← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وقال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهر (١). وقال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة ﵁ (٢). ولقد جاء سيلٌ مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة (٣). وقال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة والشجاعة والفصاحة. وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الإسلام مع معاوية وابنه وسعيد بن العاص وابنه. وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءً يمانيًا عدَنيًا يصلي فيه، وكان صيتًا إذا خطب تجاوب الجبلان أبو قبيس وزروراء. وكان آدمَ نحيفًا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود، كثير العبادة مجتهدًا شهمًا فصيحًا صوّامًا قوّامًا، شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة وهمة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلًا. وكانت له جمة وكان له لحية صفراء. وقد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبي سرح قتال البربر وكانوا في عشرين ومئة ألف، والمسلمون عشرون ألفًا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد اللَّه بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسًا، وسار نحو ملك البربر وهو منفرد وراء الجيش، وجواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه والناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرًا فلحقه عبد اللَّه فقتله واحتز رأسه وجعله في رأس رمحٍ وكبّر وكبّر المسلمون، وحملوا على البربر فانهزمت البربر بين أيديهم فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وغنموا أموالا وغنائم كثيرة جدًا، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر وكيف جرى، فقال له عثمان: أتستطيع أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر؟ قال: نعم! فأمره فصعد فوق

стр. 4237

المنبر فخطب الناس وذكر لهم كيفية ما جرى، قال [عبد اللَّه]: فالتفتُّ فإذا [أبي] الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج عليّ في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزني بعينه وأشار إليّ ليحضَّني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: واللَّه لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني (١). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على راحلة له، فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى، قال: فناداه: واللَّه يا ابن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك، قال: ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شيء؟ وقد روي لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة. وروى عبد اللَّه بن المبارك: عن إسحاق بن يحيى، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: أقبل عبد اللَّه بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند اليناصب (٢) أبصروا رجلًا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردًا ضعيفًا، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارهًا، قال ابن الزبير: فجلست وأخذت بيده وقلت: من أنت؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت: أنت رجل من الجن وتبدو إليّ هكذا؟ وإذا له لبس سفلة وانكسر ونهرته وقلت: إليّ تتبدَّا وأنت من أهل الأرض، فذهب هاربًا وجاء أصحابي فقالوا: أين الرجل الذي كان عندك؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم أمَج (٣) وما يعقلون. وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرحت في أثرهن لأعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجًا، فدخلن في خربة فدخلت في أثرهن. فإذ مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا بن الزبير؟ فقلت لهم من أنتم؟ قالوا الجن وتلك النسوة نساؤنا فما تشتهي يا بن الزبير، فقلت: أشتهي رطبًا، وما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لأنام، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في

стр. 4238

السفط داخله، فهمّوا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم اللَّه عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال: فلم آسف على شيء أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت (١). وقد كان عبد اللَّه بن الزبير ممن جاحَف عن عثمان يوم الدار، وجُرح يومئذ بضع عشرة جراحة. وكان على الرجالة يوم الجمل وجُرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضًا، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي ويقول: اقتلوني ومالكًا، واقتلوا مالكًا معي، فأرسلها مثلًا. ثم تفرقا ولم يقدر عليه الأشتر، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت للَّه شكرًا (٢)، وكانت تحبه حبًا شديدًا، لأنه ابن أختها، وكان عزيزًا عليها. وقد رُوي عن عروة: أن عائشة لم تكن تحب أحدًا بعد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لأحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير (٣). وقال الزبير بن بكار: حدَّثني هارون بن أبي بكر، عن يحيى بن إبراهيم، عن سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن عمه، عن عبد اللَّه بن عروة قال: أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد اللَّه بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات: حكيتَ لنا الصديقَ لما وليتنا (٤) … وعثمانَ والفاروق فارتاح معدمُ وسويت بين الناس في الحق فاستووا … فعاد صباحًا حالكُ اللونِ مظلمُ (٥) أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا … دجى الليل جواب الفلاة عثمثمُ (٦) لتجيرَ منه جائيًا ذعذعت به … صروفُ الليالي والزمانُ المصممُ (٧) فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة ما لنا فلآل الزبير، وأما عفوه، فإن بني أسد يشغلها عنك وتيمًا، ولكن لك في مال اللَّه حقان، حق لرؤيتك لرسول اللَّه ﷺ ، وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعًا، وجملًا، وخيلًا، وأوقر له الركاب بُرًا وتمرًا وثيابًا، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفًا، فقال له ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:

стр. 4239

"ما وليت قريش وعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرًا فأنجزت، فأنا والنبيون فُرَّاط القاصفين" (١). وقال محمد بن مروان صاحب كتاب "المجالسة" (٢): أخبرني حبيب بن نَصْر (٣) الأزدي حدَّثنا محمد بن دينار الضبي، حدَّثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن أبيه قال: أذن معاوية للناس يومًا فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالته، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشدني ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمئة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، وأنت وافٍ كافٍ، قال: نعم فأنشده للأفوه الأزدي: بلوتُ النَّاسَ قرنًا بعدَ قرنٍ … فلمْ أرَ غيرَ ختَّالٍ وقالِ فقال معاوية: صدق. ولم أرَ في الخطوبِ أشدَّ وقعًا … وكيدًا من معاداةِ الرجالِ فقال معاوية: صدق. وذقتُ مَرارةَ الأشياءِ طُرًّا … فما شيءٌ أمرُّ منَ السؤالِ فقال: صدق. ثم قال معاوية: هيه يا أبا خبيب، قال: إلى هاهنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدًا على عنق كل واحد منهم بدرة، وهي عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره. وروى ابن أبي الدنيا عن أبي زيد النميري، عن أبي عاصم النبيل، عن جويرية بن أسماء: أن معاوية لما حج وتلقاه الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكثر جحرة رأسك!! فقال له: اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية وطاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا، لا واللَّه لا أدعك حتى تعطيني مئة ألف، فأعطاه، فجاء مروان فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال

стр. 4240

الديوان وبيت الخلافة، وبيت كذا، وبيت كذا، فأعطيته مئة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير (١)؟ وقال ابن أبي الدنيا: أخبرني عمر بن بكير، عن علي بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئًا فمنعه، فقال: واللَّه ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضًا ولا أقصم لك حسبًا، ولكني أسدل عمامتي من بين يدي ذراعًا، ومن خلفي ذراعًا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر، فيقول الناس: من هذا؟ فيقولون ابن حواريّ رسول اللَّه ﷺ وابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفًا، ثم قال: هات حوائجك (٢). وقال الأصمعي: حدَّثنا غسان بن مُضَر، عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير علر، معاوية فأمر ابنًا له صغيرًا فلطمه لطمة دوَّخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي: ادن مني، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال لأنه أبي، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوَّامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجرِ عليه الأحكام؟ قال: إنه واللَّه قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه (٣). وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن عبد اللَّه بن أبي بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته، فقال له: أتنعس وأنا معك؟ أما تخاف مني أن أقتلك؟ فقال: إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب، وهو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم واللَّه بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدًا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما واللَّه ما أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الأنشوطة، فذكرتني وأنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني واللَّه لها، أما واللَّه لأحللتك رويدًا، ولأطلقتك سريعًا، ولبئس الولي أنت تلك الساعة (٤). وحكى أبو عبد اللَّه نحو هذا. وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمر مقتله ما تقدم، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير، ولهذا كان ابن عباس ينشد بعد مخرج الحسين:

стр. 4241

يا لكِ من قنبرةٍ (١) بمعمرِ … خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفرِي (٢) ونَقِّري ما شئتِ أن تُنَقِّري يعرض بابن الزبير. وقيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول: إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة، وحلفت لتأتيني في ذلك فأبرَّ قسمي ولا تشق العصا، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال: ولا ألينُ لغيرِ الحقِّ أسألُهُ … حتى تلينَ لضرسِ الماضِغِ الحَجَر (٣) فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبًا، استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير جدًا، وبويع له بالحجاز والعراق ومصر (٤)، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها، ولكن عارضه مروان بن الحكم وما زال حتى قتله وجماعة في مرج راهط كما تقدم، فبايع له أهل الشام. وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير، ثم جهز السرايا إلى العراق، ومات واستخلف بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير وأخذ العراق منه، ثم بعث الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبًا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين. وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين، حج بالناس فيها كلها، وبنى الكعبة في أيامه كما أشار إليه رسول اللَّه ﷺ ، ورد بناءها كما كانت عليه كما (٥) أخبرته بذلك عائشة أم المؤمنين ﵂، وكساها بالحرير (٦)، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح (٧)، وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من ظاهر الحرم، وكان مكتوب على كسوتها لعبد اللَّه بن أبي بكر أمير المؤمنين (٨). وكان ابن الزبير عالمًا، عابدًا، مهيبًا، وقورًا، كثير الصيام والصلاة، شديد الخشوع قوي السياسة. قال أبو نعيم الأصبهاني: حدَّثنا أبو حامد بن جَبَلة، حدَّثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدَّثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدَّثنا أبو عاصم، عن عمر بن قيس. قال: كان لابن الزبير مئة غلام يتكلم

стр. 4242

كل غلام منهم بلغة [غير لغة الآخر]، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنتَ إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللَّه [والدار الآخرة] طرفة عين، [وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين] (١). وقال الثوري: عن الأعمش، عن أبي الضحى (٢) قال: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال (٣). وقال ابن المبارك: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن فوأى ثلاثة مثل -يعني أفرشة- فقال: هذا لي وهذا لابنة الحسن، وهذا للشيطان فأخرجوه (٤). وقال الثوري: عن عبد اللَّه بن أبي بشير، عن عبد اللَّه بن مساور، قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل ويقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس بالمؤمن من يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع" (٥). وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا إسماعيل بن أبان الورّاق، حدَّثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزى، عن عثمان بن عفان. قال قال له عبد اللَّه بن الزبير حين حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا! إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُلْحِدُ كبش من قريش اسمه عبد اللَّه، عليه مثل أوزار الناس". وهذا الحديث منكر جدًا وفي إسناده ضعف، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع، ومثل هذا لا يقبل تفرده به، وبتقدير صحته فليس هو بعبد اللَّه بن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه في الإمارة إنما كان للَّه ، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه [بعد أن اجتمعت الكلمة عليه]، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الأمر واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا إسحاق بن سعيد، حدَّثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد اللَّه بن عمرو وعبد اللَّه بن الزبير وهو في الحِجْر جالسٌ فقال: يا بن الزبير إياك والإلحاد في حرم اللَّه، فإني أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يحلُّها وتحل به رجل من قُريش، لو

стр. 4243

وُزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها". فانظر أن لا تكونه، فقال له: يا بن عمرو فإنك قد قرأت الكتب وصحبت النبي ﷺ ، قال: فإني أشهد أن هذا وجهي إلى الشام مجاهدًا. وهذا قد يكون رفعه غلطًا، وإنما هو من كلام عبد اللَّه بن عمرو، وما أصابه من الزاملتين يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب، واللَّه أعلم. وقال وكيع: عن الثوري، عن سَلَمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن حبشي الكناني، عن عليم الكندي، عن سلمان الفارسي. قال: ليُحرقنَّ هذا البيت على يدي رجل من آل الزبير (١). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: عن يحيى بن معين، عن أبي فضيل، حدَّثنا سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري قال: قال ابن الحنفية: اللهم إنك تعلم أني كنت أعلم مما علَّمتني أن ابن الزبير لا يخرج منها إلا قتيلًا يطاف برأسه في الأسواق (٢). وقد روى الزبير بن بكار: عن هشام بن عروة قال: إن أول ما أفصح به عبد اللَّه بن الزبير وهو صغير السيف السيف، فكان لا يضعه من فيه، وكان الزبير إذا سمع ذلك منه يقول له: أما واللَّه ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام (٣). وقد تقدم كيفية مقتله، وأن الحجاج صلبه على جذع فوق الثنية وأنه ربط إلى جانبة هرة ميتة، فكان ريح المسك يغلب على ريحها، وأن أمه أرسلت إلى الحجاج تقول: قاتلك اللَّه؛ علام تصلب ولدي؟ فقال: إني استبقت أنا وإياه على هذه الخشية فسبقني إليها (٤). وأن أمه جاءت حتى وقفت عليه فدعت له طويلًا ولا يقطر من عينها دمعة ثم انصرفت، وكذلك وقف عليه ابن عمر فدعا له وأثنى عليه ثناءً كثيرًا جدًا. وقال الواقدي: حدَّثني نافع بن ثابت، عن عبد اللَّه مولى أسماء قال: لما قتل عبد اللَّه خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيت نصر اللَّه الحق وأظهره؟ فقالت: وبما أديل الباطل على الحق [وأهله]، وإنك بين فرثها والجنة، فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وقد أذاقه اللَّه ذلك العذاب الأليم، قطع السبيل، قالت: كذبت، كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول اللَّه ﷺ وحنكه بيده، وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًا بالوالدين، صوّامًا قوامًا بكتاب اللَّه، معظِّمًا لحرم اللَّه، يبغض من يعصي

стр. 4244

اللَّه ، أشهد على رسول اللَّه ﷺ لسمعته يقول: ["يخرج من ثقيف كذاب ومبير"] وفي رواية: "سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير" فانكسر الحجاج وانصرف، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء، وقال: مالك ولابنة الرجل الصالح (١)؟ وقال مسلم بن الحجاج في "صحيحه": حدَّثنا عقبة بن مكرم، حدَّثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أنبأنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل. قال: رأيت عبد اللَّه بن الزبير على ثنية الحَجُون مصلوبًا فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد اللَّه بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه لقد كنت أنهاك عن هذا، أما واللَّه إن كنتَ ما علمتُ صوامًا قوامًا وصولًا للرحم، أما واللَّه لأمّة أنت شرها لأمّة خير. ثم نفذ عبد اللَّه بن عمر. فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ما قال، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه وألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك من قرونك، فأبت وقالت: واللَّه لا آتيه حتى يبعث إليّ من يسحبني بقروني، فقال الحجاج: فأروني سِبتيتيَّ؛ فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو اللَّه؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول: يا ابن ذات النطاقين، أنا واللَّه ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت ارفع به طعام رسول اللَّه ﷺ وطعام أبي بكر، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول اللَّه ﷺ حدَّثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فاما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها" انفرد به مسلم (٢). وروى الواقدي: أن الحجاج لما صَلَبَ ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه، وطلبت منه أن يدفن فأبى عليها، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون، وذكروا أنه كان يشتمُّ من عند قبره ريح المسك. وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف. وروى محمد بن سعد وغيره بسنده: أن الحجاج حاصر ابن الزبير، وأنه اجتمع معه أربعون ألفًا، وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام الذي فيه عبد اللَّه بن الزبير، وأنه جعل يؤمن من خرج إليه من أهل مكة ونادى فيهم بذلك، وقال: إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير، وأنه خيَّر ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الأرض حيث شاء، أو يبعثه إلى الشام مقيدًا بالحديد، أو يقاتل حتى يقتل. فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط (٣).

стр. 4245

ويروى أنها استدعت بكفن له وبخرته وشجعته على القتل، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين قتالًا شديدًا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر، فاتكأ على مرفقه الأيسر وجعل يحدم بالسيف من جاءه، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوّا رأسه، وكان مقتله قريبًا من الحجون، ويقال: بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، فاللَّه أعلم. ثم صلبه الحجاج منكسًا على ثنية كدا عند الحجون، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم (١)، وقيل دفن بالحجون تحت المكان الذي صلب فيه، وقيل: إن والدته أسماء غسلته بعدما تقطعت أوصاله وحنطته وكفنته؛ وصلت عليه وحملته إلى المدينة فدفنته في دار صفية بنت حيي وأن هذه الدار زيدت في المسجد فهو مدفون في المسجد مع أبي بكر وعمر (٢)، فاللَّه أعلم. وقال عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: قال عبد اللَّه بن الزبير لما جيء برأس المختار: ما كان يحدّثنا كعب الأحبار شيئًا إلا وجدناه، إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي، قال ابن سيرين: ولم يشعر أنه قد خُبِّئ له الحجاج. وروي هذا من وجه آخر. قلت: والمشهور أن مقتل عبد اللَّه بن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر من جمادى الأولى، وقيل الآخرة منها. وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنين وسبعين (٤)، والمشهور الصحيح هو الأول، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة، وقيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة، فجاوز السبعين قطعًا، واللَّه أعلم. وأما أمه فلم تعش بعده إلا مئة يوم، وقيل عشرة أيام، وقيل خمسة، والأول هو المشهور، وستأتي ترجمتها قريبًا ﵂ [وعن أبيها وابنها] وكان له من الولد: خبيب وحمزة وعباد وثابت وأمهم تماضر بنت منظور الفزاري؛ وهاشم وقيس وعروة -قتل مع أبيه- والزبير وأمهم أم هاشم زجلة بنت منظور؛ وعامر وموسى وأم حكيم وفاطمة وفاختة وأمهم خيثمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وبكر ورقية وأمهم عائشة بنت عثمان بن عفان؛ وعبد اللَّه ومصعب من أم ولد. وقد أسند ثلاثة وثلاثين حديثًا.

стр. 4246

وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراثٍ كثيرة حسنة بليغة، من ذلك قول عَمْرو بن معمر (١) الذهلي يرثيهما بأبيات: لعمركَ ما أبقيتَ في الناسِ حاجةً … ولا كنتَ ملبوسَ الهدى متذبذبا غداةَ دعاني مصعبٌ فأجبتهُ … وقلتُ له أهلًا وسهلًا ومرحبا أبوكَ حواريُّ الرسولِ وسيفهُ … فأنتَ بحمدِ اللَّه منْ خيرنا أبا وذاكَ أخوكَ المهتدى بضيائهِ … بمكةَ يدعونا دعاءً مثوَّبا ولمْ أكُ ذا وجهينِ وجهٌ لمصعبٍ … مريضٌ ووجهٌ لابنِ مروانَ إذْ صبا وكنتَ امرأً ناصحتهُ غيرَ مؤثرٍ … عليهِ ابنَ مروانٍ ولا متقرِّبا إليه بما تقذى بهِ عينُ مصعبٍ … ولكنني ناصحتُ في اللَّه مصعبا إلى أن رمتهُ الحادتاتُ بسهمها … فللَّه سهمًا ما أسدَّ وأصوبا فإنْ يكُ هذا الدهرُ أودى بمصعبٍ … وأصبحَ عبدُ اللَّه شلوًا ملحبا فكل أمرئ حاسٍ منَ الموتِ جرعةً … وإن حادَ عنها جهدهُ وتهيبا (٢) وقد روى الطبراني، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أن أباه حدَّثه أن النبي ﷺ أعطاه دم محاجمه يهريقه فحساه، فلما رجع إلى النبي ﷺ ، قال: "ما صنعت يا عبد اللَّه بالدم؟ قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خافٍ على الناس، قال: فلعلك شربته؟ قلت: نعم! قال: ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك" (٣). ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي ﷺ فإذا عبد اللَّه بن الزبير قائم في الدهليز ومعه طست يشرب منه فدخل سلمان ودخل عبد اللَّه على رسول اللَّه ﷺ ، قال له: "فرغت؟ قال: نعم. قال سلمان: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها" قال سلمان: شربها والذي بعثك بالحق، قال: "شربته؟ " قال: نعم! قال: "لم؟ " قال: أحببت أن يكون دم رسول اللَّه ﷺ في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير، وقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا تحلة القسم" (٣). ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب وسلسلة من فضة وجامعة من فضة وأقسم لتأتيني فيها، فقالوا له: برَّ قسم أمير المؤمنين فقال: ولا ألينُ لغيرِ الحقِّ أسألهُ … حتى تلينَ لضرسِ الماضغِ الحجرُ ثم قال: واللَّه لضربة بسيف بعِزٍّ، أحب إليّ من ضربة بسوطٍ في ذُل، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية.

стр. 4247

وروى الطبراني: أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، وكانت أمه قد أتت عليها مئة سنة لم تسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها وهو يقول: ولستُ بمبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ … ولا مرتقٍ من خشيةِ الموتِ سُلَّما ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، واللَّه ما بقيت زحفًا قط إلا في الرعيل الأول، وما ألمت جرحًا إلا ألم الدواء، ثم حمل عليهم ومعه سيفان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الأسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا بن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد. وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائمًا وهو يقول: لو كان قِرْني واحدًا كفيته ويقول: ولسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطرُ الدمُ ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان: العبد يحمي ربه ويحتمي ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه. وروى الطبراني أيضًا: عن إسحاق بن أبي إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد اللَّه بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الأبيات: أسماءُ أسماءُ لا تبكيني … لم يبقَ إلا حسبي وديني وصارمٌ لانتْ بهِ يميني وقد روي أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: واللَّه ما كان منافقًا، إن كان لصوامًا قوامًا وصولًا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرفت، فقالت: واللَّه ما خرفت منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت". وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إليّ وقال:

стр. 4248

أخبرني أبو بكر الصديق أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من يعمل سوءًا يجز به" (١). وروى سفيان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: كان عفيفًا في الإسلام، قارئًا للقرآن، صوامًا قوامًا، أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وجدته صفية، وخالته عائشة، واللَّه لأحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لأبي بكر ولا لعمر. وقال الطبراني: حدثنا زكريا الناجي، ثنا حوثرة بن محمد، ثنا أبو أسامة، ثنا سعيد بن المرزبان، أبو سعيد العبسي، ثنا محمد بن عبد اللَّه الثقفي قال: شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم خرج علينا قبل التروية بيوم وهو محرم فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودًا إلى اللَّه ، فحق على اللَّه أن يكرم وفده، فمن كان منكم يطلب ما عند اللَّه فإن طالب ما عند اللَّه لا يخيب فصدقوا قولكم بفعل، فإن ملاك القول الفعل، والنية النية، والقلوب القلوب، اللَّه اللَّه في أيامكم هذه، فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها هاهنا، ثم لبى ولبى الناس، فما رأيت باكيًا أكثر من يومئذ. وروى الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا حيان بن موسى حدَّثنا عبد اللَّه بن المبارك، حدَّثنا مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان قال: كتب إليّ عبد اللَّه بن الزبير بموعظة: أما بعد فإن لأهل التقوى علامات يُعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكظم الغيظ، وصبر على البلاء ورضى بالقضاء، وشكر للنعماء، وذل لحكم القرآن، وإنما الأيام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهله. وإن نفق الباطل عنده حمل إليه وجاءه أهله. وقال أبو معاوية: حدَّثنا هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي سلمه قط لرغبة ولا لرهبة سلطان ولا غيره. وبهذه الإسنادات أهل الشام كانوا يعيِّرون ابن الزبير ويقولون له: يا بن ذات النطاقين. فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيِّرونك بالنطاقين وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين فجعلت في سفرة رسول اللَّه ﷺ أحدهما وأوكيت قربته بالآخر لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة. فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيَّروه بالنطاقين يقول: إنها واللَّه تلك شكاة ظاهر عنك عارها، واللَّه أعلم. وممن قتل مع ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين بمكة من الأعيان: عبد اللَّه بن صفوان (٢) بن أمية بن خلف الجمحي أبو صفوان المكي، وكان أكبر ولد أبيه، أدرك حياة النبي ﷺ وروى عن عمر وجماعة من الصحابة، وحدَّث عنه خلق من التابعين، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا

стр. 4249

حليمًا كريمًا [يحتمل الأذى، لو سبَّه عبد أسود ما استنكف عنه، ولم يقصده أحد في شيء فرده خائبًا، ولا سمع بمفازة إلا حفر بها جبًا أو عمل فيها بركة، ولا عقبة إلا سهَّلها. وقيل: إن المهلَّب بن أبي صفرة قدم على ابن الزبير من العراق فأطال الخلوة معه، فجاء ابن صفوان فقال: من هذا الذي شغلك منذ اليوم؟ قال: هذا سيد العرب من أهل العراق، فقال: ينبغي أن يكون المهلّب. فقال المهلّب لابن الزبير: ومن هذا الذي يسأل عني يا أمير المؤمنين؟ قال هذا سَيِّدُ قريش بمكة، فقال: ينبغي أن يكون عبد اللَّه بن صفوان، وكان ابن صفوان كريمًا جدًا] (١). وقال الزبير بن بكار بسنده: إن معاوية قدم مكة حاجًا فتلفاه الناس فكان ابن صفوان في جملة من تلقاه، فجعل يساير معاوية، وجعل أهل الشام يقولون: من هذا الذي يساير أمير المؤمنين؟ فلما انتهى إلى مكة، إذا الجبل أبيض من الغنم، فقال: يا أمير المؤمنين هذه غنم أجزرتكها (٢)، تقسمها بين الجند، فإذا هي ألفا شاة، فقال أهل الشام: ما رأينا أكرم من ابن عم أمير المؤمنين (٣). كان ابن صفوان من جملة من صبر مع ابن الزبير حين حصره الحجاج، فقال له ابن الزبير: إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئتَ، فقال: إني إنما قاتلت عن ديني. ثم صبَّر نفسه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة في هذه السنة. ﵀ وأكرم مثوأه. عبد اللَّه بن مطيع (٤) بن الأسود بن حارثة القرشي العدوي [المدني]، ولد في حياة رسول اللَّه ﷺ وحنَّكه ودعا له بالبركة. وروى عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرًا إلى يوم القيامة" (٥). وعنه ابناه إبراهيم ومحمد، والشَّعبي، وعيسى بن طلحة بن عبيد اللَّه، ومحمد بن أبي موسى. قال الزبير بن بكار: كان [ابن مطيع من كبار] (٦) رجال قريش جلدًا وشجاعة، وأخبرني

стр. 4250

عمي مصعب أنه كان على قريش [أميرًا] يوم الحرة ثمَّ قُتل مع ابن الزبير بمكة وهو الذي يقول: أنا الذي فررت يوم الحرَّهْ … والشيخ لا يفرُّ إلَّا مرَّهْ ولا جبرت فرَّة بكرَّهْ (١) ﵀. عوف بن مالك ﵁ (٢) هو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطنكاني صحابي جليل. شهد مؤتة مع خالد بن الوليد والأمراء قبله، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ، وشهد فتح الشام. وروى عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث، وروى عنه جماعة من التابعين وأبو هريرة، وقد مات قبله، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وأبو عبيد وغير واحد (٣): توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. أسماء بنت أبي بكر الصديق (٤) والدة عبد اللَّه بن الزبير، يقال لها ذات النطاقين، وإنما سميت بذلك عام الهجرة حين شقت نطاقها فربطت به سفرة النبي ﷺ وأبي بكر حين خرجا إلى غار ثور للهجرة (٥) وأمها قيلة وقيل قبيلة (٦) بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي. أسلمت أسماء قديمًا وهم بمكة في أول الإسلام، وهاجرت هي وزوجها الزبير وهي حامل متمّ بولدها عبد اللَّه فوضعته بقباء أول مقدمهم المدينة، ثم ولدت للزبير بعد ذلك عروة والمنذر. [وهي آخر المهاجرين والمهاجرات موتًا (٧)، وكانت هي وأختها عائشة وأبوها أبو بكر الصديق وجدها أبو عتيق وابنها عبد اللَّه وزوجها الزبير صحابيين ﵃. وقد شهدت اليرموك مع ابنها وزوجها، وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين.

стр. 4251

وقيل: إن الحجاج دخل عليها بعد أن قتل ابنها فقال: يا أماه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأمّ، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، وما لي من حاجة، ولكن أحدثك أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير" (١) فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراك إلا إياه. فقال: أنا مبير المنافقين. وقيل: إن ابن عمر دخل معه عليها وابنها مصلوب فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشيء وإنما الأرواح عند اللَّه فاتقي اللَّه واصبري، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. وقيل: إنها غسلته وحنطته وكفنته وطيبته وصلَّت عليه ثم دفنته، ثم ماتت بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة] (٢). ثم إن الزبير لما كبرت طلَّقها، وقيل بل قال له عبد اللَّه ابنه: إن مثلي لا توطأ أمه، فطلقها الزبير، وقيل: بل اختصمت هي والزبير، فجاء عبد اللَّه ليصلح بينهما، فقال الزبير: إن دخلتَ فهي طالق، فدخل (٣) فبانت، فاللَّه أعلم. وقد عمرت أسماء دهرًا صالحًا وأضرت في آخر عمرها، [وقيل بل كانت صحيحة البصر لم يسقط لها سن] (٤). وأدركت قتل ولدها في هذه السنة كما ذكرنا، ثم ماتت بعده بخمسة أيام، وقيل بعشرة، وقيل بعشرين، وقيل بضع وعشرين يومًا، وقيل عاشت بعده مائة يوم وهو الأشهر، وبلغت من العمر مئة سنة ولم يسقط لها سن [ولم ينكر لها عقل رحمها اللَّه. وقد روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث طيبة مباركة ﵂ ورحمها]. قال ابن جرير (٥): وفي هذه السنة -يعني سنة ثلاث وسبعين- عزل عبد الملك خالد بن عبد اللَّه عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان مع الكوفة، فارتحل إليها بشر واستخلف على الكوفة عمرو بن حُرَيث. وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم. وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفًا فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وأقام للناس الحج في هذه السنة الحجاج بن يوسف

стр. 4252

الثقفي وهو على مكة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان، في قول الواقدي، وفي قول غيره: على الكوفة بشر وعلى البصرة خالد بن عبد اللَّه (١)، وعلى قضاء الكوفة شُريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بنُ هُبيرة. وعلى إمرة خراسان بُكير بن وشاح، يعني الذي كان نائبًا لعبد اللَّه بن خازم، واللَّه أعلم. [وممن توفي فيها من الأعيان غير من تقدم ذكره مع ابن الزبير عبد الله بن سعد بن جُثَم الأنصاري (٢)، له صحبة وشهد اليرموك، وكان كثير العبادة والغزو عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي (٣)، أبو محمد له صحبة ورواية توفي بالمدينة. مالك بن مِسْمَع بن غسان البصري (٤)، كان شديد الاجتهاد في العبادة والزهادة. ثابت بن الضحاك الأنصاري (٥)، له صحبة ورواية، توفي بالمدينة. يقال له أبو زيد الأشمالي (٦)، وهو من أهل البيعة تحت الشجرة. قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول اللَّه ﷺ تحت الشجرة وأن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله" (٧). زينب بنت أبي سَلَمَة المخزومي (٨)، ربيبة النبي ﷺ ، ولدتها أمها بالحبشة، ولها رواية وصحبة.

стр. 4253

توبة بن الصمّة (١)، وهو الذي يقال له مجنون ليلى، كان توبة يشن الغارات على بني الحارث بن كعب، فرأى ليلى (٢) فهواها وتهتك بها وهام بها محبة وعشقًا، وقال فيها الأشعار الكثيرة القوية الرائقة، التي لم يسبق إليها ولم يلحق فيها لكثرة ما فيها من المعاني والحكم، وقد قيل له مرة: هل كان بينك وبين ليلى ريبة قط؟ فقال: برئت من شفاعة محمد ﷺ إن كنت قط حللت سراويلي على محرم. وقد دخلت ليلى على عبد الملك بن مروان تشكو ظلامة فقال لها: ماذا رأى منك توبة حتى عشقك هذا العشق كله؟ فقالت: واللَّه يا أمير المؤمنين لم يكن بيني وبينه قط ريبة ولا خنا، وإنما العرب تعشق وتعف وتقول الأشعار فيمن تهوى وتحب مع العفة والصيانة لأنفسها من الدناءات. فأزال ظلامتها وأجازها. توفي توبة في هذه السنة وقيل إن ليلى جاءت إلى قبره فبكت حتى ماتت، واللَّه أعلم] (٣). ثم دخلت سنة أربع وسبعين فيها عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن إمارة المدينة وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، فقدمها فأقام بها شهرًا (٤) ثم خرج معتمرًا ثم [عاد إلى المدينة] في صفر فأقام بها ثلاثة أشهر (٥)، وبنى في بني سلمة مسجدًا، وهو الذي ينسب إليه اليوم، ويقال إن الحجاج في هذه السنة وهذه المدة شتم جابرًا وسهل بن سعد وقرَّعهما لم لا نصرا عثمان بن عفان، وخاطبهما خطابًا غليظًا، قبحه اللَّه وأخزاه (٦). واستقضى أبا إدريس الخولاني أظنه على اليمن، واللَّه أعلم (٧).

стр. 4254

قال ابن جرير (١): وفيها نقض الحجاج بنيان الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه وأعادها على بنيانها الأول، قلت: الحجاج لم ينقض بنيان الكعبة جميعه، بل إنما هدم الحائط الشامي حتى أخرج الحِجْر من البيت ثم سده وأدخل في جوف الكعبة ما فضل من الأحجار، وبقيت الحيطان الثلاثة بحالها، ولهذا بقي البابان (٢) الشرقي والغربي وهما ملصقان بالأرض كما هو المشاهد إلى يومنا هذا، ولكن سد الغربي بالكلية وردم أسفل الشرقي حتى جعله مرتفعًا كما كان في الجاهلية: ولم يبلغ الحجاجَ وعبدَ الملك ما كان بلغ ابن الزبير من العلم النبوي الذي كانت أخبرته به خالته عائشة عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه قال: "لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر -وفي رواية- بجاهلية لنقضت الكعبة وأدخلت فيها الحجر، وجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، ولألصقتهما بالأرض، فإن قومك قصرت بهم النفقة فلم يدخلوا فيها الحجر ولم يتمموها على قواعد إبراهيم ورفعوا بابها ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا في شاؤوا" (٣). فلما تمكن ابن الزبير بناها كذلك، ولما بلغ عبد الملك هذا الحديث بعد ذلك قال: وددنا لو تركناه وما تولاه من ذلك. وفي هذه السنة وُلِّي المهلبُ بن أبي صفرة حرب الأزارقة عن أمر عبد الملك لأخيه بشر بن مروان أن يجهز المهلب إلى الخوارج في جيوش من البصرة والكوفة، ووجد بشر على المهلب في نفسه حيث عيَّنه عبد الملك في كتابه. فلم يجد بدًا من طاعته في تأميره على الناس في هذه الغزوة، وما كان له من الأمر شيء، غير أنه أوصى أمير الكوفيين عبد الرحمن (٤) بن مخنف أن يستبد بالأمر دونه، وأن لا يمبل له رأيًا ولا مشورة، فسار المهلب بأهل البصرة وأمراء الأرباع معه على منازلهم حتى نزل برامهرمز، فلم يلبث (٥) عليها إلا عشرًا حتى جاء نعي بشر بن مروان، وأنه مات بالبصرة واستخلف عليها خالد بن عبد اللَّه، فارفضَّ بعض الجيش ورجعوا إلى البصرة فبعثوا في آثارهم من يردهم، وكتب خالد بن عبد اللَّه إلى الفارِّين يتوعدهم إن لم يرجعوا إلى أميرهم، ويتوعدهم بسطوة عبد الملك، فعدلوا يستأذنون عمرو بن حريث في المصير إلى الكوفة فكتب إليهم: إنكم تركتم أميركم وأقبلتم عاصين مخالفين، وليس لكم إذن ولا إمام ولا أمان، فلما جاءهم ذلك أقبلوا إلى رحالهم [فركبوها ثم ساروا إلى بعض البلاد] فلم يزالوا مختفين بها حتى قدم الحجاج [واليًا] على العراق مكان بشر بن مروان كما سيأتي بيانه قريبًا.

стр. 4255

وفي هذه السنة عزل عبد الملك بُكير بن وشاح التميمي عن إمرة خراسان وولاها أمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد القرشي ليجتمع عليه الناس فإنه قد كادت الفتنة تتفاقم بخراسان بعد عبد اللَّه بن خازم، فلما قدم أمية بن عبد اللَّه خراسان عرض على بُكير بن وشاح أن يكون على شرطته فأبى وطلب منه أن يوليه طخارستان فخوفوه منه أن يخلعه هنالك فتركه مقيمًا عنده. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها الحجاج بن يوسف وهو على إمرة المدينة ومكة واليمن واليمامة. قال ابن جرير (١): وقد قيل إن عبد الملك اعتمر في هذه السنة ولا نعلم صحة ذلك. ذكر من توفي فيها من الأعيان رافع بن خديج بن رافع الأنصاري (٢)، صحابي جليل شهد أحدًا وما بعدها، [وصفين مع علي وكان يتعانا المزارع والفلاحة (٣)، توفي وهو ابن ستٍّ وثمانين سنة، وأسند ثمانية وسبعين حديثًا] (٤) وأحاديثه جيدة. وقد أصابه يوم أُحُد سهم في ترقَوته فخيّره رسول اللَّه ﷺ بين أن ينزعه منه وبين أن يترك فيه القطبة (٥) ويشهد له يوم القيامة (٥)، فاختار هذه، وانتقض عليه في هذه السنة فمات منه ﵁. أبو سعيد الخدري (٦)، هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل من فقهاء الصحابة استُصغر يوم أُحُد، ثم كان أول مشاهده الخندق، وشهد مع رسول اللَّه ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وروى عنه أحاديث كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وحدَّث عنه خلق من التابعين وجماعة من الصحابة، كان من نجباء الصحابة وفضلائهم وعلمائهم. قال الواقدي وغيره: مات سنة أربع وسبعين وقيل قبلها بعشر سنين، فاللَّه أعلم.

стр. 4256

[قال الطبرانى (١): حدَّثنا المقدام بن داود، ثنا خالد بن نزار، ثنا هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال: قلت يا رسول اللَّه أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: "النبيون" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا السترة -وفي رواية- إلا العباءة أو نحوها، وإن أحدهم ليبتلى بالقمل حتى ينبذ القمل، وكان أحدهم بالبلاء أشد فرحًا منه بالرخاء". وقال قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سعيد الخدري: أن أهله شكوا إليه الحاجة فخرج إلى رسول اللَّه ﷺ يسأل لهم شيئًا، فوافقه على المنبر وهو يقول: "أيها الناس قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة فإنه من يستعف يعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه، والذي نفس محمد بيده ما رزق اللَّه عبدًا من رزق أوسع له من الصبر، ولئن أبيتم إلا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت" (٢). وقد رواه الطبراني عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد نحوه] (٣). عبد اللَّه بن عمر (٤) بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكي، ثم المدني. أسلم قديمًا مع أبيه ولم يبلغ الحلُم وهاجر عبد اللَّه وعمره عشر سنين. وقد استُصغر يوم أُحُد (٥)، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة [بنت عمر] أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. وكان [عبد اللَّه بن عمر] ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيمًا يخضب بالصفرة ويحفي شاربه. وكان يتوضأ لكل صلاة ويُدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرسبى، وشهد فتح مصر، واختط بها دارًا.

стр. 4257

وقدم البصرة وشهد غزو فارس، وورد المدائن مرارًا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله تقرب به إلى اللَّه ، وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه، فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا للَّه انخدعنا له (١). وكان له جارية يحبها كثيرًا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع، وقال: إن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (٢). وكان له نجيب اشتراه بمال فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة (٣). وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف دينار، فقيل له: ما تنتظر ببيعه؟ فقال: ما هو خير من ذلك؟ هو حر لوجه اللَّه. واشترى مرة غلامًا بأربعين ألفًا وأعتقه فقال الغلام: [يا مولاي قد أعتقتني، فهبْ لي شيئًا أعيش به. فأعطاه أربعين ألفًا. واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلّي، فقاموا خلفه يصلّون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة؟ فقالوا: للَّه! فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له، فأعتقهم. والمقصود أنه] (٤) ما مات حتى أعتق ألف رقبة، وربما تصدق فى المجلس الواحد بثلاثين ألفًا، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة والشهر لا يذوق فيه لحمًا إلا وعلى يديه يتيم. وبعث إليه معاوية بمئة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء. وكان يقول: إني لا أسأل أحدًا شيئًا، وما رزقني اللَّه فلا أرده. وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلّى خلفه، وأدّى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، كان يتتبع آثار رسول اللَّه ﷺ ويصلّي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت شجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء (٥). وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك اللّيلة، وكان يقوم أكثر اللّيل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خيرَ مَنْ بقي، ومكث ستين سنة يفتي الناس من سائر البلاد.

стр. 4258

روى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وروى عن الصدِّيق، وعن عمر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وحفصة، وعائشة وغيرهم. وعنه: خلق منهم بنوه حمزة، وبلال، وزيد، وسالم، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعمر إن كان محفوظًا (١)، وأسلم مولى أبيه، وأنس بن سيرين والحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وطاوس وعروة وعطاء وعكرمة ومجاهد وابن سيرين والزهري ومولاه نافع. ثبت في الصحيح (٢) عن حفصة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن عبد اللَّه رجل صالح لو كان يقوم اللّيل". فكان بعد يقوم الليل. وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر. وقال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها، إلا ابن عمر، وما أصاب أحد من الدنيا شيئًا إلا انتقص منه من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا. وقال سعيد بن المسيب: مات ابن عمر يوم مات وما من الدنيا أحد أحب أن ألقى اللَّه بمثل عمله منه. وقال الزهري: لا يعدل برأيه فإنه أقام بعد رسول اللَّه ﷺ ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه ﵃ (٣). وقال مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة وأفتى في الإسلام ستين سنة، تقدم عليه وفود الناس من أقطار الأرض، قال الواقدي وجماعة: توفي ابن عمر سنة أربع وسبعين، وقال الزبير بن بكار وآخرون: توفي سنة ثلاث وسبعين. قال الزبير: والأول أثبت، واللَّه أعلم. وقال ابن سعد (٤): لما قتل عثمان واستخلف علي أتاه ابن عمر فقال له علي: إنك محبوب إلى الناس فسر إلى الشام فقد وليتكها، فقال: أذكِّرك اللَّه وقرابتي وصحبتي لرسول اللَّه والرحم إلا ما وليت غيري وأعفيتني فأبى عليه، فاستعان بحفصة أخته فكلمته ثم سار من ليلته إلى مكة هاربًا منه. وقيل: إن مروان قال لابن عمر ألا تخرج إلى الشام فيبايعوك، قال فكيف أصنع بأهل العراق قال: تقاتلهم بأهل الشام، فقال واللَّه ما يسرني أن لي ملك الأرض وأن الناس كلهم بايعوني، وقد قتل منهم رجل واحد، وما أحب أنها أتتني ورجل يقول لا وآخر نعم، وقيل: إنه دخل عليه الحجاج وهو مريض فغمض عينيه فكلَّمه فلم يجبه. توفي بمكة بعد منصرف الناس من الحج في آخر السنة وعمره أربع وثمانون

стр. 4259

سنة، ودفن بالمحصب، وهو آخر من مات من الصحابة بمكة، وكان له من الولد أبو بكر وأبو عبيدة وواقد وعبد اللَّه وعمرو وحفصة وسودة. أمهم صفية بنت أبي عبيد أخت المختار، وعبد الرحمن وسالم وعبيد اللَّه وحمزة وأمهم أم ولد، وزيد وعائشة لأم ولد، وأسند ألفين وستمئة وثلاثين حديثًا (١). عبيد بن عمير (٢) بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث، اللّيثي ثم الجندعي، أبو عاصم المكي قاص (٣) أهلها. قال مسلم بن الحَجّاج (٤): ولد في حياة النبي ﷺ . وقال غيره: ورآه أيضًا. وروى عن أبيه، وله صحبة، وعن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وعبد اللَّه بن عمر [و] وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وغيرهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد. وكان ابن عمر يجلس في حلقته ويبكي وكان يعجبه تذكيره، وكان بليغًا، وكان يبكي حتى يبل الحصى بدموعه. قال مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جرير قال: كان عبيد بن عمير إذا آخى أحدًا في اللَّه استقبل به القبلة. فقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك، واجعل محمدًا شهيدًا علينا بالإيمان، وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد، ولا قاسية قلوبنا، ولا قائلين ما ليس لنا بحق، ولا سائلين ما ليس لنا به علم. وحكى البخاري (٥)، عن ابن جريج: أن عبيد بن عمير مات قبل ابن عمر ﵁. أبو جحيفة (٦)، وهب بن عبد اللَّه السُّوائي، صحابي رأى النبي ﷺ ، وكان دون البلوغ عند وفاة النبي ﷺ . لكن روى عنه عدة أحاديث، وعن علي والبراء بن عازب، وعنه جماعة من التابعين، منهم

стр. 4260

إسماعيل بن أبي خالد، والحكم، وسلمة بن كهيل والشعبي وأبو إسحاق السبيعي. وكان قد نزل الكوفة وابتنى بها دارًا وتوفي في هذه السنة، وقيل في سنة أربع وتسعين، فاللَّه أعلم. [وكان صاحب شرطة علي، وكان علي إذا خطب يقوم أبو جحيفة تحت منبره] (١). سلمة بن الأكوع (٢) بن عمروو بن سنان الأنصاري، وهو أحد من بايع تحت الشجرة، وكان من فرسان الصحابة ومن علمائهم، كان يفتي بالمدينة، وله مشاهد معروفة في حياة النبي ﷺ وبعده. توفي بالمدينة وقد جاوز السبعين سنة. مالك بن أبي عامر (٣)، الأصبحي، المدني، وهو جد الإمام مالك بن أنس. روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم وكان فاضلًا عالمًا. توفي بالمدينة. أبو عبد الرحمن السُّلَمي (٤)، مقرئ أهل الكوفة بلا مدافعة، واسمه عبد اللَّه بن حبيب، قرأ القرآن على عثمان بن عفان وابن مسعود، وسمع من جماعة من الصحابة وغيرهم، وأقرأ الناس القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، قرأ عليه عاصم بن أبي النجود وخلق غيره، توفي بالكوفة. أبو معرض الأسدي (٥)، اسمه معيرة بن عبد اللَّه الكوفي، ولد في حياة النبي ﷺ ، ووفد على عبد الملك بن مروان وامتدحه، وله شعر جيد، ويعرف بالأقطشي (٦)، وكان أحمر الوجه كثير الشعر، توفي بالكوفة في هذه السنة، وقد قارب الثمانين سنة.

стр. 4261

بشر بن مروان (١)، الأموي أخو عبد الملك بن مروان، ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الملك، وله دار بدمشق عند عقبة الكتان (٢)، وكان سمحًا جوادًا، وإليه ينسب دير مروان (٣) عند حجيرا. وهو الذي قتل خالد بن حصين الكلابي يوم مرج راهط، وكان لا يغلق دونه الأبواب ويقول: إنما يحتجب النساء، وكان طليق الوجه، وكان يجيز على الشعر بألوف، وقد امتدحه الفرزدق والأخطل، والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل: قدِ استوى بشرٌ على العراقِ … من غير سيفٍ ودم مهراقِ وليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة، وقد كان الأخطل نصرانيًا، وكان سبب موت بشر أنه وقعت القرحة في يمينه (٤) فقيل له يقطعها من المفصل فجزع، فما أحس حتى خالطت الكتف، ثم أصبح وقد خالطت الجوف ثم مات. ولما احتضر جعل يبكي ويقول: واللَّه لوددت أني كنت عبدًا أرعى الغنم في البادية لبعض الأعراب ولم أل ما وليت، فذكر قوله لأبي حازم -أو لسعيد بن المسيب-، فقال: الحمد للَّه الذي جعلهم عند الموت يفرون إلينا ولم يجعلنا نفر إليهم، إنا لنرى فيهم عِبَرًا. وقال الحسن: دخلت عليه فإذا هو يتململ على سريره ثم نزل عنه إلى صحن الدار، والأطباء حوله. مات بالبصرة في هذه السنة وهو أول أمير مات بها، ولما بلغ عبد الملك موته حزن عليه وأمر الشعراء أن يرثوه، واللَّه أعلم (٥). ثم دخلت سنة خمس وسبعين (٦) وفي هذه السنة غزا محمد بن مروان -أخو عبد الملك بن مروان وهو والد مروان الحمار- صائفة الروم حين خرجوا من عند مرعش.

стр. 4262

[وفيها ولَّى عبد الملك نيابة المدينة ليحيى بن الحكم بن أبي العاص، وهو عمه، وعزل عنها الحجاج. وفيها ولَّى عبد الملك الحجاج بن يوسف نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار] (١) وذلك بعد موت أخيه بشر بن مروان، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته [وقهره وقسوته] وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة بولاية العراق، فسار من المدينة إلى العراق في اثني عشر راكبًا، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها على النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وسكت طويلًا، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصباء ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا عاملًا قبله، فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، واللَّه إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو اللَّه أن يبتليكم بي، ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدِّبكم به، فاتخذت هذا مكانه -وأشار إلى سيفه-، ثم قال: واللَّه [لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحدَّاد الحديدة، والخبَّاز العجينة] (٢). فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم. وقيل: إنه دخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال: عليّ بالناس! فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهمُّوا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال: أنا ابنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا … متى أَضَعِ العمامةَ تعرِفوني (٣) ثم قال: أما واللَّه إني لأحمل الشيء (٤) بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه بفتله (٥)، وإني لأرى

стр. 4263

رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها (١)، إني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللِّحى. قد شمَّرت عن ساقها فشمِّري ثم أنشد (٢): هذا أوانُ الشدِّ فاشتدي زيمْ … قدْ لفّها الليلُ بسوّاقٍ حُطَم (٣) لست براعي إبل ولا غنَمْ … ولا بجزّارٍ على ظهرٍ وضَم (٤) ثم قال: قَدْ لفّها الليلُ بِعَصْلبيِّ (٥) … أروعَ خرّاجٍ من الدوِّيّ مهاجرٍ ليس بأعرابيِّ ثم قال: إني واللَّه يا أهل العراق ما أغمز بغماز (٦)، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فُررْتُ عن ذكاء (٧) وجريتُ (٨) من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عودًا عودًا، فوجدني أمرّها عودًا وأصلبها مغمزًا (٩) فوجهني إليكم، فأنتم طالما أوضعتم (١٠) في أودية الفتن، وسننتم سنن (١١) الغي، [واخترتم جدد الضلال] (١٢). أما واللَّه لأجردنكم جرد لحاء (١٣) العود، ولأعصبنكم عصب السلِمة حتى تنقادوا، [ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل]، إني واللَّه لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت (١٤)، فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، واللَّه لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلًا في جسده. ثم قال: من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب -يعني الذين

стр. 4264

كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر بن مروان كما تقدم- سفكتُ دمه وانتهبت ماله، ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك. ويقال: إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى إن محمد بن عمير أخذ كفًا من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال: قبحه اللَّه ما أعياه وأذفه! فلما نهض الحجاج وتكلَّم بما تكلَّم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته. ويقال: إنه قال في خطبته هذه: شاهت الوجوه إن اللَّه ضرب ﴿مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فواللَّه لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة (١) حتى تنقادوا، وأقسم باللَّه لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الإرجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبرًا يدعُ النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السُّمَّهى (٢) وتقلعوا عن هاوها. في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد [ليس فيه وعد بخير]. فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيرًا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت كبيرًا في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب. وقد عرفت (٣) عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم باللَّه لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالًا لما قبلها وأدبًا لما بعدها. قال فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح اللَّه الأمير إنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير وعليل، وهذا ابني هو أشب مني. قال: ومن أنت؟ قال عمير بن ضابئ التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم! قال: ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال: بلى. قال: وما حملك [على ذلك؟] قال: كان حبس أبي وكان شيخًا كبيرًا، قال: أو ليس هو الذي يقول: هممتُ ولمْ أفعلْ وكدْتُ وليتني … فعلتُ وولّيتَ البُكاء حلائِلا (٤)

стр. 4265

ثم قال الحجاج: إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، ثم قال قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه، وأنهب ماله، وأمر مناديًا فنادى في الناس ألا إن عمير بن ضابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثًا فأمر بقتله، فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلّب، وأخذوا منه كتابًا بوصولهم إليه، فقال المهلّب: قدم العراق واللَّه رجل ذكر، اليوم قوتل العدو. ويروى أن الحجّاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير! إن هذا جاء إلى عثمان بعدما قتل فلطم وجهه، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله. وبعث الحجاج الحكم بن أيوب الثقفي نائبًا على البصرة من جهته، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد اللَّه، وأقر على قضاء الكوفة شريحًا، ثم ركب الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة أبا يعفور، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى، ثم عاد إلى الكوفة. وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وأقر عمه يحيى على نيابة المدينة، وعلى بلاد خراسان أمية بن عبد اللَّه. وفي هذه السنة وثب الناس بالبصرة على الحجاج، وذلك أنه لما ركب من الكوفة بعد قتل عمير بن ضابئ قام في أهل البصرة فخطبهم نظير ما قام في أهل الكوفة من الوعيد والتشديد والتهديد الأكيد، ثم أُتي برجل من بني يشكر (١) فقيل هذا عاص، فقال الرجل: إن بي فتقًا وقد [عذرني اللَّه] وعذرني بشر بن مروان، وهذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه وأمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة وخرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز. وعليهم عبد اللَّه بن الجارود، وخرج إليهم الحجاج -وذلك في شعبان من هذه السنة- في أمراء الجيش من المصرين فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل أميرهم عبد اللَّه بن الجارود في رؤوس من القبائل معه، وأمر برؤوسهم فقطعت ونصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعث بها إلى المهلب فقوي بذلك وضعف أمير الخوارج. وأرسل الحجاج إلى المهلّب وعبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الأزارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور، وسار النار وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان، فلما كان الليل بيَّت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاؤوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز -وكان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل- فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف وطائفة من جيشه وهزموهم هزيمة منكرة.

стр. 4266

ويقال: إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يعهد مثله من الخوارج، وحملت الخوارج على جيش المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بن مخنف بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل، وقتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه ودفنه وكتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزِّيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، وأمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، وكتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك ولم يجد بدًا من طاعة الحجاج، ولم تمكنه مراجعته (١)، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرًا ويعصيه سرًا، ثم تقاولا، فهمَّ المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه وأعفاه من ذلك، وجعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب (٢). وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه إليه الحجاج أميرًا على سرية فقتله (٣). قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرّح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأي الصّفرية (٥)، وقيل إنه أول من خرج من الصفرية، وكان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد، والبَطين وأشباهُهم من رؤوس الخوارج، واتفق حجُّ أمير المؤمنين عبد الملك فهمَّ شبيب بالفتك به، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره؛ فكتب عبد الملك إلى الحجاج بعد انصرافه من الحج أن يتطلبهم، وكان صالح بن مسرّح هذا يكثر الدخول إلى الكوفة والإقامة بها، وكان له جماعة [يلوذون به ويعتقدونه]، من أهل دارا وأرض الموصل، وكان يعلّمهم القرآن ويقصُّ عليهم، وكان مصفرًا كثير العبادة، وكان إذا قصَّ يحمد اللَّه ويثني عليه ويصلي على رسوله، ثم يأمر بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ويحثّ على ذكر الموت ويترحّم على الشيخين أبي بكر وعمر، ويثني عليهما ثناءً حسنًا، ولكن بعد ذلك يذكر عثمان ﵁ فيسبُّه وينال منه وينكر عليه أشياء من جنس ما كان ينكر عليه الذين خرجوا عليه وقتلوه من مردة أهل الأمصار، ثم يحضّ أصحابه على الخروج مع الخوارج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار ما قد شاع في الناس وذاع، ويهوِّن عليهم القتل في طلب ذلك، ويذم الدنيا

стр. 4267

ذمًا بالغًا، ويصغر أمرها ويحقره، فالتفت عليه جماعة من الناس، وكتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج ويحثه عليه ويندب إليه، ثم قدم شبيب على صالح وهو بدارا فتواعدوا وتوافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية -وهي سنة ست وسبعين-[وقدم على صالح شبيب وأخوه مصاد والمحلل (١) والفضل بن عامر، فاجتمع عليه من الأبطال وهو بدارا نحو مئة وعشرة أنفس، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها ونفروا بها] (٢) ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء اللَّه تعالى. وكان ممن توفي في هذه السنة في قول أبي سهر وأبي عبيد: العرباض بن سارية (٣) ﵁ السّلمي أبو نجيح، سكن حمص وهو صحابي جليل. أسلم قديمًا هو وعمرو بن عبسة ونزل الصفة. وكان من البكائين المذكورين في القرآن كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] الآية. وكانوا تسعة (٤) وهو راوي حديث "خطبنا رسول اللَّه ﷺ خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون حتى قلنا: يا رسول اللَّه؛ كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة. . . " (٥).

стр. 4268

ورواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره (١). [وروى أيضًا أن النبي ﷺ "كان يصلي على الصف المقدم ثلاثًا وعلى الثاني واحدة" (٢). وقد كان العرباض شيخًا كبيرًا، وكان يحب أن يقبضه اللَّه إليه، وكان يدعو: اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك (٣)، وروى أحاديث. وأبو ثعلبة الخشني (٤)، صحابي جليل، شهد بيعة الرضوان وغزا حنينًا وكان ممن نزل الشام بداريا [غربي دمشق إلى جهة القبلة] وقيل: ببلاط قرية شرقي دمشق، فاللَّه أعلم. وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، والأشهر منها جرثوم بن ناشر. وقد روى عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث [وعن جماعة من الصحابة] وعنه جماعة من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، ومكحول الشامي، وأبو إدريس الخولاني، وأبو قلابة الجرمي، وكان ممن يجالس كعب الأحبار، وكان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد للَّه ، وكان يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني اللَّه عند الموت كما أراكم تختنقون، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذ قبضت روحه وهو ساجد. ورأت ابنته في المنام كأن أباها قد مات فانتبهت مذعورة فقالت لأمها أين أبي؟ قالت: هو في مصلاه، فنادته فلم يجبها، فجاءته فحركته لجنبه فإذا هو ميت ﵀ (٥). قال أبو عبيدة ومحمد بن سعد وخليفة وغير واحد: كانت وفاته سنة خمس وسبعين، وقال غيرهم: كانت وفاته في أول إمرة معاوية، فاللَّه أعلم. وقد توفي في هذه السنة. الأسود بن يزيد (٦)، صاحب ابن مسعود، [وهو الأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين، ومن

стр. 4269

أعيان أصحاب] ابن مسعود، ومن كبار أهل الكوفة، وكان يصوم الدهر، وقد ذهبت عينه من كثرة الصوم، وقد حج البيت ثمانين حجة وعمرة. وكان يهل من الكوفة. توفي في هذه السنة. وكان يصوم حتى يخضر ويصفر، فلما احتُضر بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ واللَّه لو أنبئت بالمغفرة من اللَّه لأهابن الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو فلا يزال مستحييًا منه (١). حمران بن أبان (٢)، مولى عثمان بن عفان كان من سبي عين التمر (٣) اشتراه عثمان، وهو الذي كان يأذن الناس على عثمان توفي في هذه السنة واللَّه سبحانه أعلم (٤). ثم دخلت سنة ست وسبعين كان في أولها في مستهل صفر منها ليلة الأربعاء اجتماع صالح بن مسرّح أمير الصّفرية، وشبيب بن يزيد أحد شجعان الخوارج، فقام فيهم صالح بن مسرّح فأمرهم بتقوى اللَّه وحثّهم على الجهاد، وأن لا يقاتلوا أحدًا حتى يدعوه إلى الدخول معهم، ثم مالوا إلى دواب محمد بن مروان نائب الجزيرة فأخذوها فتقووا (٥) بها، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصّن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار، فبعث إليهم محمد بن مروان نائب الجزيرة خمسمئة فارس عليهم عدي بن عدي بن عَميرة، ثم زاده خمسمئة أخرى فسار في ألفٍ من حَرَّان إليهم، وكأنما يساق إلى الموت وهو ينظر، لما يعلموا من جلد الخوارج وقوتهم وشدة بأسهم، فلما التقوا مع الخوارج هزمتهم الخوارج هزيمة شنيعة بليغة، واحتووا على ما في معسكرهم، ورجع فلّهم إلى محمد بن مروان، فغضب وبعث إليهم ألفًا وخمسمئة مع الحارث بن جَعْوَنة، وألفًا وخمسمئة مع خالد بن جزء السُّلَمي (٦)، وقال لهما: أيكما سبق إليهم فهو

стр. 4270

الأمير على الناس، [فساروا إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، والخوارج في نحو من مئة نفس وعشرة أنفس] (١) فانتهيا إليه وهو بآمد، فتوجه صالح في شطر الناس إلى خالد بن جزء، ووجه شبيبًا للحارث بن جَعْوَنة في الباقين، فاقتتل الناس قتالًا شديدًا إلى الليل، فلما كان المساء انكشف كل من الفريقين عن الآخر، وقد قتل من الخوارج نحو السبعين وقتل من أصحاب ابن مروان نحو الثلاثين، وهربت الخوارج في اللّيل فخرجوا من الجزيرة وأخذوا في أرض الموصل ومضوا حتى قطعوا الدسكرة، فبعث إليهم الحجاج ثلاثة آلاف مع الحارث بن عميرة، فسار نحوهم حتى لحقهم بأرض الموصل (٢) وليس مع صالح سوى تسعين رجلا، فالتقى معهم وقد جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس، فهو في كردوس، وشبيب عن يمينه في كردوس، وسويد بن سليمان (٣) عن يساره في كردوس، وحمل عليهم الحارث بن عميرة، وعلى ميمنته أبو الرواع الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الأروَح التميميّ، فصبرت الخوارج على قتلهم صبرًا شديدًا، ثم انكشف سويد بن سليمان، ثم قتل صالح بن مُسرِّح أميرهم، وصرع شبيب عن فرسه فالتف عليه بقية الخوارج حتى احتملوه فدخلوا به حصنًا هنالك، وقد بقي معهم سبعون رجلًا، فأحاط بهم الحارث بن عميرة وأمر أصحابه أن يحرقوا الباب ففعلوا، ورجع الناس إلى معسكرهم ينتظرون حريق الباب فيأخذون الخوارج قهرًا، فلما رجع الناس واطمأنوا خرجت عليهم الخوارج على الصعب والذلول من الباب فبيَّتوا جيش الحارث بن عميرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الناس سراعًا إلى المدائن، واحتاز شبيب وأصحابه ما في معسكر الحارث بن عميرة، وكان أول جيش هزمه شبيب، وكان مقتل صالح بن مسرح في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة (٤) من هذه السنة. وفيها دخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة، وذلك أن شبيبًا جرت له فصول يطول تفصيلها بعد مقتل صالح بن مسرِّح، واجتمعت عليه الخوارج وبايعوه، وبعث إليه الحجاج جيشًا آخر فقاتلوه فهزموه ثم هزمهم بعد ذلك، ثم سار فحاصر المدائن فلم ينل منها شيئًا، فسار فأخذ دوابًا للحجاج من كلواذا، وفي عزمه أن يبيِّت أهل المدائن فهرب من فيها من الجند إلى الكوفة، فلما وصل فلّهم إلى الحجاج جهز جيشًا أربعة آلاف مقاتل إلى شبيب، فمروا على المدائن ثم ساروا في طلب شبيب فجعل يسير بين أيديهم قليلًا قليلًا وهو يريهم أنه خائف منهم، ثم يكر في كل وقت على المقدمة فيكسرها وينهب ما فيها، ولا يواجه أحدًا إلا هزمه، والحجاج يلحُّ في طلبه ويجهز إليه السرايا والبعوث والمدد وهو لا يبالي بأحد وإن ما معه

стр. 4271

مئة وستون فارسًا، وهذا من أعجب العجب، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخافوا منه وفرقوا منه وهموا أن يدخلوا الكوفة خوفًا منه ويتحصنوا منه، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم وقد اقترب منهم، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف، وقد أمر بطعام وشواء يصنع فقيل له: قد جاءك الجند فأدرك نفسك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام: أجده وأنضجه وعجل به، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءًا تامًا، ثم صلى بأصحابه [صلاة تامة بتطويل وطمأنينة] ثم لبس درعه وتقلّد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فركبها فقال له أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تركب البغلة وقد أحاط بك الأعداء من كل جانب فقال: لا! حارس كل أمر أجله، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول: [أنا أبو المدلّه] لا حكم إلا للَّه، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله، وهو سعيد بن المجالد، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجؤوا إلى الكوفة، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات، وقتل جماعة هنالك، وخرج الحجاج من الكوفة هاربًا إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر (١)، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الإمارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثَّرت ضربته في الباب، فكانت تعرف بعد ذلك، يقال هذه ضربة شبيب، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القبائل، وقتل رجالًا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم [منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم، وعدي بن عمرو، وأزهر بن عبد اللَّه العامري، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وكان مع شبيب امرأته غزالة (٢)، وكانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان] (٣). ونادى الحجاج في الناس: يا خيل اللَّه اركبي، فخرج شبيب من الكوفة [إلى مجال الطعن والضرب] فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل، فساروا وراءه [وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه] وفي أوقات كثيرة يكرُّ عليهم شبيب، فقتل من جيش الحجاج خلقًا كثيرًا، وقتل جماعة من الأمراء منهم زائدة بن قدامة، قتله شبيب [وهو ابن عم المختار، فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن

стр. 4272

الأشعث (١)، فلم يقابل شبيبًا ورجع، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي، فالتقوا في أواخر السنة فقتل عثمان بن قطن وانهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمئة نفس، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي، وخالد بن نهيك الكندي، والأسود بن ربيعة، واستفحل أمر شبيب وتزلزل له عبد الملك بن مروان والحجاج وسائر الأمراء، وخاف عبد الملك منه خوفًا شديدًا، فبعث له جيشًا من أهل الشام فقدموا في السنة الآتية، وإن ما مع شبيب شرذمة قليلة (٢)، وقد ملأ قلوب الناس رعبًا] (٣) وجرت خطوب كثيرة يطول تفصيلها له معهم، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى انسلخت هذه السنة. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير وهو أول من نقشها. وقال القاضي الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية" (٥): اختُلِفَ في أول من ضربها بالعربية في الإسلام، فقال سعيد بن المسيِّب: أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير رومية والدراهم كسروية. قال أبو الزناد: وكان ذلك في سنة أربع وسبعين (٦). وقال المدائني: خمس وسبعين، وضربت في الآفاق سنة ست وسبعينَ (٧)، وذكر أنه ضرب على الجانب الواحد منها: اللَّه أحد، وعلى الوجه الآخر اللَّه الصمد. قال: وحكى يحيى بن النعمان الغفاري، عن أبيه: أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد اللَّه بن الزبير، سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، عليها بركة من جانب، واللَّه من جانب، ثم غيّرها الحجاج وكتب اسمه عليها من جانب (٨)، ثم خلصها بعده

стр. 4273

يوسف (١) بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك، ثم خلصها أجود منها خالد بن عبد اللَّه القسري في أيام هشام، ثم يوسف بن عمر أجود منهم [كلهم]، ولذلك كان المنصور لا يقبل منها إلا الهبيرية والخالدية واليوسفية، وذكر أنه قد كان للناس نقود مختلفة منها الدراهم البغلية (٢)، وكان الدرهم منها ثمانية دوانيق، والطبرية [وكان الدرهم منها أربعة دوانيق (٣)، واليمني دانق، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري] ثم أخذ بنصفها فجعل الدرهم الشرعي وهو نصف مثقال وخُمْسُ مثقال، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وهو مروان الحمار آخر من تولى الخلافة من بني أمية بالشام. وفيها ولى عبد الملك بن مروان نيابة المدينة لأبان بن عثمان بن عفان، وعزل عنها يحيى بن الحكم عمه، واستدعاه إلى الشام (٤). وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة، وعلى إمرة العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد اللَّه، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو عثمان النهدي القضاعي (٥)، اسمه عبد الرحمن بن مل، أسلم على عهد النبي ﷺ وغزا جلولاء، والقادسية، وتستر، ونهاوند، وأذربيجان وغيرهما. وكان كثير العبادة زاهدًا عالمًا يصوم النهار ويقوم اللّيل.

стр. 4274

توفي وعمره مئة وثلاثين سنة بالكوفة. صلة بن أشيم العدوي (١)، من كبار التابعين من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد، كنيته أبو الصهباء، كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوًا، وله مناقب كثيرة جدًّا، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون فيقول: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا في النهار عن الطريق وناموا اللّيل فمتى يقطعون سفرهم؟ فقال لهم يومًا هذه المقالة، فقال شاب منهم: والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا، نحن بالنهار نلهو، وبالليل ننام. ثم تبع صلة فلم يزل يتعبد معه حتى مات. ومر عليه فتى يجر ثوبه فهمّ أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم فقال: دعوني أكفكم أمره، ثم دعاه فقال: يا بن أخي لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قال أن ترفع إزارك، قال: نعم، ونعمت عين، فرفع إزاره، فقال صلة: هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم. ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال: خرجنا في غزاة وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة، فدخل غيضة ودخلت في أثره فقام يصلي وجاء الأسد حتى دنا منه وصعدت أنا في شجرة، قال: فتراه التفت أو عده جروًا حتى (٢) سجد فقلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلّم فقال: أيها السبع إن كنت أُمرت بشيء فافعل وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر، فولى الأسد وإن له لزئيرًا تصدع منه الجبال، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم. قال: وذهبت بغلته بثقلها فقال: اللهم إني أسألك أن ترد عليّ بغلتي بثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه، قال: فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعنا بهم طعنًا وضربًا، فقال العدو: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم؟ أعطوا المسلمين حاجتهم - يعني انزلوا على حكمهم -. وقال صلة: جعت مرة في غزاة جوعًا شديدًا فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفتُّ فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبًا فأكلت منه حتى شبعت، وأدركني المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث، فاستطعمني من الرطب فأطعمته، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال: إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني، وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس، ولما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتًا

стр. 4275

مطيبًا، فقام يصلي فقامت تصلي معه، فلم يزالان يصليان حتى برق الصبح، قال: فأتيته فقلت له: أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها؟ قال: إنك أدخلتني بيتًا أول النهار أذكرتني به النار، وأدخلتني بيتًا آخر النهار أذكرتني به الجنة، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت، البيت الذي أذكره به النار هو الحمام، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس. وقال له رجل: ادع الله لي: فقال رغَّبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين الذي لا يركن إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه. وكان صلة في غزاة ومعه ابنه فقال له: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لتعزينني فارجعن، توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة (١). زهير بن قيس البلوي (٢)، شهد فتح مصر وسكنها، له صحبة، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر وهو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة، فأمره بالنهوض إليهم، فساق زهير ومعه أربعون نفسًا فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر، فقالوا: يا أبا شداد احمل بنا عليهم، فحملوا فقتلوا جميعًا. المندر بن الجارود (٣): مات في هذه السنة. تولى بيت المال ووفد على معاوية، والله أعلم (٤). ثم دخلت سنة سبع وسبعين فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة وكانوا أربعين ألفًا، وانضاف إليهم عشرة آلاف، فصاروا خمسين ألفًا، وأمَّر عليهم عتّاب بن ورقاء وأمره أن يقصد لشبيب بن يزيد، وأن يصمم على قتاله وكانوا
следующие страницы →