← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

فسبطٌ سبطُ إيمانٍ وبرٍّ … وسبطٌ غيَّبتهُ كربلاءُ وسبطٌ لا تراه العينُ حتى … تعودَ الخيلُ يقدُمُها لواءُ تغيب لا يرى عنهم زمانًا … برضوى عنده عسل وماء (١) ولما هم ابن الزبير بابن الحنفية فكتب إلى شيعتهم بالكوفة مع أبي الطفيل واثلة بن الأسقع (٢) وعليها المختار بن أبي عبيد - وقد كان ابن الزبير جمع لهم حطبًا كثيرًا على أبوابهم ليحرقهم بالنار - فلما وصل كتاب ابن الحنفية إلى المختار، وقد كان يدعو إليه ويسميه المهدي، فبعث أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فاستنقذوا بني هاشم من يدي ابن الزبير، وخرج معهم ابن عباس فمات بالطائف وبقي ابن الحنفية في شيعتهم. [فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه وكانوا نحو سبعة آلاف، فلما وصل إلى أيلة (٣) كتب إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي، فكتب إليه ابن الحنفية: أبايعك على أن تؤمِّن أصحابي، قال: نعم، فقام ابن الحنفية في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده محفوظًا فليفعل، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتى بقي في سبعمئة (٤) رجل، فأحرم بعمرة وقلد هديًا وسار نحو مكة، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلًا فمنعه أن يدخل، فأرسل إليه: إنا لم نأت لحرب ولا لقتال، دعنا ندخل حتى نقضي نسكنا ثم نخرج عنك، فأبى عليه وكان معه بدن قد قلَّدها فرجع إلى المدينة فأقام بها محرمًا حتى قدم الحجاج وقتل ابن الزبير، فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرمًا، فلما سار الحجاج إلى العراق مضى ابن الحنفية إلى مكة وقضى نسكه وذلك بعد عدة سنين، وكان القمل يتناثر منه في تلك المدة كلها، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات. وقيل: إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية: قد قتل عدو الله فبايع، فكتب إليه إذا بايع الناس كلهم بايعت، فقال الحجاج: والله لأقتلنك، فقال ابن الحنفية: إن لله في كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، في كل نظرة ثلاثمئة وستون قضية، فلعل الله تعالى أن يجعلني في قضية منها فيكفينيك؛ فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله وكتب إليه قد عرفنا أن محمدًا ليس عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك ويبايعك، وكتب عبد الملك بكلامه ذلك - إن لله ثلاثمئة وستين نظرة - إلى ملك الروم، وذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد، فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم: إن هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك، وإنما خرج

стр. 4307

من بيت نبوة، ولما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع، فكتب بيعته إلى عبد الملك ووفد عليه بعد ذلك. توفي ابن الحنفية في المحرم بالمدينة وعمره خمس وستون سنة، وكان له من الولد عبد الله وحمزة وعلي وجعفر الأكبر والحسن وإبراهيم والقاسم وعبد الرحمن وجعفر الأصغر وعون ورُقية، وكلهم لأمهات شتى] (١). وقال الزبير بن بكار: كانت شيعته تزعم أنه لم يمت وفيه يقول السيد (٢): ألا قلْ للوصيِّ فدتْكَ نفسي … أطلتَ بذلكَ الجبلِ المُقاما أضرَّ بمعشير والَوكَ منّا … وسمَّوك الخليفَةَ والإماما وعادوا فيكَ أَهلَ الأرضِ طرًّا … مُقامكَ عَنْهمُ ستينَ عاما (٣) وما ذاقَ ابنُ خولةَ طعمَ موتٍ … ولا وارتْ لهُ أرضٌ عظاما لقدْ أمسى بمورقِ شعبِ رضوى … تراجعُهُ الملائكةُ الكلاما وإنَّ لهَ بهِ لمقيلَ صدقٍ … وأنديةً تحدِّثُهُ كراما هدانا الله إذ حزتم (٤) لأمْرٍ … بهِ وعليهِ يلتمسُ التَّماما تمامَ مودَّةِ (٥) المهديّ حتى … تروا راياتِنا (٦) تَتْرى نِظامًا (٧) وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم محمد بن الحسن العسكري (٨)، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وبهتانهم (٩)، وسنزيد ذلك وضوحًا في موضعه إن شاء الله، والله أعلم.

стр. 4308

ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية (١) بين ابن الأشعث والحجاج في أواخره، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم تواقعوا يومًا آخر فيه فحمل سفيان بن الأبرد أحد أمراء أهل الشام على ميمنة ابن الأشعث فهزمها وقتل خلقًا كثيرًا من القرّاء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم، وخَرَّ الحجاج لله ساجدًا بعدما كان جثى على ركبتيه وسلَّ شيئًا من سيفه وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول: ما كان أكرمه حتى صبَّر نفسه للقتل، وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث الطفيل بن عامر بن واثلة (٢) الليثي، ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن العباس (٣) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل الحجاج خمس ليالي أشد القتال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البصرة، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ودخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان. وتفاقم الأمر وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك، واشتد الحال، وتفرقت الكلمة جدًّا وعظم الخطب، واتسع الخرق على الراقع. قال الواقدي: ولما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء - وكان عليهم جَبَلة بن زَحْر -: أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم فقاتلوا عن دينكم ودنياكم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك. وقال الشعبي: قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة، ثم حملت القراء - وهم العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فيهم ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جَبَلة بن زَحْر صريعًا، فهدّهم ذلك فناداهم جيش الحجاج: يا أعداء الله قد قتلنا طاغيتكم، ثم حمل سفيان بن الأبرد وهو على خيل الحجاج على ميسرة ابن الأشعث وعليها الأبرد بن مرّة (٤) التميمي، فانهزموا ولم يقاتلوا كثير قتال، فأنكر الناس منهم ذلك. وكان أمير ميسرة ابن الأشعث الأبرد شجاعًا لا يفر، وظنوا أنه قد خامر، فنقضت الصفوف وركب الناس بعضهم بعضًا، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى

стр. 4309

ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة فبايعه أهلها، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة. وقعة دير الجماجم (١) قال الواقدي: وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج اليه أهلها فتلقوه وحَفّوا به ودخلوا بين يديه، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج فلم يمكِّنهم من ذلك، فعدلوا الى القصر، فلما وصل ابن الأشعث الى الكوفة أمر بالسلالم فنصبت على قصر الإمارة فأخذه واستنزل مطر بن ناجية وأراد قتله فقال له: استبقني فإني خير من فرسانك (٢)، فحبسه ثم استدعاه فأطلقه وبايعه واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة وانضم اليه من جاء من أهل البصرة، وكان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب، وأمر بالمسالح من كل جانب، وحفظت الثغور والطرف والمسالك. وركب الحجاج فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين القادسية والعذيب وبعث اليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصْرَيْن فمنعوا الحجاج من نزول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم، ومعه جنود كثيرة، وفيهم القراء من المصرَيْن وخلق من الصالحين، وكان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قرة، ونزل هو بدير الجماجم. وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، وجاءت الحجاج أمداد كثيرة من الشام من عند أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وخندف كلٌّ من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقًا يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالًا شديدًا في كل يوم، حتى أصيب من رؤوس الناس خلق من قريش وغيرهم، واستمر هذا الحال مدة طويلة، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومعهما جنود كثيرة جدًّا، وكتب معهما كتابًا إلى أهل العراف يقول لهم: إن كان يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، وبعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرًا ما عاش وعشت، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان، وقال في عهده هذا: فإن لم تجب أهل العراف إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه وإليه إمرة الحرب، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب وغيره.

стр. 4310

ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدًّا وعظم شأن هذا الرأي عنده، وكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلًا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان؟ فلما سألهم ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يُفْلَح (١) خار (٢) الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك. قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب، وكتب إلى جنده فعرض ذلك على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد فنادى عبد الله: يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وأنه يعرض عليكم كيت وكيت، فذكر [ما كتب به أبوه معه إليهم من] هذه الخصال. وقال محمد بن مروان: وأنا رسول [أخي] أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا: ننظر في أمرنا غدًا ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا فاجتمع جميع الأمراء الى ابن الأشعث فقام فيهم خطيبًا وندبهم الى قبول ما عرضوا عليهم من عزل الحجاج عنهم وبيعة عبد الملك بن مروان وإبقاء الأعطيات وإمرة محمد بن مروان على العراق [بدل الحجاج]، فنفر الناس من كل جانب وقالوا: لا والله لا نقبل ذلك، نحن أكثر عَدَدًا وعُدَدًا، وهم في ضيق من الحال وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب الى ذلك أبدًا. ثم جددوا خلع عبد الملك ونائبه ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم. فرجع عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان فقالا للحجاج: شأنك بهم إذًا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة ويسلِّم هو أيضًا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي (٣)، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللّخمي، وعلى الخيل: سفيان بن الأبرد وعلى الرجالة: عبد الرحمن بن حبيب (٤) الحكمي. وجعل ابن الأشعث على ميمنته: الحجاج بن جارية الخَثْعمي (٥)، وعلى الميسرة: الأبرد بن قرّة التميمي، وعلى الخيالة: عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة، وعلى الرجَّالة: محمد بن سعد بن

стр. 4311

أبي وقاص الزُّهري، وعلى القراء: جَبَلة بن زحر بن قيس الجعفيّ، وكان فيهم سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكُميل بن زياد - وكان شجاعًا فاتكًا على كبر سنه - وأبو البختري الطائي وغيرهم، وجعلوا يقتتلون في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم، من العلف والطعام، وأما أهل الشام الذين كانوا مع الحجاج فهم في أضيق حال من العيش وقلة من الطعام وقد فقدوا اللّحم بالكلية فلا يجدونه، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم أو يوم بعد يوم، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام. [وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم واستقتلوا وكانوا من أصحاب ابن الأشعث] (١). وفي هذه السنة كانت وفاة: المهلب بن أبي صفرة (٢) [وهو ظالم، أبو سعيد الأزدي، أحد أشراف أهل البصرة، ووجوههم، ودهاتهم، وأجوادهم، وكرمائهم، ولد عام الفتح، وكانوا ينزلون فيما بين عُمان والبحرين، وقد ارتد قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم، وبعث بهم إلى الصدِّيق وفيهم أبو صفرة وابنه المهلّب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين، وولي الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين، ثم ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف وثمانمئة (٣)، فعظمت منزلته عند الحجاج. وكان فاضلًا شجاعًا كريمًا يحب المدح، وله كلام حسن، فمنه: نعم الخصْلة السّخاء تستر عورة الشريف، وتمحق خسيسة الوضيع، وتحبِّب المزهود فيه. وقال: يعجبني في الرجل خصلتان أن أرى عقله زائدًا على لسانه، ولا أرى لسانه زائدًا على عقله (٤). توفي المهلب غازيًا بمرو الروذ وعمره ست وسبعون سنة ﵀. وكان له عشرة من الولد وهم: يزيد، وزياد، والمفضل، ومدرك، وحبيب، والمغيرة، وقبيصة، ومحمد، وهند، وفاطمة. توفي المهلب في ذي الحجة منها، وكان من الشجعان المشهورين والأبطال المذكورين وله مواقف حميدة، وغزوات مشهودة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج وأصناف الكفرة، وقد أوصى عند موته

стр. 4312

بكلمات تشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، ومعالي الهمم (١)، وجعل الأمر من بعده لولده يزيد بن المهلب على إمرة خراسان فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان. وفي جمادى الآخرة منها عزل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عن إمرة المدينة أبان بن عثمان، وولى عليها هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يومًا، وكان على إمرة بلاد المشرق بكماله الحجاج بن يوسف، والنواب في الأقاليم من تحت يده، وهو مشغول عن تدبير الممالك بحرب ابن الأشعث في هذه المدة كلها. قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان الذي كان نائب المدينة (٢). أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي (٣)، وكان جوادًا ممدحًا، حكى أنه رأى يومًا شابًا على باب داره جالسًا فسأله عن قعوده على بابه فقال: حاجة لا أستطيع ذكرها، فألح عليه فقال: جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها وقد خطفت قلبي معها، فأخذ بيده وأدخله داره وعرض عليه كل جارية عنده حتى مرت تلك الجارية فقال: هذه، فقال له: اخرج فاجلس على الباب مكانك، فخرج الشاب فجلس مكانه، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه قد ألبسها أنواع الحليِّ، وقال له: ما منعني أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختي، وكانت ضنينة بها، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف، وألبستها هذا الحليّ، فهي لك بما عليها، فأخذها الشاب وانصرف. المغيرة بن المهلَّب (٤) بن أبي صفرة، كان جوادًا ممدحًا شجاعًا، له مواقف مشهورة. الحارت بن عبد الله (٥) بن ربيعة المخزومي المعروف بقُباع، ولي إمرة البصرة لابن الزبير. محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة (٦) كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم، توفي بالمدينة ودفن بالبقيع.

стр. 4313

عبد الله بن أبي طلحة بن أبي الأسود (١)، والد الفقيه إسحاق حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها فأصبح أبو طلحة فأخبر النبي ﷺ ، فقال ﷺ : "عرَّستم بارك الله لكما في ليلتكما" (٢). ولما ولد حنكه بتمرات. عبد الله بن كعب بن مالك (٣)، كان قائد كعب حين عمي، له روايات، توفي بالمدينة هذه السنة. عفان بن وهب (٤)، أبو أيمن الخولاني المصري له صحبة ورواية، وغزا المغرب، وسكن مصر وبها مات (٥). وفيها توفي: جميل بن عبد الله (٦) بن معمر بن صُباح (٧) بن ظَبيان بن حُنّ (٨) بن ربيعة بن حرام بن ضِنَّة (٩) بن عبد بن كثير بن عُذرة بن سعد هذيم (١٠) بن زيد بن ليث بن سُود (١١) بن أسلم بن الحافي بن قضاعة. أبو عمرو الشاعر صاحب بثينة (١٢)، كان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل فيها واشتهر بها، وكان أحد عشاق

стр. 4314

العرب، كانت إقامته بوادي القرى وما حوله (١)، وكان عفيفًا صيِّنًا ديِّنًا شاعرًا باسلًا، من أفصح الشعراء في زمانه، وكان كُثيِّر عرة راويته، وهو يروي عن هدبة بن خَشْرَم، عن الحطيئة، عن زهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، قال كُثيِّر عزَّة: كان جميل أشعر العرب حيث يقول: وخبَّر تماني (٢) أنّ تيماء منزلٌ … لليلى إذا ما الصيفُ ألقى المراسيا فهذي شهورُ الصيفِ عنَّا قَدِ انقضتْ … فما للنوى يرمي بنيل المراميا (٣) ومنها قوله: وما زلتم (٤) يا بثن حتى لو انني … من الشوقِ أستبكي الحمامَ بكى ليا وما زادني الواشونَ إلا صبابةً … ولا كثرةُ الناهينَ إلا تماديا وما أحدثَ النأيُ المفرقُ بيننا … سلوًّا ولا طولُ الليالي (٥) تقاليا ألم تعلمي يا عذبة الريقِ أنني … أظل إذا لم ألقَ وجهك صاديا لقد خفت أن ألقى المنيةَ بغتةً … وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا ورد له القاضي ابن خلكان في "الوفيات" (٦) قوله: إني لأحفظ سرَّكم ويسُرّني … لو تعلمينَ (٧) بصالحٍ أنْ تُذكري ويكون يومٌ لا أرى لك مُرْسلًا … أو نلتقي فيه عليَّ كأشهرِ يا ليتني ألقى المنية بغتة … إن كان يوم لقائكم لم يُقْدَرِ يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت … يتبع صداي صداكِ بين الأقبرِ إني إليكِ بما وعدتِ لناظر … نظر الفقير إلى الغنيِّ المكثر (٨) ما أنتِ والوعدُ الذي تعدينني … إلّا كبرقِ سحابةٍ لم تمطرِ وقوله: ورُوي لعمر بن أبي ربيعة فيما نقله ابن عساكر (٩):

стр. 4315

ما زلتُ أبغي الحيَّ أتبعُ فلّهمْ … حتى دُفعتُ إلى ربيبةِ هودج فدنوتُ مختفيًا (١) ألمُّ ببيتها … حتى ولجتُ إلى خفيِّ المولجِ (٢) قالتْ: وعيشِ أخي ونعمةُ والدي … لأنبهنَّ الحيَّ إنْ لمْ تخرجِ (٣) فتناولتْ رأسي لتعرف مسهُ … بمخضّبِ الأطرافِ غيرِ مشنجِ فخرجتُ خيفة أهلها (٤) فتبسمتْ … فعلمتُ أنَّ يمينها لم تلجج فلثمثُ فاها آخذًا بقرونها … شرب النَّزيف ببرد ماء الحشرج (٥) قال كُثيِّر عزة: لقيني جميل بثينة فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند هذه الحبيبة، فقال وإلى أين؟ فقلت: وإلى هذه الحبيبة - يعني عزَّة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي فإن لي من أول الصيف ما رأيتها، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى (٦)، وهي تغسل هي وأمها ثوبًا فتحادثنا إلى الغروب، قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم. فقال أبو بثينة: ما ردك يا بن أخي؟ فقلت: أبيات قلتها فرجعت لأعرضها عليك. فقال: وما هي؟ فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الحجاب: ففلتُ لها يا عَزَّ أُرْسِلُ صاحبي … إليكِ رسولًا والرسولُ موكلٌ (٧) بأنْ تجعلي بيني وبينكِ موعدًا … وأن تأمريني ما الذي فيهِ أفعلُ وآخرُ عهدي منكِ يومَ لقيتني … بأسفلِ وادي الدومِ والثوبُ يغسلُ قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: اخسأ اخسأ، فقال لها أبوها؛ مهيم يا بثينة؟ فقالت كلب يأتينا إذا نوَّم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطبًا لنذبح لكثيِّر شاة ونشويها له، فقال كثيِّر: أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره، فقال جميل: الموعد الدومات (٨). فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الذي واعدته إليه، وأقبل جميل وكنت معهم فما رأيت ليلة أعجب منها ولا أحسن منادمات، وانفض ذلك المجلس وما أدري أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه. وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له: ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزنِ قط، ولم يسرلتى ولم يقتل النفس وهو يشهد أن لا إله إلا الله؟

стр. 4316

قال: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت: لله ما أظنك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة، ببثينة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى مات. قلت: كانت وفاته بمصر لأنه كان قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال: شديدًا، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين ﵀ آمين (١). وقد ذكر الأصمعي: عن رجل أن جميلًا قال له: هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة ولك ما عندي؟ قال: نعم! قال: إذا أنا متّ فاركب ناقتي والبس حلتي هذه وأمره أن يقول أبياتًا منها قوله: قومي بُثَيْنةُ فاندُبي بِعَويلِ … وابكي خَليلًا دونَ كُلِّ خَليلِ فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدر سرى في جنة وهي تتثنى في مِرْطها فقالت له: ويحك إن كنت صادقًا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبًا فقد فضحتني. فقلت: بلى والله صادق [وهذه حلته وناقته] فلما تحققت ذلك صاحت بأعلى صوتها، وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي إليها يبكين معها، ثم صعقت مغشيًا عليها، ثم أفاقت وهي تقول: وإن سُلُوِّي عن جميل لساعةٌ … من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر … إذا مت بأساء الحياة ولينها (٢) قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيًا ولا باكية من يومئذ. وروى الحافظ ابن عساكر (٣) عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟ فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن من الشعر حكمة" (٤). عمر بن عبيد الله (٥) بن معمر بن عثمان، أبو حفص القرشي، التميمي، أحد الأجواد والأمراء الأمجاد، فتحت على يديه بلدان كثيرة، وكان نائبًا لابن الزبير على البصرة.

стр. 4317

روى عن: ابن عمر وجابر وغيرهما. وعنه عطاء بن أبي رباح، وابن عون. ووفد على عبد الملك فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين. قاله المدائني. وحكى أن رجلًا اشترى جارية [كانت تحسن القرآن والشعر وغيره؛ فأحبها حبًا شديدًا، وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ولم يبق له شيء سوى هذه الجارية، فقالت له الجارية: قد أرى ما بك من قلَّة الشيء. فلو بعتني وانتفعت بثمني صَلحَ حالك، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمئة ألف درهم، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي] (١): هنيئًا لكَ المالُ الذي قدْ أخذتهُ … ولم يبقَ في كفيَّ إلّا تفكُّري أقولُ لنفسي وهيَ في كربِ غَشْيةٍ (٢) … أقِلّي فقدْ بانَ الخليطُ أو اكثري إذا لم يكنْ في الأمرِ عندكِ حيلةٌ … ولمْ تجدي بُدًّا منَ الصبرِ فاصبري فأجابها سيدها فقال: ولولا قعود الدهرِ بي عنكِ لم يكنْ … لفرقتنا شيءٌ سوى الموتِ فاصبري أأوبُ بحزنٍ من فراقكِ موجع … أناجي بهِ قلبًا طويلَ التذكّرِ عليكِ سلامٌ لا زيارةَ بيننا … ولا وصلَ إلّا أنْ يشاءَ ابنُ معمرِ [فلما سمعها ابن معمر قد شببت قال: والله لا فرَّقت بين محبين أبدًا، ثم أعطاه المال - وهو مئة ألف - والجارية لما رأى من توجُّعهما على فراق كل منهما صاحبه، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق. توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، ومشى في جنازته وحضر دفنه وأثنى عليه بعد موته. وكان له من الولد طلحة وهو من سادات قريش تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار، فأولدها إبراهيم ورملة، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس على صداق مئة ألف دينار ﵏] (٣).

стр. 4318

كُمَيل بن زياد (١) بن نهيك بن الهيثم (٢) النخعي الكوفي. روى عن: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة (٣). وشهد مع علي صفين وما بعدها، وكان شجاعًا فاتكًا، وزاهدً عابدًا، قتله الحجاج في هذه السنة. [وقد عاش مئة سنة قتله صبرًا بين يديه: وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه. فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج: أوَ مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟ ثم أمر فضربت عنقه، قالوا: وذكر الحجاج عليًا في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كُميل، فقال له الحجاج: والله لأبعثن إليك من يبغض عليًا أكثر مما تحبه أنت، فأرسل إليه ابن أدهم، وكان من أهل حمص، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه (٤). وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين، وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله: القلوب أوعية فخيرها أوعاها. وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضي الله عن قائله] (٥). زاذان أبو عمر الكندي (٦) أحد التابعين كان أولًا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق (٧)، وخثية شديدة، حتى كان إذا قام في الصلاة كأنه خشبة. وقال مرة: إني جائع، فنزل عليه من الرَّوزنة رغيف مثل الرّحا. وهو ثقة عند ابن معين وغيره.

стр. 4319

قال خليفة (١): توفي سنة ثنتين وثمانين. قال خليفة: وفيها توفي زر بن حبيش (٢) أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة، وقد أتت عليه مئة وعشرون سنة. وقال أبو عبيد: مات سنة إحدى وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة (٣). شقيق بن سلمة (٤)، أبو وائل، وقد أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين، وأسلم في حياة النبي ﷺ . أم الدرداء الصغرى (٥)، اسمها هجيمة ويقال جهيمة، تابعية، عابدة، عالمة، فقيهة، كان الرجال يقرؤون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة ﵏. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين استهلت هذه السنة والناس متواقفون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم، والمبارزة في كل يوم [بينهم واقعة]، وفي غالب الأيام تكون الدائرة لأهل العراق على أهل الشام [حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعًا وثمانين مرة ينتصرون عليهم] (٦) ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر مصابر لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القرّاء، لأن الناس كانوا تبعًا لهم، وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم، فصبر القزاء لحملة جيشه، وما انفك حتى قتل

стр. 4320

منهم خلقًا كثيرًا، ثم حمل على جيش ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فلّ قليل من الناس، فأتبعه الحجاج جيشًا كثيفًا مع عمارة بن تميمٍ (١) اللّخمي ومعه محمد بن الحجاج والإمرة لعمارة، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم يظفرون بهم قتلًا أو أسرًا، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق، وهم في أثره حتى وصل إلى كرمان، واتبعه الشاميون فنزلوا يومًا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبي جلدة (٢) اليشكري يقول: أيا لَهَفًا ويا حُزنًا جميعًا … ويا حَرّ الفُؤادِ لِمَا لَقِينا تركنا الدينَ والدنيا جميعًا … وأسلمنا الحلائلَ والبَنينا فما كنا أناسًا أهلَ دنيا … فنمنعها ولو لمْ نرجُ دِينا (٣) تركنا دُوْرَنا لطغامِ عكٍّ … وأنباطِ القُرى والأشعَرينا ثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رُتبيل ملك الترك، فأكرمه رتبيل وأنزله عنده وأمنه وعظمه. [قال الواقدي: ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل (٤) له في بعض المدن كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق، فأكرمه ذلك العامل وأهدى إليه هدايا وأنزله، فعل ذلك خديعة به ومكرًا، وقال له: ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ولكن لا تدع أحدًا ممن معك يدخل المدينة، فأجابه إلى ذلك، وإنما أراد المكر به، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم، فتفرق عنه أصحابه، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه وأوثقه بالحديد وأراد أن يتخذ به يدًا عند الحجاج، وقد كان الملك رُتبيل سُرَّ بقدوم ابن الأشعث، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست، سار حتى أحاط ببست، وأرسل إلى عاملها يقول له: والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك وأقتل جميع من في بلدك، فخافه ذلك العامل وسَيَّر إليه ابن الأشعث فأكرمه رُتبيل، فقال ابن الأشعث لرتبيل: إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي، فغدر بي وفعل ما رأيت، فأذن لي في قتله،

стр. 4321

فقال: قد أمنته (١)] (٢) وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة (٣) بن الحارث بن عبد المطلب، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رُتبيل، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفًا - فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رُتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر النعار (٤) وإخوته وقرابته، واستحوذوا على ما فيها من الأموال، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث: أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك، ونأخذ بلاد خراسان، فإن بها جندًا عظيمًا منا، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك، فنرى بعد ذلك رأينا. فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلًا إلى نحو خراسان فانخذل عنه شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة، فقام فيهم ابن الأشعث خطيبًا فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب، وقال: لا حاجة لي بكم، وأنا ذاهب إلى صاحبي رُتبيل فأكون عنده. ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم وبقي معظم الجيش. فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة (٣) بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، وكتب إلى عبد الرحمن بن عباس يقول له: إن في البلاد متسعًا فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان، فإني أكره قتالك، وإن كنت تريد مالًا بعثت إليك. فقال له: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت. ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كورخراسان، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عباس، وقتل يزيد منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم أسرى كثيرة، واحتاز ما في معسكرهم، وبعث بالأسارى وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى الحجاج، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب: أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني، فأطلقه. قال أبو جعفر بن جرير (٥): ولهذا الكلام خبر فيه طول، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس: من رجع

стр. 4322

فهو آمن ومن لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو آمن، فلحق به خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم الحجّاج، ومن لم يلحق به شرع في تتبعه، فقتل منهم خلقًا كثيرًا حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي تفصيله والله المستعان. وكان الشعبي من جملة من صار إلى قتيبة بن مسلم فذكره الحجاج يومًا فقيل له: إنه صار إلى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: أن ابعث لي بالشَّعبي. قال الشعبي: فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق [كائنًا في ذلك ما كان] قد والله تمردنا عليك، وخرجنا وجهدنا كل الجهد فما ألونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، وما جزَت إليك أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد، فالحجة لك علينا. فقال الحجاج: أنت والله يا شعبي أحب إليّ قولًا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلتُ ولا شهدتُ، قد أمنت عندنا يا شَعبي. قال: فانصرفت فلما مشيت قليلًا قال: هلمَّا شعبي، قال: فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت لحوله قد أمنت يا شعبي فاطمأنت نفسي، فقال: كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي؟ - قال: وكان لي مكرمًا [قبل الخروج عليه -] فقلت: أصلح الله الأمير، قد اكتحلتُ بعدك السَّهرَ، واستوعرت الجناب (١)، واستحلَسْتُ الخوف (٢)، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا. قال: انصرف يا شعبي، فانصرفت. ذكر ذلك ابن جرير وغيره. ورواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن السدي عن الشعبي (٣). وروى البيهقي (٤): أنه سأله عن مسألة الخرقاء في الفرائض وهي أم وزوج وأخت وما كان يقول فيها الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وكان لكل منهم قول فيها، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة فاستحسن قول علي وحكم بقول عثمان، وأطلق الشعبي بسبب ذلك. [وقيل إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير (٥) ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلّب كما تقدم ذلك، ثم سار إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحدًا من أهلها إلا قال: اشهد على نفسك أنك قد كفرتَ، فإذا قال نعم بايعه، وإن أبى قتله، فقتل منهم خلقًا كثيرًا ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر، قال فأُتي برجل فقال الحجاج: ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه ودينه - وأراد الحجاج مخادعته - فقال:

стр. 4323

أخادعي أنت عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ. قال: فضحك الحجاج وخلّى سبيله] (١). وذكر ابن جرير (٢) من طريق أبي مخنف: أن أعشى همدان أُتي به إلى الحجاج - وكان قد عمل قصيدة يهجو فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية (٣)، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته، فجعل أهل الشام يقولون: قد أحسن أيها الأمير أفقال الحجاج: إنه لم يحسن، إنما يقول هذا مصانعة، ثم ألحَّ عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى (٤)، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبرًا بين يديه. واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن الحارث أبو المصبِّح الهمداني الكوفي الشاعر، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين، وقد كان له فضل وعبادة في مبتداه، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به، وقد وفد على النعمان بن بشير وهو أمير بحمص فامتدحه، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار، وكان زوج أخت الشعبي، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضًا (٥)، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج كما ذكرنا ﵀. وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كمينًا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه، ثم تواقف الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر وبات فيه، فجاءت السرية إليهم ليلًا وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، ولتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه، فقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان، واحتازوه بكماله.

стр. 4324

وانطلق ابن الأشعث هاربًا في ثلاثمئة من أصحابه فركبوا دجيلًا في السفن وعقروا دوابهم وجازوا إلى البصرة، ثم ساروا من هنالك وكان من أموهم من دخولهم بلاد رتبيل ما كان. ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث فجعل يقتلهم مثنى وفرادى، حتى قيل إنه قتل منهم بين يديه صبرًا مئة ألف وثلاثين ألفًا، قاله النضر بن شميل عن هشام بن حسان (١)، منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وجماعات من السادات [الأخيار، والعلماء الأبرار] حتى كان آخرهم سعيد بن جبير ﵏ ورضي عنهم، كما سيأتي ذلك في موضعه. بناء واسط في زمن الحجاج قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط، وكان سبب بنائه لها أنه رأى راهبًا على أتان قد أجاز دجلة، فلما مر بموضع واسط وقفت أتانه فبالت، فنزل عنها وعمد إلى موضع بولها فاحتفره ورمى به في دجلة، فقال الحجاج: عليّ به، فأُتي به فقال له: لم صنعت هذا؟ قال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحِّده. فعند ذلك اختط الحجاج مدينة واسط في ذلك المكان وبنى المسجد في ذلك الموضع. وفي هذه السنة كانت غزوة عطاء بن رافع صقلية (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الرحمن بن حُجَيرة (٤)، الخولاني المصري، روى عن جماعة من الصحابة، وكان عبد العزيز ابن مروان أمير مصر قد جمع له بين القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في العام ألف دينار، وكان لا يدخر منها شيئًا. طارق بن شهاب (٥) بن عبد شمس الأحمسي ممن رأى النبي ﷺ وغزا في خلافة الصديق وعمر ﵄ بضعًا وأربعين غزاة، توفي بالمدينة هذه السنة.

стр. 4325

عبيد اللّه بن عدي (١) بن الخيار أدرك النبي ﷺ ، وحدث عن جماعة من الصحابة وأبوه عدي ممن قتل يوم بدر كافرًا. عبد الله بن قيس بن مخرمة (٢)، كان قاضي المدينة. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم. وتوفي بها في هذه السنة: مرثد بن عبد الله (٣) أبو الخير اليزني (٤). وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع ابن الأشعث، منهم من هرب ومنهم من قتل في المعركة، ومنهم من أسر فضرب الحجاج عنقه، ومنهم من تتبعه حتى أمكنه فقتله، وقد سمى منهم خليفة بن خياط (٥) طائفة من الأعيان، فمنهم مسلم بن يسار المزني، وأبو مرانة العجلي قُتل، وعقبة بن عبد الغافر قُتل، وعقبة بن وساج (٦) قُتل، وعبد الله بن غالب (٧) الجهضمي قُتل، وأبو الجوزاء الرّبعيّ قُتل، والنضر بن أنس، وعمران والد أبي جمرة الضبعي، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحيّ، ومالك بن دينار، ومرّة بن دَبّاب (٨) الهَدَادي، وأبو نُجيد الجَهْضمي، وأبو شيخ (٩) الهنائي، وسعيد بن أبي الحسن، وأخوه الحسن البصري.

стр. 4326

قال أيوب (١): قيل لابن الأشعث: إن أحببت أن يقتل الناس حولك كما قتلوا حول هودج عائشة يوم الجمل فأخرج الحسن معك، فأخرجه. ومن أهل الكوفة: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد، والشَّعبي، وأبو عُبيدة بن عبد اللّه بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وأبو البَخْتري، وطلحة بن مصرِّف، وزُبَيد (٢) بن الحارث الياميان، وعطاء بن السائب. قال أيوب: فما منهم من أحد صُرع مع ابن الأشعث إلا رُغب في مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلَّا حمد اللّه الذي سلمه. [ومن أعيان من قَتَل الحجاج: عمران بن عصام الضبعي (٣)، والد أبي جمرة، كان من علماء أهل البصرة، وكان صالحًا عابدًا أُتي به أسيرًا إلى الحجاج فقال له: اشهد على نفسك بالكفر حتى أطلقك، فقال: واللّه إني ما كفرت باللّه منذ آمنت به، فأمر به فضربت عنقه. عبد الرحمن بن أبي ليلى (٤)، روى عن جماعة من الصحابة، ولأبيه أبي ليلى صحبة، أخذ عبد الرحمن القرآن عن علي بن أبي طالب: خرج مع ابن الأشعث فأُتي به الحجاج فضرب عنقه بين يديه صبرًا] (٥). ثم دخلت سنة أربع وثمانين قال الواقدي: فيها افتتح عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان المصيصة (٦).

стр. 4327

وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فقتل منهم خلقًا وحرق كنائسهم وضياعهم وتسمى سنة الحريق (١). [وفيها استعمل الحجاج على فارس محمد بن القاسم الثقفي، وأمره بقتل الأكراد. وفيها ولى عبد الملك الإسكندرية عياض بن غنم البجيني وعزل عنها عبد الملك بن أبي الكنود الذي كان قد وليها في العام الماضي] (٢). وفيها افتتح موسى بن نصير طائفة من بلاد المغرب من ذلك بلد أوربة (٣)، وقتل من أهلها بشرًا كثيرًا جدًّا، وأسر نحوًا من خمسين ألفًا. وفيها قتل الحجاج أيضًا جماعة من رؤساء ابن الأشعث، منهم: أيوب بن القِرِّيّة (٤)، وكان فصيحًا بليغًا واعظًا، قتله صبرًا بين يديه، ويقال إنه ندم على قتله، وهو أيوب بن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي المعروف بابن القِرية. [وعبد اللّه بن الحارث بن نوفل. وسعد بن إياس الشيباني. وأبو عِنَبَة (٥) الخولاني. له صحبة ورواية، سكن حمص وبها توفي وقد قارب المئة سنة. عبد اللّه بن قتادة، وغير هؤلاء جماعة منهم من قتلهم الحجاج، ومنهم من توفي. أبو زرعة الجذامي، الفلسطيني، كان ذا منزلة عند أهل الشام، فخاف منه معاوية ففهم منه ذلك أبو زرعة فقال يا أمير المؤمنين لا تهدم ركنًا بنيته، ولا تحزن صاحبًا سررته، ولا تشمت عدوًا كبتَّه، فكف عنه معاوية] (٦). وفيها توفي: عتبة بن النُّدَّر السلمي (٧)، صحابي جليل [كان يعد في أهل الصفة].

стр. 4328

وعمران بن حِطّان (١)، الخارجي، كان أولًا من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدًّا فأحبها. وكان هو دميم (٢) الشكل، فأراد أن يردها إلى السنة فأبت فارتد معها إلى مذهبها. وقد كان من الشعراء المطبقين (٣)، وهو القائل في قتل علي وقاتله: يا ضربةً مِنْ تقيٍّ ما أرادَ بها … إلا ليبلُغَ مِنْ ذي العرشِ رِضوانا إني لأذكُرُهُ يومًا فاحسَبُهُ … أوفَى البريَّةِ عِندَ اللّه ميزانا أكرِمْ بقومٍ بطونُ الطَّير أقْبُرُهمْ … لمْ يَخْلِطوا دينهمْ بَغْيًا وعُدوانا (٤) وقد كان الثوري يتمثل بأبياته هذه في الزهد في الدنيا وهي قوله: أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها … على أنهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ أراها وإنْ كانتْ تُحِبُّ فإنها … سَحابةُ صيْفٍ عنْ قليل تَقَشَّعُ كركبٍ قَضَوا حاجاتِهمْ وترحَّلوا … طريقُهُمْ بادي العَلامةِ مَهْيَعُ (٥) [مات عمران بن حطان سنة أربع وثمانين. وقد رد عليه بعض العلماء (٦) في أبياته المتقدمة في قتل علي ﵁ بأبيات على قافيتها ووزنها: بلْ ضربةٌ منْ شقيٍّ ما أرادَ بها … إلا ليبلغَ منْ ذي العرشِ خسرانا إني لأذكرهُ يومًا فأحسبهُ … أشقى البرية عند اللّه ميزانا] (٧)

стр. 4329

وروح بن زنباع الجذامي (١)، [كان من أمراء الشام وكان عبد الملك يستشيره في أموره]. وفيها كان مهلك عبد الرحمن بن الأشعث الكندي [وقيل في التي بعدها، فاللّه أعلم] (٢). وكان سبب ذلك أن الحجاج كتب إلى رُتبيل ملك الترك الذي لجأ إليه ابن الأشعث يقول له: واللّه الذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إليّ بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل، ولأخربنها. فلما تحقق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بعض الأمراء فأشار عليه بتسليم ابن الأشعث إليه قبل أن يخرب الحجاج دياره ويأخذ عامة أمصاره، فأرسل إلى الحجاج يشترط عليه أن لا يقاتل عشر سنين، وأن لا يؤدي في كل سنة منها إلا مئة ألف من الخراج، فأجابه الحجاج إلى ذلك [وقيل إن الحجاج وعده أن يطلق له خراج أرضه سبع سنين] (٢)، فعند ذلك غدر رُتبيل بابن الأشعث فقيل إنه أمر بضرب عنقه صبرًا بين يديه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وقيل: بل كان ابن الأشعث قد سقط من شاهق فبعث برأسه إلى الحجاج وقيل: بل كان قد مرض مرضًا شديدًا فقتله وهو بآخر رمق (٣)، والمشهور أنه قبض عليه وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد وبعث بهم مع رسل الحجاج إليه، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرُّخَّج (٤)، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ومعه رجل موكل به لئلا يفر، وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به فماتا جميعًا، فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برؤوسهم إلى الحجاج فأمر فطيف برأسه في العراق، ثم بعثه إلى أمير المؤمنين عبد الملك فطيف برأسه في الشام، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر فطيف برأسه أيضًا هنالك، ثم دفنوا رأسه بمصر وجثته بالرُّخَّج، وقد قال بعض الشعراء في ذلك: هيهاتَ موضعُ جثةٍ من رأسها … رأس بمصرَ وجثةٌ بالرُّخَّج وإنما ذكر ابن جرير مقتل الأشعث في سنة خمس وثمانين فاللّه أعلم. وعبد الرحمن هذا وهو ابن محمد بن الأشعث بن قيس، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي، قد روى له أبو داود والنسائي (٥) عن أبيه عن جده عن

стр. 4330

عبد اللّه بن مسعود: حديث "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو يتتاركا (١) " وعنه أبو العميس. ويقال إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة، فاللّه أعلم. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة وليس من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصدِّيق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصدّيق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولًا ثم رجع عنه، كما قررنا ذلك فيما تقدم. فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صليبة قريش ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلّة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير فإنا للّه وإنا إليه راجعون. أيوب ابن القِرِّيّة (٢)، وهي أمه واسم أبيه يزيد بن قيس بن زُرارة بن مسلم النمري الهلالي، كان أعرابيًا أميًا، وكان يضرب به المثل في فصاحته وبيانه وبلاغته، صحب الحجاج ووفد على عبد الملك، ثم بعثه رسولًا إلى ابن الأشعث فقال له ابن الأشعث: لئن لم تقم خطيبًا فتخلع الحجاج لأضربن عنقك، ففعل وأقام عنده؛ فلما ظهر الحجاج استحضره وجرت له معه مقامات ومقالات في الكلام، ثم آخر الأمر ضرب عنقه وندم بعد ذلك على ما فعل من ضرب عنقه، ولكن ندم حيث لا ينفعه الندم. كما [قيل: وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل]. وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخه" وابن خلِّكان في "الوفيات" وأطال ترجمته وذكر فيها أشياء حسنة، قال: والقِرِّيِّة بكسر القاف وتشديد الياء وهي جدته واسمها جُماعة بنت جُشم، قال ابن خلِّكان: ومن الناس من أنكر وجوده ووجود مجنون ليلى، وابن أبي العقب صاحب الملحمة، وهو يحيى بن عبد الله بن أبي العقب، واللّه أعلم. رَوْحُ بن زِنْباع (٣) بن سلامة الجذامي أبو زرعة ويقال أبو زنباع الدمشقي داره بدمشق في طرف

стр. 4331

البزوريين (١) عند دار ابن أبي عقب صاحب الملحمة. وهو تابعي جليل، روى عن أبيه - وكانت له صحبة - وتميم الداري، وعُبادة بن الصامت ومعاوية وكعب الأحبار وغيرهم، وعنه جماعة منهم عبادة بن نُسي. كان روح عند عبد الملك كالوزير لا يكاد يفارقه، وكان مع أبيه مروان يوم مرج راهط، وقد أمَّره يزيد بن معاوية على جند فلسطين، وزعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة، ولم يتابع مسلم على هذا القول، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، ومن مآثره التي تفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمَّام يعتق نسمة، قال ابن زبر (٢): مات سنة أربع وثمانين بالأردن، وزعم بعضهم أنه بقي إلى أيام هشام [بن عبد الملك، وقد حجَّ مرَّة فنزل على ماءٍ بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه رَوْحُ بن زِنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال: إني صائم، فقال له رَوْح: في هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانًا فنزله وترك رَوح بن زنباع، فقال روح بن زنباع: لقد ضننتَ بأيامكَ يا راعي … إذ جادَ بها روحُ بنُ زنباعِ ثم إن روحًا بكى طويلًا وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلًا من هذه الأعراب أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه واللّه أعلم (٣). ثم دخلت سنة خمس وثمانين فيها كما ذكر ابن جرير: كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث، فالله أعلم. وفيها عزل الحجاج عن إمرة خواسان يزيد بن المهلب وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مرَّ بدير فقيل له: إن فيه شيخًا كبيرًا من أهل الكتاب عالمًا، فدعي فقال: يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنت فيه وما نحن فيه؟ قال: نعم. قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده ملكًا أقرع، من يقم في سبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم رجل اسمه اسم نبىِ يفتح به على الناس، قال:

стр. 4332

فتعرِّفني له، قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعرف مآلي؟ قال: نعم! قال: فمن يلي العراق بعدي؟ قال رجل يقال له يزيد، قال: أفي حياتي أم من بعد موتي؟ قال: لا أدري، قار: أفتعرف صفته؟ قال: يغدر غَدْرَةً لا أعرف غيرها. قال: فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب، وسار سبعًا وهو وجل من كلام الشيخ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده؟ فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والأمر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه. ثم إن الحجاج جلس يومًا مفكرًا واستدعى بعبيد بن موهب فدخل عليه وهو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال: ويحك يا عبيد، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يده سيليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة ويزيد بن حصين بن نمير ويزيد بن دينار وليسوا هناك، وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلّب. فقال عُبيد: لقد شرّفتهم وعظَّمتَ ولايتم، وإن لهم لقدرًا وجلدًا وحظًا، فأخلق به. فأجمع رأي الحجاج على عزل يزيد بن المهلّب، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ وكتب إليه عبد الملك: قد أكثرت في شأن يزيد فسمِّ رجلًا يصلح لخراسان، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلًا تسعة أشهر، فغزا باذغيس (١) وغيرها وغنم مغانم كثيرة، وامتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم. قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة قُتل موسى بن عبد اللّه بن خازم بترمذ، ثم ذكر سبب ذلك وملخصه أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريبًا من ترمذ وكان ملكها فيه ضعف، فجعل يهادنه ويبعث إليه بالألطاف والتحف، حتى جعل يتصيد هو وهو، ثم عنّ للملك فعمل له طعامًا وبعث إلى موسى بن عبد اللّه بن خازم أن ائتني في مئة من أصحابك، فاختار موسى من جيشه مئة من شجعانهم، ثم دخل البلد فأكل من طعام الملك فلما فرغت الضِّيافة اضطجع موسى على جنبه في دار الملك وقال: واللّه لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي أو يكون قبري، فثار أهل القصر إليه فجاحف عنه أصحابه، ثم وقعت الحرب بينهم وبين أهل ترمذ، فاقتتلوا فقتل من أهل ترمذ خلق كثير وهرب بقيتهم، واستدعى موسى ببقية جيشه إليه واستحوذ موسى على البلد فحصَّنها ومنعها من الأعداء، وخرج منها ملكها هاربًا فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم فقالوا له: هؤلاء قوم في نحو من مئة رجل أخرجوكم من بلدكم، لا طاقة

стр. 4333

لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم فبعثوا معه قصادًا نحو موسى ليسمعوا كلامه، فلما أحس بقدومهم - وكان ذلك في شدة الحر - أمر أصحابه أن يؤججوا نارًا ويلبسوا ثياب الشتاء ويدنوا أيديهم من النار كانهم يصطلون بها، فلما وصلت إليهم الرسل رأوا أصحابه وما يصنعون في شدة الحر فقالوا لهم: ما هذا الذي نراكم تفعلونه؟ فقالوا لهم: إنا نجد البرد في الصيف والكرب في الشتاء، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ما هؤلاء بشر، ما هؤلاء إلَّا جنٌّ ثم عادوا فأخبروا ملكهم بما رأوا فقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاؤوا فحاصروه بترمذ وجاء الخزاعي (١) فحاصره أيضًا، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار ويقاتل من آخره العجم، ثم إن موسى بيّتهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وأفزع ذلك عمرو (٢) الخزاعيَّ فصالحه وكان معه، فدخل يومًا عليه وليس عنده أحد، وليس يرى معه سلاحًا فقال له على وجه النصح: أصلح الله الأمير، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح، فقال: إن عندي سلاحًا، ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمرو فضربه به حتى برد وخرج هاربًا، ثم تفرق أصحاب [الخزاعي، وأتى بعضهم مستأمنًا] (٣) موسى بن عبد الله بن خازم. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية، وحسّن له ذلك رَوْح بن زنباع الجذامي، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في اللّيل، وكان لا يحجب عنه في أي ساعة جاء من ليل أو نهار، فعزّاه في أخيه عبد العزيز فندم على ما كان منه من العزم على عزله، وإنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وذلك عن رأي الحجاج وتزيينه ذلك لعبد الملك، وكان أبوه مروان عهد بالأمر إلى عبد الملك ثم من بعده إلى عبد العزيز، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الإمرة من بعده بالكليه (٥). وأن يجعل الخلافة باقية في عقبه. والله أعلم.

стр. 4334

[عبد العزيز بن مروان] (١) وهو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الأصبغ، القرشي، الأموي، ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان بن الحكم، وكان ولي عهده من بعد أخيه عبد الملك بن مروان، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين فكان واليًا عليها إلى هذه السنة، وشهد قتل عمرو بن سعيد بن العاص كما قدَّمنا، وكانت له دار بدمشق وهي الدَّار التي للصوفية، المعروفة بالخانقاه السميساطية (٢) ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، [ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاهًا للصوفية]. وقد روى عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه، وعبد اللّه بن الزبير، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة، وحديثه عنه في مسند أحمد وسنن أبي داود أن رسول اللّه ﷺ قال: "شر ما في الرجل جبن خالع وشح هالع" (٣). وعنه ابنه عمر، والزّهري، وعُليُّ بن رباح وجماعة. قال محمد بن سعد (٤): كان ثقة قليل الحديث، وقال غيره: كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو إليه ختنه - وهو زوج ابنته - فقال له عبد العزيز: من خَتَنَك؟ فقال الرجل: خَتنني الخاتن الذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني؟ فقال الكاتب: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من خَتَنُكَ، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلَّم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلَّمها فخرج وهو من أفصح الناس، وكان [بعد ذلك] يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه، [فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية]. قال عبد العزيز يومًا إلى رجل: ممن أنت؟ قال: من بنو عبد الدار، فقال: تجدها في جائزتك، فنقصه مئة دينار.

стр. 4335

وقال أبو يعلى الموصلي (١): حدَّثنا مجاهد بن موسى، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد اللّه بن عمر: ارفع إليّ حاجتك. فكتب إليه ابن عمر: إن رسول اللّه ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول". ولست أسألك شيئًا ولا أرد رزقًا رزقنيه اللّه عر وجلَّ منك. وقال ابن وهب: حدّثني يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس قال: بعثني عبد العزيز بن مروان بالف دينار إلى ابن عمر قال: فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال: لا واللّه لا يبيت ابن عمر اللّيلة وله ألف دينار، قال: فدفع إليّ الكتاب حتى جئته بها ففرقها ﵁ (٢). ومن كلامه ﵀: عجبًا لمؤمن يؤمن ويوقن أن اللّه يرزقه ويخلف عليه. كيف يحبس مالًا عن عظيم أجر وحسن سماع. ولما حضرته الوفاة أُحضِر له مالٌ يخصه وإذا هو ثلاثمئة مُدٍّ من ذهب، فقال: واللّه لوددت أنه بعر حائل بنجد (٣). وقال: واللّه لوددت أني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباته بأرض الحجاز (٤). وقال لهم: ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه، فجعل يقول: أُفٍّ لكِ ما أقصَرَ طويلكِ، وأقلَّ كثيرَك (٥). قال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير عن اللَّيث بن سعد قال: كانت وفاته ليلة الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين (٦). قال ابن عساكر (٧): وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنة سنة ست وثمانين. وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريمًا جوادًا ممدحًا، وهو والد الخليفة الراشد

стр. 4336

عمر بن عبد العزيز [وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة. وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزنًا كثيرًا ومرض بعده ومات (١) - وكان له عدة بنات، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى، وله من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف؛ من جملة ذلك ثلاثمئة مدّ من ذهب غير الورِق، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل رحمه اللّه تعالى] (٢). وقد ذكر ابن جرير (٣) أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز وهو بالدِّيار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولي العهد من بعده، فإنه أعز الخلق عليّ. فكتب إليه عبد العزيز يقول: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد. فكتب إليه عبد الملك يأمره بحمل خراج مصر [وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئًا من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها] (٤) فكتب إليه: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنًّا لا يبلغا (٥) أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولًا، فإن رأيت أن لا تعتب (٦) عليّ بقية عمري فافعل، فرقَّ له عبد الملك وكتب إليه: لعمري لا أعتب (٧) عليك بقية عمرك. وقال عبد الملك لابنه الوليد: إن يرد اللّه أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان: هل قارفتما محرّمًا أو حرامًا قط؟ فقالا: لا واللّه، فقال: اللّه أكبر، نلتماهما وربِّ الكعبة. ويقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه وقال: اللهم إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا، فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلًا حزن وبكى وبكى أهله بكاءً كثيرًا على عبد العزيز، ولكن سرَّه ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمِّله

стр. 4337

لهما من ولايته إياهما العهد بعده. وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يزين له ولاية الوليد من بعده، وأوفد إليه وفدًا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنزي (١)، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيبًا فتكلّم، وتكلّم الوفد في ذلك وحثّوا عبد الملك على ذلك وأنشد عمران بن عصام في ذلك: أميرَ المؤمنينَ إليكَ نهدي … على النأي التحية والسّلاما أجبني في بنيكَ يكن جوابي … لهمْ عادِيَّة (٢) ولنا قوامًا فلو أن الوليدَ أُطاعُ فيهِ … جَعلتَ لهُ الخلافةَ والذِّماما (٣) شبيهكَ حولَ قبَّتهِ قريشٌ … بهِ يستمطِرُ الناسُ الغماما ومثلكَ في التقى لم يصْبُ يومًا … لدُنْ خلعَ القلائدَ والتماما فإنْ تؤثر أخاك بها فإنّا … وجدّكَ لا نُطيقُ لها اتّهاما ولكنا نحاذرُ منْ بنيهِ … بني العلاتِ مأثرة سماما ونخشى إن جعلتَ الملكَ فيهمْ … سحابا أنْ تعودَ لهمْ جهاما (٤) فلا يكُ ما حلبتَ غدًا لقومٍ … وبعدَ غدٍ بنوكَ هُمُ العِيامَا فأُقسمُ لو تخَطَّأني عِصامٌ … بذلكَ ما عذرتُ بهِ عصاما ولوْ أني حبوتُ أخًا بفضلٍ … أريدَ به المقالة والمقاما لعقَّبَ في بنيّ على بنيهِ (٥) … كذلكَ أوْ لرمتَ لهُ مراما فمنْ يكُ في أقاربهِ صدوعٌ … فصدعُ الملكِ أبطؤُه التئاما قال: فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله الخلافة للوليد فأبى عليه، وقدَّر اللّه سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حيئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان، واللّه أعلم. بيعة عبد الملك لولده الوليد ثم من بعده لولده سليمان بن عبد الملك وكان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان، بويع له بدمشق ثم في سائر الأقاليم للوليد ثم لسليمان من بعده، ولما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك

стр. 4338

لأحد، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة فضربه ستين سوطًا، وألبسه ثيابًا من شعر (١) وأركبه جملًا وطاف به في المدينة، ثم أمر به فذهبوا إلى ثنية ذباب - وهي الثنية التي كانوا يصلبون عندها ويقتلون (٢) - فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن، فقال لهم: واللّه لو أعلم أنكم لا تقتلوني لم ألبس هذه الثياب. ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد بن المسيب في ذلك، فكتب إليه يعنِّفه في ذلك ويأمره بإخراجه ويقول له: إن سعيدًا كان أحق منك بصلة الرَّحم مما فعلت به، وإنا لنعلم أن سعيدًا ليس عنده شقاق ولا خلاف. ويُروى أنه قال له: ما ينبغي إلا أن يبايع، فإن لم يبايع ضربت عنقه أو خليت سبيله. وذكر الواقدي أن سعيدًا ﵀ لما جاءت بيعة ابن الزبير إلى المدينة (٣) امتنع من البيعة فضربه نائبها في ذلك الوقت - وهو جابر بن الأسود بن عوف - ستين سوطًا أيضًا وسجنه فالله أعلم (٤). قال أبو مخنف وأبو معشر والواقدي (٥): وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة، وكان على العراق والمشرق بكماله الحجاج. قال شيخنا الحافظ الذهبي (٦): وتوفي في هذه السنة: أبان بن عثمان (٧) بن عفان أمير المدينة، كان من فقهاء المدينة العشرة، قاله يحيى القطان. وقال محمد بن سعد (٨): كان ثقة، وكان به صمم، ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل أن يموت. عبد اللّه بن عامر بن ربيعة (٩).

стр. 4339

وعمرو بن حريث (١). وعمرو بن سلمة (٢). وواثلة بن الأسقع (٣) ﵁، وقد كان واثلة بن الأسقع ممن نزل الصفَّةَ، وشهد واثلة تبوك ثم شهد فتح دمشق ونزلها، ومسجده بها عند حَبْس باب الصغير (٤). وكان آخر من توفي بدمشق من الصحابة، قاله سعيد بن بشير. وقد قال البخاري وغيره: إنه توفي سنة ثلاث وثمانين. واللّه أعلم (٥). وخالد بن يزيد بن معاوية (٦) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، كان أعلم قريش بفنون العلم، وله يد طولى في الطب، وكلام كثير في الكيمياء (٧)، وكان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش، وكان خالد فصيحًا بليغًا شاعرًا مطبقًا كأبيه.

стр. 4340

دخل يومًا على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبي العاص، فشكا إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد اللّه بن يزيد، فقال عبد الملك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] فقال له خالد: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦] فقال عبد الملك: واللّه لقد دخل عليّ أخوك عبد اللّه فإذا هو لا يقيم اللَّحن، فقال خالد: والوليد لا يقيم اللَّحن، فقال عبد الملك: إن أخاه سليمان لا يلحن، فقال خالد: وأنا أخو عبد اللّه لا ألحن، فقال الوليد - وكان حاضرًا - لخالد بن يزيد: اسكت، فواللّه ما تُعدُّ في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! ثم أقبل خالد على الوليد فقال: ويحك وما هو العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غُنيمات وحُبيلات والطائف، ورحم اللّه عثمان، لقلنا صدقت - يعني أن الحكم كان منفيًا بالطائف يرعى غنمًا ويأوي إلى حُبيلة (١) الكرم حتى آواه عثمان بن عفان حين ولي - فسكت الوليد وأبوه ولم يحيرا جوابًا، واللّه سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلادًا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلم وتسلَّم قلاعًا وحُصونًا وممالك، ثم قَفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنت قاصدًا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعًا فكن في ساقة جيشك - يعني لتكون ردءًا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد - وهذا رأي حسن وعليه جاءت السنة، وكان في جملة السبي امرأة برمك (٢) - والد خالد بن برمك - فأعطاها أخاه عبد اللّه بن مسلم فوطئها فحملت منه، ثم إن قتيبة منَّ على السبي وردت تلك المرأة على زوجها برمك وهي حبلى من عبد اللّه بن مسلم، وكان ولدها عندهم حتى أسلموا فقدموا معهم أيام بني العباس كما سيأتي. [ولما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه ملك الصغانيان (٣) بهدايا عظيمة، ومفتاح من ذهب] (٤). وفيها كان

стр. 4341

طاعون بالشام والبصرة وواسط ويسمى طاعون الفتيات لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمي بذلك (١). وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وافتتح حصن بولق وحصن الأفرم من أرض الروم (٢). وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد اللّه على مصر وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جُمادى الآخرة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة (٣). وفيها هلك ملك الروم الأخرم لورى (٤). لا ﵀. وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب (٥). وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي. وفي هذه السنة توفي: أبو أمامة صُدَي بن عجلان (٦) الباهلي. وعبد الله بن أبي أوفى (٧). وعبد الله بن الحارث بن جزء (٨) الزُّبَيْديّ في قول. شهد فتح مصر وسكَنها وهو آخر من مات من الصحابة بمصر. وفيها في النصف من شوال توفي:

стр. 4342

أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان (١) والد الخلفاء، وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو الوليد الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية. سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه وله عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان أميرًا على أهل المدينة، وله ست عشرة سنة، ولّاه إياها معاوية (٢)، كان يجالس الفقهاء والعلماء والعبّاد والصلحاء. وروى عن: أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة، وروى عنه جماعة: منهم خالد بن معدان، وعروة، والزّهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وحريز بن عثمان. ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم فكان يكنى به، فلما بلغه النهي عن التكني بأبي القاسم غيّر اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبي خيثمة ومصعب الزبيري: فكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك، وأول من سمي في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي، وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، واستقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك. وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن (٣)، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، ربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب ولهذا كان يقال أبو الذباب (٤). وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل، كبير العينين مشرف الأنف، رقيق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه ولم يخضب، وقال إنه خضب بعد. وقد قال نافع: لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان.

стр. 4343

وقال الأعمش، عن أبي الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة. وعن ابن عمر أنه قال: ولَدَ الناسُ أبناءً وولد مروانُ أبًا - يعني عبد الملك - ورآه يومًا - وقد ذكر اختلاف الناس - فقال لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه. وروي عن عبد الملك أنه قال: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يومًا: يا عبد الملك إن فيك خصالًا، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" (١). وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة. وقال سعيد بن داود الزبيري: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله (٢). وقال الشعبي: ما جالست أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فإنّي ما ذاكرته حديثًا إلا زادني منه، ولا شِعرًا إلا زادني فيه. وذكر خليفة بن خياط (٣): أن معاوية كتب إلى مروان وهو أمير المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن حُديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئًا كثيرًا. ولم يزل عبد الملك مقيمًا بالمدينة حتى كانت وقعة الحرَّة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بني أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام وقتل الضحاك بن قيس كان مع أبيه مدة ولايته وكانت تسعة أشهر، ولم يمت أبوه حتى عهد إليه بالإمارة من بعده ثم لعبد العزيز، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سُلِّم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك (٤).

стр. 4344

وقال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس بويع في (١)، وقد كان بني له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال: لقد كان ابن حَنْتَمة (٢) الأحوزي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال: هذا آخر العهد منك. [وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازمًا فهما فطنًا سائسًا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي ﷺ يوم أُحد] (٣). وقال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي، فلما التقوا قال: اللهم احجز بين هذين الجبلين وولِّ الأمر أحبهما إليك. وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبًا ودخوله الكوفة، ووضعه رأس مصعب بين يديه، وقد كان من أعز الناس عليه وأحبهم إليه. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسؤول عن رعيته ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧] لا أحد، والسلام. وبعث به مع سلام، فوجدوا عليه إذ قدَّم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه (٤). وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سَبْرَة (٥)، عن أبي موسى الحنّاط، عن ابن كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قِبَل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم (٦) عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم ﵀، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام ﵀، فأحكما ما أحكما وأسقطا ما شذ عنهما (٧). وقال ابن جريج عن أبيه: حجَّ علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين،

стр. 4345

فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان مَنْ قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويؤكلون، وإني واللّه لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس إنا نحتمل منكم على اللّغوبة (١) ما لم يكن عقد راية أو وُثوب على منبر: هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، وقرابته قرابة، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدًا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب (٢). وقال الأصمعي: حدّثنا عبّاد بن سلم بن عثمان بن زياد (٣)، عن أبيه، عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بَكرًا فأنشأ قائده يقول: يا أيها البَكرُ الذي أراكا … عليكَ سهلُ الأرضِ في ممشاكا ويحكَ هلْ تعلمُ من علاكا … خليفةُ الله الذي امتطاكا لم يَحْبُ بَكْرًا مثلَ ما حباكا فلما سمعه عبد الملك قال: إيهًا يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف. وقال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصرًا ولا ننطق هذرًا، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلّت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام وبعد عيِّنا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب ومواضع الصواب. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ وقال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني كثرة ارتقاء المنبر ومخافة اللحن؟. ولَحن رجلٌ عند عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألِفًا - فقال له: عبد الملك: زِدْ أَلِفًا، فقال له الرجل: وأنت فزدْ ألفًا (٤). وقال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضًا سريعًا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غالٍ فيه ولا جاف عنه. وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة: سبِّحوا بنا
следующие страницы →