← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وكان ﵀ أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه دقيقه، حسن الجسم. قال أبو زرعة الدمشقي: معاوية، وعبد الرحمن، وخالد: إخوة، وكانوا من صالحي القوم (١). وقال فيه بعض الشعراء - وهو عبد اللَّه بن همّام السَّلولي: تلقّاها يزيدٌ عَنْ أَبيهِ … فدُونَكَها مُعَاويَ (٢) عن يَزيدَا أَدِيرُوها بَني حَرْبٍ عليكُمْ … ولا ترمُوا بها الغَرَضَ البَعيدَا (٣) ويروى: أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس: الصلاة جامعة، ذات يوم، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: يا أيها الناس! إني قد وليتُ أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قويٍّ كما تركها الصدِّيق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم فولُوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله فلم يخرج منه حتى مات رحمه اللَّه تعالى. فيقال: إن سُقي، ويقال: إنه طُعن. ولما دفن حضر مروان دفنه، فلما فرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد، فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أزنم (٤) الفزاري: إنِّي أرى فتنةً تَغْلي مَراجِلُها … والملكُ بعدَ أَبي ليلى لمَنْ غَلَبا (٥) قالوا: فكان كما قال، وذلك أن أبا ليلى توفي من غير عهد منه إلى أحد، فتغلَّب على الحجاز عبد اللَّه بن الزبير، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم، وبايع أهل خراسان سَلْم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، وسار فيهم سَلْم سيرة حسنة أحبُّوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم. وخرج القراء والخوارج بالبصرة وعليهم نافع بن الأزرق، وطردوا عنهم عبيد اللَّه بن زياد بعدما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للنَّاس إمام، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها، وقد بايعوا بعده عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل المعروف ببَبَّة، وأمه: هند بنت أبي سفيان، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي

стр. 4097

السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وستين. وقد قال الفرزدق (١) في ذلك: وبايعتُ أقوامًا وفيتُ بعَهْدِهم … وبَبَّة قد بايعتُهُ غيرَ نادِم فأقام فيهم أربعة أشهر ثم لزم بيته، فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابنُ الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلِّي بهم شهرين، ثم كان ما سنذكره. وخرج نَجْدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحور في الأهواز وفارس، وغير ذلك على ما سيأتي تفصيله. إمارة عبد اللَّه بن الزُّبير (٢) وعند ابن حَزْم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك قد قدَّمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة، وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير، وهو عائذ بالبيت، فلما رجع حُصَين بن نُمَير السَّكُوني بالجيش إلى الشام استفحل أمر ابن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة عامة هنالك، واستناب على أهل المدينة أخاه عُبيد اللَّه بن الزبير، وأمره بإجلاء بني أمية منها، فأجلاهم، فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك. ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير -بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوًا من أربعة أمراء من بينهم ثم تضطرب أمورهم- ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يخطبونه لأنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلِّي بهم. [ويقال: إن أول من بايع ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن، فقال الناس: هذا أمر فيه صعوبة. وبايعه عبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن علي بن أبي طالب، وبعث إلى ابن عمر وابن الحنفيّة وابن عباس ليبايعوا فأبَوا عليه. وبُويع في رجب بعد أن أقام الناس ثلاثة أشهر بلا إمام] (٣). وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد اللَّه (٤) بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن

стр. 4098

طلحة بن عبيد اللَّه على الخَرَاج، واسْتوسَق (١) له المصران جميعًا. وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه، واستناب عليها عبد الرحمن بن جَحْدَر، وأطاعت له الجزيرة وبلاد الشام سوى دمشق وأعمالها من الأردن فإنهم بايعوا لمروان بن الحكم. ولما رجع الحُصين بن نُمير من مكة إلى الشام كان قد التفَّ على عبد اللَّه بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم: نافع بن الأزرق، وعبد اللَّه بن إباض، وجماعة من رؤوسهم. فلما استقرَّ أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان -وكانوا يبغضون عثمان- فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فأجابهم فيه بما يَسُوءُهم، وذكر لهم ما كان متصفًا به من الإيمان والتصديق والعدل والإحسان والسِّيرة الحسنة والرجوع إلى الحق إذا تبيَّن له. فعند ذلك نفروا عنه، وفارقوه، وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم، وأديانهم، ومذاهبهم، ومسالكهم المختلفة المنتشرة التي لا تنضبط ولا تنحصر، لأنها مفرعة على الجهل، وقوة النفس، والاعتقاد الفاسد. ومع هذا استحوَذوا على كثير من البلدان والكُوَر، حتى انتُزعت منهم بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه. ذكر بيعة مروان بن الحكم (٢) وكان سبب ذلك أن حُصَين بن نُمَير لما رجع من أرض الحجاز، وارتحل عبيد اللَّه بن زياد من البصرة إلى الشام، وانتقلت بنو أميَّة من المدينة إلى الشام، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، وقد كان عزَم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، وقد بايع أهلها الضحَّاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير. وقد بايع لابن الزبير النُّعمان بن بشير بحمص، وبايع له زُفَر بن عبد اللَّه الكِلابي بقِنَّسْرين (٣)، وبايع له ناتل (٤) بن قيس بفلسطين وأخرج منها رَوْح بن زنباع الجُذَامي. فلم يزل عبيد اللَّه بن زياد والحُصَين بن نُمير بمروان بن الحكم حتى ثنياه عن رأيه، وحذراه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام، وقالا له: أنت شيخ قريش وسيدُها، فأنت أحقُّ بهذا الأمر. [فرجع عن البيعة لابن الزبير. وخاف ابن زياد الهلاك إن تولَّى غير بني أمية، فعند ذلك] (٥) التفَّ هؤلاء كلُّهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان، فوافقهم على ما أرادوا، وجعل يقول: ما فات شيء.

стр. 4099

وكتب حسان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي إلى الضحّاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، ويعرِّفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم إليه، ويذكر فضلهم وشرفهم. وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وبعث إلى الضحاك كتابًا بذلك، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له: ناغضة بن كريب الطابخي -وقيل: هو من بني كلب- وقال له: إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت. وأعطاه نسخة به، فسار إلى الضحاك، فأمره بقراءة الكتاب، فلم يقبل، فقام ناغضة فقرأه على الناس، فصدَّقه جماعة من أمراء الناس وكذَّبه آخرون، وثارث فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية -وهو شاب حدث- على درجتين من المنبر فسكَّن الناس، ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يُسجنوا، فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية. وكان اجتماع الناس لذلك ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب جَيْرون (١)، فسمي هذا اليوم يوم جَيْرون. قال المدائني: وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يتولَّى عليهم، فأبى، وهلك في تلك الليالي. ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به، ونال من يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من بني كلب فضربه بعصا كانت معه، والناس جلوس متقلِّدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالًا شديدًا، فقَيْس ومن لفَّ لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، ويتعصَّبون ليزيد وأهل بيته، فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الإمارة وأغلق الباب ولم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر، ثم أرسل إلى بني أمية فجمعهم إليه، فدخلوا عليه وفيهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد وعبد اللَّه ابنا يزيد بن معاوية -قاله المدائني- فاعتذر إليهم مما كان منه، واتفق معهم أن يركب معهم غدوة إلى حسان بن مالك الكلبي فيتَّفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للإمارة، فركبوا جميعا إليه، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان بن مالك إذ جاء معنُ بن ثور (٢) بن الأَخنس في قومه قيس، فقال له: إنك دعوتَنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، وأنت الآن ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية! فقال له الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نُظهِر ما كنا

стр. 4100

نُسِرّ، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها. فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق، فأقام بها بمن معه من قيس ومن لفَّ لفيفها، وبعث إلى أمراء الأجناد وبايع الناس لابن الزبير، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك. فذكره ابن الزبير لأهل مكة وشكره على صنيعه، وكتب إليه بنيابة الشام. وقيل: بل بايع الناس لنفسه بالخلافة. فاللَّه أعلم أي ذلك كان. والذي ذكره المدائني: أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولًا، ثم حسَّن له عبيد اللَّه بن زياد أن يدعو إلى نفسه، وذلك إنما فعله مكرًا منه وكبارًا ليفسد عليه ما هو بصدده، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام، فنَقَم الناس عليه ذلك وقالوا: دعوتَنا إلى بيعة رجل فبايعناه ثم خلعته من غير سبب ولا عذر، ثم دعوتَنا إلى نفسك؟! فرجع إلى البيعة لابن الزبير، فسقط بذلك عند الناس، وذلك الذي أراد ابن زياد. وكان اجتماع عبيد اللَّه بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه، ثم فارق مروان ليخدع له الضحاك، فنزل عنده بدمشق، وجعل يركب إليه كل يوم، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له، فركب الضحاك إلى مرج راهط فنزل بمن معه من الجنود، وعند ذلك اجتمع بنو أمية ومن اتبعهم بالأردن، واجتمع إليهم مَنْ هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب. ولما رأى مروان بن الحكم ما انتظم من البيعة لابن الزبير وما استوسق له من الملك عزم على الرحيل إليه لمبايعته، وليأخذ منه أمانًا لبني أميَّة، فسار حتى بلغ أَذْرِعات، فلقيه ابن زياد مقبلًا من العراق، فصدَّه عن ذلك، وهجَّن رأيه، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص وحُصين بن نُمير وابن زياد وأهل اليمن وخلق، فقالوا لمروان: أنت كبير قريش ورئيسها، وخالد بن يزيد غلام، وعبد اللَّه بن الزبير كهل، فإنما يُقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسُط يدك، فبسط يده، فبايعوه بالجابية في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. قاله الواقدي. فلما تمهَّد له الأمر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس، فالتقيا بمرج راهط، فغلبه مروان بن الحكم وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يُسمع بمثلها، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين، فإن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من سنة خمس وستين. وفي رواية محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت في أواخر هذه السنة. وقال الليث بن سعد والواقدي والمدائني وأبو سليمان بن يزيد وأبو عبيد وغير واحد: كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين. واللَّه أعلم.

стр. 4101

وقعة مَرْج راهِط ومقتل الضَّحّاك بن قَيْس الفِهري (١) قد تقدم: أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان، وكان يصلِّي عنه إذا اشتغل أو غاب، ويقيم الحدود وشهد الأمور، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه أهل دمشق حتى يجتمع الناس على إمام، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له، فخطب الناس يومًا وتكلَّم في يزيد بن معاوية وذمّه، فقامت فتنة في المسجد الجامع حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف، فسكن الناس ثم دخل دار الإمارة من الخضراء وأغلق عليه الباب، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بَحْدل وهو بالأردن فيجتمعوا عنده على من يراه أهلًا للإمارة، وكان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد -ويزيد ابن ميسون، وميسون بنت بحدل أخت حسان- فلما ركب الضحاك معهم انخزل (٢) بأكثر الجيش، فرجع إلى دمشق فامتنع بها، وبعث إلى أمراء الأجناد فبايعهم لابن الزبير، وسار بنو أمية ومعهم مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد وخالد وعبد اللَّه ابنا يزيد بن معاوية، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بالجابية، وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس، فعزم مروان بن الحكم على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعَه ويأخذَ أمانًا منه لبني أمية، فإنه كان قد أمر بإجلائهم عن المدينة، فسار حتى وصل إلى أذرِعات، فلقيه عبيد اللَّه بن زياد مقبلًا من العراق، فاجتمع به ومعه حُصين بن نُمير وعمرو بن سعيد بن العاص، فحسَّنوا إليه أن يدعوَ لنفسه، فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة وخلع ثلاثة من الخلفاء، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك، وقال له عبيد اللَّه بن زياد: وأنا أذهب لك إلى الضحاك بدمشق فأخدعه لك وأخذِّل أمره، فسار إليه، وجعل يركب إليه كل يوم ويُظهر له الودَّ والنصيحة والمحبة، ثم حسَّن له أن يدعو إلى نفسه ويخلع ابن الزبير، فإنك أحق بالأمر منه لأنك لم تزل في الطاعة مشهورًا

стр. 4102

بالأمانة، وابن الزبير خارج عن الناس. فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام فلم يصمد معه، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير، ولكن انحطَّ عند الناس، ثم قال ابن زياد: إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون، وإنما ينزل الصحراء ويدعو إليه بالجنود، فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله، وأقام ابن زياد بدمشق، وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد اللَّه عند خالهم حسان بالجابية، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته، فدعا إلى نفسه، وتزوج بأم خالد بن يزيد -وهي أمُّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة- فعظم أمره، وبايعه الناس، واجتمعوا عليه، وسار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس، وركب إليه عبيد اللَّه بن زياد وأخوه عبّاد بن زياد، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفًا، وبدمشق من جهته يزيد بن أبي النِّمس (١). وقد أخرج عامل الضحاك منها وهو يمدُّ مروان بالسلاح والرجال وغير ذلك. ويقال: كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن ابن أم الحكم. وجعل مروان على ميمنته عبيد اللَّه بن زياد، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص. وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير، فأمدَّه النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع. وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنّسرين، فكان الضحاك في ثلاثين ألفًا، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلالي. فتصافُّوا، وتقاتلوا بالمرج عشرين يومًا، يلتقون بالمرج في كل يوم، فيقتتلون قتالًا شديدًا. ثم أشار عبيد اللَّه على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة، فإنَّ الحربَ خُدْعة (٢)، وأنت وأصحابك على الحق وهم على الباطل، فنُودي في الناس بذلك. ثم غدر أصحاب مروان فمالوا يقتلونهم قتلًا شديدًا، وصبر أصحاب الضحاك صبرًا بليغًا، فقُتل الضحاك بن قيس في المعركة، قتله رجل يقال له: زحمة بن عبد اللَّه - من بني كلب، طعنه بحربة فانفذها ولم يعرفه. وصبر مروان وأصحابه صبرًا شديدًا حتى فرَّ أولئك بين يديه، فنادى مروان: ألا لا يتبع مُدْبر. ثم جيء برأس الضحاك، ويقال: إن أول من بشره بقتله رَوْح بن زنباع الجُذامي. واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم. وروي أنه بكى على نفسه يوم مَرْج راهط فقال: أبعدما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل بالسيوف على الملك؟! قلت: ولم تطل مدَّتُه في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره. وقد كان الضَّحاك بن قَيْس بن خالد الأكبر بن وَهْب بن ثعلبة بن وائلة بن عَمرو بن شَيْبان بن مُحارب

стр. 4103

ابن فِهْر بن مالك -أبو أُنيس (١) الفِهْري- أحدَ الصحابة على الصحيح. وقد سمع من النبي ﷺ وروى عنه أحاديث عدة. وروى عنه جماعة من التابعين. وهو أخو فاطمة بنت قيس - وكانت أكبر منه بعشر سنين. وكان أبو عبيدة بن الجرّاح عمَّه. حكاه ابن أبي حاتم (٢). وزعم بعضهم: أنه لا صحبة له. وقال الواقدي: أدرك النبي ﷺ وسمع منه قبل البلوغ. وفي رواية عن الواقدي أنه قال: ولد الضحاك قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين. وقد شهد فتح دمشق، وسكنها، وله بها دار عند حجر الذهب مما يلي نهر بردى. وكان أميرًا على أهل دمشق يوم صفِّين مع معاوية، ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسين. وقد روى البخاري في "التاريخ": أن الضحاك قرأ بالناس في الكوفة سورة (ص) في الصلاة فسجد فيها، فلم يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود. ثم استنابه معاوية عنده بدمشق فلم يزل عنده حتى مات معاوية وتولَّى ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد، ثم صار أمره إلى ما ذكرنا. وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن: أن الضحاك بن قيس كتب إلى [قيس بن] (٣) الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلام عليك، أما بعد: فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ بينَ يَدَي السَّاعةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلم، فِتَنًا كقطعِ الدُّخان، يموتُ فيها قلبُ الرجلِ كما يموتُ بدنُه، يصبحُ الرجلُ مُؤمنًا ويُمْسي كافرًا، ويُمْسي مُؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يَبيعُ أقوامٌ خلاقَهُمْ ودينَهُمْ بعَرَضٍ منَ الدُّنيا قليل" وإن يزيدَ بن معاوية قد مات وأنتم إخوانُنا وأشقاؤُنا فلا تَسْبقونا حتى نختار لأنفسِنا (٤). وقد روى ابن عساكر (٥) من طريق ابن قُتيبة، عن العباس بن الفرج الرِّياشي، عن يعقوب بن إسحاق بن تَوْبة، عن حماد بن زيد قال: دخل الضحاك بن قيس على معاوية، فقال معاوية منشدًا له: تطاولت للضَّحّاكِ حتَّى رددتُهُ … إلى حَسَبٍ في قومِهِ متَقاصِر

стр. 4104

فقال الضحاك: قد علم قومنا أنا أحلاسُ الخيل. فقال: صدقت، أنتم أحلاسُها ونحن فرسانُها. يريد معاوية: أنتم راضَةٌ وساسَة، ونحن الفرسان. وأرى أن أصل الكلمة من الحِلْس وهو كساء يكون تحت البَرْذعة، أي: أنهم يلزمون ظهورها كما يلزم الحِلسُ ظهر البعير والدابَّة. وروي أيضًا (١): أن مؤذن دمشق قال للضَّحاك بن قيس: واللَّه -أيها الأمير- إني لأحبُّك في اللَّه. فقال له الضَّحاك: ولكني -واللَّه- أبغضُك في اللَّه. قال: ولمَ أصلحك اللَّه؟ قال: لأنَّك تتراءى في أذانك، وتأخذُ على تعليمك أجرًا. قُتل الضَّحاك ﵀ يوم مرج راهط، وذلك للنصف من ذي الحجَّة سنة أربع وستين. قاله الليث بن سعد، وأبو عبيد، والواقدي، وابن زبر، والمدائني. وفيها مقتل: النُّعْمان بن بَشِير الأَنْصاري (٢): وأُمه عَمْرة بنت رواحة. كان النعمان أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة من الأنصار في جمادى الأول سنة اثنتين من الهجرة، فأتتْ به أمُّه تحمله إلى النبي ﷺ فحنَّكَهُ وبشَّرها بأنه يعيشُ حميدًا، ويُقتلُ شهيدًا، ويدخلُ الجنَّة. فعاش في خير وسعة. ولي نيابة الكوفة لمعاوية تسعة أشهر، ثم سكن الشام، وولي قضاءها بعد قضائة بن عبيد، وفَضالة بعد أبي الدرداء. وناب بحمص لمعاوية. وهو الذي ردَّ آل رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة بأمر يزيد بن معاوية في ذلك. وهو الذي أشار على يزيد بالإحسان إليهم [وقال: عامِلْهم بما كان يعاملُهم به رسول اللَّه ﷺ لو رآهم على هذه الحالة] (٣) فرق لهم يزيد، وأحسن إليهم وأكرمهم. ثم لما كانت وقعة مَرْج راهط وقُتل الضحاك بن قيس، وكان النعمان قد أمدَّه بأهل حمص [عدا عليه أهل حمص] (٣) فقتلوه بقرية يقال لها: بِيرِين (٤)، قتله رجل يقال له خالد بن خَلِيّ المازني -

стр. 4105

وَقيل: خليّ بن داود، وهو جد خالد بن خَلِيّ. وقد رثته ابنته حَميدة بنت النعمان فقالت: ليتَ ابنَ مُزْنَةَ وابنَهُ … كانُوا لقَتْلِكَ واقيَهْ وبني أُميَّةَ كلَّهمْ … لَمْ تبقَ منهمْ باقِيَهْ جاءَ البريدُ بقَتْلِهِ … يا لَلْكِلابِ العاويَهْ يَسْتَفْتحونَ برأسِهِ … دارتْ عليهمْ ثانيَهْ فَلأَبْكينَّ مُسِرَّةً … ولأَبكينَّ عَلانيَهْ ولأَبكينَّكَ ما حَييـ … ـــتُ معَ السِّباعِ العاديَهْ (١) [وقيل: إن أعشى هَمْدان (٢) قدم على النعمان بن بشير وهو على حمص وهو مريض، فقال له النعمان: ما أقدمَك؟ قال: جئت لتصلَني وتحفظَ قرابتي، وتقضيَ دَيْني، فقال: واللَّه ما عندي، ولكني سائلُهم لك شيئًا، ثم قام فصعد المنبر ثم قال: يا أهل حمص! إن هذا ابن عمِّكم من العراق، وهو مُسْترفِدُكم شيئًا، فما ترون؟ فقالوا: احتكم في أموالنا، فأبى عليهم، فقالوا: قد حكمنا من أموالنا كل رجل دينارين -وكانوا في الديوان عشرين ألف رجل- فعجَّلها له النعمان من بيت المال أربعين ألف دينار، فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين] (٣). ومن كلام النعمان بن بشير ﵁ قوله: إن الهَلكة كل الهَلكة أن تعمل السيئات في زمن البلاء. وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي رواحة يزيد بن أيهم، عن الهيثم بن مالك الطائي قال: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ للشَّيطانِ مَصَاليَ وفُخوخًا، وإن من مَصَاليه وفخوخِهِ البطَر بنِعَمِ اللَّه، والفخر بعَطاء اللَّه، والكِبْر على عباد اللَّه، واتَباع الهوى في غير ذاتِ اللَّه" (٤).

стр. 4106

ومن أحاديثه الحسان ما سمعه من رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الحلالَ بيِّن، وإنَّ الحرامَ بيِّن، وبينَ ذلكَ أمورٌ مشتَبِهاتٌ لا يعلمُهُنَّ كثيرٌ منَ الناس، فمَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ فقدِ اسْتَبْرَأ لدِينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وقعَ في الشُّبهاتِ وقعَ في الحرامِ كالرّاعي يَرْعى حولَ الحِمى يوشِكُ أنْ يرتعَ فيه، ألَا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا وإن حِمَى اللَّهِ محارمُه، ألَا وإنَّ في الجَسدِ مُضغةً إذا صلحتْ صلحَ لها سائرُ الجسَد، وإذا فَسدَتْ فسَدَ لها سائر الجسَد، ألَا وهي القَلْب". رواه البخاري ومسلم (١). وقال أبو مُسهِر: كان النعمان بن بشير على حمص عاملًا لابن الزبير، فلما تَمَرْوَن أهل حمص خرج النعمان هاربًا، فاتبعه خالد بن خَلي فقتله. قال أبو عبيد وغير واحد: في هذه السنة. وقد روى محمد بن سعد بأسانيده: أن معاوية كان قد تزوج امرأة (٢) جميلة جدًا، فبعث إحدى امرأتيه -مَيْسون (٣) أو فاختة- لتنظرَ إليها، فلما رأتْها أعجبتها جدًا، ثم رجعتْ إليه، فقال: كيف رأيتِها؟ قالت: بديعة الجمال، غير أني رأيتُ تحت سُرَّتها خالًا أسود، وإني أحسب أن زوجها يُقتل ويُلقى رأسُه في حِجْرها. فطلَّقها معاوية، وتزوجها النعمان بن بشير. فلما قُتل أُتي برأسه فأُلقي في حِجْرها سنة خمس وستين. وقال أبو سليمان بن زَبْر (٤): قتل بسَلَمْيَة (٥) سنة ست وستين (٦). وقال غيره: سنة خمس وستين. وقيل: سنة ستين. والصحيح ما ذكرناه. وفيها توفي: المِسْوَر (٧) بنُ مَخْرَمَة بن نَوْفل (٨): صحابي صغير، أصابه حَجَر المنجنيق مع ابن الزُّبير بمكة

стр. 4107

وهو قائم يصلِّي في الحِجْر. وهو من أعيان من قُتل في حصار مكة. [وهو (١) المِسْور بن مَخْرمة بن نوفل، أبو عبد الرحمن الزُّهري. أمُّه عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف. له صحبة ورواية. ووفد على معاوية. وكان ممَّن يلزم عمر بن الخطاب. وقيل: إنه كان ممن يصوم الدهر، وإذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعًا وصلَّى ركعتين. وقيل: إنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب مرصَّعًا بالياقوت، فلم يدر ما هو، فلقيه رجل من الفرس فقال له: بِعْنيه بعشرة آلاف، فعلم أنه شيء له قيمة، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص، فنفله [سعد] (٢) إياه، فباعه بمئة ألف. ولما توفي معاوية قدم مكة، فأصابه حجر المنجنيق مع ابن الزبير لمّا رموا به الكعبة، فمات بعد خمسة أيام، وغسَّله عبد اللَّه بن الزبير، وحمله في جملة من حمل إلى الحَجُون (٣)، وكانوا يطؤون به القتلى ويمشون به بين أهل الشام. واحتكر المِسْور بن مخرمة طعامًا في زمن عمر بن الخطاب، فرأى سحابًا فكرهه، فلما أصبح عدا إلى السوق فقال: من جاءني أعطيتُه، فقال عمر: أجُننتَ يا أبا مخرمة؟! فقال: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت سحابًا، فكرهت ما فيه الناس، فكرهت أن أربح فيه شيئًا. فقال له عمر: جزاك اللَّه خيرًا. ولد المِسْور بمكة بعد الهجرة بسنتين. المُنْذر بن الزُّبير بن العوَّام (٤): ولد في خلافة عمر بن الخطاب. وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق.

стр. 4108

وقد غزا المنذر القسطنطينية مع يزيد بن معاوية، ووفد على معاوية فأجازه بمئة ألف، وأقطعه أرضًا، فمات معاوية قبل أن يقبض المال. وكان المنذر بن الزبير وعثمان بن عبد اللَّه بن حكيم بن حِزام يقاتلان (١) أهل الشام بالنهار ويطعمانهم بالليل. قتل المنذر بمكة في حصارها مع أخيه. ولما مات معاوية أوصى إلى المنذر أن ينزل في قبره. مُصْعَبُ بن عبد الرَّحمن بن عَوْف (٢): كان شابًا ديِّنًا فاضلًا. قُتل مصعب -أيضًا- في حصار مكّة مع ابن الزبير] (٣). وفي هذه السنة -أعني سنة أربع وستين- جرت حروب كثيرة وفتن منتشرة ببلاد المشرق، واستحوذ على بلاد خراسان رجل يقال له: عبد اللَّه بن حازم، وقهر عمّالها وأخرجهم منها، وذلك بعد موت يزيد وابنه معاوية قبل أن يستقر ملك ابن الزبير على تلك النواحي، وجرت بين عبد اللَّه بن حازم هذا وبين عمرو بن مَرْثَد حروب يطول ذكرها وتفصيلها، اكتفينا بذكرها إجمالًا إذ لا يتعلَّق بذكرها كبير فائدة، وهي حروب فتنة وقتال بغاة بعضهم في بعض، واللَّه المستعان. [وقال الواقدي: وفي هذه السنة بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل خراسان سَلْم بن زياد بن أبيه، وأحبُّوه حتى إنهم سمَّوا باسمه -في تلك السنة- أكثر من ألف غلام مولود، ثم نكثوا واختلفوا، فخرج عنهم سَلْم وترك عليهم المهلَّب بن أبي صفرة] (٤). وفيها اجتمع ملأ الشيعة على سليمان بن صُرَد بالكوفة، وتواعدوا النُّخيلة ليأخذوا بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب، وما زالوا في ذلك مجدِّين وعليه عازمين من بعد مقتل الحسين بكربلاء في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين، وقد ندموا على ما كان منهم من بعثهم إليه، فلما أتاهم خذلوه وتخلَّوا عنه

стр. 4109

ولم ينصروه [فجادت بوصل حين لا ينفع الوصل] (١). فاجتمعوا في دار سليمان بن صُرَد -وهو صحابي جليل. [وكان رؤوس القائمين في ذلك خمسة: سليمان بن صُرَد الصحابي] (٢) والمسيّب بن نَجَبَة (٣) الفزاري -أحد كبار أصحاب علي، وعبد اللَّه بن سعد بن نُفيل الأزدي، وعبد اللَّه بن وال التيمي، ورفاعة بن شدّاد البجلي- وكلهم من أصحاب علي ﵁. فاجتمعوا كلهم بعد خطب ومواعظ على تأمير سليمان بن صُرَد عليهم، فتعاهدوا وتعاقدوا وتواعدوا النُّخيلة، وأن يجتمع من يستجيب لهم إلى ذلك بها في سنة خمس وستين، ثم جمعوا من أموالهم وأسلحتهم شيئًا كثيرًا وأعدُّوه لذلك. [وقام المسيّب بن نَجَبة خطيبًا فيهم، فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: أما بعد، فقد ابتُلينا بطول العمر وكثرة الفتن، وقد ابتلانا اللَّه فوجدَنا كاذبين في نصرة ابن بنت رسول اللَّه ﷺ بعد أن كتبنا إليه وراسلناه، فأتانا طمعًا في نصرتنا إياه، فخذلناه، وأخلفناه، وأتينا به إلى مَنْ قتله وقتل أولاده وذريته وقراباته الأخيار، فما نصرناهم بأيدينا، ولا خذَّلنا عنهم بالسنتنا، ولا قوَّيناهم بأموالنا، فالويل لنا جميعًا ويلًا متصلًا أبدًا لا يفتر ولا يبيد دون أن نقتل قاتلهم والممالئين عليه، أو نُقتل دون ذلك وتذهب أموالنا وتخرب ديارنا، أيها الناس! قوموا في ذلك قومة رجل واحد، وتوبوا إلى بارئكم فاقتُلوا أنفسَكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم. . . وذكر كلامًا طويلًا. ثم كتبوا إلى جميع إخوانهم أن يجتمعوا بالنُّخيلة في السنة الآتية] (٤). وكتب سليمان بن صُرَد إلى سعد بن حُذيفة بن اليمان وهو أمير على المدائن يدعوه إلى ذلك، فاستجاب له، ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن، فبادروا إليه بالاستجابة والقبول، وتمالؤوا عليه، وتواعدوا النُّخيلة في التاريخ المذكور. وكتب سعد بن حذيفة إلى سليمان بن صُرَد بذلك، ففرح أهل الكوفة بموافقة أهل المدائن لهم على ذلك، وتنشَّطوا لأمرهم الذي تمالؤوا عليه. فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد بعد قليل طمعوا في الأمر، واعتقدوا أن أهل الشام قد ضعفوا ولم يبق من يقيم لهم أمرًا، فاستشاروا سليمان في الظهور وأن يخرجوا إلى النُّخيلة قبل الأجل، فنهاهم عن ذلك وقال: لا، حتى يأتي الأجل الذي واعدوا إخوانهم فيه، ثم هم في الباطن يعدون السلاح والقوة ولا يشعر بهم جمهور الناس، وحينئذ عَمَد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حُريث -نائب عبيد اللَّه بن زياد على الكوفة- فاخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب: دُحْرُوجة، فبايع

стр. 4110

لعبد اللَّه بن الزبير، فهو يسد الأمور حتى تأتي نواب ابن الزبير. فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة -أعني سنة أربع وستين- قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير، أحدهما عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي على الحرب والثغر، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي على الخَراج والأموال. وقد كان قدم قبلهما بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد -وهو المختار الثقفي الكذاب- فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صُرَد وعظَّموه تعظيمًا زائدًا، وهم معدُّون للحرب. فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا -في الباطن- إلى إمامة المهدي محمد بن علي بن أبي طالب -وهو محمد بن الحنفية، ولقبه المهدي- فاتَّبعه على ذلك كثير من الشيعة، وفارقوا سليمان بن صُرَد، وصارت الشيعة فرقتين: الجمهور منهم مع سليمان بن صُرَد يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفيَّة، وذلك عن غير أمر ابن الحنفيَّة ورضاه، وإنما يتقوَّلون عليه ليروِّجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة. وجاءت العين الصافية إلى عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي -نائب ابن الزبير- بما تمالأ عليه فرقتا الشيعة على اختلافهما من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون، وأشار عليه من أشار بأن يبادر إليهم، ويحتاط عليهم، ويبعث الشُّرط والمقاتلة فيقمعهم عمّا هم مجمعون عليه من إرادة الشر والفتنة. فقام خطيبًا في الناس، وذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم، وما أجمعوا عليه من الأمر، وأن منهم من يريد الأخذ بثأر الحسين، ولقد علموا أنني لست ممن قتله، وأني واللَّه لممن أصيب بقتله وكره قتله، فرحمه اللَّه ولعن قاتله، وإني لا أتعرَّض لأحد قبل أن يبدأني بالشر، وإن كان هؤلاء يريدون الأخذ بثأر الحسين فليعمِدوا إلى ابن زياد، فإنه هو الذي قتل الحسين وخيار أهله، فليأخذوا منه بالثأر، ولا يخرجوا بسلاحهم على أهل بلدهم فيكون فيه حتفهم واستئصالهم. فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الأمير الآخر فقال: أيها الناس! لا يغرنَّكم من أنفسكم كلام هذا المداهن، إنا -واللَّه- قد استيقنّا من أنفسنا أن قومًا يريدون الخروج علينا، ولنأخذنَّ الوالد بالولد، والولد بالوالد، والحميم بالحميم، والريف بما في عرافته، حتى يدينوا للحق ويذلُّوا للطاعة. فوثب إليه المسيّب بن نَجَبة الفزاري، فقطع عليه كلامه فقال: يا بن الناكثين أتهدِّدنا بسيفك وغَشْمك (١)؟ أنت واللَّهِ أذلُّ من ذلك، إنا واللَّه لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدَّك، وإنا لنرجو أن نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر. وساعد المسيّب بن نَجَبة من أصحاب إبراهيم بن محمد بن طلحة جماعة من العمال، وجرَت فتنة

стр. 4111

وشرٌّ كبير في المسجد، فنزل عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي عن المنبر، وحاولوا أن يوقعوا بين الأميرين فلم يتفق لهم ذلك، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صُرَد بالسلاح، وأظهروا ما كان في أنفسهم من الخروج على الناس، وركبوا مع سليمان بن صُرَد فقصدوا نحو الجزيرة، وكان من أمرهم ما سنذكره. وأما المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضًا إلى الشيعة من يوم طعن الحسين وهو ذاهب إلى الشام بأهل العراق، فلجأ إلى المدائن، فأشار المختار على عمِّه -وهو نائب المدائن- بأن يقبض على الحسين ويبعثه إلى معاوية فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء، فامتنع عمُّ المختار من ذلك، فأبغضته الشيعة بسبب ذلك، فلمَّا كان من أمر مسلم بن عَقيل ما كان وقتله ابن زياد كان المختار يومئذ بالكوفة، فبلغ ابن زياد أنه يقول: لأقومنَّ بنصرة مسلم ولآخذنَّ بثأره، فأحضره بين يديه، وضرب عينه بقضيب كان بيده فشتَرها، وأمر بسجنه، فلمَّا بلغ أختَه سجنُه بكت وجزعت عليه، وكانت تحت عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من السجن، فبعث يزيد إلى ابن زياد: أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن أبي عبيد من السجن، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك، فأخرجه وقال له: إن وجدتك بعد ثلاثة أيام بالكوفة ضربت عنقك. فخرج المختار إلى الحجاز وهو يقول: واللَّه لأقطعنَّ أنامل عبيد اللَّه بن زياد، ولأقتلنَّ بالحسين ابن علي على عدد من قُتل بدم يحيى بن زكريا. فلمَّا استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير بمكة بايعه المختار بن أبي عبيد، وكان من كبار الأمراء عنده، ولمّا حاصره الحُصين بن نُمير مع أهل الشام قاتل المختار دون ابن الزبير أشدَّ القتال، فلمّا بلغه موت يزيد بن معاوية واضطراب أهل العراق نَقَم على ابن الزبير في بعض الأمر، وخرج من الحجاز، وقصد الكوفة فدخلها في يوم الجمعة والناس يتهيؤون للصلاة، فجعل لا يمرُّ بملأٍ من الناس إلا سلَّم وقال: أبشِروا بالنصر والظفر بالأعداء. ودخل المسجد فصلَّى إلى سارية هنالك حتى أقيمت الصلاة، ثم صلَّى من بعد الصلاة حتى صلِّيت العصر، ثم انصرف، فسلَّم عليه الناس وأقبلوا إليه وعليه وعظَّموه، وجعل يدعو إلى إمامة المهدي محمد بن الحنفيَّة، ويظهر الانتصار لأهل البيت، وأنه ما جاء إلا بصدد أن يقيم شعارهم، ويظهر منارهم، ويستوفي ثأرهم، ويقول للناس الذين اجتمعوا على سليمان بن صُرَد من الشيعة -وقد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان- فجعل يخذِّلهم ويستميلهم إليه ويقول لهم: إني قد جئتكم من قِبَل وليّ الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الرضي، والإمام المهدي بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النَّعماء، وأن سليمان بن صُرَد -يرحمنا اللَّه وإياه- إنما هو غشمة من الغشم، وشَنٌّ (١) بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم، وإني إنما أعمل على مَثل مُثِّل لي، وأمر قد بُيِّن

стр. 4112

لي، فيه عزُّ وليكم، وقتلُ عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني وأطيعوا أمري، ثم أبشِروا وتباشروا فإني لكم بكل ما تأمُلون وتحبُّون كفيل. فالتفَّ عليه خلق كثير من الشيعة، ولكن الجمهور منهم مع سليمان بن صُرَد، فلمّا خرجوا مع سليمان إلى النُّخيلة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشَبث بن رِبْعي وغيرهما لعبد اللَّه بن زياد نائب الكوفة: إن المختار بن أبي عبيد أشدُّ عليكم من سليمان بن صُرَد. فبعث إلى الشُّرط، فأحاطوا بداره، فأُخذ فذُهب به إلى السجن مقيَّدًا -وقيل: بغير قيد- فأقام به مدة، ومرض فيه. قال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن أبي عيسى أنه قال: دخلتُ إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نعوده ونتعاهده، فسمعته يقول: أما وربِّ البحار، والنخيل والأشجار، والمَهامِهِ (١) والقفار، والملائكة الأبرار، والمصلِّين الأخيار، لأقتلنَ كل جبّار بكل لَدْن (٢) خطّار، ومهند بتّار، في جموع من الأنصار، ليسوا بمِيل أَغْمار (٣)، ولا بعُزْل أشرار، حتى إذا أقمتُ عمود الدِّين، ورأبتُ صدع المسلمين، وشفيتُ غليل صدور المؤمنين، وأدركتُ ثأر أولاد النبيِّين، لم أبكِ على زوال الدنيا، ولم أَحفِل بالموت إذا دنا. قال: وكان كلما أتيناه وهو في السجن يردِّد علينا هذا القول حتى خرج. ذكر هَدْم الكعبة وبنائها في أيَّام ابن الزُّبير قال ابن جرير: وفي هذه السنة هدَم ابن الزبير الكعبة، وذلك لأنه مال جدارها مما رُميت به من حجارة المنجنيق، فهدم الجدار حتى وصل إلى أساس إبراهيم، وكان الناس يطوفون ويصلُّون من وراء ذلك، وجعل الحجر الأسود في تابوت في سَرَقة من حرير، وادُّخر ما كان في الكعبة من حلي وثياب وطيب عند الخُزّان (٤) حتى أعاد ابن الزبير بناءها (٥) على ما كان رسول اللَّه ﷺ يريد أن يبنيها عليه من الشكل. وذلك كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما من المسانيد والسنن من طرق عن عائشة أمِّ المؤمنين: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لولا حِدْثانُ قومِكِ بكُفرٍ لنقضتُ الكعبةَ ولأَدخلتُ فيها الحِجْر، فإنَّ قومَكِ قصرتْ بهم النَّفقة، ولجعلْتُ لها بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا يدخلُ الناسُ من أحدِهما ويخرجونَ من الآخر، ولأَلصَقْتُ بابَها بالأرض فإنَّ قومَكِ رفعُوا بابَها ليُدْخِلُوا مَنْ شاؤُوا ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤُوا" (٦).

стр. 4113

فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرَتْه به خالته عائشة أمُّ المؤمنين عن رسول اللَّه ﷺ فجزاه اللَّه خيرًا. ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين -كما سيأتي- هدم الحائط الشمالي وأخرج الحِجْرَ كما كان أولًا، وأدخل الحجارة التي هدمها في جوف الكعبة فرصَّها فيها، فارتفع الباب، وسدَّ (١) الغربي، وتلك آثاره إلى الآن، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان له في ذلك، ولم يكن بلغه الحديث، فلما بلغه الحديث قال: وددنا أنا تركناه وما تولّى من ذلك. وقد همَّ المهدي ابن المنصور أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك، فقال: إني أكره أن يتخذها الخلفاء لعبة -يعني: يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم- فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأيًا آخر. واللَّه أعلم. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير. وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة (٢)، وعلى الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي، وعلى قضائها سعيد بن نِمْراد (٣)، وامتنع شُريح أن يحكم في زمن الفتنة، وعلى البصرة عمر [بن عبيد اللَّه] (٤) بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هُبيرة، وعلى خراسان عبد اللَّه بن خازم. وكان في أواخر هذه السنة وقعة مرج راهط كما قدَّمنا. وقد استقر ملك الشام لمروان بن الحكم، وذلك بعد ظفره بالضحاك بن قيس وقتله له في الوقعة. وقيل: إن فيها دخل مروان الديار المصرية، وأخذها من نائبها الذي من جهة ابن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جَحْدم (٥)، واستقرت يد مروان على الشام ومصر وأعمالها، واللَّه أعلم. [وقال الواقدي: لما أراد ابنُ الزبير هدم البيت شاور النَّاسَ في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن عُمير بذلك، وقال ابن عباس: أخشى أن يأتيَ بعدك من يهدمها، فلا تزال تُهدم حتى يتهاون الناس بحُرْمتها، ولكن أرى أن تصلح ما وهى منها (وتدع بيتًا أسلم الناسُ عليه، وأحجارًا بُعث رسول اللَّه ﷺ عليها. فقال ابن الزبير: لو احترق بيت أحدكم ما رضي حتى يجدِّده، فكيف ببيت

стр. 4114

ربكم) (١)! ثم إن ابن الزبير استخار اللَّه ثلاثة أيام، ثم غدا في اليوم الرابع، فبدأ بنقض الرُّكن من الأساس، فلما وصلوا إلى الأساس وجدوا أصلًا بالحِجْر مشبَّكًا كأصابع اليد، فدعا ابن الزبير خمسين رجلًا فأمرهم أن يحفروا، فلما ضربوا المعاول في تلك الأحجار المشبَّكة ارتجَّت مكة، فتركه على حاله، ثم أسّس عليه البناء، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض: باب يُدخل منه، وباب يُخرج منه، ووضع الحَجَر الأسود بيده، وشدَّه بفضة لأنه كان قد تصدَّع، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع، ولطَخ جدرانها بالمسك وسترها بالديباج، ثم اعتمر من مسجد عائشة، وطاف بالبيت وصلَّى وسعى، وأزال ما حول الكعبة من الزّبالة وما كان حولها من الدماء. وكانت الكعبة قد وَهَتْ من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، واسودَّ الركن، وانصدع الحجرُ الأسود من النار التي كانت حول الكعبة. وكان سبب تجديد ابن الزبير لها ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة المتقدم ذكره، واللَّه أعلم] (٢). ثم دخلت سنة خمس وستين فيها اجتمع إلى سليمان بن صُرَد نحو من سبعة عشر ألفًا، كلُّهم يطلبون الأخذ بثار الحسين ممن قتله. [قال الواقدي: لما خرج الناس إلى النُّخيلة كانوا قليلًا، فلم تعجب سليمان قلَّتُهم، فأرسل حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة بأعلى صوته: يا ثارات الحسين، فلم يزل ينادي حتى بلغ المسجد الأعظم، فسمع الناس، فخرجوا إلى النُّخيلة، وخرج أشراف الكوفة فكانوا قريبًا من عشرين ألفًا أو يزيدون -في ديوان سليمان بن صُرَد- فلما عزم على المسير بهم لم يصف معه منهم سوى أربعة آلاف، فقال المسيب بن نَجَبة لسليمان: إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجَتْه النية وباع نفسه للَّه ، فلا تنتظرن أحدًا، وامضِ لأمرك في جهاد عدوك، واستعن باللَّه عليهم. فقام سليمان في أصحابه وقال: يا أيها الناس! من كان خرج لوجه اللَّه وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، ومن كان خروجه معنا للدنيا فليس منا ولا يصحبنا. فقال الباقون معه: ما للدنيا خرجنا، ولا لها طلبنا. فقيل له: أنسير إلى قتلة الحسين بالشام وقتلتُه عندنا بالكوفة كلهم مثل عمر بن سعد وغيره؟! فقال سليمان: إن ابن زياد هو الذي جهَّز الجيش إليه وفعل به ما فعل، فإذا فرغنا منه عدنا إلى أعدائه بالكوفة، ولو قاتلتموهم أولًا -وهم أهل مصركم- ما عدم الرجل منكم أن يرى رجلًا قد قتل أباه، قد قتل أخاه أو حميمَه، فيقع التخاذل، فإذا فرغتم من الفاسق ابن زياد حصل لكم المراد. فقالوا: صدقت.

стр. 4115

فنادى فيهم: سيروا على اسم اللَّه تعالى، فساروا عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول] (١). وقال في خطبته: من كان خرج منكم للدنيا ذهبها وزَبَرْجدها فليس معنا مما يطلب شيء، وإنما معنا سيوف على عواتقنا، ورماح في أكفنا، وزاد يكفينا حتى نلقى عدوَّنا. فأجابوه إلى السمع والطاعة والحالة هذه. وقال لهم: عليكم بابن زياد الفاسق أولًا فليس له إلا السيف وها هو قد أقبل من الشام قاصدًا العراق. فصمّم الناس معه على هذا الرأي. فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد اللَّه بن يزيد وإبراهيم بن محمد -أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير- إلى سليمان بن صُرَد يقولان له: إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد، وأنهم يريدون أن يبعثوا معهم جيشا ليقوِّيهم على ما هم قد قصدوا له، وبعثوا إليه البريد أن ينتظرهم حتى يقدموا عليه. فتهيأ سليمان بن صُرَد لقدومهم عليه في رؤوس الأمراء، وجلس في أبهته والجيوشُ محدقة به، وأقبل عبد اللَّه بن يزيد وإبراهيم [بن محمد] (٢) بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين لئلا يطمعوا فيهم -وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص في هذه الأيام كلها لا يبيت إلا في قصر الإمارة عند عبد اللَّه بن يزيد خوفًا على نفسه- فلما اجتمع الأميران عند سليمان بن صُرَد قالا له وأشارا عليه: ألا يذهبوا حتى تكون أيديهم واحدة على قتال ابن زياد، ويجهزوا معهم جيشًا، فإن أهل الشام جمع كثير وجمٌّ غفير وهم يحاجفون عن ابن زياد، فامتنع سليمان من قبول قولهما وقال: إنا قد خرجنا لأمر فلا نرجع عنه ولا نتأخر فيه. فانصرف الأميران راجعين إلى الكوفة. وانتظر سليمان بن صُرَد وأصحابه أصحابَهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة وأهل المدائن، فلم يقدموا عليهم ولا واحد منهم، فقام سليمان في أصحابه خطيبًا وحرَّضهم على الذهاب لما خرجوا له، وقال: لو قد سمع إخوانكم بخروجكم للحقوكم سراعًا. فخرج سليمان وأصحابه من النُّخيلة يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول سنة خمس وستين، فسار بهم مراحل ما يتقدمون مرحلة إلى نحو الشام إلا تخلَّف عنه طائفة من الناس الذين معه، فلما مرُّوا بقبر الحسين صاحوا صيحة رجل واحد، وتباكوا، وباتوا عنده ليلة يصلُّون ويدعون، وظلوا يومًا يترحمون عليه، ويستغفرون له، ويترضون عنه، ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء. قلت: لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفعَ له وأنصر من اجتماع سليمانَ وأصحابِه لنصرته بعد أربع سنين.

стр. 4116

ولما أرادوا الانصراف جعل لا يَرِيم (١) أحد منهم حتى يأتي القبر فيترحم عليه ويستغفر له، حتى جعلوا يزدحمون أشدَّ من ازدحامهم عند الحجر الأسود. ثم ساروا قاصدين الشام، فلما اجتازوا بقَرْقِيسِيا (٢) تحصَّن منهم زفر بن الحارث، فبعث إليه سليمان بن صُرَد: إنا لم نأت لقتالكم، فأخرج إلينا سوقًا، فإنا إنما نقيم عندكم يومًا أو بعض يوم، فأمر زفر بن الحارث أن يخرج السوق إليهم، وأمر للرسول إليه -وهو المسيّب بن نَجَبة- بفرس وألف درهم. فقال: أما المال فلا، وأما الفرس فنعم، وبعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صرَد ورؤوس الأمراء الذين معه إلى كل واحد عشرين جزورًا وطعامًا وعلفًا كثيرًا، ثم خرج زفر بن الحارث فشيَّعهم وسار مع سليمان بن صرَد وقال له: إنه قد بلغني أن أهل الشام قد جهزوا جيشًا كثيفًا وعددًا كثيرًا مع حُصين بن نُمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغَنَوي، وجبلة بن عبد اللَّه الخثعمي. فقال سليمان بن صرَد: على اللَّه توكلنا، وعلى اللَّه فليتوكل المؤمنون. ثم عرض عليهم زفر أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها، فإن جاءهم أحد كان معهم عليه. فأبوا أن يقبلوا وقالوا: قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا. قال: فإذا أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين الوردة، فيكون الماء والمدينة والأسواق والسباق خلف ظهوركم، وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه. ثم أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال [فقال: ولا تقاتلوهم في فضاء فإنهم أكثر منكم عددًا فيحيطون بكم، فإني لا أرى معكم رجالًا والقومُ ذوو رجال وفرسان، ومعهم كراديس فاحذروهم] (٣). فأثنى عليه سليمان بن صرَد والناسُ خيرًا. ثم رجع عنهم. وسار سليمان بن صرَد، فبدر إلى عين الوردة، فنزل غربيها، وأقام هنالك [خمسًا] قبل وصول أعدائه إليه، واستراح سليمان وأصحابه واطمأنوا. وقعة عين وَرْدة فلما اقترب قدوم أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابَه، فرغَّبهم في الآخرة، وزهَّدهم في الدنيا، وحثَّهم على الجهاد، وقال: إن قُتلت فالأمير عليكم: المسيّب بن نَجَبة، فإن قُتل فعبد اللَّه بن سعد بن نفيل، فإن قُتل فعبد اللَّه بن وال، فإن قُتل فرفاعة بن شداد، ثم بعث بين يديه المسيب بن نَجَبة في

стр. 4117

أربعمئة (١) فارس، فأغاروا على جيش شرحبيل بن ذي الكلاع وهم غازُون (٢)، فقتلوا منهم جماعة وجرحوا آخرين، واستاقوا نعمًا. وأتى الخبر إلى عبيد اللَّه بن زياد، فأرسل بين يديه الحصين بن نُمير، فصبَّح سليمان بن صُرَد وجيشه، فتواقفوا في يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى، وحُصين بن نُمير قائم في اثني عشر ألفًا، وقد تهيأ كل من الفريقين لصاحبه، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى الدخول في طاعة مروان بن الحكم، ودعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إليهم عبيد اللَّه بن زياد فيقتلوه عن الحسين. وامتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما طُلب منه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا عامة يومهم إلى الليل، وكانت الدائرة فيه للعراقيين. فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع وقد وصل إلى الشاميين في ثمانية آلاف (٣) فارس، وقد أنَّبه وشتمه ابن زياد، فاقتتل الناس في هذا اليوم قتالًا لم يَرَ الشيب والمرد مثلَه قط، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل، فلما أصبح الناس في اليوم الثالث وصل إلى الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف -وذلك في يوم الجمعة- فاقتتلوا قتالًا شديدًا إلى حين ارتفاع الضحى، ثم استدار أهل الشام باهل العراق وأحاطوا بهم من كل جانب، فخطب سليمان بن صُرَد الناس وحرَّضهم على الجهاد، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا جدًا، ثم ترجَّل سليمان بن صُرَد [وكسر جفن سيفه ونادى: يا عباد اللَّه! من أراد الرواح إلى الجنة والتوبةَ من ذنبه والوفاءَ بعهده فليات إلي. فترجَّل معه ناس كثيرون، وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى خاضوا في الدماء، وقُتل سليمان بن صُرَد أمير العراقيين] (٤) رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع، ثم وثب ثم وقع وهو يقول: فزت ورب الكعبة. فأخذ الراية المسيّب بن نَجَبة، فقاتل بها قتالًا شديدًا وهو يقول: قد عَلِمَتْ ميَّالةُ الذَّوائبِ … واضِحةُ اللَّبّاتِ والتَّرائبِ أنِّي غداةَ الرَّوع والتغالُبِ … أشجَعُ مِنْ ذي لبدةِ (٥) مُواثبِ قَصَّاع (٦) أقرانٍ مَخُوفُ الجانبِ (٧) ثم قاتل قتالًا شديدًا، فقضى ابن نَجَبة نحبه، ولحق في ذلك الموقف صحبه ﵏. فأخذ

стр. 4118

الراية عبد اللَّه بن سعد بن نفيل، فقاتل قتالًا شديدًا أيضًا [وهو يقول: رحم اللَّه إخوتي، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدَّلوا تبديلا] (١). وحمل حينئذ ربيعة بن المخارق على أهل العراق حملة منكرة، وتبارز هو وعبد اللَّه بن سعد بن نفيل، ثم اتحدا، فحمل ابن أخي ربيعة على عبد اللَّه بن سعد فقتله، ثم احتمل عمه، فأخذ الراية عبد اللَّه بن وال، فحرَّض الناس على الجهاد وجعل يقول: الرواح إلى الجنة -وذلك بعد العصر- وحمل بالناس ففرَّق من كان حوله، ثم قُتل -وكان من الفقهاء المفتين- قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير حرب الشاميين ساعتئذ، فأخذ الراية رفاعة بن شداد، فانحاز بالناس وقد دخل الظلام، ورجع الشاميون إلى رحالهم، وانشمر رفاعة بمن بقي معه راجعًا إلى بلاده، فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلم يبعثوا وراءهم طلبًا ولا أحدًا [فقطع رفاعة بمن معه الخابور، ومرَّ على قَرقيسيا، فبعث إليهم زفر بن الحارث الطعام والعلف والأطباء، فأقاموا ثلاثًا حتى استراحوا، ثم ارتحلوا] (٢) فلما وصلوا إلى هِيْت إذا سعد بن حذيفة بن اليمان قد أقبل بمن أطاعه من أهل المدائن قاصدين إلى نصرتهم، فلما أخبروه بما كان من أمرهم وما حل بهم، ونَعْوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم، واستغفروا لهم، وتباكوا على إخوانهم، وانصرف أهل المدائن إليها، ورجع راجعة أهل الكوفة إليها وقد قتل منهم خلق كثير وجمٌ غفير، وإذا المختار بن أبي عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه بعد، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزِّيه فيمن قُتل منهم، ويترحم عليهم، ويغبطهم بما نالوا من الشهادة وجزيل الثواب [ويقول: مرحبًا بالذين أعظم اللَّه أجورهم ورضي عنهم، واللَّه ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب اللَّه له فيها أعظم من الدنيا وما فيها، وإن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه اللَّه وجعل روحه في أرواح النبيين والشهداء والصالحين، وبعد: فأنا الأمير المأمون، قاتل الجبّارين والمفسدين إن شاء اللَّه، فأعِدُّوا واستعدُّوا وأبشروا، وأنا أدعوكم إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله والطلب بدماء أهل البيت. . . وذكر كلامًا كثيرًا في هذا المعنى] (٣). وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن رَئِيِّهِ (٤) الذي كان يأتي إليه من الشياطين، فإنه قد كان يأتي إليه شيطان، فيوحي إليه قريبًا مما كان يوحي شيطان مسيلمة إلى مسيلمة. وكان جيش سليمان بن صُرَد وأصحابه يسمى بجيش التوَّابين ﵏. وقد كان سليمان بن صُرَد [الخزاعي -أبو مطرِّف- الكوفي] (٥) صحابيًا جليلًا نبيلًا عابدًا. وروى عن

стр. 4119

النبي ﷺ أحاديث في "الصحيحين" وغيرهما. وشهد مع علي صفِّين. وكان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق، فلما قدمها وقُتل بكربلاء بعد ذلك ورأى هؤلاء أنهم كانوا سببًا في قدومه وأنهم خذلوه حتى قُتل هو وأهل بيته، فندموا على ما فعلوا معه، ثم اجتمعوا في هذا الجيش وسمَّوا جيشهم: جيش التوابين، وسمَّوا أميرهم سليمان بن صُرَد: أمير التوابين، فقُتل سليمان ﵁ في هذه الوقعة بعين وردة سنة خمس وستين، وقيل: سنة سبع وستين، والأول أصح. وكان عمره يوم قتل ثلاثًا وتسعين سنة ﵀. [وأما المسيب بن نَجَبة بن ربيعة الفَزاري فإنه قدم مع خالد بن الوليد من العراق، وشهد فتح دمشق، ثم عاد إلى العراق وشهد مع علي صفِّين وغيرها. وكان أحد الكبار الذين خرجوا يطلبون بدم الحسين ﵁] (١) وحُمل رأسه ورأس سليمان بن صُرَد إلى مروان بن الحكم بعد الوقعة. وكتب أمراء الشاميين إلى مروان بما فتح اللَّه عليهم وأظفرهم به من عدوهم، فخطب الناس وأعلمهم بما كان من أمر الجنود ومن قتل من أهل العراق [وقد قال: أهلك اللَّه رؤوس الضلال سليمان بن صُرَد وأصحابه. وعلّق الرؤوس بدمشق] (٢). وكان مروان بن الحكم قد عهد بالأمر من بعده إلى ولديه عبد الملك ثم من بعده عبد العزيز، وأخذ بيعة الأمراء على ذلك في هذه السنة. قاله ابن جرير (٣) وغيره. وفيها دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدَق إلى الديار المصرية، فأخذاها من يد نائبها الذي كان لعبد اللَّه بن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جَحْدم، وكان سبب ذلك أن مروان قصدها، فخرج إليه نائبها ابن جَحْدم، فقابله مروان ليقاتله، فاشتغل به، وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جَحْدم فدخل مصر فملكها، وهرب عبد الرحمن، ودخل مروان إلى مصر فتملَّكها، وجعل عليها ولده عبد العزيز. وفيها بعث ابن الزبير أخاه مصعبًا ليفتح له الشام، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد، فتلقّاه إلى فلسطين، فهرب منه مصعب بن الزبير وكرَّ راجعًا ولم يظفر بشيء. واستقر ملك الشام ومصر لمروان. [وقال الواقدي: إن مروان حاصر مصر، فخندق عبد الرحمن بن جَحْدم على البلد خندقًا وخرج في

стр. 4120

أهل مصر إلى قتاله، وكانوا يتناوبون القتال ويستريحون، ويسمَّى ذلك يوم التراويح، واستمر القتل في خواصِّ أهل البلد، فقُتل منهم خلق كثير، وقُتل يومئذ عبد اللَّه بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد الأشراف. ثم صالح عبد الرحمن مروان على أن يخرج إلى مكة بماله وأهله، فأجابه مروان إلى ذلك، وكتب إلى أهل مصر كتاب أمان بيده، وتفرَّق الناس، وأخذوا في دفن موتاهم والبكاء عليهم، وضرب مروان عنق ثمانين رجلًا تخلَّفوا عن مبايعته، وضرب عنق الأُكيدر بن حملة اللخمي -وكان من قتلة عثمان- وذلك في نصف جمادى الآخر يوم توفي عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فما قدروا أن يخرجوا بجنازته، فدفنوه في داره. واستولى مروان على مصر، وأقام بها شهرًا، ثم استعمل عليها ولده عبد العزيز، وترك عنده أخاه بشر بن مروان، وموسى بن نُصير وزيرًا له، وأوصاه بالإحسان إلى الأكابر، ورجع إلى الشام (١). وفيها جهَّز مروان جيشين: أحدهما مع حُبَيش بن دُلَجَة القيني (٢) ليأخذ له المدينة، وكان من أمره ما سنذكره، والآخر مع عبيد اللَّه بن زياد إلى العراق لينتزعه من نواب ابن الزبير، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صُرَد، وكان من أمرهم ما تقدم ذكره. واستمر جيش الشاميين ذاهبًا إلى العراق، فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم. وكانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة. وكان سبب موته أنه تزوج بأمِّ خالد امرأة يزيد بن معاوية -وهي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة- وإنما أراد مروان بتزويجه إياها ليصغِّر ابنها خالدًا في أعين الناس، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس أن يملكوه بعد أخيه معاوية، فتزوج أمَّه ليصغر أمره فيما بينهم. فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه، فلما جلس قال له فيما خاطبه به: يا بن الرطبة الاست. فذهب خالد إلى أمِّه، فأخبرها بما قال له، فقالت: اكتم ذلك ولا تُعلمه أنك أعلمتني بذلك. فلما دخل عليها مروان قال لها: هل ذكرني خالد عندكِ بسوء؟ فقالت له: وماذا عساه يقول لك وهو يحبك ويعظِّمك؟! ثم إن مروان رقد عندها، فلما أخذه النوم عمَدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه، وتحاملت عليها هي وجواريها حتى مات غمًا. وكان ذلك في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين بدمشق، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وقيل: إحدى وثمانون سنة. وكانت إمارته تسعة أشهر، وقيل: عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام.

стр. 4121

ترجمة مَرْوان بن الحَكَم (١) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميَّة بن [عبد] (٢) شمس بن عبد مناف القرشيّ الأموي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحكم، ويقال: أبو القاسم. وهو صحابي عند طائفة كثيرة لأنه ولد في حياة النبي ﷺ وروى عنه في حديث صلح الحديبية، وفي رواية في "صحيح البخاري" عن مروان والمِسْور بن مخرمة عن جماعة من الصحابة الحديث بطوله (٣). وروى مروان عن: عمر، وعثمان -وكان كاتبه: أي: كان كاتب عثمان- وعلي، وزيد بن ثابت، وبُسْرة (٤) بنت صفوان الأسدية - وكانت حماته. وقال الحاكم أبو أحمد: كانت خالته. ولا منافاة بين كونها حماته وخالته. وروى عنه: ابنه عبد الملك، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومجاهد، وغيرهم. قال الواقدي ومحمد بن سعد: أدرك النبي ﷺ ولم يحفظ عنه شيئًا، وكان عمره ثمان سنين حين توفي النبي ﷺ (٥). وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين (٦). وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها.

стр. 4122

روى ابن عساكر (١) وغيره: أن عمر بن الخطاب خطب أمرأة إلى أمها، فقالت: قد خطبها جرير بن عبد اللَّه البَجَلي وهو سيد شباب المشرق، ومروان بن الحكم وهو سيد شباب قريش، وعبد اللَّه بن عمر وهو من قد علمتم. فقالت المرأة: أجادٌّ يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قالت: قد زوجناك يا أمير المؤمنين! وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظِّمه. وكان كاتب الحُكم بين يديه. ومن تحت رأسه جرت قضية الدار، وبسببه حُصر عثمان بن عفان فيها، وألحَّ عليه أولئك أن يسلِّم مروان إليهم، فامتنع عثمان أشد الامتناع. وقد قاتل مروان يوم الدار قتالًا شديدًا، وقتل بعض الخوارج، وكان على الميسرة يوم الجمل، ويقال: إنه رمى طلحة بسهم في ركبته فقتله، فاللَّه أعلم. وقال ابن عبد الحكم (٢): سمعت الشافعي يقول: كان عليٌّ يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان، فقيل له في ذلك، فقال: إنه تعطفني عليه رحم ماسَّة، وهو سيد من شباب قريش. وقال ابن المبارك: عن جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن قَبيصة بن جابر أنه قال لمعاوية: من تركتَ لهذا الأمر من بعدك؟ فقال: أما القارئ لكتاب اللَّه، الفقيه في دين اللَّه، الشديد في حدود اللَّه، مروان بن الحكم. وقد استنابه على المدينة غير مرة، يعزله ثم يعيده إليها. وأقام للناس الحج في سنين متعددة. وقال حنبل عن الإمام أحمد قال: يقال: كان عند مروان قضاء، وكان يتتبَّع قضايا عمر بن الخطاب. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول - وذكر مروان يومًا فقال: قال مروان: قرأت كتاب اللَّه منذ أربعين سنة، ثم أصبحت فيما أنا فيه من إهراق الدماء وهذا الشأن! وقال إسماعيل بن عياش: عن صفوان بن عمرو (٣)، عن شُريح بن عبيد وغيره قال: كان مروان إذا ذكر الإسلام قال: بنعمةِ ربِّي لا بما قَدَّمتْ يَدِي … ولا بتُراثي (٤) إنَّني كنتُ خاطِئا

стр. 4123

وقال الليث عن يزيد بن [أبي] (١) حَبيب، عن سالم أبي النَّضر أنه قال: شهد مروان جنازة، فلما صلَّى عليها انصرف، فقال أبو هريرة: أصاب قيراطًا وحُرم قيراطًا. فأُخبر بذلك مروان، فأقبل يجري حتى بدت ركبتاه، فقعد حتى أُذن له. وروى المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد: أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حين رجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه الحسين ستة آلاف دينار، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع عن علي بن الحسين شيئًا، فبعث إليه عبد الملك بذلك، فامتنع من قبولها، فألحَّ عليه، فقبلها. وقال الشافعي: أنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن الحسن والحسين كانا يصلِّيان خلف مروان ولا يُعيدانها، ويعتدَّان بها. وقد روى عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أول من قدَّم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان، فقال له رجل: خالفتَ السنة، فقال مروان: إنه قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ رأى منكم منكَرًا فليغيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يستطِع فبلسَانه، فإنْ لم يستطِع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" (٢). قالوا: ولما كان نائبًا بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع مَنْ عنده من الصحابة، فاستشارهم فيها. قالوا: وهو الذي جمع الصِّيعان، فأخذ بأعدلها، فنُسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان. وقال الزبير بن بكار: حدّثنا إبراهيم بن حمزة، حدّثني ابن أبي علي اللَّهَبي (٣)، عن إسماعيل بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: خرج أبو هريرة من عند مروان فلقيَه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا له: يا أبا هريرة إنه أشهدنا الآن على مئة رقبة أعتقها الساعة، قال: فغمز أبو هريرة يدي وقال: يا أبا سعيد: يَك (٤) من كسب طيَّب خيرٌ من مئة رقبة. قال الزبير: اليَك (٥) الواحد. وقال الإمام أحمد: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عطية، عن

стр. 4124

أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا بلغَ بنو أبي فلانٍ ثلاثين رجلًا اتَّخذوا مال اللَّه دُوَلًا، ودين اللَّه دَخَلًا، وعباد اللَّه خَوَلًا" (١). ورواه أبو يعلى، عن زكريا بن يحيى زَحْمويه، عن صالح بن عمر، عن مطرِّف، عن عطيَّة، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا بلغَ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتَّخذوا دين اللَّه دَخَلًا، وعباد اللَّه خَوَلَّا، ومال اللَّه دُوَلًا" (٢). وقد رواه الطبراني (٣)، عن أحمد بن عبد الوهاب، عن أبي المغيرة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا بلغَ بنو أميَّة أربعين رجلًا. . . " وذكره. وهذا منقطع. ورواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة من قوله: "إذا بلغَ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا. . . " فذكره. ورواه البَيْهقي وغيره من حديث ابن لَهِيعة عن أبي قَبيل، عن ابن وهب، عن معاوية وعبد اللَّه بن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ : أنه قال: "إذا بلغَ بنو الحكم ثلاثين اتَّخذوا مال اللَّه بينهم دُوَلًا، وعباد اللَّه خَوَلًا، وكتاب اللَّه دخلًا. فإذا بلغوا ستة وتسعين وأربعمئة كان هلاكُهم أسرعَ من لَوْك تمرة". وأن رسول اللَّه ﷺ ذكر عبد الملك بن مروان فقال: "أبو الجبابرة الأربعة". وهذه الطرق كلها ضعيفة. وروى أبو يعلى وغيره -من غير وجه- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول اللَّه ﷺ رأى في المنام أن بني الحكم يَرْقَوْن على منبره ويَنْزلون، فأصبح كالمتغيّظ وقال: رأيت بني الحكم يَنْزون على منبري نَزْوَ القردة! فما رؤي رسول اللَّه ﷺ مستجمعًا ضاحكًا بعد ذلك حتى مات". ورواه الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب مرسلًا وفيه: فأوحى اللَّه إليه: إنما هي دنيا أُعطوها. فقرَّتْ عينه. وهي قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] يعني: بلاءً للناس واختبارًا.

стр. 4125

وهذا مرسل، وسنده إلى سعيد ضعيف. وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة، فلهذا أضربنا صفحًا عن إيرادها لعدم صحتها. [وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي ﷺ وإنما أسلم يوم الفتح، وقدم الحكم المدينة، ثم طرده النبي ﷺ إلى الطائف، ومات بها. ومروان كان أكبر الأسباب في حصار عثمان، لأنه زوّر على لسانه كتابًا إلى مصر بقتل أولئك الوفد. ولما كان متولِّيًا على المدينة لمعاوية كان يسبُّ عليًا كل جمعة على المنبر. وقال له الحسين بن علي: لقد لعن اللَّه أباك الحكم وأنت في صُلْبه على لسان نبيِّه فقال: "لعن اللَّه الحكم وما ولد". واللَّه أعلم] (١). وقد تقدم أن حسان بن مالك بن بَحْدل لما قدم عليه مروان أرض الجابية أعجبه إتيانه إليه، فبايعه، وبايع أهل الأردن على أنه إذا انتظم له الأمر نزل عن الإمرة لخالد بن يزيد، ويكون لمروان إمرة حمص، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق. وكانت البيعة لمروان يوم الإثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين. قاله الليث بن سعد وغيره. وقال الليث: وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين. قالوا: فغلب الضحاك بن قيس، واستوسق له ملك الشام ومصر، فلما استقرَّ ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك، ثم من بعده لولده عبد العزيز -والد عمر بن عبد العزيز- وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية لأنه كان لا يراه أهلًا للخلافة، ووافقه على ذلك حسان بن مالك (٢) بن بَحْدل - وإن كان خالًا لخالد بن يزيد -وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك. ثم إن أمَّ خالد دبَّرت أمر مروان فسمَّته- ويقال: بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادةً فمات مخنوقًا، ثم إنها أعلنت الصُّراخ هي وجواريها وصِحْنَ: مات أمير المؤمنين فجأة. ثم قام من بعده ولده عبد الملك بن مروان كما سنذكره. وقال عبد اللَّه بن أبي مذعور: حدّثني بعض أهل العلم قال: كان آخر ما تكلَّم به مروان: "وجبت الجنَّة لمن خاف النار". وكان نقش خاتمه: العزَّة للَّه. وقال الأصمعي: حدّثنا عدي بن أبي عمار، عن أبيه، عن حرب بن زياد قال: كان نقش خاتم مروان: آمنتُ بالعزيز الرحيم.

стр. 4126

وكانت وفاته بدمشق عن إحدى -وقيل: ثلاث- وستين سنة. وقال أبو مَعْشر وغير واحد: كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة. وقال خليفة: حدَّثني الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جدِّه قال: مات مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين، وصلَّى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا وقال غيره: عشرة أشهر. وقال ابن أبي الدنيا وغيره: كان قصيرًا، أحمر الوجه، أوقَص (١)، دقيق العنق، كبير الرأس واللحية، وكان يُلقب: خيط باطل. قال الحافظ ابن عساكر (٢): وذكر سعيد بن كثير بن عُفير: أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصِّنَّبرة (٣)، ويقال: بِلُدّ (٤). وقد قيل: إنه مات بدمشق ودفن بين باب الجابية وباب الصغير. [وكان كاتبه عبيد بن أوس، وحاجبه المِنْهال مولاه، وقاضيه أبو إدريس الخَوْلاني، وصاحب شرطته يحيى بن قيس الغسّاني. وكان له من الولد: عبد الملك، وعبد العزيز، ومعاوية، وغير هؤلاء. وكان له عدة بنات من أمَّهات شتّى] (٥).

стр. 4127

البداية والنهاية «من خلافة عبد الملك بن مروان وفيات سنة ٦٥ هـ - إلى وفيات سنة ١٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد حسان عبيد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء التاسع

стр. 4128

خلافة عبد الملك بن مروان بُويعَ له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان من هذه السنة أعني سنة خمس وستين (١) جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين أحدهما مع عبيد اللَّه بن زياد إلى العراق لينزعها (٢) من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صُرَد عند عين الوردة (٣)، فكان من أمرهم ما قدمناه (٤)، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم. والبعث الآخر مع حُبَيش (٥) بن دُلَجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسار نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف -وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف- فجهَّز نائب البصرة من قِبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد اللَّه بن ربيعة، جيشًا من البصرة إلى ابن دُلَجة ليخرجوه من المدينة، فلما سمع بذلك حُبَيش بن دُلَجة سار إليهم. وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد نائبًا على المدينة، وأمره أن يسير في طلب حُبَيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالرَّبَذة فرمى يزيد بن سياه (٦) حُبيشًا بسهم فقتله، وقُتل بعضُ أصحابه، وهُزم الباقون، وتحصَّن منهم خمسمئة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبرًا ورجع فلُّهم (٧) إلى الشام. قال ابن جرير (٨): ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع عباس بن

стр. 4129

سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونًا (١) أشهب، فما لبث أن اسودَّت ثيابه ودابته (٢) مما يتمسّح الناس به، ومن كثرة ما صَبّوا عليه من الطيب والمسك. وقال ابن جرير (٣): وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة، وفيها قَتَلَ نافعُ بن الأزرق [-وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة- مسلمَ بن عُبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السَّلوطي وقُتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقُتل في وقعة الخوارج قُرَّة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصَّحابة. ولما قُتل نافع بن الأزرق رأست الخوارجُ عليهم عبيد اللَّه بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها ثم غلبوا على الأهواز وغيرها، وجبَوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عَتَّاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابنَ ماحوز كما سنذكر، أقاموا عليهم قُطريّ بن الفُجاءة أميرًا. ثم أورد [ابن جرير] (٤) قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب (٥)، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث عبد اللَّه بن الزبير فعزل نائبها عبد اللَّه بن الحارث المعروف ببَبَّة (٦)، بالحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، وأرسل ابن الزبير المهلَّب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له: إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك، فقال: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، ولست أعصي أمره. فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابًا (٧) على لسان ابن الزبير إلى المهلّب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قُرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوّغه، فسار إليهم المهلب. وكان شجاعًا بطلًا صنديدًا، فلما التقى هو والخوارج (٨) أقبلوا إليه يزفّون في عدَّةٍ لم يُرَ مثلها من الدروع والزرود

стр. 4130

والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمّل عظيم مع شجاعة لا تدانى، وإقدام لا يساوى، وقوة لا تبارى (١)، وسَبْق إلى حومة الوغى لا تجارى (٢)؛ فلما تواقف الناس بمكان يقال له سلِّى أو سِلّبرى (٣)، اقتتلوا قتالًا شديدًا عظيمًا، وصبر كل من الفريقين صبرًا باهرًا، وكان في نحو من ثلاثين ألفًا؛ ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلّب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فُلَّالُهم. وأما المهلَّب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، وجعل ينادي: إليَّ عباد اللَّه، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيبًا فقال في خطبته: أما بعد أيها الناس، فإن اللَّه تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيُهزمون ويُنزل النصر على الجمع اليسير فيَظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان المِصْرِ (٤) وأهل النَّصر، وما أحب أن أحدًا ممن انهزموا معكم الآن: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] ثم قال: عزمت على كلِّ رجل منكم إلّا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فواللَّه إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم حتى تستبيحوا (٥) عسكرهم، وتقتلوا أميرهم. ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلّب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقًا كثيرًا نحوًا من سبعة آلاف، وقتل عبيد اللَّه (٦) بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة، واحتاز من أموالهم شيئًا كثيرًا، وقد أرصد المهلّب خيولًا بينه وبين الذين يرجعون من طلب أهل البصرة (٧)، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فَلّهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلّب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزُّبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة كما سيأتي بيانه. قال ابن جرير (٨): وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدًا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. قلت: محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار، وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلبت الخلافةَ العباسيون كما سيأتي.

стр. 4131

قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيدة (٢) عن إمرة المدينة وولّاها أخاه مصعبًا، وذلك أن عبيدة خطب الناس فقال في خطبته: وقد رأيتم ما صنع اللَّه بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمئة درهم، فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلّف، وعزله. ويسمى عبيدة مقوِّم الناقة لذلك. قال ابن جرير: وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخَطمي، وولّى عليها عبد اللَّه بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرَّة، لمَّا خلعوا يزيد (٣). قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة. وقال ابن الجوزي في المنتظم (٥): كان في سنة أربع وستين، وقد قيل إنما كان في سنة تسع (٦) وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي (٧) وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفًا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلَّا قليل من آحاد الناس، حتى ذُكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٨): حدَّثنا عبيد اللَّه، حدثنا أحمد بن عصام، حدَّثني معدي، عن رجل يكنى أبا النفيد (٩) -وكان قد أدرك من هذا الطاعون- قال: كنّا نطوف بالقبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم. قال فدخلنا دارًا ففتشناها فلم نجد فيها أحدًا حيًا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدَّة الباب الذي كنا فتشناه -أو قال الدار التي كنا سددناها- وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أُخذ ساعتئذ من حَجْر أمه، قال: فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، قال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته.

стр. 4132

قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة بنى عبد اللَّه بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني أكمل بناءها وأدخل فيها الحِجْر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قال ابن جرير: حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثني عبد العزيز بن (٢) خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، حدَّثني زياد بن جبل: أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول: حدَّثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ قال لعائشة: "لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحِجْر": قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعًا أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة -أو قال صخرة- فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد (٣)، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب "الأحكام" إن شاء اللَّه تعالى. وذكر ابن جرير (٤) في هذه السنة حروبًا جرت بين عبد اللَّه بن خازم بخراسان، وبين الحَريش بن هلال القُرَيعي (٥) يطول تفصيلها. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد اللَّه بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي [قُباع]. قال الواقدي: وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو محمد السهمي (٦) كان من خيار الصحابة وعلمائهم وعبَّادهم، كتب عن النبي ﷺ كثيرًا، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وكان

стр. 4133

واسع العلم مجتهدًا في العبادة، عاقلًا، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية، وكان سمينًا، وكان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة (١)، وقيل إنه بكى حتى زاغت عينا (٢). [وروي عنه أنه قال: دخلت على النبي ﷺ فقال لي: "يا عبد اللَّه ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار"؟ قلت: إني لأفعل ذلك. فقال: "حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام" وذكر الحديث إلى قوله: "الأفضل من ذلك صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (٣). وقد استنابه معاوية على الكوفة (٤) ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة. توفي في هذه السنة بمصر، وقيل (٥) بمكة، وقيل بالشام. أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري (٦)، شهد الخندق وغيرها، توفي بالمدينة. عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري (٧)، له صحبة، نزل دمشق وكان يدعى صاحب الجيوش لأنه كان أميرًا على غزو الروم، وقد بعثه يزيد مقدمًا على جند دمشق في جيش الحرَّة، وقيل: إنه من سبي فزارة، وأوهبه النبي ﷺ لفاطمة فأعتقته. سعيد بن مالك بن بحدل (٨)، أخو حسان ولي إمرة الجزيرة وقنسرين ليزيد بن معاوية،

стр. 4134

وكان شريفًا مطاعًا في قومه، وإليه ينسب دير بحدل من عمل بيت الآبار (١) خارج دمشق] (٢). ثم دخلت سنة ست وستين ففيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذ بثأر الحسين بن علي فيما يزعم، وأخرج عنها عاملها عبد اللَّه بن مطيع، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صُرد مغلولين (٣) إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد مسجونًا فكتب إليهم يعزِّيهم في [سليمان بن صُرد ويقول: أنا عوضه وأنا أقتل قتلة الحسين. فكتب إليه رفاعة بن شداد. وهو الذي رجع بمن بقي من جيش التوابين: نحن على ما تحب، فشرع المختار] (٤) يعِدهم ويمنيهم وما يعدهم الكذاب (٥) إلا غرورًا، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية (٦): أبشروا فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم بإذن اللَّه ركامًا، وقتلهم فذًّا (٧) وتؤامًا، فرحب اللَّه بمن قارب منهم واهتدى، ولا يبعد اللَّه إلا من أبى وعصى، فلما وصلهم الكتاب قرؤوه سرًا وردوا إليه: إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية، وكانت امرأة صالحة، وزوجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب يسأله أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه، [فلم يمكنهما رده، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر: قد علمتما ما بيني وبينكما من الودّ، وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله والسلام] (٨). فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه، واستحلفه عبد اللَّه بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة، وكل مملوك له عبد وأمة حر، فالتزم لهما بذلك، ولزم منزله، وجعل يقول: قاتلهما اللَّه، أما حلفي (٩) باللَّه، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن

стр. 4135

يميني، وأتيت الذي هو خير، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتبَّ (١) لي هذا الأمر ولا أملك مملوكًا واحدًا، واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السرِّ، وكان الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة، وهم السَّائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس، وأحمر (٢) بن شُمَيط، ورفاعة بن شدّاد، وعبد اللَّه بن شداد الجُشَمي. ولم يزل أمره يقوى ويشتد ويستفحل ويرتفع، حتى عزل عبد اللَّه بن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد اللَّه بن مطيع على عملهما إلى الكوفة، وبعث الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة نائبًا على البصرة، فلما دخل عبد اللَّه بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان سنة خمس وستين، خطب الناس وقال في خطبته: إن أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير أمرني أن أسير فيكم (٣) بسيرة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. فقام إليه السائب (٤) بن مالك الشيعي (٥) فقال: لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا، ولا نريد سيرة عثمان -وتكلم فيه- ولا سيرة عمر وإن كان لا يريد للناس إلا خيرًا، وصدَّقه على ما قال بعض أمراء الشيعة، فسكت الأمير وقال: إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك، وجاء صاحب الشرطة وهو إياس بن مضارب العجلي (٦) إلى ابن مطيع فقال: إن هذا الذي يرد عليك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن من المختار، فابعث إليه فاردده إلى السجن فإن عيوني قد أخبروني أن أمره قد استجمع له، وكأنك به قد وثب في المصر. فبعث إليه عبد اللَّه بن مطيع زائدة بن قُدامة وأميرًا آخر معه (٧)، فدخلا على المختار فقالا له: أجب الأمير. فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتهيأ للذهاب معهما، فقرأ زائدة بن قدامة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه، وأظهر أنه مريض، وقال: أخبرا الأمير بحالي، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه، فصدقهما ولها عنه، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب ثأر الحسين فيما يزعم، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار وما دعاهم إليه (٨)، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم: إنا لا نكره أن ينصرنا اللَّه بمن شاء من
следующие страницы →