← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

ويقال إن أول ما وضع منه باب التعجب من أجل أن ابنته قالت له ليلة: يا أبة ما أحسنُ (١) السماء [قال نجومها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها] فقال قولي: ما أحسنَ السماءَ. قال ابن خلكان (٢): وقد كان أبو الأسود يُبخَّل. وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنا مثلهم، وعَشّى ليلةً مسكينًا ثم قيَّده وبيَّته عنده ومنعه أن يخرج ليلته تلك لئلا يؤذي المسلمين بسؤاله، فقال له المسكين: أطلقني، فقال هيهات، إنما عشيتك لأريح منك المسلمين الليلة، فلما أصبح أطلقه. وله شعر حسن ﵀. قال ابن جرير (٣): وحج بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن الزبير، وقد أظهر خارجيٌّ التحكيم بمنى فقُتل عند الجمرة. والنواب فيها هم الذين كانوا في السنة التي قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: جابر بن سمرة بن جنادة (٤)، له صحبة ورواية ولأبيه أيضًا صحبة ورواية، وقيل توفي في سنة ست وستين فاللَّه أعلم. أسماء بنت يزيد (٥) بن السكن الأنصارية، بايعت النبي ﷺ ويقال لها: أم سليم، وقتلت بعمود خيمتها يوم اليرموك تسعة من الروم [ليلة عرسها] وسكنت دمشق ودفنت بباب الصغير. حسان بن مالك بن بحدل (٦) الأمير أبو سليمان الكلبي وهو الذي قام ببيعة مروان لما تولى الخلافة، مات في هذه السنة، واللَّه سبحانه أعلم. وقيل: إنهم سلَّموا عليه بالخلافة أربعين يومًا ثم سلَّمها لمروان، وقصر حسان بدمشق ويعرف بقصر ابن أبي الحديد، وهو قصر البحادلة.

стр. 4202

يوسف بن الحكم الثقفي (١)، والد الحجاج، قدم من الطائف إلى الشام ثم ذهب إلى مصر والمدينة، وكان يلزم مروان. عبد الرحمن بن الحكم (٢) أخو مروان، شهد الدار مع عثمان بن عفان، وكان شاعرًا محسنًا، وله قولة عند معاوية وابنة (٣). ثم دخلت سنة سبعين من الهجرة فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف [الواقع] بين عبد الملك بن مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبد الملك في كل جمعة ألف دينار خوفًا منه على الشام. وفيها كان الوباء بمصر فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان وهي على مرحلة من القاهرة، واتخذها منزلًا واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دارًا للإمارة وجامعًا، وأنزلها الجند. وفيها ركب مصعب بن الزبير من البصرة إلى مكة ومعه أموال جزيلة. فأعطى وفرق ونحر عند الكعبة ألف بدنة وعشرين ألف شاة، وأغنى ساكني مكة ثم عاد إلى العراق، وأنعم (٤) وأطلق لجماعة من رؤساء الناس بالحجاز [أموالًا كثيرة]. وحج بالناس فيها ابن الزبير، والعمال على الأمصار المذكورون فيما قبل (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: عاصم بن عمر بن الخطاب (٦) القرشي العدوي، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلح (٧)، ولد

стр. 4203

في حياة رسول اللَّه ﷺ ، ولم يرو إلا عن أبيه حديثًا واحدًا "إذا أقبل الليل من هاهنا" الحديث (١). وعنه ابناه حفص وعبيد اللَّه (٢)، وعروة بن الزبير. وقد طلَّق أبوه أمه فأخذته جدته الشموس بنت أبي عامر، حكم له بها الصدّيق وقال: شمها ولطفها أحب إليه منك. ثم لما زوجه أبوه في أيام إمارته أنفق عليه من بيت المال شهرًا، ثم كفَّ عن الإنفاق عليه وأعطاه ثُمنَ ماله وأمره أن يتجر وينفق على عياله. وذكر غير واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال: هي لك، فقال له: بل هي لك، فتركاها ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ورثتهما حتى أخذها الناس من كل جانب. وكان عاصم رئيسًا وقورًا كريمًا فاضلًا. قال الواقدي: مات سنة سبعين بالمدينة. وممن توفي فيها أيضًا: قبيصة بن جابر (٣) بن وهب الأسدي الكوفي، أبو العلاء من كبار التابعين شهد خطبة عمر بالجابية وكان أخو معاوية من الرضاعة، وكان من الفصحاء البلغاء. قيس بن ذَريح (٤) أبو زيد الليثي الشاعر، المشهور أنه من بادية الحجاز، وقيل إنه أخو الحسين بن علي من الرضاعة، وكان يهوى أم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية، ثم تزوج بها ثم طلقها، فلما طلقها زاد ما به من الغرام (٥) وجعل يقول فيها الأشعار ونحل جسمه، فلما زاد ما به أتاه ابن أبي عتيق فأخذه ومضى به إلى عبد اللَّه بن جعفر فقال له: فداك أبي وأمي، اركب معي في حاجة، فركب واستنهض معه أربعة نفر من وجوه قريش فذهبوا معه وهم لا يدرون ما يريد، حتى أتى بهم باب زوج لبنى، فخرج

стр. 4204

إليهم فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني اللَّه فداكم! ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبي عتيق، فقال الرجل: اشهدوا أن حاجته مقضية، وحكمه جائز، فقالوا: أخبره بحاجتك، فقال ابن أبي عتيق: اشهدوا علي أن زوجته لبنى منه طالق، فقال عبد اللَّه بن جعفر: قبحك اللَّه، ألهذا جئت بنا؟ فقال: جعلت فداكُم يطلق هذا على زوجته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم في هواها صبابة، واللَّه لا أبرح حتى ينتقل متاعها [إلى بيت قيس] ففعلت وأقاموا مدة في أرغد عيش [وأطيبه] رحمهم اللَّه تعالى. يزيد بن زياد (١) ربيعة الحميري، الشاعر، كان كثير الشعر والهجو، وقد أراد عبيد اللَّه بن زياد قتله لكونه هجا أباه زيادًا، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدّبه، فسقاه دواءً مسهلًا وأركبه على حمار وطاف به في الأسواق وهو يسلح على الحمار فقال في ذلك: يغسلُ الماءُ ما صنعتَ وشعري … راسخٌ منك في العظامِ البوالي (٢) بشير بن النضر (٣)، قاضي مصر، كان رزقه في العام ألف دينار، توفي بمصر، وولي بعده عبد الرحمن بن حمزة الخولاني [واللَّه سبحانه أعلم]. مالك بن يخامِر (٤)، السكسكي، الألهاني، الحمصي، تابعي جليل، ويقال له صحبة، فاللَّه أعلم. روى البخاري (٥) من طريق معاوية عنه عن معاذ بن جبل في حديث الطائفة الظاهرة على الحق أنهم بالشام، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، إلا أن يقال بصحبة مالك بن يخامر، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، وكان من أخص أصحاب معاذ بن جبل ﵁. قال غير واحد: مات في هذه السنة، وقيل سنة اثنتين وسبعين، واللَّه أعلم.

стр. 4205

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ففيها كان مقتل مصعب بن الزبير، وذلك أن عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام قاصدًا مصعب بن الزبير، فالتقيا في هذه السنة، وقد كانا قبلها يركب كل واحد ليلتقي بالآخر فيحول بينهما الشتاء والبرد والوحل، فيرجع كل واحد منهما إلى بلده، فلما كان في هذا العام سار إليه عبد الملك وبعث بين يديه السرايا، ودخل بعض من أرسله إلى البصرة فدعا أهلها إلى عبد الملك في السر، فاستجاب له بعضهم [وقد كان مصعب سار إلى الحجاز فجاء ودخل البصرة] (١) على إثر ذلك، فأنَّب الكبراء من الناس وشتمهم ولامهم على دخول أولئك إليهم، وإقرارهم لهم على ذلك، وهَدَمَ دور بعضهم، ثم شخص إلى الكوفة، ثم بلغه قصد عبد الملك له بجنود الشام فخرج إليه ووصل عبد الملك إلى مَسكِن، وكتب إلى المروانية الذين استجابوا لمن بعثه إليهم فأجابوه، واشترطوا عليه أن يوليهم أصبهان فقال نعم -وهم جماعة كثيرة من الأمراء- وقد جعل عبد الملك على مقدمته أخاه محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وخرج مصعب وقد اختلف عليه أهل العراق، وخذلوه وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل ووطن نفسه على ذلك، وقال: لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع عن إلقائه يده، والذلة لعبيد اللَّه بن زياد، وجعل ينشد ويقول مسليًا نفسه (٢): وإن الأُلى بالطَّفِّ من آلِ هاشمٍ … تأسَّوا فسَنّوا للكرامِ التأسِّيا وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أمرائه أن يبعث إلى مصعب جيشًا، وأن يقيم هو بالشام، فأبى وقال: لعلي إن بعثت رجلًا شجاعًا كان لا رأي له، ومن له رأي ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصرًا بالحرب وشجاعةً، وإن مصعبًا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش [وأخوه لا تجهل شجاعته] وهو شجاع ومعه من يخالفه ولا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والخفْض (٣) ومعي من ينصح لي ويوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات، وجاء إبراهيم بن الأشتر إلى مصعب فألقى إليه كتابًا مختومًا (٤) وقال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الإتيان إليه وله نيابة العراق، وقال لمصعب: أيها

стр. 4206

الأمير! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا وقد جاءه كتاب مثل هذا، فإن أطعتني ضربت أعناقهم. فقال له مصعب: إني لو فعلت ذلك لن ينصحنا عشائرهم بعدهم، قال: فأوقرهم في الحديد وابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه، فإن كانت لك [النصرة] ضربت أعناقهم، وإن كانت عليك خرجوا بعد ذلك. فقال له: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن هذا، ثم قال مصعب: رحم اللَّه أبا بحر -يعني الأحنف بن قيس- إن كان ليحذرني غدر أهل العراق، وكأنه ينظر إلى ما نحن فيه الآن. ثم تواجه الجيشان بدير الجاثَليق (١) من مَسكِن، فحمل إبراهيم بن الأشتر -وهو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب- على محمد بن مروان -وهو أمير مقدمة الشام- فأزاله عن موضعه، فأردفه عبد الملك بعبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، فحملوا على ابن الأشتر ومن معه فطحنوهم، وقتل ابن الأشتر ﵀ [وعفا عنه] وقتل معه جماعة من الأمراء، وكان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب [فهرب] أيضًا ولجأ إلى عبد الملك بن مروان، وأرسل عبد الملك الأمان إلى مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب يُنهض أصحاب الرايات ويستنهض الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى أمام [القوم] فلا يتحرك أحد (٢)، فجعل يقول: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم، وتفاقم الأمر واشتد القتال، وانخذلت الرجال، وضاق الحال، وكثر النزال. قال المدائني (٣): عن يحيى بن سعيد بن أبي المهاجر، عن أبيه: أرسل عبد الملك أخاه محمد بن مروان إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى وقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبًا أو مغلوبًا. قالوا: فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال: يا بن أخي لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مصعب: قد أمَّنك عمك فامض إليه، فقال: لا يتحدث نساء قريش أني أسلمتك للقتل، فقال له: يا بني فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فإني مقتول هاهنا، فقال: واللَّه إني لا أخبر عنك أحدًا أبدًا، ولا أُقتل إلا معك، ولكن إن شئت ركبت خيلك وسرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة، فقال مصعب: لا واللَّه ما الفرار لي بعادة، ولكن أقاتل، فإن قتلت فما السيف بعار، واللَّه لا يتحدث قريش بأني فررت من القتال، فقال لابنه: تقدم بين يدي حتى أحتسبك، فتقدم ابنه فقاتل حتى قُتل، وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول: يا لثارات المختار فصرعه، ونزل إلجه رجل يقال له عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك وأطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها وقال: لم أقتله

стр. 4207

على طاعتك ولكن بوتر (١) كان لي عنده (٢)، وكان قد ولي له عملًا قبل ذلك فعزله عنه وأهانه. قالوا: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال: لقد كان بينى وبين مصعب صحبة قديمة، وكان من أحب الناس إليّ، ولكن هذا الملك عقيم. وقيل: لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعُد عنك مثل المهلب بن أبي صفرة وغيره فقدموا عليك، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم، فإنك قد ضعفت جدًا. فلم يرد عليه جوابًا، ثم ذكر ما جرى للحسين بن علي وكيف قتل كريمًا ولم يلق بيده، ولم يجد من أهل العراق وفاء، وكذلك أبوه وأخوه، ونحن ما وجدنا لهم وفاءً، ثم انهزم أصحابه وبقي في قليل من خواصه، ومال الجميع إلى عبد الملك، وقد كان عبد الملك يحب مصعبًا حبًا شديدًا، وكان خليلًا له قبل الخلافة، فقال لأخيه محمد: اذهب إليه فأمِّنه، فجاءه فقال له: يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك، ولدك ومالك وأهلك، فاذهب حيث شئت من البلاد، ولو أراد بك غير ذلك لكان أنزله بك، فأنشدك اللَّه في نفسك، فقال مصعب: قضي الأمر، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا، فتقدم ابنه عيسى فقاتل، فقال محمد بن مروان: يا بن أخي لا تقتل نفسك. ثم ذكر من قوله ما تقدم، ثم قاتل حتى قتل ﵀، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم، قال: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال: واللَّه ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا، ولكن الملك عقيم. ولقد كانت المحبة والحرمة بيننا قديمة، متى تلد النساء مثل مصعب؟ ثم أمر بمواراته ودفنه هو وابنه وإبراهيم بن الأشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة] (٣). قال المدائني: وكان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء (٤) الثالث عشر من جمادى الأولى أو الآخرة من سنة إحدى وسبعين في قول الجمهور. وقال المدائني: سنة ثنتين وسبعين، واللَّه أعلم. قالوا (٥): ولما قتل عبد الملك مصعبًا ارتحل إلى الكوفة فنزل النُّخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل وسادات العرب، وجعل يخاطبهم بفصاحة وبلاغة واستشهاد بأشعار حسنة، وبايعه أهل العراق وفرق العمال، وولّى الكوفةَ قطن بن عبد اللَّه الحارثي أربعين يومًا، ثم عزله وولى أخاه بشر بن مروان عليها.

стр. 4208

وخطب عبد الملك يومًا بالكوفة فقال في خطبته: إن عبد اللَّه بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال لهم: إني قد استخلفت عليكم أخي بشر بن مروان وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، وبالشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. وأما أهل البصرة فإنهم لما بلغهم مقتل مصعب تنازع في إمارتها حمران بن أبان (١) بن عثمان بن عفان، وعبيد اللَّه بن أبي بكرة، فغلبه حمران بن أبان عليها، فبايعه أهلها فكان أشرف الرجلين، قال أعرابي: واللَّه لقد رأيت رداء ابن أبان مال عن عاتقه يومًا فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسوِّيه على منكبيه، وقال غيره: مدّ حمران يومًا رجله فابتدر معاوية وعبد اللَّه بن عامر أيهما يغمز رجل ابن حمران. قال: فبعث عبد الملك خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد واليًا على البصرة فأخذها من حمران واستناب فيها عبيدَ اللَّه بن أبي بكرة، وعزل حمران بن أبان عنها. قالوا: وقد أمر عبد الملك بطعام كثير فعمل لأهل الكوفة فأكلوا من سماطه ومعه يومئذ على السرير عمرو بن حُرَيث، فقال له عبد الملك: ما ألذ عيشنا لو أن شيئًا يدوم؟ ولكن كما قال الأول: وكلّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلًى … وكلُّ امرئٍ يومًا يصير إلى كانْ فلما فرغ من الطعام نهض فدار في القصر وجعل يسأل عمرو بن حُرَيث عن أحوال القصر ومن بنى أماكنه وبيوته فيخبره ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى وهو يقول: اعمل على مَهَلٍ فإنك ميتٌ … واكدَحْ لنفسكَ أيّها الإنسانْ فكأنَّ ما قد كانَ لم يكُ إذْ مضى … وكأنَّ ما هو كائنٌ قدْ كانْ قال ابن جرير (٢): وفيها رجع عبد الملك فيما زعم الواقدي إلى الشام. وقال: وفيها عزل ابن الزبير جابرَ بن الأسود عن المدينة، وولّى عليها طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، وكان آخر أمرائه عليها، حتى قدم [عليها] طارق بن عمرو مولى عثمان من جهة عبد الملك بن مروان. وفيها حجَّ بالناس عبد اللَّه بن الزبير ولم يبق له ولاية على العراق. [قال الواقدي: وفيها عقد عبد العزيز بن مروان نائب مصر لحسان الغسَّاني (٣) على غزو إفريقية فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قُرطاجنة وكان أهلها رومًا عبّاد أصنام (٤).

стр. 4209

وفيها قتل نجدة الحروري الذي تغلَّب على اليمامة (١). وفيها خرج عبد اللَّه بن ثور في اليمامة] (٢). هذه ترجمة مصعب بن الزبير (٣) ﵀ وهو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشي، ويقال له أبو عيسى أيضًا الأسدي، وأمه الرَّباب (٤) بنت أنيف الكلبية، كان من أحسن الناس وجهًا، وأشجعهم قلبًا، وأسخاهم كفًا. وقد حكى عن عمر بن الخطاب. وروى عن أبيه الزبير، وسعد، وأبي سعيد الخدري. وروى عنه: الحكم بن عتيبة (٥)، وعمرو بن دينار الجمحي، وإسماعيل بن أبي خالد. ووفد على معاوية، وكان ممن يجالس أبا هريرة، وكان من أحسن الناس وجهًا. حكى الزبير بن بكار: أن جميلًا نظر إليه وهو واقف بعرفة فقال: إن هاهنا فتى أكره أن تراه بثينة. وقال الشعبي: ما رأيت أميرًا على منبر قط أحسن منه، وكذا قال إسماعيل بن [أبي] خالد. وقال الحسن: هو أجمل أهل البصرة. قال الخطيب البغدادي (٦): ولي إمرة العراقين لأخيه عبد اللَّه حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، وقبره إلى الآن معروف هناك. وقد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبي عبيد، وأنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف. [قال الواقدي: لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الأمان

стр. 4210

فأمَّنهم، ثم بعث إليهم عبّاد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين، فقال له رجل: الحمد للَّه الذي نصركم علينا وابتلانا بالأسر، يا ابن الزبير من عفا عفا اللَّه عنه، ومن عاقب لا يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم وقد قدرت فاسمح واعف عنا، قال: فرقّ لهم مصعب وأراد أن يخلي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وغيره من كل قبيلة فقالوا: قد قتلوا أولادنا وعشائرنا وجرحوا منا خلقًا، اخترنا أو اخترهم، فأمر حينئذ بقتلهم، فنادوا بأجمعهم: لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان، فإن ظفرنا فلكم، وإن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة، وكان الذي تريد، فأبى ذلك مصعب، فقال له مسافر: اتق اللَّه يا مصعب، فإن اللَّه أمرك أن لا تقتل نفسًا مسلمة بغير نفس، وإن: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم وكانوا سبعة آلاف نفس، ثم كتب مصعب إلى ابن الأشتر أن أجبني فلك الشام وأعنَّة الخيل، فسار ابن الأشتر إلى مصعب. وقيل إن مصعبًا لما قدم مكة أتى عبد اللَّه بن عمر فقال: أي عم: إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا حتى غلبوا، تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك. فقال: وكم هم؟ فقال: خمسة آلاف، فسبَّح ابن عمر واسترجع وقال: لو أن رجلًا أتى ماشية الزُّبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة ألست تعده مُسرفًا؟ قال: نعم. قال: أفتراه إسرافًا في البهائم ولا تراه إسرافًا في من ترجو توبته؟ يا بن أخي أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك] (١). ثم إن مصعبًا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة وتمكن مصعب في العراقين تمكنًا زائدًا، فقرر بها الولايات والعمال، وحظي عنده إبراهيم بن الأشتر فجعله على الوفادة، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع، إلا ابن الأشتر فقال له: أعمدت إلى راية خفضها اللَّه تريد أن ترفعها. ثم كشف عن ظهره فإذا ضربة قد أصابته وقال (٢): أتراني أحب ابن الأشتر وهو الذي جرحني هذه الجراحة. ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم: واللَّه لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلًا من أهل الشام. فقال له أبو حاجز الأسيدي (٣) -وكان قاضي الجماعة بالبصرة- إن لنا ولكم مثلًا قد مضى يا أمير المؤمنين وهو ما قال الأعشى: علقتها عرضًا وعلقتْ رجلًا … غيري وعلق أخرى غيرها الرجلُ [قلت كما قيل أيضًا: جُننا بليلى وهي جُنتْ بغيرنا … وأخرى بنا مجنونةٌ لا نريدها] (٤)

стр. 4211

علقناكَ يا أمير المؤمنين وعلقتَ أهلَ الشام وعلقَ أهلُ الشام إلى مروان، فما عسينا أن نصنع؟ قال الشعبي: فما سمعت جوابًا أحسن منه. وقال غيره: وكان مصعب من أشد الناس محبة للنساء وقد أمضى من ذلك شيئًا كثيرًا كما روي أنه اجتمع عند الحجر الأسود جماعة منهم ابن عمر ومصعب بن الزبير، فقالوا: ليقم كل واحد منكم وليسأل من اللَّه حاجته، فسأل ابن عمر المغفرة، وسأل مصعب أن يزوجه اللَّه سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وكانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان، وأن يعطيه اللَّه إمرة العراقين، فأعطاه اللَّه ذلك، تزوج بعائشة بنت طلحة، وكان صداقها عليه مئة ألف دينار، وكانت باهرة الجمال جدًا، وكان مصعب أيضًا جميلًا جدًا، وكذلك بقية زوجاته. قال الأصمعي: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: اجتمع في الحِجْر عبد اللَّه ومصعب وعروة بنو الزبير وابن عمر، فقال عبد اللَّه بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد اللَّه بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلّهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر اللَّه (١). قال عامر الشعبي: بينما أنا جالس إذ دعاني الأمير مصعب بن الزبير فأدخلني دار الإمارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة، فلم أر منظرًا أبهى ولا أحسن منها، فقال: أتدري من هذه؟ فقلت: لا، فقال: هذه عائشة بنت طلحة، فخرجت فقالت: من هذا الذي أظهرتني عليه؟ قال: هذا عامر الشعبي، قالت: فأطلق له شيئًا، فوهبني عشرة آلاف درهم. قال الشعبي: فكان أول ما ملكته (٢). وحكى الحافظ ابن عساكر (٣): أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضّاها بأربعمئة ألف درهم، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما. وقيل: إنه أُهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة، فقومت بألفي ألف دينار، وكانت من متاع الفرس فأعطاها لعبد اللَّه بن أبي فروة (٤). وقيل: إن أخاه عبد اللَّه كان إذا كتب لأحد جائزة بألف درهم جعلها مصعب مئة ألف درهم. [وقد كان مصعب من أجود الناس وأكثرهم عطاءً، لا يستكثر ما يعطي ولو كان ما عساه أن يكون

стр. 4212

فكانت عطاياه للقوي والضعيف، والوضيع والشريف متقاربة، وكان أخوه عبد اللَّه يُبخَّل] (١). وروى الخطيب البغدادي في "تاريخه" (٢) أن مصعبًا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه، فقال له الرجل: أعزّ اللَّه الأمير! ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فيتعلق بأطرافك الحسنة، وبوجهك هذا الذي يُستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبًا فيم قتلني. فعفا عنه، فقال الرجل: أعزّ اللَّه الأمير إن رأيت ما وهبت لي من حياتي في عيش رخي (٣)، فأطلق له مئة ألف، فقال الرجل إني أشهدك أن نصفها لابن قيس الرقيّات حيث يقول فيك: [من الخفيف] إنما مصعب (٤) شهابٌ مِنَ اللَّه … تجلتْ عن وجههِ الظلماءُ ملكه ملكُ عزةٍ (٥) ليسَ فيها … جبروتٌ منه ولا كبرياءُ يتَّقي اللَّهَ في الأمور وقد أفلـ … ــــح من كانَ همهُ الاتقاءُ [وفي رواية أنه قال له: أيها الأمير قد وهبتني حياة، فإن استطعت أن تجعل ما قد وهبتني من الحياة في عيش رضمي وسعة فافعل، فأمر له بمئة ألف] (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا مؤمل، حدثنا حمّاد بن سلمة، حدّثنا علي بن زيد قال: بلغ مصعبًا، عن عريف الأنصارِ شيء فهمّ به، فدخل عليه أنس بن مالك فقال له: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "استوصوا بالأنصار خيرًا -أو قال معروفًا- اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". فألقى مصعب نفسه عن سريره وألزق خده بالبساط وقال: أمر رسول اللَّه ﷺ على الرأس والعين. فتركه. ومن كلام مصعب في التواضع أنه قال: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. وقال محمد بن يزيد المبرّد (٨): سئل القاسم بن محمد عن مصعب فقال: كان نبيلًا رئيسًا تقيًا أنيسًا. وقد تقدم أنه لما ظهر على المختار قتل من أصحابه في غداة واحدة خمسة آلاف، وقيل سبعة آلاف، فلما كان بعد ذلك لقي ابن عمر فسلم عليه فلم يعرفه ابن عمر، لأنه كان قد حصل له من الضرر -أي

стр. 4213

العمى- فتعرف له حتى عرفه، قال: أنت الذي قتلت في غداة واحدة خمسة آلاف ممن يوحد اللَّه؟ فاعتذر إليه بأنهم بايعوا المختار، فقال: أما كان فيهم من هو مستكره أو جاهل فيُنْظَر حتى يتوب؟ أرأيت لو أن رجلًا جاء إلى غنم الزّبير فنحر منها خمسة آلاف في غداة واحدة، أما كان مسرفًا؟ قال: بلى! قال: وهي لا تعبد اللَّه ولا تعرفه كما يعرفه الآدمي، فكيف بمن هو موحد؟ ثم قال له: يا بني تمتع من الماء البارد ما استطعت، وفي رواية أنه قال له: عش ما استطعت. وقال الزبير بن بكار: حدَّثني محمد بن الحسن، عن زفر بن قتيبة، عن الكلبي قال: قال عبد الملك بن مروان يومًا لجلسائه: من أشجع العرب وأكرم العرب (١)؟ قالوا شبيب، وقال آخر: قطري بن الفجاءة وفلان وفلان. فقال عبد الملك: إن أشجع الناس وأكرم العرب لَرَجُل جمع بين سُكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وأمَة الحميد بنت عبد اللَّه بن عامر بن كُرَيز، وأمه رباب بنت (٢) أنيف الكلبي، سيد ضاحية العرب، وولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، ففرقها في الناس، وهؤلاء الأربع نسوة أعظم أهل زمانهن حسبًا وجمالًا، وأعطي الأمان فأبى، ومشى بسيفه حتى مات كريمًا ذاك (٣) مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور مرة هاهنا ومرة هاهنا. قالوا: وكان مقتله يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة ثنتين وسبعين. وقال الزُّبير بن بكار: حدَّثني فُليح بن إسماعيل وجعفر بن أبي كثير، عن أبيه، قال: لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال: لقد أردى الفوارسَ يومَ عبس … غلامٌ غيرُ منَّاعِ المتاعِ ولا فرحٌ بخيرٍ إن أتاهُ … ولا هلع مِنَ الحدثانِ لاعِ ولا رقَّابة والخيلُ تعدو … ولا خالٌ كأنبوبِ اليراعِ فقال الرجل الذي جاء برأسه: واللَّه يا أمير المؤمنين لو رأيته والرمح في يده تارة والسيف تارة يفري بهذا ويطعن بهذا، لرأيت رجلًا يملأ القلب والعين شجاعة، لكنه لما تفرقت عنه رجاله وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد: وإني على المكروه عندَ حضورهِ … أكذِّبُ نفسي والجفون له تفضي وما ذاكَ من ذل ولكنْ حفيظةٌ … أذبُّ بها عندَ المكارمِ عنْ عرضي وإني لأهلِ الشرِّ بالشرِّ مرصدٌ … وإني لذي سليم أذلُّ منَ الأرضِ

стр. 4214

فقال عبد الملك: كان واللَّه كما وصف به نفسه وصدق، ولقد كان من أحب الناس إليّ، وأشدهم لي ألفة ومودة، ولكن الملك عقيم (١). وروى يعقوب بن سفيان: عن سليمان بن حرب، عن غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد: أن عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان قتل مصعبًا عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل، من أرض مسكن، واحتز رأسه فذهب به إلى عبد الملك فسجد شكرًا للَّه، وكان ابن ظبيان فاتكًا رديئًا وكان يتلهف يقول: ليتني قتلت عبد الملك حين لممجد يومئذ فأكون قد قتلت ملكي العرب، قال يعقوب: وكان ذلك سنة ثنتين وسبعين. قلت: كذا قال علي بن محمد المدائني والذي رجحه ابن جرير وغيره أنه سنة إحدى وسبعين، واللَّه (٢) أعلم. وحكى الزُّبير بن بكار في عمره يوم قتل ثلاثة أقوال، أحدها خمس وثلاثون سنة، والثاني أربعون سنة، والثالث خمس وأربعون سنة [فاللَّه أعلم]. وروى الخطيب البغدادي (٣) أن امرأته سُكينة بنت الحسين كانت معه في هذه الوقعة، فلما أيقنت أنه مقتول نادت: وامصعباه. فقال مصعب: لو سمعت هذا الكلام قبل هذا اليوم ما قمت في هذا المقام - يعني أنها ما كانت تظهر له محبتها، فلما علم بحبها إياه ندم على إقدامه على الموت، فلما قتل تطلبته في القتلى حتى عرفته بشامة في فخذه فأقبلت عليه وقالت: نِعْمَ بَعلُ المرأة المسلمة كنت، أدركك واللَّه ما قال عنترة: وخليلُ غانيةٍ تركتُ مجندلًا … بالقاعِ لم يعهد ولم يتثلمِ فهتكت بالرمحِ الطويل إهابهُ … ليسَ الكريمُ على القنا بمحرمِ قال الزبير (٤): وقال عبد اللَّه بن قيس الرقيات يرثي مصعبًا: لقد أورثَ (٥) المصرين حزنًا (٦) وذلةً … قتيلٌ بدير الجاثليقِ مقيمُ فما نصحتْ (٧) للَّه بكرُ بنُ وائلٍ … ولا صدقت (٨) يومَ اللقاءِ تميمُ

стр. 4215

ولو كان بكريًا تَعَطَّفُ حَوْلَهُ … كتائبُ يغلي حَميُها (١) ويدومُ ولكنهُ ضاعَ الذمام ولم يكنْ … بها مضريٌّ يومَ ذاكَ كريمُ جزى اللَّه كوفيًا هناكَ ملامة … وبصريَّهم إنَّ الملومَ (٢) ملومُ وإنَّ بني العلّاتِ أخلَوا ظهورَنا … ونحنُ صريحٌ بينهمْ وصميمُ فإن نفن لا يبقى أولئكَ بعدنا … لذي حرمةٍ في المسلمين حريمُ وقد قال أبو حاتم الرازي: حدَّثنا يحيى بن مصعب الكلبي، حدَّثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن عمير قال: دخلت القصر بالكوفة فإذا رأس الحسين بن علي على ترس بين يدي عبيد اللَّه بن زياد وعبيد اللَّه على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين، فرأيت رأس عُبيد اللَّه بن زياد على تُرس بين يدي المختار، والمختار على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس المختار على ترس بين يدي مصعب بن الزبير، ومصعب على السرير، ثم دخلت القصر بعد حين فرأيت رأس مصعب بن الزبير على ترس بين يدي عبد الملك، وعبد الملك على السرير (٣). وقد حكاها الإمام أحمد (٤) وغير واحد عن عبد الملك بن عمير. وقال عبد اللَّه بن قيس الرقيات (٥) يرثي مصعبًا أيضًا: تسقي السحائبُ والنجوم بأسرها … جسدًا بمسكنَ عاريَ الأوصالِ تمسي عوائذهُ السباعُ ودارهُ … بمنازلٍ أطلالهنَّ بوالي رحلَ الرفاق وغادروهُ ثاويًا … للريحِ بينَ صبا وبينَ شمالي فصل [وكان لمصعب من الولد عكاشة وعيسى الذي قتل معه وسكينة وأمهم فاطمة بنت عبد اللَّه بن السائب، وعبد اللَّه ومحمد، وأمهما عائشة بنت طلحة، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وجعفر ومصعب وسعيد وعيسى الأصغر والمنذر لأمهات شتى، والرباب وأمها سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وعنهم] (٦).

стр. 4216

قال ابن جرير (١): وذكر أبو زيد، عن أبي غسان محمد بن يحيى، حدَّثني مصعب بن عثمان قال: لما انتهى إلى عبد اللَّه بن الزبير قتل أخيه مصعب قام في الناس خطيبًا فقال: الحمد للَّه الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممَّن يشاء، ويُعزُّ من يشاء ويذلّ من يشاء، ألا وإنه لم يذلل اللَّه من كان الحق معه وإن كان فردًا ولن يفلح من كان وليه الشيطان وحزبه ولو كان معه الأنام [طرًا] ألا وإنه أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب ﵀ (٢)، فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يَرْعوي من بعدها ذو الرأي جميل الصبر كريم العزاء، ولئن أصبتُ بمصعب فلقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبدٌ من عبيد اللَّه، وعونٌ من أعواني، ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق، أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنَّا واللَّه ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص، واللَّه ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهليَّة ولا في الإسلام، وما نموت إلا بأطراف (٣) الرماح أو تحت ظل السيوف (٣) ألا وإن الدنيا عاريَّة من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد مُلكه، فإن تُقبل لا آخذها أخذ الأشر البَطر، وإن تُدْبر لا أبكي عليها بكاء الحزين الأسف المهين، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: إبراميم بن الأشتر (٤) -واسم الأشتر مالك بن الحارث النخعي- كان أبوه الأشتر من كبار أمراء علي واستعمله علي على خراسان وهو ممن قام على عثمان وقَتْلِهِ. وكان إبراهيم هذا من الأمراء المعروفين بالشجاعة وله شرف، وهو الذي قتل عبيد اللَّه بن زياد كما ذكرنا، ثم صار إلى مصعب بن الزبير وقُتل معه كما ذكرنا. عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي (٥)، له صحبة ورواية. واستعمله علي على خراسان، سكن الكوفة ووليها مرة.

стр. 4217

توفي بالمدينة. عبد الرحمن بن عُسَيلة (١)، أبو عبد اللَّه المرادي، الصنابحي نزيل الشام. هاجر إلى المدينة، فتوفي النبي ﷺ قبل قدومه بخمس ليال (٢). وكان يجلس مع عبد الملك على سريره (٣)، وكان من العلماء الصلحاء. توفي بدمشق. عمر بن أبي سلمة (٤)، المخزومي، المدني، ربيب النبي ﷺ ، ولد بأرض الحبشة. وكان عند أمه أم سلمة. وله روايات عن النبي ﷺ ، وعن جماعة من الصحابة ﵃. سفينة (٥) مولى رسول اللَّه ﷺ ، أبو عبد الرحمن كان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم رسول اللَّه ﷺ ، [فقال: أنا لا أزال أخدم رسول اللَّه ﷺ لو لم تعتقيني ما عشت، وله روايات، توفي بالمدينة. وقد كان سفينة بآل رسول اللَّه ﷺ أليفًا، وبهم خليطًا.

стр. 4218

وروى الطبراني (١) أن سفينة سُئل عن اسمه لم سمّي سفينة؟ قال: سماني رسول اللَّه ﷺ سفينة، خرج مرة ومعه أصحابه فثقل عليهم متاعهم، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "ابسط كساءك" فبسطته فجعل فيه متاعهم، ثم قال لي: "احمل ما أنت إلّا سفينة" قال: فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو خمسة أو ستة ما ثقل علي. وروى محمد بن المنكدر، عن سفينة قال: ركبت مرة سفينة في البحر فانكسرت بنا فركبت لوحًا منها فطرحني البحر إلى غيضة فيها الأسد، فجاءني فقلت: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول اللَّه ﷺ ، فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكفه حتى وضعني على الطريق، ثم همهم همهمة فظننت أنه يودِّعني (٢). وقال حَمّاد بن سلمة: حدَّثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة أن رسول اللَّه ﷺ دخل بيت فاطمة فرأى في ناحية البيت قِرامًا مضروبًا فرجع ولم يدخل، فقالت فاطمة لعلي: سل رسول اللَّه ﷺ ما الذي رده؟ فسأله فقال: "ليس لي ولا لِنبيٍّ أن يدخل بيتأ مزوَّقًا" (٣)]. عطية بر عروة (٤) السعدى، نزيل البلقاء، له صحبة ورواية. توفي بالبلقاء وله بها ذرية. عَمْرو بن أخطب (٥)، أبو زيد الأنصاري، الأعرج، غزا مع النبي ﷺ ثلاث عشرة غزوة. ومسح رأسه، وقال: "اللهم جمّله" (٦) فبلغ مئة ولم يبيض شعره. توفي بالبصرة.

стр. 4219

غضيف بن الحارث (١) بن زُنيم السَّكوني، مختلف في صحبته. له روايات عن الصحابة، وقيل: هو من تابعي أهل الشام، سكن حمص، وكان يتولى صلاة الجمعة نيابة عن خالد بن يزيد. وكان من الصالحين (٢). يزيد بن الأسود (٣) الجُرَشيّ، أسلم في حياة النبي ﷺ ، وقدم الشام، وسكن بقرية زبدين من الغوطة، وله دار داخل باب شرقي، وكان من العبّاد الصالحين، كثير الصوم والجهاد، وقد استسقى به معاوية بأهل الشام؛ فسقوا (٤). وكان يصلي عشاء الآخرة بمسجد دمشق، ويخرج إلى زبدين، فتضيء له إبهامه اليمنى، فلا يزال يمشي في ضوئها إلى زبدين (٥)، توفي فيها (٦). عمرو بن الأسود (٧)، أبو عياض انعنسي الحمصي، من كبار تابعي الشام، صاحب زهد وعبادة واجتهاد، قليل الشِّبَع (٨). توفي بحمص (٩).

стр. 4220

ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين فقيها كانت وقعة عظيمة بين المهلّب بن أبي صفرة وبين الأرارقة من الخوارج بمكان يقال له سولاف (١)، ثم مكثوا نحوًا من ثمانية أشهر متواقفين، وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير (٢)، وقتل في أثناء هذه المدة مصعب بن الزبير، وبايع الناس عبد الملك بن مروان، وأقر عبد الملك المهلّب بن أبي صفرة على افي هواز وما معها، وشكر سعيه وأثنى عليه ثناء كثيرًا. ثم تواقع الناس في دولة عبد الملك بالأهواز فكسر الناس الخوارج كسرة فظيعة، وهربوا إلى البلاد لا يلوون على أحدٍ، واتبعهم خالد بن عبد اللَّه أمير الناس وداود بن قحذم (٣) ليطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف عليهم عتاب بن ورقاء فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدًا عظيمًا وماتت خيولهم ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلي أهليهم، فاللَّه المستعان. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة كان خروج أبي فُديك الحارثي وهو من قيس بن ثعلبة، ومخلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحارثي (٥)، فبعث إليه خالد بن عبد اللَّه أمير البصرة أخاه أمية بن عبد اللَّه في جيش كثيف، فهزمهم أبو فُدَيك وأخذ جارية لأمية واصطفاها لنفسه، وكتب خالد أمير البصرة إلى عبد الملك يعلمه بما وقع، واجتمع على خالد بن عبد اللَّه حرب أبي فديك هذا مع ما كان فيه من مقاومة وحرب الأزارقة أصحاب قَطَري بن الفُجاءة بالأهواز. قال ابن جرير (٦): وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد اللَّه بن الزبير ليحاصره بمكة، قال: وكان السبب في بعثه له دون غيره، أن عبد الملك بن مروان لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتله مصعبًا وأخذه العراق [ندب الناس إلى قتال عبد اللَّه بن الزبير بمكة فلم يجبه أحد إلى ذلك، فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا له، و] قص الحجاج على عبد الملك منامًا زعم أنه

стр. 4221

رآه، قال: رأيت يا أمير المؤمنين كاني أخذت عبد اللَّه بن الزبير فسلخته، فابعث بي إليه فإني قاتله، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام وكتب معه أمانًا لأهل مكة إن هم أطاعوه، قالوا: فخرج الحجاج في جمادى من هذه السنة ومعه ألفا فارس من أهل الشام، فسلك طريق العراق ولم يعرض للمدينة حتى نزل الطائف، وجعل يبعث البعوث إلى عرفة، ويرسل ابن الزبير الخيل فيلتقيان فيهزم خيل ابن الزبير وتظفر خيل الحجاج، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير، فإنه قد كلَّت شوكته [وملت جماعته] وتفرق عنه عامة أصحابه، وسأله أن يمده برجال أيضًا، فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه بالحجاج، وكان طارق يتولى المدينة لعبد الملك، وكان قد أمره عبد الملك أن يكون مقيمًا بوادي القرى، بمن معه من جيش المدينة وغيرها، وكان في نحو خمسة آلاف من الشام (١) وارتحل الحجاج من الطائف فنزل بئر ميمون، وحصر ابن الزبير بالمسجد، فلما دخل ذو الحجة حج بالناس الحجاج في هذه السنة وعليه وعلى أصحابه السلاح وهم وقوف بعرفات، وكذا فيما بعدها من المشاعر، وابن الزبير محصور لم يتمكن من الحج هذه السنة، بل نحر بدنًا يوم النحر [وهكذا لم يتمكن كثير ممن معه من الحج] وكذا لم يتمكن كثير ممن مع الحجاج. وطارق بن عمرو أن يطوفوا بالبيت، فبقوا على إحرامهم لم يحصل لهم التحلل الثاني، والحجاج وأصحابه نزول بين الحجون وبئر ميمون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد اللَّه بن خازم أمير خراسان يدعوه إلى بيعته ويقطعه خراسان سبع سنين، فلما وصل إليه الكتاب قال للرسول (٣): بعثك أبو الذبان؟ واللَّه لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، ولكن كل كتابه؛ فأكله. وبعث عبد الملك إلى بُكير بن وِشاح نائب ابن خازم على مرو يعده بإِمرة خراسان إن هو خلع عبد اللَّه بن خازم، فخلعه، فجاء ابن خازم فقاتله فقتل في المعركة عبد اللَّه بن خازم أمير خراسان، قتله رجل يقال له وكيع بن عميرة، لكن كان قد ساعده غيره، فجلس وكيع على صدره وفيه رمق، فذهب ليثور فلم يتمكن من ذلك وجعل وكيع يقول: يا ثارات دُوَيلة -يعني أخاه-[وكان دُوَيلة قد قتله ابن خازم] (٤) فتنخم في وجهه قال وكيع: لم أر أحدًا أكثر ريقًا منه في تلك الحال. وكان ابن هبيرة (٥) إذا ذكر هذا يقول: هذه واللَّه هي البسالة. وقال له ابن خازم: ويحك أتقتلني بأخيك؟ لعنك اللَّه، أتقتل كبش مصر بأخيك العلج؟ وكان لا يساوي كفًا من تراب -أو قال من نوًى-

стр. 4222

قال: فاحتز رأسه وأقبل بُكير بن وشاح فأراد أخذ الرأس فمنعه منه بُجير بن ورقاء فضربه بكير بعمود وقيَّده، ثم أخذ الرأس، ثم بعثه إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بالنصر والظفر، فسرّ بذلك سرورًا كثيرًا، وكتب إلى بكير بن وشاح بإقراره على نيابة خراسان. وفي هذه السنة أخذت المدينة من نواب ابن الزبير واستناب فيها عبد الملك طارق بن عمرو، الذي كان بعثه مددًا للحجاج (١). وهذه ترجمة عبد اللَّه بن خازم (٢) هو عبد اللَّه بن خازم بن أسماء السُّلمي، أبو صالح البصري أمير خراسان أحد الشجعان المذكورين، والفرسان المشكورين. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه" (٣): ويقال له صحبة. روى عن النبي ﷺ في العمامة السوداء، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي (٤)، لكن لم يسمُّوه. وروى عنه: سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق. روى أبو بشر (٥) الدولابي أنه قتل في سنة إحدى وسبعين، وقيل: في سنة سبع وثمانين، وليس هذا القول بشيء. انتهى ما ذكره شيخنا في "التهذيب". وقد ذكره الحافظ أبو الحسن بن الأثير في "الغابة في أسماء الصحابة" (٦) فقال: عبد اللَّه بن خازم بن أسماء بن الصَّلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن نهية (٧) بن سليم بن منصور، أبو صالح السلمي، أمير خراسان، شجاع مشهور، وبطل مذكور، وروى عنه سعيد بن الأزرق، وسعد بن عثمان، قيل إن له صحبة، وفتح سَرْخَس، وكان أميرًا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأول ما وليها سنة أربع وستين بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة حتى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب "الكامل في التاريخ" وقتل سنة إحدى وسبعين

стр. 4223

بخراسان في الفتنة، هكذا قال إنه قتل سنة إحدى وسبعين (١)، وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي، وكذا رأيت في التاريخ لشيخنا الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبي (٢). والذي ذكره ابن جرير في سياق تاريخه (٣) أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، قال: وزعم بعضهم أنه إنما قتل بعد مقتل عبد اللَّه بن الزُّبير، وأن عبد الملك بعث برأس ابن الزبير إلى ابن خازم بخراسان، وبعث يدعوه إلى طاعته وله خراسان عشر سنين، وأن ابن خازم لما رأى رأس ابن الزبير حلف لا يعطي عبد الملك طاعة أبدًا، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وكفنه وطيبه وبعث به إلى أهله بالمدينة، ويقال بل دفنه عنده بخراسان، واللَّه أعلم. وأطعم الكتاب للرسول الذي جاء به وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك، وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. وممن توفي في سنة ثنتين وسبعين: الأحنف بن قيس (٤)، بن (٥) معاوية بن حصين التميمي السعدي أبو بحر البصري ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب له، وإنما اسمه الضحاك، وقيل صخر، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وجاء في حديث أن رسول اللَّه ﷺ دعا له (٦)، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا مؤمنًا، عليم اللِّسان، وكان يضرب بحلمه المثل وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان. قال عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان. وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه. وقال أحمد بن عبد اللَّه العِجْلي (٧): هو بصري تابعي ثقة، وكان سيّد قومه، وكان أعور،

стр. 4224

أحنف (١) الرجلين، ذميمًا، قصيرًا، كوسجًا، له بيضة واحدة، احتبسه عمر سنة قدومه يمتحنه، ثم قال: هذا واللَّه السيد -أو قال السؤدد-[وقيل: إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه] وقيل ذهبت عينه بالجدري، وقيل في فتح سمرقند. وقال يعقوب بن سفيان: كان الأحنف جوادًا حليمًا، وكان رجلًا صالحًا. أدرك الجاهلية ثم أسلم، وذكر للنبي ﷺ فاستغفر له. وقال محمد بن سعيد: كان ثقة مأمونًا قليل الحديث، وكان كثير الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح ويصلّي ويبكي حتى الصّباح، وكان يضع أصبعه في المصباح ويقول: حسَّ يا أحنف، ما حملك على كذا؟ ما حملك على كذا؟ ويقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على نار جهنم؟ وقيل له: إن الصيام يضعفك فقال: إني أعده ليوم طويل (٢). وقيل له: كيف سودك قومك وأنت أرذلهم خلقة؟ قال: لو عاب قومي الماء ما شربته. [كان الأحنف من أمراء علي يوم صفين (٣)، وهو الذي صالح أهل بلخ على أربعمئة ألف دينار في كل سنة. وله وقائع مشهودة مشهورة، وقتل من أهل خراسان خلقًا كثيرًا في القتال بينهما، وانتصر عليهم]. وكان الأحنف لا يحتد ولا يجهل، ولا يدفع الحق. وقال: إن من السؤدد والصبر على الذل وكفى بالحلم ناصرًا. وقال ما نازعني أحد إلا أخذت من أمري إحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. وقال ما ذكرت أحدًا بسوءٍ بعد أن يقوم من عندي، ولا سمعت كلمة تسوؤني إلا طأطأت رأسي لما هو أعظم منها. وأغلظ له رجل في الكلام، فلما وصل إلي نادي قومه وقف وقال: إن كان عندك شيء آخر فقل لئلا يسمعك قومي فيؤذوك. وقيل: إن عبد الملك بن مروان كتب إليه يدعوه لنفسه ويعده بولاية الشام فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية الشام، واللَّه وددت أن بيني وبينهم جبلًا من نار.

стр. 4225

وكان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية، ولا يضره عزل، وإنه ليفر من الشر وهو يتبعه (١). وقال الحاكم (٢): وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه [وهو الذي افتتح سمرقند وغيرها من البلاد] (٣). وقيل: إنه مات سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك، عن سبعين سنة. وقيل عن أكثر من ذلك. ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ما هو؟ فقال: الذل مع الصبر. وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: واللَّه إني لأجد ما يجدون، ولكني صبور. وقال أيضًا: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد. وقال: أحي معروفك بإماتة ذكره، وقال: عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وقال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أُدعى، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما (٤)، وقيل له: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من الأمر ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وأغلظ له رجل في الكلام وقال: واللَّه يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرًا، فقال له: إنك إن قلت لي عشرًا لا تسمع مني واحدة. وكان يقول في دعائه: اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك. وقد كان زياد بن أبيه يقَرِّبُه ويدنيه، فلما مات زياد ووليَ ابنه عبيد اللَّه لم يرفع به رأسه، فتأخرت عنده منزلته لقبح منظره، وصار يقدم عليه من هو دونه (٥) فلما وفد برؤساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجلَّه وعظمه [وأدناه وأكرمه] وأجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال معاوية: أشهدكم أني قد عزلته عن العراق، ثم قال لهم: انظروا لكم نائبًا، وأجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافًا كثيرًا، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد اللَّه، ولا طلبه أحد منهم، ولم يتكلم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات والأحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم، فقال له: إن كنت تريد أن تولي فيها أحدًا من أهل

стр. 4226

بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد اللَّه، فإنه رجل حازم [لا يسد أحد منهم مسدَّه] وإن كنت ثريد غيره فأنت أعلم بنوابك، فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه وبينه: كيف جهلت مثل الأحنف؟ إنه هو الذي عزلك وولاك وهو ساكت، فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدًا. توفي الأحنف بالكوفة وصلى عليه مصعب بن الزّبير، ومشى في جنازته. حكى الواقدي أن الأحنف بن قيس وفد على معاوية بعد أن سلم الحسن الأمر إلى معاوية ورحل بأهله إلى المدينة فقال معاوية للأحنف أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين والمخذل عن عائشة أم المؤمنين فقال: يا معاوية لا توبخنا بما مضى منا ولا ترد الأمور على أدبارها فإن القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا والسيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا في كلام غير ذلك، فلما خرج قالت أخت معاوية: من هذا الذي يتهدد؟ قال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مئة ألف من تميم لا يدرون فيما غضب. ثم صَلُحت منزلة الأحنف عند معاوية بعد ذلك (١). وذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، وأنه أصلح بينهما بكلام، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمالٍ جزيل وقماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للأحنف، واللَّه سبحانه أعلم] (٢). البراء بن عازب (٣) بن الحارث بن عدي بن مجدعة (٤) بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الحارثي الأوسي. صحابي جليل، وأبوه أيضًا صحابي، روى عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث كثيرة، وحدّث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وبعض الصحابة. وقيل إنه مات بالكوفة أيام ولاية مصعب بن الزبير على العراق. عَبيده السَّلْماني القاضي (٥) وهو عَبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السَّلْماني، المرادي، أبو عمرو الكوفي. وسَلْمان بطن من مراد.

стр. 4227

أسلم عبيدة في حياة النبي ﷺ . وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير. وحدّث عنه جماعة من التابعين. وقال الشعبي: كان يوازي شريحًا في القضاء. قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عَبيدة فيه، وانتهى إلى قوله، وقد أثنى عليه غير واحد. وكان عَبيدة السلماني أعورَ، وكان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يفتون الناس، توفي بالكوفة. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وقيل أربع وسبعين، فاللَّه أعلم. وقد قيل: إن مصعب بن الزبير قتل فيها، فاللَّه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا: عبد اللَّه بن السائب (١) بن صيفي المخزومي قارئ أهل مكة، له صحبة ورواية، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد وغيره. عطية بن بُسْر (٢) المازني، له صحبة ورواية، توفي بالمدينة. عَبيد بن نُضَيلة (٣) أبو معاوية الخزاعي، الكوفي، مقرئ أهل الكوفة، مشهور بالخير والعبادة، توفي بالكوفة في هذه السنة. عبد اللَّه بن قيس الرقيّات (٤) القرشي العامري أحد الشعراء، مدح مصعب بن الزبير وعبد اللَّه بن جعفر.

стр. 4228

عبد اللَّه بن هَمّام (١) أبو عبد الرحمن الشاعر السلولي أحد الشعراء الفصحاء مدح يزيد بن معاوية بعد أن كان قد هجاه (٢) بقوله: شَرِبْنا الغيظ حتى لو سُقينا … دماءَ بني أميّةَ ما رَوينا ولو جاؤوا برملةَ أو بهندٍ … لَبَايعنا أميرَ المؤمنينا ثم دخلت سنة ثلات وسبعين فيها كان مقتل عبد اللَّه بن الزبير ﵁ على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي المبير قبحه اللَّه وأخزاه. قال الواقدي (٣): حدثني مصعب بن ثابت عن نافع مولى بني أسد -وكان عالمًا بفتنة ابن الزبير- قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعد (٤) سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له ثمانية (٥) أشهر وسبع عشرة ليلة. وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة، وكان في الحج ابن عمر، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كما ثبت ذلك في الصحيحين (٦)، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك وكان مع الحجاج خلق قدموا عليه من أرض الحبشة، فجعلوا يرمون فيصيبوا فقتلوا خلقًا كثيرًا، وكان معه خمسة مجانيق فألح عليها بالرمي من كل وجه، وحبس عنهم الميرة، والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، وجعل الحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام اللَّه اللَّه في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة (٧)، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني

стр. 4229

شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارًا، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول: خذها وأنا ابن الحواريّ. وقيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح!! فقال: واللَّه لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعًا واللَّه لا أسألهم صلحًا أبدًا. وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلًا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضًا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون: خطارة مثل الفنيق المزبد … نرمي بها أعوَادَ هذا المسجد (١) فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم؟ [فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته] فعادوا إلى المحاصرة. وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتفلّلون عن (٢) ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم وقلَّ من كان مع ابن الزّبير، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد اللَّه بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانًا من الحجاج فأمنهما، ودخل عبد اللَّه بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وان كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. فدنا منها فقبل رأسها وقال: [هذا واللَّه رأيي، ثم قال] واللَّه ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للَّه أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلّمي لأمر اللَّه، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجُر في حكم اللَّه، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم

стр. 4230

ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي [مني ومن غيري] ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من اللَّه أن يكون عزائي فيك حسنًا، إن تقدمتني أو تقدمتك، ففي نفسي، اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فقال: جزاك اللَّه يا أمه خيرًا فلا تدعي الدعاء قبل وبعدُ. فقالت: لا أدعه أبدًا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فقابِلني في عبد اللَّه بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين. ثم قالت له: ادن مني أودعك فدنا منها فقبلته (١)، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها -وكانت قد أضرت في آخر عمرها- فوجدته لابسًا درعًا من حديد فقالت: يا بني ما هذا لباس من يريد ما تريد من الشهادة!! فقال: يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك وأسكن قلبك به، فقالت: لا يا بني ولكن انزعه فنزعه وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول: شمر ثيابك، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكِّره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، [وخالته عائشة زوج رسول اللَّه ﷺ ] وترجِّيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدًا، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها ﵄ وعن أبيه وأبيها. قالت له: امض على بصيرتك؛ فودعها وخرج وهو يقول: ولست بمُبتاع الحياة بسُبَّةٍ … ولا مرتقٍ من خشية الموت سُلَّما (٢) قالوا: وكان يخرج من باب المسجد الحرام وهناك خمسمئة فارس وراجل فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينًا وشمالًا، ولا يثبت له أحد وهو يقول: إني إذا أعرفُ يومي أصبرُ … إذْ بعضهمْ يعرِف ثم ينكرُ (٣) وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، وكان لأهل حمص حصار الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب

стр. 4231

بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم (١)، [وعلى كل باب قائد ومعه أهل تلك البلاد] وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الأبطح، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل باب إلا فرّقهم وبدَّدَ شملهم، وهو غير ملبس حتى يخرجهم إلى الأبطح ثم يصيح: لو كان قرني واحدًا لكفيته فيقول ابن صفوان وأهل الشام أيضًا، إي واللَّه وألف رجل، ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج لذلك، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضاري، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلي طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذّن يا سعد، فأذَّن عند المقام، وتوضّأ ابن الزبير ثم صلّى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة ن حرفًا حرفًا، ثم سلَّم فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال اكشفوا وجوهكم حتى أنظر وعليهم المغافر فكشفوا عن وجوههم، فحرضهم وحثهم على القتال والصبر، ثم نهض فحمل وحملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فاصابته في وجهه فأرعش لها، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم: فلسنا على الأعقاب تَدْمى كُلُومُنا … ولكن على أقدامِنا تَقْطُرُ الدّما ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه (٢) ﵁، وجاؤوا إلى الحجّاج فأخبروه فخر ساجدًا قبَّحه اللَّه وقام هو وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه وهو صريع، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم! هو أعذر لأنا محاصروه وليس هو في حصن ولا خندق ولا منعة ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل موقف، فلما بلغ ذلك عبد الملك فصوب (٣) طارقًا. وروى ابن عساكر (٤) في ترجمة الحجّاج أنه لما قتل ابن الزّبير ارتجت مكة بكاءً على عبد اللَّه بن الزبير ﵀، فخطب الحجّاج الناس فقال: أيها الناس! إن عبد اللَّه بن الزّبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه اللَّه من عذابه الأليم، وإن آدم كان أكرم على اللَّه من ابن الزّبير، وأنه كان في الجنة، وهي أشرف من مكة، فلما خالف أمر اللَّه وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه اللَّه من الجنة، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه. [وقيل إنه قال: يا أهل مكة إكباركم واستعظامكم قتل ابن الزبير، فإن ابن الزبير كان من خيار هذه

стр. 4232

الأمة حتى رغب في الدنيا ونازع الخلافة أهلها، فخلع طاعة اللَّه وألحد في حرم اللَّه، ولو كانت مكة شيئًا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة وقد خلقه اللَّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. وعلمه أسماء كل شيء، فلما عصاه أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وآدم أكرم على اللَّه من ابن الزبير، وإن ابن الزبير غيّر كتاب اللَّه. فقال له عبد اللَّه بن عمر: لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت، واللَّه إن ابن الزبير لم يغير كتاب اللَّه، بل كان قوامًا به صوامًا، عاملًا بالحق]. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع من قتل عبد اللَّه بن الزبير وبعث برأسه مع رأس عبد اللَّه بن صفوان وعمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك، وأمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم به، وأرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمئة دينار، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحًا بمقتل ابن الزبير، عليهم من اللَّه ما يستحقون. ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون، يقال منكسة، فما زالت مصلوبة، حتى مر به عبد اللَّه بن عمر فقال: رحمة اللَّه عليك يا أبا خبيب، أما واللَّه لقد كنت صوّامًا قوّامًا، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع ودفن هناك. ودخل الحجاج إلى مكة فأخذ البيعة من أهلها إلى عبد الملك بن مروان، ولم يزل الحجاج مقيمًا بمكة حتى أقام للناس الحج عامه هذا أيضًا وهو على مكة واليمامة واليمن. وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير (١) هو عبد اللَّه بن الزبير بن العوَّام بن خويلد في أسد بن عبد العُزّى بن قصيِّ بن كلاب، أبو بكر، ويقال له أبو خبيب القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁، ذات النطاقين، هاجرت وهي حامل به متِمٌّ، فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة، وقيل: إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة، قاله الواقدي ومصعب الزبيري وغيرهما، والأول أصح لما رواه أحمد (٢) عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء أنها حملت بعبد اللَّه بمكة قالت: فخرجت به وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدتُه، ثم أتيت به رسول اللَّه ﷺ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول ما دخل في جوفه ريق

стр. 4233

رسول اللَّه ﷺ ، قالت: ثم حنكه ثم دعا له وبرَّك عليه، فكان أول مولود ولد في الإسلام. فهو صحابي جليل، روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عن أبيه وعمر وعثمان وغيرهم. وعنه جماعة من التابعين، وشهد اليرموك مع أبيه وهو صغير، وحضر خطبة عمر بالجابية، ورواها عنه بطولها. [ثبت ذلك من غير وجه]. وقدم دمشق لغزو القسطنطينية، ثم قدمها مرة أخرى، وبويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية ولما مات يزيد، وغلب على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان ولم يبق إلا الشام (١)، وتمت البيعة له سنة أربع وستين وكان فارس الناس (٢) في زمانه. وثبت من غير وجه عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها خرجت بعبد اللَّه من مكة مهاجرة وهي حبلى به فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة، فأتت به رسول اللَّه ﷺ فحنكه وسماه عبد اللَّه ودعا له، وفرح المسلمون به لأنه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين فلا يولد لهم في المدينة، فلما ولد [ابن الزبير] كبّر المسلمون، وقد سمع عبد اللَّه بن عمر جيش الشام حين كبروا عند مقتله، فقال: أما واللَّه للذين كبَّروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبَّروا عند مقتله. وأذَّن الصدِّيق في أذنه حين ولد ﵄، ومن قال إن الصديق طاف به حول الكعبة وهو في خرقة فهو واهم، واللَّه أعلم. وإنما طاف الصدّيق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود. وقال مصعب الزبيري: كان عارضا عبد اللَّه خفيفين، وما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة (٣). وقال الزبير بن بكار: حدَّثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن سالم بن عبد اللَّه بن عروة، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل يا رسول اللَّه لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأُتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا واقتحم عبد اللَّه بن الزُّبير، فتبسم رسول اللَّه ﷺ وقال: "إنه ابن أبيه" وبايعه (٤). وقد رُوي من غير وجه أن عبد اللَّه بن الزبير شرب من دم النبي ﷺ ، كان النبي ﷺ قد احتجم في طست فأعطاه عبد اللَّه بن الزبير ليريقه [فشربه فقال له: "لا تمسك النار إلا تحلَّة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك". وفي رواية أنه قال له: "يا عبد اللَّه اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد، فلما بعُد عمد إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: عدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه.

стр. 4234

قال: "فلعلك شربته! " (١) قال: نعم قال: "لا تمسك النار إلا تحلّة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك" (٢). وقال محمد بن سعد (٣): أبنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا الحارث بن عبيد، حدّثنا أبو عمران الجوني؛ أن نوفًا كان يقول: إني لأجد في كتاب اللَّه المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء. وقال حماد بن زيد، عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد اللَّه بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. وقال الأعمش، عن يحيى بن وثّاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط (٤). وقال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح، ويركع ليله حتى يصبح، ويسجد ليله حتى يصبح. وقال بعضهم: ركع ابن الزبير يومًا فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه. وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راتب، وفي رواية ثابت (٥). وقال أحمد: تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج، وابن جريج من عطاء، وعطاء من ابن الزبير، وابن الزبير من الصديق، والصديق من رسول اللَّه ﷺ . وقال الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن ابن المنكدر قال: لو رأيتَ ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح، والمنجنيق يقع هاهنا وهاهنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به [ولا يعده شيئًا]. وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجر المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، فما زال عن مقامه ولا عرف ذلك في صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلا اللَّه، جاء ما وصفت (٦).

стр. 4235

وقال عمر بن عبد العزيز يومًا لابن أبي مليكة: صف لنا عبد اللَّه بن الزبير، فقال: واللَّه ما رأيت جِلدًا قط ركب على لحم ولا لحمًا على عصب ولا عصبًا على عظم مثله، ولا رأيت نفسًا ركبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره فواللَّه ما خشع ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها. ولقد كان يركع فيَكاد الرَّخَم أن يقع على ظهره ويسجد فكأنه ثوب مطروح (١). وقال أبو القاسم البغوي: عن علي بن الجَعْد، عن شعبة، عن منصور بن زاذان قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يشرب في صلاته، وكان ابن الزبير من المصلين (٢). [وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال: كان قارئًا لكتاب اللَّه، متبعًا لسنة رسول اللَّه، قانتًا للَّه صائمًا في الهواجر من مخافة اللَّه، ابن حواريّ رسوال اللَّه، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيبة حبيب اللَّه، زوجة رسول اللَّه، فلا يجهل حقه إلا من أعماه اللَّه] (٣). ورُوي أن ابن الزبير (٤) كان يومًا يصلي فسقطت حية من السقف فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل واجتمعوا على قتل تلك الحية فقتلوها، وسلم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت ولا درى بما جرى حتى سلم. وقال الزبير بن بكار: حدَّثني محمد بن الضحاك الخزامي وعبد الملك بن عبد العزيز ومن لا أحصي كثرة من أصحابنا أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعًا، يصوم يوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصوم بالمدينة ولا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة وسمن وصبر، وفي رواية أخرى فأما اللبن فيعصمه، وأما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصبر فيفتق الأمعاء (٥). وقال ابن معين: عن روح، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ويصبح في الثامن وهو ألْيثُنا. ورُوي مثله من غير وجه. وقال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه.

стр. 4236

وقال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهر (١). وقال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة ﵁ (٢). ولقد جاء سيلٌ مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة (٣). وقال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة والشجاعة والفصاحة. وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الإسلام مع معاوية وابنه وسعيد بن العاص وابنه. وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءً يمانيًا عدَنيًا يصلي فيه، وكان صيتًا إذا خطب تجاوب الجبلان أبو قبيس وزروراء. وكان آدمَ نحيفًا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود، كثير العبادة مجتهدًا شهمًا فصيحًا صوّامًا قوّامًا، شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة وهمة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلًا. وكانت له جمة وكان له لحية صفراء. وقد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبي سرح قتال البربر وكانوا في عشرين ومئة ألف، والمسلمون عشرون ألفًا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد اللَّه بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسًا، وسار نحو ملك البربر وهو منفرد وراء الجيش، وجواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه والناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرًا فلحقه عبد اللَّه فقتله واحتز رأسه وجعله في رأس رمحٍ وكبّر وكبّر المسلمون، وحملوا على البربر فانهزمت البربر بين أيديهم فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وغنموا أموالا وغنائم كثيرة جدًا، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر وكيف جرى، فقال له عثمان: أتستطيع أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر؟ قال: نعم! فأمره فصعد فوق

стр. 4237

المنبر فخطب الناس وذكر لهم كيفية ما جرى، قال [عبد اللَّه]: فالتفتُّ فإذا [أبي] الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج عليّ في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزني بعينه وأشار إليّ ليحضَّني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: واللَّه لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني (١). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على راحلة له، فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى، قال: فناداه: واللَّه يا ابن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك، قال: ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شيء؟ وقد روي لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة. وروى عبد اللَّه بن المبارك: عن إسحاق بن يحيى، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: أقبل عبد اللَّه بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند اليناصب (٢) أبصروا رجلًا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردًا ضعيفًا، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارهًا، قال ابن الزبير: فجلست وأخذت بيده وقلت: من أنت؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت: أنت رجل من الجن وتبدو إليّ هكذا؟ وإذا له لبس سفلة وانكسر ونهرته وقلت: إليّ تتبدَّا وأنت من أهل الأرض، فذهب هاربًا وجاء أصحابي فقالوا: أين الرجل الذي كان عندك؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم أمَج (٣) وما يعقلون. وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرحت في أثرهن لأعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجًا، فدخلن في خربة فدخلت في أثرهن. فإذ مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا بن الزبير؟ فقلت لهم من أنتم؟ قالوا الجن وتلك النسوة نساؤنا فما تشتهي يا بن الزبير، فقلت: أشتهي رطبًا، وما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لأنام، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في

стр. 4238

السفط داخله، فهمّوا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم اللَّه عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال: فلم آسف على شيء أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت (١). وقد كان عبد اللَّه بن الزبير ممن جاحَف عن عثمان يوم الدار، وجُرح يومئذ بضع عشرة جراحة. وكان على الرجالة يوم الجمل وجُرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضًا، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي ويقول: اقتلوني ومالكًا، واقتلوا مالكًا معي، فأرسلها مثلًا. ثم تفرقا ولم يقدر عليه الأشتر، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت للَّه شكرًا (٢)، وكانت تحبه حبًا شديدًا، لأنه ابن أختها، وكان عزيزًا عليها. وقد رُوي عن عروة: أن عائشة لم تكن تحب أحدًا بعد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لأحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير (٣). وقال الزبير بن بكار: حدَّثني هارون بن أبي بكر، عن يحيى بن إبراهيم، عن سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن عمه، عن عبد اللَّه بن عروة قال: أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد اللَّه بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات: حكيتَ لنا الصديقَ لما وليتنا (٤) … وعثمانَ والفاروق فارتاح معدمُ وسويت بين الناس في الحق فاستووا … فعاد صباحًا حالكُ اللونِ مظلمُ (٥) أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا … دجى الليل جواب الفلاة عثمثمُ (٦) لتجيرَ منه جائيًا ذعذعت به … صروفُ الليالي والزمانُ المصممُ (٧) فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة ما لنا فلآل الزبير، وأما عفوه، فإن بني أسد يشغلها عنك وتيمًا، ولكن لك في مال اللَّه حقان، حق لرؤيتك لرسول اللَّه ﷺ ، وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعًا، وجملًا، وخيلًا، وأوقر له الركاب بُرًا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفًا، فقال له ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:

стр. 4239

"ما وليت قريش وعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرًا فأنجزت، فأنا والنبيون فُرَّاط القاصفين" (١). وقال محمد بن مروان صاحب كتاب "المجالسة" (٢): أخبرني حبيب بن نَصْر (٣) الأزدي حدَّثنا محمد بن دينار الضبي، حدَّثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن أبيه قال: أذن معاوية للناس يومًا فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالته، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشدني ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمئة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، وأنت وافٍ كافٍ، قال: نعم فأنشده للأفوه الأزدي: بلوتُ النَّاسَ قرنًا بعدَ قرنٍ … فلمْ أرَ غيرَ ختَّالٍ وقالِ فقال معاوية: صدق. ولم أرَ في الخطوبِ أشدَّ وقعًا … وكيدًا من معاداةِ الرجالِ فقال معاوية: صدق. وذقتُ مَرارةَ الأشياءِ طُرًّا … فما شيءٌ أمرُّ منَ السؤالِ فقال: صدق. ثم قال معاوية: هيه يا أبا خبيب، قال: إلى هاهنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدًا على عنق كل واحد منهم بدرة، وهي عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره. وروى ابن أبي الدنيا عن أبي زيد النميري، عن أبي عاصم النبيل، عن جويرية بن أسماء: أن معاوية لما حج وتلقاه الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكثر جحرة رأسك!! فقال له: اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية وطاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا، لا واللَّه لا أدعك حتى تعطيني مئة ألف، فأعطاه، فجاء مروان فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال

стр. 4240

الديوان وبيت الخلافة، وبيت كذا، وبيت كذا، فأعطيته مئة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير (١)؟ وقال ابن أبي الدنيا: أخبرني عمر بن بكير، عن علي بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئًا فمنعه، فقال: واللَّه ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضًا ولا أقصم لك حسبًا، ولكني أسدل عمامتي من بين يدي ذراعًا، ومن خلفي ذراعًا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر، فيقول الناس: من هذا؟ فيقولون ابن حواريّ رسول اللَّه ﷺ وابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفًا، ثم قال: هات حوائجك (٢). وقال الأصمعي: حدَّثنا غسان بن مُضَر، عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير علر، معاوية فأمر ابنًا له صغيرًا فلطمه لطمة دوَّخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي: ادن مني، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال لأنه أبي، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوَّامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجرِ عليه الأحكام؟ قال: إنه واللَّه قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه (٣). وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن عبد اللَّه بن أبي بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته، فقال له: أتنعس وأنا معك؟ أما تخاف مني أن أقتلك؟ فقال: إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب، وهو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم واللَّه بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدًا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما واللَّه ما أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الأنشوطة، فذكرتني وأنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني واللَّه لها، أما واللَّه لأحللتك رويدًا، ولأطلقتك سريعًا، ولبئس الولي أنت تلك الساعة (٤). وحكى أبو عبد اللَّه نحو هذا. وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمر مقتله ما تقدم، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير، ولهذا كان ابن عباس ينشد بعد مخرج الحسين:
следующие страницы →