← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

الدموع على لحيته، وصرف وجهه عنها. ثم جعل لا يُقدم أحد على قتله حتى نادى شَمِر بن ذي الجَوْشن: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتُلوه ثكلتْكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب على الحسين، وضربه زُرْعة بن شَريك التميمي على كتفه اليسرى، وضُرب على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو. ثم جاء إليه سنان بن أنس (١) النَّخَعي، فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه وحزَّ رأسه، ثم دفع رأسه إلى خَولي بن يزيد. وقيل: إن الذي قتله شَمِر بن ذي الجَوْشن. وقيل: رجل من مَذْحج. وقيل: عمر بن سعد بن أبي وقاص، وليس بشيء، وإنما كان عمر أمير السريَّة التي قتلت الحسين فقط. والأول أشهر. [وقال عبد اللَّه بن عمّار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على مَن عن يمينه حتى ابذعرُّوا (٢) عنه (وعلى مَن عن شماله حتى ابذعرُّوا عنه) (٣)، فواللَّه ما رأيت مكثورًا (٤) قطُّ قد قُتل أولاده وأصحابه أربط جأشًا منه ولا أمضى جَنانًا منه. واللَّه ما رأيت قبلَه ولا بعدَه مثلَه. قال: ودنا عمر بن سعد من الحسين، فقالت له زينب: يا عمر! أيُقتل أيو عبد اللَّه وأنت تنظر؟ فبكى وصرف وجهه عنها. وقال أبو مِخْنف: حدّثني الصَّقْعب بن زهير، عن حُميد بن مسلم قال: جعل الحسين يشدُّ على الرجال وهو يقول: أعلى قتلي تَحاثُّون (٥)؟ أما واللَّه لا تقتلون بعدي عبدًا من عباد اللَّهِ اللَّهُ أسخط عليكم بقتله مني، وايمُ اللَّهِ إني لأرجو أن يكرمني اللَّه بهوانكم ثم ينتقم اللَّه لي منكم من حيث لا تشعرون، أما واللَّه لو قد قتلتموني لقد ألقى اللَّه بأسَكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلًا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه (لفعلوا، ولكن كان يتقي بعضهم ببعض دمه، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤنة قتله) (٦) حتى نادى شَمِر بن ذي الجَوْشن: ماذا تنتظرون بقتله؟ فتقدَّم إليه زُرْعة بن شَريك التميمي، فضربه بالسيف على عاتقه، ثم طعنه سنان بن أنس بن عمرو النخعي بالرمح، ثم نزل فاحتزَّ رأسه ودفعه إلى خَولي] (٧).

стр. 4027

وقد روى ابن عساكر في ترجمة شَمِر بن ذي الجَوْشن -وذو الجَوْشن: صحابي جليل، قيل اسمه شرحبيل، وقيل عثمان بن نَوْفل، ويقال ابن أوس بن الأعور العامري الضِّبابي، بطن من كلاب ويكنى شَمِر بأبي السَّابغة- ثم من طريق عمر بن شبَّة: حدثنا أبو أحمد، حدّثني عمي فُضيل بن الزبير، عن عبد الرحيم بن مَيْمون، عن محمد بن عمرو بن حسن قال: كنا مع الحسين بنهري كربلاء، فنظر إلى شَمِر بن ذي الجَوْشن فقال: صدق اللَّه ورسوله، قال رسول اللَّه ﷺ : "كأنِّي أنظرُ إلى كلبٍ أَبْقع يَلَغُ في دماء أَهلِ بَيْتي". وكان شَمِر -قبحه اللَّه- أبرص (١). وأخذ سنان وغيرُه سَلَبه، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله، وما في خِبائه حتى ما على النساء من الثياب الطاهرة. وقال أبو مِخْنف: عن جعفر بن محمد قال: وجدنا بالحسين حين قُتل ثلاثًا وثلاثين طعنة، وأربعًا وثلاثين ضربة. وهمَّ شَمِر بن ذي الجَوْشن بقتل علي بن الحسين الأصغر -زين العابدين- وهو صغير مريض، حتى صرفه عن ذلك حُميد بن مسلم أحد أصحابه، وجاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يَدخلن على هؤلاء النسوة أحد، ولا يَقتل هذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئًا فليردّه عليهم. قال: فواللَّه ما ردَّ أحد شيئًا. فقال له علي بن الحسين: جُزيت خيرًا فقد دفع اللَّه عني بمقالتك شرًا (٢). قالوا: ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد فنادى بأعلى صوته: أَوْقِرْ ركابي فضَّة وَذَهَبا … أنا قَتلتُ المَلِكَ المَحَجَّبا قَتلتُ خيرَ النَّاسِ أمًّا وأَبَا … وخيرَهُمْ إذ يُنسَبُونَ نَسَبَا (٣) فقال عمر بن سعد: أدخلوه عليّ. فلمّا دخل رماه بالسوط وقال: ويحك أنت مجنون؟! واللَّه لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك. ومنَّ عمر بن سعد على عُقبة بن سِمْعان حين أخبره أنه مولى، فلم ينج منهم غيره. والمرفع بن يمانة (٤) أُسر، فمنَّ عليه ابن زياد. وقُتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسًا (٥)، فدفنهم أهل الغاضريَّة (٦) من بني أسد بعدما قُتلوا بيوم واحد.

стр. 4028

[قال: ثم أمر عمر بن سعد أن يُوطأ الحسين بالخيل، ولا يصح ذلك، واللَّه أعلم. وقُتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا] (١). وروي عن محمد بن الحنفيَّة أنه قال: قُتل مع الحسين سبعةَ عشرَ رجلًا كلُّهم من أولاد فاطمة. وعن الحسن البصري أنه قال: قُتل مع الحسين ستةَ عشرَ رجلًا كلُّهم من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه. وقال غيره: قُتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثةٌ وعشرون رجلًا، فمن أولاد علي ﵁: جعفر، والحسين، والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر. ومن أولاد الحسين: علي الأكبر، وعبد اللَّه. ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة: عبد اللَّه، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب. ومن أولاد عبد اللَّه بن جعفر اثنان: عون، ومحمد. ومن أولاد عَقيل: جعفر، وعبد اللَّه، وعبد الرحمن، ومسلم قُتل قبل ذلك كما قدمنا، فهؤلاء أربعة لصُلبه، واثنان آخران هما: عبد اللَّه بن مسلم بن عَقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عَقيل، فكملوا ستة من ولد عَقيل، وفيهم يقول الشاعر (٢): واندُبي تسعةً لصُلبِ عليٍّ … قد أُصِيبُوا وستَّةً لعَقِيل وسميّ النبيِّ غُودِرَ فيهم … قد عَلَوْهُ بصَارمٍ مَصْقول وممن قُتل مع الحسين بكربلاء أخوه من الرَّضاعة عبد اللَّه بن بُقْطُر، وقد قيل: إنه قُتل قبل ذلك، حيث بعث معه كتابًا إلى أهل الكوفة، فحُمل إلى ابن زياد فقتله. وقُتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا سوى الجرحى، فصلَّى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويقال: إنَّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة، وأمر برأسه أن يُحمل من يومه إلى ابن زياد مع خَولي بن يزيد الأصبحي، فلمّا انتهى به إلى القصر وجده مغلقًا، فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجّانة (٣)، وقال لامرأته نَوار بنت مالك: جئتك بعزِّ الدهر، فقالت: وما هو؟ فقال: برأس الحسين، فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة وجئتَ أنت برأس ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ؟! واللَّه لا يجمعني وإياك فراشٌ أبدًا، ثم نهضتْ عنه من الفراش، واستدعى بامرأة له أخرى من بني أسد، فنامت عنده. قالت المرأة الثانية الأسديَّة: واللَّه ما زلتُ أرى النور ساطعًا

стр. 4029

من تلك الإجّانة إلى السماء، وطيورًا بيضًا ترفرف حولها. فلمّا أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين يديه. ويقال: إنه كان معه رؤوس بقية أصحابه -وهو المشهور- ومجموعها اثنان وسبعون رأسًا، وذلك أنه ما قُتل قتيل إلّا احتزُّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية بالشام. قال الإمام أحمد: حدَّثنا حسين، حدَّثنا جرير، عن محمد، عن أنس قال: أُتي عبيد اللَّه بن زياد برأس الحسين، فجُعل في طَسْت، فجَعل ينكت عليه، وقال في حسنه شيئًا. فقال أنس: إنه كان أشبهَهُم برسول اللَّه ﷺ ، وكان مخضوبًا بالوَسْمَة (١). ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسين (٢) بن إبراهيم -هو ابن إشْكاب- عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سِيرين، عن أنس. . . فذكره (٣). وقد رواه الترمذي (٤) من حديث حَفْصة بنت سِيرين، عن أنس. وقال: حسن صحيح. وفيه: "فجعل ينكتُ بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسْنًا". وقال البزّار: حدَّثنا مفرج بن شُجاع بن عبيد اللَّه المَوْصلي، حدَّثنا غسان بن الربيع، حدَّثنا يوسف بن عَبدة (٥)، عن ثابت وحُميد، عن أنس قال: لما أُتي عبيد اللَّه بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان -أحسبُه قال- جميلًا، فقلت: واللَّه لأَسوءَنَّك، إني رأيت رسول اللَّه ﷺ يلثُم حيث يقع قضيبُك. قال: فانقبض. تفرد به البزار من هذا الوجه وقال: لا نعلم رواه عن حُميد غير يوسف بن عَبدة، وهو رجل من أهل البصرة مشهور، وليس به بأس (٦). ورواه أبو يعلى الموصلي (٧): عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس. . . فذكره. ورواه قرَّة بن خالد، عن الحسن، عن أنس. . . فذكره. وقال أبو مِخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد، فسرَّحني إلى أهله لأبشِّرهم بما فتح اللَّه عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلتُ فيمن دخل، فإذا رأسُ الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه

стр. 4030

بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين، فواللَّه الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُ شَفَتَيْ رسول اللَّه ﷺ على هاتين الثنيَّتين يقبِّلُهما. ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى اللَّه عينَك، فواللَّه لولا أنك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربتُ عنقك. قال: فنهض فخرج [فلما خرج قال الناس: واللَّه لقد قال زيد بن أرقم كلامًا لو سمعه ابن زياد لقتلَه، قال: فقلت: ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبيدًا، فاتخذَهم تليدًا (١)، أنتم -يا معشر العرب- العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمَّرتم ابن مُرْجانة (٢)، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبُعدًا لمن رضي بالذُّل] (٣). وقد رُوي من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم. . . بنحوه. ورواه الطبراني من طريق ثابت، عن زيد. وقد قال الترمذي (٤): حدّثنا واصل بن عبد الأعلى، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمَيْر قال: لما جيء برأس عبيد اللَّه بن زياد وأصحابه، فنُصبت في المسجد في الرَّحبة، فانتهيتُ إليه وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حيَّة قد جاءت تتخلَّل الرؤوس حتى دخلت في مَنْخِري عبيد اللَّه بن زياد، فمكثتْ هنيهةً ثم خرجتْ، فذهبتْ حتى تغيَّبتْ، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت. ففعلتْ ذلك مرتين أو ثلاثًا. ثم قال الترمذي: حسن صحيح. وأمر ابن زياد فنُودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصَعِد المنبر، فذكر ما فتح اللَّه عليه من قتل الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك ويفرِّق الكلمة عليهم. فقام إليه عبد اللَّه بن عفيف الأزدي فقال: ويحك يا بن زياد! تقتلون أولاد النبيِّين وتتكلَّمون بكلام الصدِّيقين؟! فأمر به ابن زياد، فقُتل وصُلب. ثم أمر برأس الحسين، فنُصب بالكوفة وطيف به في أزقَّتها، ثم سيَّره مع زَحْر بن قيس ومعه رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية [بالشام، وكان مع زَحْر جماعة من الفرسان، منهم أبو بُرْدة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظَبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بالرؤوس كلِّها على يزيد بن معاوية] (٥). قال هشام: فحدّثني عبد اللَّه بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجُرشي -من حمير- قال: واللَّه إني لعند يزيدَ بن معاوية بدمشق، إذ أقبل زَحْر بن قيس فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك؟! [فقال: أَبشِر يا أمير المؤمنين بفتح اللَّه عليك ونصره، ورد

стр. 4031

علينا الحسينُ بن علي بن أبي طالب وثمانيةَ عشرَ من أهل بيته وستون من شِيعته، فسِرْنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد اللَّه بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا إليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى أخذت السيوف مأخذَها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وَزَر، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذًا كما لاذ الحمام من صقر، فواللَّه ما كانوا إلا جزر جَزُور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجرَّدة، وثيابهم مزمَّلة، وخدودهم معفَّرة، تصهرهم الشمس، وتَسْفي عليهم الريح، زوّاهم العِقْبان والرَّخَم] (١). قال: فدمعتْ عينا يزيد بن معاوية وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن اللَّه ابن سميَّة، أما واللَّه لو أني صاحبُه لعفوتُ عنه، ورحم اللَّه الحسين. ولم يصل الذي جاء برأسه بشيء. ولما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد قال: أما واللَّه لو أني صاحبُك ما قتلتُك. ثم أنشد قول الحُصَين (٢) بن الحُمَام المرِّي الشاعر: نُفَلِّقُ هامًا منْ رجالٍ أعزَّةٍ … عَلَينا وهمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما قال أبو مخنف: فحدثني أبو جعفر العبسي [عن أبي عمارة العبسي] (٣) قال: وقام يحيى بن الحكم -أخو مروان بن الحكم- فقال: لَهَامٌ يجنبِ الطَّفِّ أدنى قرابة … من ابنِ زيادِ العبد ذي الحسَبِ الوَغْل سُميَّةُ أضحى نسلُها عدَدَ الحَصى … وليسَ لآلِ المُصْطفى اليومَ من نَسْل قال: فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال له: اسكُت (٤). وقال محمد بن حميد الرازي - وهو شِيعيّ: حدثنا محمد بن يحيى الأحمري، حدّثنا ليث، عن مجاهد قال: لما جيء برأس الحسين، فوضع بين يدي يزيد، تمثَّل بهذه الأبيات: ليتَ أَشْياخي ببَدْرٍ شَهِدُوا … جَزَعَ الخزرجِ في وَقْع الأَسَلْ فأهلُّوا واسْتَهَلُّوا فَرَحًا … ثمَّ قالوا لي هنيًّا لا تَسَلْ

стр. 4032

حينَ حكَّتْ بقُبَاءٍ (١) بَرْكَها … واسْتحرَّ القتلُ في عبد الأَشَلْ (٢) قد قَتَلْنا الضِّعفَ من أشرافكم … وعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فاعْتَدَلْ (٣) قال مجاهد: نافق فيها واللَّه، ما بقي في جيشه أحد إلّا تركه؛ أي: ذمَّه وعابه. وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين: هل سيَّره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا؟ على قولين: الأظهر منهما أنه سيَّره إليه، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة، فاللَّه أعلم. وقال أبو مِخْنف: عن أبي حمزة الثُّمالي، عن عبد اللَّه الثُّمالي، عن القاسم بن بُخَيت قال: لما وضِع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكتُ بقضيب كان في يده في ثغره، ثم قال: إنَّ هذا وإيانا كما قال الحُصَين بن الحُمام المري: نُفَلِّقُ هامًا منْ رجالٍ أعزَّةٍ … عَلَينا وهمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما فقال أبو بَرْزة الأسلمي: أما واللَّه لقد أخذ قضيبُك هذا مأخذًا، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يَرْشُفُه، ثم قال: ألا إنَّ هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعُه محمد، وتجيء وشفيعُك ابن زياد. ثم قام فولَّى (٤). وقد رواه ابن أبي الدنيا، عن أبي الوليد، عن خالد بن يزيد بن أسد، عن عمّار الدهني، عن جعفر قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو بَرْزة وجعل ينكت بالقضيب، فقال له: "ارفع قضيبَك، فلقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يلثمُه". قال ابن أبي الدنيا: وحدّثني سلَمة (٥) بن شَبِيب، عن الحميدي، عن سفيان: سمعت سالم بن أبي حَفْصة قال: قال الحسن: لما جيء برأس الحسين جعل يزيد يطعن بالقضيب. قال سفيان: وأُخبرت أن الحسن (٦) كان ينشد على إثر هذا: سُميَّةُ أمسى نَسْلُها عدَدَ الحَصى … وبنتُ رسولِ اللَّهِ ليس لها نَسْلُ وأما بقية أهله ونساؤه وحرمه فإن عمر بن سعد وكَّلَ بهم من يحرسهم ويكلؤهم، ثم أركبوهم على الرواحل في الهوادج، فلما مروا بمكان المعركة ورأوا الحسين وأصحابه مطَّرحين هنالك بكت النساء

стр. 4033

وصرخن، وندبت زينب أخاها الحسين وأهلَها فقالت وهي تبكي: يا محمداه! يا محمداه! صلى عليك اللَّه وملك السماء، هذا حسين بالعراء، مزمَّل بالدماء، مقطَّع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتَّلة، تَسْفي عليها الصَّبا! قال: فأبكت -واللَّه- كلَّ عدو وصديق (١). قال قرَّة بن قيس: لما مرَّت النسوة بالقتلى صحنَ ولطمنَ خدودهنّ. قال: فما رأيت من منظر من نسو قطُّ أحسن من منظر رأيته منهن ذلك اليوم، واللَّه إنهنَّ لأحسن من مَهَا يَبْرين. وذكر الحديث كما تقدم. قال: ثم ساروا بهم من كربلاء حتى دخلوا الكوفة، فأكرمهم ابن زياد وأجرى عليهم النفقات والكساوى وغيرها. [قال: ودخلت زينب ابنة فاطمة في أرذل ثيابها قد تنكَّرت وحفَّت بها إماؤها، فلما دخلت على عبيد اللَّه بن زياد قال: من هذه؟ فلم تكلِّمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال: الحمد للَّه الذي فضحكم وقتلكم وكذَّب أُحدوثتكم. فقالت: بل الحمد للَّه الذي اكرمنا بمحمد وطهَّرنا تطهيرًا، لا كما تقول، وإنما يفتضح الفاسق ويكذَّب الفاجر. قال: كيف رأيتِ صنع اللَّه بأهل بيتكم؟ فقالت: كُتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللَّه بينك وبينهم فيحاجُّونك إلى اللَّه. فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمرو بن حُريث: أصلح اللَّه الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ إنها لا تؤاخذ بما تقول، ولا تُلام على خَطَل. وقال أبو مِخْنف: عن المجالد بن سعيد: إن ابن زياد لمّا نظر إلى علي بن الحسين (زين العابدين) قال لشرطي: انظر أأدرك هذا الغلام؟ فإن كان أدرك فانطلِقوا به فاضرِبوا عنقَه. فكشف إزاره عنه، فقال: نعم! فقال: اذهب به فاضرِب عنقه. فقال له علي بن الحسين: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهنَّ رجلًا يحافظ عليهن. فقال له ابن زياد: تعال أنت، فبعثه معهنّ. قال أبو مِخْنف: وأما سليمان بن أبي راشد، فحدّثني عن حُميد بن مسلم قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عُرض عليه علي بن الحسين، فقال له: ما اسمُك؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أولم يقتل اللَّهُ عليَّ بن الحسين؟ فسكت، فقال له ابن زياد: مالك لا تتكلَّم؟ قال: كان لي أخ يقال له عليٌّ أيضًا، قتله الناس. قال: إن اللَّه قتله، فسكت، فقال: مالك لا تتكلَّم؟ فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] قال: أنت واللَّه منهم، ويحك! انظروا هذا أَدرك؟ واللَّه إني لأحسبُه رجلًا، فكشف عنه مُري بن معاذ الأحمريّ، فقال: نعم قد أدرك، فقال: اقتُلْه، فقال علي بن الحسين: من يوكَّل بهذه النسوة؟ وتعلقتْ به زينب

стр. 4034

عمتُه فقالت: يا بن زياد! حسبُك منا ما فعلتَ بنا، أما رَوِيتَ من دمائنا؟ وهل أبقيتَ منا أحدًا؟ قال: واعتنقتْه وقالت: أسألك باللَّه إن كنتَ مؤمنًا إنْ قتَلتَه لما قتلتَني معه. وناداه عليٌّ فقال: يا بن زياد! إن كان بينك وبينهنَّ قرابة فابعث معهنَّ رجلًا تقيًّا يصحبهنَّ بصحبة الإسلام قال: فنظر إليهنَّ ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: عجبًا للرّحم! واللَّه إني لأظنُّ أنها ودَّت لو أني قتلتُه أن أقتلَها معه. دعوا الغلام. انطلِق مع نسائك] (١). قال: ثم إن ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه وبناته فجهَّزوا إلى يزيد، وأمر بعلي بن الحسين فغُلَّ بغُلٍّ إلى عنقه، وأرسلهم مع محفِّز (٢) بن ثعلبة العائذي -من عائذة قريش- ومع شَمِر بن ذي الجَوْشن قبَّحه اللَّه، فلما بلغوا باب يزيد بن معاوية رفع محفِّز بن ثعلية صوته فقال: هذا محفِّز بن ثعلبة، أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة. فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدتْ أمُّ محفِّز شرٌّ وأَلأَم. فلما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حولَه، ثم دعا بعليِّ بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأُدخلوا عليه والناسُ ينظرون، فقال لعلي بن الحسين: يا عليّ! أبوك قطع رحمي، وجهل حقّي، ونازَعَني سُلطاني، فصنعَ اللَّهُ به ما قد رأيت. فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٣٢] فقال يزيد لابنه خالد: أَجِبْه. قال: فما درى خالد ما يردُّ عليه، فقال له يزيد: قُلْ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فسكت عنه ساعة، ثم دعا بالنساء والصبيان فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبَّح اللَّهُ ابن مَرْجانة! لو كانت بينهم وبينه قرابةٌ ورحمٌ ما فعل هذا بهم، ولا بعث بكم هكذا. وروى أبو مِخْنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي قالت: لما أُجلسنا بين يدي يزيد رقَّ لنا وأمر لنا بشيء وألطَفَنا. ثم إن رجلًا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي هذه -يعنيني- وكنتُ جارية وضيئة، فارتعدتُ فزِعةً من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذتُ بثياب أختي زينب -وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز- فقالت لذلك الرجل: كذبتَ -واللَّه- ولؤُمت، ما ذلك لك وله. فغضب يزيد فقال لها: كذبتِ، واللَّه إن ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعله لفعلت. قالت: كلا، واللَّه ما جعل اللَّهُ ذلك لك إلّا أن تخرج من ملَّتنا وتَدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرح من الدِّين أبوك وأخوك، فقالت زينب: بدين اللَّه ودين أبي ودين أخي وجدِّي اهتديتَ أنت وأبوك وجدّك. قال: كذبتِ يا عدوَّة اللَّه. قالت: أنت أمير

стр. 4035

المؤمنين [مسلَّط، تشتم ظالمًا، وتقهر بسلطانك. قالت: فواللَّه لكأنه استحيى فسكت. ثم قام ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين] (١)! هب لي هذه، فقال له يزيد: اعزُب، وهبَ اللَّهُ لك حَتْفًا قاضيًا. ثم أمر يزيدُ النعمان بن بَشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلًا أمينًا معه رجال وخيل، ويكون علي بن الحسين معهنّ. ثم أنزل النساء عند حريمه في دار الخلافة، فاستقبلهنَّ نساء آل معاوية يبكين ويَنُحْنَ على الحسين، ثم أقمنَ المناحة ثلاثة أيام. وكان يزيد لا يتغدَّى ولا يتعشَى إلا ومعه علي بن الحسين وأخوه عمر بن الحسين، فقال يزيد يومًا لعمر بن الحسين -وكان صغيرًا جدًا- أتقاتل هذا؟ يعني ابنه خالد بن يزيد - يريد بذلك ممازحته وملاعبته، فقال: أعطني سكَينًا وأعطه سكينًا حتى نتقاتل. فأخذه يزيد فضمَّه إليه وقال: شِنْشِنَةٌ أعرفُها من أَخْزَم (٢)، هل تلد الحية إلَّا حية؟. ولما ودَّعهم يزيد قال لعلي بن الحسين: قبح اللَّه ابن سميَّة، أما واللَّه لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة إلَّا أعطيتُه إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعتُ ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن اللَّه قضى ما رأيت. ثم جهَّزه وأعطاه مالًا كثيرًا، وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول، وقال له: كاتِبْني بكل حاجة تكون لك. فكان ذلك الرسول الذي أرسله معهم يسير عنهم بمعزل من الطريق، ويبعد عنهم بحيث يدركهم طرفه، وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: إن هذا الرجل الذي أُرسل معنا قد أحسن صحبتنا فهل لك أن نصلَه؟ فقالت: واللَّه ما معنا شيء نصلُه به إلا حليّنا، قالت لها: نعطيه حليَّنا. قالت: فأخذت سواري ودُمْلَجي (٣)، وأخذت سوارها ودُمْلَجها، وبعثنا به إليه واعتذرنا إليه وقلنا: هذا جزاؤك بحسن صحبتك لنا، فقال: لو كان الذي صنعتُ معكم إنما هو للدنيا كان في هذا الذي أرسلتموه ما يُرضيني وزيادة، ولكن -واللَّه- ما فعلتُ ذلك إلّا للَّه تعالى ولقرابتكم من رسول اللَّه ﷺ (٤). [وقيل: إن يزيد لما رأى رأس الحسين قال: أتدرون من أين أُتي ابن فاطمة، وما الحامل له على ما فعل، وما الذي أوقعه فيما وقع فيه؟ قالوا: لا، قال: يزعم أن أباه خيرٌ من أبي، وأمه فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ خيرٌ من أمي، وجده رسول اللَّه خيرٌ من جدي، وأنه خير مني وأحقُّ بهذا الأمر مني! فأما قوله: أبوه خير من أبي، فقد حاجَّ أبي أباه إلى اللَّه ، وعلم الناس أيهما حُكم له. وأما قوله: أمُّه خير من أمي، فلعَمْري إن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ خير من أمي. وأما قوله: جدُّه رسول اللَّه خير من

стр. 4036

جدي، فلعَمْري ما أحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر يرى أن لرسول اللَّه فينا عِدْلًا ولا نِدًّا. ولكنه إنما أُتي من قلة فقهه، لم يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ الآية [٢٦ من سورة آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. فلما دخلت النساء على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين -وكانت أكبر من سُكَينة: يا يزيد! بنات رسول اللَّه ﷺ سبايا، فقال يزيد: يا بنت أخي! أنا لهذا كنت أكره. قالت: قلت: واللَّه ما تركوا لنا خُرْصًا (١)، فقال: ابنة أخي! ما أتى إليك أعظم مما ذهب لك. ثم أدخلهنَّ داره، ثم أرسل إلى كل امرأة منهن: ماذا أُخذ لك؟ فليس منهن امرأة تدَّعي شيئًا بالغًا ما بلغ إلا أضعفه لها. وقال هشام: عن أبي مِخْنف، حدّثني أبو حمزة الثُّمالي، عن عبد اللَّه الثُّمالي، عن القاسم بن بُخَيت (٢) قال: لما أقبل وفد الكوفة برأس الحسين دخلوا به مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلًا، فأتينا -واللَّه- على آخرهم، وهذه الرؤوس والسبايا. فوثب مروان وانصرف. وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم؟ فقالوا له مثل ما قالوا لأخيه، فقال لهم: حُجِبتم عن محمد ﷺ يوم القيامة، لن أُجامعكم على أمر أبدًا، ثم قام فانصرف. قال: ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين بكى عليه نساء بني هاشم ونُحْنَ عليه] (٣). وروي أن يزيد استشار الناس في أمرهم، فقال رجال ممن قبَّحهم اللَّه: يا أمير المؤمنين! لا تتخذن من كلب سوءٍ جروًا، اقتُل علي بن الحسين حتى لا يبقى من ذرية الحسين أحد، فسكت يزيد، فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين! اعمل معهم كما كان يعمل معهم رسول اللَّه ﷺ لو رآهم على هذه الحال. فرقَّ عليهم يزيد، وبعث بهم إلى الحمَّام، وأجرى عليهم الكساوى والعطايا والأطعمة، وأنزلهم في داره. وهذا يردُّ قول الرافضة: إنهم حُملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتى كذب مَنْ زعم منهم أن الإبل البَخاتي إنما نبتتْ لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتِهنّ من قُبُلهنَّ ودُبُرهنّ. ثم كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد -أمير الحرمين- يبشِّره بمقتل الحسين، فأمر مناديًا فنادى بذلك، فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهنَّ بالبكاء والنَّوح، فجعل عمرو بن سعيد يقول: هذا ببكاء نساء عثمان بن عفان. وقال عبد الملك بن عُمير: دخلتُ على عبيد اللَّه بن زياد وإذا رأسُ الحسين بن علي بين يديه على

стр. 4037

تُرس، فواللَّه ما لبثتُ إلَّا قليلًا حتى دخلت على المختار بن أبي عُبيد وإذا رأسُ عبيد اللَّه بن زياد بين يدي المختار على تُرس [وواللَّه ما لبثتُ إلَّا قليلًا حتى دخلت على مصعب بن الزبير وإذا رأسُ المختار بين يديه على تُرس] (١) وواللَّه ما لبثتُ إلَّا قليلًا حتى دخلت على عبد الملك بن مروان وإذا رأسُ مصعب بن الزبير على تُرس بين يديه. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في "تاريخه": حدّثني زكريا بن يحيى الضَّرير، حدَّثنا أحمد بن جناب (٢) المصِّيصي، حدَّثنا خالد بن يزيد بن (٣) عبد اللَّه القَسْري، حدَّثنا عمّار الدُّهني قال: قلت لأبي جعفر: حدِّثني عن مقتل الحسين كأني حضرته، فقال: أقبلَ الحسين بكتاب مسلم بن عَقيل الذي كان قد كتبه إليه يأمره فيه بالقدوم عليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسيَّة ثلاثة أميال لقيَه الحرُّ بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا المِصْر، فقال له: ارجع فإني لم أدعْ لك خلفي خيرًا أرجوه، فهمَّ الحسين أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عَقيل، فقالوا: واللَّه لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قَتل أخانا أو نُقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم. فسار، فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عدل (٤) إلى كربلاء، فاسند ظهره إلى قصباء (٥) وخلًا ليقاتل من جهة واحدة، فنزل وضرب أبنيته. وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسًا ومئة راجل. وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولّاه ابن زياد الري وعهد إليه عهده، فقال: اكفني هذا الرجل واذهب إلى عملك، فقال: اعفني، فأبى أن يعفيه، فقال: أنظرني الليلة، فأخَّره، فنظر في أمره، فلما أصبح غدا عليه راضيًا بما أمره به. فتوجَّه إليه عمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اختر (٦) واحدة من ثلاث: إما أن تَدَعوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تَدَعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تَدَعوني فألحق بالثغور. فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد اللَّه بن زياد: لا، ولا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال الحسين: لا واللَّه لا يكون ذلك أبدًا. فقاتله، فقُتل أصحاب الحسين كلُّهم وفيهم بضعة عشر شابًا من أهل بيته، وجاءه سهم فأصاب ابنًا له في حِجْره، فجعل يمسح الدم ويقول: اللهم احكُم بيننا وبين قوم دَعَونا لينصرونا فقتلونا. ثم أمر بحبَرَة (٧) فشقَّها ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قُتل، قتله رجل من مَذْحج، وحزَّ رأسه فانطلق به إلى ابن زياد وقال في ذلك: أَوْقِوْ ركابي فضَّةً وذَهَبَا … فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا

стр. 4038

قتلتُ خيرَ النَّاسِ أُمًّا وأَبَا … وخيرَهُمْ إذ يُنْسَبونَ نَسَبَا قال: فأوفده إلى يزيد بن معاوية، فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو بَرْزة الأسلمي، فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ويقول: نُفلِّقُ هامًا منْ رجالٍ أعزَّةٍ … عَلَينا وهمْ كانُوا أَعَقَّ وأَظْلَما فقال له أبو بَرْزة: ارفع قضيبك، فواللَّه لربما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ واضعًا فيه على فيه يلثُمه. قال: وأرسل عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى ابن زياد، ولم يكن بقي من آل الحسين إلّا غلام، وكان مريضًا مع النساء، فأمر به ابن زياد ليُقتل، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: واللَّه لا يقتل حتى تقتلوني، فرقَّ لها وكفَّ عنه. قال: فأرسلهم إلى يزيد، فجمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام، ثم دخلوا عليه فهنَّؤوه بالفتح، فقام رجل منهم أحمر أزرق -ونظر إلى وصيفة من بناته- فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي هذه، فقالت زينب: لا، ولا كرامة لك ولا له إلا أن تخرجا من دين اللَّه. قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كفَّ عن هذا. ثم أدخلهم على عياله، ثم حملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعة كمَّها على رأسها، تتلقاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولونَ إنْ قالَ النَّبيُّ لكُمْ … ماذا فَعَلْتمْ وأنتمْ آخرُ الأُمَم بعِتْرَتي وبأَهْلي بعدَ مُفْتَقَدِي … منهمْ أُسَارى وقَتْلى ضُرِّجُوا بدم ما كانَ هذا جَزَائي إذْ نَصَحْتُ لكمْ … أَنْ تخلفُوني بسُوءٍ في ذوي رَحِمي (١) وقد روى أبو مِخْنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن بنت عَقيل هي التي قالت هذا الشعر. وهكذا حكى الزبير بن بكّار أن زينب الصغرى بنت عَقيل بن أبي طالب هي التي قالت ذلك حين دخل آل الحسين المدينة النبويَّة. وروى أبو بكر بن الأنباري بإسناده أن زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة -وهي زوج عبد اللَّه بن جعفر أمّ بنيه- رفعت سجف (٢) خبائها يوم كربلاء يوم قُتل الحسين وقالت هذه الأبيات (٣). فاللَّه أعلم.

стр. 4039

وقال هشام بن الكلبي: حدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن [أبي] (١) المقدام قال: حدّثني عمر بن عكرمة قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولاة لنا تحدِّثنا قالت: سمعت البارحة مناديًا ينادي وهو يقول: أيُّها القاتلونَ ظُلْمًا حُسَينًا … ابشِرُوا بالعَذَابِ والتَّنْكيل كلُّ أهلِ السَّماءِ يدعُو عَلَيكم … مِنْ نبيٍّ ومالكٍ وقَبِيل قَدْ لُعِنْتم على لسَانِ ابنِ داو … ودَ وموسى وحاملِ الإِنْجِيل (٢) قال هشام (٣): حدّثني عمرو بن حيزوم الكلبي، عن أمِّه قالت: سمعت هذا الصوت. وقال الليث وأبو نعيم: يوم السبت. ومما أنشده الحاكم أبو عبد اللَّه النَّيْسابوري وغيره لبعض المتقدِّمين في مقتل الحسين: جاؤوا برأسِكَ يا بنَ بنتِ محمَّدٍ … متزمِّلًا بدِمائِهِ تَزْمِيلا وكأنَّما بكَ يا بنَ بنتِ محمَّدٍ … قَتَلوا جهَارًا عامِدينَ رَسُولا قَتَلوكَ عطشانًا ولمْ يَتَدَبَّرُوا … في قَتْلكَ القرآنَ والتَّنْزِيلا ويُكَبِّرونَ بأنْ قُتِلْتَ وإنَّما … قَتَلوا بكَ التَّكبيرَ والتَّهْليلا فصل وكان مقتل الحسين ﵁ يوم الجمعة، يوم عاشوراء من المحرَّم، سنة إحدى وستين. وقال هشام بن الكلبي: سنة اثنتين وستين، وبه قال علي بن المديني. وقال ابن لَهِيعة: سنة اثنتين أو ثلاث وستين. وقال غيره: سنة ستين. والصحيح الأول بمكان من الطَّفِّ يقال له: كربلاء من أرض العراق، وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها، وأخطأ أبو نعيم في قوله: إنه قُتل وله من العمر خمس أو ست وستون سنة. قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عبد الصَّمد بن حسان، حدَّثنا عُمارة -يعني ابن زاذان- عن ثابت، عن

стр. 4040

أنس قال: "استأذن ملَك القَطْر أن يأتيَ النبي ﷺ فأذن له، فقال لأمِّ سلمة: احفَظِي علينا البابَ لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسينُ بن علي، فوثب حتى دخل، فجعلَ يصعَدُ على مَنْكب النبي ﷺ فقال المَلك: أتحبُّه؟ قال النبيُّ (١) ﷺ : نعم، فقال: إنَّ أمَّتَك تقتلُه، وإنْ شئتَ أَريتُك المكان الذي يُقتل فيه. قال: فضرب بيده فأَراهُ ترابًا أحمر، فأخذتْ أمُّ سلمة ذلك التراب فصرَّتْه في طرف ثوبها. قال: فكنّا نسمع أنه يُقتل بكربلاء". وقال الإمام أحمد: حدّثنا وكيع، حدّثني عبد اللَّه بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة -أو أمِّ سلمة-: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لقد دخلَ عليَّ البيتَ ملَكٌ لم يدخلْ قبلَها [فقال لي: إنَّ ابنَكَ هذا حسين مقتول، وإنْ شئتَ أَريتُكَ مِنْ تُربة الأرضِ التي يُقتل بها] (٢) قال: فأَخرجَ تربة حمراء" (٣). وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أمِّ سلمة. ورواه الطبراني (٤) عن أبي أُمامة وفيه قصة أمِّ سلمة. ورواه محمد بن سعد (٥) عن عائشة بنحو رواية أمِّ سلمة، فاللَّه أعلم. وروي ذلك من حديث زينب بنت جَحْش، ولُبَابة أمِّ الفضل امرأة العباس. وأرسله غير واحد من التابعين. وقال أبو القاسم البَغَوي: حدّثنا محمد بن هارون أبو بكر، حدّثنا إبراهيم بن محمد الرَّقي وعليُّ بن الحسن الرازي قالا: حدّثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحرّاني، حدّثنا عطاء بن مسلم، حدّثنا أشعث بن سُحيم (٦)، عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن ابني -يعني الحسين- يُقتل بأرضٍ يُقال لها كَرْبلاء، فمَن شهِدَ منكُم ذلكَ فَلْيَنْصُره". قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء، فقُتل مع الحسين. قال: ولا أعلم رواه غيره. وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا شُرَحبيل (٧) بن مُدرك، عن عبد اللَّه بن نُجي (٨)، عن أبيه أنه سار مع علي -وكان صاحب مِطْهَرته- فلما حاذى (٩) نِينَوَى وهو منطلق إلى صفِّين، فنادى

стр. 4041

علي: اصبِر أبا عبد اللَّه! اصبِر أبا عبد اللَّه بشطِّ الفُرات! قلت: وماذا تريد؟ قال: دخلتُ على رسول اللَّه ﷺ ذاتَ يومٍ وعيناه تَفيضان فقلت: ما أبكاك يا رسول اللَّه؟ قال: بلَى، قام من عندي جبريلُ قبلُ، فحدّثني أن الحسينَ يُقتل بشطِّ الفُرات، قال: فقال: هل لكَ أن أُشِمَّك من تُربته؟ قال: فمدَّ يده فقبضَ قبضة من تراب فأعطانِيها، فلم أملِكْ عيني أنْ فاضَتا". تفرد به أحمد (١). وروى محمد بن سعد (٢)، عن علي بن محمد، عن يحيى بن زكريا، عن رجل، عن عامر الشَّعبي، عن علي مثله. وقد روى محمد بن سعد وغيره -من غير وجه- عن علي بن أبي طالب: أنه مرَّ بكربلاء عند أشجار الحَنْظل وهو ذاهب إلى صفِّين، فسأل عن اسمها، فقيل: كربلاء، فقال: كربٌ وبلاء. فنزل وصلَّى عند شجرة هناك ثم قال: يُقتل هاهنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة، يدخلون الجنَّة بغير حساب. وأشار إلى مكان هناك، فعلَّموه بشيء، فقُتل فيه الحسين. وقد روي عن كعب الأحبار آثارٌ في كربلاء. وقد حكى أبو الجَنَاب الكلبي وغيره: أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نَوْح نساء الجنِّ على الحسين وهنَّ يقلنَ: مَسَحَ الرسُولُ جَبينَهُ … فَلَهُ بَرِيقٌ في الخُدُود أَبَواهُ مِنْ عُلْيَا قُرَيْـ … ــشٍ جدُّهُ خيرُ الجُدُود (٣) وقد أجابهم بعض الناس فقال: خَرَجُوا بِهِ وفدًا إليـ … ــهِ فهمْ لهُ شَرُّ الوُفود قَتَلوا ابنَ بنتِ نبيِّهمْ … سَكنُوا بِهِ ذاتَ الخُدود وروى ابن عساكر: أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم، فوجدوا في كنيسة مكتوبًا: أَتَرْجو أمَّة قَتَلَتْ حُسَينًا … شَفَاعَةَ جدِّهِ يومَ الحِسَاب فسألوهم: من كتب هذا؟ فقالوا: إن هذا مكتوب هاهنا من قبل مبعث نبيكم بثلاث مئة سنة!

стр. 4042

وروي أنَّ الذين قتلوه رجعوا فباتوا وهو يشربون الخمر والرأس معهم، فبرز لهم قلم من حديد فرسم لهم في الحائط بدمٍ هذا البيت: أَتَرْجو أمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَينًا … شَفَاعَةَ جدِّهِ يومَ الحِسَاب (١) وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن وعفان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس قال: "رأيتُ رسول اللَّه ﷺ في المنام بنصف (٢) النهار أشعثَ أغبَر، معه قارورةٌ فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه ما هذا؟! قال: هذا دمُ الحسينِ وأصحابِه لم أزل ألتقِطُه منذ اليوم". قال عمار: فأَحصينا ذلك فوجدناه قد قُتل في ذلك اليوم. تفرد به أحمد (٣)، وإسناده قوي. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحوي، حدَّثنا مَعْدي (٤) بن سليمان، حدَّثنا على بن زيد بن جُدْعان قال: استيقظ ابن عباس من نومه، فاسترجع وقال: قُتل الحسين واللَّه، فقال له أصحابه: لم يا بن عباس؟! فقال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ ومعه زجاجة من دم، فقال: أتعلم ما صنعتْ أُمَّتي من بعدي؟ قتلوا بنيَّ الحسين، وهذا دمُه ودم أصحابه أرفعُهما إلى اللَّه". فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة، فما لبثوا إلَّا أربعة وعشرين يومًا حتى جاءهم الخبر بالمدينة: أنه قُتل في ذلك اليوم وتلك الساعة. وروى الترمذي (٥)، عن أبي سعيد الأشجّ، عن أبي خالد الأحمر، عن رَزِين، عن سلمى قالت: دخلت على أمِّ سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يُبكيك؟ فقالت: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام وعلى رأسِه ولحيته التراب، فقلت: مالكَ يا رسول اللَّه؟! قال: "شهدتُ قتلَ الحسين آنفًا". وقال محمد بن سعد (٦): أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، أنبأنا قرَّة بن خالد، أخبرني عامر بن عبد الواحد، عن شَهْر بن حَوْشب قال: إنا لعندَ أمِّ سلمة زوج النبي ﷺ فسمعنا صارخة، فأقبلتْ حتى انتهتْ إلى أمِّ سلمة فقالت: قُتل الحسين، فقالت: قد فعلوها؟! ملأ اللَّهُ قبورهم -أو بيوتهم- عليهم نِارًا، ووقعتْ مغشيًّا عليها، وقمنا.

стр. 4043

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدّثنا ابن سلمة (١)، عن عمّار قال: سمعث أمَّ سلمة قالت: سمعتُ الجنَّ يبكين على الحسين، وسمعت الجنَّ تنوح على الحسين. ورواه الحسين بن إدريس، عن هاشم بن هاشم، عن أمَّه، عن أمِّ سلمة قالت: سمعتُ نساء الجنِّ ينحنَ على الحسين وهنَّ يقلن: أيُّها القاتلونَ جَهْلًا حُسَينًا … أَبشِرُوا بالعذابِ والتَّنْكيل كل أهلِ السَّماءِ يدعو عَليكُم … من نبيٍّ ومُرْسَلٍ وقَبِيل قَدْ لُعِنتمْ على لسَانِ ابنِ داو … ودَ وموسى وصاحبِ الإِنجيل (٢) وقد روي من طريق أخرى عن أمِّ سلمة بشعر آخر غير هذا، فاللَّه أعلم. وقال الخطيب: أخبرنا أحمد بن عثمان بن مَيّاح (٣) السُّكري، حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم الشافعي، حدَّثنا محمد بن شدّاد المِسْمعي، حدّثنا أبو نعيم، حدَّثنا عبد اللَّه (٤) بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: "أوحى اللَّهُ تعالى إلى محمد ﷺ : أني قتلتُ بيحى بن زكريّا سبعين ألفًا، وأنا قاتلٌ بابن بنتِك سبعين ألفًا وسبعين ألفًا" (٥). هذا حديث غريب جدًا، وقد رواه الحاكم في "مستدركه" (٦). وقد ذكر الطبراني هاهنا آثارًا غريبة جدًا. ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا: من كون الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم. وما رُفع يومئذ حجرٌ إلا وُجد تحته دم. وأنَّ أرجاء السماء احمرَّت. وأنَّ الشمس كانت تطلع وشعاعُها كأنه الدم. وصارت السماء كأنها عَلَقة (٧). وأن الكواكب ضرب بعضها بعضًا. وأمطرت السماء دمًا أحمر. وأنَّ الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ. . . ونحو ذلك.

стр. 4044

وروى ابن لَهِيعَة، عن أبي قَبيل المَعَافِري: أنَّ الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر. وأنَّ رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جَعلت الحيطان تسيل دمًا. وأنَّ الأرض أظلمت ثلاثة أيام. ولم يمسَّ زعفران ولا وَرْس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسِّه. ولم يُرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط (١). وأنَّ الإبل التي عقروها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العَلْقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء. وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت مَنْ قَتَلَه فأكثرها صحيح، فإنه قلَّ مَن نجا مِن أولئك الذي قتلوه من آفةٍ وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أُصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون. ولهم في صفة مصرع الحسين كذبٌ كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفّاظ والأئمة ذكروه ما سقتُه، وأكثره من رواية أبي مِخْنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعيًّا، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة (٢)، ولكنه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنِّفين في هذا الشأن ممن بعده. واللَّه أعلم. وقد أسرف الرافضة في دولة بني بُويه -في حدود الأربعمئة وما حولها- فكانت الدبادب (٣) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذرُّ الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلَّق المسوح (٤) على الدكاكين، ويُظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلَتئذٍ موافقة للحسين لأنه قتل عطشانًا. ثم تخرج النساء حاسراتٍ عن وجوههنَّ ينحنَ ويلطمنَ وجوههنَّ وصدورهن، حافيات في الأسواق. . . إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المختَرَعة، وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنِّعوا على دولة بني أمية لأنه قُتل في دولتهم. [وقد عاكس الرافضةَ والشيعةَ يوم عاشوراء النواصبُ من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب، ويغتسلون ويتطيَّبون، ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتَّخذون ذلك اليوم عيدًا، يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويُظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم] (٥). وقد تأوَّل عليه مَنْ قتلَه أنه جاء ليفوِّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها، وليخلع مَنْ بايعه الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في "صحيح مسلم" الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعُّد

стр. 4045

عليه. وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوَّلوا عليه وقتلوه، ولم يكن لهم قتلُه، بل كان يجب عليهم إجابتُه إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاث المتقدم ذكرُها. فإذا ذمت طائفة من الجبارين لم تذم الأمة بكمالها وتتهم على نبيها ﷺ ، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة -قديمًا وحديثًا- كارهٌ لما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمةٍ قليلة من أهل الكوفة قبَّحهم اللَّه، وأكثرُهم كانوا قد كاتَبُوه ليتوصَّلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. [فلما علم ابن زياد منهم بلَّغهم ما يريدون من الدنيا، وأخذهم على ذلك وحملَهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه] (١). وليس كل ذلك الجيش كان راضيًا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك -واللَّه أعلم- ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أنَّ يزيد لو قَدر عليه قبل أن يُقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرَّح هو به مُخبرًا عن نفسه بذلك. [وقد لَعَن ابن زياد على فعله ذلك وشتَمَه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك، ولا عاقبَه، ولا أرسل يَعيب عليه ذلك، واللَّه أعلم] (٢). فكل مسلم ينبغي له أن يُحزنه قتلُه ﵁، فإنه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول اللَّه ﷺ التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدًا وشجاعًا وسخيًا. ولكن لا يحسن ما يفعلُه هؤلاء من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنُّع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقُتل، وهم لا يتَّخذون مقتلَه مأتمًا كيوم مقتل الحسين، فإنَّ أباه قُتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين. وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السُّنة والجماعة، وقد قُتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذُبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتمًا. وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قُتل وهو قائم يصلِّي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتَّخذ الناس يوم قتله مأتمًا، وكذلك الصدِّيق كان أفضل منهم، ولم يتَّخذ الناس يوم وفاته مأتمًا. ورسول اللَّه ﷺ سيِّد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه اللَّه إليه كما مات الأنبياء قبلَه، ولم يتَّخذ أحد يوم موتهم مأتمًا يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين. ولا ذكر أحدٌ أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة مثل: كسوف الشمس، والحمرة التي تطلع في السماء، وغير ذلك. وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه الحسين بن علي (٣) عن جدِّه رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما مِنْ مسلمٍ يُصابُ بمصيبةٍ فيتذكَّرُها -وإن تقادم عهدُها- فيُحْدث لها استرجاعًا إلَّا

стр. 4046

أعطاهُ اللَّهُ من الأجر مثلَ يوم أُصِيب بها". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه (١). وأما قبر الحسين ﵁ فقد اشتهر عند كثير من المتأخِّرين أنه في مشهد علي، بمكان من الطَّفِّ عند نهر كربلاء، فيقال: إن ذلك المشهد بُني على قبره، فاللَّه أعلم. وقد ذكر ابن جرير وغيره: أن موضع قتله عفي أثرُه حتى لم يطَّلع أحد لتعيينه على خبر. وقد كان أبو نعيم -الفضل بن دُكين- ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين. وذكر هشام بن الكلبي: أن الماء لمَّا أُجري على قبر الحسين ليمحى أثره نضب الماء بعد أربعين يومًا، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمُّها حتى وقع على قبر الحسين، فبكى وقال: بأبي أنت وأمي، ما كان أطيبَك وأطيب تربتك! ثم أنشأ يقول: أَرادُوا ليُخْفُوا قبرَهُ عن عَدُوِّه … فَطِيبُ تُرابِ القبرِ دَلَّ على القَبْر (٢) وأما رأس الحسين ﵁ فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السيَر: أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، ومن الناس من أنكر ذلك. وعندي أن الأول أشهر، فاللَّه أعلم. ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الذي دُفن فيه الرأس. فروى محمد بن سعد: أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد -نائب المدينة- فدفنه عند أمِّه بالبقيع. وذكر ابن أبي الدنيا، من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمر بن صالح -وهما ضعيفان-: أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي، فأُخذ من خزانته، فكُفِّن، ودُفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس داخل باب الفراديس الثاني.

стр. 4047

وذكر ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة ريا حاضنة يزيد بن معاوية: أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعرى - يعني قوله: ليتَ أَشْياخي ببدرٍ شَهِدُوا … جَزَعَ الخَزْرَجِ منْ وَقْعِ الأَسَلْ قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام، ثم وضع في خزائن السلاح، حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك جيء به إليه وقد بقي عظمًا أبيض، فكفَّنه وطيَّبه وصلَّى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين. فلما جاءت المسوِّدة -يعني بني العباس- نبشوه وأخذوه معهم. وذكر ابن عساكر: أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بني أمية وقد جاوزت المئة سنة (١)، فاللَّه أعلم. وادَّعت الطائفة المسمَّون بالفاطميِّين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة أربعمئة إلى ما بعد سنة ستين وستمئة: أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنَوا عليه المشهد المشهور به بمصر -الذي يقال له: تاج الحسين- بعد سنة خمسمئة. وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروِّجوا بذلك بطلان ما ادَّعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلّاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم في حدود سنة أربعمئة، كما سنبيِّن ذلك كله إذا انتهينا إليه في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى. [قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاؤوا برأس، فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور وقالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك، واللَّه أعلم] (٢). فصل في ذكر شيء من فضائله روى البخاري من حديث شعبة ومَهْدي بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت ابن أبي نُعْم (٣) قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر -وسأله رجل من أهل العراق عن المحرِم يقتل الذباب- فقال: أهلُ العراق يَسْألون عن قتل الذباب وقد قتلوا ابنَ بنت رسول اللَّه ﷺ وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "هما رَيْحانتايَ منَ الدُّنيا" (٤).

стр. 4048

ورواه الترمذي (١)، عن عقبة بن مُكْرم، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن أبي يعقوب به نحوه: أنَّ رجلًا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يُصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يَسْألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت محمد ﷺ . وذكر تمام الحديث، ثم قال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا سفيان، عن أبي الجَحّاف (٢)، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أحبَّهما فقد أحبَّني، ومن أَبغَضَهما فقد أَبْغَضَني" - يعني حسنًا وحسينًا (٣). وقال الإمام أحمد: حدّثنا تَلِيد بن سليمان -كوفي- حدثنا أبو الجَحّاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نظر النبي ﷺ إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: "أنا حربٌ لمنْ حارَبَكم، سِلْم لمنْ سالمكُم" (٤). تفرد بهما الإمام أحمد (٥). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا ابن نُمير (٦)، حدَّثنا حجاج -يعني: ابن دينار- عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتفه، وهو يلثُم هذا مرَّة وهذا مرَّة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول اللَّه واللَّه إنَّك لتُحبُّهما! فقال: "مَنْ أَحبَّهما فقد أَحبَّني، ومَنْ أَبْغَضَهما فقد أَبْغَضَني" تفرد به أحمد (٧). وقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ، حدّثني عُقبة بن خالد، حدّثني يوسف بن إبراهيم التميمي: أنه سمع أنس بن مالك يقول: سئل رسول اللَّه ﷺ : أيُّ أهلِ بيتكَ أحبُّ إليك؟ قال: "الحسن والحسين". قال: وكان يقول [لفاطمة] (٨): "ادعي ابنيَّ، فيشمّهُما ويضمّهُما إليه" (٩).

стр. 4049

وكذا رواه الترمذي (١) عن أبي سعيد الأشجّ به، وقال: حسن غريب من حديث أنس. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا أسود بن عامر وعفان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس: أن رسول اللَّه ﷺ كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاهّ الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ورواه الترمذيّ (٣)، عن عبد بن حميد، عن عفان به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال الترمذيّ (٤): حدَّثنا محمود بن غَيْلان، حدَّثنا أبو أُسامة، عن فُضيل بن مرزوق، عن عدي بن (٥) ثابت، عن البراء: "أن رسول اللَّه ﷺ أبصرَ حسنًا وحسينًا فقال: اللهمَّ إنِّي أُحبُّهما فأحِبَّهما". ثم قال: حسن صحح. وقد روى الإمام أحمد، عن زيد بن الحُباب، عن الحسين بن واقد، وأهلُ السنن الأربعة، من حديث الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطبُنا إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثُران، فنزل رسول اللَّه ﷺ من (٦) المنبر، فحملَهما فوضَعَهما بين يديه ثم قال: صدق اللَّه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرتُ إلى هذين الصبيَّين يمشيان ويعثُران فلم أَصبِرْ حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهُما" (٧). وهذا لفظ الترمذي، وقال: غريب (٨) لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. ثم قال (٩): حدَّثنا الحسن (١٠) بن عرفة، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد اللَّه بن عثمان بن

стр. 4050

خُثيم (١)، عن سعيد بن راشد، عن يعلى بن مُرَّة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حسينٌ منِّي وأنا من حسين، أحبَّ اللَّهُ مَنْ أحبَّ حسينًا، حسينٌ سِبطٌ من الأَسْباط". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن (٢). ورواه أحمد (٣)، عن عفان، عن وهيب (٤)، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم به. ورواه الطبراني، عن بكر بن سهل، عن عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن (٥) راشد بن سعد، عن يعلى بن مُرَّة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الحسنُ والحسينُ سِبْطان من الأَسْباط" (٦). وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد [عن ابن أبي نُعْم] (٧) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسنُ والحسينُ سَيِّدا شَبابِ أَهلِ الجَنَّة". ورواه الترمذي (٨)، من حديث سفيان الثوري وغيره، عن يزيد بن أبي زياد، وقال: حسن صحيح. وقد رواه أبو القاسم البغوي، عن داود بن رُشَيْد (٩)، عن مروان الفَزَاري، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسنُ والحسينُ سَيّدا شَبابِ أهلِ الجنَّةِ إلَّا ابنيّ الخالة: يحيى وعيسى ﵉". وأخرجه النسائي (١٠)، من حديث مروان بن معاوية الفَزاري به. ورواه سويد بن سعيد، عن محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عطيّة، عن أبي سعيد. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع، عن ربيع بن سعد، عن ابن (١١) سابط قال: دخل حسين بن علي

стр. 4051

المسجد، فقال جابر بن عبد اللَّه: "من أحبَّ أنْ ينظرَ إلى سيِّد شَبابِ أهلِ الجنَّة فلْينظُرْ إلى هذا". سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ . تفرد به أحمد (١). وروى الترمذي والنسائي، من حديث إسرائيل، عن مَيْسرة بن حَبيب، عن المِنْهال بن عمرو، عن زز بن حُبَيْش، عن حُذيفة: أن أمَّه بعثته ليستغفر له رسول اللَّه ﷺ ولها، قال: فأتيتُه فصلَّيت معه المغرب، ثم صلَّى حتى صلَّى العشاء، ثم انفتل، فتبعتُه، فسمع صوتي، فقال: مَنْ هذا حُذيفة؟ قلت نعم، قال: ما حاجتُك غفرَ اللَّهُ لك ولأمِّك؟ إنَّ هذا ملَكٌ لم يَنْزل إلى الأرض قبل هذه الليلة، استأذن ربَّه أنْ يسلِّم عليَّ ويبشرَني بأن فاطمةَ سيدةُ نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيِّدا شبابِ أهلِ الجنة". ثم قال الترمذي (٢): هذا حديث حسن غريب، ولا يعرف إلَّا من حديث إسرائيل. وقد روي مثل هذا من حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث الحسين نفسه، وعمر، وابنه عبد اللَّه، وابن عباس، وابن مسعود، وغيرهم. وفي أسانيده كلِّها ضعف، واللَّه أعلم. وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا موسى بن مُطَير (٣)، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في الحسن والحسين: "مَنْ أَحبَّني فَلْيحبَّ هذَيْن" (٤). وقال الإمام أحمد: حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر- أخبرني محمد -يعني ابن [أبي] (٥) حرملة- عن عطاء: أن رجلًا أخبره أنه رأى النبي ﷺ يضمُّ إليه حسنًا وحسينًا ويقول: "اللهمَّ: إنِّي أُحِبُّهُما فأحِبَّهُما" (٦). وقد روي عن أسامةَ بن زيد وسلمان الفارسي شيء يشبه هذا، وفيه ضعف وسقم، واللَّه أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا أسود بن عامر، حدّثنا كامل، وأبو المنذر أخبرنا كامل، قال أسود: أخبرنا المَعْنيُّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "كنّا نصلِّي مع رسول اللَّه ﷺ العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذًا رفيقًا فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاتَه أقعدهما على فخذيه. قال: فقمتُ إليه فقلت: يا رسول اللَّه أردُّهما؟ فبرقتْ برقةٌ، فقال لهما: الحقا بأمِّكما. قال: فمكث ضوءُها حتى دخلا" (٧).

стр. 4052

وقد روى موسى بن عثمان الحضرمي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوه. وقد روي عن أبي سعيد وابن عمر قريب من هذا. وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدَّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا قيس بن الربيع، عن أبي المقدام [عن] (١) عبد الرحمن الأزرق، عن علي قال: "دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأنا نائم [على المنامة] (٢) فاسْتَسْقى الحسنُ أو الحسين، فقام رسول اللَّه ﷺ إلى شاةٍ لنا بَكيءٍ (٣) يحلبها، فدرَّتْ، فجاءه الآخر، فَنَحّاه النبيُّ ﷺ (٤)، فقالت فاطمة: يا رسول اللَّه كاله أحبُّهما إليك!؟ قال: لا، ولكنَّه اسْتَسْقى قبلَه. ثم قال: إنِّي وإيّاكِ وهذين وهذا الراقِد في مكان واحدٍ يومَ القيامة". تفرد به أحمد (٥). ورواه أبو داود الطيالسي، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي فاختة، عن علي. . فذكر نحوه [وقد روي عن أبي سعيد الخدري وعن ميمونة وأم سلمة أمي المؤمنين مثله أو نحوه] (٦). وقد ثبت: أن عمر بن الخطاب كان يكرمُهما ويحملُهما ويعطيهما كما يعطي أباهما. وجيء مرة بحُلَل من اليمن، فقسمَها بين أبناء الصحابة ولم يُعطِهما منها شيئًا، وقال: ليس فيها شيء يصلح لهما. ثم بعث إلي نائب اليمن فاستعمل لهما حُلَّتين تناسبهما. وقال محمد بن سعد: أخبرنا قَبيصة بن عقبة، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العَيْزار بن حُريث قال: بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين مقبلًا فقال: هذا أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء. وقال الزبير بن بكّار: حدّثني سليمان، عن (٧) الدَّراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن رسول اللَّه ﷺ بايع الحسنَ والحسينَ [وعبد اللَّه بن عباس] وعبدَ اللَّه بن جعفر وهم صغار لم يبلُغوا، ولم يبايع صغيرًا إلَّا منا". وهذا مرسل غريب. وقال محمد بن سعد: أنبأنا يعلى بن عبيد، حدّثنا عبيد اللَّه بن الوليد الوَصّافي (٨)، عن عبد اللَّه بن

стр. 4053

عبيد بن عُمير (١) قال: "حجَّ الحسينُ بن عليٍّ خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا ونجائبُهُ تُقادُ بين يَدَيْه". وحدّثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، حدَّثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أنَّ الحسين بن عليٍّ حجَّ ماشيًا وإنَّ نجائبَهُ لتُقَادُ وراءَه". والصواب: أن ذلك إنما هو الحسن أخوه، كما حكاه البخاريّ (٢). وقال المدائني: جرى بين الحسن والحسين كلام، فتهاجرا، فلمَّا كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين فأكبَّ على رأسه يقبِّلُه، فقام الحسين فقتلَه أيضًا وقال: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أني رأيتُ أنك أحقُّ بالفضل منِّي، فكرهت أن أنازعَك ما أنت أحقُّ به منِّي. وحكى الأصمعي عن ابن عون: أن الحسن كتب إلى الحسين يعيبُ عليه إعطاءَ الشعراء، فقال الحسين: إن أحسن المال ما وقى العِرْض. وقد روى الطبراني: حدَّثنا أبو حَنيفة محمد بن حَنيفة الواسطي، حدَّثنا يزيد بن البراء بن عمرو بن البراء الغَنَوي، حدّثنا سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن علي يطوف بالبيت، فأراد أن يستلم [الحجر] (٣) فأوسع له الناس، فقال رجل: يا أبا فراس من هذا؟ فقال الفرزدق: هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأَتَهُ … والبيتُ يعرِفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللَّهِ كلِّهمُ … هذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطّاهرُ العَلَمُ يكادُ يُمْسِكُهُ عرفانُ راحَتِه … رُكن الحَطِيم إذا ما جاءَ يَسْتلمُ إذا رأَتْهُ قريشٌ قال قائلُها … إلى مَكارمِ هذا يَنتهي الكَرَمُ يُغْضِي حياءً ويُغْضى من مَهابتِه … فما يُكلَّمُ إلّا حينَ يَبْتَسِمُ في كفِّه خيزرانٌ ريحُهُ عَبقٌ … بكفِّ أروعَ في عِرْنينِه شَمَمُ مشتقَّةٌ من رسولِ اللَّه نِسْبتُهُ … طابَتْ عناصرُهُ والخِيمُ والشِّيَمُ لا يستطيعُ جوادٌ بُعْدَ غايتِه … ولا يُدانيهِ قومٌ إنْ هُمُ كرُمُوا مَنْ يعرفِ اللَّهَ يعرفْ أوَّليةَ ذا … فالدِّينُ من بيتِ هذا نالَهُ أُمَمُ أيُّ العشائر هُمْ ليستْ رقابهمُ … لأوَّلية هذا أو لَهُ نَعَمُ

стр. 4054

هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في "معجمه الكبير" (١) وهو غريب، فإن المشهور أنها من قيل الفرزدق في علي بن الحسين لا في أبيه، وهو أشبه، فإن الفرزدق لم يرَ الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج والحسينُ ذاهب إلى العراق، فسأل الحسينُ الفرزدقَ عن الناس، فذكر له ما تقدم، ثم إن الحسين قُتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة، فمتى رآه يطوف بالبيت؟! واللَّه أعلم. وروى هشام، عن عوانة قال: قال عبيد اللَّه بن زياد لعمر بن سعد: أين الكتابُ الذي كتبتُه إليك في قتل الحسين؟ فقال: مضيتُ لأمرك وضاع الكتاب، فقال له ابن زياد: لتجيئنَّ به، قال: ضاع، قال: واللَّه لتجيئنَّ به، قال: تُرك واللَّه يُقرأ على عجائز قريش أعتذر إليهم بالمدينة، أما واللَّهِ لقد نصحتُك في حسين نصيحة لو نصحتُها إلى سعد بن أبي وقاص لكنت قد أدَّيت حقَّه. فقال عثمان بن زياد - أخو عبيد اللَّه: صدق عمرُ واللَّه، ولوددت واللَّهِ أنه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خِزَامة (٢) إلى يوم القيامة وأن حسينًا لم يُقتل. قال: فواللَّه ما أنكر [ذلك] عليه عبيد اللَّه بن زياد (٣). فصل في شيء من أشعاره التي رويت عنه فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل عن عبد اللَّه بن إبراهيم وذكر أنه للحسين بن علي بن أبي طالب: اغْنَ عنِ المخلوقِ بالخالقِ … تَسُدْ على الكاذبِ والصّادقِ واسْتَرْزِقِ الرحمنَ منْ فَضْلِهِ … فليسَ غير اللَّهِ من رازقِ مَنْ ظنَّ أن النَّاسَ يُغْنُونَهُ … فليسَ بالرحمنِ بالواثقِ أو ظنَّ أنَّ المالَ من كسْبِهِ … زلَّتْ بهِ النَّعلانِ منْ حالقِ (٤) وعن الأعمش: أن الحسين بن علي قال: كلَّما زِيدَ صاحبُ المالِ مالًا … زِيدَ في همِّهِ وفي الاشْتِغالِ قد عَرَفْناكِ يا مُنَغِّصَةَ العَيْـ … ــشِ ويا دارَ كلِّ فانٍ وبالِ ليس يَصْفو لزاهدٍ طلبُ الزُّهـ … ــدِ إذا كانَ مُثْقَلًا بالعيالِ (٥)

стр. 4055

وعن إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال: نادَيتُ سكانَ القبورِ فأُسْكِتوا … وأَجابني عَنْ صَمْتِهِمْ ندبُ الجُثى قالتْ أَتدري ما فعلتُ بسَاكني … مزَّقتُ لحمَهُمُ وخرَّقتُ الكُسَا وحَشَوْتُ أعينَهُيم ترابًا بعدَما … كانتْ تأَذّى باليسيرِ من القَذَى أما العِظامُ فإنَّني مزَّقْتُها … حتّى تباينتِ المفاصِلُ والشَّوى قطَّعتُ ذا مِنْ ذا ومن هذا كذا … فتركْتُها رِمَمًا يطوفُ بها البِلي (١) وأنشد بعضهم للحسين ﵁ أيضًا: لئِنْ كانتِ الدُّنيا تُعَدُّ نفيسةً … فدارُ ثوابِ اللَّهِ أَعلى وأَنبلُ وإنْ كانتِ الأبدانُ للموتِ أُنْشِئَتْ … فقتلُ امرئٍ بالسَّيف في اللَّهِ أَفضلُ وإنْ كانتِ الأرزاقُ شيئًا مقدَّرًا … فقِلَّةُ سَعْيِ المرءِ في الكسبِ أَجملُ وإنْ كانتِ الأموالُ للتَّركِ جمعُها … فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يَبْخَلُ (٢) ومما أنشد الزبير بن بكار من شعره في امرأته الرباب بنت أنيف -ويقال: بنت امرئ القيس بن عديْ بن أوس الكلبي- أمّ ابنته سُكينة: لعَمرُكَ إنَّني لأُحِبُّ دارًا … تحلُّ بها سُكَينةُ والرَّبابُ أُحبُّهما وأبذُلُ جلَّ مالي … وليسَ للائِمي فيها عِتابُ ولسْتُ لهمْ وإنْ عَتبوا مُطيعًا … حياتي أو يُغَيِّبَني التُراب (٣) وقد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب، وأمَّره عمر على قومه، فلما خرج من عنده خطب إليه علي بن أبي طالب أن يزوِّج ابنيه الحسن والحسين من بناته، فزوَّج الحسن ابنته سلمى، والحسين ابنته الرباب، وزوَّج عليًا ابنته الثالثة -وهي المحياة بنت امرئ القيس- في ساعة واحدة. فأحبَّ الحسين زوجته الرباب حبًّا شديدًا، وكان بها معجبًا، ويقول (٤) فيها الشعر. ولما قُتل بكربلاء كانت معه، فوجدتْ عليه وجدًا شديدًا، وذكر أنها أقامت على قبره سنة ثم انصرفت وهي تقول: إلى الحَوْلِ ثمَّ اسمُ السَّلام عَلَيْكما … ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقدِ اعْتَذَرْ (٥)

стр. 4056

وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش، فقالت: ما كنت لأتَّخذ حموًا بعد رسول اللَّه ﷺ ، وواللَّه لا يؤويني ورجلًا بعد الحسين سقفٌ أبدًا. ولم تزل كمِدةً حتى ماتت. ويقال: إنها إنما عاشت بعده أيامًا يسيرة، فاللَّه أعلم [وابنتها سُكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها، فاللَّه أعلم] (١). وروى أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب: أن ابن زياد -بعد مقتل الحسين- تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد اللَّه بن الحرّ بن يزيد، فتطلَّبه حتى جاءه [بعد أيام، فقال: أين كنت يا بن الحرّ؟ قال: كنت مريضًا، قال: مريض القلب أم مريض البدن؟ قال: أمّا قلبي فلم يمرض، وأمّا بدني فقد منَّ اللَّه عليه بالعافية. فقال له ابن زياد: كذبتَ، ولكنَّك كنت مع عدوِّنا، قال: لو كنتُ مع عدوك لم يخفَ مكانُ مثلي ولكان الناس شاهدوا ذلك. قال: وغفل عنه ابن زياد غفلة (٢)، فخرج ابن الحرِّ فقعد على فرسه، ثم قال: أبلغوه أني لا آتيه -واللَّه- طائعًا. فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ؟ قالوا: خرج، فقال: عليَّ به، فخرج الشُّرط في طلبه، فأسمعهم غليظ ما يكرهون، وترضَّى عن الحسين وأخيه وأبيه، ثم أسمعهم في ابن زياد غليظًا من القول] (٣) ثم امتنع منهم وقال في الحسين وفي أصحابه شعرًا: يقولُ أميرٌ غادرٌ حقّ غادرٍ … ألا كنتَ قاتلتَ الشَّهيدَ ابنَ فاطِمَهْ [ونَفْسي على خذْلانِهِ واعْتِزالِهِ … وبَيْعَةِ هذا الناكثِ العَهْدِ لائمَهْ] (٤) فيا نَدَمي أنْ لا أكونَ نصرتُهُ … ألا كلُّ نفسٍ لا تُسَدَّدُ نادمَهْ (٥) سَقَى اللَّهُ أرواحَ الذينَ تآزرُوا … على نَصْرِهِ سُقْيا من الغيثِ دائمَهْ وقفتُ على أَجْداثِهِمْ ومَجَالهِمْ … فكادَ الحشي يَنْقَضُّ والعينُ ساجمَهْ لَعَمْري لقد كانُوا مَصَاليتَ في الوغى … سِراعًا إلى الهَيْجا حُماةً خضارمَهْ تآسَوْا علَى نصرِ ابنِ بنتِ نبيِّهِمْ … بأسْيافِهِمْ آسَاد غِيْلٍ ضراغمَهْ فإنْ تقتلُوا تلكَ النفوسَ تقيَّةً … علَى الأرضِ قَدْ أضحتْ لذلكَ واجمَهْ

стр. 4057

فما إنْ رأى الرّاؤونَ أفضلَ منهُمُ … لدَى الموتِ سَاداتٌ وزهرٌ قماقمَهْ أتقتلُهمْ ظلمًا وترجُو وِدَادَنا … فَذِي خطَّةٌ ليسَتْ لنا بملائمَهْ لَعَمري لقد راغَمْتُونا بقَتلِهمْ … فكمْ ناقمٍ منّا عليكُمْ وناقمَهْ أَهُمُّ مِرارًا أن أسِيرَ بجَحْفلٍ … إلى فِئَةٍ زاغَتْ عن الحقِّ ظالمَهْ فيابنَ زيادِ إسْتَعِدَّ لحَرْبِنا … وموقفِ ضَنْكٍ تقصِمُ الظَّهرَ قاصمَهْ (١) وقال الزبير بن بكار: قال سليمان بن قَتَّة (٢) يرثي الحسين ﵁: وإنَّ قتيلَ الطَّفِّ منْ آلِ هاشِمٍ … أذلَّ رقابًا منْ قريشٍ فذَلَّتِ فإنْ تُتْبعوهُ عائذَ البيتِ تُصْبحوا … كعادٍ تعمَّتْ عن هُداها فضَلَّتِ مررتُ علَى أبياتِ آلِ محمَّدِ … فأَلفيتُها أمثالَها حيثُ حلَّتِ وكانُوا لنا غُنْمًا فعادُوا رزيَّةَ … لقد عظُمَتْ تلكَ الرَّزايا وجَلَّتِ فلا يُبْعِدِ اللَّهُ الدِّيارَ وأهلَها … وإنْ أصبحتْ منهُمْ برَغْمي تخَلَّتِ إذا افتقرَتْ قيسٌ جَبَرْنا فقيرَها … وتقتُلُنا قيسٌ إذا النَّعلُ زَلَّتِ وعندَ يزيدِ قطرةٌ منْ دمائِنا … سنَجْزيهمُ يومًا بها حيثُ حلَّتِ أَلَمْ ترَ أن الأرضَ أضحتْ مريضةً … لقتلِ حسَينِ والبلاد اقشَعَرَّتِ ومما وقع من الحوادث في هذه السنة -أعني سنة إحدى وستين- بعد مقتل الحسين ففيها ولَّى يزيد بن معاوية سَلْمَ بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه، وله من العمر أربع وعشرون سنة، وعزل عنها أخويه عبّادًا وعبد الرحمن. وسار سَلْم إلى عمله، فجعل ينتخب الوجوه والفرسان، ويحرِّض الناس على الجهاد، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزوَ بلاد الترك، ومعه امرأته أمُّ محمد بنت عبد اللَّه بن عثمان بن أبي العاص، فكانت أول امرأة من العرب قُطع بها النهر،

стр. 4058

وولدت هنالك ولدًا أسموه صُغْدي (١)، وبعثت إليها امرأة صاحب الصُّغْد بتاجها من ذهب ولآل. وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد، فشتى بها سَلْم بن زياد [وبعث المهلَّب بن أبي صُفْرة إلى تلك المدينة التي هي للترك -وهي خوارزم- فحاصرهم حتى صالحوه على نيِّف وعشرين ألف ألف، وكان يأخذ منهم عُروضًا عوضًا، فيأخذ الشيء بنصف قيمته، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بذلك المهلَّب عند سَلْم بن زياد] (٢). ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ومعه وفد. وصالح سَلْم أهل سَمَرْقند في هذه الغزوة على مال جزيل. وفي هذه السنة عزل يزيدُ عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد وأعاد إليها الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان، فولّاه المدينة، وذلك أن عبد اللَّه بن الزبير لمّا بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس، ويعظِّم قتل الحسين وأصحابه جدًا، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، ويترحَّم على الحسين ويلعن من قتله، ويقول: أما واللَّه قتلوه طويلًا بالليل قيامُه، كثيرًا فى النهار صيامُه، أما واللَّه ما كان يستبدل بالقرآن الغناء والملاهي، ولا بالبكاء من خشية اللَّه اللغو والحّداء، ولا بالصيام شرب المدام وأكل الحرام، ولا بالجلوس في حِلَق الذكر طلب الصيد -يعرض في ذلك بيزيد بن معاوية- فسوف يلقَوْن غيّا، ويؤلِّب الناس على بني أمية، ويحثُّهم على مخالفتهم وخلع يزيد. فبايعه خلق كثير في الباطن، وسألوه أن يُظهرها فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد، وكان شديدًا عليه ولكن فيه رفق. وقد كان كاتَبَه أهل المدينة وغيرهم، وقال الناس: أما إذ قُتل الحسين فليس أحد ينازع ابن الزبير. فلمّا بلغ ذلك يزيد شقَّ ذلك عليه، وقيل له: إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم. فبعث فعزله وولَّى الوليد بن عتبة في هذه السنة -وقيل: فى مستهلِّ ذي الحجة- فأقام للناس الحج فيها. وحلف يزيد: ليأتينِّي ابن الزبير في سلسلة من فضة، وبعث بها مع البريد ومعه بُرنس من خزٍّ ليبرَّ يمينه، فلما مرَّ البريد على مروان وهو بالمدينة وأخبره بما هو قاصد له وما معه من الغل أنشأ مروان يقول (٣): فَخُذْها فما هيَ للعزيزِ بخطَّةٍ … وفيها مَقالٌ لامرئٍ متذلِّلِ أعامرُ إنَّ القومَ سامُوكَ خطَّةً … وذلكَ في الجيرانِ غزلٌ بمِغزَلِ أراكَ إذا ما كنتَ في القوم ناصحًا … يُقالُ له بالدَّلْوِ أَدِبرْ وأَقبِلِ

стр. 4059

فلمّا انتهت الرسل إلى عبد اللَّه بن الزبير بعث مروان ابنيه عبد الملك وعبد العزيز ليَحْضرا مراجعته في ذلك وقال: أسمعاه قولي في ذلك. قال عبد العزيز: فلمَّا جلس الرسل بين يديه جعلتُ أُنشده ذلك وهو يسمع ولا أُشعره، فالتفت إليَّ فقال: أخبرا أباكما أني أقول: [إنِّي لمنْ نَبْعَةٍ صُمٍّ مكاسِرُها … إذا تَنَاوَحَتِ القَصْباءُ والعُشَرُ] (١) ولا أَلِينُ لغيرِ الحقِّ أَسْألُهُ … حتَّى يَلين لضِرسِ الماضِغِ الحجَرُ قال عبد العزيز: فما أدري أيهما كان أعجب (٢)! قال أبو مَعْشر: لا خلاف بين أهل السِّير أن الوليد بن عتبة حجَّ بالناس في هذه السنة وهو أمير الحرمين، وعلى البصرة والكوفة عبيد اللَّه بن زياد، وعلى خراسان وسجستان سَلْم بن زياد - أخو عبيد اللَّه بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبَيرة. ذكر من توفي فيها من الأعيان: الحسين بن علي ﵄: ومعه بضعة عشر من أهل بيته قُتلوا جميعًا بكربلاء، وقيل: بضعة وعشرون، كما تقدم. وقُتل معهم جماعة من الأبطال والفرسان. جابر (٣) بن عَتِيك بن قَيْس (٤): أبو عبد اللَّه الأنصاري السَّلَمي. شهد بدرًا وما بعدها، وكان حامل راية الأنصار (٥) يوم الفتح. كذا قال ابن الجوزي. قال: وتوفي في هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة. حمزةُ بنُ عَمرو الأسْلَمي (٦): صحابي جليل. ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أنها قالت: سأل

стр. 4060

حمزة بن عمرو رسول اللَّه ﷺ فقال: إني كثير الصيام، أفأصوم في السَّفر؟ فقال له: "إنْ شئتَ فصُم، وإنْ شئتَ فأَفطِر" (١). وقد شهد فتح الشام، وكان هو البشير للصدِّيق يوم أَجنادين. قال الواقدي: وهو الذي بشَّر كعب بن مالك بتوبة اللَّه عليه، فأعطاه ثوبيه. وروى البخاري في "التاريخ" (٢) بإسناد جيد عنه أنه قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاءتْ لي أصابعي حتى جمعتُ عليها كل متاع كان للقوم". اتفقوا على أنه توفي في هذه السنة - أعني إحدى وستين. شَيْبةُ بن عثمان بن أبي طَلْحة (٣): العَبْدَري الحَجَبي، صاحب مفتاح الكعبة. كان أبوه ممَّن قتله علي بن أبي طالب يوم أُحد كافرًا. وأظهر شيبة الإسلام يوم الفتح، وشهد حُنينًا وفي قلبه شيء من الشك، وقد همَّ بالفتك برسول اللَّه ﷺ ، فأطلع اللَّه على ذلك رسوله، فأخبره بما همَّ به، فأسلم باطنًا وجاد إسلامه، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر. قال الواقدي عن أشياخه: إنَّ شيبة قال: كنت أقول: واللَّه لو آمنَ بمحمد جميعُ الناس ما آمنت به، فلما فتح مكة وخرج إلى هوازن خرجتُ معه رجاء أن أجد فرصة آخذ بثأر قريش كلِّها منه. قال: فاختلط الناس ذات يوم، ونزل رسول اللَّه ﷺ عن بغلته، فدنوتُ منه وانتضيتُ سيفي لأضربه به، فرُجع لي

стр. 4061

شُواظ (١) من نار كاد يَمْحشني (٢)، فالتفتَ اليَّ رسول اللَّه ﷺ وقال: يا شيبة ادنُ مني، فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: اللهمَّ أَعذهُ من الشيطان. قال: فواللَّه ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري، ثم قال: اذهبْ فقاتل. قال: فتقدمت إلى العدو، وواللَّه لو لقيتُ أبي لقتلتُه لو كان حيًّا، فلما تراجع الناس قال لي: يا شيبة! الذي أراد اللَّه بك خير مما أردتَ لنفسك، ثم حدَّثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطَّلع عليه أحد إلَّا اللَّه ، فتشهدت وقلت: أستغفر اللَّه، فقال: غفر اللَّه لك (٣). وليَ الحجابة بعد عثمان بن طلحة، واستقرَّت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم، وإليه يُنسب بنو شيبة، وهم حجبة الكعبة. قال خليفة بن خياط (٤) وغير واحد: توفي سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن سعد (٥): بقي إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي في "المنتظم": مات في هذه السنة. عبدُ المطَّلب بن رَبيعَة (٦) بن الحارث: بن عبد المطَّلب بن هاشم. صحابي، انتقل إلى دمشق وله بها دار، ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية - وهو أمير المؤمنين. الوليدُ بنُ عُقبة (٧): بن أبي مُعَيط أبان (٨) بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، أبو وهب، القرشي العَبْشمي.

стр. 4062

وهو أخو عثمان بن عفان لأمِّه أروى بنت كُريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطَّلب. وللوليد من الإخوة: خالد، وعمارة، وأمُّ كلثوم. وقد قتل رسول اللَّه ﷺ أباه بعد وقعة بدر من بين الأسرى صَبْرًا [بين يديه، فقال: يا محمد! من للصِّبية؟ فقال: لهم النار] (١). وكذلك فعل بالنضر بن الحارث. وأسلم الوليد هذا يوم الفتح، وقد بعثه رسول اللَّه ﷺ على صدقات بني المُصْطلق، فخرجوا يتلقونه، فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع، فأخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فأراد أن يجهِّز إليهم جيشًا، فبلغهم ذلك، فجاء مَنْ جاء منهم ليعتذروا إليه ويخبروه بصورة ما وقع، فأنزل اللَّه تعالى في الوليد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. ذكر ذلك غير واحد من المفسِّرين (٢). واللَّه أعلم بصحة ذلك. وقد حكى أبو عمر (٣) بن عبد البَرّ على ذلك الإجماع. وقد ولّاه عمر صدقاتِ بني تَغْلب، وولّاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص سنة خمس وعشرين، ثم شرب الخمر وصلَّى بأصحابه ثم التفتَ إليهم فقال: أزيدكم؟ ووقع منه تخبيط، ثم إن عثمان جلدَه وعزلَه عن الكوفة بعد أربع سنين، فأقام بها، فلما جاء علي إلى العراق سار إلى الرقَّة واشترى له عندها ضيعة وأقام بها معتزلًا جميع الحروب التي كانت أيام علي ومعاوية وما بعدها إلى أن توفي بضيعته في هذه السنة، ودفن بضيعته - وهي على خمسة عشر ميلًا من الرقَّة. ويقال: إنه توفي في أيام معاوية، فاللَّه أعلم. روى له الإمام أحمد وأبو داود (٤) حديثًا واحدًا في فتح مكة. وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة. وذكر أيضًا وفاة أمِّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنها توفيت سنة ثلاث وستين. وقيل: سنة ست وستين. والصواب ما ذكرناه.

стр. 4063

أمُّ سَلَمة أمُّ المؤمنين (١): هند بنت أبي أميَّة حذيفة -وقيل: سُهَيْل (٢) - بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية. كانت أولًا تحت ابن عمِّها أبي سلَمة بن عبد الأسد، فمات عنها، فتزوَّجها رسول اللَّه ﷺ ودخل بها في شوال سنة اثنتين بعد وقعة بدر (٣). وقد كانت سمعتْ من زوجها أبي سَلَمة حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما مِنْ مسلمٍ يُصابُ بمُصِيبةٍ فيقول: إنا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعُون، اللهمَّ أجُرني في مُصِيبتي، واخلفْ لي خيرًا منها، إلَّا أَبدلَه اللَّهُ خيرًا منها". قالت: فلما مات أبو سلَمة قلت ذلك ثم قلت: ومن هو خيرٌ من أبي سلَمة أول رجلٍ هاجر؟ ثم عزم اللَّه لي فقلتها، فأبدلني اللَّهُ خيرًا منه - رسول اللَّه (٤). وكانت من حِسَان النساء وعابداتهن. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين، وصلَّى عليها أبو هريرة. وقال ابن أبي خَيْثمة: توفيت أيام يزيد بن معاوية. قلت: والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدلُّ على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله، واللَّه أعلم. ورضي اللَّه عنها. ثم دخلت سنة اثنتين وستين يقال: فيها قدم وفد المدينة النبوية على يزيد بن معاوية، فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنيّة، ثم عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه وولَّوا عليهم عبد اللَّه بن حنظلة الغَسِيل، فبعث إليهم يزيد جندًا في السنة الآتية [إلى المدينة، فكانت وقعة الحرَّة على ما سنبيِّنه في التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 4064

وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، وولَّى عليهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فلما دخل المدينة] (١) احتاط على الأموال والحواصل والأملاك، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم -وكانوا نحوًا من ثلاثمئة عبد- فتجهَّز عمرو بن سعيد إلى يزيد، وبعث إلى عبيده أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به، وأعدَّ لهم إبلًا يركبونها، ففعلوا ذلك، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد، فأكرمه واحترمه ورحَّب به وأدنى مجلسه، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير، فقال له: يا أمير المؤمنين! الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جلَّ أهل مكة والحجاز مالؤوه علينا وأحبُّوه، ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضتُه، وقد كان يحذرني ويحترس مني، وكنت أرفق به كثيرًا وأداريه لأستمكن منه فأثب عليه، مع أني قد ضيَّقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالًا لا يَدعون أحدًا يدخلها حتى يكتبوا اسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد هو، وما جاء له، وماذا يريد، فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغرًا، وإلا خلَّيت سبيله. وقد ولَّيتَ الوليد، وسيأتيك من عمله وأمره مالعلك تعرف به فضل مسارعتي واجتهادي في أمرك ومناصحتي لك إن شاء اللَّه، واللَّه يصنع لك ويكبِت عدوَّك. فقال له يزيد: أنت أصدق ممن رماك وحملني عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدَّخره لذات الصدع وكفاية المهم، وكشف نوازل الأمور العظام. . . في كلام طويل. وأما الوليد بن عتبة فإنه أقام بالحجاز، وقد همَّ مرارًا أن يبطش بعبد اللَّه بن الزبير، فيجده متحذرًا ممتنعًا قد أعدَّ للأمور أقرانها. وثار باليمامة رجل آخر يقال له: نَجْدة بن عامر الحنفي حين قتل الحسين، وخالف يزيد بن معاوية، ولم يخالف ابن الزبير، بل بقي على حدة، له أصحاب يتبعونه. فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور، وتخلَّف عنه أصحاب ابن الزبير وأصحاب نَجْدة، ثم يدفع كل فريق وحدهم. ثم كتب نَجْدة إلى يزيد: إنك بعثت إلينا رجلًا أخرق لا يتَّجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلًا سهل الخلق ليِّن الكنف، رجوت أن يسهل به من الأمور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء اللَّه تعالى. قالوا: فعزل يزيد الوليد، وولَّى عثمان [بن] (٢) محمد بن أبي سفيان، فسار إلى الحجاز، وإذا هو فتى غِرّ حدث غمر لم يمارس الأمور، فطمعوا فيه، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدًا فيهم عبد اللَّه بن حنظلة الغَسِيل الأنصاري، وعبد اللَّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرمي، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة،

стр. 4065

فقدموا على يزيد، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وعظَم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد اللَّه بن زياد بالبصرة، وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، وتعزف عنده القيان بالمعازف، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. فتابعهم الناس على خلعه، وبايعوا عبد اللَّه بن الغَسِيل على الموت، وأنكر عليهم عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة، فوافق أولئك على خلع يزيد، وأخبرهم أنه يشرب الخمر ويسكر حتى يترك الصلاة، وعابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه وانتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذِّرهم غبَّ ذلك، ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد، وخوَّفهم الفتنة، وقال لهم: إن الفتنة وخيمة، وقال: لا طاقة لكم بأهل الشام. فقال له عبد اللَّه بن مطيع: ما يحملك -يا نعمان- على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح اللَّه من أمرنا؟ فقال له النعمان: أما واللَّه لكأني بك وقد تركت (١) تلك الأمور التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحى الموت بين الفريقين، قد ضربتَ بغلتك إليَّ وخلَّفتَ هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سِكَكِهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه، فانصرف وكان واللَّه كما قال سواء. قال ابن جرير (٢): وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة. كذا قال، وفيه نظر، فإنه إن كان وفد في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين، وهو أشبه، واللَّه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: بُرَيدة بن الحُصَيب الأَسْلَمي (٣): كان إسلامه حين اجتاز به رسول اللَّه ﷺ وهو مهاجر إلى المدينة عند
следующие страницы →