← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

طاعون بالشام والبصرة وواسط ويسمى طاعون الفتيات لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمي بذلك (١). وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وافتتح حصن بولق وحصن الأفرم من أرض الروم (٢). وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد اللّه على مصر وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جُمادى الآخرة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة (٣). وفيها هلك ملك الروم الأخرم لورى (٤). لا ﵀. وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب (٥). وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي. وفي هذه السنة توفي: أبو أمامة صُدَي بن عجلان (٦) الباهلي. وعبد الله بن أبي أوفى (٧). وعبد الله بن الحارث بن جزء (٨) الزُّبَيْديّ في قول. شهد فتح مصر وسكَنها وهو آخر من مات من الصحابة بمصر. وفيها في النصف من شوال توفي:

стр. 4342

أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان (١) والد الخلفاء، وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو الوليد الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية. سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه وله عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان أميرًا على أهل المدينة، وله ست عشرة سنة، ولّاه إياها معاوية (٢)، كان يجالس الفقهاء والعلماء والعبّاد والصلحاء. وروى عن: أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة، وروى عنه جماعة: منهم خالد بن معدان، وعروة، والزّهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وحريز بن عثمان. ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم فكان يكنى به، فلما بلغه النهي عن التكني بأبي القاسم غيّر اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبي خيثمة ومصعب الزبيري: فكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك، وأول من سمي في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي، وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، واستقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك. وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن (٣)، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، ربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب ولهذا كان يقال أبو الذباب (٤). وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل، كبير العينين مشرف الأنف، رقيق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه ولم يخضب، وقال إنه خضب بعد. وقد قال نافع: لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان.

стр. 4343

وقال الأعمش، عن أبي الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة. وعن ابن عمر أنه قال: ولَدَ الناسُ أبناءً وولد مروانُ أبًا - يعني عبد الملك - ورآه يومًا - وقد ذكر اختلاف الناس - فقال لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه. وروي عن عبد الملك أنه قال: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يومًا: يا عبد الملك إن فيك خصالًا، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" (١). وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة. وقال سعيد بن داود الزبيري: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله (٢). وقال الشعبي: ما جالست أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فإنّي ما ذاكرته حديثًا إلا زادني منه، ولا شِعرًا إلا زادني فيه. وذكر خليفة بن خياط (٣): أن معاوية كتب إلى مروان وهو أمير المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن حُديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئًا كثيرًا. ولم يزل عبد الملك مقيمًا بالمدينة حتى كانت وقعة الحرَّة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بني أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام وقتل الضحاك بن قيس كان مع أبيه مدة ولايته وكانت تسعة أشهر، ولم يمت أبوه حتى عهد إليه بالإمارة من بعده ثم لعبد العزيز، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سُلِّم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك (٤).

стр. 4344

وقال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس بويع في (١)، وقد كان بني له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال: لقد كان ابن حَنْتَمة (٢) الأحوزي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال: هذا آخر العهد منك. [وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازمًا فهما فطنًا سائسًا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي ﷺ يوم أُحد] (٣). وقال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي، فلما التقوا قال: اللهم احجز بين هذين الجبلين وولِّ الأمر أحبهما إليك. وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبًا ودخوله الكوفة، ووضعه رأس مصعب بين يديه، وقد كان من أعز الناس عليه وأحبهم إليه. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسؤول عن رعيته ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧] لا أحد، والسلام. وبعث به مع سلام، فوجدوا عليه إذ قدَّم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه (٤). وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سَبْرَة (٥)، عن أبي موسى الحنّاط، عن ابن كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قِبَل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم (٦) عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم ﵀، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام ﵀، فأحكما ما أحكما وأسقطا ما شذ عنهما (٧). وقال ابن جريج عن أبيه: حجَّ علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين،

стр. 4345

فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان مَنْ قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويؤكلون، وإني واللّه لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس إنا نحتمل منكم على اللّغوبة (١) ما لم يكن عقد راية أو وُثوب على منبر: هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، وقرابته قرابة، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدًا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب (٢). وقال الأصمعي: حدّثنا عبّاد بن سلم بن عثمان بن زياد (٣)، عن أبيه، عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بَكرًا فأنشأ قائده يقول: يا أيها البَكرُ الذي أراكا … عليكَ سهلُ الأرضِ في ممشاكا ويحكَ هلْ تعلمُ من علاكا … خليفةُ الله الذي امتطاكا لم يَحْبُ بَكْرًا مثلَ ما حباكا فلما سمعه عبد الملك قال: إيهًا يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف. وقال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصرًا ولا ننطق هذرًا، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلّت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام وبعد عيِّنا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب ومواضع الصواب. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ وقال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني كثرة ارتقاء المنبر ومخافة اللحن؟. ولَحن رجلٌ عند عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألِفًا - فقال له: عبد الملك: زِدْ أَلِفًا، فقال له الرجل: وأنت فزدْ ألفًا (٤). وقال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضًا سريعًا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غالٍ فيه ولا جاف عنه. وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره إذا رفعت له شجرة: سبِّحوا بنا

стр. 4346

حتى نأتي تلك الشجرة، ثم ترفع أخرى فيقول: كبروا حتى نأتي تلك الشجرة، ونحو ذلك (١). وروى البيهقي (٢): أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارًا حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك، فقال: إنه كان عليه اسم الله . وقال غير واحد (٣): كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيَّافون على رأسه بالسيف فينشد، وقال بعضهم: يأمر من ينشد فيقول: إنا إذا نالتْ دواعي الهوى … وأنصتَ السامعُ للقائلِ واصطرعَ الناسُ بألبابهم … نقضي بحكم عادلٍ فاصلِ لا نجعلُ الباطلَ حقًا ولا … نلط (٤) دونَ الحقِّ بالباطلِ نخافُ أنْ تسفهَ أحلامنا … فنحمل الدَّهر مع الخاملِ (٥) وقال الأعمش: أخبرني محمد بن الزبير: أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول في كتابه: لو أن رجلًا آوى عيسى ليلة واحدة أو خدمه لعرفته النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلًا خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وإني خادم رسول اللّه ﷺ وصاحبه ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل، قال: فأخبرني من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي وبلغ به الغضب ما شاء الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ (٦)، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغيّر ثم قال إلى حامل الكتاب: انطلق بنا إليه [نترضَّاه]. وقال أبو بكر بن دريد: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون باللّه أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليه، وإذا عززت باللّه فاعف له، فإنك به تعزُّ وإليه ترجع (٧). وقال بعضهم: سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما تهيأ الرجل

стр. 4347

ليتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثًا، إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إليّ بأحد [من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي] (١) وإن شئت أقلتك. فقال الرجل: أقلني فأقاله. وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق: اعفني من أربع وقل ما شئت، لا تطرني، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ولا تكذبني، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج (٢). وقال الأصمعي عن أبيه قال: أُتي عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال: وما جزاؤك؟ فقال: واللّه ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، وذلك أني رجل مشؤوم ما كنت مع رجل قط إلا غُلب وهُزم، وقد بان لك صحة ما ادّعيت، وكنت عليك خيرًا من مئة ألف معك [تنصحك، لقد كنت مع فلان فكُسر وهُزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقُتل، وكنت مع فلان فهُزم - حتى عَدَّ جماعة من الأمراء -] فضحك وخلّى سبيله (٣). وقيل لعبد الملك: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة (٤). وقال أيضًا: لا طمأنينة قبل الخبرة، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم (٥). وقال: خير المال ما أفاد حمدًا ودفع ذمًا، ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فإن الخلق كلهم عيال اللّه، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث. وقال المدائني: قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد اللّه بن أبي المهاجر -: علِّمهم الصدق كما تعلّمُهم القرآن، وجنّبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدبًا، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، واحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضًا، ويمصوا الماء مصًا، ولا يعبُّوا عبًّا، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرٍّ لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم (٦). وقال الهيثم بن عدي: أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنًا خاصًا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن اللّه قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم ﴿بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ

стр. 4348

عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٤ - ٦] ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ [هود: ١٠٣] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود: ١٠٤] إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] وإني أحذرك يوم ينادي المنادي ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] قال فتغيّر وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أيامًا (١). وكتب زرّ بن حبيش إلى عبد الملك كتابًا وفي آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلّم به الأولون: إذا الرجالُ ولدتْ أولادها … وَبَلِيت من كِبَرٍ أجسادُها وجعلت أسقامُها تعتادُها … تلكَ زروعٌ قد دَنا حَصادُها فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: صدَقَ زِرّ، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق (٢). وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال: أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية. وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسَّاني (٣)، عن أبيه عن جده قال: كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلاء (٤) بعد العبادة والنسك، فقال: إي واللّه، والدماء أيضًا قد شربتها (٥). ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال: ما حبسك لعنك اللّه؟ فقالت أم الدرداء: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة لعّان" (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا الحسين بن عبد الرحمن (٧)، قال: قيل لسعيد بن المسيِّب: إن عبد الملك بن مروان قال: قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه.

стр. 4349

وقال الأصمعي عن أبيه عن جده قال: خطب عبد الملك يومًا خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء شديدًا ثم قال: يا ربّ إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم. منها، اللهمّ فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي. قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام (١). وقد روي عن غير واحد نحو ذلك، أي: أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن. وقال أبو مسهر الدمشقي: وضع سماط عبد الملك يومًا بين يديه فقال لحاجبه: ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد اللّه بن خالد بن أسيد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد بن معاوية، قال: مات، قال فلفلان وفلان - حتى عدّ أقوامًا قد ماتوا وهو يعلم ذلك، فبكى وأمر برفع السماط وأنشأ يقول: ذَهَبتْ لدَاتي وانقضَتْ أيامُهمْ … وغبرتُ بعدَهمُ ولستَ بخالدِ (٢) [وقيل: إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له عبد الملك: ما هذا؟ أتحن حنين الجارية والأمة؟ إذا أنا متُّ فشمر واتّزر والبس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، واحذر قريشًا. ثم قال له: يا وليد اتق اللّه فيما أستخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وانظر إلى أخي معاوية، فصل رحمه واحفظني فيه، وانظر إلى أخي محمد فأمّره على الجزيرة ولا تعزله عنها، وانظر إلى ابن عمنا علي بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودّته ونصيحته وله نسب وحق، فصلْ رحمه واعرف حقه، وانظر إلى الحجّاج بن يوسف فأَكْرمه فإنّه هو الذي مهّد لك البلاد، وقَهَر الأعداء وخلّص لكم الملك، وشتت الخوارج، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة وكونوا أولاد أم واحدة، وكونوا في الحرب أحرارًا، وللمعروف منارًا، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، إن المعروف يشيد ذكر صاحبه ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، وللّه در القائل: إنَّ الأمور (٣) إذا اجتمعن فَرَامَها … بالكسرِ ذو حَنَق وبطشٍ مفند (٤) عزّت فلمْ تكسرْ وإن هي بُدِّدَتْ … فالكسر والتوهينُ للمتبدِّدِ (٥) ثم قال: إذا أنا مت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن، وأحبُّهن إليّ فاطمة - وكان قد أعطاها فرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال: اللهم

стр. 4350

احفظني فيها (١). فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها (٢). ولما احتضر سمع غسالًا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا: غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالًا أكسب ما أعيش به يومًا بيوم، ولم أل الخلافة. ثم تمثل فقال: لعمري لقدْ عمرتُ في الملكِ (٣) برهةً … ودانتْ لي الدنيا بوقعِ البواترِ وأعطيتُ حمرَ المالِ والحكمَ والنُّهى … ولي سلّمت كلُّ الملوكِ الجبابرِ فأضحى الذي قدْ كانَ مما يسرني … كحلمٍ مضى في المزمناتِ الغوابرِ فيا ليتني لم أعنِ بالملك ليلةَ (٤) … ولمْ أسعَ (٥) في لذاتِ عيشٍ نواضرِ وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته] (٦). وقال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال أجدني كما قال اللّه تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصارًا [بالوادي] فقال: ما هذا؟ قالوا: قصار، فقال: يا ليتني كنت قصارًا [أعيش من عمل يدي] فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله، قال: الحمد للّه الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم. وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يومًا بيوم واشتغلت بطاعة اللّه. وقال غيره: لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد للّه الذي لا يسأل أحدًا من خلقه صغيرًا أو كبيرًا ثم ينشد: فهلْ من خالد إمّا هَلَكْنا … وهلْ بالموتِ يا للناس عار (٧) ويروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوها حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين. ويروى أن معاوية قالهما أيضًا في هذه الحالة:

стр. 4351

إنْ تناقشْ يكن نقاشُكَ يا ربُّ … عذابًا لا طوقَ لي بالعذابِ أو تجاوز فأنتَ ربٌّ صفوحٌ … عنْ مسيءٍ ذنوبُهُ كالترابِ (١) قالوا: وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس، في النصف من شوال وقيل لخمس مضين (٢) منه سنة ست وثمانين، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده، وكان عمره يوم مات ستين سنة. قاله أبو معشر وصححه الواقدي، وقيل ثلاث وستون سنة. قاله المدائني، وقيل ثمان وخمسون (٣). ودفن بباب الجابية الصغير. قال ابن جرير (٤): ذكر أولاده وأزواجه: منهم الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر - درج - (٥) وعائشة، وأمهم ولّادة بنت العباس بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جَذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قُطيعة بن عبس بن بغيض. ويزيد، ومروان الأصغر، ومعاوية - درج - وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان. وهشام وأمّه أم هشام عائشة - فيما قاله المدائني - بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. وأبو بكر واسمه بكار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد اللّه التيمي. والحكم - درج - وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي. وفاطمة وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وعبد اللّه، ومسلمة، والمنذر، وعنبسة، ومحمد، وسعد (٦) الخير والحجّاج لأمهات أولاد شتى (٧) [فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكورًا وإناثًا، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة، منها تسع سنين مشاركًا لابن الزبير، وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلًّا بالخلافة وحده. وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني، وكاتبه روح بن زنباع، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحب بيت المال، والخاتم قبيصة بن ذؤيب. وعلى شرطته أبو الزعيزعة. وقد ذكرنا عماله فيما مضى] (٨).

стр. 4352

قال المدائني: وكان له زوجات أخر، شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب (١)، وأم أبيها بنت عبد اللّه بن جعفر. وممن يذكر أنه توفي في هذه السنة تقريبًا: أرطاة بنُ زفر (٢) بن عبد اللّه بن مالك بن شداد (٣) بن ضمرة بن عُقْفان بن أبي حارثة بن مرة بن نُشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان أبو الوليد المرِّي، ويعرف بابن سُهَيَّة (٤)، وهي أمه بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن حديج بن أبي جشم بن كعب بن عون بن عامر بن عوف - سبية من كلب - وكانت عند ضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زُفر وهي حامل فأتت بأرطاة على فراشه، وقد عمّر أرطاة دهرًا طويلًا حتى جاوز المئة بثلاثين سنة، وقد كان سيِّدًا شريفًا مطاعًا ممدَّحًا شاعرًا مطبقًا. قال المدائني: ويقال: إن بني عُقفان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس دخلوا في بني مرة بن نُشْبة فقالوا: بنو عقفان بن أبي حارثة بن مرة. وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زُفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتًا: رأيتُ المرءَ تأكلهُ اللَّيالي .. كأكلِ الأرضِ ساقطةَ الحديدِ وما تبقي (٥) المنيةُ حينَ تأتي … على نفسِ ابن آدمَ منْ مزيد وأعلم أنها ستكرُّ حتى … تُوفِّي نذرها بأبي الوليدِ (٦) قال: فارتاع عبد الملك وظنَّ أنَّه عناه بذلك. فقال: يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فقال عبد الملك: وأنا واللّه سيمرّ بي ما الذي يمر بك، وزاد بعضهم في هذه الأبيات: خُلِقْنا أنفسًا وبنى نفوس … ولسنا بالسلام ولا الحديدِ لئن أفجعتَ بالقرناء يومًا … لقد مُتِّعتَ بالأَملِ البعيدِ (٧)

стр. 4353

وهو القائل: وإني لقوامٌ لدى الضيفِ موهنًا … إذا أسبلَ السترَ البخيلُ (١) المواكلُ دعا فأجابتهُ كلاب كثيرةٌ … على ثقةٍ مني بأنيَ فاعلُ وما دونَ ضيفي من تلادٍ تحوزهُ … لي النفسُ إلا أنْ تصانَ الحلائلُ (٢) مُطرِّف بن عبد الله بن الشَّخِّير (٣) كان من كبار التابعين، وكان من أصحاب عمران بن حصين، وكان مجاب الدعوة. وكان يقول: ما أوتي أحد أفضل من العقل (٤)، وعقول الناس على قدر زمانهم. وقال: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله هذا عبدي حقًا. وقال: إذا دخلتم على مريض فإن استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حُرّك - أي: قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقّة قلبه. وقال: إن أقبح ما طُلبت به الدنيا عمل الآخرة] (٥). خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة - لم يدخل المنزل حتى صعد منبر المسجد الأعظم بدمشق. فخطب الناس فكان مما قال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، واللّه المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد للّه على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد اللّه بن همام السّلولي وهو يقول: اللهُ أعطاكَ التي لا فَوْقَها … وقدْ أراد الملحدونَ عَوْقَهَا عنْكَ ويأبى اللهُ إلا سَوْقها … إليكَ حتّى قَلَّدوكَ طَوْقَها (٦)

стр. 4354

ثم بايعه وبايع الناس بعده. وذكر الواقدي: أنه حمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إنه لا مُقدِّم لما أخَّر اللّه، ولا مؤخِّر لما قدّم الله، وقد كان من قضاء اللّه وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعني بالذي يحق للّه عليه - من الشدّة على المريب، واللّين لأهل الحقِّ والفضل، وإقامة ما أقام اللّه من منار الإسلام، وإعلائه من حجِّ هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشنِّ هذا الغارات على أعداء اللّه فلم يكن عاجزًا ولا مفرّطًا، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها. وكان جبارًا عنيدًا (١). وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب (٢)، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الأخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بني أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينًا في نفسه حازمًا في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لولا أن اللّه قص لنا خبر قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرًا يعلو ذكرًا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته في سنة ست وتسعين إن شاء اللّه، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناءً منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل يبني فيه مدّة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصّلًا. وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحوّلوه مسجدًا، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوَّضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى هذا، وجعل الجميع مسجدًا واحدًا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرًا في البنيان والزيارات (٣) والآثار والعمارات، واللّه سبحانه أعلم.

стр. 4355

ثم دخلت سنة سبع وثمانين ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة وولَّى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمرَ بن عبد العزيز، فدخلها في ثلاثين بعيرًا في ربغ الأول منها، فنزل دار مروان وجاء الناس للسلام عليه، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، فلما صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة وهم عُروة بن الزُّبير، وعُبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن [أبي] حثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه بن عمر، وأخوه عبيد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن عمرو (١)، وعبد اللّه بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. فدخلوا عليه فجلسوا فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانًا على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدّى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرِّج على من بلغه ذلك إلا أبلغني. فخرجوا [من عنده] يجزونه خيرًا، وافترقوا على ذلك. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسيء الرأي فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم، وكانت نحوًا من أربع سنين، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب وإلى علي بن الحسين. وأهل بيته، فلما أوقف للناس قال هشام: ما أخاف إلا من سعيد وعلي بن الحسين، فقال (٢) سعيد بن المسيب لابنه ومواليه: لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل فإني تركت ذلك للّه وللرَّحم. وأمّا كلامه فلا أكلمه أبدًا، وأما علي بن الحسين فإنه مرّ به وهو موقوف فلم يعرض له، وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له فلما اجتاز به علي بن الحسين وتجاوز عنه ناداه هشام بن إسماعيل فقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وفتح حصونًا كثيرة وغنم غنائم جمة، ويقال إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم [وبحيرة الفرسان] (٣) وحصن بولس، وقمقم، وقتل من المستعربة نحوًا من ألف وسبى ذراريهم.

стр. 4356

وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك وصالحه ملكهم نيزك على مال جزيل، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين. وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير [وهي من أعمال بخارى، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق، فتواقف هو وهم قريبًا من شهرين وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولًا ولا يأتيه من جهتهم رسول، وأبطأ خبره على الحجّاج حتى خاف عليه وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار، وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له تنذر، فأعطاه أهل بخارى مالًا جزيلًا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم، فجاء إليه فقال له: أخلني فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين، فقال له تنذر: هذا عامل يقدم عليك سريعًا بعزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو، فقال قتيبة لمولاه سياه: اضرب عنقه؛ فقتلته، ثم قال لضرار: لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك وإني أعطي اللّه عهدًا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا لألحقنّك به، فأملك علينا لسانك، فإن انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء، ثم نهض قتيبة فحرّض الناس على الحرب، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم، فاقتتل الناس قتالًا عظيمًا وأنزل اللّه على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل اللّه عليهم النصر فهزمت الترك هزيمةً عظيمة، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ويأسرون ما شاؤوا، واعتصم من بقي منهم بالمدينة، فأمر قتيبة الفَعَلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم، وجعل عليهم رجلًا من أهله وعنده طائفة من الجيش ثم سار راجعًا، فلما كان منهم على خمس مراحل (١) نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنوف من كان معه، فرجع إليها وحاصرها شهرًا. وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب وهو يريد أن يضرم النار فيها، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسًا، فسألوه الصلح فأبى، ولم يزل حتى فتحها فقتل مقاتلتهم، وغنم أموالهم، وكان الذي ألَّب على المسلمين رجل أعور منهم، فأُسر؛ فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه، فقال قتيبة: لا واللّه لا أروع بك مسلمًا مرة ثانية (٢)، وأمر به فضربت عنقه [وهذا من الزهد في الدنيا، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدي به نفسه فإن المسلمين قد غنموا] (٣) من بيكند شيئًا كثيرًا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب، وكان من جملتها صنم سبك فخرج منه مئة ألف وخمسون ألف دينار من الذهب، ووجدوا في خزائن الملك أموالًا كثيرة وسلاحًا كثيرًا وعددًا متنوعة وجواهر نفيسة [وأخذوا من السبي شيئًا كثيرًا] فكتب قتيبة إلى الحجاج

стр. 4357

في أن يعطي ذلك للجند فأذن له فتموّل المسلمون وتقوّوا على قتال الأعداء، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جدًّا. وصارت لهم أسلحة وعُدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة ولله الحمد والمنة. وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج بن يوسف الثقفي، ونائبه على البصرة الجرّاح بن عبد اللّه الحكمي، وقاضيه بها عبد اللّه بن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد اللّه البَجَلي، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم. وفي هذه السنة توفي: عتبة بن عبدٍ السلمي (١)، صحابي جليل، نزل حمص، يروى أنه شهد بني قريظة، وعن العرباض أنه كان يقول هو خير مني أسلم قبلي بسنة. قال الواقدي وغيره: توفي في هذه السنة، وقال غيره بعد التسعين، واللّه أعلم. [قال أبو سعيد بن الأعرابي: كان عتبة بن عبدٍ السُّلَمي من أهل الصفة. وروى بقية، عن بُجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبدٍ السُّلمي أن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلًا يُجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله لحقّره يوم القيامة" (٢). وقال إسماعيل بن عياش، عن عقيل بن مدرك، عن لقمان بن عامر، عن عتبة بن عبد السلمي قال: اشتكيت إلى رسول الله ﷺ العُري فكساني خيشتين، فلقد رأيتني وأنا أَكسى الصحابة] (٣). والمقدام بن معدي كرب (٤)، صحابي جليل، نزل حمص أيضًا، له أحاديث، وروى عنه غير واحد من التابعين.

стр. 4358

قال محمد بن سعد والفلّاس وأبو عبيدة: توفي في هذه السنة. وقال غيرهم: توفي بعد التسعين فاللّه أعلم. أبو أمامة الباهلي (١) واسمه صُدَيّ بن عجلان، نزل حمص، وهو راوي حديث "تلقين الميت بعد الدفن" رواه الطبراني (٢) في الدعاء [وقد تقدم له ذكر في الوفيات. قبيصة بن ذؤيب (٣)، أبو سفيان الخزاعي المدني، ولد عام الفتح وأُتي به النبي ﷺ ليدعو له، روى عن جماعة كثيرة من الصحابة، وأصيبت عينه يوم الحرَّة، وكان من فقهاء المدينة، وكانت له منزلة عند عبد الملك، ويدخل عليه بغير إذن، وكان يقرأ الكتب إذا وردت من البلاد ثم يدخل على عبد الملك فيخبره بما ورد من البلاد فيها، وكان صاحب سرّه، وكان له دار بدمشق بباب البريد، وتوفي بدمشق. عروة بن المغيرة بن شعبة (٤)، ولي إمرة الكوفة للحجاج، وكان شريفًا لبيبًا مطاعًا في الناس، وكان أحول (٥). توفي بالكوفة. يحيى بن يعمر (٦)، كان قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وكان من فضلاء الناس

стр. 4359

وعلمائهم وله أحوال ومعاملات، وله روايات، وكان أحد الفصحاء، أخذ العربية عن أبي الأسود الدؤلي (١). شريح بن الحارث بن قيس القاضي (٢)، أدرك الجاهلية، واستقضاه عمر على الكوفة فمكث بها قاضيًا خمسًا وستين سنة، وكان عالمًا عادلًا كثير الخير، حسن الأخلاق، فيه دعابة كثيرة، وكان كوسجًا لا شعر بوجهه، وكذلك كان عبد اللّه بن الزبير، والأحنف بن قيس، وقيس بن سعد بن عُبادة، وقد اختلف في نسبه وسنه وعام وفاته على أقوال، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة، فاللّه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانة (٣) في جمادى من هذه السنة - وكان حصينًا منيعًا - اقتتل الناس عنده قتالًا عظيمًا وحمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ومعه ابن مُحيريز الجُمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه اللّه ؟ فقال: نادهم يأتوك، فنادى يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم ولجؤوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه. وذكر ابن جرير (٤): أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجَرِ أزواج رسول اللّه ﷺ ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مئتي ذراع في مئتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقوِّمه له قيمة عدل ثم اهدمه وأدفع إليهم الأثمان، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان. فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، [فشق عليهم ذلك وقالوا: هذه حُجَر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللَّبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي ﷺ فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويُكن،

стр. 4360

ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلي سقوفه. فلم يجد عمر بدًا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم، وتباكوا مثل يوم مات النبي ﷺ (١) فأجاب من له ملك متاخم للمسجد إلى بيعه فاشترى منهم، وشرع في بنائه وشمّر عن إزاره واجتهد في ذلك، وجاءته فعول كثيرة من جهة الوليد فأدخل فيه الحجرة النبوية [- حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد] (٢) وكانت حده من الشرق وسائر حُجَر أمهات المؤمنين ووسعه كما أمر الوليد، وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي ﷺ حتى تحققوا أنها قدم عمر ﵁، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد - كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدًا - واللّه أعلم. وذكر ابن جرير (٣): أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صنّاعًا للبناء، فبعث إليه بمئة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي نحو خمسين جملًا، ومئة ألف دينار (٤)، والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق، فاللّه أعلم. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوّارة بالمدينة، وأن يجري ماءها ففعل، وأمره أن يحفر الآبار وأن يُسهِّل [الطرق] والثنايا [وساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة، والفوّارة بنيت في ظاهر المسجد عند بقعة رآها فأعجبته] (٥). وفيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كوربُغانون (٦) ابن أخت ملك الصين، معه مئتا ألف [مقاتل، من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورًا] فكسرهم قتيبة بن مسلم وغنم من أموالهم شيئًا كثيرًا [وقتل منهم خلقًا وسبى وأسر]. وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز ومعه جماعات من أشراف قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة

стр. 4361

من أهل مكة فأخبروه عن قلّة الماء بمكة لقلّة المطر، فقال لأصحابه: ألا نستمطر؟ فدعا ودعا الناس فما زالوا يدعون حتى سُقُوا ودخلوا مكّة ومعهم المطر، وجاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر، ومطرت عرفة ومزدلفة ومنى، وأخصبت الأرض هذه السنة خصبًا عظيمًا بمكة وما حولها، وذلك ببركة دعاء عمر بن عبد العزيز [ومن كان معه من الصالحين]. وكان النواب على البلاد في هذه السنة هم الذين في التي قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللّه بن بُسر بن أبي بُسر المازني (١)، صحابي كأبيه، سكن حمص، وروى عنه جماعة من التابعين. قال الواقدي: توفي في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، زاد غيره وهو آخر من توفي من الصحابة بالشام، وقد جاء في الحديث أنه يعيش قرنًا (٢)، فعاش مئة سنة. عبد الله بن أبي أوفى (٣) - علقمة (٤) - بن خالد بن الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابي جليل، وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة، وكانت وفاته فيما قاله البخاري (٥) سنة سبع أو ثمان وثمانين، وقال الواقدي وغير واحد (٦): سنة ست وثمانين، وقد جاوز المئة، وقيل قاربها ﵁. [وفيها توفي: هشام بن إسماعيل (٧) بن هشام بن الوليد المخزومي المدني، وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبه

стр. 4362

على المدينة، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيِّب كما تقدم، ثم قدم دمشق فمات بها، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق في السَّبْع. عمير بن حكيم (١)، العنسي الشامي، له رواية، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجَّاج علانية إلا هو وابن مُحيريز أبو الأبيض، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة] (٢). ثم دخلت سنة تسع وثمانين فيها غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم فقتلا خلقًا كثيرًا وفتحا حصونًا كثيرة، منها حصن سورية وعمورية وهرقلة وقمودية (٣). وغنما شيئًا كثيرًا وأسرا جمًا غفيرًا. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الصغد ونَسَف وكِشْ، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك فظفر بهم فقتلهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك فقاتلهم يومين وليلتين عند مكان يقال له خَرَّقان (٤)، وظهر بهم فقال في ذلك نهار بن توسعة: وباتتْ لهم منّا بِخَرقانَ لَيْلةٌ … ولَيَلتُنا كانتْ بِخَرقانَ أطْولا (٥) ثم قصد قتيبة وردان خُذاه ملك بخارى فقاتله وردان قتالًا شديدًا فلم يظفر به قتيبة، فرجع عنه إلى مرو، فجاءه كتاب الحجاج يعنفه على الفرار والنكول عن العدو، وكتب إليه أن يبعث بصورة هذا البلد فبعث إليه بصورتها فكتب إليه أن ارجع إليها وتب إلى اللّه من ذنبك وائتها من مكان كذا وكذا، ورِدْ وردان خذاه، وإياك والتحويط، ودعني وبُنيَّات الطريق (٦). وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك إمرة مكة لخالد بن عبد اللّه القَسْري، فحفر بئرًا بأمر الوليد عند ثنيّة. طُوى وثنيّة الحجون، فجاءت عذبة طيبة ماؤها، وكان يستقي منها الناس. وروى الواقدي: حدثني عمر بن صالح، عن نافع مولى بني مخزوم. قال: سمعت خالد بن عبد اللّه القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس: أيها الناس! أيهما أعظم عندكم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ واللّه لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحًا أجاجًا، واستسقى

стр. 4363

الخليفة فسقاه عذبًا فراتًا - يعني البئر التي احتفرها بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال ثم غارت تلك البئر فذهب ماؤها فلا يدرى أين هو إلى اليوم. وهذا الإسناد غريب، وهذا الكلام يتضمن كفرًا إن صحَّ عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد اللّه لا يصح عنه هذا الكلام، وإن صحّ فهو عدو اللّه، وقد قيل عن الحجاج بن يوسف نحو هذا الكلام من أنه جعل الخليفة أفضل من الرسول الذي أرسله الله، وكل هذه الأقوال تتضمن كفر قائلها (١). وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك (٢) الترك حتى بلغ باب [الأبواب] (٣) من ناحية أذربيجان، وفتح حصونًا ومدائن كثيرة هنالك. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز. قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي (٤): وفي هذه السنة فتحت ميورقة ومَنورقة [وهما في البحر بين جزيرة صقلية وجزيرة الأندلس. وفيها سيّر موسى بن نصير ولده إلى النقريس ملك الفرنج فافتتح بلادًا كثيرة] (٥). وفيها توفي من الأعيان: عبد اللّه بن بسر (٦) بن أبي بسر المازني، له ولأبيه صحبة، والصحيح أنه توفي في التي قبلها. عبدُ الله بن ثعلبة بن صُعَير (٧) أحد التابعين العُذْري الشاعر، وقد قيل إنه أدرك حياة النبي ﷺ ، ومسح على رأسه (٨)، وكان الزهري يتعلم منه النسب. والعمال في هذه السنة هم المذكورون في التي قبلها.

стр. 4364

ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم؛ ففتحا حصونًا وقتلا خلقًا من الروم وغنما وأسرا خلقًا كثيرًا. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك. وفيها عزل الوليد أخاه عبد اللّه بن عبد الملك عن إمرة مصر وولَّى عليها قُرّة بن شريك. وفيها قَتل محمد بن القاسم ملك الهند داهر بن صصَّة (١)، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج. وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير (٢). وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنًا عليه. وفيها نقض نيزك ملك الترك الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يدًا واحدة على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع [وتعاهدوا وتعاقدوا] على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة عظيمة جدًّا [لم يسمع بمثلها] وصلب منهم سماطين في مسافة أربع فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم (٣). وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلّب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، فكان في ذلك بغيض الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في

стр. 4365

ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج: أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عيه فطلقها الحجاج ثم أودعهم في السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشًا إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلّب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم اتبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن [وساروا نحو الشام] فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمرهم بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع - عبد الرحمن بن محمد - بن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب. وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلّب لهذا اليوم، فركبها وسلك به دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن (١) على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريمًا على سليمان بن عبد الملك - فسار إليه فقال له: إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فائتني بهم فهم آمنون ما دمت حيًا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي. فكتب إليه الوليد: لا واللّه لا أؤمنه حتى تبعث به إليّ. فكتب إليه: لا واللّه لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري. فكتب إليه: لا واللّه لا تجيء معه وابعث به إليّ في وثاق. فقال يزيد: ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربًا، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة، قال: واللّه لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه وقال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فواللّه إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أُجر إلا سامعًا مطيعًا، حسن البلاء

стр. 4366

والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي وإخفار ذمتي والإبلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك باللّه من احتراد (١) قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك بِرّي [وإجابتي إلى ما سألتك] ووصلتي، فواللّه يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرِّق الموت بيني وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام اللّه سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤدٍّ، وعن مساءتي نازع فليفعل، وواللّه يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى اللّه بأسرَّ مني برضاك وسرورك، وإن رضاك وسرورك أحب إليّ من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان اللّه لصلتي ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يومًا من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو عليّ. فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد شققنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلّم يزيد بن المهلّب فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفره فلسنا بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما إن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس؛ فجلس، فأمنه وكف عنه وردَّه إلى سليمان، وكان عنده يعلِّمه الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الطيبة، وكان حظيًّا عنده لا يُهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخي سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إليّ فيهم. فكفّ الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلّب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلّب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، كما سيأتي، وولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج (٢). وفيها توفي من الأعيان: تياذوق (٣) الطبيب (٤) الحاذق، له مصنفات في فنه، وكان حظيًّا عند الحجّاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط. [وفيها توفي: عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة (٥).

стр. 4367

وأبو العالية الرِّياحي (١). وسِنان بن سَلَمة بن المحبَّق (٢)، أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولّى غزو الهند، وطال عمره. وتوفي في هذه السنة: محمد بن يوسف الثقفي (٣) أخو الحجاج، وكان أميرًا على اليمن، وكان يلعن عليًا على المنابر، قيل إنه أمر حجر المدري أن يلعن عليًا فقال: بل لعن اللّه من يلعن عليًا، ولعنة الله على من لعنه الله (٤). وقيل إنه ورَّى في لعنه، فاللّه أعلم] (٥). خالد بن يزيد بن معاوية (٦)، أبو هاشم الأموي الدمشقي، وكانت داره بدمشق تلي دار الحجارة،

стр. 4368

وكان عالمًا شاعرًا، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء (١)، وكان يعرف شيئًا من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي، وعنه الزهري وغيره. قال الزُّهري: كان خالد يصوم الأعياد كلَّها الجمعة والسبت والأحد. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولي العهد من بعد مروان فلم يتم له الأمر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه: أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وأرجى شيء العمل. وقد امتدحه بعض الشعراء فقال: سألت الندا والجودَ حُرّانِ أنتما … فقالا جميعًا (٢) إننا لعبيدُ فقلتُ ومن مولاكُما فتطاولا … عليّ وقالا خالدُ بن يزيد (٣) قال: فأمر له بمئة ألف. وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول. عبد اللّه بن الزَّبير (٤) بن سُليم، الأسدي، الشاعر أبو كثير (٥)، ويقال أبو سعيد، وهو مشهور، وفد على عبد اللّه بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئًا فقال: لعن اللّه ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزُّبير: إنَّ وصاحبها، يقال إنه مات في زمن الحجاج. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصونًا كثيرة أيضًا [وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك] (٦).

стр. 4369

وفيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنًا كثيرة [ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارّة سائغة، فبادوا جميعًا فلا مخبر بها] (١). وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة [وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدو في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم، فاجتمعوا اجتماعًا هائلًا لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة] وقتل منهم أممًا كثيرة، وكسر جيوشهم، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض الأماكن من جملة من أخذه من الأسارى سماطين طولها أربعة فراسخ من هاهنا وهاهنا، عن يمينه وشماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شيء كثير، وقتل في الكفار قتلًا ذريعًا، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم، إلى إقليم، ومن كورة إلى كورة، ومن رستاق إلى رستاق، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك (٢) شهرين متتابعين، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة، وأشرف هو ومن معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنًا [مذمومًا مخذولًا] فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يومًا بقتله، فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه، فقائل يقول: اقتله. وقائل يقول لا تقتله، فقال له بعض الأمراء: إنك أعطيت اللّه عهدًا لئن ظفرت به لتقتلنه، وقد أمكنك اللّه منه، فقال قتيبة: واللّه إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال: اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو وسبعمئة من أصحابه في غداة واحدة (٣). قال الواقدي وغيره (٤): وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما اقترب قدومه إلى المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم، ودخل المدينة النبوية فأخلي له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم، فقالوا له: تنحَّ عن المسجد أيها الشيخ، فإن أمير المؤمنين

стр. 4370

قادم، فقال: واللّه لا أخرج منه، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي هاهنا ويدعو هاهنا، قال عمر بن عبد العزيز: وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال: من؟ هذا أهو سعيد بن المسيّب؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك. فقال: قد علمت حاله، وجعل يدور في المسجد ويتفرج في عمارته ويسألني عن سعيد بن المسيّب، فقلت: إنه وإنه، وقصدت موافقته في ذلك، فشرع يثني عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال: نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلّم عليه فلم يقم له سعيد، ثم قال الوليد: كيف الشيخ؟ فقال: بخير والحمد للّه، كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد: بخير والحمد للّه وحده، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز: هذا بقيَّة الناس. فقال: أجل يا أمير المؤمنين. قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول اللّه ﷺ فجلس في الخطبة الأولى وانتصب قائمًا في الثانية، وقال: هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبًا كثيرًا وفضة كثيرة، ثم كسا المسجد النبوي بكسوة من كسوة الكعبة التي معه، وهي من ديباج غليظ. وتوفي في هذه السنة: السائب بن يزيد (١) بن سعيد بن ثمامة، وقد حج به أبوه مع رسول اللّه ﷺ وعمره سبع سنين، رواه البخاري (٢). فلهذا قال الواقدي: إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي سنة إحدى وتسعين. وقال غيره: سنة ست وقيل ثمان وثمانين، فاللّه أعلم. سهل بن سعد الساعدي (٣)، صحابي مدني جليل، توفي رسول اللّه ﷺ وله من العمر خمس عشرة سنة، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد اللّه في يده، ليذلّهم كيلا يسمع الناس من رأيهم، قال الواقدي: توفي سنة إحدى وتسعين عن مئة سنة، وهو آخر من مات في المدينة من

стр. 4371

الصحابة. قال محمد بن سعد: وليس في هذا خلاف، وقد قال البخاري وغيره: توفي سنة ثمان وثمانين، فاللّه أعلم (١). ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصونًا كثيرة وغنما شيئًا كثيرًا وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم (٢). وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في اثني عشر ألفًا، فخرج إليه ملكها أدرينوق (٣) في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره [فكان من جملة ذلك السرير] وتملك بلاد الأندلس بكمالها [قال الذهبي (٤): كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب، وكان نائبًا لمولاه موسى بن نصير، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء (٥) يستنجد به على عدوه، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق (٦)، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، ثم سار إليه مسرعًا بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأقام سنين (٧) يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال (٨)، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال، فغنم شيئًا لا يحد ولا يوصف ولا يعد، من

стр. 4372

الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئًا كثيرًا، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئًا كثيرًا. وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية. وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالًا كثيرة، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجعوا (١) إلى مرو، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورحل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون: إنك قد بؤت بالذل، وأديت الجزية، وأنت شيخ كيبر، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خان (٢) - أخا طرخون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد، وكان من أمرهم ما سيأتي] (٣). وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رُتبيل ملك الترك الأعظم، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه (٤)، فصالحه. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة. وتوفي فيها من الأعيان: مالك بن أوس بن الحدثان البصري (٥)، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته. قال بعضهم (٦): ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر.

стр. 4373

وقال محمد بن سعد: رأى رسول اللّه ﷺ ولم يحفظ منه شيئًا، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم، وقالوا: لا تصح له صحبة، والله أعلم. مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، فاللّه أعلم. طويس المغني (١)، اسمه عيسى بن عبد اللّه، أبو عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم، كان بارعًا في صناعته، وكان طويلًا مضطربًا أحول العين، وكان مشؤومًا، لأنه ولد يوم مات رسول الله ﷺ ، وفطم يوم توفي الصديق، واحتلم يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل الحسين بن علي، وقيل ولد له يوم قتل علي. حكاه ابن خلِّكان وغيره. وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويداء (٢)، وهي على مرحلتين من المدينة. الأخطل (٣)، كان شاعرًا مطبقًا، فاق أقرانه في الشعر. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصونًا كثيرة من بلاد الروم، منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك. وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سَمَسْطيَّة. وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة (٤). وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالًا ورقيقًا كثيرًا على أن يقاتل أخاه (٥) ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالًا أو نساءً أو صبيانًا أو

стр. 4374

دواب أو غيره، فأقبل قتيبة - نصره - الله - في الجيوش فسلَّم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشًا فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فدفع أخاه إليه، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته، قتل ألفًا بين يديه وألفًا عن يمينه وألفًا عن شماله وألفًا من وراء ظهره، ليرهب بذلك الأعداء من الترك وغيرهم. فتح سمرقند ولما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء (١): إن أهل الصغد (٢) قد أمَّنوك عامك هذا، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يومًا من الدهر فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لأحد؟ قال: لا! قال فلأن يسمعه منك أحد أضرب عنقك. ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفًا فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السَّطوة من أبناء الملوك والأمراء، وأمروهم أن يسيروا إليهم في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرّد أخاه صالحًا في ستمئة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، وقال: خذوا عليهم الطريق، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرّقوا ثلاث فوق، فلما اجتازوا بهم باللّيل - وهم لا يشعرون بهم - ثاروا عليهم فاقتتلوا هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلّاة بالذهب (٣)، والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمئة فارس أو بألف فارس، فنفَّلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح، واقترب قتيبة من المدينة العظيمة التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق - وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من أهل بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالًا شديدًا، فأرسل إليه غورك (٤) ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي، فاخرج إليّ في العرب. فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم (٥)، وقدّم الشجعان من العرب وأعطاهم جيّد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرائر الدُّخن، وقام رجل منهم

стр. 4375

فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه. فمات بعد ذلك فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف، ثم لما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضًا ثلمة وصعد المسلمون فوقها وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غدًا، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على ألفي ألف ومئة ألف يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب، وفي رواية مئة ألف من رقيق (١)؛ وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجدًا، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج. فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال وصلى في المسجد وخطب وتغدى وأُتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها [فتصارخوا وتباكوا]، وقال المجوس: إن فيها أصنامًا [قديمة] من أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة: إني لك ناصح فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، ثم أخذ في يده شعلة نار، وقام إليها وهو يكبر الله ، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب. وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد (٢) فأهداها إلى الحجاج، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد. ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتم عليه، ولكن الجند يقيمون عندكم من جهتنا. فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ الآية [النجم: ٥٠، ٥١] ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له: لا تدع مشركًا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فإن جفَّت وهو بها فاقتله، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكَّينة فاقتله بها وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدًا فاقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري (٣) - ويقال هي لرجل من جعفى: - كل يومٍ يحوي قتيبةُ نهبًا … ويزيدُ الأموالَ مالًا جديدا باهليّ قد ألبسَ التاجَ حتى … شابَ منهُ مفارقٌ كُنَّ سُودا دوّخَ الصُّغدَ بالكتائبِ حتى … تركَ الصغدَ بالعراءِ قُعُودا فوليدٌ يبكي لفقدِ أبيهِ … وأبٌ موجَعٌ يُبَكي الوليدا كلما حلَّ بلدةً أو أتاها … تركتْ خيلُهُ بها أُخْدودا (٤)

стр. 4376

وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقًا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود ﵉، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جدًّا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فقدم بها على سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه (١) [وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها. واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير. وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنًا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطليطلة (٢)، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتي مدينةً فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربًا وشرقًا وشمالًا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدًا بلدًا، وإقليمًا إقليمًا، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة] (٣). وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبًا شديدًا، فخرج بهم موسى بن نصير فاستسقى بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا الموضع موضع ذاك، فسقاهم الله مطرًا غزيرا (٤). وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطًا بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماءٍ بارد، في يوم شتاءٍ بارد، وأقامه على باب المسجد يومه ذلك فمات ﵀. [وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول: هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم

стр. 4377

يصيح صياح المرأة الثَّكلى، وكان إذا أثنى عليه يقول: خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبًا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلَّة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك (١). وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الديبُل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلًا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدًّا فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك (٢). فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين -، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه. فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفًا وأموالًا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفًا منه. ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قُتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعًا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبًا. ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة. من جيش العراق وغيرهم. وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم. وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان. وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل

стр. 4378

بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائمًا في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند. وقد فتح محمود سُبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادًا كثيرة من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادًا كثيرة، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقلّ ناصروه، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى (١). وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولايه (٢)، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولِّ على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، ففعل. فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة. وحجَّ بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أنس بن مالك (٣) بن النَّضْر بن زيد بن حَرام بن جُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن

стр. 4379

النجار، أبو حمزة. ويقال أبو ثمامة (١) الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ﷺ وصاحبه. وأمه أم سليم (٢) مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله ﷺ أحاديث جمّة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وغيرهم. وحدث عنه خلق من التابعين. قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (٣). وقال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله ﷺ (٤). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (٥): لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي. قلت: الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المشاهد، والله أعلم. وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال؛ "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة" (٦). وثبت عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ﷺ ببقله (٧) كنت أجْتنيها (٨). وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك. وثبت عنه أنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي، ولا قال لي لشيء لم لا فعلت هكذا. وقيل: إن النبي ﷺ دعا له فقال: "اللهم كثّر ماله وولده، وطوِّل حياته".

стр. 4380

وكان أنس ﵁ كثير الصلاة والصيام والعبادة (١). وقد انتقل بعد النبي ﷺ فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجّاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر وأفتى فيه (٢)، فختمه الحجاج في عنقه: هذا عتيق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدّمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسًا (٣). وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني المسجد الجامع بدمشق. قال مكحول: رأيت أنسًا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء. وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله (٤) بن أبي المهاجر قال: قدم أنس بن مالك على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنتم والساعة كهاتين" (٥). ورواه عبد الرزاق بن عمر (٦) عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره. وقال الزُّهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول الله ﷺ وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم (٧). وفي رواية وهذه الصلاة قد ضُيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي. وقال عبد بن حميد (٨)، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له. فقال؛ "اللهم أكثر ما له وولده وأدخله الجنة". قال: فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
следующие страницы →