← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيدة (٢) عن إمرة المدينة وولّاها أخاه مصعبًا، وذلك أن عبيدة خطب الناس فقال في خطبته: وقد رأيتم ما صنع اللَّه بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمئة درهم، فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلّف، وعزله. ويسمى عبيدة مقوِّم الناقة لذلك. قال ابن جرير: وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخَطمي، وولّى عليها عبد اللَّه بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرَّة، لمَّا خلعوا يزيد (٣). قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة. وقال ابن الجوزي في المنتظم (٥): كان في سنة أربع وستين، وقد قيل إنما كان في سنة تسع (٦) وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي (٧) وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفًا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلَّا قليل من آحاد الناس، حتى ذُكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٨): حدَّثنا عبيد اللَّه، حدثنا أحمد بن عصام، حدَّثني معدي، عن رجل يكنى أبا النفيد (٩) -وكان قد أدرك من هذا الطاعون- قال: كنّا نطوف بالقبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم. قال فدخلنا دارًا ففتشناها فلم نجد فيها أحدًا حيًا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب، ففتحنا سدَّة الباب الذي كنا فتشناه -أو قال الدار التي كنا سددناها- وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أُخذ ساعتئذ من حَجْر أمه، قال: فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، قال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته.

стр. 4132

قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة بنى عبد اللَّه بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني أكمل بناءها وأدخل فيها الحِجْر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قال ابن جرير: حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثني عبد العزيز بن (٢) خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، حدَّثني زياد بن جبل: أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول: حدَّثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ قال لعائشة: "لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحِجْر": قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعًا أمثال الإبل، فحركوا منها تلعة -أو قال صخرة- فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد (٣)، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب "الأحكام" إن شاء اللَّه تعالى. وذكر ابن جرير (٤) في هذه السنة حروبًا جرت بين عبد اللَّه بن خازم بخراسان، وبين الحَريش بن هلال القُرَيعي (٥) يطول تفصيلها. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد اللَّه بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي [قُباع]. قال الواقدي: وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو محمد السهمي (٦) كان من خيار الصحابة وعلمائهم وعبَّادهم، كتب عن النبي ﷺ كثيرًا، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وكان

стр. 4133

واسع العلم مجتهدًا في العبادة، عاقلًا، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية، وكان سمينًا، وكان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة (١)، وقيل إنه بكى حتى زاغت عينا (٢). [وروي عنه أنه قال: دخلت على النبي ﷺ فقال لي: "يا عبد اللَّه ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار"؟ قلت: إني لأفعل ذلك. فقال: "حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام" وذكر الحديث إلى قوله: "الأفضل من ذلك صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (٣). وقد استنابه معاوية على الكوفة (٤) ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة. توفي في هذه السنة بمصر، وقيل (٥) بمكة، وقيل بالشام. أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري (٦)، شهد الخندق وغيرها، توفي بالمدينة. عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري (٧)، له صحبة، نزل دمشق وكان يدعى صاحب الجيوش لأنه كان أميرًا على غزو الروم، وقد بعثه يزيد مقدمًا على جند دمشق في جيش الحرَّة، وقيل: إنه من سبي فزارة، وأوهبه النبي ﷺ لفاطمة فأعتقته. سعيد بن مالك بن بحدل (٨)، أخو حسان ولي إمرة الجزيرة وقنسرين ليزيد بن معاوية،

стр. 4134

وكان شريفًا مطاعًا في قومه، وإليه ينسب دير بحدل من عمل بيت الآبار (١) خارج دمشق] (٢). ثم دخلت سنة ست وستين ففيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذ بثأر الحسين بن علي فيما يزعم، وأخرج عنها عاملها عبد اللَّه بن مطيع، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صُرد مغلولين (٣) إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد مسجونًا فكتب إليهم يعزِّيهم في [سليمان بن صُرد ويقول: أنا عوضه وأنا أقتل قتلة الحسين. فكتب إليه رفاعة بن شداد. وهو الذي رجع بمن بقي من جيش التوابين: نحن على ما تحب، فشرع المختار] (٤) يعِدهم ويمنيهم وما يعدهم الكذاب (٥) إلا غرورًا، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية (٦): أبشروا فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم بإذن اللَّه ركامًا، وقتلهم فذًّا (٧) وتؤامًا، فرحب اللَّه بمن قارب منهم واهتدى، ولا يبعد اللَّه إلا من أبى وعصى، فلما وصلهم الكتاب قرؤوه سرًا وردوا إليه: إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية، وكانت امرأة صالحة، وزوجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب يسأله أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه، [فلم يمكنهما رده، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر: قد علمتما ما بيني وبينكما من الودّ، وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله والسلام] (٨). فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه، واستحلفه عبد اللَّه بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة، وكل مملوك له عبد وأمة حر، فالتزم لهما بذلك، ولزم منزله، وجعل يقول: قاتلهما اللَّه، أما حلفي (٩) باللَّه، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن

стр. 4135

يميني، وأتيت الذي هو خير، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتبَّ (١) لي هذا الأمر ولا أملك مملوكًا واحدًا، واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السرِّ، وكان الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة، وهم السَّائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس، وأحمر (٢) بن شُمَيط، ورفاعة بن شدّاد، وعبد اللَّه بن شداد الجُشَمي. ولم يزل أمره يقوى ويشتد ويستفحل ويرتفع، حتى عزل عبد اللَّه بن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد اللَّه بن مطيع على عملهما إلى الكوفة، وبعث الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة نائبًا على البصرة، فلما دخل عبد اللَّه بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان سنة خمس وستين، خطب الناس وقال في خطبته: إن أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير أمرني أن أسير فيكم (٣) بسيرة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. فقام إليه السائب (٤) بن مالك الشيعي (٥) فقال: لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا، ولا نريد سيرة عثمان -وتكلم فيه- ولا سيرة عمر وإن كان لا يريد للناس إلا خيرًا، وصدَّقه على ما قال بعض أمراء الشيعة، فسكت الأمير وقال: إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك، وجاء صاحب الشرطة وهو إياس بن مضارب العجلي (٦) إلى ابن مطيع فقال: إن هذا الذي يرد عليك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن من المختار، فابعث إليه فاردده إلى السجن فإن عيوني قد أخبروني أن أمره قد استجمع له، وكأنك به قد وثب في المصر. فبعث إليه عبد اللَّه بن مطيع زائدة بن قُدامة وأميرًا آخر معه (٧)، فدخلا على المختار فقالا له: أجب الأمير. فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتهيأ للذهاب معهما، فقرأ زائدة بن قدامة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه، وأظهر أنه مريض، وقال: أخبرا الأمير بحالي، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه، فصدقهما ولها عنه، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب ثأر الحسين فيما يزعم، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار وما دعاهم إليه (٨)، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم: إنا لا نكره أن ينصرنا اللَّه بمن شاء من

стр. 4136

خلقه، وقد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد بن الحنفية [فكره ذلك وخشي أن يكذِّبه فيما أخبر به عنه، فإنه لم يكن بإذن محمد ابن الحنفية] (١) وهمّ بالخروج قبل رجوع أولئك، وجعل يسجع لهم سجعًا من سجع الكهان بذلك، [ثم كان الأمر على ما سجع به] (١) فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية، فعند ذلك قوي أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبي عبيد. وقد روى أبو مخنف (٢) أن أمراء الشيعة قالوا للمختار: اعلم أن جميع أمراء الكوفة مع عبد اللَّه بن مطيع وهم إلب علينا، وإنه إن بايعك إبراهيم بن الأشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه. فبعث إليه المختار جماعة يدعونه إلى الدخول معهم في الأخذ بثأر الحسين، وذكّروه سابقة أبيه مع علي ﵁، فقال: قد أجبتكم إلى ما سألتم، على أن أكون أنا ولي أمركم، فقالوا: إن هذا لا يمكن، لأن المهدي قد بعث لنا المختار وزيرًا له وداعيًا إليه، فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر، فرجعوا إلى المختار فأخبروه، فمكث ثلاثًا ثم خرج في جماعة من رؤوس أصحابه إليه، فدخل على ابن الأشتر فقام إليه واحترمه وأكرمه وجلس إليه، فدعاه إلى الدخول معهم، وأخرج له كتابًا على لسان ابن الحنفية يدعوه إلى الدخول مع أصحابه من الشيعة فيما قاموا فيه من نصرة آل بيت النبي ﷺ ، والأخذ بثأر الحسين. فقال ابن الأشتر: إنه قد جاءتني كتب محمد ابن الحنفية بغير هذا النظام، فقال المختار: إن هذا زمان وهذا زمان، فقال ابن الأشتر: فمن يشهد أن هذا كتابه؟ فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك، فقام ابن الأشتر من مجلسه وأجلس المختار فيه وبايعه، ودعا لهم بفاكهة وشراب من عسل. قال الشعبي: وكنت حاضرًا أنا وأبي أمر إبراهيم بن الأشتر. ذلك المجلس، فلما انصرف المختار قال لي إبراهيم بن الأشتر: يا شعبي ما ترى فيما شهد به هؤلاء؟ فقلت: إنهم قرَّاء وأمراء ووجوه الناس، ولا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون، قال: وكتمته ما في نفسي من اتِّهامهم، ولكني كنت أحب أن يخرجوا للأخذ بثأر الحسين، وكنت على رأي القوم. ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو ومن أطاعه من قومه، ثم اتفق رأي الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت [من ربيع الأول] (٣) من هذه السنة - سنة ست وستين. وقد بلغ ابن مطيع أمر القوم وما اشتوروا عليه، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة وألزم كل أمير أن يحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الأشتر قاصدًا إلى دار المختار في مئة رجل من قومه، وعليهم الدروع تحت الأقبية، فلقيه إياس بن مضارب فقال له: أين تريد يابن الأشتر في هذه الساعة؟ إن أمرك لمريب، فواللَّه لا أدعك حتى أحضرك إلى الأمير فيرى فيك رأيه، فتناول ابن الأشتر رمحًا من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره فسقط، وأمر رجلًا فاحتز رأسه، وذهب

стр. 4137

به إلى المختار فألقاه بين يديه، فقال له المختار: بشرك اللَّه بخير، فهذا طائر صالح. ثم طلب إبراهيم من المختار أن يخرج في هذه الليلة، فأمر المختار بالنار أن ترفع وأن يُنادى بشعار أصحابه: يا منصور أمت، يا لثارات الحسين. ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه وسلاحه وهو يقول: قد عَلِمَتْ بَيْضاءُ حسناءُ الطَّلَلْ … واضحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ أني غَدَاة الرَّوْعِ مِقْدامٌ بطل (١) وخرج بين يديه إبراهيم بن الأشتر فجعل يتقصد الأمراء الموكلين بنواحي البلد فيطردهم عن أماكنهم واحدًا واحدًا. وينادي بشعار المختار، وبعث المختار أبا عثمان النَّهدي فنادى بشعار المختار، يا لثارات الحسين. فاجتمع الناس إليه من هاهنا وهاهنا، وجاء شَبَث بن ربعي فاقتتل هو والمختار عند داره وحصره حتى جاء ابن الأشتر فطرده عنه، فرجع شَبَث إلى ابن مطيع وأشار عليه بأن يجمع الأمراء إليه، وأن ينهض بنفسه، فإن أمر المختار قد قوي واستفحل، وجاءت الشيعة من كل فجٍّ عميق إلى المختار، فاجتمع إليه في أثناء اللّيل قريب من أربعة آلاف، فأصبح وقد عبّأ جيشه وصلّى بهم الصبح، فقرأ فيها: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ و ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في الثانية. قال بعض من سمعه: فما سمعت إمامًا أفصح لهجة منه (٢). وقد جهّز ابن مطيع جيشه ثلاثة آلاف عليهم شَبَثَ بن ربعي، وأربعة آلاف أخرى مع راشد بن إياس بن مضارب، فوجّه المختار ابنَ الأشتر في ستمئة فارس وستمئة راجل [إلى راشد بن إياس، وبعث نعيم بن هبيرة في ثلاثمئة فارس وستمئة راجل] (٣) إلى شَبَث بن ربعي، فأما ابن الأشتر فإنه هزم جيش قرنه راشد بن إياس وقتله، وأرسل إلى المختار يبشره، وأما نعيم بن هبيرة فإنه لقي شَبَث بن ربعي فهزمه شَبَثَ وقتله، وجاء فأحاط بالمختار وحصره. وأقبل إبراهيم بن الأشتر نحوه فاعترض له حسان بن فائد بن العبسي في نحو من ألفي فارس من جهة ابن مطيع، فاقتتلوا ساعة. فهزمه إبراهيم، ثم أقبل [نحو المختار] فوجد شبث بن ربعي قد حصر المختار وجيشه، فما زال حتى طاردهم فكرّوا راجعين، وخلص إبراهيم إلى المختار، وارتحلوا من مكانهم ذلك إلى غيره في ظاهر الكوفة، فقال له إبراهيم بن الأشتر: اعمد بنا إلى قصر الإمارة فليس دونه أحد [يرد عنه] فوضعوا ما معهم من الأثقال، وأجلسوا هنالك ضعفة المشايخ والرجال، واستخلف على من هنالك أبا عثمان النهدي، وبعث بين يديه ابن الأشتر، وعبأ المختار جيشه كما كان، وسار نحو القصر، فبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فبعث إليه المختار يزيد بن أنس وسار هو وابن الأشتر أمامه حتى دخل الكوفة من باب الكناسة، وأرسل ابن مطيع شمر بن ذي الجوشن الذي قتل الحسين في ألفين آخرين، فبعث إليه المختار سعد بن

стр. 4138

منقذ الهمداني، وسار المختار حتى انتهى إلى سكة شَبَثَ. وإذا نوفل بن مساحق بن عبد اللَّه بن مخرمة في خمسة آلاف وخرج ابن مطيع من القصر في الناس، واستخلف عليه شَبَث بن ربعي، فتقدم ابن الأشتر إلى الجيش الذي مع ابن مساحق، فكان بينهم قتال شديد [قُتل فيه رفاعة بن شداد أميرُ جيش التوابين الذين قدم بهم، وعبد اللَّه بن سعد وجماعة غيرهم، ثم انتصر عليهم ابن الأشتر فهزمهم] (١) وأخذ بلجام دابة ابن مساحق فمتَّ إليه بالقرابة، فأطلقه، وكان لا ينساها بعد لابن الأشتر. ثم تقدم المختار بجيشه إلى الكناسة وحصروا ابن مطيع بقصره ثلاثًا، ومعه أشراف الناس سوى عمرو بن حريث فإنه لزم داره، فلما ضاق الحال على ابن مطيع وأصحابه استشارهم، فأشار عليه شَبَث بن ربعي أن يأخذ له ولهم من المختار أمانًا، فقال: ما كنت لأفعل هذا وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز وبالبصرة، فقال له: فإني رأيت أن تذهب بنفسك مختفيًا حتى تلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الأمر وبما كان منا في نصره وإقامة (٢) دولته، فلما كان اللّيل خرج ابن مطيع مختفيًا حتى دخل دار أبي موسى الأشعري، فلما أصبح الناس أخذ الأمراء إليهم أمانًا من ابن الأشتر فأمنهم، فخرجوا من القصر وجاؤوا إلى المختار فبايعوه، ثم دخل المختار إلى القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، فخرج المختار إلى المسجد فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ثم دعا الناس إلى البيعة وقال (٣): فوالذي جعل السماء سقفًا محفوظًا والأرض فجاجًا سُبُلًا، ما بايعتم بعد بيعة عليّ أهدى منها. ثم نزل فدخل الناس يبايعونه على كتاب اللَّه وسنة رسوله، والطلب بثأر الحسين وأهل البيت، وجاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن مطيع في دار أبي موسى، فأراه أنه لا يسمع قوله، فكرر ذلك ثلاثًا كل ذلك يريه لا يسمع (٤) قوله فسكت الرجل، فلما كان اللّيل بعث المختار إلى ابن مطيع بمئة ألف درهم. وقال له: اذهب فقد شعرت بمكانك -وكان له صديقًا قبل ذلك- فذهب ابن مطيع إلى البصرة وكره أن يرجع إلى ابن الزبير وهو مغلوب، وشرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة، ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى الجيش الذين حضروا معه القتال نفقات كثيرة، واستعمل على شرطته عبد اللَّه بن كامل اليشكري (٥)، وقرّب أشراف الناس فكانوا جلساءه، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره، وقالوا لأبي عَمرة كيسان مولى غزينة -وكان على حرسه-: قدّم واللَّه أبو إسحاق العرب وتركنا، فأنهى ذلك أبو عَمْرة إليه، فقال: بل هم مني وأنا منهم، ثم قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] فقال لهم أبو عَمْرة: أبشروا فإنه سيقتلهم (٦) ويقربكم، فأعجبهم ذلك وسكتوا.

стр. 4139

ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والأقاليم والرساتيق، من أرض العراق وخراسان، وعقد الألوية والرايات، وقرر الإمارة والولايات، وجعل يجلس للناس غدوة وعشية يحكم بينهم، فلما طال ذلك عليه استقضى شريحًا فتكلّم في شريح طائفة من الشيعة، وقالوا: إنه شهد على حَجْر بن عدي، وإنه لم يبلّغ عن هانئ بن عروة ما أرسله به، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحًا ذلك تمارض ولزم بيته، فجعل المختار مكانه عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، ثم عزله وجعل مكانه عبد اللَّه بن مالك الطائي قاضيًا (١). فصل ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله، وكان سبب ذلك أن عبيد اللَّه بن زياد كان قد جهزه مروان من دمشق ليدخل الكوفة، فإن ظفر بهأ فليبحها ثلاثة أيام، فسار ابن زياد قاصدًا الكوفة، فلقي جيش التوابين، بعين الوردة كما ذكرنا، ثم سار (٢) حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس عيلان، وهم من أنصار [ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط، فهم إلب عليه، وعلى ابنه عبد الملك من بعده، فتعوَّق عن المسير سنة وهو في حرب قيس عيلان بالجزيرة، ثم وصل إلى الموصل فانحاز نائبها (٣) عنه إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعلمه بذلك، فندب المختار يزيد بن] (٤) أنس في ثلاثة آلاف اختارها، وقال له: إني سأمدُّك بالرجال بعد الرجال، فقال له: لا تمدني إلا بالدعاء. وخرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه ودعا له وقال له: ليكن خبرك في كل يوم عندي، وإذا لقيت عدوك فناجزهم (٥)، ولا تؤخر فرصة. ولما بلغ مخرجهم ابن زياد جهّز بين يديه سريّتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف، والأخرى مع عبد اللَّه بن حَمْلة ثلاثة آلاف، وقال: أيكم سبق فهو الأمير، وإن سبقتما معًا فالأمير عليكم أسنُّكما. فسبق ربيعة بن مخارق إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل مما يلي الكوفة، فتواقفا هنالك، ويزيد بن أنس مريض مدنف، وهو مع ذلك يحرّض قومه على الجهاد ويدور على الأرباع وهو محمول مضنيٌّ [على حمار، وهو يقول لقومه: يا شرطة اللَّه اصبروا تؤجروا، وقاتلوا عدوكم تظفروا، ثم نزل فوضع له سريره بين الصفين، وقال لقومه: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرُّوا عنه] (٦) وقال للناس: إن هلكت فأمير (٧)

стр. 4140

الناس (١) عبد اللَّه بن ضمرة الفزاري، وهو رأس الميمنة، وإن هلك فسعر (٢) بن أبي سعر رأس الميسرة، وكان ورقاء بن عَازَبَ (٣) الأسدي على الخيل. وهو وهؤلاء الثلاثة أمراء الأرباع، وكان ذلك في يوم عرفة من سنة ست وستين عند إضاءة الصبح، فاقتتلوا هم والشاميون قتالًا شديدًا، واضطربت كل من الميمنتين والميسرتين، ثم حمل ورقاء على الخيل فهزمها وفرَّ الشاميون وقُتل أميرهم ربيعة بن مخارق، واحتاز جيش المختار ما في معسكر الشاميين، ورجع فرّارهم فلقوا الأمير الآخر عبد اللَّه بن حملة (٤)، فقال: ما خبركم؟ فأخبروه فرجع بهم وسار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاءً، فبات الناس متحاجزين، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم، وذلك يوم الأضحى من سنة ست وستين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم جيشُ المختار [جيشَ الشاميين] أيضًا، وقتلوا أميرهم عبد اللَّه بن حملة واحتووا على ما في معسكرهم، وأسروا منهم ثلاثمئة أسير، فجاؤوا بهم إلى يزيد بن أنس وهو على آخر رمق، فأمر بضرب أعناقهم. ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك وصلى عليه خليفته ورقاء بن عازب ودفنه، وسقط في أيدي أصحابه، وجعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة، فقال لهم ورقاء: يا قوم ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل في ثمانين ألفًا من الشام، ولا أرى لكم بهم طاقة، وقد هلك أميرنا، وتفرق عنا طائفة [من الجيش] من أصحابنا فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا ونُظهر أنّا إنّما انصرفنا حزنًا منا على أميرنا لكان خيرًا لنا من أن نلقاهم فيهزموننا ونرجع مغلوبين، فاتفق رأي الأمراء على ذلك، فرجعوا إلى الكوفة. فلما بلغ خبرهم أهل الكوفة، وأن يزيد بن أنس قد هلك، أرجف أهل الكوفة بالمختار، وقالوا: قُتل يزيد بن أنس في المعركة وانهزم جيشه، وعمّا قليل يقدَم عليكم ابن زياد فيستأصلكم ويشتف خضراءَكم، ثم تمالؤوا على الخروج على المختار وقالوا: هو كذاب، واتفقوا على حربه وقتاله وإخراجه من بين أظهرهم، واعتقدوا أنه كذاب، وقالوا: قد قدّم موالينا على أشرافنا، وزعم أن ابن الحنفية قد أمره بالأخذ بثأر الحسين وهو لم يأمره بشيء، وإنما هو متقول عليه، وانتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من الكوفة إبراهيم بن الأشتر فإنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف تلقاء عبيد اللَّه بن زياد [وقال له: سر حتى ترى جيش ابن أنس فردهم معك، وسر بهم حتى تلقى عدوك عبيد اللَّه بن زياد فناجزه. فخرج الأشتر بمجموعه، فلما بلغ ساباط (٥) جاءه كتاب المختار يأمره بالرجوع فرجع، وكان المختار قد حصَّن

стр. 4141

قصر الإمارة، واستعد للقتال، وخرج أولئك الذين اتفقوا على قتاله فعسكروا بجبَّانة السَّبيع (١)، وهم شَبَث بن رِبْعي، وشِمْر بن ذي جَوْشن، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وكعب الخثعمي، وزَحْر بن قيس الجُعْفي، وإسحاق بن محمد بن الأشعث، وبشير بن جرير، وحجار بن أبجر، وعمرو بن الحجاج الزّبيدي وغيرهم] (٢)، فلما خرج ابن الأشتر اجتمع أشراف الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين وغيرهم في دار شَبَث بن ربعي وأجمعوا رأيهم على قتال المختار، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة، وقصدوا قصر الإمارة، وبعث المختار عمرو بن توبه (٣) بريدًا إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعًا، وبعث المختار إلى أولئك يقول لهم: ماذا تنقمون؟ فإني أجيبكم إلى جميع ما تطلبون، وإنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى يقدم إبراهيم بن الأشتر، وقال: إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم وأبعث من جهتي من يسأله عن ذلك، ولم يزل يطاولهم حتى قدم ابن الأشتر بعد ثلاث، فانقسم هو والناس فرقتين، فتكفَّل المختار بأهل اليمن، وتكفّل ابن الأشتر بمضر وعليهم شَبَث بن ربعي، وكان ذلك بإشارة المختار، حتى لا يتولى ابن الأشتر بقتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم وكان المختار شديدًا عليهم. واقتتل الناس في نواحي الكوفة قتالًا عظيمًا وكثرت القتلى بينهم من الفريقين، وجرت فصول وأحوال حربية يطول استقصاؤها، وقتل جماعة من الأشراف، منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي، وسبعمئة وثمانين رجلًا من قومه، وقتل من مضر بضعة عشر رجلًا، ويعرف هذا اليوم بجبَّانة السَّبيع، وكان ذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجّة سنة ست وستين، ثم كانت النصرة للمختار عليهم، وأسر منهم خمسمئة أسير، فعرضوا عليه فقال: انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه، فقتل منهم مئتان وأربعون رجلًا (٤)، وقتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم ويسيء إليهم بغير أمر المختار، ثم أطلق الباقين ونادى منادي المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا رجل أشرك في دم آل محمد ﷺ (٥) وهرب عمرو بن الحجّاج الزُّبيدي، وكان ممن شهد قتل الحسين فلا يدرى أين ذهب من الأرض.

стр. 4142

مقتل شِمر بن ذي الجوشن أمير السَّرية التي قتلت حسينًا وهرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير، وكان ممن هرب لقصده شِمر بن ذي الجوشن قبحه اللَّه، فبعث المختار في طلبه غلامًا له يقال له زرنب (١)، فلما دنا منه قال شمر لأصحابه: تقدموا وذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم وتركتموني حتى يطمع فيّ هذا العلج، فساقوا وتأخر شمر فأدركه زرنب فعطف عليه شمر فدق ظهره فقتله، وسار شمر [وتركه] وكتب كتابًا إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة ينذره بقدومه عليه، ووفادته إليه، وكان كل من فرّ من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب بالبصرة، وبعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلتانية (٢) عند نهرٍ إلى جانب تلٍّ هناك، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى مصعب، قال: ممن؟ قال: من شمر، فقال: اذهب معي إلى سيِّدي، وإذا سيده أبو عمرة أمير حرس المختار، وهو قد ركب في طلب شمر، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة، وقد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من مكانه ذلك، فقال لهم: هذا كله فرق من الكذاب، واللَّه لا أرتحل من هاهنا إلى ثلاثة أيام حتى أملأ قلوبهم رعبًا، فلما كان الليل كابسهم أبو عمرة في الخيل فأعجلهم أن يركبوا أو يلبسوا أسلحتهم، وثار إليهم شمر بن ذي الجوشن فطاعنه برمحه وهو عريان ثم دخل خيمته فاستخرج منها سيفًا وهو يقول: نبهتمُ ليثَ عرينٍ باسلا (٣) … جهمًا محيَّاهُ يدقُّ الكاهلا لم يُرَ يومًا عن عدوٍّ ناكلا … إلا أكرَّ مقاتلًا أو قاتلا (٤) يزعجهم (٥) ضربًا ويُروي العاملا ثم ما زال يناضل عن نفسه حتى قُتل، فلما سمع أصحابه وهم منهزمون صوت التكبير وقول أصحاب المختار: اللَّه أكبر قتل الخبيث، عرفوا أنه قد قتل قبحه اللَّه. قال أبو مخنف: عن يونس بن أبي إسحاق قال: ولما خرج المختار من جبَّانة السَّبيع وأقبل

стр. 4143

إلى القصر -يعني منصرفه من القتال- ناداه سُراقةُ بن مِرْداس بأعلى صوته وكان في الأسرى. امننْ علىَّ اليومَ يا خَيْرَ مَعَدْ … وخَيْرَ من حَلَّ بشِحْرٍ والجَنَدْ (١) وخَيْرَ من لبَّى وصام وسَجَد (٢) قال: فبعثه إلى السجن فاعتقله ليلة ثم أطلقه من الغد، فأقبل إلى المختار وهو يقول: ألا أخبرْ (٣) أبا إسحاقَ أنا … نزونا نَزْوةً كانت علينا خَرَجْنا لا نرى الضعفاءَ شيئًا … وكان خُرُوجنا بَطَرًا وشَينا (٤) نراهم في مصافِّهمُ قليلًا … وهم مثلُ الرُّبا (٥) حين التقينا برزْنا إذْ رَأيْناهُمْ فلما … رأينا القومَ قد برزوا إلينا رأينا (٦) منهمُ ضربًا وطحنًا … وطعنًا صائبًا حتى انثنينا (٧) نُصِرْتَ على عدوكَ كُلَّ يومٍ … بكلِّ كتيبةٍ (٨) تنعى حُسَيْنا (٩) كنصر محمدٍ في يومِ بدرٍ … ويومَ الشِّعْبِ إذْ لاقى حُنَيْنا فأَسجح (١٠) إذ ملكتَ فلو ملكنا (١١) … لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبةً مني فإني … سأشكرُ إذْ جعلتَ النَّقدَ دينا (١٢) وجعل سراقة بن مرداس يحلف أنه رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض، وأنه لم يأسره إلا واحد من أولئك الملائكة، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيخبر الناس بذلك. فصعد المنبر فأخبر الناس بذلك، فلما نزل خلابه المختار فقال له: إني قد عرفت أنك لم تر الملائكة، وإنما أردت

стр. 4144

بقولك هذا أني لا أقتلك، ولست أقتلك، فاذهب حيث شئت لئلا تفسد عليَّ أصحابي، فذهب سراقة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وجعل يقول: ألا أبلغ (١) أبا إسحاقَ أني … رأيتُ البلقَ دهمًا مصمتاتِ كفرتُ بوحيكم وجعلتُ نذرًا … عليَّ قتالكمْ حتى المماتِ رأت عيناي (٢) ما لمْ تبصراهُ … كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ إذا قالوا: أقولُ لهم كَذَبْتُمْ … وإنْ خرجوا لبسْتُ لهمْ أداتي قالوا: ثم خطب المختار أصحابه فحرّضهم في خطبته تلك على من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها، فقال: ما من ديننا ترك قومٍ (٣) قتلوا حسينًا يمشون في الدنيا أحياء آمنين، بئس ناصرو آل محمد إني إذًا كذاب كما سمَّيتموني أنتم، فإني باللَّه أستعين عليهم، فالحمد للَّه الذي جعلني سيفًا أضربهم، ورمحًا أطعنهم، وطالب وترهم، وقائمًا بحقهم، وإنه كان حقًّا على اللَّه أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسِموهم ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإنه لا يسيغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وأنفي من في المصر منهم. ثم جعل يتتبع من ذكر له منهم وهو بالكوفة -فيأتون بهم حتى يوقفوا بين يديه فيأمر بقتلهم على أنواع من القتلات مما يناسب ما فعلوا-، ومنهم من حَرَّقه بالنار، ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات، ومنهم من يُرْمى بالنبال حتى يموت [فأتوه بمالك بن بشر (٤) فقال له المختار: أنت الذي نزعت برنس الحسين عنه؟ فقال: خرجنا ونحن كارهون فامنن علينا، فقال: اقطعوا يديه ورجليه. ففعلوا به ذلك ثم تركوه يضطرب حتى مات، وقتل عبد اللَّه بن أسيد الجهني وغيره شر قتلة] (٥). مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتزّ رأس الحسين بعث إليه المختار أبا عمرة صاحب حرسه، فكبس بيته فخرجت إليهم امرأته فسألوها عنه فقالت: لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو مختفٍ فيه، -وكانت تبغضه من ليلة قدم برأس الحسين معه إليها، وكانت تلومه على ذلك- واسمها العَيُوف (٦) بنت مالك بن نهار بن عَقْرَب الحضرمي، فدخلوا عليه فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة (٧) فحملوه إلى المختار فأمر بقتله قريبًا من داره، وأن

стр. 4145

يحرق بعد ذلك. وبعث المختار إلى حكيم بن فضيل (١) السنبسي -وكان قد سلب العباس بن علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين- فأخذ فذهب أهله إلى عدي بن حاتم، فركب ليشفع فيه عند المختار، فخشي أولئك الذين أخذوه أن يسبقهم عدي إلى المختار فيشفعه فيه، فقتلوا حكيمًا قبل أن يصل إلى المختار، فدخل عدي فشفع فيه فشفعه فيه، فلما رجعوا وقد قتلوه شتمهم عدي وقام متغضبًا عليهم وقد تقلد منة المختار. وبعث المختار إلى يزيد بن رُقاد (٢) وكان قد قتل عبد اللَّه بن مسلم بن عقيل، فلما أحاط الطلب بداره خرج فقاتلهم فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط، ثم حرقوه وبه رمق الحياة، وطلب المختار سنان بن أنس، الذي كان يدّعي أنه قتل الحسين، فوجدوه قد هرب إلى البصرة أو الجزيرة فهدمت داره، وهكذا صنع بكل من هرب من هؤلاء إلى البصرة، أو الجزيرة فهُدمت داره (٣)، وكان محمد بن الأشعث بن قيس ممن هرب إلى مصعب فأمر المختار بهدم داره، وأن يبنى بها دار حجر بن عدي التي كان زياد هدمها. مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين قال الواقدي (٤): كان سعد بن أبي وقاص ﵁ جالسًا ذات يوم إذ جاء غلام له ودمه يسيل على عقبيه، فقال له سعد: من فعل بك هذا؟ فقال: ابنك عمر، فقال سعد: اللهم اقتله وأَسل دمه. وكان سعد مستجاب الدعوة، فلما ظهر المختار على الكوفة استجار عمر بن سعد بعبد اللَّه بن جَعْدة بن هبيرة، وكان صديقًا للمختار من قرابته من علي، فأتى المختار فأخذ منه لعمر بن سعد أمانًا مضمونه أنه آمن على نفسه وأهله وماله ما أطاع ولزم رحله ومصره، ما لم يحدث حدثًا. وأراد المختار ما لم يأت الخلاء فيبول أو يغوط. ولما بلغ عمر بن سعد أن المختار يريد قتله خرج من منزله ليلًا يريد السفر نحو البصرة (٥) فقال له بعض مواليه ذلك [فقال]: وأي حدث أعظم من هذا؟ وقال له: تخرج من منزلك ورحلك؟ ارجع، فرجع. ولما أصبح بعث ولده حفص إلى المختار يقول له: إنَّ أبي يقول لك هل أنت مقيم على أمانك؟ [وقيل إنه أتى المختار يتعرف منه ذلك فقال له المختار: اجلس، وقيل إنه أرسل عبد اللَّه بن جعدة إلى المختار يقول له: هل أنت مقيم على أمانك له؟] (٦) فقال له المختار: اجلس، فلما جلس قال المختار لصاحب حرسه: اذهب فأتني برأسه فذهب إليه فقتله وأتاه برأسه.

стр. 4146

وفي رواية أن المختار قال ليلة (١): لأقتلن غدًا رجلًا عظيم القدمين غائر العينين، مشرف الحاجبين يسرُّ بقتله المؤمنون والملائكة المقربون، وكان الهيثم بن الأسود حاضرًا فوقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد فبعث إليه ابنه العُريان (٢) فأنذره، فقال: كيف يكون هذا بعد ما أعطاني من العهود والمواثيق؟ وكان المختار حين قدم الكوفة أحسن السيرة إلى أهلها أولًا، وكتب لعمر بن سعد كتاب أمان إلا أن يحدث حدثًا. قال أبو مخنف (٣): وكان أبو جعفر الباقر يقول: إنما أراد المختار: إلّا أن يَدْخل الكنيفَ فيُحدثَ فيه. ثم إن عمر بن سعد قلق أيضًا، ثم جعل يتنقل من محلة إلى محلة ثم صار أمره أنه رجع إلى داره، وقد بلغ المختار انتقاله من موضع إلى موضع، فقال: كلا واللَّه إن في عنقه سلسلة ترده، لو جهد أن ينطلق ما استطاع (٤). ثم أصبح فبعث إليه أبا عمرة [فدخل عليه فقال: أجب الأمير، فقام عمر] (٥) فعثر في جبَّته، فضربه أبو عمرة بالسيف حتى قتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص -وهو جالس عنده- فقال: أتعرف هذا الرأس؟ فاسترجع وقال: نعم ولا خير في العيش بعده، فقال: صدقت، ثم أمر به فضربت عنقه ووضع رأسه مع رأس أبيه، ثم قال المختار: هذا بالحسين، وهذا بعلي بن الحسين الأكبر، ولا سواء، واللَّه لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وَفَوا أنملةً من أنامله. وقيل: إن عمر شهد دُومةَ الجندلِ مع أبيه (٦). وقيل: إنه أول من طعن في سرادق الحسين (٧). وقيل: إن علي بن أبي طالب قال له يومًا: يا عمر بن سعد كيف إذا قمت مقامًا تُخَيّر فيه بين الجنة والنار (٨). وقال الواقدي (٩): ما بقي أحد ممن شهد قتل الحسين، أو شارك في قتله إلا عوقب في الدنيا بالقتل والبلاء، وفي الآخرة بالعذاب، ومن أعجب الأشياء أن الحسين ﵁ لم يخلِّف ولدًا سوى علي

стр. 4147

زين العابدين، وهو أبو الأئمة، وقد نشر اللَّه من ذريته عدد الرمل والحصى، منهم سادات وأشراف، وأن يزيد بن معاوية ترك نحو عشرين ولدًا، وليس له اليوم على وجه الأرض نسل واللَّه أعلم (١). ثم بعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفية، وكتب إليه كتابًا في ذلك: بسم اللَّه الرحمن الرحيم للمهدي (٢) محمد بن علي: من المختار بن أبي عبيد، سلام عليك أيها المهدي فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن اللَّه بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد، فالحمد للَّه الذي قتل قاتلكم، ونصر مؤازركم، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه وقد قتلنا ممن اشترك في دم الحسين وأهل بيته كل من قدرنا عليه، ولن يعجز اللَّه من بقي، ولست بمنحجم (٣) عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرَمِيًّا (٤)، فاكتب إليّ أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة اللَّه وبركاته. ولم يذكر ابن جرير أن محمد بن الحنفية رد جوابه، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل وأطال شرحه، ويظهر من غبون كلامه قوة وجده به وغرامه، ولهذا توسع في إيراده بروايات أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو متهم فيما يرويه، ولاسيما في باب التشيع، وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم، والانتقام منهم، ولا شك أنَّ قتل قتلته كان متحتمًا، والمبادرة إليه كان مغنمًا، ولكن إنما قدره اللَّه على يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرًا، ولكن قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٥). وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد اللَّه فوقها … ولا ظالم إلا سيبلى بظالم وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه، وادعائه نصرة أهل البيت، وهو في نفس الأمر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعًا من الشيعة الذين بالكوفة، ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة. ثم إن اللَّه تعالى سلط عليه من انتقم به منه، وهذا هو الكتاب الذي قال فيه الرسول في حديث أسماء بنت الصديق: "إنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير" (٦). فهذا هو الكذاب وهو يظهر التشيع وأما

стр. 4148

المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ولي الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي، وكان الحجاج عكس هذا، كان ناصبيًا جلدًا ظالمًا غاشمًا، ولكن لم يكن في طبقة هذا، متهم على دين الإسلام ودعوة النجوة، وأنه يأتيه الوحي من العليّ العلام. قال ابن جرير: وفي هذه السنة بعث المختار المثنى بن مُخرِّبة (١) العبدي إلى البصرة يدعو إليه من استطاع من أهلها، فدخلها وابتنى بها مسجدًا يجتمع فيه إليه قومه، فجعل يدعو إلى المختار، ثم أتى مدينة الرِّزْق (٢) فعسكر عندها فبعث إليه الحارث بن عبد اللَّه بن ربيعة القُبَاع -وهو أمير البصرة قبل أن يعزل بمصعب- جيشًا مع عباد بن الحصين أمير الشرطة، وقيس بن الهيثم. فقاتلوه وأخذوا منه المدينة وانهزم أصحابه، وكان قد قام بنصرتهم بنو عبد القيس، فبعث إليهم الجيش فبعثوا إليه فأرسل الأحنف بن قيس وعُمر (٣) بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس، وساعدهما مالك بن مسمع، فانحجز الناس بعضهم عن بعض، ورجع إلى المختار في نفر يسير مغلوبًا مسلوبًا مغلولًا، وأخبر المختار بما وقع من الصلح على يدي الأحنف وغيره من أولئك الأمراء، وطمع المختار فيهم وكاتبهم في أن يدخلوا معه فيما هو فيه من الأمر والشأن، وكان كتابه إلى الأحنف بن قيس: من المختار إلى الأحنف بن قيس ومَنْ قِبَلَهُ فسِلم (٤) أنتم. أما بعد فويل لبني ربيعة من مضر، وأن الأحنف يورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر (٥)، وإني لا أملك لكم ما قد خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذابًا، وقد كُذِّب الأنبياء من قبلي ولست بخير منهم. وقال ابن جرير (٦): حدَّثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة، حدثنا الحسن بن حمَّاد، عن حمَّاد (٧) بن علي، عن مجالد، عن الشَّعبي. قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس، فقال بعض القوم: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقال: أنتم موالٍ لنا، قلت: وكيف؟ قال: أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: أتدري ما قال شيخ من همدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف: وما قال؟ قلت: قال: أَفْخَرْتُم أنْ قتلتمْ أعبُدًا … وهزمتم مَرَّةً آلَ عدَلْ (٨)

стр. 4149

فإذا فاخَرتُمُونا فاذكروا … ما فعلْنا بكمُ يومَ الجمَل بينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنونَهُ … وفتى أبيضَ وضّاح رفلْ (١) جاءَ يُهْدجُ في سابغةٍ … فذبحناهُ ضحًى ذبحَ الحمَلْ وعفونا فنسيتمْ عفونا … وكفرتمْ نِعمَةَ اللَّهِ الأجَلّ وقَتَلتمْ بحسينٍ منهم (٢) … بدلًا من قومكمْ شرَّ بدَلْ قال: فغضب الأحنف وقال: يا غلام هات الصحيفة، فأُتي بصحيفة فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس، أما بعد فويلُ أم ربيعة من مضر فإن الأحنف يورد قومه سقر حيث لا يقدرون على الصَّدر، وقد بلغني أنَّكم تُكذبوني، فإن كُذِّبتُ فقد كُذِّبت رسل من قبلي، ولست خيرًا منهم، ثم قال الأحنف: هذا منَّا أو منكم. فصل (٣) ولما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنه، وأن جيش الشام من قبل عبد الملك مع ابن زياد يقصدونه في جمع كثير لا يرام، شرع يصانع ابن الزبير يريد خداعه والمكر به، فكتب إليه: إني كنت بايعتك على السمع والطاعة والنصح لك، فلما رأيتك قد أعرضت عني تباعدت عنك، فإن كنت على ما أعهد منك فأنا على السمع والطاعة لك. والمختار يخفي هذا كل الإخفاء عن الشيعة، فإذا ذكر له أحد شيئًا من ذلك أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك، فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد ولَّيتكها، فقال: وكيف وبها المختار؟ فقال: يزعم أنه سامع لنا مطيع، وأعطاه قريبًا من أربعين ألفًا يتجهز بها فسار فلما كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمئة فارس ملبسة، ومعه سبعون ألفًا من المال، وقد تقدم إليه المختار فقال: أعطه المال فإن هو انصرف وإلّا فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجدَّ قبض المال وسار إلى البصرة فاجتمع هو وابن مطيع بها عند أميرها الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنى بن مُخرِّبة كما تقدم، وقبل وصول مصعب بن الزبير إليها. وبعث عبد الملك بن مروان ابن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير، وكتب المختار إلى ابن الزبير إن أحببت أن أمدك بمدد، وإنما يريد خديعته ومكايدته، فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك، فابعث بجند إلى وادي

стр. 4150

القرى ليكونوا مددًا لنا على قتال الشاميين. فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شُرَحْبيل بن وَرْس الهمداني، ليس فيهم من العرب إلا سبعمئة، وقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إليّ حتى يأتيك أمري، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرًا، فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين، وأمره أن يستعين بالأعراب وقال له: إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدهم حتى تهلكهم. فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد بقي ابن ورس في جيشه، فاجتمعا على ماء هنالك، فقال له العباس: ألستم في طاعة ابن الزبير؟ فقال: بلى، قال: فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين. فقال له ابن ورس: إني لم أومر بطاعتك، وإنما أمرني أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره، ففهم عباس مغزاه ولم يظهر له أنه فطن لذلك، فقال له: رأيك أفضل، فاعمل ما بدا لك. ثم نهض العباس من عنده وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق، وقد كان عندهم حاجة لتمديدة إلى ذلك، وجوع كثير، فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك الماء، فلما كان الليل بيَّتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحوًا من سبعين، وأسر منهم خلقًا كثيرًا، فقتل أكثرهم، ورجع القليل منهم [إلى المختار] وإلى بلادهم خائبين. قال أبو مخنف: فحدَّثني أبو يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول: أنا ابنُ سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ … أروَعُ مِقْدامٌ إذا الكبشُ نَكَل وأَعْتلي رأسَ الطِّرِمَّاح البطلْ … بالسّيفِ يومَ الرَّوعِ حتى ينجدل (١) فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبًا فقال: إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار، ألا إنه كان أمرًا مأتيًّا، وقضاء مقضيًا. ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي: كتابًا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشًا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير، فإن رأيت أن أبعث جيشًا آخر إلى المدينة وتبعث من قبلك رسلًا إليهم فافعل، فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد فإن أحب الأمور كلها إليّ ما أطيع اللَّه فيه، فأطع اللَّه فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إليّ سراعًا، والأعوان لي كثرة، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم اللَّه لي وهو خير الحاكمين. وقال لصالح بن مسعود: قل للمختار فليتق اللَّه وليكفَّ عن الدماء. فلما انتهى إليه كتاب محمد بن الحنفية قال: إني قد أمرت بجمع البر واليسر، وبطرح الكفر والغدر (٢). وذكر ابن جرير (٣) من طريق المدائني وأبي مخنف: أن ابن الزبير عمد إلى ابن الحنفية وسبعة عشر

стр. 4151

رجلًا من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه، فكرهوا أن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الأمة، فتهددهم وتوعدهم واعتقلهم بزمزم، فكتبوا إلى المختار بن أبي عبيد يستصرخونه ويستنصرونه، ويقولون له: إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل والحريق، فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين وأهل بيته، فجمع المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا مهديكم (١) وصريخ أهل البيت قد أصبحوا محصورين ينتظرون القتل والحريق وقال: لست أبا إسحاق إن لم أنصركم نصرًا مؤزرًا، وإن لم أرسل إليهم الخيل كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهليَّة الويل، ثم وجَّه أبا عبد اللَّه الجَدَليّ في سبعين راكبًا من أهل القوة، وظَبيان بن عمر (٢) التيمي في أربعمئة، وأبا المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وعمير بن طارق في أربعين [وفارس بن عمران في أربعين] (٣)، وكتب إلى محمد بن الحنفية مع الطفيل بن عامر بتوجيه الجنود إليه، فنزل أبو عبد اللَّه الجَدَليّ بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مئة وخمسين فارسًا، ثم سار بهم حتى دخل المسجد الحرام نهارًا جهارًا وهم يقولون: يا ثارات الحسين، وقد أعد ابن الزبير الحطب لابن الحنفية وأصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوه، وقد بقي من الأجل يومان، فعمدوا -يعني أصحاب المختار- إلى محمد بن الحنفية فأطلقوه من سجنه وقالوا: إن أذنت لنا قاتلنا ابن الزبير، فقال: إني لا أرى القتال في المسجد الحرام، فقال لهم ابن الزبير: ليس نبرح وتبرحون حتى يبايع وتبايعوا معه، فامتنعوا عليه ثم لحقهم بقية أصحابهم فجعلوا يقولون وهم داخلون الحرم: يا ثارات الحسين، فلما رأى ابن الزبير ذلك منهم خافهم وكف عنهم، ثم أخذوا محمد بن الحنفية وأخذوا من الحجيج مالًا كثيرًا فسار بهم حتى دخل شعب علي، واجتمع معه أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال. هكذا أورده ابن جرير، وفي صحتها نظر واللَّه أعلم. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير وكان نائبه بالمدينة أخاه مصعب ونائبه على البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة وعبد الملك بن مروان على الشام، وأخوه محمد بن مروان على الجزيرة وأرمينية، وأخوه عبد العزيز على مصر (٤) وقد استحوذ المختار على الكوفة، وعبد اللَّه بن خازم على بلاد خراسان، وذكر حروبًا جرت فيها لعبد اللَّه بن خازم يطول ذكرها. فصل قال ابن جرير (٥) وفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد اللَّه بن زياد، وذلك لثمان بقين

стр. 4152

من ذي الحجة. وقال أبو مخنف عن مشايخه: ما هو إلا أن فرغ المختار من جَبَّانة السّبيع وأهل الكناسة، فما ترك ابن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجَّهَهُ فيه لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه، وخرج معه خاصة المختار، ومعه كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الأعداء، وهم حافّون به يدعون [ويستصرخون] ويستنصرون ويتضرعون، فرجع المختار بعد أن وصاه بثلاث قال: يابن الأشتر اتق اللَّه في سرِّك وعلانيتك، وأسرع السير، وعاجل عدوك بالقتال. واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع ابن الأشتر، فجعل ابن الأشتر يقول: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عِجلهم، فلما جاوز القنطرة هو وأصحابه رجع أصحاب الكرسي. قال ابن جرير (١): وكان سبب هذا الكرسي ما حدَّثني به عبد اللَّه بن أحمد بن شبَّويه (٢) حدَّثني أبي، حدّثنا سليمان، حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، حدَّثني معبد بن خالد، حدَّثني طُفيل بن جَعْدَة بن هُبيرة قال: أُعدمت مرة من الورق، فإني كذلك إذ مررت بباب رجل هو جار لي له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر في بالي أن لو قلت في هذا (٣)، فرجعت فأرسلت إليه أن أرسل إليّ بالكرسي، فأرسل به، فأتيت المختار فقلت له: إني كنت أكتمك شيئًا وقد بدا لي أن أذكره إليك، قال: وما هو؟ قلمت: كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه كان يرى أن فيه أثرة من علم. قال: سبحان اللَّه!! فأخَّرت هذا إلى اليوم؟ ابعث إليه (٤)، قال فجئت به وقد غسل فخرج عودًا ناضرًا وقد شرب الزيت، فأمر لي باثني عشر ألفًا، ثم نودي في الناس: الصلاة جامعة، قال: فخطب المختار الناس فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه قد كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا مثله، ثم أمر فكشف عنه أثوابه وقامت السبئية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثًا، فقام شبَثُ بن ربعي فأنكر على الناس وكاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم. وأشار بأن يكسر ويخرج من المسجد [ويرمي في الخنس] فشكرها الناس لشَبَث بن ربعي، فلما قيل: هذا عبيد اللَّه بن زياد قد أقبل، وبعث المختار إبراهيم بن الأشتر، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب [الحرير] عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فلما تواجهوا مع الشاميين كما سيأتي وغلبوا الشاميين وقتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر، قال الطفيل بن جَعْدَة فقلت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وندمت على ما صنعت، وتكلّم الناس في هذا الكرسي وكَثُر عيب الناس له، فغيِّب حتى لا يُرى بعد ذلك.

стр. 4153

وذكر ابن الكلبي (١) أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الذي كان علي يجلس عليه فقالوا: ما عندنا شيء مما يقول الأمير، فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاؤوا بأي كرسي كان، لقَبِله منهم، فحملوا إليه كرسيًا من بعض الدور فقالوا: هذا هو. فخرجت شبام وشاكر وسائر رؤوس أصحاب المختار (٢) وقد عصبوه بالحرير والدّيباج. وحكى أبو مخنف: أن أول من سَدَن هذا الكرسي موسى بن أبي موسى الأشعري، ثم إن الناس عتبوا عليه في ذلك، فدفعه إلى حَوشب البُرسُمي، وكان صاحبه، حتى هلك المختار قبَّحه اللَّه. ويروى أن المختار كان يُظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي، وقد قال في هذا الكرسي أعشى همدان: [من الطويل] شهدتُ عليكمْ أنكمْ سبئيةٌ … وأني بكم يا شُرْطةَ الشِّرْكِ عارفُ وأقسِمُ ما كُرْسِيُّكمْ بسكينةٍ … وإنْ كانَ قد لُفَّتْ عليه اللّفائفُ وأنْ ليس كالتابوتِ فينا وإنْ سَعَتْ … شِبَامٌ حوالَيهِ ونَهْدٌ وخارفُ وإني امرؤٌ أحببتُ آلَ محمدٍ … وتابعتُ وحيًا ضُمِّنتهُ المصاحفُ وتابعتُ عبد اللَّه لمّا تتابعتْ … عليه قريشٌ شمطها والغطارفُ (٣) وقال المتوكل اللَّيثي: أبلغْ أبا إسحاقَ إن جئته (٤) … أني بكرسيِّكم كافِرُ تنزوا شِبَامٌ حولَ أعوادِهِ … وتحمل الوحيَ لهُ شاكرُ محمرَّةً أعينهم حولَهُ … كأنهنّ الحِمَّصُ الحادرُ (٥) قلت: هذا وأمثاله مما يدل على ضعف (٦) المختار وأتباعه، وقلة علمه وكثرة جهله، ورداءة فهمه، وترويجه الباطل على أتباعه وتشبيهه الباطل بالحق ليضل به الطغام، ويجمع عليه جهلة الرعاع (٧) والعوام.

стр. 4154

قال الواقدي (١): وفي هذه السنة وقع بمصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها، وفيها ضرب الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر، وهو أول من ضربها [بها] (٢). قال صاحب مرآة الزمان (٣): إن في هذه السنة ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الأقصى، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين، وكان السبب في ذلك أن عبد اللَّه بن الزبير كان قد استولى على مكة، وكان يخطب في أيام منى وعرفة، ومقام الناس بمكة، وينال من عبد الملك ويذكر مساوئ بني مروان، ويقول: إن النبي ﷺ لعن الحكم وما نسل (٤)، وأنه طريد رسول اللَّه ﷺ ولعينه، وكان يدعو إلى نفسه، وكان فصيحًا، فمال معظم أهل الشام إليه، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج [ويستعطف قلوبهم] وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة. وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم [ففتح بذلك على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه] وكان يشنع عليه بمكة ويقول: ضاهى بها فعل [الأكاسرة في] إيوان كسرى، والخضراء، كما فعل معاوية، ونقل الطواف من بيت اللَّه إلى قبلة بني إسرائيل ونحو ذلك (٥). ولما أراد عبد الملك بناءها سار من دمشق إلى بيت المقدس ومعه الأموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حيوة (٦) ويزيد بن سلام مولاة (٧)، وجمع الصناع والمهندسين وأمرهم فصوروا له القبة في صحن المسجد، فأعجبه، وبنى للمال بيتًا في شرقي القبة وشحنه بالمال (٨)، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا المال إفراغًا ولا يتوقفا في شيء. فبنوا القبة التي هي اليوم قائمة، وبنوا من ناحية القبلة سبع محاريب عليها سبع قباب (٩) والقبة التي باقية اليوم على المحراب هي أوسطها ولما تم بناء القبة عمل لها جلالين، أحدهما من لبُّود (١٠) أحمر للشتاء، والآخر

стр. 4155

من أدم للصيف وحف الصخرة بدرابزين من الساج المطعم باليشم، وخلف الدرابزين ستور من الديباج، مرخاة بين العمد، وكانت السدنة كل خميس وإثنين يذوِّبون المسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون فيه غالية، ويبخِّرونها من الليل ثم يدخل الخدم الحمام من الليل فيغتسلون، ويتطيبون ويلبسون ثياب الوشي ويشدون أوساطهم بالمناطق المحلّاة بالذهب ويخلقون الصخرة، ثم يضعون البخور في مجامر الذهب والفضة، وفيها العمود القماري المغلي بالمسك، ويرخوا السدنة الستور فتخرج تلك الرائحة فتملأ المدينة كلها ثم ينادي منادٍ ألا إن الصخرة قد فتحت، فمن أراد الزيارة فليأت فيقبل الناس مبادرين فيصلون ويخرجون، فمن وجدت منه رائحة البخور قال الناس هذا كان اليوم في الصخرة، وأبواب الصخرة أربعة، على كل باب عشرة من الحجبة. الباب الشمالي: يسمى باب الجنة، والشرقي باب إسرافيل، والغربي باب جبريل، والقبلي باب الأقصى، وكانوا يشعلونها بدهن البان، ولا يدخلها أحد غير أيام الزيارة سوى الخدم، وكان للحرم عشرون بابًا، وكان فيه ألف عمود من الرخام، وفي السقوف ستون ألف خشبة، من الساج المنقوش، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان فيه أربعمئة سلسلة، كل سلسلة ألف رطل شامي، طول السلاسل ثلاثون ألف ذراع، وكان يوقد في الصخرة كل ليلة مئة شمعة، وكذا في الأقصى، وكان يوقد في القناديل كل ليلة من الزيت المغسول قنطار، وكان في الحرم خمسون قبة، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف لوح، وكان في الحرم ثلاثمئة خادم ابتاعوا من بيت المال من الخمس، كلما مات واحد قام ولده بعده مقامه، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهرًا بشهر وكان في الحرم مئة صهريج، وكانت صفائح القبة وسقف الأقصى من صفائح الذهب عوض الرصاص وكذلك أبواب القبة وصفائحها، وذلك أنه لما كمل البناء فضل من المال ثلاثمئة ألف دينار وقيل ستمئة ألف، وكتب رجاء بن حيوه ويزيد إلى عبد الملك بوفاته بذلك. فكتب إليهما: قد وهبته منكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث. فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم القدس سنة أربعين ومئة، الأقصى وقبابه، فشكوا إليه الخراب، فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والأبواب، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد، ففعلوا ذلك. وكان المسجد طويلًا فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه، ولما كمل البناء كتبوا على القبة مما يلي الباب القبلي من جهة الأقصى بالنص بعد البسملة: بنى هذه القبة عبد اللَّه أمير المؤمنين عبد الملك سنة أثنتين وسبعين (١) من الهجرة النبوية، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعًا، وعرضه أربعمائة وستون ذراعًا، وكان فتوح القدس سنة ست عشرة واللَّه أعلم.

стр. 4156

ثم دخلت سنة سبع وستين ففيها (١) كان مقتل عبيد اللَّه بن زياد على يدي إبراهيم بن الأشتر النخعي، وذلك أن إبراهيم بن الأشتر خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية، واستهلت هذه السنة وهو سائر لقصد ابن زياد في أرض الموصل، فكان اجتماعهما بمكان يقال له الخازر (٢)، بينه وبين الموصل خمسة فراسخ، وكان ابن الأشتر في ثمانية آلاف، وابن زياد في أربعين ألفًا من أهل الشام، وكان ابن الأشتر لا يسير إلا على تعبئة، فلما قاربوا أرسل عمير بن الحباب السُّلمي: إني معك. وأتى إلى ابن الأشتر ليلًا فبايعه وأخبره أنه على ميسرة ابن زياد، ووعده أن ينهزم بالناس وقال له: لا تطاول القوم فإنهم أضعافكم ولكن ناجزهم فإنهم قد ملئوا منكم رعبًا. فقال ابن الأشتر: الآن علمت أنك ناصح ثم انصرف (٣) فبات ابن الأشتر تلك الليلة ساهرًا لا يغمض لنوم، فلما كان قريب الصبح نهض فعبَّأ جيشه وكَتَّب كتائبه (٤)، وصلى بأصحابه الفجر في أول وقت، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد، وزحف بجيشه رويدًا وهو ماش في الرجَّالة حتى أشرف من فوق تلٍّ على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فلما رأوهم نهضوا إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين، فركب ابن الأشتر فرسه وجعل يقف على رايات القبائل فيحرِّضهم على قتال ابن زياد ويقول: هذا قاتل ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ، قد جاءكم اللَّه به وأمكنكم اللَّه منه اليوم، فعليكم به فإنه قد فعل في بيت رسول اللَّه ﷺ ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل، هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده، ومنعه أن يأتي يزيد بن معاوية حتى قتله (فواللَّه ما عمل فرعون فعاله وقد جاءكم اللَّه به، وإني لأرجو أن يشفي اللَّه صدوركم ويسفك دمه على يديكم) (٥) ثم نزل تحت رايته، وأقبل ابن زياد [في خيله ورجله] في جيش كثيف قد جعل على ميمنته حصين بن نمير، وعلى الميسرة عمير بن الحباب السُّلمي -وكان قد اجتمع بابن

стр. 4157

الأشتر ووعده أنه معه وأنه سيهزم بالناس غدًا- وعلى خيل ابن زياد شُرَحبيل بن ذي (١) الكلاع، وابن زياد في الرجال يمشي معهم. فما كان إلا أن تواقف الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل الكوفة فهزمها، وقتل أميرها علي بن مالك الجُشمي فأخذ رايته من بعده ولده محمد (٢) بن علي فقتل أيضًا، وانشمرت (٣) الميسرة ذاهبة فجعل الأشتر يناديهم إليّ يا شرطة اللَّه، أنا ابن الأشتر، وقد كشف عن رأسه ليعرفوه، فالتاثوا به واجتمعوا إليه، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة الشام فثبتوا لهم وقيل بل انهزمت الميسرة وانحازت إلى ابن الأشتر، ثم حمل ابن الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته: ادخل برايتك فيهم، وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالًا عظيمًا، وكان لا يضرب بسيفه رجلًا إلا صرعه، وكثرت القتلى بينهم. [وقيل إن ميسرة أهل الشام] ثبتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا [بالرماح ثم بالسيوف] ثم أردف الحملة ابن الأشتر فانهزم جيش الشام بين يديه، وهو يقتلهم كما يقتل الحملان، واتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان، وثبت عبيد اللَّه بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه، لكن قال لأصحابه: التمسوا في القتلى رجلًا ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيد اللَّه بن زياد، وإذا هو قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين (٤)، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام ومعه رأس حصين بن نمير ورأس شرحبيل بن ذي الكَلاع فأرسلها المختار إلى ابن الزبير فنصبت بمكة، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل، واحتازوا ما كان في معسكرهم [من الأموال والخيول]. وقد كان المختار بشَّر أصحابه بالنصر قبل أن يجيء الخبر، فما ندري أكان ذلك تفاؤلًا منه أو اتفاقًا أو كهانة. وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحي إليه بذلك فلا، فإن من اعتقد ذلك كفر ومن أقرهم على ذلك كفر، لكن قال: إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ إنما كانت بأرض الموصل، وهذا مما انتقده عامر الشَّعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر، وقد خرج [المختار] من الكوفة ليتلقى البشارة، فمر بالفدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك. قال الشَّعبي: فقال لي بعض أصحابه: أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا؟ فقلت له أما سمعته يقول أنهم قتلوا الشاميين (٥) بنصيبين من

стр. 4158

أرض الجزيرة، وإنما قال البشير: إنهم كانوا بالخازِر من أرض الموصل، فقال: واللَّه لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم. ثم رجع المختار إلى الكوفة. وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبَّانة السَّبيع والكناسة من الخروج ليجتمعوا بمصعب بن الزبير وكان منهم شَبَث بن ربعي، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة ورأس عبيد اللَّه بن زياد وبعث رجلًا على نيابة نصيبين واستمر مقيمًا في تلك البلاد، وبعث إلى الموصل عمالًا وأخذ سنجار ودارا وما ولاها من الجزيرة. وقال أبو أحمد الحاكم: كان مقتل عبيد اللَّه بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين، والصواب سنة سبع وستين. وقد قال سُراقة بن مِرْداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن زياد: أتاكمْ غُلامٌ منْ عَرَانين مذْحِجٍ … جريءٌ على الأعداءَ غيرُ نَكُولِ فَيَا بنَ زيادٍ بؤْ بأعْظم مالك (١) … وذقْ حدَّ ماضي الشَّفرَتَينِ صقيلِ ضربناكَ بالعضب الحُسامِ بحدَّةٍ … إذا ما أبأنا قاتلًا (٢) بقتيلِ جزى اللَّه خيرًا شُرْطة اللَّه إنهم … شَفَوا من عُبيدِ اللَّه أمْسِ غَليلي وهذه ترجمة ابن زياد هو عبيد اللَّه بن زياد بن عبيد، المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سمية، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له عبيد اللَّه بن مرجانة وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسية، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد موت (٣) يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس (٤) تعرف بعده بدار ابن عجلان، وكان مولده سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبي، قال ابن عساكر (٥): وروى الحديث عن معاوية وسعد بن أبي وقاص ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري وأبو المليح بن أسامة. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أن عبيد اللَّه بن زياد حين قتل الحسين كان عمره ثمانيًا وعشرين سنة، قلت: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين فاللَّه أعلم. وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد: أن أوفد إليّ ابنك، فلما قدم عليه لم يسأله معاوية، عن شيء إلا نفذ منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئًا، فقال له: ما منعك من تعلم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام اللَّه كلام الشيطان، فقال [معاوية]:

стр. 4159

اغرب، فواللَّه ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول: [من الوافر] أبتْ لي عفتي وأبى بَلائي … وأَخْذي الحمدَ بالثَّمنِ الربيحِ وإعطائي على الإعدامِ مالي … وإقدامي على البطلِ المُشيحِ وقَوْلي كلما جشَأتْ وجاشتْ … مكانكِ تعذري (١) أو تستريحِي لأدفعَ عنْ مآثرَ صالحاتٍ … وأحمي بعدُ عن أنفٍ صحيحِ (٢) ثم كتب إلى أبيه: أن روِّه من الشعر، فروّاه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء بعد ذلك، ومن شعره بعد ذلك: [من الطويل] سيعلمُ مروانُ بن نِسوةَ أنني … إذا التقت الخِيلانُ أطعنها شزرا وإني إذا حلَّ الضيوفُ ولم أجدْ … سوى فرسي أو سقته (٣) لهمُ نحرا (٤) وقد سأل معاوية يومًا أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف ولكنه يلحن، فقال: أو ليس [اللحن] أظرف له؟ قال ابن قتيبة وغيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز، وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك: منطقٌ رائعٌ ويلحنُ أحيانًا … وخيرُ الحديثِ ما كانَ لحنا (٥) وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنًا وهو ضد الإعراب، وقيل أرادوا اللحن الذي هو ضد الصواب وهو الأشبه واللَّه أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه ويفخِّمه، ويتشدق فيه، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم، فإن أمه مرجانة كانت سُرِّية وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره، قالوا: وكان في كلامه شيء من كلام العجم، قال يومًا لبعض الخوارج: أهروري أنت؟ يعني أحروري أنت؟ وقال يومًا من كاتلنا كاتلناه، أي من قاتلنا قاتلناه، وقول معاوية ذاك أظرف له، أي: أجود له حيث نزع إلى أخواله، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم. ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولَّى معاوية على البصرة سَمُرة بن جندب سنة ونصفًا ثم عزله

стр. 4160

وولّى عليها عبد اللَّه بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله وولّى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة (١)، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، وجعل باب القصر الأبيض الذي كان لكسرى عليها. وبنى الحمراء وهي على سكة المربد، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء. قالوا: وجاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح اللَّه الأمير، إن امرأتي ماتت، وإني أريد أن أتزوج أمها، فقال له: كم عطاؤك في الديوان؟ فقال: سبعمئة، فقال: يا غلام حطَّ من عطائه أربعمئة، ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمئة (٢). قالوا: وتخاصمت أم الفجيع (٣) وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيع: أصلح اللَّه الأمير إن خير شطري الرجل آخره، وإن شر شطري المرأة آخرها، فقال: وكيف ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل عقلها وعقم رحمها واحتد لسانها، فقال: صدقت خذ بيدها وانصرف. وقال يحيى بن معين: أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت، فقال: عسى أن يكون خيرًا، فقال أهله: كيف يكون هذا خيرًا؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين، ثم وجد الألفين المسروقتين فصارت أربعة آلاف فكان خيرًا. وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة -وكانت قد تزوجت بعده أزواجًا من نواب العراق- من أعزُّ أزواجك عندك وأكرمهم عليك؟ فقالت: ما أكرم النساء [أحد] إكرام بشر (٤) بن مروان، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى عبيد اللَّه بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه -وكان أبا عذارتها (٥) - وقد تزوجت بالآخرين أيضًا. وقال عثمان بن أبي شيبة: عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: أول من جهر بالمعوذتين في [الصلاة] المكتوبة ابن زياد، قلت: يعني واللَّه أعلم في الكوفة، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وكان فقهاء الكوفة يأخذون عن كثير من أصحابه واللَّه أعلم. وقد كانت في عبيد اللَّه بن زياد جرأة وإقدام على سفك الدماء، قتل خلقًا كثيرًا جدًا وكان سفيهًا شديدًا، وكان فيه مبادرة إلى (٦) ما لا حاجة له به. ثبت في الحديث الذي رواه أبو يعلى ومسلم (٧)، كلاهما عن شيبان بن فروخ، عن جرير، عن

стр. 4161

الحسن، أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم". فقال [له] اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقال: وهل كان فيهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. و [قد] روى غير واحد عن الحسن أن عبيد اللَّه بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له: إني محدثك بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما من رجل استرعاه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم إلّا حرم اللَّه عليه الجنة" (١). وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد اللَّه بن زياد ولم يشهد دفنه، واعتذر بما ليس يجدي شيئًا وركب إلى قصره، ومن جراءته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون ذلك، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو إلى مكة أو إلى أحد الثغور، فلما أشار عليه شِمْر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها، فوافق شمرًا على ذلك وبعثه به، فقتل الحسين كما قدمنا (٢). وقد قال محمد بن سعد (٣): أنبأنا الفَضْل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا: حدَّثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد اللَّه بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قُتل الحسين، قال فاضطرم في وجهه نارًا أو كلمة نحوها، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال: لا تحدثن بها أحدًا. وقال شريك: عن مغيرة قال: قالت مَرْجانة لابنها عبيد اللَّه: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ؟ لا ترى الجنة أبدًا. وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد اللَّه حتى يجتمع الناس على أمير، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان، وحسَّن له أن يدعو إلى بيعة (٤) نفسه ففعل ذلك، وخالف الضحاك بن قيس، ثم انطلق عبيد اللَّه إلى الضحاك [بن قيس] فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط، ثم حسَّن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير ففعل، فانحلَّ نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط، من قتل الضحاك وخلق معه هنالك، فلما تولى مروان أرسل ابن زياد في جيش إلى العراق فالتقى بعين الوردة مع سليمان بن صُرَد ومن كان معه من الجيش الذين يسمون جيش التوابين، فقتل أميرهم، وخلقًا كثيرًا منهم ثم سار (٥) قاصدًا الكوفة [في ذلك

стр. 4162

الجيش] فتعوق في الطريق بسبب من كان معه من أهل الجزيرة من الأعداء بمن بايع (١) ابن الزبير. ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك، ولكن ظفر به كما ذكرنا ابن الأشتر فقتله شر قتلة وهو لا يشعر به، وإذا هو قد قتله (٢) على شاطئ نهر الخازِر قريبًا من الموصل بخمس مراحل. قال أبو أحمد الحاكم: وكان ذلك يوم عاشوراء (٣) [قلت: وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين] ثم بعث ابن الأشتر برأسه ومعه رأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم إلى المختار. وقال يعقوب بن سفيان (٤): حدثني يوسف بن موسى بن جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما جيء برأس ابن مرجانة وأصحابه طرحت بين يدي المختار فجاءت حية رقيقة ثم تخللت الرؤوس حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فيه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه من بين الرؤوس. ورواه الترمذي (٥) من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا واصل بن عبد الأعلى عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير. قال: لما جيء برأس عبيد اللَّه وأصحابه نُضدَت (٦) في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد اللَّه بن زياد، فمكثت هنيهة، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وقال أبو سليمان بن زَبْر (٧): وفي سنة ست وستين قالوا فيها قتل ابن زياد والحصين بن نمير، وليَ قتلهما إبراهيم بن الأشثر، وبعث برأسيهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير، فنصبت بمكة والمدينة. وهكذا حكى ابن عساكر (٨) عن أبي أحمد الحاكم وغيره أن ذلك كان في سنة ست وستين، زاد أبو أحمد في يوم عاشوراء، وسكت ابن عساكر عن ذلك، والمشهور أن ذلك كان في سنة سبع وستين كما ذكره ابن جرير وغيره، ولكن بعث الرؤوس إلى ابن الزبير (٩) في هذه السنة متعذر لأن العداوة كانت

стр. 4163

قد [قويت و] تحققت بين المختار وابن الزبير في هذه السنة، وعما قليل سيَّر مصعب (١) من البصرة إلى الكوفة لحصار المختار على يد مصعب بن الزبير وأهل البصرة (٢). مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب (٣) كان عبد اللَّه بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي المعروف بالقُباع، وولاها لأخيه مصعب بن الزبير، ليكون [ردءًا و] قرنًا وكفئًا للمختار بن أبي عبيد، فلما قدِم مصعب البصرة دخلها متلثمًا فتيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير، فلما كشف اللثام عَرَفه الناس فأقبلوا إليه، وجاء القُباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيبًا فاستفتح القصص حتى بلغ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤]، وأشار بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥ - ٦]، وأشار إلى الحجاز. وقال: يا أهل البصرة إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار، فاجتمع عليه الناس وفرحوا له، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة، ثم خرج المختار ليلتقي ابن الأشتر حين بلغه أنه قتل ابن زياد اغتنم غيبته أهل الكوفة فأرغبوا في الخروج إلى البصرة؛ ثم جعلوا يحرضون مصعبًا على المختار ويؤلبون عليه من جهة قلة دينه (٤) ودعواه أنه يأتيه الوحي، وأنه قدّم الموالي على الأشراف، واتفق أن ابن الأشتر حين قتل ابن زياد واستقلّ بتلك النواحي، فأحرز بلادًا وأقاليم ورساتيق لنفسه، واستهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على البريد إلى المهلب بن أبي صفرة، وهو نائبهم على خراسان، فقدم في تجمُّل عظيم ومال ورجال وعَددٍ وعُددٍ، وجيش كثيف، ففرح به أهل البصرة وتقوّى به مصعب، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة. [وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين، وجعل على ميمنته عمر بن عبيد اللَّه بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبي صفرة، ورتَب الأمراء على راياتها وقبائلها، كمالكِ بن مسمع، والأحنف بن

стр. 4164

قيس، وزياد بن عمرو (١)، وقيس بن الهيثم وغيرهم، وخرج المختار بعسكره فنزل المذار وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشاكري (٢)، وعلى ميمنته عبد اللَّه بن كامل، وعلى ميسرته عبد اللَّه بن وهب (٣) الجشمي، وعلى الخيل رزين (٤) بن عبد اللَّه السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته] (٥). فسمع المختار بأمرهم فخطب (٦) الناس وحثهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه وهو يبشر أصحابه بالنصر، فلما انتهى مصعب إلى [قريب] الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثوا (٧) إلا يسيرًا حتى هربوا على حمية، وقد قتل منهم جماعة من الأمراء، وخلق من القراء وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، وثلة من أصحاب المختار ذي القول الفِراء، ثم انتهت الهزيمة إليه. [وقال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن المختار القصر واستعمل عليه عبد اللَّه بن شداد (٨) وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حَرَوراء (٩) فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسًا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، وإلى عبد القيس مالك بن منذر (١٠)، وإلى العالية عبد اللَّه بن جعدة، وإلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سُليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالًا شديدًا إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث وعميرًا (١١) بن علي بن أبي طالب، وتفرق عن المختار باقىِ أصحابه، فقيل له القصر القصر، فقال: واللَّه ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه، ولكن هذا حكم اللَّه، ثم ساروا إلى القصر فدخل وجاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، واقتسموا المحال، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إن الحصار لا يزيدنا

стр. 4165

إلا ضعفًا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كرامًا، فوهنوا، فقال أما فو اللَّه لا أعطي بيدي. ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا] (١). فأشار (٢) عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما اللَّه به عليم، وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويَّته في الأمر الذي قد حل به، واستشار من عنده من جهة (٣) الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبًا، وشجاعة وكلبًا، وهو مع ذلك لا يجد مناصًا ولا مفرًا ولا مهربًا، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر [الموكلون بسقر] ولما خرج من القصر قال لأصحاب مصعب: أنا متولي (٤) - قالوا: لا إلَّا على حكم الأمير فقال: إلا على حكم نفسي أبدًا، ثم قاتل قتالًا شديدًا وتقدم إليه رجلان شقيقان أخوان، وهما طرفة وطرافة (٥) ابنا عبد اللَّه بن دجاجة من بني حنيفة، فقتلاه بمكان الزّيّاتين من الكوفة، واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير، وقد احتل قصر الإمارة في الكوفة، فوضع بين يديه، كما وضع رأس ابن زياد بين يدي المختار، [وكما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفًا] (٦). وقد كان مصعب قد قتل جماعة من المختارية، وأسر منهم خمسمئة أسير، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من عيون أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس (٧)، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له: هي كف المختار، فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك [لأن المختار كان من قبيلة الحجاج، والمختار هو الكذاب، والمبير الحجاج، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه

стр. 4166

شهورًا] (١) وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها: ما تقولين فيه؟ فقالت: ﵀ لقد كان عبدًا من عباد اللَّه الصالحين، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبيٌّ، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٢): إنَّ من أعجبِ العجائبِ عِندي … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطبولِ (٣) قُتلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمٍ … إنَّ للَّه دَرَّها مِنْ قتيلِ كُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ علينا … وعلى الغانيات (٤) جرُّ الذيولِ (٥) وقال أبو مخنف (٦): حدّثني محمد بن يوسف، أن مصعبًا لقي عبد اللَّه بن عمر [بن الخطاب] فسلم عليه [فقال ابن عمر: من أنت؟] فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة؟ عِشْ ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرة، فقال ابن عمر: واللَّه لو قتلت عدّتهم (٧) غَنَمًا من تُراث أبيك لكان ذلك سَرَفًا. وهذه ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي (٨) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة (٩) بن عنزة (١٠) بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي ﷺ ، ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما

стр. 4167

ذكره ابن الأثير في الغابة (١)، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدًا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات. وهي زوجة عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وكان عبد اللَّه لها مكرمًا ومحبًا، وماتت في حياته، وأما [أخوها] المختار هذا فإنه كان أولًا [ناصبيًا]، يبغض عليًا بغضًا شديدًا، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن علي يوم طعنه أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه، [فلما أحسَّ الحسن منهم بالغدر فر] (٢) منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبدًا، فقال له عمه: بئس ما تأمرني به يابن أخي، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مئة جلدة، فسألت أخته زوجها فكتب إلى يزيد بن معاوية [يتشفع فيه] فأرسل يزيد إلى ابن زياد ليخرجه فأخرجه وسيره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره حصين بن نمير (٣) قتالًا شديدًا، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخليط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابًا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها، وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع [وإظهار] الأخذ بثأر الحسين بن علي، وبسبب ذلك التف عليه جماعات كثيرة من الشيعة، وأخرج عامل ابن الزبير منها عبد اللَّه بن مطيع، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنًا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس، ويظهر طاعته، ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وظفر برؤوس كبار منهم، كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش بكماله وشَمْر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين تولوا قتل الحسين، وسِنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي، وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى عبيد اللَّه بن زياد وهو في جيش أعظم من جيش المختار -بأضعاف مضاعفة- كانوا ستين ألفًا، وقيل ثمانين ألفًا، فقَتل ابنُ الأشتر ابنَ زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره واتفق ذلك في يوم عاشوراء سنة سبع وستين كما قدمنا، ثم بعث برأس ابن زياد ورؤوس أصحابه معه إلى المختار، ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد

стр. 4168

ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة فأمر بهما فنصبت على عقبة الحجون (١). وقد كانوا نصبوها بالمدينة، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبًا أميرًا على العراق، فساروا إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد (٢)، إلى أخيه عبد اللَّه بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد اللَّه يتنفل، فما زال يصلي حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين، بقي الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق (٣). وزالت دولة المختار كأن لم تكن (٤)، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا وكاهنًا، وكان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عيسى القاري أبو عمر (٦)، حدَّثني السُّدّي، عن رفاعة الفِتْيانى (٧) قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه. قال: فذكرت حديثًا حدَّثنيه أخي عمرو بن الحَمق، قال قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما مؤمن أمَّن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء". وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حمّاد بن سَلَمة، حدَّثني عبد الملك بن عمير، عن رِفاعة بن شدَّاد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسلَّ سيفي فاضرب عنقه، فذكرت حديثًا حدثناه عمرو بن الحَمِق. قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أمن رجلًا على نفسه فقتله أُعطي لواء غدر يوم القيامة" ورواه النسائي وابن ماجه (٩) من غير وجه عن

стр. 4169

عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما: "من أمن رجلًا على دم فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا". وفي سند هذا الحديث اختلاف (١). وقد قيل لعبد اللَّه بن عمر (٢): إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وروى ابن أبي حاتم (٣)، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني [عنده، وكان يتعاهد مبيتي باللّيل قال فقال لي: اخرج فحدَّث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال اللَّه تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] قال فهمُّوا أن يأخذوني فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرِّض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه. [وروى الطبراني (٤) من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم: أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو سبقت رأيت (٥) جبريل وميكائيل، فقال له زيد: حفرت ونفرت (٦)، أنت أهون على اللَّه من ذلك، كذاب مفترٍ على اللَّه ورسوله] (٧). وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا عوف عن أبي الصدِّيق الناجي: أن الحجاج ابن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد اللَّه بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن اللَّه أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل (٩)، فقالت (١٠): كذبت، كان برًا

стр. 4170

بالوالدين، صوّامًا قوامًا، واللَّه لقد أخبرنا رسول اللَّه ﷺ "أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير". هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ. وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) في كتاب الفضائل عن عُقبة بن مُكْرَمٍ العَمِّيِّ البصريّ، عن يَعْقوب بن إسحاقْ الحضرميّ، عن الأسودِ بن شيبان، عن أبي نَوْفل، عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا". وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد اللَّه في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي. وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في "دلائل النبوة" (٢)، وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسرّ إلى أخصائه أنه يُوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدّعي النبوة أم لا؟ وكان قد وُضِعَ له كرسي يُعظَّمُ ويُحَفُّ بالرجال، ويُستر بالحرير، ويُحمل على البغال، وكان يُضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولاشك أنه كان ضالّا مضلًّا أراح اللَّه المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وأما المبير فهو القَتَّال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك بن مروان، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبًا. وذكر الواقدي (٣) أن المختار لم يزل مظهرًا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفًا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكَذِب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في الرابع عشر من رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل (٤). فصل ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، وبعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه (٥)، فحار ابن الأشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه
следующие страницы →