← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

مئة وستون فارسًا، وهذا من أعجب العجب، ثم سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخافوا منه وفرقوا منه وهموا أن يدخلوا الكوفة خوفًا منه ويتحصنوا منه، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم وقد اقترب منهم، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف، وقد أمر بطعام وشواء يصنع فقيل له: قد جاءك الجند فأدرك نفسك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام: أجده وأنضجه وعجل به، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءًا تامًا، ثم صلى بأصحابه [صلاة تامة بتطويل وطمأنينة] ثم لبس درعه وتقلّد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فركبها فقال له أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تركب البغلة وقد أحاط بك الأعداء من كل جانب فقال: لا! حارس كل أمر أجله، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول: [أنا أبو المدلّه] لا حكم إلا للَّه، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله، وهو سعيد بن المجالد، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجؤوا إلى الكوفة، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات، وقتل جماعة هنالك، وخرج الحجاج من الكوفة هاربًا إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر (١)، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الإمارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثَّرت ضربته في الباب، فكانت تعرف بعد ذلك، يقال هذه ضربة شبيب، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القبائل، وقتل رجالًا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم [منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم، وعدي بن عمرو، وأزهر بن عبد اللَّه العامري، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وكان مع شبيب امرأته غزالة (٢)، وكانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان] (٣). ونادى الحجاج في الناس: يا خيل اللَّه اركبي، فخرج شبيب من الكوفة [إلى مجال الطعن والضرب] فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل، فساروا وراءه [وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه] وفي أوقات كثيرة يكرُّ عليهم شبيب، فقتل من جيش الحجاج خلقًا كثيرًا، وقتل جماعة من الأمراء منهم زائدة بن قدامة، قتله شبيب [وهو ابن عم المختار، فوجه الحجاج مكانه لحربه عبد الرحمن بن

стр. 4272

الأشعث (١)، فلم يقابل شبيبًا ورجع، فوجه مكانه عثمان بن قطن الحارثي، فالتقوا في أواخر السنة فقتل عثمان بن قطن وانهزمت جموعه بعد أن قتل من أصحابه ستمئة نفس، فمن أعيانهم عقيل بن شداد السلولي، وخالد بن نهيك الكندي، والأسود بن ربيعة، واستفحل أمر شبيب وتزلزل له عبد الملك بن مروان والحجاج وسائر الأمراء، وخاف عبد الملك منه خوفًا شديدًا، فبعث له جيشًا من أهل الشام فقدموا في السنة الآتية، وإن ما مع شبيب شرذمة قليلة (٢)، وقد ملأ قلوب الناس رعبًا] (٣) وجرت خطوب كثيرة يطول تفصيلها له معهم، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى انسلخت هذه السنة. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير وهو أول من نقشها. وقال القاضي الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية" (٥): اختُلِفَ في أول من ضربها بالعربية في الإسلام، فقال سعيد بن المسيِّب: أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير رومية والدراهم كسروية. قال أبو الزناد: وكان ذلك في سنة أربع وسبعين (٦). وقال المدائني: خمس وسبعين، وضربت في الآفاق سنة ست وسبعينَ (٧)، وذكر أنه ضرب على الجانب الواحد منها: اللَّه أحد، وعلى الوجه الآخر اللَّه الصمد. قال: وحكى يحيى بن النعمان الغفاري، عن أبيه: أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد اللَّه بن الزبير، سنة سبعين على ضرب الأكاسرة، عليها بركة من جانب، واللَّه من جانب، ثم غيّرها الحجاج وكتب اسمه عليها من جانب (٨)، ثم خلصها بعده

стр. 4273

يوسف (١) بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك، ثم خلصها أجود منها خالد بن عبد اللَّه القسري في أيام هشام، ثم يوسف بن عمر أجود منهم [كلهم]، ولذلك كان المنصور لا يقبل منها إلا الهبيرية والخالدية واليوسفية، وذكر أنه قد كان للناس نقود مختلفة منها الدراهم البغلية (٢)، وكان الدرهم منها ثمانية دوانيق، والطبرية [وكان الدرهم منها أربعة دوانيق (٣)، واليمني دانق، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري] ثم أخذ بنصفها فجعل الدرهم الشرعي وهو نصف مثقال وخُمْسُ مثقال، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وهو مروان الحمار آخر من تولى الخلافة من بني أمية بالشام. وفيها ولى عبد الملك بن مروان نيابة المدينة لأبان بن عثمان بن عفان، وعزل عنها يحيى بن الحكم عمه، واستدعاه إلى الشام (٤). وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة، وعلى إمرة العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد اللَّه، واللَّه أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو عثمان النهدي القضاعي (٥)، اسمه عبد الرحمن بن مل، أسلم على عهد النبي ﷺ وغزا جلولاء، والقادسية، وتستر، ونهاوند، وأذربيجان وغيرهما. وكان كثير العبادة زاهدًا عالمًا يصوم النهار ويقوم اللّيل.

стр. 4274

توفي وعمره مئة وثلاثين سنة بالكوفة. صلة بن أشيم العدوي (١)، من كبار التابعين من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد، كنيته أبو الصهباء، كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوًا، وله مناقب كثيرة جدًّا، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون فيقول: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا في النهار عن الطريق وناموا اللّيل فمتى يقطعون سفرهم؟ فقال لهم يومًا هذه المقالة، فقال شاب منهم: والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا، نحن بالنهار نلهو، وبالليل ننام. ثم تبع صلة فلم يزل يتعبد معه حتى مات. ومر عليه فتى يجر ثوبه فهمّ أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم فقال: دعوني أكفكم أمره، ثم دعاه فقال: يا بن أخي لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قال أن ترفع إزارك، قال: نعم، ونعمت عين، فرفع إزاره، فقال صلة: هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم. ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال: خرجنا في غزاة وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة، فدخل غيضة ودخلت في أثره فقام يصلي وجاء الأسد حتى دنا منه وصعدت أنا في شجرة، قال: فتراه التفت أو عده جروًا حتى (٢) سجد فقلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلّم فقال: أيها السبع إن كنت أُمرت بشيء فافعل وإلا فاطلب الرزق من مكان آخر، فولى الأسد وإن له لزئيرًا تصدع منه الجبال، فلما كان عند الصباح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ثم رجع إلى الجيش فأصبح كأنه بات على الحشا، وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم. قال: وذهبت بغلته بثقلها فقال: اللهم إني أسألك أن ترد عليّ بغلتي بثقلها، فجاءت حتى قامت بين يديه، قال: فلما التقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعنا بهم طعنًا وضربًا، فقال العدو: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا كلهم؟ أعطوا المسلمين حاجتهم - يعني انزلوا على حكمهم -. وقال صلة: جعت مرة في غزاة جوعًا شديدًا فبينما أنا أسير أدعو ربي وأستطعمه، إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفتُّ فإذا أنا بمنديل أبيض فإذا فيه دوخلة ملآنة رطبًا فأكلت منه حتى شبعت، وأدركني المساء فملت إلى دير راهب فحدثته الحديث، فاستطعمني من الرطب فأطعمته، ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان فقال: إنهن لمن الرطبات التي أطعمتني، وجاء بذلك المنديل إلى امرأته فكانت تريه للناس، ولما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيت العروس بيتًا

стр. 4275

مطيبًا، فقام يصلي فقامت تصلي معه، فلم يزالان يصليان حتى برق الصبح، قال: فأتيته فقلت له: أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي وتركتها؟ قال: إنك أدخلتني بيتًا أول النهار أذكرتني به النار، وأدخلتني بيتًا آخر النهار أذكرتني به الجنة، فلم تزل فكرتي فيهما حتى أصبحت، البيت الذي أذكره به النار هو الحمام، والبيت الذي أذكره به الجنة هو بيت العروس. وقال له رجل: ادع الله لي: فقال رغَّبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين الذي لا يركن إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه. وكان صلة في غزاة ومعه ابنه فقال له: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة فقاتل حتى قتل، فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: إن كنتن جئتن لتهنينني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لتعزينني فارجعن، توفي صلة في غزاة هو وابنه نحو بلاد فارس في هذه السنة (١). زهير بن قيس البلوي (٢)، شهد فتح مصر وسكنها، له صحبة، قتلته الروم ببرقة من بلاد المغرب، وذلك أن الصريخ أتى الحاكم بمصر وهو عبد العزيز بن مروان أن الروم نزلوا برقة، فأمره بالنهوض إليهم، فساق زهير ومعه أربعون نفسًا فوجد الروم فأراد أن يكف عن القتال حتى يلحقه العسكر، فقالوا: يا أبا شداد احمل بنا عليهم، فحملوا فقتلوا جميعًا. المندر بن الجارود (٣): مات في هذه السنة. تولى بيت المال ووفد على معاوية، والله أعلم (٤). ثم دخلت سنة سبع وسبعين فيها أخرج الحجاج مقاتلة أهل الكوفة وكانوا أربعين ألفًا، وانضاف إليهم عشرة آلاف، فصاروا خمسين ألفًا، وأمَّر عليهم عتّاب بن ورقاء وأمره أن يقصد لشبيب بن يزيد، وأن يصمم على قتاله وكانوا

стр. 4276

قد تجمعوا ألف رجل (١) - وأن لا يفعلوا كما كانوا يفعلون قبلها من الفرار والهزيمة، ولما بلغ شبيبًا ما بعث به الحجاج إليه من [العساكر] والجنود، [لم يعبأ بهم شيئًا. بل] قام في أصحابه خطيبًا فوعظهم وذكرهم وحثهم على الصبر عند اللقاء ومناجزة الأعداء، ثم سار شبيب بأصحابه نحو عتَّاب بن ورقاء، فالتقيا في آخر النهار عند غروب الشمس، فأمر شبيب مؤذنه سَلّام بن يسار (٢) الشيباني فأذن [المغرب] ثم صلى شبيب بأصحابه المغرب [صلاة تامة الركوع والسجود] وصفَّ عتّاب أصحابه - وكان قد خندق [حوله و] حول جيشه من أول النهار - فلما صلى شبيب بأصحابه المغرب انتظر حتى طلع القمر وأضاء ثم تأمل (٣) الميمنة والميسرة ثم حمل على أصحاب رايات عتاب وهو يقول: أنا شبيب أبو المدلّه لا حكم إلا لله، فهزمهم وقتل أميرهم قبيصة بن والق وجماعة من الأمراء معه، ثم كَرّ على الميمنة وعلى الميسرة ففرق شمل كل واحدة منهما، ثم قصد القلب فما زال حتى قتل الأمير عَتّاب بن ورقاء وزُهْرة بن حَويَّة، وولَّى عامة الجيش مُدْبرين وداسوا الأمير عتّاب وزُهرة فوطئته الخيل. وقتل في المعركة عَمّار بن يزيد الكلبي. ثم قال شبيب لأصحابه: لا تتبعوا منهزمًا، وانهزم جيش الحجاج عن بكرة أبيهم راجعين إلى الكوفة، وكان شبيب لما احتوى على المعسكر أخذ ممن بقي منهم البيعة له بالإمارة وقال لهم إلى أي ساعة تهربون؟ ثم احتوى على ما في المعسكر من الأموال والحواصل، واستدعى بأخيه مصاد من المدائن، ثم قصد نحو الكوفة. وقد وفد إلى الحجاج سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ستة آلاف فارس ومعهما خلق من أهل الشام، فاستغنى الحجاج بهم عن نصحرة أهل الكوفة، وقام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، فلا يقاتلن معنا إلا من كان عاملًا لنا، ومن لم يشهد قتال عَتّاب بن وَرْقاء، وعزم الحجاج على قتال شبيب بنفسه وسار شبيب حتى بلغ الصراة، وخرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين وغيرهم، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب وهو في ستمئة من أصحابه فخطب الحجاج أهل الشام وقال: يا أهل الشام أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار واجثوا على الركب، واستقبلوا بأطراف الأسنة. ففعلوا ذلك، وأقبل شبيب وقد عبَّأ أصحابه ثلاث فرق، واحدة معه، وأخرى مع سويد بن سُليم، وأخرى مع المحلل بن وائل. وأمر شبيب سويدًا أن يحمل فحمل على جيش الحجاج فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة فانهزم

стр. 4277

عنهم، فنادى الحجاج: يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا، ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الذي هو جالس عليه إلى الأمام، ثم أمر شبيب المحلل أن يحمل فحمل فثبتوا له وقدم الحجاج كرسيه إلى أمام، ثم إن شبيبًا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشى أطراف الرماح (١) وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلًا، ثم إن أهل الشام طاعنوه قُدُمًا (٢) حتى ألحقوه بأصحابه، فلما رأى صبرهم نادى: يا سويد احمل في خيلك على أهل هذه السكة (٣) لعلك تزيل أهلها عنها فأت الحجاج من ورائه، ونحمل نحن عليه من أمامه. فحمل فلم يفد ذلك شيئًا، وذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمئة فارس ردءًا له من ورائه لِئلا يؤتوا من خلفهم، وكان الحجاج بصيرًا بالحرب أيضًا، فعند ذلك حرَّض شبيب أصحابه على الحملة وأمرهم بها ففهم ذلك الحجاج، فقال: يا أهل السمع والطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم وربِّ السماء والأرض ما شيء دون الفتح، فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه، فما زالوا يطعنون ويطعنون وهم مستظهرون على شبيب وأصحابه حتى رَدّوهم عن مواقفهم إلى ما وراءها، فنادى شبيب في أصحابه يا أولياء الله الأرض الأرض، ثم نزل ونزلوا ونادى الحجاج يا أهل الشام يا أهل السمع والطاعة، هذا أول النصر والذي نفسي بيده، وصعد مسجدًا هنالك وجعل ينظر إلى الفريقين، ومع شبيب نحو عشرين رجلًا معهم النبل (٤)، واقتتل الناس [قتالًا شديدًا] عامة النهار من أشد قتال في الأرض، حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه، والحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه، ثم إن خالد بن عَتّاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتي الخوارج من خلفهم، فأذن له، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم فقتل مصادًا أخا شبيب، وغزالة امرأة شبيب، قتلها رجل يقال له فروة بن الدفان الكلبي (٥)، وخرق في جش شبيب، ففرح بذلك الحجاج وأصحابه وكبروا، وانصرف شبيب وأصحابه كل منهم على فرس، فأمر الحجاج أن ينطلقوا في تطلبهم، فشدوا عليهم فهزمومهم، وتخلف شبيب في حامية الناس، ثم انطلق واتبعه الطلب فجعل ينعس وهو على فرسه حتى يخفق برأسه، ودنا منه الطلب فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة فجعل لا يكترث بهم ويعود فيخفق رأسه، فلما طال ذلك بعث الحجاج إلى أصحابه يقول: دعوه في حرق النار (٦)، فتركوه ورجعوا.

стр. 4278

ثم دخل الحجاج الكوفة فخطب الناس فقال في خطبته. إن شبيبًا لم يهزم قبلها، ثم قصد شبيب الكوفة فخرجت إليه سرية من جيش الحجاج فالتقوا يوم الأربعاء فلا زالوا يتقاتلون إلى يوم [الجمعة وكان على سرية الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس معه، فحمل شبيب على الحارث بن معاوية فكسره ومن معه، وقتل منهم طائفة، ودخل الناس الكوفة هاربين، وحصن الناس السكك فخرج إليه أبو الورد مولى الحجاج في طائفة من الجيش فقاتل حتى قتل، ثم هرب أصحابه ودخلوا الكوفة، ثم خرج إليه أمير آخر فانكسر أيضًا، ثم سار شبيب بأصحابه نحو السواد فمروا بعامل الحجاج على تلك البلاد فقتلوه، ثم خطب أصحابه وقال: اشتغلتم بالدنيا عن الآخرة، ثم رمى بالمال في الفرات، ثم سار بهم حتى افتتح بلادًا كثيرة ولا يبرز له أحد إلا قتله، ثم خرج إليه بعض الأمراء الذين على بعض المدن فقال له: يا شبيب ابرز إليّ وأبرز إليك، - وكان صديقه - فقال له شبيب: إني لا أحب قتلك، فقال له: لكني أحب قتلك، فلا تغرنك نفسك وما تقدم من الوقائع، ثم حمل عليه فضربه شبيب على رأسه فهمس رأسه حتى اختلط دماغه بلحمه وعظمه، ثم كفنه ودفنه، ثم إن الحجاج أنفق أموالًا كثيرة على الجيوش والعساكر في طلب شبيب فلم يطيقوه ولم يقدروا عليه، وإنما سلط الله عليه موتًا قدرًا من غير صنعهم ولا صنعه في هذه السنة] (١). مقتل شبيب في هذه السنة عند ابن الكلبي وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى نائبه على البصرة - وهو الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل وهو زوج ابنة الحجاج - يأمره أن يجهز جيشًا أربعة آلاف يتطلبون شبيبًا، ويكونون تبعًا لسفيان بن الأبرد [ففعل وانطلقوا في طلبه فالتقوا معه. وكان ابن الأبرد معه خلق من أهل الشام، فلما وصل جيش البصرة إلى ابن الأبرد التقوا معه جيشًا واحدًا هم وأهل الشام، ثم ساروا إلى شبيب] (٢) فالتقوا به فاقتتلوا قتالًا شديدًا وصبر كل من الفريقين لصاحبه، ثم عزم أصحاب الحجاج فحملوا على الخوارج [حملة منكرة والخوارج قليلون] ففروا بين أيديهم ذاهبين حتى اضطروهم إلى جسر هناك؛ فوقف عنده شبيب في مئة من أصحابه، وعجز سفيان بن الأبرد عن مقاومته، ورده شبيب عن موقفه هذا بعد أن تقاتلوا نهارًا طويلًا كاملًا عند أول الجسر أشد قتال يكون، ثم أمر ابن الأبرد أصحابه فرشقوهم بالنبال رشقًا واحدًا، ففرت الخوارج ثم كرت على الرماة فقتلوا نحوًا من ثلاثين رجلًا [من أصحاب ابن الأبرد]، وجاء الليل بظلامه فكف الناس بعضهم عن بعض، وبات كل من الفريقين مصرًا على مناهضة الآخر، فلما طلع الفجر عبر شبيب وأصحابه على الجسر، فبينما شبيب على متن الجسر راكبًا على حصان له وبين يديه فرس أنثى إذ نزا حصانه عليها وهو على الجسر فنزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء،

стр. 4279

فقال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] ثم انغمر في الماء ثم ارتفع وهو يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ الأنعام: ٩٦] فغرق. فلما تحققت الخوارج سقوطه في الماء كبروا وانصرفوا ذاهبين متفرقين في البلاد، وجاء أمير جيش الحجاج فاستخرج شبيبًا من الماء وعليه درعه، ثم أمر به فشق صدره (١) فاستخرج قلبه فإذا هو مجتمع صلب كأنه صخرة، وكانوا يضربون به الأرض فيرتفع قامة الإنسان. [وقيل: إنه كان معه رجال قد أبغضوه لما أصاب من عشائرهم، فلما تخلف في الساقة اشتوروا وقالوا نقطع الجسر به ففعلوا ذلك فمالت السفن بالجسر ونفر فرسه فسقط في الماء فغرق، ونادوا غرق أمير المؤمنين، فعرف جيش الحجاج ذلك فجاؤوا فاستخرجوه] (٢). ولما نعي شبيب إلى أمه قالت: صدقتم إني كنت رأيت في المنام وأنا حامل به أنه قد خرج منها شهاب من نار فعلمت أن النار لا يطفئها إلا الماء، وأنه لا يطفئه إلا الماء، وكانت أمه جارية اسمها جَهِيزة (٣)، وكانت جميلة، وكانت من أشجع النساء، تقاتل مع ابنها في الحروب. وذكر القاضي ابن خلكان (٤): أنها قتلت في هذه الغزوة وكذلك قتلت زوجته غزالة، وكانت أيضًا شديدة البأس خارجية [تقاتل قتالًا شديدًا يعجز عنه الأبطال من الرجال] وكان الحجاج يخاف منها أشد خوف حتى قال فيه بعض الشعراء (٥): أَسَدٌ عليَّ وفي الحروبِ نَعَامةٌ … فَتَخاءُ تَنْفِرُ من صَفير الصَّافرِ هَلَّا بَرَزْتَ إلى غزالة في الوَغَا … بلْ كان قلبُكَ في جناحيْ طائرِ قال: وقد كان شبيب بن يزيد بن نُعيم بن قيس بن عمرو بن الصَّلْت بن قيس بن شراحيل بن صبرة بن ذهل بن شيبان [الشيباني] يدّعي الخلافة ويتسمى بأمير المؤمن [ولولا أن الله تعالى قهره بما قهره به من الغرق لنال الخلافة إن شاء الله، ولما قدر عليه أحد] (٦) وإنما قهره الله على يدي الحجاج لما أرسل إليه أمير المؤمنين عبد الملك بعسكر الشام لقتاله فهرب شبيب غير مرة، ولما ألقاه جواده على الجسر في نهر دجيل (٧) قال له رجل: أغرقًا يا أمير المؤمنين؟ قال ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] قال ثم أخرج

стр. 4280

وحمل إلى الحجاج فأمر فنزع قلبه فن صدره فإذا هو مثل الحجر، وكان شبيب رجلًا طويلًا أشمط جعدًا، وكان مولده في يوم عيد النحر سنة ست وعشرين (١)، وقد أمسك رجل (٢) من أصحابه فحمل إلى عبد الملك بن مروان فقال له ألست القائل: فإن يك منكُمْ كانَ مروان وابنُهُ … وعمروٌ ومنكمْ هاشمٌ وحبيبُ فمنا حُصَينٌ والبطينُ وقعنبٌ … ومنّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ (٣) فقال: إنما قلت: ومنا أميرَ (٤) المؤمنين شبيب. فأعجبه اعتذاره وأطلقه والله سبحانه أعلم. وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة جدًّا بين المهلب بن أبي صفوة نائب الحجاج، وبين الخوارج من الأزارقة وأميرهم قَطَري بن الفجاءة، وكان قَطَري أيضًا من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين وقد تفرق عنه أصحابه ونفروا في هذه السنة، وأما هو فلا يدري أحد أين ذهب فإنه شرد في الأرض وقد جرت بينهم مناوشات ومجاولات يطول بسطها، وقد بالغ ابن جرير في ذكرها في "تاريخه" (٥). قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة ثار بُكَير بن وشاح الذي كان نائب خراسان على نائبها أمية بن عبد الله بن خالد وذلك أن بكيرًا استجاش عليه الناس وغدر به وقتله، وقد جرت بينهما خطوبَ (٧) قد استقصاها أبو جعفر في "تاريخه". وفي هذه السنة كانت وفاة شبيب بن يزيد الخارجي كما قدّمنا، وقد كان من الشجاعة والفروسة على جانب كبير لم ير بعد الصحابة مثله، ومثل الأشتر، وابنه إبراهيم، ومصعب بن الزبير، وأخيه عبد الله، ومن يُناط بهؤلاء في الشجاعة مثل قطري بن الفجاءة من الأزارقة الخوارج.

стр. 4281

وفيها توفي من الأعيان: كثير بن الصلت (١) بن معدي كَرب الكِنديّ، كان كبيرًا مطاعًا في قومه، وله بالمدينة دار كبيرة بالمصلّى، وقيل إنه كان كاتب عبد الملك على الرسائل، توفي بالشام. محمد بن موسى (٢) بن طلحة بن عبيد الله كانت أخته تحت عبد الملك وولاه سجستان، فلما سار إليها قيل له: إن شبيبًا في طريقك وقد أعيا الناس فاعدل إليه لعلك أن تقتله فيكون ذكر ذلك وشهرته لك إلى الأبد، فلما سار لقيه شبيب فاقتتل معه فقتله شبيب. وقيل غير ذلك، والله أعلم. عياض بن غنْم الأشعري (٣)، شهد اليرموك، وحدث عن جماعة من الصحابة وغيرهم توفي بالبصرة ﵀. مطرف بن عبد الله (٤)، وقد كانوا إخوة عروة ومطرف وحمزة، وقد كانوا يميلون إلى بني أمية فاستعملهم الحجاج على أقاليم، فاستعمل عروة على الكوفة، ومطرف على المدائن، وحمزة على همَذان (٥). ثم دخلت سنة ثمان وسبعين [ففيها كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم افتتحوا أزقلة (٦)، فلما رجعوا أصابهم مطر عظيم وثلج وبرد، فأصيب بسببه ناس كثير (٧). وفيها ولَّى عبد الملك موسى بن نصير غزو بلاد المغرب جميعه فسار إلى طنجة وقد جعل على مقدمته

стр. 4282

طارقًا (١) فقتلوا ملوك تلك البلاد، وبعضهم قطعوا أنفه ونفوه (٢)]. وفيها عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن إمرة خراسان وأضافها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع سجستان أيضًا، وركب الحجاج بعد فراغه من شأن شبيب من إمرة الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن عامر الحضرمي (٣)، فقدم المهلب على الحجاج وهو بالبصرة وقد فرغ من شأن الأزارقة أيضًا، فأجلسه معه على السرير واستدعى بأصحاب البلاء من جيشه، فمن أثنى عليه المهلب أجزل الحجاج جائزته (٤)، ثم ولى الحجاج المهلب إمرة سجستان، وولى عبد الله بن أبي بكرة إمرة خراسان، ثم ناقل بينهما قبل خروجهما من عنده، فقيل كان ذلك بإشارة المهلب، وقيل إنه استعان بصاحب الشرطة وهو عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العَبْشمي، حتى أشار على الحجاج بذلك فأجابه إلى ذلك، وألزم المهلب بألف ألف درهم، لكونه اعترض في ذلك. قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك. وكان أمير المدينة أبان بن عثمان. وأمير العراق وخراسان وسجستان وتلك النواحي كلها الحجاج بن يوسف، ونائبه على خراسان المهلب بن أبي صفرة، ونائبه على سجستان عبد الله بن أبي بكرة الثقفي. وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك الأنصاري. وقد توفي في هذه السنة من الأعيان: جابر بن عبد الله (٥) بن عمرو بن حرام، أبو عبد الله الأنصاري (٦) السلمي، صاحب رسول الله ﷺ

стр. 4283

وله روايات كثيرة، وشهد العقبة وأراد أن يشهد أحدًا فمنعه أبوه وخلفه على أخواته، وكانوا تسعة، وقيل إنه ذهب بصره قبل موته. توفي جابر بالمدينة وعمره أربع وتسعون سنة، وأسند إليه ألف وخمسمئة وأربعين حديثًا. شريح بن الحارث (١) بن قيس بن الجهم الكندي: وهو قاضي الكوفة، وقد تولّى القضاء لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ثم عزله علي، ثم ولّاه معاوية، ثم استقل في القضاء إلى أن مات في هذه السنة، وكان رزقه على القضاء في كل شهر مئة درهم، وقيل: خمسمئة درهم. وكان إذا خرج إلى القضاء يقول: سيعلم الظالم حظ من نقص. وقيل: إنه كان إذا جلس للقضاء قرأ هذه الآية ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ الآية [ص: ٢٦]. وكان يقول: إن الظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر. وقيل: إنه مكث قاضيًا نحو سبعين سنة (٢). وقيل: إنه استعفى من القضاء قبل موته بسنة، فالله أعلم. وأصله من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ . توفي بالكوفة وعمره مئة وثمان سنين. وقد روى الطبراني قال: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب عن إبراهيم التيمي. قال: كان شريح يقول: سيعلم الظالمون حق من نقصوا. إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر. ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم به.

стр. 4284

وقال الأعمش: اشتكى شريح رجله فطلاها بالعسل وجلس في الشمس فدخل عليه عوّاده فقالوا: كيف تجدك؟ فقال: صالحًا. فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: قد فعلت، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: وعد خيرًا. وفي رواية أنه خرج بإبهامه قرحة فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ قال: هو الذي أخرجها. وقال الأوزاعي: حدَّثني عبدة بن أبي لبابة قال: كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين، وكان شريح لا يختبر ولا يستخبر. ورواه ابن ثوبان عن عبدة، عن الشعبي، عن شريح قال: لما كانت الفتنة لم أسأل عنها. فقال رجل لو كنت مثلك ما باليت متى مت، فقال شريح: فكيف بما في قلبي. وقد رواه شقيق بن سلمة عن شريح قال: في الفتنة ما استخبرت ولا أخبرت ولا ظلمت مسلمًا ولا معاهدًا دينارًا ولا درهمًا، فقال أبو وائل: لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قد مِتُّ، فأوى إلى قلبه فقال: كيف يهدأ (١)، وفي رواية: كيف بما في صدري تلتقي الفئتان وإحداهما أحب إليّ من الأخرى. وقال لقوم رآهم يلعبون: ما لي أراكم تلعبون؟ قالوا: فرغنا! قال: ما بهذا أُمِرَ الفارغ. وقال سوار بن عبد الله العنبري: حدَّثنا العلاء بن جرير العنبري، حدّثني سالم أبو عبد الله، أنه قال: شهدت شُريحًا وتقدم إليه رجل فقال: أين أنت؟ فقال: بينك وبين الحائط، فقال: إني رجل من أهل الشام، فقال: بعيد سحيق، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاء والبنين (٢)، قال: إني اشترطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت (٣). وقال سفيان: قيل لشريح بأي شيء أصبت هذا العلم؟ قال: بمعاوضة (٤) العلماء، آخذ منهم وأعطيهم. وروى عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن محمد بن سالم، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن هبيرة أنه سمع عليًا يقول: يا أيها الناس! يأتوني فقهاؤكم يسألوني وأسألهم، فلما كان من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة، فجعل يسألهم: ما كذا ما كذا، ويسألونه ما كذا ما كذا فيخبرهم ويخبرونه حتى إذا ارتفع النهار تصدعوا غير شريح فإنه جاثٍ على ركبتيه لا يسأله عن شيء إلا أخبره به، قال: سمعت عليًا يقول: قم يا شريح فأنت أقضى العرب (٥).

стр. 4285

وأتت شريحًا امرأتان جدة صبي وأمه يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به. أبا مَيَّهْ أتيناك … وأنتَ المرء نأتيهِ (١) أتاكَ (٢) جدهُ وابني … وكلتانا نفديهِ فلو كنتِ تأيمتِ … لما نازعتكي فيهِ تزوجتِ فهاتيه … ولا يذهب بكِ التيهِ (٣) ألا يا أيها القاضي … فهذي قصتي فيهِ قالت الأم: ألا يا أيها القاضي … لقد قالت لك الجدَّه وقولًا فاستمع مني … ولا تطردني (٤) ردهْ تعزي النفسَ عن ابني … وكبِدي حملتْ كَبْدهْ فلما صارَ في حجري … يتيمًا مفردًا (٥) وحْدهْ تزوجتُ رجاءَ الخيـ … ــــــــــرِ منْ يكفيني فقدهْ ومن يُظهرُ لي الودَّ (٦) … ومنْ يحسنُ لي رِفدهْ فقال شريح: قَدْ سمعَ القاضي ما قلتما ثمَ قضى … وعلى القاضي جهدٌ إنْ غفلٍ (٧) قالَ للجدةِ: بِيني بالصبي … وخذي ابنكِ منْ ذاتِ العللِ إنها لو صبرتْ كانَ لها … قبلَ دعوى ما تبتغيه للبدلِ (٨) فقضى به للجدة. وقال عبد الرزاق (٩): حدَّثنا معمر بن عون، عن إبراهيم، عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه فقال: يا أبا أمية قضيت على بغير بينة، فقال شريح: أخبرني ابن أخت خالتك.

стр. 4286

وقال علي بن الجعد (١): أنبأنا المسعودي عن أبي حصين قال: سئل شريح عن شاة تأكل الذُّباب فقال: علف مجَّان ولبن طيب. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حيان التيمي، حدَّثنا أبي قال: كان شريح إذا مات لأهله سنَّور أمر بها فألقيت في جوف داره، ولم يكن له مثعب (٣) شارع إلا في جوف داره يفعل ذلك اتقاء أن تؤذي المسلمين - يعني أنه يلقي السنَّور في جوف داره لئلا تؤذي بنتن ريحها المسلمين -، وكان ميازيب أسطحة داره في جوف الدار لئلا يؤذي بها المارة من المسلمين. وقال الرياشي (٤): قال رجل لشريح: إن شأنك لشوين. فقال له شريح: أراك تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك. وقال الطبراني (٥): حدَّثنا أحمد بن يحيى ثعلب (٦) النحوي، حدَّثنا عبد الله بن شبيب قال: حدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن زياد بن سمعان. قال: كتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون: أما بعد فإنك والمكان الذي أنت فيه والمكان الذي خرجت منه بعين من لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، والمكان الذي خلفتا (٧) لم يعد أمرًا لكمامه ومن تظلمه أيامه. وإنك وإياهم لعلى بساط واحد، وإن المنتجع من ذي قدرة لقريب. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٨): حدَّثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أن عمر كتب إليه: إذا جاءك الشيء من كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه رجاء ما ليس في كتاب الله، وانظر في سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذْ به، وفي رواية: فانظر فيما قضى به الصالحون، فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرًا، والسلام. وقال شريح: كنت مع علي في سوق الكوفة فانتهى إلى قاصٍّ يقص فوقف عليه وقال: أيها القاص! تقص ونحن قريبوا العهد. أما إني سائلك فإن تجب فما سألتك وإلّا أدبتك، فقال القاص: سل يا أمير المؤمنين عما شئت، فقال علي: ما ثبات الإيمان وزواله؟ قال القاص: ثبات الإيمان

стр. 4287

الورع وزواله الطمع. قال علي: فذلك فقص. قيل: إن هذا القاص هو نوف البكالي (١). وقال رجل لشريح: إنك لتذكر النعمة في غيرك وتنساها في نفسك، قال: إني والله لأحسدك على ما أرى بك. قال: ما نفعك الله بهذا ولا ضرني (٢). وروى جرير عن الشيباني، عن الشعبي قال: اشترى عمر فرسًا من رجل على أن ينظر إليه، فأخذ الفرس فسار به فعطب، فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك، فقال: لا! قال: فاجعل بيني وبينك حكمًا، قال الرجل: نعم! شريح، قال عمر: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي، قال: فانطلقا إليه فقصّا عليه القصّة، فقال: يا أمير المؤمنين ردّ كما أخذت أو خذ بما ابتعته، فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها، فإنه لأول يوم عرفه يومئذ (٣). وقال هشام بن محمد الكلبي (٤): حدَّثني رجل من ولد سعد بن [أبي] وقاص قال: كان لشريح ابن يدعو الكلاب (٥) ويهارش بين الكلاب، فدعا بدواة وقرطاس فكتب إلى مؤدبه فقال: تركَ الصلاةَ لأكلبٍ يسعى بها … طلبَ الهراشَ مع الغواةِ الرجّسِ فإذا أتاكَ فعفَّهُ بملامة … وعظهُ موعظةِ الأديبِ الأكيسِ فإذا هممت بضربهِ فبدرّةٍ … فإذا ضربتَ بها ثلاثًا فاحبسِ واعلم بأنكَ ما أتيتَ فنفسُه … معَ ما تجرّ عني أعزُّ الأنفسِ وروى شريح، عن عمر، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] إنهم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، إن لكل صاحب ذنب توبة، إلا أصحاب الأهواء والبدع، أنا منهم بريء وهم مني براء" (٦). وهذا حديث ضعيف غريب رواه محمد بن مصفى، عن بقية، عن شعبة - أو غيره - عن مجالد، عن الشعبي، وانما تفرد به بقيّة بن الوليد من هذا الوجه وفيه علة أيضًا. وروى محمد بن كعب القرظي، عن الحسن، عن شريح، عن عمر بن الخطاب. قال قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخربت أمانتهم" فقال قائل: فكيف بنا يا رسول الله؟ فقال: "تعملون بما تعرفون وتتركون

стр. 4288

ما تنكرون، وتقولون: أحدٌ أحدٌ، انصرنا على من ظلمنا واكفنا من بغانا" (١). وروى الحسن بن سفيان، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الجبار بن وهب، عن عبد الله السُّلمي عن شريح، قال: حدَّثني البدريون منهم عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "ما من شاب يدع لذّة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى إلا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صدِّيقًا، ثم قال: يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي، المبتذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي" وهذا حديث غريب (٢). وقال أبو داود (٣): حدَّثنا صدقة بن موسى، حدَّثنا أبو عمران الجوني، عن قيس بن زيد - وقال أبو داود: أو عن زيد بن قيس - عن قاضي المصرين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى يدعو صاحب الدَّين يوم القيامة فيقول: يا بن آدم فيم أضعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقًا وإما حرقًا، فيقول الله سبحانه: أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة". لفظ أبي داود ورواه يزيد بن هارون عن صدقة به وقال فيه: "فيدعو الله بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل" ورواه الطبراني من طريق أبي نعيم، عن صدقة به، ورواه الطبراني أيضًا عن حفص بن عمر وأحمد بن داود المكي قالا: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا صدقة به، والله أعلم. عبد الرحمن (٤) بن غنْم (٥)، الأشعري، نزيل فلسطين، وقد روى عن جماعة من الصحابة وقيل إن له صحبة وفد بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام ليفقه أهلها في الدِّين وكان من العبَّاد الصالحين. جنادة بن [أبي] أمية (٦)، الأزدي، شهد فتح مصر، وكان أميرًا على غزو البحر لمعاوية، وكان موصوفًا بالشجاعة والخير، توفي بالشام وقد قارب الثمانين.

стр. 4289

العلاء بن زياد (١)، البصري، كان من العبّاد الصالحين من أهل البصرة، وكان كثير الخوف والورع، وكان يعتزل في بيته ولا يخالط الناس، وكان كثير البكاء، لم يزل يبكي حتى عمي، وله مناقب كثيرة، توفي بالبصرة في هذه السنة. قلت: إنما كان معظم بكاء العلاء بن زياد بعد تلك الرؤيا التي رآها له رجل من أهل الشام أنه من أهل الجنة، فقال له العلاء: أما أنت يا أخي فجزاك الله عن رؤياك لي خيرًا، وأما أنا فقد تركتني رؤياك لا أهدأ بليل ولا نهار، وكان بعدها يطوي الأيام لا يأكل فيها شيئًا وبكى حتى كاد يفارق الدنيا، ويصلي لا يفتر، حتى جاء أخوه إلى الحسن البصري فقال: أدرك أخي فإنه قاتل نفسه، يصوم لا يفطر، ويقوم لا ينام، ويبكي الليل والنهار لرؤيا رآها بعض الناس له أنه من أهل الجنة، فجاء الحسن فطرق عليه بابه فلم يفتح، فقال له: افتح فإني أنا الحسن، فلما سمع صوت الحسن فتح له، فقال له الحسن: يا أخي الجنة وما الجنة للمؤمن، إن للمؤمن عند الله ما هو أفضل من الجنة، فقاتل أنت نفسك؟ فلم يزل به حتى أكل وشرب وقصر عما كان فيه قليلًا. وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أتاه آت في مقامه فأخذ بناصيته وقال: يا غلام قم فاذكر الله يذكرك. فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها قائمة حتى مات. وقد قيل: إنه كان يرفع له إلى الله كل يوم من العمل الصالح بقدر أعمال خلق كثير من الناس كما رأى ذلك بعض أصحابه في المنام. وقال العلاء: نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا. وقال: كان رجل يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ، فجعل لا يأتي على أحد إلا سبَّه، ثم رزقه الله الإخلاص واليقين فخفض من صوته وجعل صلاحه بينه وبين الله، فجعل لا يأتي على أحد بعد ذلك إلا دعا له بخير. سراقة بن مرادس (٢)، الأزدي، كان شاعرًا مطبقًا، هجا الحجاج فنفاه إلى الشام فتوفي بها. النابغة الجعدي (٣) الشاعر.

стр. 4290

السائب بن يزيد الكندي (١)، توفي في هذه السنة. سفيان بن سلمة (٢)، الأسدي. معاوية بن قرة (٣)، البصري. زر بن حبيش (٤). ثم دخلت سنة تسع وسبعين ففيها وقع طاعون عظيم بالشام حتى كادوا يفنون من شدته، ولم يغز فيها أحد من أهل الشام لضعفهم وقلتهم، ووصلت الروم فيها أنطاكية فأصابوا خلقًا من أهلها لعلمهم بضعف الجنود والمقاتلة. وفيه غزا عبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك حتى أوغل في بلاده، ثم صالحه على مال يحمله إليه في كل سنة (٥).

стр. 4291

وفيها قتل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الحارثَ بن سعيد المتنبئ الكذاب (١)، ويقال له: الحارث بن عبد الرحمن بن سعد (٢) الدمشقي، مولى أبي الجلاس العبدري، ويقال مولى الحكم بن مروان (٣)، كان أصله من الحولة، فنزل دمشق، وتعبد بها وتنسك وتزهد، ثم مكر به ورجع القهقرى على عقبيه، وانسلخ من آيات الله تعالى، وفارق حزب الله المفلحين، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولم يزل الشيطان يزج في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه وأخراه وأشقاه فيهما وأخزاه. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله [ولا حول ولا قوة إلا بالله]. قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي (٤)، حدَّثنا محمد بن مبارك، نبأنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالحُوْلَة (٥)، فعرض له إبليس، كان رجلًا متعبدًا زاهدًا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، قال: وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السَّامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالحولَة: يا أبتاه أعجل عليّ فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، قال فزاده أبوه غيًّا على غيه (٦)، فكتب إليه أبوه: يا بني أقبل على ما أمرت به فإن الله تعالى يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلًا رجلًا فيذاكرهم أمره ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يَرْضى وإلا كتم عليه. قال: وكان يريهم الأعاجيب. كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح [تسبيحًا بليغًا حتى يضج من ذلك الحاضرون]. قلت: وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية ﵀ يقول: كان ينقر هذه الرخامة الحمراء التي في المقصورة فتسبح، وكان زنديقًا. قال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في

стр. 4292

الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المرَّان (١) فيريهم رجلًا على خيل، فتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد وكثر أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مُخَيْمرة، قال فعرض على القاسم أمره وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمرًا قبله، وإن كرهه كتم عليه، قال فقال له: إنه نبي، فقال القاسم: كذبتَ يا عدو الله، ما أنت نبي، وفي رواية: ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ : "إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي" (٢) وأنت أحدهم ولا عهد لك. ثم قام فخرج إلى أبي إدريس - وكان على القضاء بدمشق - فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك. وفي رواية أخرى أن مكحولًا وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذّباه وردا عليه ما قال، ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلَّبه عبد الملك طلبًا حثيثًا، واختفى الحارث وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرًا واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى الصِّنَّبْرَّة (٣) فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل البصرة ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين هو، وسأل من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى بيت المقدس بمن معه انتدب الوالي لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي الله، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح البصري أسرجوا، فأسرج الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهجم البصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء، قال فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال للفرغانيين من أتراك الخليفة: تسلَّموا. قال: فأخذوه فربطوه وقيدوه، فيقال: إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارًا ويعيدونها، وجعل يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] وقال لأولئك الأتراك ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كراننا فهات كرانك، أي: هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك

стр. 4293

أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلًا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سمِّ الله ثم اطعنه، قال فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالًا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك، وهذا من تمام العدل والدين. وقد قال الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، فحدَّثني منْ سمع عتبة الأعور يقول: سمعت العلاء بن زياد العدوي يقول: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثًا، حدثت أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، فمن قاله فاقتلوه، ومن قتل منهم أحدًا فله الجنة" (١). وقال الوليد بن مسلم: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك لو حضرتُكَ ما أمرتُكَ بقتله، قال: ولم؟ قال: إنه إنما كان به المذهَّب (٢) فلو جَوَّعْتَه (٣) لذهب ذلك عنه. وقال الوليد، عن المنذر بن نافع، سمعت خالد بن اللَّجْلاج يقول لغَيْلان: ويحك يا غَيْلان، ألم تأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح، ثم صرت حارثيًا تُحجب امرأته وتزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت فصرت قدريًا زنديقًا (٤)؟. وفيها غزا عُبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك الأعظم فيهم، وقد كان يصانع المسلمين تارة ويتمرد أخرى، فكتب الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته، فخرج في جمع من الجنود من بلاده وخلق من أهل البصرة والكوفة ثم التقى مع رُتبيل ملك الترك فكسره وهدم أركانه بسطوة بتَّارة، وجاس ابن أبي بكرة وجنده خلال ديارهم، واستحوذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره، وتبَّر ما هنالك تتبيرًا، ثم إن رتبيل تقهقر منه وما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخًا وخافت الأتراك منهم خوفًا شديدًا، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق والشعاب وضيقوا عليهم المسالك حتى ظن كلٌّ من المسلمين أنه لا محالة هالك، فعند ذلك طلب عبيد الله أن يصالح رُتبيل على أن يدفع إليه سبعمئة ألف (٥)، ويفتحوا للمسلمين طريقًا يخرجون منه ويرجعون عنهم إلى بلادهم، فانتدب شُرَيح بن هانئ - وكان صحابيًا، وكان من أكبر أصحاب علي وهو المقدم على أهل الكوفة - فندب الناس إلى القتال والمصابرة والنزال والجلاد بالسيوف والرماح والنبال، فنهاه عبيد الله بن أبي بكرة فلم ينته، وأجابه

стр. 4294

شرذمة (١) من الناس من الشجعان وأهل الحفائظ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فني أكثر المسلمين ﵃، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قالوا وجعل شُرَيح بن هانئ يرتجز يومئذٍ، ويقول: أصبحتُ ذا بثٍّ أقاسي الكِبَرَا … قدْ عِشتُ بينَ المشرِكينَ أعصُرا ثمَّ (٢) أدركتُ النبيَّ المنْذِرا … وَبعدَهُ صِدّيقَهُ وعُمَرَا ويومَ مهرانَ ويومَ تُسْتُرا … والجْمعَ في صِفّينِهِمْ والنَّهَرا (٣) هَيْهات ما أطولَ هذا عُمُرا ثم قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، وقُتل معه خلق من أصحابه، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد الله بن أبي بكرة من أرض رُتبيل، وهم قليل، وبلغ ذلك الحجاج فأخذ ما تقدم وما تأخر، وكتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ويستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل لينتقموا منه بسبب ما حلَّ بالمسلمين في بلاده، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ما رأى من المصلحة في ذلك، [وأن يعجل ذلك سريعًا، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش، فجهز جيشًا كثيفًا لذلك على ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها. [وقيل: إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانئ ثلاثون ألفًا وابتيع الرغيف مع المسلمين بدينار وقاسوا شدائد، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قتل المسلمون من الترك خلقًا كثيرًا أيضًا قتلوا أضعافهم] (٤). ويقال إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك، وولى مكانه أبا بردة بن أبي موسى الأشعري (٥)، [وقد تقدمت ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية، والله أعلم]. قال الواقدي وأبو معشر وغير واحد من أهل السير: وحجَّ بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وفي هذه السنة قتل قَطَري بن الفُجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي (٦)، وكان من الشجعان المشاهير أيضًا، ويقال إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة، وقد جرت له خطوب وحروب مع جيش المهلب بن أبي صفرة من جهة الحجاج وغيره، وقد قدمنا منها طرفًا صالحًا في أماكنه،

стр. 4295

[وكان خروجه في زمن مصعب بن الزبير، وتغلب على قلاع كثيرة وأقاليم وغيرها، ووقائعه مشهورة، وقد أرسل إليه الحجاج جيوشًا كبيرة فهزمها، وقيل إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية وهو على فرس أعجف وبيده عمود حديد، فلما قرب منه كشف قَطَري عن وجهه فولى الرجل هاربًا فقال له قَطَري إلى أين؟ أما تستحي أن تفر ولم تر طعنًا ولا ضربًا؟ فقال إن الإنسان لا يستحي أن يفر من مثلك، ثم إنه في آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش فاقتتلوا بطبرستان، فعثر بقطري فرسه فوقع إلى الأرض فتكاثروا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحجاج، وقيل إن الذي قتله سَوْرةُ بن أبجَر الدارمي (١)، وكان قَطري بن الفُجاءة مع شجاعته المفرطة وإقدامه من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وجودة الكلام والشعر الحسن] ومن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه وغيره ومن سمعها انتفع بها: أقولُ لها وقد طارت شعاعًا … من الأبطالِ ويحكِ لنْ تُراعي فإنكِ لو سألتِ (٢) بقاء يومٍ … على الأجَلِ الذي لكِ لم تُطاعي فصبْرًا في مجالِ الموتِ صبرًا … فما نَيْلُ الخلودِ بمستطاعِ ولا ثوبُ الحياةِ بثوبِ عزٍّ … فيُطوى عن أخي الخنَع اليَراعِ سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍ … وداعيهِ لأهلِ الأرضِ داعِ ومنْ لا يُعتَبَطْ (٣) يسأم ويَهْرمْ … وتُسْلِمهُ المنونُ إلى انقطاع وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ … إذا ما عُدَّ منْ سَقَطِ المتاعِ ذكرها صاحب الحماسة واستحسنها ابن خلكان في تاريخه (٤) كثيرًا. [وفيها توفي: عبيد الله بن أبي بكرة (٥) ﵀ وهو أمير الجيش الذي دخل بلاد الترك وقاتلوا رُتبيل ملك الترك، وقد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانئ كما تقدم ذلك، وقد دخل عبيد الله بن أبي بكرة على الحجاج مرة وفي يده خاتم فقال له الحجاج: وكم ختمت بخاتمك هذا؟ قال على أربعين ألف ألف دينار، قال ففيم أنفقتها؟ قال: في اصطناع المعروف، ورد الملهوف، والمكافأة بالصَّنَاع، وتزويج العقائل.

стр. 4296

وقيل: إن عبيد الله عطش يومًا فأخرجت له امرأة كوز ماءً بارد فأعطاها ثلاثين ألفًا، وقيل إنه أهدي إليه وصيف ووصيفة وهو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك، ثم فكر وقال: والله إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ودناءة رديئة، ثم قال يا غلام ادفع إلى كل واحد من جلسائي وصيفًا ووصيفة، فأحصي ذلك فكانوا ثمانين وصيفًا، ووصيفة توفي عبيد الله بن أبي بكرة ببست (١)، وقيل بذرخ، والله أعلم وأحلم، والحمد لله رب العالمين] (٢). ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية فيها كان السيل الجحاف (٣) بمكة، لأنه جحف على كل شيء مر به، وحمل الحُجَّاج من بطن مكة والجمال بما عليها، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه [وبلغ الماء إلى الحجون، وغرق خلق كثير، وقيل إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت، والله أعلم]. وحكى ابن جرير (٤) عن الواقدي أنه قال: كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون، والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين كما تقدم. وفيها قطع المهلَّب بن أبي صفرة نهر بلخ، وأقام بكش (٥) سنتين صابرًا مصابرًا للأعداء من الأتراك، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها، وفد عليه في غضون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله في السنين الآتية من حروب ابن الأشعث. وفي هذه السنة جَهَّز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رُتبيل ملك الترك اقتصاصًا لمن قتل من أصحاب عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية، فجهّز أربعين ألفًا من كلٍّ من المصرينِ عشرين ألفًا، وأمَّر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدًّا، حتى قال ما رأيته قط إلا هممت بقتله، ودخل ابن الأشعث يومًا على الحجَّاج وعنده عامر الشعبي (٦) فقال انظر

стр. 4297

إلى مشيته والله لقد هممت أن أضرب عنقه، فأسرَّها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث: وأنا والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء. والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه الجيوش وبذل فيهم العطاء ثم اختلف رأيه فيمن يؤمِّر عليهم، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقدّمه عليهم، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث فقال للحجاج: إني أخاف أن تؤمره فلا ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات (١)، فقال: ليس هو هنالك هو لي أهيب، ومني أرغب أن يخالف أمري أو يخرج عن طاعتي، فأمضاه عليهم، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل، فلما بلغ رُتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة الماضية، وأنه كان لذلك كارهًا، وأن المسلمين هم الذين ألجؤوه إلى قتالهم، وسأل من ابن الأشعث أن يصالحه وأن يبذل للمسلمين الخراج، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك، وصمم على دخول بلاده، وجمع رُتبيل جنوده وتهيأ للحرب، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلدًا أو مدينة أو أخذ قلعة من بلاد رُتبيل استعمل عليها نائبًا من جهته وجعل معه من يحفظها له، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف، فاستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد رُتبيل، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة، وسبى خلقًا كثيرة، ثم حبس الناس (٢) عن التوغل في بلاد رُتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد، ويتقووا بما فيها من المغلات والحواصل، ثم يتقدمون في العام المقبل إلى أعدائهم فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى يحاصروهم في بلادهم على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ثم يقتلون مقاتلتهم، وعزموا على ذلك، وكان هذا هو الرأي، وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح وما صنع الله لهم، وبهذا الرأي الذي رآه لهم. وقال بعضهم كان الحجاج قد وجه هِميان بن عديِّ السدوسيّ إلى كرمان مَسلَحة لأهلها ليمد عامل سجستان والسِّند إن احتاجا إلى ذلك، فعصى هِميان ومن معه على الحجاج، فوجه الحجاج إليه ابن الأشعث لمحاربته فهزمه وأقام ابن الأشعث بمن معه، ومات عبيد الله بن أبي بكرة فكتب الحجاج إلى ابن الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة وجهز إليه جيشًا أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم، وكان يدعى هذا الجيش جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رُتبيل فكان من أمره معه ما تقدم. قال الواقدي وأبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان. وقال غيرهما: بل حج بهم سليمان بن عبد الملك. وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، وعلى

стр. 4298

المشرق بكماله الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس بن مالك (١). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أسلم مولى عمر بن الخطاب (٢)، وهو أبو زيد بن أسلم أصله من سبي عين التمر اشتراه عمر بمكة لما حج سنة إحدى عشرة، وتوفي وعمره مئة وأربع عشرة سنة، وروى عن عمر عدة أحاديث، وروى عن غيره من أصحابه أيضًا وله مناقب كثيرة ﵀. وجبير بن نفير (٣) بن مالك الحضرمي، له صحبة ورواية، وكان من علماء أهل الشام وكان مشهورًا بالعبادة والعلم. توفي بالشام وعمره مئة وعشرون سنة، وقيل أكثر، وقيل أقل. عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٤)، صحابي جليل، ولد بأرض الحبشة وأمه أسماء بنت عميس، وهو آخر من رأى النبي ﷺ من بني هاشم وفاة، سكن المدينة، ولما استشهد أبوه جعفر بمؤتة "أتى النبي ﷺ إلى أمهم فقال: ائتوني ببني أخي" فأُتي بهم كأنهم أفرخ، فدعا بالحلاق فحلق رؤوسهم ثم قال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقته" فجاءت أمهم فذكرت للنبي ﷺ أنه ليس لهم شيء، فقال "أنا لهم عوضًا من أبيهم" (٥). وقد بايع النبي ﷺ عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرهما سبع سنين، وهذا لم يتفق لغيرهما، وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس، يعطي الجزيل الكثير ويستقله، وقد تصدق مرة بألفي ألف، وأعطى مرة رجلًا ستين ألفًا، ومرة أعطى رجلًا أربعة آلاف دينار، وقيل إن رجلًا جلب مرة

стр. 4299

سكَّرًا إلى المدينة فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيّمه أن يشتريه وأن يهديه للناس. وقيل: إن معاوية لما حج ونزل في دار مروان قال يومًا لحاجبه: انظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانًا - وعدَّ جماعة - فخرج فلم ير أحدًا، فقيل له: هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون، فأتى معاوية فأخبره فقال: ما أنا إلا كأحدهم، ثم أخذ عصًا فتوكأ عليها ثم أتى باب ابن جعفر فاستأذن عليه ودخل فأجلسه في صدر فراشه، فقال له معاوية: أين غداؤك يا بن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شيء فأدعو به؟ فقال معاوية: أطعمنا مخًا، فقال يا غلام: هات مخًا، فأتى بصحيفة فأكل معاوية، ثم قال ابن جعفر لغلامه: هات مخًا، فجاء بصحيفة أخرى ملآنة مخًا إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات، فتعجب معاوية وقال: يا بن جعفر ما يشبعك إلا الكثير من العطاء، فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار. وكان ابن جعفر صديقًا لمعاوية وكان يفد عليه كل سنة فيعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة. ولما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيد، فلما قدم ابن جعفر على يزيد قال له: كم كان أمير المؤمنين يعطيك كل سنة؟ قال ألف ألف. فقال له: قد أضعفناها لك، وكان يعطيه ألفي ألف كل سنة، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي ما قلتها لأحد قبلك، ولا أقولها لأحد بعدك، فقال يزيد: ولا أعطاكها أحد قبلي ولا يعطيكها أحد بعدي. وقيل إنه كان عند ابن جعفر جارية تغنيه تسمى عمارة، وكان يحبها محبة عظيمة، فحضر عنده يزيد بن معاوية يومًا فغنَّت الجارية، فلما سمعها يزيد افتتن بها ولم يجسر على ابن جعفر أن يطلبها منه، فلم يزل في نفس يزيد منها حتى مات أبوه معاوية فبعث يزيد رجلًا من أهل العراق وأمره أن يتطلع في أمر هذه الجارية، فقدم الرجل المدينة ونزل جوار ابن جعفر وأهدى إليه هدايا وتحفًا كثيرة، وأنس به، ولا زال حتى أخذ الجارية وأتى يزيد. وكان الحسن البصري يذم ابن جعفر على سماعه الغناء واللهو وشرائه المولدات، ويقول: أما يكفيه هذا الأمر القبيح المتلبس به من هذه الأشياء وغيرها؟ حتى زوج الحجاج بنت رسول الله ﷺ ، وكان الحجاج يقول: إنما تزوجتها لأذل بها آل أبي طالب، وقيل إنه لم يصل إليها، وقد كتب عبد الملك إليه أن يطلقها فطلقها. أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثًا. وأبو إدريس الخولاني (١) قاضي دمشق، اسمه عائذ الله بن عبد الله، له أحوال ومناقب، كان يقول: قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية، وقد تولى القضاء بدمشق. وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد (٢).

стр. 4300

معبد الجهني القدري (١) يقال إنه معبد بن عبد الله بن عُكَيْم (٢) راوي حديث: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (٣). وقيل غير ذلك في نسبه. سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم. وشهد يوم التحكيم، وسأل أبا موسى في ذلك ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك فقال له: إيهًا تَيس جهينة ما أنت من أهل السر ولا العلانية، وإنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل (٤). وهذا توسم من عمرو بن العاص فيه، ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له سوسن، وأخذ غيلان (٥) القدر من معبد. وقد كانت لمعبد عبادة وفيه زهادة، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه (٦). وقال الحسن البصري: إياكم ومعبدًا فإنه ضال مضل. وكان ممن خرج مع ابن الأشعث فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله. وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله. وقال خليفة بن خياط: مات قبل التسعين، فالله أعلم. [وقيل: إن الأقرب قتل عبد الملك له، والله أعلم].

стр. 4301

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ففيها فتح عبيد الله بن عبد الملك بن مروان مدينة قاليقلا (١) وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة. وفيها قُتِل بُكير بن وشاح قتله بَحِير (٢) بن وِقاء الصُّريمي وكان هذا من الأمراء الشجعان (٣)، ثم ثار لبكير بن وشاح رجل من قومه يقال له صعصعة بن حرب العوفي الصريمي، فقتل بَحير بن وقاء الذي قتل بكيرًا، طعنه بخنجر وهو جالس عند المهلب بن أبي صفرة فحمل إلى منزله وهو بآخر رمق، فبعث المهلب بصعصعة إليه، فلما تمكن منه بَحير بن وقاء قال ضعوا رأسه عند رجلي، فوضعوه ثم طعنه بحير بحربته حتى قتله ومات على إثره. وقد قال له أنس بن طلق (٤): اعف عنه فقد قتلت بكير بن وشاح، فقال: لا والله لا أموت وهذا حي ثم قتله. وقد قيل إنه إنما قتل بعد موته، فالله أعلم. فتنة ابن الأشعث قال أبو مخنف: كان ابتداؤها في هذه السنة، وقال الواقدي: في سنة ثنتين وثمانين، وقد ساقها ابن جرير (٥) في هذه السنة فوافقناه في ذلك، وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه وكان هو يفهم ذلك ويضمر له السوء وزوال الملك عنه، فلما أمَّره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم ذكره، وأمره بدخول بلاد رُتبيل [ملك الترك، فمضى] وصنع ما قدمنا ذكره من أخذه بعض البلاد، ثم رأيه لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل، فكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك ويستضعفه ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب، ويأمره حتمًا بدخول بلاد رُتبيل، ثم أردف ذلك بكتاب ثانٍ [ثم ثالثٍ مع البريد، وكتب في جملة ذلك يا بن الحائك الغادر المرتد، امض إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو وإلا حلّ بك ما لا يطاق. وكان الحجاج يبغض ابن

стр. 4302

الأشعث: ويقول هو أهوج أحمق حسود، وأبوه الذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه وقاتله، ودل عبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله، وجده الأشعث ارتد عن الإسلام وما رأيته قط إلا هممت بقتله، ولما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك وترادفت إليه البرد بذلك، غضب ابن الأشعث وقال: يكتب إليّ بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته؟ أما يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة - يعني أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج وجيشه فانهزموا منها وهي امرأة لما دخلت الكوفة - ثم إن ابن الأشعث جمع رؤوس أهل العراق وقال لهم: إن الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد، فانظروا في أمركم، أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأيًا رأيته بالأمس، ثم قام فيهم خطيبًا فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم، وطلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها، وأن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلدًا بلدًا إلى أن يحصروا رتُبيل ملك الترك في مدينة العظماء، ثم أعلمهم] (١) بما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة رُتبيل (٢). فثار إليه الناس وقالوا: لا بل نأبى على عدو الله الحجاج ولا نسمع له ولا نطيع. قال أبو مخنف (٣): فحدثني مطرف بن عامر بن وائلة (٤) الكناني أن أباه كان أول من تكلم في ذلك، وكان شاعرًا خطيبًا، وكان مما قال: إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء، ثم قال: اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج. فقال الناس من كل جانب: خلعنا عدو الله، ووثبوا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فبايعوه عوضًا عن الحجاج، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان، وبعث ابن الأشعث إلى رُتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رُتبيل أبدًا. ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلًا من سجستان إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق، فلما توسطوا الطريق قالوا: إن خَلْعَنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوهما وجددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين (٥)، فإذا قالوا نعم، بايعهم. فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك

стр. 4303

ويستعجله في بعثه الجنود إليه، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث، وكتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه، وبعث بكتابه إلى الحجاج، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له: إنك يا بن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل، أبْقِ على أمة محمد ﷺ ، انظر لنفسك فلا تهلكها، ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه من الناس، فلا تعرضها لله في سفك الدماء، أو استحلال محرم، والسلام عليك (١). وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شدة (٢) في أول مخرجهم، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم، وينبسطوا إلى نسائهم، ويشمُّوا أولادهم. ثم واقعهم عندها فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله. فلما قرأ الحجاج كتابه قال: فعل الله به وفعل، لا والله ما لي نظر ولكن لابن عمه نصح. ولما وصل البريد بكتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فأقرأه كتاب الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين إن كان هذا الحدث من قِبَل خراسان فخفه، وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه، ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج. وتجهيزه للخروج إلى ابن الأشعث، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه، وكان في شوره النصح والصدق، وجعلت كتبه لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحًا ومساء، أين نزل ومن أين ارتحل، وأي الناس إليه أسرع. وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب، حتى يقال إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومئة وعشرون ألف راجل، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث، فنزل تستر وقدَّم بين يديه مطهر بن حيي الكعبي (٣) أميًا على المقدمة، ومعه عبد الله بن رميث أميرًا آخر، فانتهو إلى دجيل فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمئة فارس عليها عبد الله بن أبان الحارثيّ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل، فهُزمت مقدمة الحجاج وقَتَل أصحاب ابن الأشعث منهم خلقًا كثيرًا نحو ألف وخمسمئة، واحتازوا ما في معسكرهم [من خيول وقماش وأموال]. وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه [وأخذه مادب ودرج] وهو يخطب فقال: أيها الناس ارجعوا إلى البصرة فإنه أرفق بالجند، فرجع بالناس وتبعهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذًا إلا قتلوه، ولا فاذًّا إلا أهلكوه، ومضى الحجاج هاربًا لا يلوي على شيء حتى أتى الزاوية فعسكر عندها وجعل يقول: لله درّ المهلّب أي صاحب حرب هذا، قد أشار علينا بالرأي ولكنا لم نقبل، وأنفق الحجاج على جيشه وهو بهذا الموضع مئة وخمسين ألف ألف درهم، وخندق حول جيشه خندفًا، وجاء أهل

стр. 4304

العراق فدخلوا البصرة واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم، ودخل ابن الأشعث البصرة فخطب الناس وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف، وقال لهم ابن الأشعث: ليس الحجاج بشيء، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك لنقاتله، ووافقه على خلعهما جميع مَنْ في البصرة من الفقهاء والقرّاء والشيوخ والشباب، ثم أمر ابن الأشعث بخندق حول البصرة فَعُمِل، وكان ذلك في أواخر ذي الحجة من هذه السنة سنة إحدى وثمانين. وحج بالناس فيها سليمان بن عبد الملك (١) فيما ذكره الواقدي وأبو معشر، والله أعلم. [وفيها غزا موسى بن نصير أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك بلاد المغرب فافتتح مدنًا كثيرة، وأراضي عامرة، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الرقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط، والله أعلم] (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: بَحير بن وِقاء الصُّريمي (٣) البصري أحد الأشراف بخراسان، والقواد وهو الذي حارب ابن خازم وقتله، وتولى قتل بكير بن وشاح ثم مات في هذه السنة. سويد بن غفلة (٤) بن عوسجة بن عامر، أبو أمية الجعفي [الكوفي، شهد اليرموك، وحدَّث عن جماعة من الصحابة]، وكان من كبار المخضرمين ويقال إنه رأى النبي ﷺ . وكان مولده عام ولد النبي (٥) ﷺ وصلى معه، والصحيح أنه لم يره، وقيل: إنه ولد بعده بسنتين (٦).

стр. 4305

وعاش مئة وعشرين سنة لم يُرَ يومًا محتبيًا ولا متساندًا، وافتض بكرًا عام وفاته في سنة إحدى وثمانين، قاله أبو عبيد وغير واحد. وقيل إنه توفي في سنة ثنتين وثمانين (١)، فالله أعلم. عبد الله بن شداد بن الهاد (٢) كان من العباد الزهاد، والعلماء، وله وصايا وكلمات حسان، وقد روى عدة أحاديث عن الصحابة وعن خلق من التابعين (٣). محمد بن علي بن أبي طالب (٤) أبو القاسم وأبو عبد الله أيضًا، وهو المعروف بابن الحنفية، وكانت سوداء سندية من سبي بني حنيفة اسمها خولة. ولد محمد في خلافة عمر بن الخطاب، ووفد على معاوية وعلى عبد الملك بن مروان. وكان صرَع مروان يوم الجمل وجلس على صدره وأراد قتله فناشده مروان بالله وتذلل له فأطلقه، فلما وفد على عبد الملك ذكّره بذلك فقال عفوًا يا أمير المؤمنين، فعفا عنه وأجزل له الجائز (٥). وكان محمد بن علي من سادات قريش، ومن الشجعان المشهورين، [ومن الأقوياء المذكورين]، ولما بويع لابن الزبير لم يبايعه، فجرى بينهما شر عظيم حتى همّ ابن الزبير به وبأهله كما تقدم ذلك، فلما قتل ابن الزبير واستقر أمر عبد الملك وبايعه عبد الله بن عمر تابعه ابن الحنفية، وقدم المدينة فمات بها في هذه السنة وقيل في التي قبلها أو في التي بعدها، ودفن بالبقيع. والرافضة يزعمون أنه بجبل رضوى (٦)، وأنه حي يرزق، وهم ينتظرونه، وقد قال كُثَيِّر عَزَّة في ذلك [من الوافر] ألا إنّ الأئمة من قريشٍ … ولاة الحقِّ أربعةٌ سَواءُ عليٌّ والثلاثةُ منْ بَنيهِ … همُ الأسباط ليس بهم خَفاءُ

стр. 4306

فسبطٌ سبطُ إيمانٍ وبرٍّ … وسبطٌ غيَّبتهُ كربلاءُ وسبطٌ لا تراه العينُ حتى … تعودَ الخيلُ يقدُمُها لواءُ تغيب لا يرى عنهم زمانًا … برضوى عنده عسل وماء (١) ولما هم ابن الزبير بابن الحنفية فكتب إلى شيعتهم بالكوفة مع أبي الطفيل واثلة بن الأسقع (٢) وعليها المختار بن أبي عبيد - وقد كان ابن الزبير جمع لهم حطبًا كثيرًا على أبوابهم ليحرقهم بالنار - فلما وصل كتاب ابن الحنفية إلى المختار، وقد كان يدعو إليه ويسميه المهدي، فبعث أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فاستنقذوا بني هاشم من يدي ابن الزبير، وخرج معهم ابن عباس فمات بالطائف وبقي ابن الحنفية في شيعتهم. [فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه وكانوا نحو سبعة آلاف، فلما وصل إلى أيلة (٣) كتب إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي، فكتب إليه ابن الحنفية: أبايعك على أن تؤمِّن أصحابي، قال: نعم، فقام ابن الحنفية في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده محفوظًا فليفعل، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتى بقي في سبعمئة (٤) رجل، فأحرم بعمرة وقلد هديًا وسار نحو مكة، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلًا فمنعه أن يدخل، فأرسل إليه: إنا لم نأت لحرب ولا لقتال، دعنا ندخل حتى نقضي نسكنا ثم نخرج عنك، فأبى عليه وكان معه بدن قد قلَّدها فرجع إلى المدينة فأقام بها محرمًا حتى قدم الحجاج وقتل ابن الزبير، فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرمًا، فلما سار الحجاج إلى العراق مضى ابن الحنفية إلى مكة وقضى نسكه وذلك بعد عدة سنين، وكان القمل يتناثر منه في تلك المدة كلها، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات. وقيل: إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية: قد قتل عدو الله فبايع، فكتب إليه إذا بايع الناس كلهم بايعت، فقال الحجاج: والله لأقتلنك، فقال ابن الحنفية: إن لله في كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، في كل نظرة ثلاثمئة وستون قضية، فلعل الله تعالى أن يجعلني في قضية منها فيكفينيك؛ فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله وكتب إليه قد عرفنا أن محمدًا ليس عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك ويبايعك، وكتب عبد الملك بكلامه ذلك - إن لله ثلاثمئة وستين نظرة - إلى ملك الروم، وذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد، فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم: إن هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك، وإنما خرج

стр. 4307

من بيت نبوة، ولما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع، فكتب بيعته إلى عبد الملك ووفد عليه بعد ذلك. توفي ابن الحنفية في المحرم بالمدينة وعمره خمس وستون سنة، وكان له من الولد عبد الله وحمزة وعلي وجعفر الأكبر والحسن وإبراهيم والقاسم وعبد الرحمن وجعفر الأصغر وعون ورُقية، وكلهم لأمهات شتى] (١). وقال الزبير بن بكار: كانت شيعته تزعم أنه لم يمت وفيه يقول السيد (٢): ألا قلْ للوصيِّ فدتْكَ نفسي … أطلتَ بذلكَ الجبلِ المُقاما أضرَّ بمعشير والَوكَ منّا … وسمَّوك الخليفَةَ والإماما وعادوا فيكَ أَهلَ الأرضِ طرًّا … مُقامكَ عَنْهمُ ستينَ عاما (٣) وما ذاقَ ابنُ خولةَ طعمَ موتٍ … ولا وارتْ لهُ أرضٌ عظاما لقدْ أمسى بمورقِ شعبِ رضوى … تراجعُهُ الملائكةُ الكلاما وإنَّ لهَ بهِ لمقيلَ صدقٍ … وأنديةً تحدِّثُهُ كراما هدانا الله إذ حزتم (٤) لأمْرٍ … بهِ وعليهِ يلتمسُ التَّماما تمامَ مودَّةِ (٥) المهديّ حتى … تروا راياتِنا (٦) تَتْرى نِظامًا (٧) وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم محمد بن الحسن العسكري (٨)، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وبهتانهم (٩)، وسنزيد ذلك وضوحًا في موضعه إن شاء الله، والله أعلم.

стр. 4308

ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية (١) بين ابن الأشعث والحجاج في أواخره، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم تواقعوا يومًا آخر فيه فحمل سفيان بن الأبرد أحد أمراء أهل الشام على ميمنة ابن الأشعث فهزمها وقتل خلقًا كثيرًا من القرّاء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم، وخَرَّ الحجاج لله ساجدًا بعدما كان جثى على ركبتيه وسلَّ شيئًا من سيفه وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول: ما كان أكرمه حتى صبَّر نفسه للقتل، وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث الطفيل بن عامر بن واثلة (٢) الليثي، ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن العباس (٣) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل الحجاج خمس ليالي أشد القتال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البصرة، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ودخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان. وتفاقم الأمر وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك، واشتد الحال، وتفرقت الكلمة جدًّا وعظم الخطب، واتسع الخرق على الراقع. قال الواقدي: ولما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء - وكان عليهم جَبَلة بن زَحْر -: أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك. وقال الشعبي: قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة، ثم حملت القراء - وهم العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فيهم ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جَبَلة بن زَحْر صريعًا، فهدّهم ذلك فناداهم جيش الحجاج: يا أعداء الله قد قتلنا طاغيتكم، ثم حمل سفيان بن الأبرد وهو على خيل الحجاج على ميسرة ابن الأشعث وعليها الأبرد بن مرّة (٤) التميمي، فانهزموا ولم يقاتلوا كثير قتال، فأنكر الناس منهم ذلك. وكان أمير ميسرة ابن الأشعث الأبرد شجاعًا لا يفر، وظنوا أنه قد خامر، فنقضت الصفوف وركب الناس بعضهم بعضًا، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى

стр. 4309

ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة فبايعه أهلها، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة. وقعة دير الجماجم (١) قال الواقدي: وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج اليه أهلها فتلقوه وحَفّوا به ودخلوا بين يديه، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج فلم يمكِّنهم من ذلك، فعدلوا الى القصر، فلما وصل ابن الأشعث الى الكوفة أمر بالسلالم فنصبت على قصر الإمارة فأخذه واستنزل مطر بن ناجية وأراد قتله فقال له: استبقني فإني خير من فرسانك (٢)، فحبسه ثم استدعاه فأطلقه وبايعه واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة وانضم اليه من جاء من أهل البصرة، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب، وأمر بالمسالح من كل جانب، وحفظت الثغور والطرف والمسالك. وركب الحجاج فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين القادسية والعذيب وبعث اليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصْرَيْن فمنعوا الحجاج من نزول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم، ومعه جنود كثيرة، وفيهم القراء من المصرَيْن وخلق من الصالحين، وكان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة، ونزل هو بدير الجماجم. وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، وجاءت الحجاج أمداد كثيرة من الشام من عند أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وخندف كلٌّ من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقًا يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالًا شديدًا في كل يوم، حتى أصيب من رؤوس الناس خلق من قريش وغيرهم، واستمر هذا الحال مدة طويلة، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومعهما جنود كثيرة جدًّا، وكتب معهما كتابًا إلى أهل العراف يقول لهم: إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، وبعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرًا ما عاش وعشت، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان، وقال في عهده هذا: فإن لم تجب أهل العراف إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه وإليه إمرة الحرب، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب وغيره.

стр. 4310

ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدًّا وعظم شأن هذا الرأي عنده، وكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلًا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان؟ فلما سألهم ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يُفْلَح (١) خار (٢) الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك. قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب، وكتب إلى جنده فعرض ذلك على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد فنادى عبد الله: يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وأنه يعرض عليكم كيت وكيت، فذكر [ما كتب به أبوه معه إليهم من] هذه الخصال. وقال محمد بن مروان: وأنا رسول [أخي] أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا: ننظر في أمرنا غدًا ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا فاجتمع جميع الأمراء الى ابن الأشعث فقام فيهم خطيبًا وندبهم الى قبول ما عرضوا عليهم من عزل الحجاج عنهم وبيعة عبد الملك بن مروان وإبقاء الأعطيات وإمرة محمد بن مروان على العراق [بدل الحجاج]، فنفر الناس من كل جانب وقالوا: لا والله لا نقبل ذلك، نحن أكثر عَدَدًا وعُدَدًا، وهم في ضيق من الحال وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب الى ذلك أبدًا. ثم جددوا خلع عبد الملك ونائبه ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم. فرجع عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان فقالا للحجاج: شأنك بهم إذًا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة ويسلِّم هو أيضًا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي (٣)، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللّخمي، وعلى الخيل: سفيان بن الأبرد وعلى الرجالة: عبد الرحمن بن حبيب (٤) الحكمي. وجعل ابن الأشعث على ميمنته: الحجاج بن جارية الخَثْعمي (٥)، وعلى الميسرة: الأبرد بن قرّة التميمي، وعلى الخيالة: عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة، وعلى الرجَّالة: محمد بن سعد بن
следующие страницы →