← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

شُواظ (١) من نار كاد يَمْحشني (٢)، فالتفتَ اليَّ رسول اللَّه ﷺ وقال: يا شيبة ادنُ مني، فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: اللهمَّ أَعذهُ من الشيطان. قال: فواللَّه ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري، ثم قال: اذهبْ فقاتل. قال: فتقدمت إلى العدو، وواللَّه لو لقيتُ أبي لقتلتُه لو كان حيًّا، فلما تراجع الناس قال لي: يا شيبة! الذي أراد اللَّه بك خير مما أردتَ لنفسك، ثم حدَّثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطَّلع عليه أحد إلَّا اللَّه ، فتشهدت وقلت: أستغفر اللَّه، فقال: غفر اللَّه لك (٣). وليَ الحجابة بعد عثمان بن طلحة، واستقرَّت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم، وإليه يُنسب بنو شيبة، وهم حجبة الكعبة. قال خليفة بن خياط (٤) وغير واحد: توفي سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن سعد (٥): بقي إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي في "المنتظم": مات في هذه السنة. عبدُ المطَّلب بن رَبيعَة (٦) بن الحارث: بن عبد المطَّلب بن هاشم. صحابي، انتقل إلى دمشق وله بها دار، ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية - وهو أمير المؤمنين. الوليدُ بنُ عُقبة (٧): بن أبي مُعَيط أبان (٨) بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، أبو وهب، القرشي العَبْشمي.

стр. 4062

وهو أخو عثمان بن عفان لأمِّه أروى بنت كُريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطَّلب. وللوليد من الإخوة: خالد، وعمارة، وأمُّ كلثوم. وقد قتل رسول اللَّه ﷺ أباه بعد وقعة بدر من بين الأسرى صَبْرًا [بين يديه، فقال: يا محمد! من للصِّبية؟ فقال: لهم النار] (١). وكذلك فعل بالنضر بن الحارث. وأسلم الوليد هذا يوم الفتح، وقد بعثه رسول اللَّه ﷺ على صدقات بني المُصْطلق، فخرجوا يتلقونه، فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع، فأخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فأراد أن يجهِّز إليهم جيشًا، فبلغهم ذلك، فجاء مَنْ جاء منهم ليعتذروا إليه ويخبروه بصورة ما وقع، فأنزل اللَّه تعالى في الوليد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. ذكر ذلك غير واحد من المفسِّرين (٢). واللَّه أعلم بصحة ذلك. وقد حكى أبو عمر (٣) بن عبد البَرّ على ذلك الإجماع. وقد ولّاه عمر صدقاتِ بني تَغْلب، وولّاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص سنة خمس وعشرين، ثم شرب الخمر وصلَّى بأصحابه ثم التفتَ إليهم فقال: أزيدكم؟ ووقع منه تخبيط، ثم إن عثمان جلدَه وعزلَه عن الكوفة بعد أربع سنين، فأقام بها، فلما جاء علي إلى العراق سار إلى الرقَّة واشترى له عندها ضيعة وأقام بها معتزلًا جميع الحروب التي كانت أيام علي ومعاوية وما بعدها إلى أن توفي بضيعته في هذه السنة، ودفن بضيعته - وهي على خمسة عشر ميلًا من الرقَّة. ويقال: إنه توفي في أيام معاوية، فاللَّه أعلم. روى له الإمام أحمد وأبو داود (٤) حديثًا واحدًا في فتح مكة. وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة. وذكر أيضًا وفاة أمِّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنها توفيت سنة ثلاث وستين. وقيل: سنة ست وستين. والصواب ما ذكرناه.

стр. 4063

أمُّ سَلَمة أمُّ المؤمنين (١): هند بنت أبي أميَّة حذيفة -وقيل: سُهَيْل (٢) - بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية. كانت أولًا تحت ابن عمِّها أبي سلَمة بن عبد الأسد، فمات عنها، فتزوَّجها رسول اللَّه ﷺ ودخل بها في شوال سنة اثنتين بعد وقعة بدر (٣). وقد كانت سمعتْ من زوجها أبي سَلَمة حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما مِنْ مسلمٍ يُصابُ بمُصِيبةٍ فيقول: إنا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعُون، اللهمَّ أجُرني في مُصِيبتي، واخلفْ لي خيرًا منها، إلَّا أَبدلَه اللَّهُ خيرًا منها". قالت: فلما مات أبو سلَمة قلت ذلك ثم قلت: ومن هو خيرٌ من أبي سلَمة أول رجلٍ هاجر؟ ثم عزم اللَّه لي فقلتها، فأبدلني اللَّهُ خيرًا منه - رسول اللَّه (٤). وكانت من حِسَان النساء وعابداتهن. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين، وصلَّى عليها أبو هريرة. وقال ابن أبي خَيْثمة: توفيت أيام يزيد بن معاوية. قلت: والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدلُّ على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله، واللَّه أعلم. ورضي اللَّه عنها. ثم دخلت سنة اثنتين وستين يقال: فيها قدم وفد المدينة النبوية على يزيد بن معاوية، فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنيّة، ثم عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه وولَّوا عليهم عبد اللَّه بن حنظلة الغَسِيل، فبعث إليهم يزيد جندًا في السنة الآتية [إلى المدينة، فكانت وقعة الحرَّة على ما سنبيِّنه في التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 4064

وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، وولَّى عليهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فلما دخل المدينة] (١) احتاط على الأموال والحواصل والأملاك، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم -وكانوا نحوًا من ثلاثمئة عبد- فتجهَّز عمرو بن سعيد إلى يزيد، وبعث إلى عبيده أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به، وأعدَّ لهم إبلًا يركبونها، ففعلوا ذلك، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد، فأكرمه واحترمه ورحَّب به وأدنى مجلسه، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير، فقال له: يا أمير المؤمنين! الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جلَّ أهل مكة والحجاز مالؤوه علينا وأحبُّوه، ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضتُه، وقد كان يحذرني ويحترس مني، وكنت أرفق به كثيرًا وأداريه لأستمكن منه فأثب عليه، مع أني قد ضيَّقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالًا لا يَدعون أحدًا يدخلها حتى يكتبوا اسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد هو، وما جاء له، وماذا يريد، فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغرًا، وإلا خلَّيت سبيله. وقد ولَّيتَ الوليد، وسيأتيك من عمله وأمره مالعلك تعرف به فضل مسارعتي واجتهادي في أمرك ومناصحتي لك إن شاء اللَّه، واللَّه يصنع لك ويكبِت عدوَّك. فقال له يزيد: أنت أصدق ممن رماك وحملني عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدَّخره لذات الصدع وكفاية المهم، وكشف نوازل الأمور العظام. . . في كلام طويل. وأما الوليد بن عتبة فإنه أقام بالحجاز، وقد همَّ مرارًا أن يبطش بعبد اللَّه بن الزبير، فيجده متحذرًا ممتنعًا قد أعدَّ للأمور أقرانها. وثار باليمامة رجل آخر يقال له: نَجْدة بن عامر الحنفي حين قتل الحسين، وخالف يزيد بن معاوية، ولم يخالف ابن الزبير، بل بقي على حدة، له أصحاب يتبعونه. فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور، وتخلَّف عنه أصحاب ابن الزبير وأصحاب نَجْدة، ثم يدفع كل فريق وحدهم. ثم كتب نَجْدة إلى يزيد: إنك بعثت إلينا رجلًا أخرق لا يتَّجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلًا سهل الخلق ليِّن الكنف، رجوت أن يسهل به من الأمور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء اللَّه تعالى. قالوا: فعزل يزيد الوليد، وولَّى عثمان [بن] (٢) محمد بن أبي سفيان، فسار إلى الحجاز، وإذا هو فتى غِرّ حدث غمر لم يمارس الأمور، فطمعوا فيه، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدًا فيهم عبد اللَّه بن حنظلة الغَسِيل الأنصاري، وعبد اللَّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرمي، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة،

стр. 4065

فقدموا على يزيد، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وعظَم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد اللَّه بن زياد بالبصرة، وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، وتعزف عنده القيان بالمعازف، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. فتابعهم الناس على خلعه، وبايعوا عبد اللَّه بن الغَسِيل على الموت، وأنكر عليهم عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة، فوافق أولئك على خلع يزيد، وأخبرهم أنه يشرب الخمر ويسكر حتى يترك الصلاة، وعابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه وانتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذِّرهم غبَّ ذلك، ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد، وخوَّفهم الفتنة، وقال لهم: إن الفتنة وخيمة، وقال: لا طاقة لكم بأهل الشام. فقال له عبد اللَّه بن مطيع: ما يحملك -يا نعمان- على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح اللَّه من أمرنا؟ فقال له النعمان: أما واللَّه لكأني بك وقد تركت (١) تلك الأمور التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحى الموت بين الفريقين، قد ضربتَ بغلتك إليَّ وخلَّفتَ هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سِكَكِهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه، فانصرف وكان واللَّه كما قال سواء. قال ابن جرير (٢): وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة. كذا قال، وفيه نظر، فإنه إن كان وفد في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين، وهو أشبه، واللَّه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: بُرَيدة بن الحُصَيب الأَسْلَمي (٣): كان إسلامه حين اجتاز به رسول اللَّه ﷺ وهو مهاجر إلى المدينة عند

стр. 4066

كُراع الغَمِيم (١)، فلما كان هناك تلقّاه بُريدة في ثمانين نفسًا من أهله فأسلموا، وصلى بهم صلاة العشاء، وعلَّمه ليلتئذ صدرًا من سورة مريم. ثم قدم على رسول اللَّه ﷺ المدينة بعد أُحُد، فشهد معه المشاهد كلها، وأقام بالمدينة، فلما فتحت البصرة نزلها واختط بها دارًا، ثم خرج إلى غزو خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية. ذكر موته غير واحد في هذه السنة. الرّبيعُ بنُ خُثَيْم (٢): أبو يزيد الثوري الكوفي، أحد أصحاب ابن مسعود. [قال له عبد اللَّه بن مسعود] (٣): ما رأيتك قطُ إلا ذكرت المُخْبتين، ولو رآك رسول اللَّه ﷺ لأحبَّك (٤). وكان ابن مسعود يجلُّه كثيرًا. وقال الشعبي: كان الربيع من معادن الصدق، وكان أورع أصحاب ابن مسعود. وقال ابن معين: لا يُسأل عن مثله. وله مناقب كثيرة جدًّا. أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة. عَلْقَمَةُ بنُ قَيْس (٥): أبو شِبل النَّخعي الكوفي.

стр. 4067

كان من أكابر أصحاب ابن مسعود وعلمائهم، وكان يُشَبَّه بابن مسعود. وقد روى علقمة عن جماعة من الصحابة، وعنه خلق من التابعين. عُقْبَةُ بنُ نافع الفِهْري (١): بعثه معاوية إلى إفريقية في عشرة آلاف، فافتتحها، واختط القَيْرَوان، وكان موضعها غيضة لا تُرام من السباع والحيّات والحشرات، فدعا اللَّه تعالى، فجعلنَ يخرجنَ منها بأولادهن من الأوكار والجحار، فبناها ولم يزل بها حتى هذه السنة. غزا أقوامًا من البربر والروم، فقُتل شهيدًا ﵁. عَمْرو بنُ حَزْم (٢): صحابي جليل. استعمله رسول اللَّه ﷺ على نجران وعمرُه سبع عشرة سنة، وأقام بها مدة، وأدرك أيام يزيد بن معاوية. مَسْلَمَةُ (٣) بنُ مُخَلَّد الأَنصاريُّ الزُّرَقي (٤): ولد عام الهجرة، وسمع من رسول اللَّه ﷺ ، وشهد

стр. 4068

فتح مصر، وولي الجند بها لمعاوية ويزيد، ومات في ذي القعدة من هذه السنة. نَوْفل بنُ معاوية الدِّيلي (١) (٢): صحابي جليل، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق مع المشركين، وكانت له في المسلمين نِكاية، ثم أسلم وحسن إسلاعه، وشهد فتح مكة وحُنينًا، وحج مع أبي بكر سنة تسع، وشهد حجة الوداع، وعمر ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. قاله الواقدي. قال: وأدرك أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي: مات في هذه السنة. وفيها توفيت: الرَّباب بنت أنيف (٣): امرأة الحسين بن علي التي كانت حاضرة أهل العراق إذ هم يعدُون في السبت -أو في الجمعة- على زوجها الحسين بن علي ابن بنت رسول اللَّه ﷺ . ثم دخلت سنة ثلاث وستين ففيها كانت: وَقْعَةُ الحَرَّة وكان سببها: أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية وولَّوا على قريش عبد اللَّه بن مطيع وعلى الأنصار عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر، فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك وأجتمعوا عند المنبر، فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه، ويقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شيء كثير من العمائم والنعال هناك. ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم -وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد- وعلى إجلاء بني أمية

стр. 4069

من المدينة، فاجتمعت بنو أمية -[وهم قريب من ألف رجل] (١) - في دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم. واعتزل النَّاسَ عليُّ بن الحسين زينُ العابدين، وكذلك عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، لم يخلعا يزيد، ولا أحد من بيت ابن عمر، وقد قال ابن عمر لأهله: لا يخلعن أحد منكم يزيد فيكون الفيصل -ويروى: الصيلم- بيني وبينه. وسيأتي هذا الحديث بلفظه وإسناده في ترجمة يزيد. وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع وابن حنظلة على الموت، وقال: إنّما كنّا نبايع رسول اللَّه ﷺ على ألَّا نفرّ. وكذلك لم يخلع يزيدَ أحدٌ من بني عبد المطلب. وقد سئل محمد ابن الحنفيَّة في ذلك، فامتنع أشدَّ الامتناع، وناظرهم وجادلهم في يزيد، ورد عليهم ما اتهموا يزيد به من شربه الخمر وتركه بعض الصلوات، كما سيأتي مبسوطًا في ترجمة يزيد قريبًا إن شاء اللَّه. وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه [من الحصر والإهانة والجوع والعطش، وأنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه] (٢) وإلا استؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسًا على سريره ورجلاه في ماء يتبرَّد به مما به من النِّقرس (٣) في رجليه. فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك وقال: ويلك! أما فيهم ألف رجل؟ قال: بلى، قال: فهلّا قاتلوا ولو ساعة من نهار؟! ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص، فقرأ عليه الكتاب واستشاره فيمن يبعثه إليهم، وعرض عليه أن يبعثه إليهم، فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة وأمورها محكمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق بالصعيد، فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتول ذلك من هم أبعد منهم مني. قال: فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المرّي وهو شيخ كبير ضعيف، فانتدب لذلك، وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس -وقيل: اثني عشر ألفًا- وخمسة عشر ألف راجل، وأعطى كل واحد منهم مئة دينار -وقيل: أربعة دنانير- ثم استعرضهم يزيد وهو على فرس له. قال المدائني: وجعل على أهل دمشق عبد اللَّه بن مَسْعدة الفزاري، وعلى أهل حمص حصين بن نمير السَّكوني، وعلى أهل الأردن حُبيش بن دُلْجة القيني، وعلى أهل فلسطين روح بن زنباع الجُذامي، وشريك الكناني، وعلى أهل قِنَّسرين طريف بن الحسحاس الهلالي، وعليهم جميعًا مسلم بن عقبة المرّي من غطفان، وإنما يسميِّه السلَف مسرف بن عقبة. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين! ولِّني عليهم أكفك -وكان النعمان أخا عبد اللَّه بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة- فقال يزيد: لا، ليس لهم إلا

стр. 4070

هذا الغشمة (١)، واللَّه لأقتلنَّهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال النعمان: يا أمير المؤمنين! أنشدك اللَّه في عشيرتك وأنصار رسول اللَّه ﷺ . وقال له عبد اللَّه بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أتقبل منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم. وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثًا، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، وإلا فاستعن باللَّه وقاتلهم، وإذا ظهرتَ عليهم فأَبحِ المدينة ثلاثًا ثم اكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه، واستوص به خيرًا، وأَدنِ مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه. وأمره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن الزبير (٢). وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السَّكوني. وقد كان يزيد كتب إلى عبيد اللَّه بن زياد أن يسير إلى [ابن] (٣) الزبير فيحاصره بمكة، فأبى عليه وقال: واللَّه لا أجمعهما للفاسق أبدًا، أقتل ابن بنت رسول اللَّه ﷺ وأغزو البيت الحرام؟! وقد كانت أمُّه مَرجانة قالت له حين قتل الحسين: ويحك ماذا صنعت وماذا ركبت؟! وعنَّفته تعنيفًا شديدًا. قالوا: وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته: يزيد القرود، شارب الخمور، تارك الصلوات، متعكف على القينات. فلما جهَّز مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق جعل يقول: أَبْلِغْ أبا بكرٍ إذا الجيشُ سَرى … وأَشرفَ الجيشُ على وادي القُرى أَجَمْعَ سكرانَ من القومِ تَرى … يا عَجبًا من مُلحدٍ في أمِّ القُرى مخادعٍ للدَّين يَقْضي بالفِرى (٤) وفي رواية: أَبْلِغْ أبا بكرٍ إذا الأمرُ انْبَرى … ونَزَلَ الجيشُ على وادي القُرى عشرونَ ألفًا بينَ كهلٍ وفتى … أَجَمْعَ سكرانَ من القوم تَرى (٥) قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب مها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية وقالوا لهم: واللَّه لنقتلنَّكم عن آخركم أو تعطونا مَوْثقًا ألا تدلُّوا علينا أحدًا من هؤلاء الشاميِّين، ولا تمالئوهم علينا، فأعطَوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية، فجعل مسلم يسألهم

стр. 4071

عن الأخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك. وجاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد النصر فأنزل شرقيَّ المدينة في الحرَّة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك وإلا فاستعن باللَّه وقاتلهم فإن اللَّه ناصرك عليهم إذ خالفوا الإمام وخرجوا عن الطاعة. فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقيَّ المدينة في الحرَّة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة، فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع -وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين- قال لهم: يا أهل المدينة! مضت الثلاثة، وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصلُه وعشيرته، وإنه يكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثًا فقد مضت، فماذا أنتم صانعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. فقال: لا تفعلوا، بل سالموا ونجعل حدنا وقوتنا على هذا الملحد -يعني ابن الزبير- فقالوا: يا عدو اللَّه! واللَّه لو أردت ذلك لما مكنّاك منه، أنحن نذركم تذهبون فتلحدوا في بيت اللَّه الحرام؟ ثم تهيؤوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقًا بينهم وبين ابن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع على كل ربع أمير، وجعلوا أجل الأرباع الربع الذي فيه عبد اللَّه بن حنظلة الغسِيل، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انهزم أهل المدينة إليها. وقد قُتل من الفريقين خلق من السادات والأعيان منهم: عبد اللَّه بن مطيع وبنون له سبعة بين يديه، وعبد اللَّه بن حنظلة الغسيل، وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شمّاس، ومحمد بن عمرو بن حزم، وقد مرَّ به مروان وهو مجندل (١) فقال: رحمك اللَّه، فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود! ثم أباح مسلم بن عقبة -الذي يقول فيه السلف: مسرف بن عقبة، قبحه اللَّه من شيخ سوء ما أجهله- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد لا جزاه اللَّه خيرًا، وقَتل خلقًا من أشرافها وقرّائها، وانتهب أموالًا كثيرة منها، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد، فكان ممن قُتل بين يديه صبرًا معقل بن سنان، وقد كان صديقه قبل ذلك، ولكن أسمعه في يزيد كلامًا غليظًا، فنقم عليه بسببه. واستدعى بعلي بن الحسين، فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ليأخذ له بهما عنده أمانًا، ولم يشعر أن يزيد أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب -وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجًا إلى المدينة، فكان يُشاب (٢) له بشرابه- فلما جيء بالشراب شرب مروان قليلًا، ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانًا، وكان مروان موادًّا لعلي بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في يده قال له: لا تشرب من شرابنا، ثم قال له: إنما جئتَ مع هذين لتأمن بهما؟ فارتعدت يد علي بن الحسين، وجعل لا يضع الإناء من يده ولا يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير

стр. 4072

المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذه الذي في كفي أريد، فشرب. ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى هاهنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن هؤلاء شغلوني عنك، ثم قال: لعل أهلك فزعوا؟ فقال: إي واللَّه! فأمر بدابته فأُسرجت، ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرَّمًا. ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان -ولم يكن خرج مع بني أمية- فقال له: إنك إنْ ظهر أهلُ المدينة قلتَ: أنا معكم. وإن ظهر أهلُ الشام قلتَ: أنا ابن أمير المؤمنين. ثم أمر به فنُتفتْ لحيتُه بين يديه، وكان ذا لحية كبيرة. قال المدائني: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال. فأرسلت سعدى بنت عوف المرِّيَّة إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك، فمر أصحابك ألا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا وكذا، فقال لأصحابه: لا تبدؤوا إلا بأخذ إبلها أولًا. وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك وابني في الأسارى، فقال: عجَّلوه لها، فضُربت عنقه، وقال: أعطوها رأسه، أما ترضين ألا يقتل حتى تتكلمي في ابنك؟! ووقعوا على النساء حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج، فاللَّه أعلم. قال المدائني: عن أبي قرَّة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرَّة من غير زوج. وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة منهم جابر بن عبد اللَّه. وخرج أبو سعيد الخُدْري فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام، قال: فلما رأيته انتضيت سيفي، فقصدني، فلما رآني صمَّم على قتلي، فشمت سيفي ثم قلت: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد الخُدري، قال: صاحب رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: نعم، فمضى وتركني. قال المدائني: وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيِّب، فقال له: بايع، فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر. فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون، فخلّى سبيله. وقال المدائني: عن عبد اللَّه القرشي وأبي إسحاق التميمي قالا: لما انهزم أهل المدينة يوم الحرَّة صاح النساء والصِّبيان، فقال ابن عمر: بعثمان وربِّ الكعبة. قال المدائني: عن شيخ من أهل المدينة قال: سألت الزُّهري: كم كانت القتلى يوم الحرَّة؟ قال: سبعمئة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حُر وعبد وغيرهم

стр. 4073

عشرة آلاف. قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وأنتهبوا المدينة ثلاثة أيام. قال الواقدي وأبو مَعْشر: كانت وقعة الحرَّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. قال الواقدي: عن عبد اللَّه بن جعفر، عن ابن عون قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وكانوا يسمونه العائذ -يعني العائذ بالبيت- ويرون الأمر شورى. وجاء خبر الحرَّة إلى أهل مكة ليلة مستهل المحرم مع سعيد مولى المِسْور بن مَخْرمة، فحزنوا حزنًا شديدًا، وتأهبوا لقتال أهل الشام. قال ابن جرير (١): وقد رويت قصة الحرَّة على غير ما رواه أبو مِخْنف، فحدّثني أحمد بن زهير، حدّثنا أبي، سمعت وهب بن جرير، حدّثنا جُويرية ابن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يومًا، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته لنا. فلما هلك معاوية وفد إلى يزيد وفد من أهل المدينة، وكان ممن وفد إليه عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر -وكان شريفًا فاضلًا سيِّدًا عابدًا- ومعه ثمانية بنين له، فأعطاه يزيد مئة ألف درهم، وأعطى بنيه كل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدمها أتاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: جئتكم من عند رجل واللَّه لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم. قالوا: قد بلغنا أنه أعطاك وأحذاك وأكرمك! قال: قد فعل، وما قبلت منه إلا لأتقوى به على قتاله. ثم حضَّ الناس فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد، فبعث إليهم مسلم بن عقبة. وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبُّوا فيه زقًّا من قطران وغوَّروه، فأرسل اللَّه على جيش الشام السماء مدرارًا، فلم يستقوا حتى وردوا المدينة، فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة وهيئة لم يُر مثلُها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، وكان أميرهم مسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير (٢) من خلفهم في جوف المدينة، قد أقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام وهم على الجدر، فانهزم الناس، فكان من أُصيب في الخندق أعظم ممن قتل، فدخلوا المدينة وعبد اللَّه بن حنظلة مستند إلى الجدار يغطُّ نومًا، فنبَّهه ابنه، فلما فتح عينيه ورأى ما صنع الناس أمر أكبر بنيه، فتقدم فقاتل حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة، فدعا الناس للبيعة على أنهم خول (٣) ليزيد بن معاوية، ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء.

стр. 4074

وقد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد "من تاريخه" من كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي: حدّثنا الحسين بن الحسن اليشكري، حدّثنا الزِّيادي، عن الأصمعي ح وحدّثني محمد بن الحارث، عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرَّة هتف هاتف بمكة على أبي قُبيس مساء تلك الليلة وابن الزبير جالس يسمع: قُتِلَ الخِيارُ بَنُو الخِيا … رِ ذَوُو المَهَابَةِ والسَّماح والصَّائمونَ القَائمو … نَ أُولُو العِبادَةِ والصَّلاح المُهْتَدُونَ المُحْسِنُو … نَ السَّابقونَ إلى الفَلاح ماذا بواقِمَ والبَقيـ … ــعِ من الجَحَاجِحَةِ الصِّباح وبقاعُ يثربَ ويحهُنَّ … من النَّوادبِ والصِّياح فقال ابن الزبير لأصحابه: يا هؤلاء! قتل أصحابكم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون (١). وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشًا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام [مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم. وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد اللَّه بن زياد] (٢). وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف مما لا يعلمه إلا اللَّه ، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه اللَّه بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه اللَّه قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. قال البخاري في "صحيحه" (٣): حدّثنا الحسين بن الحُرَيث (٤)، حدّثنا الفضل بن موسى، حدّثنا الجُعَيد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يَكيدُ أهلَ المدينةِ أَحدٌ إلَّا انْماعَ كما يَنْماعُ المِلحُ في الماءِ". وقد رواه مسلم من حديث أبي عبد اللَّه القَرّاظ المديني -واسمه: دينار- عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يُريدُ أحدٌ المدينةَ بسُوءٍ إلّا أَذابَهُ اللَّهُ في النَّار ذوبَ الرَّصاص - أو ذوبَ المِلحِ في الماءِ". وفي رواية لمسلم من طريق أبي عبد اللَّه القرّاظ، عن سعد وأبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أرادَ أهلَ المدينةِ بسُوءٍ أذابَهُ اللَّهُ كما يَذوبُ المِلحُ في الماءِ" (٥).

стр. 4075

وقال الإمام أحمد: حدّثنا أنس بن عياض، حدّثنا يزيد بن خُصَيفة [عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة] (١) عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلّاد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أخافَ أهلَ المدينةِ ظلمًا أخافَهُ اللَّهُ، وعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناس أجمعين، لا يقبلُ اللَّهُ منهُ يومَ القيامةِ صرْفًا ولا عَدْلًا" (٢). ورواه النسائي (٣) من غير وجه، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خُصَيفة، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء بن يسار، عن [ابن] (٤) خلاد ابن منجوف بن الخزرج. . . أخبره، فذكره. وكذلك رواه الحميدي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن خصيفة. ورواه النسائي أيضًا (٥)، عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن عطاء بن يسار، عن ابن خلّاد -وكان من أصحاب النبي ﷺ فذكره. وقال ابن وهب: أخبرني حَيْوة بن شُريح، عن ابن الهاد، عن أبي بكر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلّاد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ أخافَ أهلَ المدينةِ أَخافَهُ اللَّه، وعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والنّاسِ أجمعين" (٦). وقال الدارقطني: حدَّثنا علي بن أحمد بن القاسم، حدَّثنا أبي، حدّثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدَّثنا أبو زكريا يحيى بن عبد اللَّه بن يزيد بن عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد اللَّه قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرَّة وقد كُف بصره فقال: تعس من أخاف رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: يا أبة وهل أحد يخيف رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ أخافَ أهلَ هذا الحي مِنَ الأنصارِ فَقَدْ أخافَ ما بينَ هذين - ووضَع يدَهُ على جنبيه" (٧). قال الدارقطني: تفرد به سعيد بن عبد الحميد (٨) لفظًا وإسنادًا.

стр. 4076

وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخّص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلّال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسين، وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد. ومنع من ذلك آخرون، وصنفوا فيه أيضًا لئلّا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا: إنه كان مع ذلك إمامًا فاسقًا، والإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهَرج [وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه] (١) كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا. وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرَّة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحًا شديدًا، فإنه كان يرى أنه الإمام وقد خرجوا عن طاعته وأمَّروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة، كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة كما تقدم. وقد جاء في الصحيح: "مَنْ جاءَكُمْ وأَمْرُكُمْ جميعٌ يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بينَكُمْ فاقْتُلوهُ كائنًا مَنْ كان" (٢). وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزِّبَعْرى في وقعة أُحد التي يقول فيها: ليتَ أَشْياخي بِبَدْرٍ شَهِدُوا … جَزَعَ الخَزْرجِ مِنْ وَقْعِ الأَسَلْ حينَ حلَّتْ بقُياهم بَرْكَها … واسْتَحَرَّ القتلُ في عَبْدِ الأَشَلْ قَدْ قَتَلْنا الضِّعْفَ من أَشْرافهم … وعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فاعْتَدَل (٣) وقد زاد بعض الروافض فيها فقال: لَعِبَتْ هاشِمُ بالمُلْكِ فَلَا … مَلَكٌ جاءَ ولا وَحْيٌ نَزَلْ فهذا إن كان قاله يزيد بن معاوية فلعنة اللَّه عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة اللَّه على من وضعه عليه ليشنِّع به عليه. وسنذكر ترجمة يزيد بن معاوية قريبًا، وما ذكر عنه، وما قيل فيه، وما كان يعانيه من الأفعال والقبائح والأقوال في السنة الآتية [فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرَّة وقتل الحسين

стр. 4077

إلا يسيرًا حتى قصمه اللَّه الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليمًا قديرًا] (١). وقد توفي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرَّة مما يطول ذكرهم، فمن مشاهيرهم من الصحابة: عبدُ اللَّه بن حَنْظَلة (٢) أمير المدينة في وقعة الحَرَّة. ومَعْقِلُ بن سِنَان (٣). وعبدُ اللَّه (٤) بن زيد بن عاصم ﵃. وفيها: مَسْرُوقُ بنُ الأَجْدَع (٥): [كان أبوه الأجدع -واسمه عبد الرحمن بن مالك- أفرس مَنْ باليمن. وقيل: إن مسروقًا كان عاملًا على بعض البلاد، فلما قدم على أهله نظروا في خُرْجه فلم يجدوا فيه سوى فأس بلا عود، فقالوا له: غبتَ سنتين ثم جئت بفاس بلا عود؟! فقال: إنا للَّه وانا إليه راجعون، تلك فأس استعرناها فنسينا أن نردَّها. وأهدى عامل البصرة إلى مسروق ثلاثين ألفًا، فأبى أن يقبلها وكان أحوج الناس إليها. ولما ولي القضاء كان لا يأخذ عليه ورقًا. وكان شُريح يستشيره، وهو لا يستشير شُريحًا. وقام مسروق حتى انتفخت قدماه. وقد حضر أبا بكر وعمر وعثمان. وروى عن جماعة من الصحابة. وشهد الحكمين. قال: بحسب امرئ من الجهل أن يُعجب بعمله، وبحسب المرء من العلم أن يخشى اللَّه.

стр. 4078

وقال: إذا بلغ أحدُكم أربعين سنة فليأخذ حِذره من اللَّه. وقال: لو أتاني آتٍ من ربي فأخبرني أنه يعذبني لاجتهدت في العبادة لئلّا ألوم نفسي إن دخلت جهنم، أما بلغك من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم واعتنقتهم الزبانية، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امرئٍ منهم يلوم نفسه. قال الإمام أحمد: حج مسروق فلم ينم إلّا ساجدًا على وجهه حتى رجع. وكان يصلِّي حتى تورَّم قدماه. وقال: إنّ أحسن ما أكون ظنًا بربي حين يقول الخادم: ليس في البيت قَفيز ولا درهم. وقال: إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكر ذنوبه، فيستغفر اللَّه منها. قال ابن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم مسروق. وقد قالت امرأة مسروق: ما كان يوجد إلّا وساقاه قد انتفختا من طول الصلاة. ولما احتُضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ومالي لا أبكي وإنما هي هَدَّة ثم لا أدري أين يُسلك بي بين يدي طريقين لا أدري إلى الجنة أو إلى النار. وكان صائمًا في يوم حار، فغُشي عليه، فقالت له ابنته: أفطِر، فقال لها: ما أردت بي؟ قالت: الرفق، قال: إنما أطلب الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة] (١). ثم دخلت سنة أربع وستين ففيها -في أول المحرم منها- سار مسلم بن عقبة إلى مكة قاصدًا قتال ابن الزبير ومن التف عليه من الأعراب على مخالفة يزيد بن معاوية، واستخلف على المدينة رَوْح بن زنباع، فلما بلغ ثنيَّة هَرْشى (٢) بعث إلى رؤوس الأجناد فجمعهم فقال: إن أمير المؤمنين عهد إليَّ إن حدث بي حادث الموت أن أستخلف عليكم حُصين بن نمير السَّكوني، وواللَّه لو كان الأمر إليَّ ما فعلت. ثم دعا به فقال: انظر يا بن بردعة (٣) الحمار فاحفظ ما أوصيك به، ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث. ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملًا قط -بعد شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه- أحب إليَّ من قتل أهل

стр. 4079

المدينة وأجزى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي. ثم مات -قبحه اللَّه- ودفن بالمُشَلَّل (١) (٢). وسار حُصين بن نمير بالجيش نحو مكة، فانتهى إليها لأربع بقين من المحرم -فيما قاله الواقدي- وقيل: لسبع مضين منه. وقد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف المدينة، وانضاف إليه أيضًا نَجْدة بن عامر الحنفي -من أهل اليمامة- في طائفة من أهلها ليمنعوا البيت من أهل الشام. فنزل حُصين بن نمير ظاهر مكة، وخرج إليه ابن الزبير في أهل مكة ومن التف معه، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالًا شديدًا، وتبارز المنذر بن الزبير ورجل من أهل الشام، فقتل كل واحد منهما صاحبه، وحمل أهل الشام على أهل مكة حملة صادقة، فانكشف أهل مكة، وعثرت بغلة عبد اللَّه بن الزبير به، فكرَّ عليه المِسْور بن مَخْرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وطائفة، فقاتلوا دونه حتى قُتلوا جميعًا، وصابرهم ابن الزبير حتى الليل، فانصرفوا عنه، ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم وصفرًا بكماله، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الأول سنة أربع وستين نصبوا المجانيق على الكعبة ورمَوها بالنار، فاحترق جدار الكعبة في يوم السبت -هذا قول الواقدي- وهم يقولون: خطّارة مثل الفَنِيق (٣) المُزْبِدِ … تُرْمى بها جُدْران هذا المَسْجِدِ وجعل عمرو بن حوطة السدوسي يقول: كيفَ ترى صَنِيعَ أمِّ فَرْوَهْ … تأخُذُهمْ بينَ الصَّفا والمَرْوَه (٤) وأمُ فروة: اسم المنجنيق. وقيل: إنما احترقت لأن [أهل المسجد جعلوا يوقدون النار وهم حول الكعبة، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة، فسرَت إلى أخشابها وسقوفها فاحترقت. وقيل: إنما احترقت لأن] (٥) ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء، فظن أنهم أهل الشام، فرُفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شَرَرَةً من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني والأسود من

стр. 4080

الكعبة، فعلقت في أستارها وأخشابها فاحترقت، واسودَّ الركنُ وانصدعَ في ثلاثة أمكنة منه. واستمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر، وجاء النَّاسَ نعيُ يزيد بن معاوية، وأنه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو ابن خمس -أو ثمان أو تسع- وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وستة -أو ثمانية- أشهر، فغُلب أهل الشام هنالك وانقلبوا صاغرين، فحينئذ خمدت الحرب وطفئت نار الفتنة. ويقال: إنهم مكثوا يحاصرون ابن الزبير بعد موت يزيد نحو أربعين ليلة. ويذكر أن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أهل الشام، فنادى فيهم: يا أهل الشام! قد أهلك اللَّه طاغيتكم، فمن أحبَّ منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى شامه فليرجع. فلم يصدِّق الشاميون أهل مكة فيما أخبروهم به، حتى جاء ثابت بن قيس بن القيقع (١) بالخبر اليقين. ويذكر أن حُصين بن نمير دعاه ابن الزبير ليحدِّثه بين الصفَّين، فاجتمعا حتى اختلفت رؤوس فرسيهما، وجعلت فرس حصين تنفر ويكفُّها، فقال له ابن الزبير: مالك؟ فقال: إن الحمام تحت رجلي فرسي تأكل الروث فأكره أن أطأ حمام الحرم. فقال له: تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين؟! فقال له حصين: فائذن لنا فلنطف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا، فأذن لهم، فطافوا. وذكر ابن جرير (٢): أن حصينًا وابن الزبير اتَّعدا ليلة أن يجتمعا، فاجتمعا بظاهر مكة، فقال له حصين: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر بعده، فهلمَّ فارحل معي إلى الشام، فواللَّه لا يختلف عليك اثنان. فيقال: إن ابن الزبير لم يثق منه بذلك، وأغلظ له في المقال، فنفر منه ابن نمير وقال: أنا أدعوه إلى الخلافة وهو يغلظ لي في المقال؟! ثم كرَّ بالجيش راجعًا إلى الشام، وقال: أعده بالملك ويتوعدني بالقتل؟! ثم ندم ابن الزبير على ما كان منه إليه من الغلظة، فبعث إليه يقول له: أما الشام فلستُ آتيه، ولكن خذ لي البيعة على من هنالك، فإني أؤمنكم، وأعدل فيكم. فبعث إليه يقول له: إن من يبتغينا من أهل هذا البيت بالشام لكثير. ورجع فاجتاز بالمدينة، فطمع فيه أهلها، وأهانوهم إهانة بالغة، وأكرمهم علي بن الحسين (زين العابدين) وأهدى لحصين بن نمير قَتًا (٣) وعلفًا. وارتحلت بنو أمية مع الجيش إلى الشام، فوجدوا معاوية بن يزيد بن معاوية قد استُخلف مكان أبيه بدمشق عن وصية من أبيه له بذلك، واللَّه سبحانه أعلم.

стр. 4081

وهذه ترجمة يَزِيد بن مُعَاويَة (١) هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر (٢) بن حَرْب بن أميَّة بن عبد شمس، أمير المؤمنين، أبو خالد الأموي. ولد سنة خمس -أو ست، أو سبع- وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون وليَّ العهد من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمرَّ متوليًا إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين. وأمه: مَيْسون بنت بَحْدَل (٣) بن أُنيف بن دُلْجة بن قُنافة (٤) بن عديّ بن زهير بن حارثة الكَلْبي. روى عن أبيه معاوية: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين" (٥). وحديثًا آخر في الوضوء. وعنه ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان. وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة -وهي العليا- وقال: له أحاديث. وكان كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشعر، جميلًا، طويلًا، ضخم الهامة، محدد الأصابع غليظها، مجدّرًا. وكان أبوه قد طلَّق أمَّه وهي حامل به، فرأت في المنام أنه خرج منها قمر من قُبُلها، فقصَّت رؤياها على أمها، فقالت: إن صدقتْ رؤياك لتلدن من يُبايَع له بالخلافة. وجلست أمُّه ميسون يومًا تمشطُه وهو صبيّ صغير، وأبوه مع زوجته الحظية عنده في المنظرة -وهي فاختة بنت قَرَظة- فلما فرغت من مَشْطه نظرت أمه إليه فأعجبها، فقبَّلت بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك:

стр. 4082

إذا ماتَ لمْ تُفْلحْ مُزَيْنَةُ بعدَهُ … فَنُوطِي عليهِ يا مُزَينُ التَّمائِمَا (١) وانطلق يزيد يمشي وفاختة تُتبعه بصرها ثم قالت: لعن اللَّه سواد ساقي أمِّك. فقال معاوية: أما واللَّه إنه لخير من ابنك عبد اللَّه -وهو ولده منها، وكان أحمق- فقالت فاختة: لا واللَّه، ولكنك تؤثر هذا عليه، فقال: سوف أبيِّن لك ذلك حتى تعرفيه قبل أن تقومي من مجلسك هذا، ثم استدعى بابنها عبد اللَّه فقال له: إنه قد بدا لي أن أعطيَك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبًا فارهًا وحمارًا، فقال: يا بني! أنت حمار ويُشترى لك حمار؟! قم فاخرج. ثم قال لأمه: كيف رأيت؟! ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيَك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فسلني ما بدا لك. فخرَّ يزيد ساجدًا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد للَّه الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه فيَّ هذا الرأي، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتولِّيني العام صائفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتولِّيني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتفرض لأيتام بني جُمح، وأيتام بني سهم، وأيتام بني عدي. فقال: مالك ولأيتام بني عدي؟ فقال: لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري. فقال معاوية: قد فعلتُ ذلك كلَّه. وقبَّل وجهه ثم قال لفاختة بنت قَرَظة: كيف رأيت؟! فقالت: يا أمير المؤمنين! أوصِه بي فأنت أعلم به مني. ففعل. وفي رواية: أن يزيد لما قال له أبوه: سلني حاجتك، قال له يزيد: اعتقني من النار أعتق اللَّه رقبتك منها، قال: وكيف؟ قال: إني وجدت في الأثر أنه "مَنْ تقلَّد أمرَ هذهِ الأمَّة ثلاثةَ أيام حرَّمهُ اللَّهُ على النار" فاعهد إليَّ من بعدك. ففعل (٢). وقال العتبي: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلامًا له، فقال له: اعلم أنَّ اللَّه أقدرُ عليك منك عليه، سوءة لك! أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك؟ واللَّه لقد منعَتْني القدرة من الانتقام من ذوي الإحَن، وإنَّ أحق من عفا لمن قدر. قلت: وقد ثبت في الصحيح: أن رسول اللَّه ﷺ رأى أبا مسعود يضرب غلامًا له، فقال: "اعلمْ أبا مَسْعودٍ للَّهُ أَقدرُ عليكَ منكَ علَيه" (٣). قال العتبي: وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوءٍ جواهر على معاوية، فسُرَّ بذلك معاوية، فقام

стр. 4083

زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض العراق من تمهيد الممالك لمعاوية، فقام يزيد فقال: إن تفعل ذلك -يا زياد- فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عُبيد إلى حرب بن أميَّة. فقال له معاوية: اجلس فداك أبي وأمي. وعن عطاء بن السائب قال: غضب معاوية على ابنه يزيد، فهجره، فقال له الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين! إنما هم أولادنا، ثمارُ قلوبنا، وعمادُ ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، إن غضبوا فأرضِهم، وإن طلبوا فأعطهِم، ولا تكن عليهم ثقلًا فيملُّوا حياتك ويتمنَّوا موتك. فقال معاوية: للَّه درُّك يا أبا بحر! يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف درهم ومئة ثوب. فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف، فقال يزيد: لا جرم لأُقاسمنَّه! فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفًا وخمسين ثوبًا (١). وقال الطبراني: حدّثنا محمد بن زكريّا الغَلَابي، حدّثنا ابنُ عائشة، عن أبيه قال: كان يزيدُ في حداثته صاحبَ شراب، يأخذ مأخذ الأحداث، فأحسَّ معاويةُ بذلك، فأحس أن يعظَه في رفق، فقال: يا بني! ما أقدركَ على أن تصلَ إلى حاجتك من غير تهتُك يذهب بمروءتك وقدرك، ويشمت بك عدؤك، ويسيء بك صديقك. ثم قال: يا بنيّ! إني منشدُك أبياتًا فتأدَّبْ بها واحفظْها! فأنشَدَه: انصَبْ نهارًا في طِلَابِ العُلا … واصبِرْ على هَجْرِ الحَبيبِ القَرِيب حتَّى إذا اللَّيلُ أَتى بالدُّجى … واكتحلَتْ بالغُمضِ عينُ الرَّقِيب فباشِرِ اللَّيلَ بما تَشْتَهي … فإنَّما اللَّيلُ نهارُ الأَرِيب كمْ فاسِقٍ تحسبُهُ ناسِكًا … قد باشَرَ القَيلَ بأمرٍ عَجِيب غَطَّى عليهِ اللَّيلُ أسْتارَهُ … فباتَ في أَمنٍ وعيشٍ خَصِيب ولذَّةُ الأَحمقِ مكشُوفَةٌ … يسْعى بها كلُّ عدوٍّ مُرِيب (٢) قلت: وهذا كما جاء في الحديث: "مَن ابتُليَ بشيءٍ من هذِه القاذوراتِ فليسْتَتِرْ بسِتر اللَّهِ " (٣).

стр. 4084

وروى [الواقدي و] (١) المدائني: أن ابن عباس وفد إلى معاوية، فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيَه فيعزِّيه في الحسن بن علي، فلما دخل على ابن عباس رحَّب به وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه، فأبى وقال: إنما أجلس مجلس المعزِّي لا المهنِّئ، ثم ذكر الحسن فقال: رحم اللَّه أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم اللَّه أجرك وأحسن عزاك، وعوَّضك من مصابك ما هو خير لك ثوابًا وخير عقبى. فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء (٢) الناس. ثم أنشد متمثلًا: مَغَاضٍ عن العَوْراء لا يَنْطقونَها … وأهلُ وراثاتِ الحُلومِ الأَوائل (٣) وقد كان يزيد أول من غزا مدينة فُسْطنطينية في سنة تسع وأربعين - في قول يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط (٤): سنة خمسين. ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم. وقد ثبت في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أولُ جيشٍ يَغْزُو مدينةَ قَيْصَر مغفورٌ لهم" (٥). وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول اللَّه ﷺ في منامه عند أمِّ حرام، فقالت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "أنتِ منَ الأوَّلين". يعني: جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أمُّ حرام فماتت هنالك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أمُّ حرام جيش يزيد هذا. وهذا من أعظم دلائل النبوة. وقد أورد الحافظ ابن عساكر هاهنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن (٦) عَبِيدة، عن عبد اللَّه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خيرُ النّاسِ قَرني، ثمَّ الذينَ يلُونَهُمْ، ثمَّ الذينَ يلُونَهُمْ" (٧). وكذلك رواه عبد اللَّه بن شَقيق (٨)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.

стр. 4085

ثم أورد من طريق حمّاد بن سلمة، عن أبي محمد، عن زُرارة بن أوفى قال: القرن عشرون ومئة سنة، فبُعث رسول اللَّه ﷺ في قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية. قال أبو بكر بن عياش: حج بالناس يزيد بن معاوية سنة إحدى وخمسين، واثنتين وخمسين، وثلاث وخمسين. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو كُريب، حدّثنا رشدين [عن] عمرو بن الحارث، عن بُكير (١) بن الأَشَج: أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلًا إن وليت؟ قال: يمتع اللَّه بك يا أمير المؤمنين! قال: لتخبرني، قال: كنتُ -واللَّه يا أبة- عاملًا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان اللَّه يا بني! واللَّه لقد جهدتُ على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر (٢)؟! وقال الواقدي: حدّثني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي سَبْرَة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلَّى قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت: يا يزيد! اتقِ اللَّه فقد وطَّأتُ لك هذا الأمر، ووليت من ذلك ما وليت، فإن يك خيرًا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفُق بالناس، وأغمض عما بلغك من قول تؤذى به وتنتقص به، وطَأْ عليه يهنك عيشُك، وتصلح لك رعيتُك، وإياك والمناقشةَ وحملَ الغضب، فإنك تهلك نفسك ورعيَّتك، وإياك وجفوة (٣) أهل الشرف واستهانتهم والتكبُّر عليهم، ولِنْ لهم لينًا لا يري منك ضعفًا ولا خَوَرًا، وأوطئهم فراشَك، وقربهم إليك، وأدنِهم منك، فإنهم يعلمون لك حقَّك، ولا تُهنهم ولا تستخفَّ بحقهم فيهينوك ويستخفُوا بحقك ويقعوا فيك. فإذا أردتَ أمرًا فادع أهل السِّنِّ والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى، فشاورْهم ولا تخالفهم. وإياك والاستبدادَ برأيك، فإن الرأي ليس في صدر واحد، وصدِّقْ من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، واخزُن ذلك عن نسائك وخدمك، وشمِّر إزارك، وتعاهد جندَك، وأصلح نفسك يصلُحْ لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالًا، فإن الناس سراع إلى الشرّ. واحضُر الصلاة، فإنك إذا فعلتَ ما أوصيك به عرف الناس لك حقَّك، وعظمتْ مملكتُك، وعظمتَ في أعين الناس. واعرف شرف أهل المدينة ومكة، فإنهم أصلُك وعشيرتُك. واحفظ لأهل الشام شرفهم، فإنهم [أنصارُك وحُماتُك وجندُك الذين بهم تصل إلى] (٤) أهل طاعتك. واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعِدُهم فيه منك بالمعروف، فإن ذلك يبسط آمالهم. وإن وفد عليك وافد من الكُوَر كلها فأحسِن إليهم، وأكرمهم فإنهم

стр. 4086

لمن وراءهم. ولا تسمعن قول قاذف ولا ما حل (١)، فإني رأيتهم وزراء سَوء (٢). ومن وجه آخر: أن معاوية قال ليزيد: إن لي خليلًا من أهل المدينة فأكرمه، قال: ومن هو؟ قال: عبد اللَّه بن جعفر. فلمَّا وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، وكانت جائزته على معاوية ستمئة ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف، فقال له: بأبي أنت وأمي، فأعطاه ألف ألف أخرى، فقال له ابن جعفر: واللَّه لا أجمع أبويَّ لأحد بعدك. ولمّا خرج ابن جعفر من عند يزيد -وقد أعطاه ألفي ألف- رأى على باب يزيد بَخَاتيَّ (٣) مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد اللَّه بن جعفر إلى يزيد، فسأله منها ثلاث بَخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة وإذا وفد إليه، فقال يزيد للحاجب: ما هذه البَخاتي التي على الباب؟ -ولم يكن شعر بها- فقال: يا أمير المؤمنين! هي أربعمئة بُخْتيَّة جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف -وكان عليها أنواع من الأموال كلها- فقال: اصرِفْها إلى أبي جعفر بما عليها. فكان عبد اللَّه بن جعفر يقول: أتلومونني على حسن الرأي في هذا؟! يعني: يزيد (٤). وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحِلْم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك. وكان ذا جمال، حسن المعاشرة. وكان فيه أيضًا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات. وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدّثنا حَيْوَة، حدّثني بشير بن أبي عمرو الخَوْلاني: أن الوليد بن قيس حدَّثه: أنه سمع أبا سعيد الخُدْري يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يكونُ خلفٌ من بعدِ ستِّينَ سنةً أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشَّهواتِ فسوفَ يلْقَوْنَ غَيًّا (٥)، ثم يكون خلفٌ يقرؤُونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تراقِيَهُمْ. ويقرأُ القرآنَ ثلاثة: مؤمنٌ، ومنافقٌ، وفاجرٌ". [قال بشير] (٦): فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال: المنافقُ كافرٌ به، والفاجرُ يتأكَّلُ به، والمؤمنُ يؤمنُ به. تفرَّد به أحمد (٧).

стр. 4087

وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا الفضل بن دُكين، حدّثنا كامل أبو العلاء، سمعت أبا صالح، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعوَّذُوا باللَّهِ من سنةِ سَبْعين، ومن إمارَةِ الصِّبْيان" (١). وروى الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل: أنه قال في يزيد بن معاوية: لستَ منَّا وليسَ خالُكَ منّا … يا مُضِيعَ الصَّلاةِ للشَّهَواتِ (٢) قال: وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار، ويعرف بموسى شهوات. وروي عن عبد اللَّه بن الزبير: أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت، فضربها وقال: قولي: أنتَ منَّا وليسَ خالُكَ منّا … يا مُضِيعَ الصَّلاةِ للشَّهَواتِ وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا الحكم بن موسى، حدّثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي عبيدة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يزال أمرُ أمَّتي قائمًا بالقسط حتى يثلِمَه رجل من بني أميَّة يقال له: يزيد". وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة، بل معضل. وقد رواه ابن عساكر من طريق صَدَقة بن عبد اللَّه الدمشقي، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخُشني، عن أبي عبيدة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يزالُ أمرُ هذه الأمَّة قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يثلِمُه رجل من بني أميَّة يقال له: يزيد". ثم قال: وهو منقطع أيضًا بين مكحول وأبي ثعلبة. وقال أبو يعلى: حدّثنا عثمان بن أبي شَيبة، حدّثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عوف، عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية قال: كنّا مع أبي ذرٍّ بالشام، فقال أبو ذرّ: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أولُ من يغيِّر سنَتي رجلٌ من بني أميَّة". ورواه ابن خزيمة، عن بُنْدار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن عوف: حدّثنا مهاجر بن أبي مخلد، حدَّثني أبو العالية، حدّثني أبو مسلم، عن أبي ذرّ. . فذكر نحوه. وفيه قصة وهي: أن أبا ذرٍّ كان في غزاة عليهم يزيدُ بن أبي سفيان، فاغتصب يزيدُ من رجل جارية، فاستعان الرجل بأبىِ ذرٍّ على يزيد أن يردَّها عليه، فأمره أبو ذرٍّ أن يردَّها عليه، فتلكَّأ، فذكر أبو ذرٍّ له الحديث، فردَّها، وقال يزيد لأبي ذرّ: نشدتك باللَّه أهو أنا؟ قال: لا.

стр. 4088

وكذا رواه البخاري في "التاريخ"، وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب. ثم قال البخاري: والحديث معلول، ولا يعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب. قال: وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر، فولَّى مكانه أخاه معاوية. وقال عباس الدوري: سألت ابن مَعين: أسمع أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا، إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري. وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلُّها موضوعة لا يصح شيء منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه، واللَّه أعلم. قال الحارث بن مسكين: عن سفيان، عن شَبيب بن غَرْقدة، عن المستظل (١) قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمتُ -وربِّ الكعبة- متى تهلكُ العرب، إذا ساسَهم من لم يدرك الجاهليَّة ولم يكن له قدم في الإسلام. قلت: يزيد بن معاوية أكثر ما نُقم عليه في عمله شربُ الخمر وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه -كما قال جده أبو سفيان يوم أحد- لم يأمر بذلك ولم يسؤه. وقد قدَّمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مَرْجانة -يعني: عبيد اللَّه بن زياد- وقال للرسل الذين جاؤوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا. ولم يعطهم شيئًا، وأكرم آل بيت الحسين، وردَّ عليهم جميع ما فُقد لهم وأضعافه، وردَّهم إلى المدينة في محامل وأُبهة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين -حين كان أهل الحسين عندهم- ثلاثة أيام. وقد قيل: إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه، ثم ندم على ذلك. فقال أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجَرْمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أولًا، وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلًا حتى ندم، فكان يقول: وما كان عليَّ لو احتملتُ الأذى وأنزلته في داري، وحكمته فيما يريده، وإن كان عليَّ في ذلك وَكَف (٢) ووهن في سلطاني حفظًا لرسول اللَّه ﷺ ورعايةً لحقِّه وقرابته؟! ثم يقول: لعن اللَّه ابن مَرْجانة، فإنه أحرجه واضطرَّه، وقد كان سأله أن يخلي سبيله، أو يأتيني، أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه اللَّه، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغَّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البَرُّ والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينًا. مالي ولابن مَرْجانة؟! لعنه اللَّه وغضب عليه.

стр. 4089

ولما خرج أهل المدينة عن طاعة يزيد وخلعوه وولَّوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة، لم يذكروا عنه -وهم أشد الناس عداوة له- إلا ما ذكروه عنه من شربه الخمر وإتيانه بعض القاذورات. لم يتَّهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض، بل قد كان فاسقًا، والفاسق لا يجوز خلعه لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة [ووقوع الهَرْج كما وقع زمن الحرَّة، فإنه بعث إليهم من يردهم إلى الطاعة، وأنظرَهم ثلاثة أيام، فلما لم يرجعوا قاتلهم] (١). وقد كان في قتال أهل الحرَّة كفاية، ولكنه تجاوز الحدَّ بإباحة المدينة ثلاثة أيام، فوقع بسبب ذلك شرٌّ عظيم كما قدَّمنا. وقد كان عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب وجماعات من أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، ولا بايع أحدًا بعد بيعته ليزيد. قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا إسماعيل بن عليَّة، حدّثني صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابنُ عمر بنيه وأهلَه، ثم تشهَّد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع اللَّه ورسوله، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الغادرَ يُنْصَبُ لهُ لواءٌ يومَ القيامةِ يُقال: هذه غَدْرَةُ فلان" وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك باللَّه- أن يبايعَ رجلٌ رجلًا على بيع اللَّه ورسوله ثم ينكثَ بيعتَه، فلا يخلعن أحدٌ منكم يزيد، ولا يسرفن أحدٌ منكم في هذا الأمر فيكون الصَّيْلَم (٣) بيني وبينه. وقد رواه (٤) مسلم (٥) والترمذي (٦) من حديث صخر بن جُويرية. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي سيف المدائني، عن صخر بن جُويرية، عن نافع، عن ابن عمر. . فذكر مثلا (٧). ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد اللَّه بن مطيع وأصحابه إلى محمد ابن الحنفيَّة، فأرادوه

стр. 4090

على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدَّى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحرِّيًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنُّعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر لي الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه. فقال لهم: أبى اللَّه ذلك على أهل الشهادة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [الزخرف: ٨٦] ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحلُّ القتال على ما تريدونني عليه تابعًا ولا متبوعًا. قالوا: قد قاتلت مع أبيك! قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك أبا هاشم (١) والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقامًا تحضُّ الناس فيه على القتال. قال: سبحان اللَّه! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟! إذًا ما نصحت للَّه في عباده. قالوا: إذًا نكرهك. قال: إذًا آمر الناس بتقوى اللَّه، وألا يُرضوا المخلوق بسخط الخالق. وخرج إلى مكة. وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا مصعب الزّبيري، حدّثنا ابن أبي حازم، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن ابن عمر دخل -وهو معه- على ابن مطيع، فلما دخل عليه قال: مرحبًا بأبي عبد الرحمن، ضعوا له وسادة. فقال: إنما جئتك لأحدِّثك حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طاعةٍ فإنَّهُ يأتي يومَ القيامَةِ لا حُجَّةَ له، ومَنْ مَاتَ مُفارقَ الجماعةِ فإنَّهُ يموتُ ميتَةً جاهليَّة". وهكذا رواه مسلم (٢) من حديث هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر به. وتابعه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. وقد رواه الليث، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر. . . فذكره. وقال أبو جعفر الباقر: لم يخرج أحدٌ من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرَّة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرم أبي، وأدنى مجلسه، وأعطاه كتاب أمان. وروى المدائني: أن مسلم بن عقبة بعث رَوْح بن زنباع إلى يزيد ببثارة الحرَّة، فلما أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثم دعا الضحاك بن قيس الفِهْري فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة، فما الذي يجبرهم؟ قال: الطعام والأعطية، فأمر بحمل الطعام إليهم، وأفاض عليهم أعطيته.

стр. 4091

وهذا خلاف ما ذكره كذَبة الروافض عنه من أنه شَمِت بهم، واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذاكرًا وآثرًا ابن الزِّبعرى المتقدم ذكره. وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المَرْزبان بن بسام: حدّثني محمد بن القاسم، سمعت الأصمعي يقول: سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية: إنَّها بينَ عامرِ بنِ لُؤَيٍّ … حينَ تَنْمي وبينَ عبدِ مَنَافِ ولهَا في الطَّيِّبينَ جدودٌ … ثمَّ نالتْ مكارمَ الأخلافِ بنت عمِّ النَّبيِّ أكرم مَنْ يَمـ … ــشي بنعلٍ على التُّرابِ وحافي لَنْ تراها علَى التبدُّلِ والغِلـ … ـــظةِ إلَّا كَدُرَّةِ الأَصْدافِ وقال الزبير بن بكار: أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان: آبَ هذا الهمُ فاكْتَنَعَا (١) … ثمَّ مرَّ النَّومُ فامْتَنَعَا راعِيًا للنَّجم أَرْقُبُهُ … فإذَا ما كوكبٌ طَلَعا حامَ حتَّى إنَّني لأَرى … أنَّهُ بالغَوْرِ قَدْ وَقَعا ولهَا بالماطِرونِ (٢) إذا … أكلَ النَّملُ الذي جَمَعا نُزْهَةٌ حتَّى إذا بَلَغَتْ … نَزَلَتْ من جِلِّقٍ (٣) بِيَعَا في قبابٍ وَسْطَ دَسْكَرَةٍ (٤) … حولَها الزيتونُ قد يَنَعا (٥) [ومن شعره: وقائلةٍ لي حينَ شبَّهْتُ وجهَها … ببدر الدُّجى يومًا وقد ضاقَ مَنْهَجي تُشبِّهُني بالبدرِ هذا تناقصٌ … بقَدْري ولكنْ لستُ أوَّلَ مَنْ هُجي ألمْ تَرَ أنَّ البدرَ عند كمالِهِ … إذا بلغَ التَّشبيه عادَ كدُمْلجي (٦)

стр. 4092

فلا فخرَ إنْ شبَّهْتَ بالبدرِ مَبْسَمي … وبالسِّحرِ أَجْفاني وباللَّيلِ مَدْعجي] (١) وقد ذكر الزبير بن بكار، عن أبي محمد الجزري قال: كانت بالمدينة جارية مغنِّية يقال لها سلّامة، من أحسن النساء وجهًا، وأتمهنَّ عقلًا، وأحسنهنَّ قدًّا، قد قرأت القرآن، وروت الشعر وقالته، وكان عبد الرحمن بن حسان والأحوص بن محمد يجلسان إليها. فعلقت الأحوص، وصدَّت عن عبد الرحمن، فرحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، فامتدحه ودلَّه على سلّامة وجمالها وحسنها وفصاحتها. وقال: لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين، وأن تكون من سمّارك، فأرسل يزيد، فاشتُريت له وحُملت إليه، فوقعت منه موقعًا عظيمًا، وفضَّلها على جميع من عنده. ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمرَّ بالأحوص فوجده مهمومًا، فأراد أن يزيده إلى ما به من الهم همًّا فقال: يا مُبْتَلى بالحبِّ مَقْروحا … لاقى مِنَ الحبِّ تباريحا أفحمَهُ الحبُّ فما يَنْثَني … إلَّا بكأسِ الحبِّ مَصْبُوحا وصارَ ما يُعْجِبُهُ مُغْلَقًا … عنهُ وما يَكْرَهُ مَفْتُوحا قد حازَها مَنْ أصبحتْ عندَهُ … ينالُ منها الشَّمَّ والرِّيحا خليفةُ اللَّهِ فسَلِّ الهوى … وعَزِّ قلبًا منكَ مَجْروحا قال: فأمسك الأحوص عن جوابه، ثم غلبه وجدُه عليها، فسار إلى يزيد، فامتدحه، فأكرمه يزيد وحظي عنده، فدسَّت إليه سلّامة خادمًا وأعطته مالًا على أن يدخله عليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك، فقال: امض لرسالتها، ففعل وأدخل الأحوص عليها وجلس يزيد في مكان يراهما ولا يريانه، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه وبكى إليها، وأمرت فأُلقي له كرسي فقعد عليه، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه، فلم يزالا يتحدثان إلى السَّحر، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا همَّ الأحوص بالخروج قال: أمسى فُؤادي في همٍّ وبَلْبالِ … مِنْ حبِّ مَنْ لمْ أزلْ منهُ على بالِ فقالت: صَحَا المحبُّونَ بعدَ النَّأي إذ يَئِسُوا … وقد يَئِسْتُ وما أَصْحُو على حالِ فقال: مَنْ كانَ يَسْلُو بيأسٍ عَنْ أخي ثِقَةٍ … فعنكِ سلَّامُ ما أمسَيتُ بالسَّالي فقالت:

стр. 4093

واللَّهِ واللَّهِ لا أنساكَ يا شَجَني … حتَّى تفارقَ منِّي الرُّوحُ أوصَالي فقال: واللَّهِ ما خابَ مَنْ أمسى وأنتِ لهُ … يا قرَّةَ العينِ في أهلٍ وفي مالِ قال: ثم ودَّعها وخرج، فأخذه يزيد ودعا بها فقال: أخبراني عما كان في ليلتكما واصدقاني. فأخبراه وأنشداه ما قالا، فلم يحرِّفا منه حرفًا، ولا غيَّرا شيئًا مما سمعه، فقال لها يزيد: أتحبينه؟ قالت: إي واللَّه يا أمير المؤمنين! حبًا شَديدًا جري كالرُّوحِ في جَسَدي … فهَلْ يفرَّقُ بينَ الرُّوحِ والجَسَد فقال له: أتحبها؟ فقال: إي واللَّه يا أمير المؤمنين! حبًّا شَديدًا تَلِيدًا غيرَ مطَّرِفِ … بينَ الجوانحِ مثلَ النَّارِ يَضْطَرِمُ فقال يزيد: إنكما لتصفان حبًا شديدًا، خذها يا أحوص فهي لك، ووصله صلة سنية. فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين (١). [وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعارف وشرب الخمر والغناء والصَّيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورًا، وكان يشدُّ القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويُلبس القرود قلانس الذهب وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه. وقيل: إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقِّزها فعضَّته. وذكروا عنه غير ذلك، واللَّه أعلم بصحة ذلك] (٢). وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدَّثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلَّم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه ولم أرده، واحكُم بيني وبين عبيد اللَّه بن زياد. وكان نقش خاتمه: آمنت باللَّه العظيم. مات يزيد بحوَّارين -من قرى دمشق- في رابع عشر ربيع الأول، وقيل: يوم الخميس للنصف منه، سنة أربع وستين. وكانت ولايته بعد موت أبيه في منتصف رجب سنة ستين. وكان مولده في سنة خمس -وقيل: سنة ست، وقيل: سبع- وعشرين. ومع هذا فقد اختلف في سنِّه ومبلغ أيامه في الإمارة على أقوال كثيرة، وإذا تأمَّلت ما ذكرته لك من هذه التحديدات انزاح عنك الإشكال من هذا الخلاف، فإن منهم

стр. 4094

من قال: جاوز الأربعين حين مات، فاللَّه أعلم. ثم حُمل بعد موته إلى دمشق، وصلَّى عليه ابنه معاوية بن يزيد أمير المؤمنين يومئذ، ودفن بمقابر باب الصغير. وفي أيامه وسِّع النهر المسمَّى بيزيد في ذيل جبل قاسيون، وكان جدولًا صغيرًا فوسَّعه أضعاف ما كان يجري فيه من الماء. وقال ابن عساكر: حدّثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي -قاضي البحرين- من لفظه وكتبه لي بخطّه قال: رأيت يزيد بن معاوية في النوم، فقلت له: أنت قتلتَ الحسين؟ فقال: لا. فقلت له: هل غفر اللَّه لك؟ قال: نعم، وأدخلني الجنة. قلت: فالحديث الذي يروى: أن رسول اللَّه ﷺ رأى معاوية يحمل يزيد فقال: "رجلٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ يحملُ رجلًا منْ أهلِ النَّار"؟ فقال: ليس بصحيح. قال ابن عساكر: وهو كما قال، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي ﷺ وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة. وقال أبو جعفر بن جرير: ذكر أولاد يزيد بن معاوية وعددهم فمنهم: معاوية بن يزيد بن معاوية، يكنى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر (١): إنِّي أرى فتنةً قَدْ حانَ أوَّلُها … والملكُ بعدَ أبي لَيْلى لِمَنْ غَلَبا وخالد بن يزيد، يكنى أبا هاشم، كان يقول: إنه أصاب علم الكيمياء، وأبو سفيان، وأمهما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفد تزوجها بعد يزيد مروان بن الحكم، وهي التي يقول فيها الشاعر: انْعَمي أمَّ خالدِ … رُبَّ سَاعٍ كقَاعِدِ وعبد اللَّه (٢) بن يزيد -ويقال له: الأُسْوار (٣) - كان من أرمى العرب، وأمُّه أم كلثوم بنت عبد اللَّه بن عامر. وهو الذي يقول فيه الشاعر: زعمَ النّاسُ أنَّ خيرَ قريشٍ … كلِّهمْ حينَ يُذكرُ الأُسْوارُ

стр. 4095

وعبد اللَّه الأصغر [وعمر] (١) وأبو بكر، وعتبة، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد، لأمهات أولاد شتى (٢). [ويزيد، وحرب، وعمر، وعثمان. فهؤلاء خمسة عشر ذكرًا. وكان له من البنات: عاتكة، ورَمْلة، وأم عبد الرحمن، وأم يزيد، وأم محمد. فهؤلاء خمس بنات. وقد انقرضوا كافة فلم يبق ليزيد عقب، واللَّه سبحانه أعلم] (٣). إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية (٤) أبي عبد الرحمن -ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى (٥) - القرشي الأموي. وأمُّه: أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة. بويع له بعد موت أبيه -وكان وليّ عهده من بعده- في رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين. وكان رجلًا صالحًا ناسكًا. ولم تطل مدَّته، قيل: إنه مكث أربعين يومًا. وقيل: عشرين يومًا. وقيل: شهرين. وقيل: شهرًا ونصف شهر. وقيل: ثلاثة أشهر وعشرين يومًا. وقيل: أربعة أشهر. فاللَّه أعلم. وكان في مدة ولايته مريضًا لم يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلِّي بالناس ويسد الأمور. ثم مات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين -وقيل: ثلاث وعشرين- سنة وثمانية عشر يومًا، وقيل: تسع عشرة سنة، وقيل: عشرين، وقيل: ثلاث وعشرين، وقيل: إنما عاش ثمانى عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة. فاللَّه أعلم. وصلَّى عليه أخوه خالد، وقيل: عثمان بن عَنْبسة، وقيل: الوليد بن عتبة، وهذا هو الصحيح، فإنه أوصى إليه بذلك. وشهد دفنه مروان بن الحكم. وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس بعده حتى استقر الأمر لمروان بالشام. ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق. ولما حضرته الوفاة قيل له: ألا توصي؟ فقال: لا أتزود مرارتها لآخرتي، وأترك حلاوتها لبني أمية.

стр. 4096

وكان ﵀ أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه دقيقه، حسن الجسم. قال أبو زرعة الدمشقي: معاوية، وعبد الرحمن، وخالد: إخوة، وكانوا من صالحي القوم (١). وقال فيه بعض الشعراء - وهو عبد اللَّه بن همّام السَّلولي: تلقّاها يزيدٌ عَنْ أَبيهِ … فدُونَكَها مُعَاويَ (٢) عن يَزيدَا أَدِيرُوها بَني حَرْبٍ عليكُمْ … ولا ترمُوا بها الغَرَضَ البَعيدَا (٣) ويروى: أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس: الصلاة جامعة، ذات يوم، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: يا أيها الناس! إني قد وليتُ أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قويٍّ كما تركها الصدِّيق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم فولُوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله فلم يخرج منه حتى مات رحمه اللَّه تعالى. فيقال: إن سُقي، ويقال: إنه طُعن. ولما دفن حضر مروان دفنه، فلما فرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد، فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أزنم (٤) الفزاري: إنِّي أرى فتنةً تَغْلي مَراجِلُها … والملكُ بعدَ أَبي ليلى لمَنْ غَلَبا (٥) قالوا: فكان كما قال، وذلك أن أبا ليلى توفي من غير عهد منه إلى أحد، فتغلَّب على الحجاز عبد اللَّه بن الزبير، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم، وبايع أهل خراسان سَلْم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، وسار فيهم سَلْم سيرة حسنة أحبُّوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم. وخرج القراء والخوارج بالبصرة وعليهم نافع بن الأزرق، وطردوا عنهم عبيد اللَّه بن زياد بعدما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للنَّاس إمام، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها، وقد بايعوا بعده عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل المعروف ببَبَّة، وأمه: هند بنت أبي سفيان، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي

стр. 4097

السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وستين. وقد قال الفرزدق (١) في ذلك: وبايعتُ أقوامًا وفيتُ بعَهْدِهم … وبَبَّة قد بايعتُهُ غيرَ نادِم فأقام فيهم أربعة أشهر ثم لزم بيته، فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابنُ الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلِّي بهم شهرين، ثم كان ما سنذكره. وخرج نَجْدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحور في الأهواز وفارس، وغير ذلك على ما سيأتي تفصيله. إمارة عبد اللَّه بن الزُّبير (٢) وعند ابن حَزْم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك قد قدَّمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير، وهو عائذ بالبيت، فلما رجع حُصَين بن نُمَير السَّكُوني بالجيش إلى الشام استفحل أمر ابن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة عامة هنالك، واستناب على أهل المدينة أخاه عُبيد اللَّه بن الزبير، وأمره بإجلاء بني أمية منها، فأجلاهم، فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك. ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير -بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوًا من أربعة أمراء من بينهم ثم تضطرب أمورهم- ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يخطبونه لأنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلِّي بهم. [ويقال: إن أول من بايع ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن، فقال الناس: هذا أمر فيه صعوبة. وبايعه عبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن علي بن أبي طالب، وبعث إلى ابن عمر وابن الحنفيّة وابن عباس ليبايعوا فأبَوا عليه. وبُويع في رجب بعد أن أقام الناس ثلاثة أشهر بلا إمام] (٣). وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد اللَّه (٤) بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن

стр. 4098

طلحة بن عبيد اللَّه على الخَرَاج، واسْتوسَق (١) له المصران جميعًا. وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه، واستناب عليها عبد الرحمن بن جَحْدَر، وأطاعت له الجزيرة وبلاد الشام سوى دمشق وأعمالها من الأردن فإنهم بايعوا لمروان بن الحكم. ولما رجع الحُصين بن نُمير من مكة إلى الشام كان قد التفَّ على عبد اللَّه بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم: نافع بن الأزرق، وعبد اللَّه بن إباض، وجماعة من رؤوسهم. فلما استقرَّ أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان -وكانوا يبغضون عثمان- فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فأجابهم فيه بما يَسُوءُهم، وذكر لهم ما كان متصفًا به من الإيمان والتصديق والعدل والإحسان والسِّيرة الحسنة والرجوع إلى الحق إذا تبيَّن له. فعند ذلك نفروا عنه، وفارقوه، وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم، وأديانهم، ومذاهبهم، ومسالكهم المختلفة المنتشرة التي لا تنضبط ولا تنحصر، لأنها مفرعة على الجهل، وقوة النفس، والاعتقاد الفاسد. ومع هذا استحوَذوا على كثير من البلدان والكُوَر، حتى انتُزعت منهم بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه. ذكر بيعة مروان بن الحكم (٢) وكان سبب ذلك أن حُصَين بن نُمَير لما رجع من أرض الحجاز، وارتحل عبيد اللَّه بن زياد من البصرة إلى الشام، وانتقلت بنو أميَّة من المدينة إلى الشام، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، وقد كان عزَم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، وقد بايع أهلها الضحَّاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير. وقد بايع لابن الزبير النُّعمان بن بشير بحمص، وبايع له زُفَر بن عبد اللَّه الكِلابي بقِنَّسْرين (٣)، وبايع له ناتل (٤) بن قيس بفلسطين وأخرج منها رَوْح بن زنباع الجُذَامي. فلم يزل عبيد اللَّه بن زياد والحُصَين بن نُمير بمروان بن الحكم حتى ثنياه عن رأيه، وحذراه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام، وقالا له: أنت شيخ قريش وسيدُها، فأنت أحقُّ بهذا الأمر. [فرجع عن البيعة لابن الزبير. وخاف ابن زياد الهلاك إن تولَّى غير بني أمية، فعند ذلك] (٥) التفَّ هؤلاء كلُّهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان، فوافقهم على ما أرادوا، وجعل يقول: ما فات شيء.

стр. 4099

وكتب حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي إلى الضحّاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، ويعرِّفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم إليه، ويذكر فضلهم وشرفهم. وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وبعث إلى الضحاك كتابًا بذلك، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له: ناغضة بن كريب الطابخي -وقيل: هو من بني كلب- وقال له: إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت. وأعطاه نسخة به، فسار إلى الضحاك، فأمره بقراءة الكتاب، فلم يقبل، فقام ناغضة فقرأه على الناس، فصدَّقه جماعة من أمراء الناس وكذَّبه آخرون، وثارث فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية -وهو شاب حدث- على درجتين من المنبر فسكَّن الناس، ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يُسجنوا، فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية. وكان اجتماع الناس لذلك ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب جَيْرون (١)، فسمي هذا اليوم يوم جَيْرون. قال المدائني: وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يتولَّى عليهم، فأبى، وهلك في تلك الليالي. ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به، ونال من يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من بني كلب فضربه بعصا كانت معه، والناس جلوس متقلِّدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالًا شديدًا، فقَيْس ومن لفَّ لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، ويتعصَّبون ليزيد وأهل بيته، فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الإمارة وأغلق الباب ولم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر، ثم أرسل إلى بني أمية فجمعهم إليه، فدخلوا عليه وفيهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد وعبد اللَّه ابنا يزيد بن معاوية -قاله المدائني- فاعتذر إليهم مما كان منه، واتفق معهم أن يركب معهم غدوة إلى حسان بن مالك الكلبي فيتَّفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للإمارة، فركبوا جميعا إليه، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان بن مالك إذ جاء معنُ بن ثور (٢) بن الأَخنس في قومه قيس، فقال له: إنك دعوتَنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، وأنت الآن ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية! فقال له الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نُظهِر ما كنا

стр. 4100

نُسِرّ، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها. فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق، فأقام بها بمن معه من قيس ومن لفَّ لفيفها، وبعث إلى أمراء الأجناد وبايع الناس لابن الزبير، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك. فذكره ابن الزبير لأهل مكة وشكره على صنيعه، وكتب إليه بنيابة الشام. وقيل: بل بايع الناس لنفسه بالخلافة. فاللَّه أعلم أي ذلك كان. والذي ذكره المدائني: أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولًا، ثم حسَّن له عبيد اللَّه بن زياد أن يدعو إلى نفسه، وذلك إنما فعله مكرًا منه وكبارًا ليفسد عليه ما هو بصدده، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام، فنَقَم الناس عليه ذلك وقالوا: دعوتَنا إلى بيعة رجل فبايعناه ثم خلعته من غير سبب ولا عذر، ثم دعوتَنا إلى نفسك؟! فرجع إلى البيعة لابن الزبير، فسقط بذلك عند الناس، وذلك الذي أراد ابن زياد. وكان اجتماع عبيد اللَّه بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه، ثم فارق مروان ليخدع له الضحاك، فنزل عنده بدمشق، وجعل يركب إليه كل يوم، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له، فركب الضحاك إلى مرج راهط فنزل بمن معه من الجنود، وعند ذلك اجتمع بنو أمية ومن اتبعهم بالأردن، واجتمع إليهم مَنْ هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب. ولما رأى مروان بن الحكم ما انتظم من البيعة لابن الزبير وما استوسق له من الملك عزم على الرحيل إليه لمبايعته، وليأخذ منه أمانًا لبني أميَّة، فسار حتى بلغ أَذْرِعات، فلقيه ابن زياد مقبلًا من العراق، فصدَّه عن ذلك، وهجَّن رأيه، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص وحُصين بن نُمير وابن زياد وأهل اليمن وخلق، فقالوا لمروان: أنت كبير قريش ورئيسها، وخالد بن يزيد غلام، وعبد اللَّه بن الزبير كهل، فإنما يُقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسُط يدك، فبسط يده، فبايعوه بالجابية في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. قاله الواقدي. فلما تمهَّد له الأمر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس، فالتقيا بمرج راهط، فغلبه مروان بن الحكم وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يُسمع بمثلها، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين، فإن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من سنة خمس وستين. وفي رواية محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت في أواخر هذه السنة. وقال الليث بن سعد والواقدي والمدائني وأبو سليمان بن يزيد وأبو عبيد وغير واحد: كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين. واللَّه أعلم.
следующие страницы →