذكره: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة. . . إلى آخره. وركب ابنه علي بن الحسين -وكان ضعيفًا مريضًا- فرسًا يقال له: لاحق (١)، ونادى الحسين: أيها الناس! اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم، فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد اللَّه والثناء عليه: أيها الناس! إنْ قبلتم مني وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء، فقال عند ذلك: لا يُبعد اللَّه ابن عباس -يعني حين أشار عنيه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الأمر- ثم بعث أخاه العباس فسكَّنهن. ثم شرع يذكر للناس فضلَه وعظمة نسبه وعلوَّ قدره وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي وأنا ابن بنت نبيِّكم، وليس على وجه الأرض ابنُ بنت نبيٍّ غيري؟ وعليٌّ أبي، وجعفر ذو الجناحين عمي، وحمزة سيد الشهداء عمُّ أبي، وقال لي رسول اللَّه ﷺ ولأخي: "هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة" (٢). فإن صدَّقتموني بما أقول وهو الحق، فواللَّه ما تعمَّدت كذبة منذ علمت أن اللَّه يمقت على الكذب، وإلّا فاسألوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك: جابر بن عبد اللَّه، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يُخبروكم بذلك. [ويحكم! أما تتَّقون اللَّه؟ أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي] (٣)؟ فقال عند ذلك شَمِر بن ذي الجَوْشن: هو يعبد اللَّه على حَرْف، إنْ كنت أدري ما يقول. فقال له حبيب بن مُظْهِر: واللَّه يا شَمِر إنك لتعبد اللَّه على سبعين حَرْفًا، وأما نحن فواللَّه إنا لندري ما يقول، وإنه قد طُبع على قلبك. ثم قال: أيها الناس! ذَرُوني أرجع إلى مأمني من الأرض. فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حُكم بني عمك؟ فقال: معاذ اللَّه [أن أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، أو أُقر إقرار العبيد، عبادَ اللَّه] (٤) ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]. ثم أناخ راحلته، وأمر عُقبة بن سِمْعان فعقلها، ثم قال: [أخبروني: أتطلبوني بقتيل لكم قتلتُه؟ أو مال لكم أكلتُه؟ أو بقصاصة من جراحة؟ فأخذوا لا يكلِّمونه. قال: فنادى: يا شَبَث (٥) بن رِبْعي، يا حجّار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا

стр. 4016

إليَّ أن قد أينعت الثمار واخضرَّ الجناب، فاقدَم علينا فإنك إنما تقدَم على جند مجنَّدة؟ فقالوا له: لم نفعل. فقال: سبحان اللَّه! واللَّه لقد فعلتم. ثم قال: يا أيها الناس! إذ قد كرهتموني فدَعُوني أنصرف عنكم، فقال له قيس بن الأشعث: ألا تنزل على حُكم بني عمك فإنهم لن يؤذوك، ولا ترى منهم إِلَّا ما تحب؟ فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عَقيل؟ لا واللَّه لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقر لهم إقرار العبيد] (١). قال: وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيَّز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسًا فيما قيل، منهم الحرُّ بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين مما كان منه، قال: ولو أعلم أنهم على هذه النيَّة لسِرتُ معك إلى يزيد، فقبل منه الحسين، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين، فخاطب عمر بن سعد فقال: ويحكم! ألا تقبَلون من ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث؟ فقال: لو كان ذلك إليَّ قبلت. [قال: وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القَيْن على فرس له شاك في السلاح فقال: يا أهل الكوفة! نَذارِ لكم من عذاب اللَّه نَذار، إن حقًّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن أخوة، وعلى دين واحد ومِلَّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العِصمة وكنا أمة وأنتم أمة، إن اللَّه قد ابتلانا وإياكم بذريَّة نبيِّه لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم، وخِذْلان الطاغية ابن الطاغية عبيد اللَّه بن زياد، فإنكم لم تدركوا منهما إِلَّا سوءًا عموم سلطانهما، يَسْمُلان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثِّلان بكم، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حُجْر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. قال: فسبُّوه، وأثنَوْا على ابن زياد ودَعَوا له، وقالوا: لا ننزِعُ حتى نقتل صاحبك ومن معه. فقال لهم: إن ولد فاطمة أحقُّ بالود والنصر من ابن سميَّة، فإن أنتم لم تنصروهم فأُعيذكم باللَّه أن تقتلوهم، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، يذهب حيث شاء، فلَعَمْري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. قال: فرماه شَمِر بن ذي الجَوْشن بسهم وقال له: اسكُتْ، أَسكَتَ اللَّهُ نَأْمتَك (٢)، أبْرَمْتنا (٣) بكثرة كلامك. فقال له زهير: يا بنَ البوَّال على عقبَيْه، إياك أخاطب (٤)؟! إنما أنت بهيمة، واللَّه ما أظنك تُحكِم من كتاب اللَّه آيتين، فأبشِرْ بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال له شَمِر: إن اللَّه قاتلُك وصاحبَك بعد ساعة، فقال له زهير: أبالموت

стр. 4017

تخوِّفني؟ فواللَّه لَلْموت معه أحبُّ إليَّ من الخلد معكم. ثم إن زهيرًا أقبل على الناس رافعًا صوته يقول: عباد اللَّه! لا يغرنَّكم عن دينكم هذا الجِلْف الجافي وأشباهه، فواللَّه لا ينال شفاعة محمد ﷺ قوم أهرقوا دماء ذريَّته، وقتلوا مَنْ نصرهم وذبَّ عن حريمهم. وقال الحرُّ بن يزيد لعمر بن سعد: أصلحك اللَّه! أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي واللَّه قتالًا أيسرُه أن تسقط الرؤوس وتَطيح الأيدي. وكان الحرُّ من أشجع أهل الكوفة، فلامَهُ بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين، فقال له: واللَّه إني أخيِّر نفسي بين الجنة والنار، وواللَّه لا أختار على الجنة غيرها ولو قُطعت وحُرِّقت. ثم ضرب فرسه، فلحق بالحسين، فاعتذر إليه بما تقدم ثم قال: يا أهل الكوفة! لأمِّكم الهَبَل (١)، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا ما أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه، ومنعتموه التوجُّه في بلاد اللَّه العريضة الوسيعة التي لا يمنع منها الكلب والخنزير، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الذي يشرب منه الكلب والخنزير وفد صرعهم العطش؟! بئس ما خلفتم محمدًا في ذريَّته، لا سقاكم اللَّه يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين. وقال لهم عمر بن سعد: لو كان الأمر لي لأجبتُ الحسين إلى ما طلب] (٢) ولكنْ أبى عليَّ عبيد اللَّه بن زياد، وقد خاطب أهل الكوفة وأنَّبهم ووبَّخهم وسبَّهم. فقال لهم الحرُّ بن يزيد: ويحكم! منعتم الحسين ونساءه وبناته الماء الفرات الذي يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرَّغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا. قال: فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه: يا دريد أَدْنِ رايتَك، فأدناها، ثم شمَّر عمر عن ساعده ورمى بسهم وقال: اشهدوا أني أول من رمى القوم. قال: فترامى الناس بالنبال، وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد اللَّه فقالا: من يبارز؟ فبرز لهما عبد اللَّه (٣) بن عمير الكلبي بعد استئذانه الحسين، فقتل يسارًا أولًا ثم قتل سالمًا بعده، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى. وحمل رجل يقال له عبد اللَّه بن حَوْزة حتى وقف بين يدي الحسين فقال له: يا حسين! أبشر بالنار. فقال له الحسين: كلّا ويحك! إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، بل أنت أَولى بالنار. قالوا: فانصرف، فوقَصَتْه فرسه فسقط وتعلَّقت قدمه بالركاب [وكان الحسين قد سأل عنه، فقال: أنا ابن حَوْزة، فرفع الحسين يده وقال: اللهم حُزْه إلى النار. فغضب ابن حَوْزة، وأراد أن يقحم عليه الفرس

стр. 4018

وبينه وبينه نهر، فحالت به الفرس، فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلقًا بالركاب] (١) وشدَّ عليه مسلم بن عَوْسجة فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه فلم يبقَ حجرٌ يمر به إلّا ضربه في رأسه حتى مات. [وروى أبو مخنف، عن أبي جَناب قال: كان منّا رجل يُدعى عبد اللَّه بن عُمَير (٢) من بني عُلَيم، كان قد نزل الكوفة واتخذ دارًا عند بئر الجَعْد من هَمْدان، وكانت معه امرأة له عن النَّمِر بن قاسط، فرأى النَّاسَ يتهيؤون للخروج إلى قتال الحسين، فقال: واللَّه لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصًا، وإني لأرجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول اللَّه ﷺ لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين، وأيسر ثوابًا عند اللَّه. فدخل إلى امرأته، فأخبرها بما هو عازم عليه، فقالت: أصبت، أصاب اللَّه بك أرشد أمورك، افعل وأَخرجني معك. قال: فخرج بها ليلًا حتى أتى الحسين، ثم ذكر قصة رمي عمر بن سعد بالسَّهم، وقصة قتلة يسار مولى زياد، وسالم مولى ابن زياد، وأن عبد اللَّه بن عُمير استأذن الحسين في الخروج إليهما، فنظر إليه الحسين، فرأى رجلًا آدم طويلًا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتَّالًا. اخرج إن شئت، فخرج، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك (فقال لهما: يا أولاد الزانية! أو بكم رغبة عن مبارزة أحد من الناس، وهل يخرج إليكما أحد) (٣) إِلَّا وهو خير منكما؟! ثم شدَّ على يسار فكان كأمسِ الذاهب، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد، فصاح به صائح: قد رَهَقك العبد. قال: فلم ينتبه حتى غشيه فضربه على يده اليسرى فأطار أصابعه، ثم مال عليه (٤) الكلبي حتّى قتله، وأقبل يرتجز ويقول: إِنْ تُنْكراني فأنا ابنُ كَلْبِ … حَسْبيَ بَيْتي في عُلَيمٍ حَسْبي إنِّي إمرؤٌ ذو مِرَّةٍ (٥) وعَصْبِ … ولستُ بالخوَّار عندَ الكَرْب إنِّي زعيمٌ لكِ أُمَّ وهبِ … بالطَّعنِ فيهمْ مُقدِمًا والضَّرْب ضَرْب غلامٍ مُؤْمنٍ بالرَّبِّ فأخذت أمُّ وهب عمودًا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فدأك أبي وأمي، قاتِل دون الطيِّبين ذريَّة

стр. 4019

محمد ﵇. فأقبل إليها يردُّها نحو النساء، فأقبلت تجاذبه ثوبه وقالت: دعني أكن معك. فناداها الحسين: انصرفي إلى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال. فانصرفت إليهن] (١). قال: وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين والنصرُ في ذلك لأصحاب الحسين لقوَّة بأسهم، وأنهم مستميتون لا عاصمَ لهم إلّا سيوفهم، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة، وحمل عمرو بن الحجّاج -أمير ميمنة جيش ابن زياد- وجعل يقول: قاتلوا مَنْ مَرَق من الدين وفارق الجماعة. فقال له الحسين: ويحك بابن حجّاج! أعليَّ تحرض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقتْ أرواحنا أجسادنا من أَولى بصليِّ النار. وقد قُتل في هذه الحملة مسلم بن عَوْسجة، وكان أول من قُتل من أصحاب الحسين، فمشى إليه الحسين وترحَّم عليه وهو على آخر رمق، وقال له حبيب بن مُظْهر: أبشر بالجنة. فقال له بصوت ضعيف: بشَرك اللَّه بالخير. ثم قال له حبيب: لولا أني أعلم أني على أثرك لاحقك لكنت أقضي ما توصي به، فقال له مسلم بن عَوْسجة: أوصيك بهذا -وأشار إلى الحسين- إلى أن تموت دونه. قالوا: ثم حمل شَمِر بن ذي الجَوْشن بالميسرة وقصدوا نحو الحسين، فدافعت عنه الفرسان، من أصحابه دفاعًا عظيمًا، وكافحوا دونه مكافحة بليغة، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرُّماة الرَّجَّالة، فبعث إليه نحوًا من خمسمئة، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجَّالة، ولما عقروا جواد الحرِّ بن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول: إنْ تَعْقِروا بي فأنا ابنُ الحرِّ … أشجعُ مِنْ ذي لِبَدٍ هِزَبْر (٢) ويقال: إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال مَنْ أتى ناحيتها، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك، فأمر بتحريقها، فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فإنهم لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أُحرقت. وجاء شمِر بن ذي الجَوْشن -قبَّحه اللَّه- إلى فُسْطاط الحسين، فطعنه برمحه -يعني الفِسْطاط- وقال: إيتوني بالنار لأحرقه على من فيه، فصاحت النسوة وخرجْنَ منه، فقال له الحسين: أحرقك اللَّه بالنار. وجاء شَبَث بن رِبْعي إلى شَمِر -قبحه اللَّه- فقال له! ما رأيت أقبح من قولك ولا من فعلك وموقفك هذا، أتريد أن ترعب النساء؟ فاستحيى وهَمَّ بالرجوع. [وقال حُميد بن مسلم: قلت لشَمِر: سبحان اللَّه! إنَّ هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين: تعذِّب بعذاب اللَّه، وتقتل الولدان والنساء؟!

стр. 4020

واللَّه إنَّ في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك. قال: فقال لي: من أنت؟ قلت: لا أخبرك من أنا - وخشيت أني إن أخبرته فعرفني أن يسوءني عند السلطان] (١). وشدَّ زهير بن القين -في رجال من أصحاب الحسين- على شَمِر بن ذي الجَوْشن، فأزالوه عن موقفه [وقتلوا أبا عزَّة الضبابي -وكان من أصحاب شَمر- وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قُتل بان فيهم الخلل، وإذا قُتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبيّن ذلك فيهم لكثرتهم] (٢). ودخل عليهم وقتُ الظهر، فقال الحسين: مُرُوهم فليكفُّوا عن القتال حتى نصلي، فقال رجل من أهل الكوفة: إنها لا تُقبل منكم. فقال له حبيب بن مُظْهِر: ويحك! أتُقبل منكم ولا تُقبل من آل رسول اللَّه ﷺ ؟ وقاتل حبيب قتالًا شديدًا [حتى قتل رجلًا يقال له بُديل بن صُرَيم من بني عُقْفان (٣) وجعل يقول: أنا حبيبٌ وأبي مُظْهِرُ … فارسُ هَيْجاء وحَرْب مِسْعَرُ أنتمْ أوفرُ عدَّةً وأكثرُ … ونحنُ أوفى منكمُ وأَصْبَرُ ونحنُ أعلى حُجَّةً وأظهرُ … حقًّا وأنقى منكمُ وأَطْهَرُ (٤) ثم حمل على حبيب هذا رجلٌ من بني تميم، فطعنه فوقع، ثم ذهب ليقوم، فضربه الحُصين بن نُمير على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتزَّ رأسه وحمله إلى ابن زياد، فرأى ابن حبيب رأس أبيه فعرفه، فقال لحامله: أعطني رأس أبي حتى أدفنه، ثم بكى (وقال لقاتله: أما واللَّه لقد قتلته وهو خير منك) (٥). قال: فمكث الغلام إلى أن بلغ أشُدَّه ثم لم تكن له همة إلّا قتل قاتل أبيه. قال: فلما كان زمن مصعب بن الزُّبَير (٦) دخل الغلام عسكر مصعب، فإذا قاتلُ أبيه في فِسْطاطه، فدخل عليه وهو قائل (٧)، فضربه بسيفه حتى برد. وقال أبو مِخْنف: حدّثني محمد بن قيس قال: لما قُتل حبيب بن مُظْهِر هدَّ ذلك الحسين، وقال عند ذلك: أحتسب نفسي، وأخذ الحرُّ يرتجز ويقول للحسين: آليتُ لا تُقْتَل حتّى أُقتَلا … ولنْ أُصابَ اليوم إلَّا مُقْبِلا

стр. 4021

أَضرِبُهمْ بالسَّيف ضَرْبًا مِقْصَلا … لا ناكلًا عنهُمْ ولا مُهَلِّلا (١) ثم قاتل هو وزهير بن القَيْن قتالًا شديدًا، فكان إذا شدَّ أحدهما حتى استلحم شدَّ الآخر حتى يخلصَه، فعلا ذلك ساعة، ثم إن رجالًا شدُّوا على الحرِّ بن يزيد فقتلوه، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابنَ عمٍّ له كان عدوًا له] (٢). ثم صلَّى الحسين باصحابه الظهر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعدها قتالًا شديدًا [(٣) ودافع عن الحسين صناديد أصحابه. وقاتل زهير بن القَيْن بين يدي الحسين قتالًا شديدًا، ورمي بعض أصحابه بالنبل حتى سقط بين يدي الحسين، وجعل زهير يرتجز ويقول: أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القَيْنِ … أَذودُكمْ بالسَّيف عن حُسَين (٤) قال: وأخذ يضرب على منكب الحسين ويقول: أَقدِمْ هُدِيتَ هاديًا مَهْدِيَّا … فاليومَ تلْقي جدَّكَ النَّبيَّا وحَسَنًا والمُرْتضى عليَّا … وذا الجَنَاحَيْنِ الفَتَى الكَمِيَّا وأسَدَ اللَّهِ الشَّهيدَ الحَيَّا قال: فشدَّ عليه كثير بن عبد اللَّه الشَّعبي ومُهاجر بن أوس فقتلاه. قال: وكان من أصحاب الحسين نافع بن هلال الجمَلي، وكان قد كتب اسمه (٥) على فُوق (٦) نبله، فجعل يرمي بها مسمومة وهو يقول: أَرمي بها مُعَلِّمًا أَفْواقها … والنفسُ لا ينفعُها شِقَاقُها أنا الجَملي، أنا على دين علي. فقَتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جَرح، ثم ضرب حتى كُسرت عضداه، ثم أسروه فأتوا به عمر بن سعد، فقال له: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعتَ بنفسك؟ فقال: إن ربي يعلم ما أردت -والدماء تسيل عليه وعلى لحيته- ثم قال: واللَّه لقد قتلتُ من جندكم اثني عشر سوى من

стр. 4022

جَرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيتْ لي عضد وساعد ما أسرتموني. فقال شَمِر لعمر: اقتله، قال: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله. فقام شَمِر فأنضى سيفه، فقال له نافع: أما واللَّه يا شَمِر لو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أن تلقى اللَّه بدمائنا، فالحمد للَّه الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثم قتله. ثم أقبل شَمِر فحمل على أصحاب الحسين، وتكاثر معه الناس حتى كادوا أن يصلوا إلى الحسين، فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا عليهم، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم، تنافسوا أن يُقتلوا بين يديه، فجاءه عبد الرحمن وعبد اللَّه ابنا عَزْرة الغفاري، فقالا: أبا عبد اللَّه عليك السلام، حازَنَا العدو إليك فاحببنا أن نُقتل بين يديك وندفع عنك. فقال: مرحبًا بكما، ادنُوَا مني، فدنَوَا منه، فجعلا يقاتلان قريبًا منه وهما يقولان: قد علِمتْ حقًّا بنو غِفَار … وخِنْدِفٌ بعدَ بني نِزَار لنَضْرِبنَّ معشرَ الفُجَّار … بكلِّ عَضْبٍ قاطعٍ بَتَّارٍ يا قومُ ذُودُوا عن بني الأَخْيار … بالمشْرَفيِّ والقَنَا الخَطَّار (١) ثم أتاه أصحابه مَثْنى وفرادى يقاتلون بين يديه وهو يدعو لهم ويقول: جزاكم اللَّه أحسن جزاء المتَّقين. فجعلوا يسلِّمون على الحسين ويقاتلون حتى يقتلوا. ثم جاءه عابس بن أبي شَبيب فقال: يا أبا عبد اللَّه! أما واللَّه ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز عليَّ منك، ولو قدرتُ أن أدفع عنك الضَّيم أو القتل بشيء أعز عليَّ من نفسي ودمي لفعلتُه، السلام عليك يا أبا عبد اللَّه، اشهد لي أني على هَدْيك. ثم مشى بسيفه (٢) صَلْتًا وبه ضربة على جبينه -وكان أشجع الناس- فنادى: ألا رجل لرجل؟ ألا ابرزوا لي. فعرفوه فنكلوا عنه، ثم قال عمر بن سعد: ارضَخُوه بالحجارة، فرُمي بالحجارة من كل جانب. فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغْفره ثم شدَّ على الناس، واللَّه لقد رأيته يَكْرُد (٣) أكثر من مئتين من الناس بين يديه، ثم إنهم عطفوا عليه من كل جانب فقُتل ﵀، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدد كلّ يدَّعي قتله، فأتوا به عمر بن سعد فقال لهم: لا تختصموا فيه فإنه لم يقتلْه إنسان واحد. ففرَّق بينهم بهذا القول] (٤).

стр. 4023

ثم قاتل أصحاب الحسين بين يديه حتى تفانَوا، ولم يبق أحد إلّا سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخَثْعمي. وكان أولَ قتيل قُتل من أهل الحسين من بني أبي طالب عليٌّ الأكبر ابن الحسين بن علي، وأمُّه ليلى بنت أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود الثقفي، طعنه مُرَّة بن مُنْقِذ بن النعمان العَبْدي فقتله، لأنه جعل يَقي أباه، وجعل يقصد أباه، فقال علي بن الحسين: أنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ علي … نحنُ -وبيتِ اللَّه- أولى بالنَّبي تاللَّه لا يحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي … كيفَ تَرَوْنَ اليومَ ستري عَنْ أَبي فلمّا طعنه مُرَّة احتوشته الرجال فقطَّعوه بأسيافهم، فقال الحسين: قتل اللَّه قومًا قتلوك يا بُنيّ، ما أجرأهم على اللَّه وعلى انتهاك محارمه؟! فعلى الدنيا بعدك العَفَاء. قال: وخرجت جارية كأنها الشمس حُسْنًا فقالت: يا أخيّاه ويابن أخيّاه! فإذا هي زينب بنت علي من فاطمة، فأكبَّت عليه وهو صريع. قال: فجاء الحسين فأخذ بيدها فأدخلها الفسطاط، وأمر به الحسين فحوِّل من هناك إلى بين يديه عند فُسطاطة (١). ثم قُتل عبد اللَّه بن مسلم بن عَقيل، ثم قُتل عون ومحمد ابنا عبد اللَّه بن جعفر. ثم قُتل عبد الرحمن وجعفر ابنا عَقيل بن أبي طالب. ثم قُتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. [قال أبو مِخْنف: وحدّئني فُضيل بن خَدِيج الكندي: أن يزيد بن زياد -وكان راميًا، وهو أبو الشَّعثاء الكناني من بني بَهْدَلة- جثا على ركبتيه بين يدي الحسين، فرمى بمئة سهم ما سقط منها على الأرض خمسة أسهم. فلمّا فرغ من الرمي قال: قد تبيَّن لي أني قتلت خمسة نفر: أنا يزيدُ وأنا المُهَاجرْ … أشجعُ من ليثٍ قويٍّ حادرْ يا ربِّ (٢) إنِّي للحسين ناصرْ … ولابنِ سعدٍ تاركٌ وهاجرْ] (٣) قالوا: ومكث الحسين نهارًا طويلًا وحده لا يأتي أحد إليه إلّا رجع عنه، لا يحب أن يلي قتله، حتى

стр. 4024

جاءه رجل من بني بَدّا (١) يقال له مالك بن البشير (٢)، فضرب الحسين على رأسه بالسيف، فأدمى رأسه، وكان على الحسين برنس، فقطعه وجرح رأسه، فامتلأ البُرْنس دمًا، فقال له الحسين: لا أكلتَ بها ولا شربت، وحشركَ اللَّه مع الظالمين. ثم ألقى الحسين ذلك البُرْنس ودعا بعمامة فلبسها. [وقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حُميد قال: خرج إلينا غلام كأنَّ وجهه فِلْقة قمر، في يده السيف، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شِسْع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لنا عمر بن سعد بن نُفيل الأزدي: واللَّه لأشدَّنَّ عليه. قال: فقلت له: سبحان اللَّه! وما تريد إلى ذلك؟ يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم. فقال: واللَّه لأشدَّنَّ عليه. فشدَّ عليه عمر بن سعد أمير الجيش فضربه، وصاح الغلام: يا عمّاه! قال: فشدَّ الحسين على عمر بن سعد شدَّة ليث أعضب، فضرب عمرَ بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنَّها من لَدُن المِرْفق، فصاح ثم تنحَّى عنه. وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمر من الحسين، فاستقبلت عمر بصدورها وحرَّكت حوافرها، وجالت بفرسانها عليه، ثم انجلت الغبرة فإذا الحسينُ قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجله، والحسين يقول: بُعْدًا لقوم قتلوك، ومَنْ خصمُهم يوم القيامة فيك جدُّك. ثم قال: عزَّ -واللَّه- على عمك أن تدعوَه فلا يُجيبك، أو يُجيبك ثم لا ينفعك، صوت -واللَّه- كثر واترُه وقلَّ ناصرُه. ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع الحسين صدره على صدره، ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه عليٍّ الأكبر ومع مَنْ قُتل من أهل بيته، فسألتُ عن الغلام، فقيل لي: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٣). وقال هانئ بن ثُبيت الحضرمي: إني لواقف يوم مقتل الحسين عاشرَ عشرة ليس منا رجل إلّا على فرس، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، وعليه إزار وقميص، وهو مذعور يلتفت يمينًا وشمالًا، فكاني أنظر إلى دُرَّتين في أُذنيه تذبذبان كلَّما التفت، إذ أقبل رجل يركض على فرسه، حتى إذا دنا من الغلام مال عن فرسه، ثم أخذ الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام السَّكوني: هانئ بن ثُبيت هو الذي قتل الغلام، خاف أن يُعاب ذلك عليه فكنَّى عن نفسه] (٤). قال: ثم إن الحسين أعيا، فقعد على باب فُسْطاطه وأُتي بصبي صغير من أولاده اسمه عبد اللَّه، فأجلسه في حِجْره، ثم جعل يقبِّله ويشمُّه ويودِّعه ويوصي أهلَه، فرماه رجل من بني أسد -يقال له: ابن (٥) موقد النار- بسهم، فذبح ذلك الغلام، فتلقَّى حسين دمه في يده وألقاه نحو السماء وقال:

стр. 4025

ربٍّ إن تك قد حبستَ عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير، وانتقم لنا من الظالمين. ورمى عبدُ اللَّه بن عقبة الغَنَوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضًا. ثم قُتل عبد اللَّه والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بنو علي بن أبي طالب - إخوة الحسين. وقد اشتدَّ عطش الحسين، فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر، بل مانعوه عنه، فخلص إلى شَرْبة منه، فرماه رجل -يقال له حصين بن تميم- بسهم في حنكه فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه، ففار الدم، فتلقَّاه بيديه، ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دمًا، ثم رمى به إلى السماء وقال: اللهم أَحصِهم عددًا، واقتُلْهم بددًا، ولا تذر على الأرض منهم أحدًا. ودعا عليهم دعاءً بليغًا. [قال: فواللَّه إنْ مكث الرجل الرامي له إلَّا يسيرًا حتى صب اللَّه عليه الظمأ، فجعل لا يَرْوَى ويُسقى الماء مبرَّدًا، وتارة يبرَّد له اللبن والماء جميعًا، ويُسقى فلا يَرْوَى بل يقول: ويلكم اسقوني قتلَني الظمأ. قال: فواللَّه ما لبث إلَّا يسيرًا حتى انقدَّ بطنُه انفداد بطن البعير. ثم إن شَمِر بن ذي الجَوْشن أقبل في نحو من عشرة من رَجّالة الكوفة قِبَل منزل الحسين الذي فيه ثقلُه وعيالُه، فمشى نحوهم، فحالوا بينه وبين رَحْله، فقال لهم الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دِين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحرارًا وذوي أحساب، امنعوا رَحْلي وأهلي من طغاتكم وجهّالكم. فقال ابن ذي الجَوْشن: ذلك لك يابن فاطمة. ثم أحاطوا به، فجعل شَمر يحرِّضهم على قتله، فقال له أبو الجَنوب: وما يمنعك أنست من قتله؟ فقال له شَمِر: ألي تقول هذا؟! فقال أبو الجنوب: وأنت لى تقول هذا؟! فاستبّا ساعة، فقال له أبو الجَنوب - وكان شجاعًا: واللَّه لقد هممتُ أن أخضخض هذا السِّنان في عينك. فانصرف عنه شَمِر] (١). ثم جاء شَمِر ومعه جماعة من الشُّجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فُسْطاطه ولم يبق معه أحد يحول بينهم وبينه، فجاء غلام يشتدُّ من الخيام كأنه البدر، في أذنيه دُرَّتان، فخرجت زينب بنت عليٍّ لتردَّه، فامتنع عليها، وجاء يحاجف عن عمِّه، فضربه رجل منهم بالسيف، فاتقاه بيده، فأطنَّها سوى جلده، فقال: يا أبتاه! فقال له الحسين: يا بنيَّ احتسبت أجرك عند اللَّه، فإنك تلحق بآبائك الصالحين (٢). ثم حمل على الحسين الرجالُ من كل جانب، وهو يجول فيهم بالسيف يمينًا وشمالًا، فيتنافرون عنه كتنافر المِعْزى عن السَّبُع. وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه فجعلت تقول: ليت السماء تقع على الأرض. وجاءت عمر بن سعد فقالت: يا عمر! أرضيتَ أن يُقتل أبو عبد اللَّه وأنت تنظر؟! فتحادرت

стр. 4026

الدموع على لحيته، وصرف وجهه عنها. ثم جعل لا يُقدم أحد على قتله حتى نادى شَمِر بن ذي الجَوْشن: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتُلوه ثكلتْكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب على الحسين، وضربه زُرْعة بن شَريك التميمي على كتفه اليسرى، وضُرب على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو. ثم جاء إليه سنان بن أنس (١) النَّخَعي، فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه وحزَّ رأسه، ثم دفع رأسه إلى خَولي بن يزيد. وقيل: إن الذي قتله شَمِر بن ذي الجَوْشن. وقيل: رجل من مَذْحج. وقيل: عمر بن سعد بن أبي وقاص، وليس بشيء، وإنما كان عمر أمير السريَّة التي قتلت الحسين فقط. والأول أشهر. [وقال عبد اللَّه بن عمّار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على مَن عن يمينه حتى ابذعرُّوا (٢) عنه (وعلى مَن عن شماله حتى ابذعرُّوا عنه) (٣)، فواللَّه ما رأيت مكثورًا (٤) قطُّ قد قُتل أولاده وأصحابه أربط جأشًا منه ولا أمضى جَنانًا منه. واللَّه ما رأيت قبلَه ولا بعدَه مثلَه. قال: ودنا عمر بن سعد من الحسين، فقالت له زينب: يا عمر! أيُقتل أيو عبد اللَّه وأنت تنظر؟ فبكى وصرف وجهه عنها. وقال أبو مِخْنف: حدّثني الصَّقْعب بن زهير، عن حُميد بن مسلم قال: جعل الحسين يشدُّ على الرجال وهو يقول: أعلى قتلي تَحاثُّون (٥)؟ أما واللَّه لا تقتلون بعدي عبدًا من عباد اللَّهِ اللَّهُ أسخط عليكم بقتله مني، وايمُ اللَّهِ إني لأرجو أن يكرمني اللَّه بهوانكم ثم ينتقم اللَّه لي منكم من حيث لا تشعرون، أما واللَّه لو قد قتلتموني لقد ألقى اللَّه بأسَكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلًا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه (لفعلوا، ولكن كان يتقي بعضهم ببعض دمه، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤنة قتله) (٦) حتى نادى شَمِر بن ذي الجَوْشن: ماذا تنتظرون بقتله؟ فتقدَّم إليه زُرْعة بن شَريك التميمي، فضربه بالسيف على عاتقه، ثم طعنه سنان بن أنس بن عمرو النخعي بالرمح، ثم نزل فاحتزَّ رأسه ودفعه إلى خَولي] (٧).

стр. 4027

وقد روى ابن عساكر في ترجمة شَمِر بن ذي الجَوْشن -وذو الجَوْشن: صحابي جليل، قيل اسمه شرحبيل، وقيل عثمان بن نَوْفل، ويقال ابن أوس بن الأعور العامري الضِّبابي، بطن من كلاب ويكنى شَمِر بأبي السَّابغة- ثم من طريق عمر بن شبَّة: حدثنا أبو أحمد، حدّثني عمي فُضيل بن الزبير، عن عبد الرحيم بن مَيْمون، عن محمد بن عمرو بن حسن قال: كنا مع الحسين بنهري كربلاء، فنظر إلى شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال: صدق اللَّه ورسوله، قال رسول اللَّه ﷺ : "كأنِّي أنظرُ إلى كلبٍ أَبْقع يَلَغُ في دماء أَهلِ بَيْتي". وكان شَمِر -قبحه اللَّه- أبرص (١). وأخذ سنان وغيرُه سَلَبه، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله، وما في خِبائه حتى ما على النساء من الثياب الطاهرة. وقال أبو مِخْنف: عن جعفر بن محمد قال: وجدنا بالحسين حين قُتل ثلاثًا وثلاثين طعنة، وأربعًا وثلاثين ضربة. وهمَّ شَمِر بن ذي الجَوْشن بقتل علي بن الحسين الأصغر -زين العابدين- وهو صغير مريض، حتى صرفه عن ذلك حُميد بن مسلم أحد أصحابه، وجاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يَدخلن على هؤلاء النسوة أحد، ولا يَقتل هذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئًا فليردّه عليهم. قال: فواللَّه ما ردَّ أحد شيئًا. فقال له علي بن الحسين: جُزيت خيرًا فقد دفع اللَّه عني بمقالتك شرًا (٢). قالوا: ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد فنادى بأعلى صوته: أَوْقِرْ ركابي فضَّة وَذَهَبا … أنا قَتلتُ المَلِكَ المَحَجَّبا قَتلتُ خيرَ النَّاسِ أمًّا وأَبَا … وخيرَهُمْ إذ يُنسَبُونَ نَسَبَا (٣) فقال عمر بن سعد: أدخلوه عليّ. فلمّا دخل رماه بالسوط وقال: ويحك أنت مجنون؟! واللَّه لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك. ومنَّ عمر بن سعد على عُقبة بن سِمْعان حين أخبره أنه مولى، فلم ينج منهم غيره. والمرفع بن يمانة (٤) أُسر، فمنَّ عليه ابن زياد. وقُتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسًا (٥)، فدفنهم أهل الغاضريَّة (٦) من بني أسد بعدما قُتلوا بيوم واحد.

стр. 4028

[قال: ثم أمر عمر بن سعد أن يُوطأ الحسين بالخيل، ولا يصح ذلك، واللَّه أعلم. وقُتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا] (١). وروي عن محمد بن الحنفيَّة أنه قال: قُتل مع الحسين سبعةَ عشرَ رجلًا كلُّهم من أولاد فاطمة. وعن الحسن البصري أنه قال: قُتل مع الحسين ستةَ عشرَ رجلًا كلُّهم من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه. وقال غيره: قُتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثةٌ وعشرون رجلًا، فمن أولاد علي ﵁: جعفر، والحسين، والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر. ومن أولاد الحسين: علي الأكبر، وعبد اللَّه. ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة: عبد اللَّه، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب. ومن أولاد عبد اللَّه بن جعفر اثنان: عون، ومحمد. ومن أولاد عَقيل: جعفر، وعبد اللَّه، وعبد الرحمن، ومسلم قُتل قبل ذلك كما قدمنا، فهؤلاء أربعة لصُلبه، واثنان آخران هما: عبد اللَّه بن مسلم بن عَقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عَقيل، فكملوا ستة من ولد عَقيل، وفيهم يقول الشاعر (٢): واندُبي تسعةً لصُلبِ عليٍّ … قد أُصِيبُوا وستَّةً لعَقِيل وسميّ النبيِّ غُودِرَ فيهم … قد عَلَوْهُ بصَارمٍ مَصْقول وممن قُتل مع الحسين بكربلاء أخوه من الرَّضاعة عبد اللَّه بن بُقْطُر، وقد قيل: إنه قُتل قبل ذلك، حيث بعث معه كتابًا إلى أهل الكوفة، فحُمل إلى ابن زياد فقتله. وقُتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا سوى الجرحى، فصلَّى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويقال: إنَّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة، وأمر برأسه أن يُحمل من يومه إلى ابن زياد مع خَولي بن يزيد الأصبحي، فلمّا انتهى به إلى القصر وجده مغلقًا، فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجّانة (٣)، وقال لامرأته نَوار بنت مالك: جئتك بعزِّ الدهر، فقالت: وما هو؟ فقال: برأس الحسين، فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة وجئتَ أنت برأس ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ؟! واللَّه لا يجمعني وإياك فراشٌ أبدًا، ثم نهضتْ عنه من الفراش، واستدعى بامرأة له أخرى من بني أسد، فنامت عنده. قالت المرأة الثانية الأسديَّة: واللَّه ما زلتُ أرى النور ساطعًا

стр. 4029

من تلك الإجّانة إلى السماء، وطيورًا بيضًا ترفرف حولها. فلمّا أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين يديه. ويقال: إنه كان معه رؤوس بقية أصحابه -وهو المشهور- ومجموعها اثنان وسبعون رأسًا، وذلك أنه ما قُتل قتيل إلّا احتزُّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية بالشام. قال الإمام أحمد: حدَّثنا حسين، حدَّثنا جرير، عن محمد، عن أنس قال: أُتي عبيد اللَّه بن زياد برأس الحسين، فجُعل في طَسْت، فجَعل ينكت عليه، وقال في حسنه شيئًا. فقال أنس: إنه كان أشبهَهُم برسول اللَّه ﷺ ، وكان مخضوبًا بالوَسْمَة (١). ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسين (٢) بن إبراهيم -هو ابن إشْكاب- عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سِيرين، عن أنس. . . فذكره (٣). وقد رواه الترمذي (٤) من حديث حَفْصة بنت سِيرين، عن أنس. وقال: حسن صحيح. وفيه: "فجعل ينكتُ بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسْنًا". وقال البزّار: حدَّثنا مفرج بن شُجاع بن عبيد اللَّه المَوْصلي، حدَّثنا غسان بن الربيع، حدَّثنا يوسف بن عَبدة (٥)، عن ثابت وحُميد، عن أنس قال: لما أُتي عبيد اللَّه بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان -أحسبُه قال- جميلًا، فقلت: واللَّه لأَسوءَنَّك، إني رأيت رسول اللَّه ﷺ يلثُم حيث يقع قضيبُك. قال: فانقبض. تفرد به البزار من هذا الوجه وقال: لا نعلم رواه عن حُميد غير يوسف بن عَبدة، وهو رجل من أهل البصرة مشهور، وليس به بأس (٦). ورواه أبو يعلى الموصلي (٧): عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس. . . فذكره. ورواه قرَّة بن خالد، عن الحسن، عن أنس. . . فذكره. وقال أبو مِخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد، فسرَّحني إلى أهله لأبشِّرهم بما فتح اللَّه عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلتُ فيمن دخل، فإذا رأسُ الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه

стр. 4030

بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين، فواللَّه الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُ شَفَتَيْ رسول اللَّه ﷺ على هاتين الثنيَّتين يقبِّلُهما. ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى اللَّه عينَك، فواللَّه لولا أنك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربتُ عنقك. قال: فنهض فخرج [فلما خرج قال الناس: واللَّه لقد قال زيد بن أرقم كلامًا لو سمعه ابن زياد لقتلَه، قال: فقلت: ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبيدًا، فاتخذَهم تليدًا (١)، أنتم -يا معشر العرب- العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمَّرتم ابن مُرْجانة (٢)، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبُعدًا لمن رضي بالذُّل] (٣). وقد رُوي من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم. . . بنحوه. ورواه الطبراني من طريق ثابت، عن زيد. وقد قال الترمذي (٤): حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمَيْر قال: لما جيء برأس عبيد اللَّه بن زياد وأصحابه، فنُصبت في المسجد في الرَّحبة، فانتهيتُ إليه وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حيَّة قد جاءت تتخلَّل الرؤوس حتى دخلت في مَنْخِري عبيد اللَّه بن زياد، فمكثتْ هنيهةً ثم خرجتْ، فذهبتْ حتى تغيَّبتْ، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت. ففعلتْ ذلك مرتين أو ثلاثًا. ثم قال الترمذي: حسن صحيح. وأمر ابن زياد فنُودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصَعِد المنبر، فذكر ما فتح اللَّه عليه من قتل الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك ويفرِّق الكلمة عليهم. فقام إليه عبد اللَّه بن عفيف الأزدي فقال: ويحك يا بن زياد! تقتلون أولاد النبيِّين وتتكلَّمون بكلام الصدِّيقين؟! فأمر به ابن زياد، فقُتل وصُلب. ثم أمر برأس الحسين، فنُصب بالكوفة وطيف به في أزقَّتها، ثم سيَّره مع زَحْر بن قيس ومعه رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية [بالشام، وكان مع زَحْر جماعة من الفرسان، منهم أبو بُرْدة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظَبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بالرؤوس كلِّها على يزيد بن معاوية] (٥). قال هشام: فحدّثني عبد اللَّه بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجُرشي -من حمير- قال: واللَّه إني لعند يزيدَ بن معاوية بدمشق، إذ أقبل زَحْر بن قيس فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك؟! [فقال: أَبشِر يا أمير المؤمنين بفتح اللَّه عليك ونصره، ورد
следующие страницы →