← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

شهورًا] (١) وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها: ما تقولين فيه؟ فقالت: ﵀ لقد كان عبدًا من عباد اللَّه الصالحين، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبيٌّ، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٢): إنَّ من أعجبِ العجائبِ عِندي … قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطبولِ (٣) قُتلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمٍ … إنَّ للَّه دَرَّها مِنْ قتيلِ كُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ علينا … وعلى الغانيات (٤) جرُّ الذيولِ (٥) وقال أبو مخنف (٦): حدّثني محمد بن يوسف، أن مصعبًا لقي عبد اللَّه بن عمر [بن الخطاب] فسلم عليه [فقال ابن عمر: من أنت؟] فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة؟ عِشْ ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرة، فقال ابن عمر: واللَّه لو قتلت عدّتهم (٧) غَنَمًا من تُراث أبيك لكان ذلك سَرَفًا. وهذه ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي (٨) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة (٩) بن عنزة (١٠) بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي ﷺ ، ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما

стр. 4167

ذكره ابن الأثير في الغابة (١)، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدًا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات. وهي زوجة عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وكان عبد اللَّه لها مكرمًا ومحبًا، وماتت في حياته، وأما [أخوها] المختار هذا فإنه كان أولًا [ناصبيًا]، يبغض عليًا بغضًا شديدًا، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن علي يوم طعنه أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه، [فلما أحسَّ الحسن منهم بالغدر فر] (٢) منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبدًا، فقال له عمه: بئس ما تأمرني به يابن أخي، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مئة جلدة، فسألت أخته زوجها فكتب إلى يزيد بن معاوية [يتشفع فيه] فأرسل يزيد إلى ابن زياد ليخرجه فأخرجه وسيره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره حصين بن نمير (٣) قتالًا شديدًا، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخليط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابًا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها، وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع [وإظهار] الأخذ بثأر الحسين بن علي، وبسبب ذلك التف عليه جماعات كثيرة من الشيعة، وأخرج عامل ابن الزبير منها عبد اللَّه بن مطيع، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنًا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس، ويظهر طاعته، ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وظفر برؤوس كبار منهم، كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش بكماله وشَمْر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين تولوا قتل الحسين، وسِنان بن أبي أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي، وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفًا إلى عبيد اللَّه بن زياد وهو في جيش أعظم من جيش المختار -بأضعاف مضاعفة- كانوا ستين ألفًا، وقيل ثمانين ألفًا، فقَتل ابنُ الأشتر ابنَ زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره واتفق ذلك في يوم عاشوراء سنة سبع وستين كما قدمنا، ثم بعث برأس ابن زياد ورؤوس أصحابه معه إلى المختار، ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد

стр. 4168

ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة فأمر بهما فنصبت على عقبة الحجون (١). وقد كانوا نصبوها بالمدينة، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبًا أميرًا على العراق، فساروا إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد (٢)، إلى أخيه عبد اللَّه بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد اللَّه يتنفل، فما زال يصلي حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين، بقي الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق (٣). وزالت دولة المختار كأن لم تكن (٤)، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا وكاهنًا، وكان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عيسى القاري أبو عمر (٦)، حدَّثني السُّدّي، عن رفاعة الفِتْيانى (٧) قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه. قال: فذكرت حديثًا حدَّثنيه أخي عمرو بن الحَمق، قال قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما مؤمن أمَّن مؤمنًا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء". وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حمّاد بن سَلَمة، حدَّثني عبد الملك بن عمير، عن رِفاعة بن شدَّاد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسلَّ سيفي فاضرب عنقه، فذكرت حديثًا حدثناه عمرو بن الحَمِق. قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أمن رجلًا على نفسه فقتله أُعطي لواء غدر يوم القيامة" ورواه النسائي وابن ماجه (٩) من غير وجه عن

стр. 4169

عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما: "من أمن رجلًا على دم فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا". وفي سند هذا الحديث اختلاف (١). وقد قيل لعبد اللَّه بن عمر (٢): إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وروى ابن أبي حاتم (٣)، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني [عنده، وكان يتعاهد مبيتي باللّيل قال فقال لي: اخرج فحدَّث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال اللَّه تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] قال فهمُّوا أن يأخذوني فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرِّض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه. [وروى الطبراني (٤) من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم: أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو سبقت رأيت (٥) جبريل وميكائيل، فقال له زيد: حفرت ونفرت (٦)، أنت أهون على اللَّه من ذلك، كذاب مفترٍ على اللَّه ورسوله] (٧). وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا عوف عن أبي الصدِّيق الناجي: أن الحجاج ابن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد اللَّه بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن اللَّه أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل (٩)، فقالت (١٠): كذبت، كان برًا

стр. 4170

بالوالدين، صوّامًا قوامًا، واللَّه لقد أخبرنا رسول اللَّه ﷺ "أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير". هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ. وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) في كتاب الفضائل عن عُقبة بن مُكْرَمٍ العَمِّيِّ البصريّ، عن يَعْقوب بن إسحاقْ الحضرميّ، عن الأسودِ بن شيبان، عن أبي نَوْفل، عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا". وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد اللَّه في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي. وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في "دلائل النبوة" (٢)، وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسرّ إلى أخصائه أنه يُوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدّعي النبوة أم لا؟ وكان قد وُضِعَ له كرسي يُعظَّمُ ويُحَفُّ بالرجال، ويُستر بالحرير، ويُحمل على البغال، وكان يُضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولاشك أنه كان ضالّا مضلًّا أراح اللَّه المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وأما المبير فهو القَتَّال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك بن مروان، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبًا. وذكر الواقدي (٣) أن المختار لم يزل مظهرًا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفًا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكَذِب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في الرابع عشر من رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل (٤). فصل ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، وبعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه (٥)، فحار ابن الأشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه

стр. 4171

واحترمه كثيرًا، وبعث مصعب المهلَّب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان [وأرمينية، وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد اللَّه] (١) بن عبد اللَّه بن معمر، وأقام هو بالكوفة، ثم لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد اللَّه بن الزبير عن البصرة وولَّى عليها ابنه حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير، وكان شجاعًا جوادًا مخلطًّا (٢) يعطي أحيانًا حتى لا يدع شيئًا، ويمنع أحيانًا ما لم يمنع مثله، وظهرت خفة وطيش في عقله، وسرعة في أمره، فبعث الأحنف إلى عبد اللَّه بن الزبير فعزله وأعاد إلى ولايته أخاه مصعبًا مضافًا إلى ما بيده من ولاية الكوفة. قالوا: وخرج حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير من البصرة بمالٍ كثير من بيت مالها، فعرض له مالكُ بن مِسْمَع، فقال: لا ندعك تذهب بأعطياتنا، فضمن له عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن معمر (٣) العطاء فكفَّ عنه، فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة، بل عدل إلى المدينة، فأودع ذلك المال رجالًا فكلُّهم غلَّ ما أودعه وجحده، سوى رجل من أهل الكتاب، فأدّى إليه أمانته. فلما بلغ أباه ما صنع قال: أبعده اللَّه، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص. وذكر أبو مخنف: أن حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير ولي البصرة سنة كاملة فاللَّه أعلم. قال ابن جرير (٤): وحج بالناس فيها عبد اللَّه بن الزبير، وكان عامله على الكوفة أخاه مصعبًا، وعلى البصرة ابنه حمزة، وقيل بل كان رجع إليها أخوه، وعلى خراسان وتلك البلاد عبد اللَّه بن خازم السُّلميّ [من جهة ابن الزبير واللَّه سبحانه أعلم]. [وممن توفي فيها من الأعيان: الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٥). وأبو الجهم (٦)، وهو صاحب الأنبجانية المذكورة في الحديث الصحيح (٧).

стр. 4172

وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم] (١). ثم دخلت سنة ثمان وستين وفيها رد عبد اللَّه أخاه مصعبًا إلى إمرة البصرة، فأتاها فأقام بها، واستخلف على الكوفة الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، قُباع. [واستعمل (٢) على المدينة جابر بن الأسود الزّهريّ، وعزل عنها عبد الرحمن بن الأشعث لكونه ضرب سعيد بن المسيِّب ستين سوطًا، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه، فعزله ابن الزبير. وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده] (٣). وفيها كانت وقعة الأزارقة، وذلك أن مصعبًا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلَّب بن أبي صفرة، وكان قاهرًا لهم وولاه الجزيرة وأذربيجان (٤)، [وكان المهلب قاهرًا للأزارقة] وولى على فارس عمر بن عبيد اللَّه بن مَعمَر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد اللَّه فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير بن الماحوز (٥)، ففروا بين يديه إلى إصطخر فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه (٦)، ثم ظفر بهم مرة أخرى، ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عددهم وعدتهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبيد اللَّه بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبيد اللَّه بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر بن عبيد اللَّه في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبًا أمامهم وعمر بن عبيد اللَّه من ورائهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالًا لم يفعلها غيرهم (٧)، فقصدهم

стр. 4173

نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم إبراهيم بن الأشتر وسبَث بن رِبْعيّ، فلما وصلوا إلى جسر الصراة (١) قطعه الخوارجِ بينه وبينهم، فأمر الأمير بإعادته فأعيد، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فاتبعهم عبد الرحمن بن مِخْنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عَتّاب بن ورقاء شهرًا، بمدينة جيا (٢)، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز وغنموا ما في معسكرهم، وأمَّرت الخوارج عليهم قَطَريّ بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة -وهو على الموصل- أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيمَ بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالًا لم يسمع بمثله. قال ابن جرير (٣): وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم. قال ابن جرير: وفيها قتل عبيد اللَّه بن الحر (٤) وكان من خبره أنه كان رجلًا شجاعًا تتقلب به الأحوال والأيام والآراء، حتى صار من أمره أنه لا يُطيع لأحدٍ من بني أمية ولا لآل الزبير، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله من الحواصل قهرًا ويكتب له به براءة ويذهب فينفقه على أصحابه. وكان الخلفاء والأمراء يبعثون إليه الجيوش فيردها ويكسرها قلّت أو كثرت، حتى كان فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر وقال: ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعًا، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه يظهرهم على أمرهم، فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد اللَّه فبعث إليه جيشًا فقتلوه في المكان الذي هو فيه (٥)، وحمل رأسه إلى الكوفة، ثم إلى البصرة، واستراح الناس منه. قال ابن جرير (٦): وفيها شهد موقف عرفات أربع رايات متباينة، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه. والثانية لنجدة الحَرُوري وأصحابه. والثالثة لبني أمية.

стр. 4174

والرابعة لعبد اللَّه بن الزّبير. وكان أول من دفع رايته ابن الحنفية، ثم نجدة، ثم بنو أمية، ثم دفع ابن الربير فدفع الناس معه، وكان عبد اللَّه بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير، ولكنَّه تأخر دفعه، فقال ابن عمر: أشبه بتأخيره دفع الجاهلية، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير، وتحاجز الناس في هذا العام، فلم يكن بينهم قتال. وكان على نيابة المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري من جهة ابن الزبير، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى ملك الشام ومصر عبد الملك بن مروان، واللَّه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: عبد اللَّه بن يزيد الأوسي (١)، شهد الحديبية. وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (٢). وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي (٣)، ابن أخي عمر بن الخطاب، أدرك النبي ﷺ ، وتوفي بالمدينة عن نحو سبعين سنة. عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري (٤). عدي بن حاتم بن عبد اللَّه (٥) بن سعد بن امرئ القيس، صحابي جليل، سكن الكوفة ثم سكن قرقيسيا (٦).

стр. 4175

زيد بن أرقم بن زيد (١)، صحابي جليل (٢). وفيها توفي: عبد اللَّه بن عابس (٣) ترجمان القرآن وابن عم رسول الملك الديّان هو عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول اللَّه ﷺ ، حَبر هذه الأمة، ومفسِّر كتاب اللَّه وترجمانه، كان يقال له الحبر والبحر، وروى عن رسول اللَّه ﷺ شيئًا كثيرًا، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله، ﵁ وأرضاه. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين، وهو أخو إخوة عشرة ذكور من أم الفضل [للعباس، وهو آخرهم مولدًا] وقد مات كل واحد منهم في بلد بعيد عن الآخر جدًا كما سيأتي ذلك. قال مسلم بن خالد الزنجي المكي: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: لما كان رسول اللَّه ﷺ في الشِّعب (٤) جاء أبي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال له: يا محمد أرى أم الفضل قد اشتملت على حمل، فقال: "لعل اللَّه أن يقرَّ أعينكم". قال: فلما ولدتني أتى بي رسولَ اللَّه ﷺ وأنا في خرقة فحنكني بريقه. قال مجاهد: فلا نعلم أحدًا حنكه رسول اللَّه ﷺ بريقه غيره (٥).

стр. 4176

وفي رواية أخرى فقال رسول اللَّه ﷺ : "لعل اللَّه أن يبيض وجوهنا بغلام" فولدت عبد اللَّه بن عباس (١). وعن عمرو بن دينار قال: ولد ابن عباس عام الهجرة (٢). وروى الواقدي من طريق شعبة، عن ابن عباس أنه قال: ولدتُ قبل الهجرة بثلاث سنين، ونحن في الشعب، وتوفي رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، ثم قال الواقدي: وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم. واحتج الواقدي بأنه كان قد ناهز الحلم عام حجة الوداع. وفي صحيح البخاري (٣) عن ابن عباس قال: توفي رسول اللَّه ﷺ وأنا مختون، وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم. وقال شعبة وهشيم وأبو عوانة (٤): عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: توفي رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن عشر سنين مختون (٥). زاد هشيم (٦): وقد جمعت المحكم على عهد رسول اللَّه ﷺ . قلت: وما المحكم؟ قال: المفصل. وقال أبو داود الطيالسى (٧): عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قبض رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة مختون، وهذا هو الأصح، ويؤيده صحة ما ثبت في الصحيحين، ورواه مالك، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتانٍ وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر عليّ ذلك أحد (٨). وثبت عنه في الصحيح (٩) أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الولدان. وهاجر مع أبيه عام الفتح، فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجُحفة، وهو ذاهب لفتح مكة، فشهدا الفتح وحنينًا

стр. 4177

والطائف عام ثمان، وقيل: كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي ﷺ حينئذ ولزمه، وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال، وأخذ عن الصحابة علمًا عظيمًا مع الفهم الثاقب، والبلاغة والفصاحة والجمال والملاحة، والأصالة والبيان، ودعا له رسول الرحمن ﷺ ، كما وردت به الأحاديث الثابتة الأركان، عند الأئمة الحفاظ المرضيين أنه ﷺ "دعا له بأن يعلمه التأويل، وأن يفقهه في الدين". قال الزبير بن بكار (١): حدَّثني ساعدة بن عبيد اللَّه المزني، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد اللَّه بن عباس فيقرِّبه ويقول: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ دعاك يومًا فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وبه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم بارك فيه وانشر منه". وقال حماد بن سلمة: عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم (٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنبي ﷺ غسلًا، فقال: "من وضح هذا؟ " قالوا: عبد اللَّه بن عباس، فقال: "اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين". وقد رواه غير واحد (٣) عن ابن خُثَيم (٢) بنحوه. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عبد اللَّه بن بكر حدَّثنا حاتم بن أبي صغيرة (٥)، أبو يونس، عن عمرو بن دينار: أن كريبًا أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجَّرني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول اللَّه ﷺ على صلاته خنست فصلى رسول اللَّه ﷺ فلما انصرف قال لي (٦): "ما شأني أجعلك حذائي (٧) فتخنس"؟ فقلت: يا رسول اللَّه أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول اللَّه الذي أعطاك اللَّه ؟ قال: فأعجبته فدعا اللَّه لي أن يزيدني علمًا وفهمًا، قال: ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ نام حتى سمعته ينفُخُ (٨)، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول اللَّه الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءًا. وقال الإمام أحمد (٩) وغيره: حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، وسمعت عبيد اللَّه بن أبي يزيد يحدث عن ابن عباس قال: أتى رسولُ اللَّه ﷺ الخلاءَ فوضعتُ له وَضُوءًا، فلما خرج قال:

стр. 4178

"من وضع ذا؟ " فقيل ابن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وقال الثوري وغيره: عن ليث، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن ابن عباس أنه رأى جبريل وأن رسول اللَّه ﷺ دعا له بالحكمة، وفي رواية بالعلم، مرتين (١). وقال الدارقطني: حدَّثنا حمزة بن القاسم الهاشمي وآخرون قالوا: حدَّثنا العباس بن محمد، حدَّثنا محمد بن مصعب عن أبي مالك (٢) النخعي، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول اللَّه ﷺ بالحكمة مرتين ثم قال: غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عكرمة تفرّد به عنه أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا هشيم (٣)، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: ضمني رسول اللَّه ﷺ وقال: "اللهم علّمه الحكمة" (٤). ورواه أحمد أيضًا: عن إسماعيل بن عُلية، عن خالدٍ الحذاء، عن عكرمة عنه قال: ضمني إليه رسول اللَّه ﷺ وقال: "اللهم علّمه الكتاب". وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥) من حديث خالد وهو ابن مهران الحذَّاء، عن عكرمة عنه وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أبو سعيد، حدَّثنا سليمان بن بلال، حدَّثنا حسين بن عبد اللَّه عن (٧) عكرمة، عن ابن عباس. أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل". تفرد به أحمد، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا. ومنهم من أرسله عن عكرمة، والمتصل هو الصحيح، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس، وروي من طريق أمير المؤمنين المهدي، عن أبيه، عن أبي جعفر المنصور -عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس- عن أبيه، عن جده، عن عبد اللَّه بن عباس. أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم علمه الكتاب وفقهه في الدين". وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أبو كامل وعفان المعني قالا: حدَّثنا حمّاد، حدَّثنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. قال: كنت مع أبي عند النبي ﷺ وعنده رجل يناجيه، قال عفان: وهو

стр. 4179

كالمعرض عن العباس، فخرجنا من عنده فقال (١): ألم أر ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال عفان: فقال (٢): أو كان عنده أحد؟ قلت: نعم، قال فرجع إليه فقال: يا رسول اللَّه هل كان عندك أحد (٣)؟ فإن عبد اللَّه أخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، قال: هل رأيته يا عبد اللَّه؟ قال: قلت: نعم! قال: "ذاك جبريل ﵇". وقد روي من حديث المهدي عن آبائه، وفيه أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "أما إنك ستصاب في بصرك" (٤). وكان كذلك، وقد روي من وجه آخر أيضًا، واللَّه أعلم. ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل رواها قتيبة، عن الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد اللَّه في حاجة إلى رسول اللَّه ﷺ فوجد عنده رجلًا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان ذلك الرجل، فلقي رسولَ اللَّه ﷺ العباسُ بعد ذلك، فقال العباس: يا رسول اللَّه أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا فلم يستطع أن يكلمك فرجع وراءه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عم تدري من ذاك الرجل؟ " قال: لا! قال: "ذاك جبريل، ولن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا (٥). ورواه سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد كذلك، وله طرق أخرى. وقد ورد في فضائله أحاديث كثيرة منها ما هو منكر جدًا أضربنا عن كثير منها [صفحًا] وذكرنا ما فيه مقنع وكفاية عما سواه. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٦): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرني عبد اللَّه بن الحسن القاضي بمرو، حدَّثنا الحارث بن محمد، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قبض رسول اللَّه ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول اللَّه فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا بن عباس!! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من فيهم؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا بن عم رسول اللَّه ما جاء بك؟ هلَّا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا! أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.

стр. 4180

وقال محمد بن عبد اللَّه الأنصاري: حدَّثنا محمد بن عمرو بن علقمة، حدَّثنا أبو سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول اللَّه ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه (١). وقال محمد بن سعد (٢): أبنا محمد بن عمر، حدَّثني قدامة بن موسى، عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول اللَّه ﷺ ، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا منهم إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت أسأل أبي بن كعب يومًا -وكان من الراسخين في العلم- عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة. وقال أحمد: عن عبد الرزاق، عن معمر قال: عامة علم ابن عباس من ثلاثة، من عمر وعلي وأبيِّ بن كعب. وقال طاووس، عن ابن عباس أنه قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ . وقال مغيرة: عن الشعبي قال: قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلمَ؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول. وثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يُجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة ويقول: نِعْمَ ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس، وكان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول (٣). وثبت في الصحيح (٤) أن عمر سأل الصحابة عن تفسير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، فسكت بعض وأجاب بعضهم بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجَلُ رسولِ اللَّه ﷺ نُعيَ إليه، فقال: لا أعلم منها إلا بما تعلم، وأراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم. وسأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الأخير، فاستحسنه عمر واستجاده كما ذكرنا في التفسير (٥).

стр. 4181

وقد قال الحسن بن عرفة: حدَّثنا يحيى بن اليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمنا (١). وقال الأوزاعي: قال عمر لابن عباس: إنك لأصبح فتياننا وجهًا، وأحسنهم عقلًا، وأفقههم في كتاب اللَّه . وقال مجالد: عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال لي أبي: إن عمر بن الخطاب يدنيك ويجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثًا، لا تفشين له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا (٢). قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف. وقال الواقدي: حدَّثنا عبد اللَّه بن الفضل بن أبي عبد اللَّه، عن أبيه، عن عطاء بن يسار: أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات. قلت: وشهد فتح إفريقية سنة سبع وعشرين مع ابن أبي سرح (٣). وقال الزُّهري: عن علي بن الحسين، عن أبيه قال: نظر أبي إلى ابن عباس يوم الجمل يمشي بين الصفين، فقال: أقر اللَّه عين من له ابن عم مثل هذا. وقد شهد مع علي الجمل وصفين وكان أميرًا على الميسرة، وشهد معه قتال الخوارج. وكان ممن أشار على علي أن يستنيب معاوية على الشام، وأن لا يعزله عنها في بادئ الأمر، حتى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فوله شهرًا واعزله دهرًا، فأبى علي إلا أن يقاتله (٤)، فكان ما كان مما قد سبق [بيانه]. ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة علي ليكافئ عمرو بن العاص، فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن يكون من جهة علي أبو موسى الأشعري، وكان من أمر الحكمين ما سلف. وقد استنابه علي على البصرة، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة وفسر فيها سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا (٥).

стр. 4182

وهو أول من عرّف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله فيفسر شيئًا من القرآن، ويذكِّر الناس من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب (١)، وقد اختلف العلماء بعده في ذلك [فمنهم من كره ذلك وقال: هو بدعة لم يعملها رسول اللَّه ﷺ ولا أحد من أصحابه إلا ابن عباس، ومنهم من الممتحب ذللق لأجل ذكر اللَّه وموافقة الحجاج] (٢). وقد كان ابن عباس ينتقد على علي في بعض أحكامه فيرجع إليه علي في ذلك، كما قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، عن عكرمة: أن عليًا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم (٤) بالنار، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب اللَّه" وكنت (٥) قاتلهم لقول رسول اللَّه ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًا فقال: ويح ابن عباس. وفي رواية ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات. وقد كافأه علي، فإن ابن عباس كان يرى إباحة المتعة، وأنها باقية، وتحليل الحمر الإنسية، فقال علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول اللَّه ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر؟ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (٦) وغيرهما، وله ألفاظ هذا من أحسنها، واللَّه أعلم. وقال البيهقي: أبنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول: سمعت أبا نصر بن أبي ربيعة يقول: ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس -وكان علي خلَفه بها- فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث. آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف. وترك المراء ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه. وقال الواقدي: حدّثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن موسى بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه. قال: ما رأيت أحدًا أحْضَر فهمًا ولا ألبَّ لُبًّا، ولا أكثر عِلمًا، ولا أوسع حِلمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك مُعضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإنَّ حولَه لأهلُ بدرٍ من المهاجرين والأنصار (٧).

стр. 4183

وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: لو أدرك ابن عبَّاس أسناننا ما عَشرهُ منَّا أحد. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (١). وعن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل اللَّه على محمد ﷺ . وقال محمد بن سعد (٢): حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني يحيى بن العلاء، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول حين بلغه موت ابن عباس وصفَّق بإحدى يديه على الأخرى: مات اليوم أعلم الناس وأحلم الناس، وقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا تُرْتَق. وبه إلى يحيى بن العلاء، عن عمر بن عبد اللَّه، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال: لما مات ابن عباس قال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه منْ بين المشرق والمغرب في العلم. قال الواقدي: وحدّثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول: مولاك (٣) واللَّه أفقه من مات ومن عاش (٤). وروى ابن عساكر (٥): عن ابن عباس قال: دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أول ما التقيت أنا وهو، فإذا عنده أناس فقال: مرحبًا بابن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز علي بُعدًا ولا أحب إليّ قربًا (٦)، الحمد للَّه الذي أمات عليًا، قال ابن عباس: فقلت له: إن اللَّه لا يُذمُّ في قضائه، وغير هذا الحديث أحسن منه، ثم قلت له: أحب أن تعفيني من ابن عمي وأعفيك من ابن عمك، قال: ذلك لك. وقالت عائشة وأم سلمة حين حج ابن عباس بالناس: هو أعلم الناس بالمناسك (٧). وقال ابن المبارك: عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا بن عم رسول اللَّه ﷺ قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد: أنى يداك؟ فأخرج يديه فقبَّلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.

стр. 4184

وقال الواقدي: حدّثني داود بن جبير (١)، سَمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلم الناس (٢). وحدّثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: كان ابن عباس قد فات (٣) الناس بخصال؛ بعلم ما سبق إليه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب (٤) ونائل، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث النبي ﷺ منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم فيما مضى ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا ما يذكر فيه إلا التأويل، ويومًا ما يذكر فيه إلا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، ولا وجدت سائلًا سأله إلا وجد عنده علمًا. قال: وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتًا (٥). وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط. وقال عطاء: ما رأيت مجلسًا أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقهًا، ولا أعظم [هيبة]؛ أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، فكلهم يصدر في وادٍ واسع (٦). وقال الواقدي: حدّثني بشر بن أبي مسلم، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس قد بسق (٧) على الناس في العلم كما تبسق النخلة السحوق على الوَدِيِّ الصغار (٨). وقال ليث بن أبي سُليم: قلت لطاووس: لم لزمت هذا الغلام؟ -يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من الصحابة؟ فقال: إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله (٩). وقال طاووس أيضًا: ما رأيت أفقه منه، قال: وما خالفه أحد قط فتركه حتى يقرره. وقال علي بن المديني ويحيى بن معين وأبو نعيم وغيرهم عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن

стр. 4185

مجاهد. قال: ما رأيت مثله قط، ولقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة -يعني ابن عباس (١) -. وقال أبو بكر بن أبي شيبة وغيره: عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن مجاهد. قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه (٢). وروى الواقدي والزبير بن بكار عن مجاهد أنه قال: كان ابن عباس أمدهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علمًا. وقال مجاهد أيضًا: ما رأيت أحدًا قط أعرب لسانًا من ابن عباس. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلسه -يعني ابن عباس- الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام. وقال محمد بن سعد (٣): حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا سليم بن أخضر، عن سليمان التيمي -أنبأني من أرسله الحكم بن أيوب (٤) - إلى الحسن يسأله من أول من جمّع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة؟ فقال: إن أول من جمَّع ابن عباس، وكان رجلًا مِثَجًا -أحسب في الحديث- كثير العلم، وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة ويفسرها آية آية. وقد رُوي من وجه آخر عن الحسن البصري نحوه. وقال عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري: روى سفيان عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: كان ابن عباس أول من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسرهما حرفًا حرفًا. مثجى: قال ابن قتيبة: مِثَجًا من الثج وهو السَّيلان، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]. وقال يونس بن بكير: حدّثنا أبو حمزة الثمالي، عن أبي صالح: قال لقد رأيت من ابن عباس مجلسًا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرًا (٥)، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءًا، قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا. ثم

стр. 4186

قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل، قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها، فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم فخرجوا، قال أبو صالح: فلو أنَّ قريشًا كلها فخرت بذلك لكان فخرًا، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس. وقال طاوس وميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر ولا أفقه من ابن عباس (١)، قال ميمون: وكان ابن عباس أفقههما. وقال شريك القاضي، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس، فإذا نطق، قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس (٢). وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات (٣). وقال إسحاق بن راهويه: إنما كان كذلك، لأن ابن عباس كان قد أخذ ما عند علي من التفسير، وضم إلى ذلك ما أخذه عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبيّ بن كعب وغيرهم من كبار الصحابة. مع دعاء رسول اللَّه ﷺ له أن يعلمه اللَّه الكتاب. وقال أبو معاوية: عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرأها ويفسرها فجعلت أقول ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والروم لأسلمت (٤). وقد روى أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل: أن ابن عباس حج بالناس عام قتل عثمان، فقرأ سورة النور وذكر نحو ما تقدم، فلعل الأول كان في زمان علي فقرأ في تلك الحجة سورة البقرة، [وفي فتنة عثمان سورة النور، واللَّه أعلم].

стр. 4187

وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين من أوله إلى آخره أقف عند كل آية أسأله عنها. وروي عنه أنه قال أربع من القرآن لا أدري ما به جيء، الأواه، وحنانًا، والرقيم، والغسلين. وكل القرآن أعلمه إلا هذه الأربع (١). وقال ابن وهب وغيره عن سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سُئل عن مسألة، فإن كانت في كتاب اللَّه قال بها، فإن لم تكن وهي في السنة قال بها، فإن لم يقلها رسول اللَّه ﷺ فإن وجدها عن أبي بكر وعمر قال بها، وإلّا اجتهد رأيه (٢). وقال يعقوب بن سفيان (٣): حدّثنا أبو عاصم، وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي (٤)، عن كهمس بن الحسن، عن عبد اللَّه بن بريدة. قال: شتم رجل ابن عباس فقال له: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب اللَّه فلوددت أن الناس علموا منها مثل الذي أعلم، وإنى لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط؛ فأفرح به [وأدعو إليه] ولعلِّي لا أقاضي إليه، ولا أحاكم أبدًا، وإني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرح به ومالي بها من سائمة أبدًا. ورواه البيهقي (٥) عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن مكرم، عن يزيد بن هارون، عن كهمس به. وقال الواقدي: سأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فقال: كانت السماء رتقًا لا تمطر، والأرض رتقًا لا تنبت؛ ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات (٦). وقال ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، وكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام

стр. 4188

شطر اللّيل، ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب ويقرأ (١): ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. وقال الأصمعي: عن المعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم [عن أبي رجاء] (٢) قال: كان في هذا المكان -وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه يعني خدي ابن عباس- مثل الشراك البالي من البكاء (٣). وقال غيره: كان يصوم يوم الإثنين والخميس، وقال: أحب أن يرتفع عملي وأنا صائم (٤). وروى هُشيم (٥) وغيره عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أحبِّ الكلام إلى اللَّه . ومنْ أكرم العباد على اللَّه ، ومن أكرم الإماء على اللَّه . وعن أربعة فيهم الروح فلم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن مكانٍ في الأرض لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة، وعن قوس قزح ما هو؟ وعن المجرة. فبعث معاوية فسأل ابن عباس عنهن فكتب ابن عباس إليه: أما أحب الكلام إلى اللَّه فسبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأكرم العباد على اللَّه آدم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء. وأكرم الإماء على اللَّه مريم بنت عمران، وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم، فآدم وحواء وعصا موسى وكبش إبراهيم الذي فدى به إسماعيل. وفي رواية: وناقة صالح، وأما القبر الذي سار بصاحبه فهو حوت يونس، وأما المكان الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فهو البحر لما انفلق لموسى حتى جاز بنو إسرائيل فيه، وأما قوس قزح فأمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب في السماء، وفي رواية الذي ينشق منه. فلما قرأ ملك الروم ذلك أعجبه وقال: واللَّه ما هي من عند معاوية ولا من قوله، وإنما هي من عند أهل النبي ﷺ ، وقد ورد في هذه الأسئلة روايات كثيرة فيها وفي بعضها نظر (٦). منها: أنه سأله عمن لا قبل له، وعمَّن لا عشيرة له، وعمَّن لا أب له، وعن شيءٍ، ونصف شيءٍ ولا شيء؟ وأرسل قارورة؛ فقال: ابعث إليّ في هذه ببزر كلّ شيء. فكتب إليه يقول: أما الذي لا قبل له؛ فاللَّه ، وأما من لا عشيرة له؛ فآدم ﵇،

стр. 4189

وأما من لا أب له؛ فعيسى ﵇، وأما عن شيءٍ، فهو العاقل يعمل بعقله، وأما نصف شيء؛ فالذي له عقل ويعمل برأي غيره، وأما لا شيء؛ فالذي لا عقل له، ولا يعمل بعقل غيره. وملأ القارورة ماء وقال: هذا بزر كل شيء. فأعجب ذلك ملك الروم جدًّا (١). واللَّه أعلم. فصل وَلِيَ (٢) ابن عباس إقامة الحج سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان بن عفان له وهو محصور، وفي غيبته هذه قتل عثمان، وحضر ابن عباس مع علي الجمل، وكان على الميسرة يوم صفين، وشهد قتال الخوارج وتأمّر على البصرة من جهة علي، وكان إذا خرج منها يستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، وزياد بن أبي سفيان على الخراج، وكان أهلا البصرة مغبوطين به، يفقههم ويعلم جاهلهم، ولعظ مجرمهم، ويعطي فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات علي، ويقال إنَّه عزله عنها قبل موته، ثم وفد على معاوية فأكرمه وقربه واحترمه وعظمه، وكان يلقي عليه المسائل المعضلة فيجيب فيها سريعًا، فكان معاوية يقول: ما رأيت أحدًا أحضر جوابًا من ابن عباس، ولما جاء الكتاب بموت الحسن بن علي اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزَّاه فيه بأحسن تعزية، ورد عليه ابن عباس ردًا حسنًا كما قدَّمنا، وبعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس وعزَّاه بعبارة فصيحة بليغة وجيزة، شكره عليها ابن عباس وقد تقدم ذلك أيضًا. ولما مات معاوية ورام الحسين بن علي الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهي ولامه على عزمه آكد اللوم، وأراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين -لأن ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره- فلما قتل الحسين حزن عليه حزنًا شديدًا ولزم بيته، وكان يقول: يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شم تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم. وجاء إليه رجل يقال له جندب فقال له: أوصني، فقال: أوصيك بتوحيد اللَّه والعمل له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن كل خير أنت آتيه بعد ذلك منك مقبول، وإلى اللَّه مرفوع، يا جندب: إنك لن تزداد من موتك إلا قربًا، فصلِّ صلاة مودعٍ. واصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك وتبْ من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها وصرت إلى عدل اللَّه، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك (٣).

стр. 4190

وقال بعضهم: أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم، قال: لا تكلمن فيما لا يعنيك حتي ترى له موضعًا، ولا تمارين سفيهًا ولا حليمًا فإن الحليم يغلبك والسفيه يزدريك، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالإحسان مأخوذ بالإجرام. فقال رجل عنده: يا بن عباس! هذا خير من عشرة آلاف. فقال ابن عباس: كلمة منه خير من عشرة آلاف. وقال ابن عباس: تمام المعروف تعجيله وتصغيره وستره -يعني أن تعجل. العطية للمعطى، وأن تُصغَر في عين المعطي- وأن تسترها عن الناس فلا تُظهرها! [فإن في إظهارها فتح باب الرياء وكسر قلب المعطى، واستحياءه من الناس] (١). وقال ابن عباس: أعز الناس عليَّ جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت. وقال أيضًا: لا يكافئ من أتاني يطلب حاس جة فرآني لها موضعًا إلا اللَّه ، وكذا رجل بدأني بالسلام أو أوشع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ، ورجل حفظني بظهر الغيب. والمأثور عنه من هذه المكارم كثير جدًا، وفيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره. وقد عدّه الهيثم بن عدي في العميان من الأشراف، وفي بعض الأحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك. وقال بعضهم: أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه، فلما أصيبت الأخرى عاد إليه لحمه، فقيل له في ذلك، فقال: أصابني ما رأيتم في الأولى شفقة على الأخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي (٢). وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا علي بن الجعد، حدّثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقيل له: نفرغ من عينيك الماء على أن لا تصلي سبعة أيام. فقال: لا! إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي اللَّه وهو عليه غضبان. وفي رواية أنه قيل له: نزيل هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام لا تصلي إلا على عود، وفي رواية إلا مستلقيًا، فقال: لا واللَّه ولا ركعة واحدة، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقي اللَّه وهو عليه غضبان. وقد أنشد المدائني لابن عباس حين عمي: إن يأخذ اللَّه مِنْ عينيَّ نورهما … ففي لساني وسمعي منهما نورُ قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي دخلٍ … وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مأثور (٣)

стр. 4191

ولما وقع الخلف بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس ومحمد بن الحنفية الناس، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه، وقال كل منهما: لا نبايعك ولا نخالفك، فهمّ بهما فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من بالعراق من شيعتهما. فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة، وهموا بابن الزبير فهرب [فتعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ باللَّه] فكفوهم عنه [ثم مالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وقد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف، وأقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدًا] (١) كما تقدم. فلما كان في سنة ثمان وستين توفي ابن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: مات اليوم حبر هذه الأمة (٢). فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم يُرَ مثل خلقته، فدخل في أكفانه والتف بها (٣) حتى دفن معه. قال عفان: وكانوا يرون علمة (٤) [وعمله] فلما وضع في اللحد تلا تالٍ لا يعرف من هو. وفي رواية أنهم سمعوا من قبره: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩] هذا القول في وفاته هو الذي صححه غير واحد من الأئمة، ونص عليه أحمد بن حنبل والواقدي وابن عساكر (٥)، وهو المشهور عند الحفاظ (٦)؛ وقيل إنه توفي في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل سنة سبع وستين، وقيل سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين. والأول أصح، وهذه الأقوال كلها شاذة غريبة مردودة واللَّه [ ] أعلم. وكان عمره يوم مات ثنتين وسبعين سنة، وقيل إحدى وسبعين، وقيل أربع وسبعين، والأول أصح واللَّه أعلم. صفة ابن عباس ﵁ كان جسيمًا إذا قعد يأخذ مكان رجلين، جميلًا له وفرة، قد شاب مقدَّم رأسه، وشابت لِمَّتُهُ (٧)، وكان يخضب بالحنّاء، وقيل: بالسَّواد، حسن الوجه، يلبس حسنًا، ويكثر من الطِّيب بحيث إنه كان إذا مَرَّ في الطريق يقول النساء: هذا ابن عباس أو رجل معه مسك، وكان وسيمًا أبيضَ طويلًا جسيمًا فصيحًا، ولما عمي اعترى لونه صفرةٌ يسيرة. وقد كان بنو العباس عشرة، وهم الفضل، وعبد اللَّه،

стр. 4192

وعبيد اللَّه، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وكثير، والحارث، وعون، وتمام. وكان أصغرهم تمام، ولهذا كان يحمله ويقول: تمُّوا بتمامٍ فصاروا عشرَهْ … يا ربِّ فاجعلهمْ كرامًا بررَهْ واجعلهمُ ذكرًا وأنمِ الثمرَه فأما الفضل فمات بأجنادين شهيدًا، وعبد اللَّه بالطائف، وعبيد اللَّه باليمن، ومعبد وعبد الرحمن بإفريقية، وقثم وكثير بينبع، وقيل إن قثمًا مات بسمرقند. وقد قال مسلم بن حماد (١) المكي مولى بني مخزوم: ما رأيت مثل بني أمٍّ واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة، أبعد قبورًا من بني أم الفضل، ثنم ذكر مواضع قبورهم كما تقدم، إلا أنه قال الفضل مات بالمدينة، وعبيد اللَّه بالشام (٢). وقد كان عبد اللَّه بن عباس يلبس الحُلَّة بألف درهم، وكان له من الولد العباس وعلي، وكان علي يدعى السَّجَّاد لكثرة صلاته، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض [وقد قيل إنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وقيل في الليل والنهار مع الجمال التام، وعلى هذا فهو أبو الخلفاء العباسيين، ففي ولده كانت الخلافة العباسية كما سيأتي] (٣) وكان لابن عباس أيضًا محمد والفضل وعبد اللَّه (٤) ولبابة (٥)، وأمهم زُرعة بنت مسرِّح بن معديكَرِب، وله أسماء وهي لأم ولد، وكان له من الموالي عكرمة وكريب وأبو معبد وشعبة ودقيق وأبو عمرة وأبو عبيد ومقسم (٦). وأسند ألفًا وستمئة وستين (٧) حديثًا [واللَّه أعلم]. وممن توفي في هذه السنة: أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي (٨)، اختلف في اسمه على أقوال أصحها خويلد بن عمرو، أسلم عام الفتح، وكان معه أحد ألوية بني كعب الثلاثة.

стр. 4193

قال محمد بن سعد: مات في هذه السنة وله أحاديث. وفيها توفي: أبو واقد اللّيثي (١)، صحابي جليل، مختلف في اسمه وفي شهوده بدرًا. قال الواقدي: توفي سنة ثمان وستين عن خمس وستين سنة، وكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته. وزعم بعضهم أنه عاش سبعين سنة، وكانت وفاته بمكة بعد ما جاور بها سنة ودفن في مقابر المهاجرين. حميد بن ثور التربي (٢)، الشاعر المشهور، قال الشعر في أيام عمر بن الخطاب وهو من فحول الشعراء (٣). ثم دخلت سنة تسع وستين ففيها كان مقتل عمرو بن سعيد الأشدق الأموي قتله عبد الملك بن مروان، وكان سبب ذلك أن عبد الملك ركب في أول هذه السنة في جنوده قاصدًا قرقيسيا ليحاصر زفر بن الحارث الكلابي الذي أعان سليمان بن صُرَد على جيش مروان حين قاتلوهم بعين وردة. وكان زفر بن الحارث قد انهزم يوم مرج راهط وخلع مروان وبايع لابن الزبير فبعث إليه مروان عبيد اللَّه بن زياد في ستين ألفًا وجعل له مهما غلب عليه من العراق؛ فلما بلغ عبيد اللَّه أرض الجزيرة بلغه موت مروان وكان قد حاصر زفر بن الحارث مدة ثم قدم جيش التوابين، فقاتلهم عبيد اللَّه بن زياد وانتصر عليهم، ثم عاد لحصار زفر بن الحارث، فلما أرسل المختار جيثه مع ابن الأشتر كسروا جيش الشام وقتلوا عبيد اللَّه بن زياد كما ذكرنا؛ فحينئذٍ تجهز عبد الملك بن مروان وخرج بالعساكر يريد قتال زفر (٤).

стр. 4194

ومن عزمه إذا فرغ من ذلك أن يقصد مصعب بن الزبير بعد ذلك، فلما سار إليها استخلف على دمشق عمرو بن سعيد الأشدق، فتحصن بها وأخذ أموال بيت المال. وقيل: بل كان مع عبد الملك ولكنه انخذل من الجيش وكرَّ راجعًا إلى دمشق في اللّيل، ومعه حُميد بن حُريث بن بَحْدل الكلبي، وزهير بن الأبرد الكلبي، فانتهوا إلى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم نائبًا من جهة عبد الملك، فلما أحس بهم هرب وترك البلد فدخلها عمرو بن سعيد الأشدق فاستحوذ على ما فيها من الخزائن، وخطب الناس فوعدهم العدل والنصف والعطاء الجزيل والثناء الجميل، ولما علم عبد الملك بما فعله عمرو بن سعيد كر راجعًا من فوره فوجد الأشدق قد حصَّن دمشق وعلق عليها الستائر والمسوح، وانحاز الأشدق إلى حصن رومي منيع كان بدمشق فنزله. فحاصره عبد الملك وقاتله الأشدق لمدة ست عشرة ليلة، وراسله عبد الملك وقال له: أنشدك اللَّه والرحم أن تفسد أمر بيتك، وما هم عليه من اجتماع الكلمة، وأن فيما صنعت قوة لابن الزبير فارجع إلى بيعتك ولك عليَّ عهد اللَّه وميثاقه، وحلف له بالأيمان المؤكدة إنك ولي عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابًا فانخدع له عمرو وفتح أبواب دمشق (١). ثم اصطلحا على ترك القتال، وعلى أن يكون ولي العهد بعد عبد الملك، وعلى أن يكون لكل عامل لعبد الملك عامل له وذلك عشية الخميس، ودخل عبد الملك دمشق إلى دار الإمارة على عادته، وبعث إلى عمرو بن سعيد الأشدق يقول له: أرجع على الناس أعطياتهم التي أخذتها لهم من بيت المال، فبعث إليه الأشدق: إن هذا ليس إليك، وليس هذا البلد لك فاخرج منه، فلما كان يوم الإثنين بعث عبد الملك إلى الأشدق يأمره بالإتيان إلى منزله بدار الإمارة الخضراء، فلما جاءه الرسول صادف عنده عبد اللَّه بن يزيد بن معاوية وهو زوج ابنته أم موسى بنت عمرو بن سعيد؛ فاستشاره عمرو بن سعيد في الذهاب إليه فقال له: يا أبا سعيد (٢) واللَّه لأنت أحب إليّ من سمعي وبصري، وأرى أن لا تأتيه، فإن تُبيعًا الحِمْيري ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيمًا من عظماء بني إسماعيل يغلق أبواب دمشق فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: واللَّه لو كنت نائمًا ما تخوفت أن ينبهني ابن الزرقاء، وما كان ليجترئ على ذلك مني، مع أن عثمان بن عفان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه، وقال عمرو بن سعيد للرسول: أبلغه السلام وقل له: أنا رائح إليك العشية إن شاء اللَّه. فلما كان العشي -يعني بعد الظهر- لبس عمرو درعًا بين ثيابه وتقلّد سيفه ونهض فعثر بالبساط فقالت امرأته وبعض من حضره: إنا نرى أن لا تأتيه، فلم يلتفت إلى ذلك ونهض في مئة من مواليه، وكان عبد الملك قد أمر بني مروان فاجتمعوا كلهم عنده، فلما انتهى عمرو إلى الباب أمر عبد الملك أن يدخل وأن يحبس من معه عند كل باب طائفة منهم، فدخل حتى انتهى إلى صرحة المكان الذي فيه عبد الملك، ولم يبق معه من مواليه سوى وصيف، فرمى ببصره فإذ بنو

стр. 4195

مروان عن بكرة أبيهم مجتمعون عند عبد الملك، فأحس بالشرِّ فالتفت إلى ذلك الوصيف فقال له همسًا: ويلك انطلق إلى أخي يحيى فقل له فليأتني، فلم يفهم عنه وقال له: لبيك، فأعاد عليه ذلك فلم يفهم أيضًا وقال: لبيك، فقال: ويلك اغرب عني في حرق اللَّه وناره، وكان عند عبد الملك حسان بن مالك بن بَحْدل، وقبيصة بن ذؤيب، فأذن لهما عبد الملك في الانصراف، فلما خرجا غلقت الأبواب واقترب عمرو من عبد الملك فرحَّب به وأجلسه معه على السرير، ثم جعل يحدثه طويلًا، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا للَّه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: أو تطمع أن تتحدث معي متقلدًا سيفك؟ فأخذ الغلام السيف عنه، ثم تحدَّثا ساعة، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال:: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إنك حيث خلعتني آليت بيميني إن ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة (١)، فقالت بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين، فقال ثم أطلقه، وما عسيت أن أفعل بأبي أمية، فقال بنو مروان: بر يمين أمير المؤمنين، فقال: فأبرَّ قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال: يا غلام قم فاجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس، فقال عبد الملك: أمكرًا يا أبا أميَّة عند الموت؟ لاها اللَّه إذًا! ما كنّا لنُخرجك في جامعة على رؤوس الناس ولمّا نُخرجها منك إلا صُعدًا، ثم اجتذبه اجتذابة أصاب فمه السريرُ فكسر ثنيَّته، فقال عمرو: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين أن يدعوك كسر عظمي إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال عبد الملك: واللَّه لو أعلم أنك إذا بقيت تفي لي، وتصلح قريش لأطلقتُكَ، ولكن ما اجتمع رجلان في بلد قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وفي رواية أنه قال له: أما علمت يا عمرو أنه لا يجتمع فحلان في شَرَكٍ (٢)؟ فلما تحقق عمرو ما يريد من قتله قال له: أغدرًا يا بن الزرقاء؟ [وأسمعه كلامًا رديئًا بشعًا] (٣) وبينما هما كذلك إذ أذن المؤذن للعصر، فقام عبد الملك ليخرج إلى الصلاة. وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان بقتله، وخرج عبد الملك وقام إليه عبد العزيز بالسيف فقال له عمرو: أذكرك اللَّه والرحم أن لا تلي ذلك مني، وليتولّ ذلك غيرك، فكف عنه عبد العزيز. ولما رأى الناس عبد الملك قد خرج وليس معه عمرو أرجف الناس بعمرو، فأقبل أخوه يحيى بن سعيد في ألف عبدٍ لعمرو بن سعيد وأناس معهم كثير، وأسرع عبد الملك الدخول إلى الخضراء (٤)، وجاء أولئك فجعلوا يدقون باب الإمارة ويقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، وضرب رجل منهم الوليد بن عبد الملك في رأسه بالسيف فجرحه، فأدخله إبراهيم بن عدي (٥) صاحب

стр. 4196

الديوان بيتًا، وأحرزه فيه، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وضجت الأصوات، ولما رجع عبد الملك [وجد أخاه لم يقتله فلامه وسبه وسب أمه - ولم تكن أم عبد العزيز أم عبد الملك (١)] فقال له: ناشدني اللَّه والرَّحم، وكان ابن عَمَّةِ عبد الملك بن مروان، ثُمَّ إن عبد الملك قال: يا غلام ائتني بالحربة، فأتاه بها فهزها وضربه بها فلم تَجُز شيئًا، ثم ثنَّى فلم تغن شيئًا، فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مَسّ الدرع فضحك وقال: ودارع أيضًا؟ إن كنت لمعدًّا، يا غلام ائتني بالصَّمصامة (٢)، فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول: يا عمرو إلَّا تَدَعْ شَتْمي ومنقصتي … أَضرِبْكَ حتى (٣) تقولَ الهامةُ: اسقوني (٤) قالوا: وانتفض عبد الملك بعد ما ذبحه كما تنتفض القصبة برعدة شديدة جدًا، بحيث إنهم ما رفعوه عن عمروٍ إلا محمولًا، فوضعوه على سريره وهو يقول: ما رأيت مثل هذا قط قَتَلَه (٥) صاحب دنيا ولا آخرة، ودفع الرأس إلى عبد الرحمن بن أم الحكم فخرج إلى الناس فألقاه بين أظهرهم، وخرج عبد العزيز بن مروان ومعه البدر من الأموال تحمل، فألقيت بين الناس فجعلوا يختطفونها، ويقال: إنها استرجعت بعد ذلك من الناس إلى بيت المال. ويقال: إن الذي ولي قتل عمرو بن سعيد مولى عبد الملك أبو الزُّعَيْزِعَة بعدما خرج عبد الملك إلى الصلاة، فاللَّه أعلم. وقد دخل يحيى بن سعيد -أخو عمرو بن سعيد- دار الإمارة بعد مقتل أخيه بمن معه فقام إليهم بنو مروان فاقتتلوا، وجُرح جماعاتٌ من الطائفتين، وجاءت يحيى بن سعيد صخرة في رأسه أشغلته عن نفسه [وعن القتال]. ثمَّ إنَّ عبد الملك بن مروان خرج إلى المسجد الجامع فصعد المنبر فجعل يقول: ويحكم أين الوليد؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عدي (٦) الكناني فقال: هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة وليس عليه بأس، ثم أمر عبد الملك بيحيى بن سعيد أن يقتل فتشفع فيه أخوه عبد العزيز بن مروان، وفي جماعات آخرين معه كان عبد الملك قد أمر بقتلهم يومئذٍ، فشفعه فيهم وأمر بحبسه فحبس شهرًا، ثم سيره وبني عمرو بن سعيد وأهليهم إلى العراق فدخلوا على مصعب بن الزبير فأكرمهم وأحسن إليهم.

стр. 4197

ثم لما انعقدت الجماعة لعبد الملك بعد مقتل ابن الزبير كما سيأتي، وفدوا عليه فكاد يقتلهم فتلطَّف بعضهم في العبارة حتى رَقَّ لهم رقَّةً شديدة، فقال لهم عبد الملك: إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعاني لحقكم فأحسن جائزتهم وقرَّبهم. وقد كان عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو بن سعيد أن ابعثي إليّ بكتاب الأمان الذي كنت كتبته لعمرو، فقالت: إني دفنته معه ليحاكمك به يوم القيامة عند اللَّه (١). وقد كان مروان بن الحكم وعد عمرو بن سعيد هذا أن يكون ولي العهد من بعد ولده عبد الملك، كلامًا مجردًا، فطمع في ذلك وقويت نفسه بسبب ذلك، وكان عبد الملك يبغضه بغضًا شديدًا من حال الصغر، ثم كان هذا صنيعه إليه في الكبر. قال ابن جرير (٢): وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرّته حتى قتلته؟ فقال: أدنتيه (٣) مني ليسكنَ روعهُ … فأَصولٌ (٤) صولةَ حازمٍ مستمكنِ (٥) غضبًا ومحميةً لديني إنَّهُ … ليسَ المسيءُ سبيلُهُ كالمُحسنِ (٦) قال خليفة بن خياط (٧): وهذا الشعر للضبي بن أبي رافع تمثل به عبد الملك. وروى ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الشعبي، عن عبد الملك قال: لقد كان عمرو بن سعيد أحب إليّ من دم النواظر، ولكن واللَّه لا يجتمع فحلان في الإبل إلا أخرج أحدهما الآخر، وإنا لكما قال أخو بني يربوع: أُجازي مَنْ جزاني الخيرَ خيرًا … وجازي الخيرِ يجزي بالنوالِ وأجزي من جزاني الشرَّ شرًّا … كما تحذا النعالُ على النعالِ قال خليفة بن خياط: وأنشد أبو اليقظان لعبد الملك في قتله عمرو بن سعيد: صحّتْ ولا تشلل وضرتْ عدوها … يمينٌ أراقتْ مهجةَ ابنِ سعيدِ وجدت ابنَ مروان ولا نبلَ عندهُ … شديدًا ضرير الناسِ غيرَ بليدِ

стр. 4198

هو ابن أبي العاصي لمروانَ ينتهي … إلى أسرة طابتْ لهُ وجدودِ وكان الواقدي (١) يقول: أما حصار عبد الملك لعمرو بن سعيد الأشدق فكان في سنة تسع وستين، رجع إليه من بطنان (٢) فحاصره بدمشق، ثم كان قتله في سنة سبعين، واللَّه أعلم. وهذه ترجمة الأشدق (٣) هو عمرو بن سعيد بن العاص (٤) بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، يقال إنه رأى النبي ﷺ (٥) وروى عنه أنه قال: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن" (٦) وحديثًا آخر في العتق، وروى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة، وحدث عنه بنوه أمية وسعيد وموسى وغيرهم، واستنابه معاوية على المدينة، وكذلك يزيد بن معاوية بعد أبيه كما تقدم، وكان من سادات المسلمين، ومن الكرماء المشهورين، يعطي الكثير، ويتحمل العظائم، وكان وصي أبيه من بين بنيه (٧)، وكان أبوه كما قدمنا من المشاهير الكرماء، والسادة النجباء، قال عمرو: ما شتمت رجلًا منذ كنت رجلًا، ولا كلفت من قصدني أن يسألني، لهو أمنّ عليّ مني عليه. وقال سعيد بن المسيب: خطباء الناس في الجاهلية الأسود بن عبد المطلب، وسهيل بن عمرو، وخطباء الناس في الإسلام معاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وعبد اللَّه بن الزبير. وقد قال الإمام أحمد (٨): حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا علي بن زيد، أخبرني من سمع

стр. 4199

أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليرعُفنَّ على منبري جبَّارٌ من جَبَابرة بني أمية حتى يسيل رُعافه". قال: فأخبرني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول اللَّه ﷺ حتى سال رعافه. وهو الذي كان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحَرّة أيام يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير، فنهاه أبو شريح الخزاعي وذكر له الحديث الذي سمعه من رسول اللَّه ﷺ في تحريم مكة، فقال: نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرام لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدمٍ، ولا فارًّا بجزية (١)، الحديث كما تقدم وهو في الصحيحين (٢). ثم إن مروان دخل إلى مصر بعدما دعا إلى نفسه واستقر له الشام، ودخل معه عمرو بن سعيد ففتح مصر، وقد كان وعد عمرًا أن يكون ولي العهد من بعد عبد الملك، وأن يكون قبل ذلك نائبًا بدمشق، فلما قويت شوكة مروان رجع عن ذلك، وجعل الأمر من بعد ذلك لولده عبد العزيز، وخلع عَمرًا. فما زال ذلك في نفسه حتى كان من أمره ما تقدم، فدخل عمرو دمشق وتحصن بها وأجابه بها، فحاصره عبد الملك ثم استنزله على أمان صوري، ثم قتله كما قدمنا. وكان ذلك في هذه السنة على المشهور عند الأكثرين، وقال الواقدي وأبو سعيد بن يونس: سنة سبعين، فاللَّه أعلم. ومن الغريب ما ذكره هشام بن محمد الكلبي بسند له أن رجلًا سمع في المنام قائلًا يقول على سور دمشق قبل أن يخرج عمرو بالكلية، وقبل قتله بمدة [هذه الأبيات]: ألا يا لقوم (٣) للسفاهةِ والوهنِ … وللفاجر الموهونِ (٤) والرأي ذي (٥) الأفنِ ولابن سعيدٍ بينما هوَ قائم … على قَدميهِ خرّ للوجهِ والبطنِ رأى الحصنَ منجاةً من الموتِ فالتجا … إليهِ فزارتهُ المنيةُ في الحصنِ قال: فأتى الرجل عبد الملك فأخبره فقال: ويحك سمعها منك أحد؟ قال: لا! قال: فضعها تحت قدميك، قال: ثم بعد ذلك خلع عمرو الطاعة وقتله عبد الملك بن مروان (٦). [وقد قيل إن عبد الملك لما حاصره راسله وقال: أنشدك اللَّه والرحم أن تدع أمر بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة فإن فيما صنعت قوة لابن الزبير علينا، فارجع إلى بيعتك ولك عليّ عهد اللَّه وميثاقه،

стр. 4200

وحلف له بالأيمان المؤكدة أنك ولي عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابًا، فانخدع له عمرو وفتح له أبواب دمشق فدخلها عبد الملك وكان من أمرهما ما تقدم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا: أبو الأسود الدؤلي (٢) ويقال له الديلي: قاضي الكوفة، تابعي جليل، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة (٣) بن عدي بن الدُّئل بن بكر، أبو الأسود الذي نسب إليه علم النحو، ويقال بأنه أول من تكلم فيه، وإنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلف في اسمه على أقوال، أشهرها أن اسمه ظالم بن عمرو، وقيل عكسه. وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم. قال وقد أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وشهد الجمل مع علي، وكان من وجوه شيعته ومن أكملهم رأيًا وعقلًا، وقد أموه علي بوضع النحو، فلما رآه علي قال له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت (٤). وهلك في ولاية عبيد اللَّه بن زياد. وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد اللَّه العجلي: كان ثقة وهو أول من تكلَّم في النحو. وقال ابن معين وغيره: مات بالطاعون الجارف سنة تسع وستين. قال القاضي ابن خلِّكان (٥): وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد كان ابتداؤها في سنة تسع وتسعين. قلت: وهذا غريب جدًا. قال ابن خلِّكان وغيره: كان أول من ألقى إليه علم النحو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وذكر له أن الكلام اسم وفعل وحرف، ثم إن أبا الأسود نحى نحوه وفرع على قوله، وسلك طريقه، فسمي هذا العلم النحو لذلك، وكان الباعث لأبي الأسود على بسط ذلك تغير لغة الناس، ودخول اللحن في كلام بعضهم أيام ولاية زياد على العراق، وكان أبو الأسود مؤدب بنيه، فإنه جاء رجل يومًا إلى زياد فقال: توفي أبانا وترك بنون، فأمره زياد أن يضع للناس شيئًا يهتدون به إلى معرفة كلام العرب.

стр. 4201

ويقال إن أول ما وضع منه باب التعجب من أجل أن ابنته قالت له ليلة: يا أبة ما أحسنُ (١) السماء [قال نجومها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها] فقال قولي: ما أحسنَ السماءَ. قال ابن خلكان (٢): وقد كان أبو الأسود يُبخَّل. وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنا مثلهم، وعَشّى ليلةً مسكينًا ثم قيَّده وبيَّته عنده ومنعه أن يخرج ليلته تلك لئلا يؤذي المسلمين بسؤاله، فقال له المسكين: أطلقني، فقال هيهات، إنما عشيتك لأريح منك المسلمين الليلة، فلما أصبح أطلقه. وله شعر حسن ﵀. قال ابن جرير (٣): وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وقد أظهر خارجيٌّ التحكيم بمنى فقُتل عند الجمرة. والنواب فيها هم الذين كانوا في السنة التي قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: جابر بن سمرة بن جنادة (٤)، له صحبة ورواية ولأبيه أيضًا صحبة ورواية، وقيل توفي في سنة ست وستين فاللَّه أعلم. أسماء بنت يزيد (٥) بن السكن الأنصارية، بايعت النبي ﷺ ويقال لها: أم سليم، وقتلت بعمود خيمتها يوم اليرموك تسعة من الروم [ليلة عرسها] وسكنت دمشق ودفنت بباب الصغير. حسان بن مالك بن بحدل (٦) الأمير أبو سليمان الكلبي وهو الذي قام ببيعة مروان لما تولى الخلافة، مات في هذه السنة، واللَّه سبحانه أعلم. وقيل: إنهم سلَّموا عليه بالخلافة أربعين يومًا ثم سلَّمها لمروان، وقصر حسان بدمشق ويعرف بقصر ابن أبي الحديد، وهو قصر البحادلة.

стр. 4202

يوسف بن الحكم الثقفي (١)، والد الحجاج، قدم من الطائف إلى الشام ثم ذهب إلى مصر والمدينة، وكان يلزم مروان. عبد الرحمن بن الحكم (٢) أخو مروان، شهد الدار مع عثمان بن عفان، وكان شاعرًا محسنًا، وله قولة عند معاوية وابنة (٣). ثم دخلت سنة سبعين من الهجرة فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف [الواقع] بين عبد الملك بن مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبد الملك في كل جمعة ألف دينار خوفًا منه على الشام. وفيها كان الوباء بمصر فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان وهي على مرحلة من القاهرة، واتخذها منزلًا واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دارًا للإمارة وجامعًا، وأنزلها الجند. وفيها ركب مصعب بن الزبير من البصرة إلى مكة ومعه أموال جزيلة. فأعطى وفرق ونحر عند الكعبة ألف بدنة وعشرين ألف شاة، وأغنى ساكني مكة ثم عاد إلى العراق، وأنعم (٤) وأطلق لجماعة من رؤساء الناس بالحجاز [أموالًا كثيرة]. وحج بالناس فيها ابن الزبير، والعمال على الأمصار المذكورون فيما قبل (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: عاصم بن عمر بن الخطاب (٦) القرشي العدوي، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلح (٧)، ولد

стр. 4203

في حياة رسول اللَّه ﷺ ، ولم يرو إلا عن أبيه حديثًا واحدًا "إذا أقبل الليل من هاهنا" الحديث (١). وعنه ابناه حفص وعبيد اللَّه (٢)، وعروة بن الزبير. وقد طلَّق أبوه أمه فأخذته جدته الشموس بنت أبي عامر، حكم له بها الصدّيق وقال: شمها ولطفها أحب إليه منك. ثم لما زوجه أبوه في أيام إمارته أنفق عليه من بيت المال شهرًا، ثم كفَّ عن الإنفاق عليه وأعطاه ثُمنَ ماله وأمره أن يتجر وينفق على عياله. وذكر غير واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال: هي لك، فقال له: بل هي لك، فتركاها ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ورثتهما حتى أخذها الناس من كل جانب. وكان عاصم رئيسًا وقورًا كريمًا فاضلًا. قال الواقدي: مات سنة سبعين بالمدينة. وممن توفي فيها أيضًا: قبيصة بن جابر (٣) بن وهب الأسدي الكوفي، أبو العلاء من كبار التابعين شهد خطبة عمر بالجابية وكان أخو معاوية من الرضاعة، وكان من الفصحاء البلغاء. قيس بن ذَريح (٤) أبو زيد الليثي الشاعر، المشهور أنه من بادية الحجاز، وقيل إنه أخو الحسين بن علي من الرضاعة، وكان يهوى أم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية، ثم تزوج بها ثم طلقها، فلما طلقها زاد ما به من الغرام (٥) وجعل يقول فيها الأشعار ونحل جسمه، فلما زاد ما به أتاه ابن أبي عتيق فأخذه ومضى به إلى عبد اللَّه بن جعفر فقال له: فداك أبي وأمي، اركب معي في حاجة، فركب واستنهض معه أربعة نفر من وجوه قريش فذهبوا معه وهم لا يدرون ما يريد، حتى أتى بهم باب زوج لبنى، فخرج

стр. 4204

إليهم فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني اللَّه فداكم! ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبي عتيق، فقال الرجل: اشهدوا أن حاجته مقضية، وحكمه جائز، فقالوا: أخبره بحاجتك، فقال ابن أبي عتيق: اشهدوا علي أن زوجته لبنى منه طالق، فقال عبد اللَّه بن جعفر: قبحك اللَّه، ألهذا جئت بنا؟ فقال: جعلت فداكُم يطلق هذا على زوجته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم في هواها صبابة، واللَّه لا أبرح حتى ينتقل متاعها [إلى بيت قيس] ففعلت وأقاموا مدة في أرغد عيش [وأطيبه] رحمهم اللَّه تعالى. يزيد بن زياد (١) ربيعة الحميري، الشاعر، كان كثير الشعر والهجو، وقد أراد عبيد اللَّه بن زياد قتله لكونه هجا أباه زيادًا، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدّبه، فسقاه دواءً مسهلًا وأركبه على حمار وطاف به في الأسواق وهو يسلح على الحمار فقال في ذلك: يغسلُ الماءُ ما صنعتَ وشعري … راسخٌ منك في العظامِ البوالي (٢) بشير بن النضر (٣)، قاضي مصر، كان رزقه في العام ألف دينار، توفي بمصر، وولي بعده عبد الرحمن بن حمزة الخولاني [واللَّه سبحانه أعلم]. مالك بن يخامِر (٤)، السكسكي، الألهاني، الحمصي، تابعي جليل، ويقال له صحبة، فاللَّه أعلم. روى البخاري (٥) من طريق معاوية عنه عن معاذ بن جبل في حديث الطائفة الظاهرة على الحق أنهم بالشام، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، إلا أن يقال بصحبة مالك بن يخامر، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، وكان من أخص أصحاب معاذ بن جبل ﵁. قال غير واحد: مات في هذه السنة، وقيل سنة اثنتين وسبعين، واللَّه أعلم.

стр. 4205

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ففيها كان مقتل مصعب بن الزبير، وذلك أن عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام قاصدًا مصعب بن الزبير، فالتقيا في هذه السنة، وقد كانا قبلها يركب كل واحد ليلتقي بالآخر فيحول بينهما الشتاء والبرد والوحل، فيرجع كل واحد منهما إلى بلده، فلما كان في هذا العام سار إليه عبد الملك وبعث بين يديه السرايا، ودخل بعض من أرسله إلى البصرة فدعا أهلها إلى عبد الملك في السر، فاستجاب له بعضهم [وقد كان مصعب سار إلى الحجاز فجاء ودخل البصرة] (١) على إثر ذلك، فأنَّب الكبراء من الناس وشتمهم ولامهم على دخول أولئك إليهم، وإقرارهم لهم على ذلك، وهَدَمَ دور بعضهم، ثم شخص إلى الكوفة، ثم بلغه قصد عبد الملك له بجنود الشام فخرج إليه ووصل عبد الملك إلى مَسكِن، وكتب إلى المروانية الذين استجابوا لمن بعثه إليهم فأجابوه، واشترطوا عليه أن يوليهم أصبهان فقال نعم -وهم جماعة كثيرة من الأمراء- وقد جعل عبد الملك على مقدمته أخاه محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وخرج مصعب وقد اختلف عليه أهل العراق، وخذلوه وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل ووطن نفسه على ذلك، وقال: لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع عن إلقائه يده، والذلة لعبيد اللَّه بن زياد، وجعل ينشد ويقول مسليًا نفسه (٢): وإن الأُلى بالطَّفِّ من آلِ هاشمٍ … تأسَّوا فسَنّوا للكرامِ التأسِّيا وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أمرائه أن يبعث إلى مصعب جيشًا، وأن يقيم هو بالشام، فأبى وقال: لعلي إن بعثت رجلًا شجاعًا كان لا رأي له، ومن له رأي ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصرًا بالحرب وشجاعةً، وإن مصعبًا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش [وأخوه لا تجهل شجاعته] وهو شجاع ومعه من يخالفه ولا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والخفْض (٣) ومعي من ينصح لي ويوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات، وجاء إبراهيم بن الأشتر إلى مصعب فألقى إليه كتابًا مختومًا (٤) وقال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الإتيان إليه وله نيابة العراق، وقال لمصعب: أيها
следующие страницы →