← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقًا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود ﵉، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جدًّا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فقدم بها على سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه (١) [وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها. واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير. وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنًا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطليطلة (٢)، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتي مدينةً فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربًا وشرقًا وشمالًا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدًا بلدًا، وإقليمًا إقليمًا، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة] (٣). وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبًا شديدًا، فخرج بهم موسى بن نصير فاستسقى بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا الموضع موضع ذاك، فسقاهم الله مطرًا غزيرا (٤). وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطًا بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماءٍ بارد، في يوم شتاءٍ بارد، وأقامه على باب المسجد يومه ذلك فمات ﵀. [وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول: هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم

стр. 4377

يصيح صياح المرأة الثَّكلى، وكان إذا أثنى عليه يقول: خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبًا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلَّة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك (١). وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الديبُل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلًا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدًّا فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك (٢). فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين -، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه. فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبي ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفًا وأموالًا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفًا منه. ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قُتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعًا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبًا. ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة. من جيش العراق وغيرهم. وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم. وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان. وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل

стр. 4378

بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائمًا في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند. وقد فتح محمود سُبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادًا كثيرة من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادًا كثيرة، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقلّ ناصروه، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى (١). وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولايه (٢)، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولِّ على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، ففعل. فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة. وحجَّ بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أنس بن مالك (٣) بن النَّضْر بن زيد بن حَرام بن جُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن

стр. 4379

النجار، أبو حمزة. ويقال أبو ثمامة (١) الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ﷺ وصاحبه. وأمه أم سليم (٢) مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله ﷺ أحاديث جمّة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وغيرهم. وحدث عنه خلق من التابعين. قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (٣). وقال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله ﷺ (٤). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (٥): لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي. قلت: الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المشاهد، والله أعلم. وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال؛ "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة" (٦). وثبت عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ﷺ ببقله (٧) كنت أجْتنيها (٨). وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك. وثبت عنه أنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي، ولا قال لي لشيء لم لا فعلت هكذا. وقيل: إن النبي ﷺ دعا له فقال: "اللهم كثّر ماله وولده، وطوِّل حياته".

стр. 4380

وكان أنس ﵁ كثير الصلاة والصيام والعبادة (١). وقد انتقل بعد النبي ﷺ فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجّاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر وأفتى فيه (٢)، فختمه الحجاج في عنقه: هذا عتيق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدّمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسًا (٣). وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني المسجد الجامع بدمشق. قال مكحول: رأيت أنسًا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء. وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله (٤) بن أبي المهاجر قال: قدم أنس بن مالك على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنتم والساعة كهاتين" (٥). ورواه عبد الرزاق بن عمر (٦) عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره. وقال الزُّهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول الله ﷺ وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم (٧). وفي رواية وهذه الصلاة قد ضُيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي. وقال عبد بن حميد (٨)، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له. فقال؛ "اللهم أكثر ما له وولده وأدخله الجنة". قال: فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.

стр. 4381

وفي رواية: قال أنس: فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المئة. وفي رواية وإن ولدي لصلبي مئة وستة. ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدًّا. وفي رواية قال أنس: وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومئة (١). وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر (٢) في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفًا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد. وقال ثابت لأنس: هل مسّت يدُكَ كفَّ رسول الله ﷺ . قال: نعم! قال فأعطنيها أقبلها. وقال محمد بن سعد (٣)، عن مسلم بن إبراهيم، عن المثنى بن سعيد الذراع (٤) قال سمعت أنس بن مالك يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ﷺ ثم يبكي. وقال محمد بن سعد (٥) عن أبي نعيم عن يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو قال: كان اْنس صاحب نعل رسول الله ﷺ واداوته. وقال أبو داود: حدّثنا الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس. قال: إني لأرجو أن ألقى رسول الله ﷺ فأقول: يا رسول الله خويدمك. وقال الإمام أحمد (٦): حدّثنا يونس، حدّثنا حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس. قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة. قال: "أنا فاعل" قلت: فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط" قلت؛ فإذا لم ألقك؟ قال: "فأنا عند الميزان" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة". ورواه الترمذي (٧) وغيره من حديث حرب بن ميمون، أبي الخطاب الأنصاري به وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال شعبة: عن ثابت قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك (٨) -.

стр. 4382

وقال ابن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر (١). وقال أنس: خذ مني فأنا أخذت من رسول الله ﷺ عن الله ، ولست تجد أوثق مني (٢). وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه سمعت أنسًا يقول: ما بقي أحد صلى إلى القبلتين غيري (٣). وقال محمد بن سعد (٤): حدّثنا عفان، حدّثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الجريري (٥) يقول: أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلمًا إلا بذكر الله حتى أحلّ، فقال لي: يا بن أخي هكذا الإحرام. وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ﷺ نتحدث فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم: مه (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا بشار بن موسى الخفّاف، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قَهْرمانه (٧) فقالت: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البريّة فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السّحاب يلتئم ثم أمطرت حتى [خيل إلينا أنها] ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعدُ أرضه إلا يسيرًا (٨). وقال الإمام أحمد: حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، عن محمد، قال: كان أنس إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ حديثًا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ . وقال الأنصاري (٩): عن ابن عون عن محمد قال: بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئًا من الفيء فقال أخُمّس؟ قال: لا، فلم يقبله. وقال النضر بن شداد، عن أبيه: مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني (١٠).

стр. 4383

وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا أبو عبد الله الرَّقاشي، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثنا علي بن زيد قال: كنت في القصر مع الحجّاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوّال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزّبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجّاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصَّمْغة، ولأجْردنك كما تجرَّد الضب. قال: يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال إياك أعني، أصمّ الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشُغل الحجّاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرَّحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي - وفي رواية: لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبدا (١). وقد ذكر أبو بكر بن عيَّاش: أن أنسًا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: واللّه لو أن اليهود والنصارى رأوا مَن خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. وذكر أذية الحجاج له، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم، فكتب إليه يقول: ويلك لقد خشيت أن لا يصلح على يدك أحد. وذكر له كلامًا فيه غلظة ويقول فيه: إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس واعتذر إليه. فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجَّاج بالمصالحة [وكان إسماعيل صديق الحجاج] فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال: إنما مثلي ومثلك: إياكِ أعني واسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لأحد عليّ منطق. وقال ابن قتيبة (٢): كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لأنس ما قال -: يا بن المُسْتَفْرمة بعجم الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أفيتل الرَّجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المُسْتَفْرمة عجم الزبيب - أي تضيق فرجها عند الجماع به، ومعنى أركلك: أي: أرفسك برجلي، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين. وقال أحمد بن صالح العِجْلي (٣): لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك كان به وَضح. وقال الحميدي: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: رأيت أنسًا ياكل فرأيته يلقم لقمًا عظامًا، ورأيت به وضحًا شديدًا (٤).

стр. 4384

وقال أبو يعلى (١): حدّثنا عبيد (٢) الله بن معاذ العَنْبري، حدّثنا أبي، حدّثنا عمران عن (٣) أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكينًا فأطعمهم. وذكره البخاري تعليقا (٤). وقال شعبة: عن موسى السُّنْبُلاني قلت لأنس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي (٥). "وقيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب أمرضني، وجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض. وكانت عنده عُصيَّة من رسول الله ﷺ فأمر بها فدفنت معه (٦). وقال عمر بن شبّة وغير واحد: مات وله مئة وسبع سنين (٧). وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد: أن أنسًا عمّر مئة سنة غير سنة. قال الواقدي (٨): وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد. وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل سنة تسعين، وقيل إحدى وتسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل ثلاث وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور، والله أعلم. [وقال الإمام أحمد: حدّثني أبو نعيم قال: توفي أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين]. قال قتادة: لما مات أنس قال مورَّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال: كإن الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه (٩).

стр. 4385

عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة (١) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور، يقال إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل علي، فاللّه أعلم، وكان مشهورًا بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا (٢) بنت علي بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة: أيها المُنكحُ الثريّا سُهَيْلًا … عَمْركَ الله كيفَ يلتقيانِ هي شاميةٌ (٣) إذا ما استقلَّت … وسُهيلٌ إذا استقلَّ يمانِ ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خَلكان (٤): حيّ طيْفًا من الأحبةِ زارا … بعدما برَّحَ (٥) الكرى السُّمَّارا (٦) طارقًا في المنامِ بعدَ دجى اللّيـ … ـلِ خفيا (٧) بأن يزورَ نهارا قلتُ: ما بالُنا جُفينا وكنّا … قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارا قال: إنا كما عهدتَ ولكنْ … شغل الحلي أهلُه أنْ يُعارا بلال بن أبي الدرداء (٨)، ولي إمرة دمشق ثم ولي القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولاني. كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الذي بباب الصغير الذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبي الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ ، فإن بلالًا المؤذن دفن بداريّا، والله أعلم.

стр. 4386

بسر بن سعيد (١)، المزني (٢) السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين، الزهاد المعروفين، توفي بالمدينة. زرارة بن أوفى (٣) بن حاجب العامري، قاضي البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [الأيه: ٨]، خرّ ميتًا (٤). توفي بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة. خبيب بن عبد الله (٥) بن الزُّبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكي. مات بالمدينة. حفص بن عاصم (٦) بن عمر بن الخطاب المدني، له روايات كثيرة، وكان من الصالحين. توفي بالمدينة. سعيد بن عبد الرحمن (٧) بن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الأشراف بالبصرة، كان جوادًا ممدحًا، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين (٨).

стр. 4387

فروة بن مجاهد (١)، قيل إنه كان من الأبدال (٢)، أُسر مرّة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة: هل لكم في المضي إلى بلادنا؟ فقالوا: وما ترى ما نحن فيه من الضيق؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد. أبو الشعثاء جابر بن زيد (٣): كان لا يماكس في ثلاث، في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية. وقال: لا تماكس في شيء يُتقرب به إلى الله. وقال ابن سيرين: كان أبو الشعثاء مُسلِّمًا عند الدينار والدرهم (٤)، قلت؛ كما قيل: إني رأيتُ فلا تظنوا غيرهُ … أنّ التورع عندَ هذا الدرهمِ فإذا قدرتَ عليه ثم تركتهُ … فاعلمْ بأن تقاكَ تقوى المسلمِ وقال أبو الشعثاء: لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إليّ من حجة بعد حجة الإسلام. كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم، كان يفتي في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسأله يقول: كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء (٥)؟. وقال له جابر بن عبد الله: يا بن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أعلم بفتيا من جابر بن زيد (٦). وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عُمان. وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض. وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرًا للقضاء

стр. 4388

أنا أحدهم - أي: عمرو - فلو أني ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض (١). وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك. وأخذ مرة قبضة تراب من حائط، فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم قالوا: لو كان كلما مربه أخذ منه قبضة لم يبق منه شيء. وقال أبو الشعثاء: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك. وقال سيار: حدّثنا حماد بن زيد، حدّثنا الحجاج بن أبي عيينة. قال: كان جابر بن زيد يأتينا في مصلّانا، قال: فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من عمري ستون سنة نعلاي هاتان أحب إليّ مما مضى منه إلا أن يكون خير قدَّمته (٢). وقال صالح الدَّهان: كان جابر بن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم. الستوق الدرهم المغاير أو الدغل، وقيل: هو المغشوش. وروى الإمام أحمد: حدّثنا أبو عبد الصمد العَمِّي، حدّثنا مالك بن دينار قال: دخل عليّ جابر بن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نِعْم الصنعة صنعتك، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به (٣). وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] قال ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة (٤) ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٥]. وقال سفيان: حدّثني أبو عمير الحارث بن عُمير قال: قالوا لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي وما تريد؟ قال: نظرة إلى الحسن. وفي رواية عن ثابت قال: لما ثقل على جابر بن زيد قيل له: ما تشتهي؟ قال نظرة إلى الحسن. قال ثابت: فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه، فلما دخل عليه قال لأهله: أقعدوني، فجلس فما زال يقول: أعوذ بالله من النار وسوء الحساب (٥). وقال حماد بن زيد: حدّثنا حجاج بن أبي عيينة قال: سمعت هندًا بنت المهلّب بن أبي صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا: إنه كان إباضيًا، فقالت: كان جابر بن

стр. 4389

زيد أشد الناس انقطاعًا إليَّ وإلى أمي، فما أعلم عنه شيئًا، وكان لا يعلم شيئًا يقرّبني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئًا يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرني بها، وكان ليأمرني أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة (١). أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس (٢). ثم دخلت سنة أربعة وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل إنه فتح أنطاكية (٣)، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزاله (٤)، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام (٥). [وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سَنْدَرة من أرض الروم. وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر بن الخطاب ﵁] (٦). وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند (٧) وغنم أموالًا لا تعد ولا توصف، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره.

стр. 4390

وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خُجَندة وكاشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند [ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها] (١) وقد لقية المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خُجَنْدة فكسرهم مرارًا [وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقًا وأسر آخرين، وغنم أموالًا كثيرة جدًّا] (٢). قال ابن جرير (٣): وقد قال سَحْبان وائل يذكر قتالهم بخُجَنْدة [التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتًا في ذلك]: فسلِ الفوارسَ في خجنـ … دةَ تحتَ مُرهَفَةِ (٤) العوالي هلْ كنتُ أجمعُهم (٥) إذا … هُزموا وأُقدِمُ في فتالي أمْ كنتُ أضربُ هامةَ الـ … عاني (٦) وأصْبُر للنزال (٧) هذا وأنتَ قريعُ قيـ … سٍ كُلِّها ضَخْمُ النَّوال وفضلتَ قيسًا في النَّدى .... وأبوكَ في الحِجَج الخَوالي تمّتْ مروءتُكُمْ ونا … غى عزَّكمْ غُلْبَ الجِبالِ ولقد تبيَّنَ عدل (٨) حُكـ … مك فيهمُ في كلِّ مالِ هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة. وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في "منتظمه" (٩) أن سَحْبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين، فالله أعلم.

стр. 4391

مقتل سعيد بن جبير (١) ﵀ قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وكان سبب ذلك أن الحجّاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رُتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القَسْري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها، فقال سعيد: واللّه لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيَّان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث مَنْ بالمدينة من أهل (٣) العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلّم منه خالد بن عبد الله القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق بن حبيب. ويقال: إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقوامًا من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق بن حبيب فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير فلما أوقف بين يديه قال له: يا سعيد ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك؟ ألم أفعل ألم أفعل؟ كل ذلك يقول: نعم، حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله، حتى قال له: فما حملك على الخروج عليَّ وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد: إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم عليّ، فغضب عند ذلك الحَجّاج غضبًا شديدًا، وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، وقال له: ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليًا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال: بلى، قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسي اضرب عنقه. قال: فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء. وقال الواقدي: لما أُوقف سعيد بن جبير قدَّام الحجاج قال: يا شقي بن كسير أما قدمت الكوفة

стр. 4392

فجعلتك إمامًا؟ قال: بلى. قال: أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة أنه لا يصلح للقضاء إلا عربي، فجعلت أبا بردة وأمرته أن لا يقطع أمرًا دونك؟ قال: بلى. قال: أما أعطيتك مئة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث. فغضب الحجاج وقال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال: أكفرت إذ خرجت عليَّ؟ فقال: ما كفرت منذ آمنت. فقال: اختر أي قتلة أقتلك. فقال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك. فقال الحجاج: يا حرسي اضرب عنقه، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين بواسط، وقبره ظاهر يزار. ولما قتله خرج منه دم كثير حتى راع الحجاج، فدعا طبيبًا فسأله عن ذلك فقال: إنك قتلته ونفسه معه وقلبه حاضر. وقيل: إن الحجاج رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلي بكل رجل قتلته قتلة، وقتلني بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة، والله أعلمَ (١). قال ابن جرير (٢): فحُدِّثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فَنَدَر رأسه هلَّل ثلاثًا، مرة يفصح بها، وفي الثَّنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها. وذكر أبو بكرة الباهلي (٣) قال: سمعت أنس بن أبي شيخ يقول: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد القسري، وكان هو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد ما أخرجك عليّ؟ فقال: أصلح الله الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج وانطلق (٤) وجهه، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره، ثم عاوده في شيء فقال سعيد؛ إنما كانت بيعة في عنقي؛ فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله. وذكر عتاب بن بشر (٥)، عن سالم الأفطس قال: أُتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه. قال: والتبس الحجاج في عقله مكانه، فجعل يقول: قيودُنا قيودُنا، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود.

стр. 4393

وقال محمد بن حاتم (١): ثنا عبد الملك بن عبد الله [عن هلال]، بن خَبَّاب، قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: أكتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال: بلى كَتَبَ إليَّ مصعب، قال: لا والله لأقتلنك قال: إني إذًا لسعيد كما سمتني أمي. قال فقتله، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يومًا، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيما قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي ولسعيد بن جُبير، ما لي ولسعيد بن جُبير؟. قال ابن خلكان (٢): كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة (٣) كوفيًا أحد الأعلام من التابعين، وكان أسود اللَّون، وكان لا يكتب على الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك، وذكر مقتله كنحو ما تقدم، وذكر أنه كان في شعبان، وأن الحجاج مات بعده في رمضان، وقيل قبل بستة أشهر. وذكر عن الإمام أحمد (٤) أنه قال: قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه. ويقال إن الحجاج لم يُسلَّط بعده على أحد، وسياْتي في ترجمة الحجاج أيضًا شيء من هذا. قال ابن جرير (٥): وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها علي بن الحسين [زين العابدين] ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام [وسعيد بن جبير من أهل مكة] (٦). وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا "التكميل" (٧)، وسنذكر طرفًا صالحًا هاهنا إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير: واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن حبيب (٨) وحج بالناس فيها العباس (٩) بن الوليد، ويقال مسلمة بن عبد الملك.

стр. 4394

وكان على نيابة مكة خالد بن عبد الله القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيّان، وعلى المشرق بكماله الحَجَّاج، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجرّاح بن عبد الله الحَكَمي، وعلى قضائها عبد الله (١) بن أذينة، واللّه أعلم. ذكر من توفي فيها من المشاهير والأعيان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي (٢) الوالبي مولاهم أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الكوفي المكي، من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم، وكثرة العمل الصالح، ﵀، وقد رأى خلقًا من الصحابة، وروى عن جماعة منهم، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، يقال إنه كان يقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة. وقد قال ابن عباس - وقد أتاه أهل الكوفة يسألونه -: أليس فيكم سعيد بن جبير (٣). وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه (٤). وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر [الحجاج] هرب سعيد إلى أصبهان، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدَّث بها، وكان بخراسان يتحزن (٥) لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك، كان يقول: إن مما يهمني ما عندي من العلم، وددت أن الناس أخذوه. واستمر في هذا الحال مختفيًا من الحجاج قريبًا من ثنتي عشرة سنة، ثم أرسله خالد القَسْري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبًا. وقال أبو نعيم في كتابه الحلية (٦): حدّثنا أبو حامد بن جَبَلة، حدّثنا محمد بن إسحاق، حدّثنا

стр. 4395

محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدّثنا سفيان (١)، عن سالم بن أبي حفصة. قال: لما أُتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا! إنما أنا سعيد بن جبير، قال لأقتلنك، قال: أنا إذًا كما سمتني أمي سعيدًا! قال شقيت وشقيت أمك، قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجَّهوه إلى قبلة النصارى، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قال: إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال: وما عاذت به؟ قال: قالت ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحدًا. [وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا نارًا تَلَظَّى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلَهًا. وفي رواية أنه لما أراد قتله قال: وجِّهوه إلى قبلة النصارى، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فقال: اجلدوا به الأرض، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم. فقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. وقد ذكر أبو نعيم هنا كلامًا كثيرًا في مقتل سعيد بن جبير، أحسنه هذا، واللّه أعلم] (٢). وقد ذكرنا صفة مقتله إياه، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، وقد عوجل الحجاج، فلم يلبث بعده إلا قليلًا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يومًا، وقيل أربعين يومًا، وقيل ستة أشهر، واللّه أعلم. وتنغصت به على الحجاج حياته في يقظته ومنامه. واختلفوا في عمر سعيد بن جبير ﵀ حين قتل، فقيل تسعًا وأربعين سنة (٣)، وقيل سبعًا وخمسين، فالله أعلم. قال أبو القاسم اللالكائي: كان مقتله في سنة خمس وتسعين، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم. [قلت: هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها. قال: إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة. والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكرٍ له، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن. قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله. وقال له الحجاج: ويلك! فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال: اضربوا عنقه، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا

стр. 4396

خصمك عند الله، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات. وقال سعيد للحجاج لمَّا أمر بقتله وضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك عليّ وحلم الله عنك] (١). سعيد بن المسّيب (٢) بن حَزْن بن أَبي وهب (٣) مِن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدني المخزومي، سيد التابعين على الإطلاق. ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل لأربع مضين منها. وقول الحاكم أبي عبد الله إنه أدرك العشرة وهمٌ منه والله أعلم. ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرًا عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر كثيرًا، فقيل سمع منه، وعن عثمان، وعلي، وسعيد، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته (٤)، وأعلم الناس بحديثه، وروى عن جماعة من الصحابة، وحدَّث عن جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم. قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين (٥). وكان أعلم أهل الأرض كلها في زمانه، وكان يسرد الصوم. وقال عن نفسه: أنه ما فاتته التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وحج أربعين حجة (٦). وقال الزّهري: جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علمًا غيره (٧).

стр. 4397

وقال محمد بن إسحاق: عن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب (١). وقال الأوزاعي: سُئل الزُّهري ومكحول من أفقه من لقيتما؟ قالا: سعيد بن المسيب. وقال غيره: كان يقال له: فقيه الفقهاء. وقال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وكان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيّب (٢) وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد (٣). قال مالك: وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه (٤). وقال الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن (٥). وقال الإمام أحمد بن حنبل: هي صحاح. قال: وسعيد بن المسيب أفضل التابعين (٦). قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، وهو عندي أجلّ التابعين (٧). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان سعيد رجلًا صالحًا فقيهًا، كان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار، وكان يتَّجر في الزيت، وكان أعور (٨). وقال أبو زرعة: كان مدنيًا ثقة إمامًا. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة. قال الواقدي (٩): توفي في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، عن خمس وسبعين سنة، ﵀.

стр. 4398

[وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني، ومن أكثر الناس أدبًا في الحديث. جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدّثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنّ، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع. وقال بُرد مولاه: ما نوي للصّلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد. وقال ابن إدريس: صلّى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة. وقال: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى. وقال: كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله. وقال: من استغنى باللّه افتقر الناس إليه. وقال: الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها. وقال: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. وقال: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. وقد زوّج سعيد بن المسيّب ابنته على درهمين لكثير (١) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدبًا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرًا، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل: بعشرين ألفًا، وقال: استنفق هذه. وقصته في ذلك مشهورة، وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، ولما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبه على المدينة هشام بن إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت: ما هذا الخزي يا سعيد؟ فقال: مِن الخزي فررنا إلى ما ترين، أي لو أجبناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة. وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتَّجر فيه ويقول: اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلًا ولا حرصًا عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم، وأصل منه

стр. 4399

رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار. واللّه أعلم] (١). طلق بن حبيب العنزي (٢)، تابعي جليل، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه. وأثنى عليه عمرو بن دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ولكن تكلّموا فيه من جهة أنه كان يقول بالإرجاء. وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث. وكان يقول: تقووا بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: التقوى هي العمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء رحمة الله، وترك معصية الله على نورٍ من الله مخافة عذاب الله. وقال أيضًا: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين [وأمسوا تائبين. وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شيء يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلًا، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم] (٣). قال مالك: قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير (٤). وقد ذكر ابن جرير (٥) فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج، وهم مجاهد، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد، وكان من أمر سعيد ما كان، واللّه أعلم. عروة بن الزبير بن العوام (٦)، القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي جليل، روى عن أبيه وعن

стр. 4400

العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبي هريرة، وأمه أسماء، وخالته أم المؤمنين عائشة، وأم سلمة. وعنه جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم. قال محمد بن سعد: كان عروة ثقة كثير الحديث عالمًا مأمونًا ثبتًا. وقال العجلي (١): مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شيء من الفتن. وقال الواقدي (٢): كان فقيهًا عالمًا حافظًا ثبتًا حجة عالمًا بالسير، وهو أول من صنف المغازي، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه، وكان أروى الناس للشعر. وقال ابنه هشام: قال أبي: العلم لواحد من ثلاثة، لذي حسب يزين به حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه (٣). وقال: ولا أعلم أحدًا اشترطه لهذه الخصال الثلاث إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في اللّيل، وكان أيام الرُّطَب يثلم حائطه للناس فيدخلون فيأكلون ويحملون، فإذا ذهب الرطب أعاده (٤). وقال الزُّهري: كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدِّره الدِّلاء (٥). وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئًا أجهله (٦). وقد ذكره غير واحد من فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة (٧). وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن

стр. 4401

أحدًا يؤمن باللّه يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنّ. وروي أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة، فاللّه أعلم. ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله بنيٌّ له يسمى محمدًا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليها فعزَّوه فيه، فقال: اللهم لك الحمد.، كانوا سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا واْبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت (١). فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما أعطيت. وقيل: إنه لما رأى رجله المقطوعة في الطست قال: الله أعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط (٢). [قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهًا إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه. وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقدًا (٣) حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بالم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحدًا يشرب شرابًا أو يأكل شيئًا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإني لا أحس بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطًا أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضوّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن

стр. 4402

بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس: لعمركَ ما أهويتُ كفي لريبةٍ … ولا حملتني نحو فاحشة رِجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ … منَ الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلي ولا مؤثرٌ نفسي على ذي قرابةٍ … وأوثر ضيفي ما أقامَ على أهلي وأعلمُ أني لم تصبني مصيبةٌ … من الدهر إلّا قدْ أصابتْ فتى مثلي (١) وفي رواية: اللهم إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام. وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة وِرْدَه. وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى سوءً قط. وأنشد البيتين المتقدمين. رأى عروة رجلًا يصلي صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخي أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح. قال عروة: رب كلمة ذلٍّ احتملتُها أورثتني عزًا طويلًا. وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها. وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] حتى يخرج منه، واللّه أعلم] (٢). قيل: إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين (٣)، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مئة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومئة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين (٤) فالله أعلم. علي بن الحسين (٥) بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، وأمه أم ولد

стр. 4403

اسمها سلامة (١)، كان له أخ أكبر منه يقال له علي أيضًا، قتل مع أبيه، روى عليٌّ هذا، الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن علي، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين. وعنه جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزُّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق. قال ابن خلكان (٢): كانت سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس. وذكر الزمخشري في "ربيع الأبرار" (٣) أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالمًا، والأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن علي فأولدها عليًا زين العابدين هذا، فكلّهم بنو خالة. قال ابن خلكان (٤): ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز بن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحَجّاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها الوليدُ يزيد الناقص. وذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف" (٥) أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها سلامة، ويقال غزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقي لصغره، وقيل لمرضه، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد همّ بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضًا فمنعه الله من ذلك فله الحمد والمنة، ثم كان يزيد بعد ذلك يُكرمه ويُعظمه ويُجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان علي بالمدينة محترمًا معظمًا. قال ابن عساكر (٦): ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف. قلت: وهو مشهد علي شرقي جامع دمشق. وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكّة وطراز القراطيس.

стр. 4404

قال الزّهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه (١). وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله (٢). وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض (٣). وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، وأمه غزالة - خلف عليها بعد الحسين مولاه زُييد (٤) فولدت له عبد الله بن زُييد - وهو علي الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه. وكذا قال غير واحد. وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم: لم يكن في أهل البيت مثله (٥). وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا (٦). وفي رواية: حتى بغضتمونا إلى الناس. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم: لو اتخذت السراري يكثر أولادك، فقال: ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مئة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من علي بن الحسين شيء مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله ﵀ (٧). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلّها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (٨). وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي؛ فلما انصرف قالوا له: ما لك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى (٩).

стр. 4405

وكان إذا توضأ يصفرُّ لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي (١)؟ ولما حجّ أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. وكان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعه (٢). وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحِجر يقول: عَبدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك، قال طاووس: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني (٣). وذكروا أنه كان كثير الصَّدقة باللّيل، وكان يقول صَدَقة اللّيل تطفئ غضب الربّ، وتنوَّر القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة (٤)، وقاسم الله تعالى ماله مرتين (٥). وقال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان ياتيهم في الليل بما يأتيهم به (٦). ولما مات وجدوا في ظهره أثر حمله الجُرُب إلى بيوت الأرامل والمساكين في اللّيل. وقيل إنه كان يعول مئة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات. ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: عليّ دين، قال: وكم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي على (٧). وقال علي بن الحسين: كان أبو بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته. ونال منه رجل يومًا فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي. وخرج يومًا من المسجد فسبّه رجل فابتدر الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: الذي سُترعنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه،

стр. 4406

وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: أشهد أنك من أولاد الأنبياء. قالوا: واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال: يا بن عم إن كنت صادقًا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا يغفر الله لك، والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحا (١) رحمهما الله. وقيل له: من أعظم الناس خطرًا؟ فقال: من لم يرض الدنيا لنفسه خطرًا. وقال أيضًا: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته (٢). وقال: فقدُ الأحبة غربة، وكان يقول: إن قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرًا فتلك عبادة الأحرار الأخيار (٣). وقال لابنه: يا بني لا تصحب فاسقًا فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها، يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلًا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابًا فإنَّه كالسراب يقرَّب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله (٤). قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تتخطى حِلَق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد [الأسود]؟ فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يُطلب حيث كان (٥). وقال الأعمش: عن مسعود بن مالك قال: قال لي علي بن الحسين: أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق (٦) -. وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن رزين (٧) بن عبيد

стр. 4407

قال: كنت عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبًا بالحبيب ابن الحبيب. وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: حدّثنا العلائي (١) حدّثنا إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال: كنت عند رسول الله ﷺ فدخل عليه الحسين بن علي فضمَّه إليه وقبَّله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: "يولد لابني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو" هذا حديث غريب جدًّا أورده ابن عساكر (٢). وقال الزُّهري: كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسميه زين العابدين (٣). وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله ﷺ درهمًا قط. ﵀ ورضي عنه (٤). وقال محمد بن سعد (٥): أنبا علي بن محمد، عن سعيد بن خالد، عن المقبري قال: بعث المختار إلى علي بن الحسين بمئة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إليّ بمئة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها. وقال علي بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدِّين وأهل الفضل والعلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء (٦). وقال أيضًا: إني لأستحي من الله أن أرى الأخذ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل (٧). وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب ﵇ بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا (٨)؟.

стр. 4408

وقال عبد الرزاق: سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماءً ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فقال: وقد كظمت غيظي، قالت ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فقال: عفا الله عنك. فقالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أنت حرة لوجه الله تعالى (١). وقال الزبير بن بكار: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجُمَحي (٢)، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي عن أبيه قال: جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدؤوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] قالوا: لسنا منهم قال: فأنتم من الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قالوا: لسنا منهم! فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] الآية، فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرّب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله (٣). وجاء رجل فسأله متى يبعث علي؟ فقال: يبعث والله يوم القيامة وتهمُّه نفسه (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حُدِّثت عن سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم، عن أبي حمزة الثمالي: أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله (٥). وروى ابن أبي الدنيا أن غلامًا سقط من يده سفُّود وهو يشوي شيئًا في التنُّور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله، فنهض علي بن الحسين مسرعًا، فلما نظر إليه قال للغلام: يا بني إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه (٦). وقال المدائني: سمعت سفيان يقول: كان علي بن الحسين يقول: ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم (٧). ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه. ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل

стр. 4409

إسرافه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك خلالًا ثلاثًا، شهادة أن لا إله إلَّا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله (١). وقال المدائني: قارف الزهريُّ ذنبًا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله. فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري قُنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وفي رواية أنه كان أصاب دمًا حرامًا خطأً فأمره علي بالتوبة والاستغفار وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك، فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منه (٢). وقال سفيان بن عيينة: كان علي بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعا (٣). وذكروا أنه زوَّج أمة من مولى له وأعتق أمة فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] وقد أعتق ﷺ ، صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمته زينب بنت جحش (٤). قالوا: وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارًا، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعه (٥) ودونها ويتلو قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريريد (٦) وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حجَّ في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجَر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين، فلما دنا من الحَجَر ليستلمه تنحّى عنه الناس إجلالًا له وهيبة واحترامًا، وهو في بِزَّة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال لا أعرفه - استنقاصًا به وأحتقارًا لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضرًا - أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟ فأشار الفرزدق يقول: هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتهُ … والبيتُ يعرفهُ والحِلُّ والحَرَمُ

стр. 4410

هذا ابنُ خير عبادِ الله كلهم … هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ إذا رأته قريشٌ قالَ قائلها … إلى مكارمِ هذا ينتهي الكَرَمُ يُنمَى إلى ذروةِ العزَّ التي قصرتْ … عنْ نيلها عربُ الإسلامِ والعجمُ يكادُ يُمسكُهُ عِرفان راحتهِ … ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ يُغضي حياءً ويغضى منْ مهابتهِ … فما يكلَّمُ إلا حينَ يبتسمُ بكفهِ خيزرانٌ ريحها عبقٌ … من كفَّ أروع في عرنينهِ شممُ مشتقةٌ منْ رسولِ الله نبعتهُ … طابتْ عناصرها (١) والخِيمُ والشيمُ ينجابُ نورُ الهدي (٢) مِنْ نورِ غرتهِ … كالشمسِ ينجابُ عَنْ إشراقها القتمُ حمَّالُ أثقالِ أقوامٍ إذا قدحوا … حلوَ الشمائلِ تحلو عندهُ نعمُ هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ جاهلَهُ … بجَدّهِ أنبياءُ الله قدْ ختموا الله فَضّلهُ قِدمًا وشرّفه … جرى بذاك له في لوحه القلمُ منْ جدهِ دانَ فضلُ الأنبياءَ لهُ … وفضلُ أُمتهِ دانتْ لها الأممُ عَمَّ البريَّة بالإحسانِ فانقشعتْ … عنها الغوايةُ والإملاقُ والظلمُ كلتا يديهِ غياثٌ عمَّ نفعهما … تستوكفانِ ولا يعروهما العدمُ سهلُ الخليقةِ لا تخشى بوادرهُ … يزينهُ إثنتانِ الحلمُ والكرمُ لا يخلفُ الوعدَ ميمونٌ بغيبتهِ … رحبُ الفناءِ أريبٌ حين يعتزمُ مِنْ معشرٍ حبهمْ دينٌ ويغضهمُ … كفرٌ وقربهمُ منجى ومعتصمُ يستدفعُ السوء (٣) والبلوى بحبهمُ … ويستربٌّ (٤) بهِ الإحسانُ والنعمُ مقدمٌ بعدَ ذكرِ الله ذكرهمُ … في كُلَّ حكمٍ ومختومٌ بهِ الكلمُ إنْ عدَّ أهلُ التقى كانوا أئمتهمْ … أو قيلَ من خيرُ أهل الأرض قيلَ هُم لا يستطيعُ جوادٌ بعدَ غايتهم … ولا يدانيهمُ قومٌ وإنْ كرموا همُ الغيوثُ إذا ما أزمةٌ أزمتْ … والأسد أسدُ الشرى والبأسُ محتدمُ يأبى لهم أن يحلّ الذم ساحتهمْ … خيمٌ كرامٌ وأيدٍ بالندى هضمُ لا ينقصُ العدمُ بسطًا منْ أكفهمُ … سيَّان ذلكَ إنْ أثروا وإنْ عدموا أيُّ الخلائقِ ليستْ في رقابهمُ … لأوليَّةِ هذا أولهُ نِعَم

стр. 4411

فليسَ قولكَ مَن هذا بضائرهِ … العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم [منْ يعرفُ الله يعرف أوليةَ ذا … فالدينُ منْ بيتِ هذا نالهُ الأممُ] (١) قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وأرسل إليه يعتذر أن ليس عنده اليوم غيرها، فردَّها الفرزدق وقال: إنما قلت ما قلت لله ونُصْرَةً للحقَّ، [وقيامًا بحق رسول الله ﷺ في ذريته]، ولست أعتاض عن ذلك بشيء. فأرسل إليه علي بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمتُ عليك بالله لتقبلنَّها؛ فتقبَّلها منه ثم جعل يهجو هشامًا وكان مما قال فيه: تحبسني (٢) بينَ المدينةِ والتي … إليها قلوبُ الناس يهوي مُنيبها يقلّبُ رأسًا لم يكنْ رأس سيِّدٍ … وعينينِ حولاوينِ بادٍ عُيُوبُها (٣) وقد رَوينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين: نراعُ إذا الجنائزُ قابلتنا … ونلهو حينَ تمضي ذاهباتِ كروعةِ ثلمة (٤) لمغارِ سَبْعٍ … فلما غابَ عادتْ راتعاتِ وروى الحافظ ابن عساكر (٥) من طريق محمد بن عبد الله المقرئ: حدّثني سفيان بن عيينة، عن الزُّهري قال: سمعت علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه: يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك (٦)، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من أُلَّافك، ومن فجعتِ به من إخوانك، ونقل إلى البلى (٧) من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها … محاسنهم فيها بوادٍ دواثر خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم … وساقتهمُ نحوَ المنايا المقادرُ وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها … وضمهمُ تحتَ الترابِ الحفائرُ

стр. 4412

كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، [ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس]: وأنتَ على الدنيا مكبٌّ منافس … لخطَّابها فيها حريصٌ مكاثرُ على خطر تمشي وتصبحُ لاهيًا … أتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُ وإنَّ امرأً يسعى لدنياه دائبًا … ويذهلُ عن أخراهُ لا شكَّ خاسرُ فحتَّام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساهٍ، وبلذَّة يومك وغدك لاهٍ [وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات] (١): وفي ذكر هولِ الموتِ والقبر والبلى … عَن اللهو واللذاتِ للمرءِ زاجرُ أبعدَ اقترابِ الأربعين تربُّصٌ … وشيبُ قذال منذرٌ لك كاسِرُ (٢) كأنكَ معنيٌّ بما هو ضائر … لنفسكَ عمدًا وعنِ الرشدِ حائرُ انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف أفنتهم (٣) الأيام، ووافاهم الِحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم [وأضحوا رممًا في التراب، إلى يوم الحشر والمآب] (٤): أضحوْا رميمًا في الترابِ وعطَّلتْ … مجالس منهم وأقفرت مقاصرُ (٥) وحلُّوا بدارٍ لا تزاورَ بينهم … وأنَّى لسكانِ القبورِ التزاورُ فما إنْ ترى إلا قبورًا ثووا بها … مسطحة تُسفَى عليها الأعاصرُ كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأعلاق (٦) والذخائر [وملح السراري والحرائر]. فما صرفتْ كف المنية إذا أتتْ … مبادرةً تهوي إليه الذخائرُ ولا دفعتْ عنه الحصونُ التي بنى … وحفَّ بها أنهارهُ والدساكرُ ولا قارعتْ عنه المنية حيلة … ولا طمعتْ في الذبَّ عنه العساكرُ أتاه من الله ما لا يُرد، ونزل به من قضائه ما لا يُصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبير المتكبرين [الذي ذل لعزِّه كل سلطان، وأباد بقوته كل دَيّان]. مليكٌ عزيزٌ لا يُردُّ قضاؤهُ … حكيمٌ عليمٌ نافذُ الأمرِ قاهرُ

стр. 4413

عنى كلُّ ذي عزَّ لعزةِ وجههِ … فكمْ منْ عزيرٍ للمهيمنِ صاغرُ لقدْ خضعتْ واستسلمتْ وتضاءلتْ … لعزةِ ذي العرشِ الملوكُ الجبابرُ فالبدار البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلّت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها [وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها] (١): وفي دونِ ما عاينتَ من فجعاتها … إلى دفعها داعٍ وبالزهدِ آمرُ فجدَّ ولا تغفل وكنْ متيقظًا … فعما قليلٍ يترك الدارَ عامرُ (٢) فجدَّ ولا تغفل فعيشك (٣) زائلٌ … وأنتَ إلى دارِ الإقامةِ صائرُ ولا تطلبِ الدنيا فإنَّ نعيمها (٤) … وإنْ نلت منها غبَّهُ لكَ ضائرُ فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات: ألا لا ولكنا نغرُّ نفوسنا … وتشغلنا اللذاتُ عمّا نحاذرُ وكيف يلذ العيش من هو مُوقفٌ … بموقفِ عدلٍ يومَ تبلى السرائرُ كأنا نرى أن لا نشورَ وأننا … سدىً ما لنا بعد المماتِ مصائرُ وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة تعبه في طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها. أما قد نرى في كلِّ يومٍ وليلةٍ … يروحُ علينا صرفها ويباكرُ تعاورنَا آفاتُها وهمومُها … وكمْ قدْ ترى يبقى لها المتعاوِرُ فلا هوَ مغبوطٌ بدنياهُ آمنٌ … ولا هوَ عنْ تَطْلابها النفس قاصرُ كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكبٌ عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه [ولم تخلصه من وصمه]: بل أوردتهُ بعد عزٍّ ومنعةٍ … مواردَ سوءٍ ما لهنَّ مصادرُ فلما رأى أن لا نجاةَ وأنهُ … هوَ الموتُ لا ينجيهِ منه التحاذرُ تندَّم إذ لم تغنِ عنهُ ندامةٌ … عليهِ وأبكتهُ الذنوبُ الكبائرُ

стр. 4414

إذ بكى على ما سَلَف من خطاياه، وتحسّر على ما خلف من دنياه، واستغفر حين لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية. أحاطتْ بهِ أحزانهُ وهمومهُ … وأبلسَ لمَّا أعجزتهُ المقادرُ فليسَ لهُ من كربةِ الموتِ فارجٌ … وليسَ لهُ مما يحاذرُ ناصرُ وقد جشأتْ خوفَ المنيةِ نفسهُ … ترددها منهُ اللها والحناجرُ هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه [وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق]. فكم موجعٍ يبكي عليهِ مفجَّعٌ … ومستنجد صبرًا وما هوَ صابرُ ومسترجعٍ داعٍ لهُ الله مخلصًا … يعدَّدُ منهُ كلَّ ما هوَ ذاكرُ وكمْ شامتٍ مستبشر بوفاته … وعما قليلٍ كالذي صارَ صائرُ فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمّروا لإبرازه، [كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدَّى] (١). وظلَّ (٢) أحبُّ القومِ كان بقربهِ … يحثُّ على تجهيزهِ ويبادرُ وشمَّر منْ قدْ أحضروهُ لغَسلهِ … ووجَّه لما فاضَ للقبرِ حافرُ وكُفِّنَ في ثوبين واجتمعتْ لهُ … مشيِّعة إخوانهُ والعشائرُ فلو رأيت الأصغر من أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده، وغشي (٣) من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه واحراباه: لعاينتَ من قبح المنيةِ منظرًا … يهالُ لمرآهُ ويرتاعُ ناظرُ أكابرُ أولاد يهيجُ اكتئابهمْ … إذا ما تناساهُ البنونُ الأصاغرُ وربَّة نسوان عليهِ جوازعٌ … مدامعهم فوقَ الخدودِ غوازرُ ثم أُخرج من سَعَةِ قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللَّحد، وهُيءَ عليه اللَّبن [احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعًا بما رآه، ثم] (٤) حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنًا بما كسب وطلب.

стр. 4415

فولَّوا عليه معولينَ وكلهمْ … لمثلِ الذي لاقى أخوهُ محاذرُ كشاءٍ رتاعٍ آمنين بدا لهم … بمديته بادي الذراعينِ حاسرُ فريعتْ ولم ترتع قليلًا وأجفلتْ … فلما نأى عنها الذي هو وجازرُ عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى. ثوى مفردًا في لحده وتوزَّعت … مواريثه أولادهُ والأواصرُ (١) وأحنوا على أموالهِ يقسِمونها … فلا حامدٌ منهمْ عليها وشاكرُ فيا عامرَ الدنيا ويا ساعيًا لها … ويا آمنًا منْ أن تدورَ الدوائرُ كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ كيف تتهنا بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ [أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات]. ولم تتزودْ للرحيلِ وقد دنا … وأنتَ على حالٍ وشيك مسافرُ فيا لهفَ نفسي كم أسوِّفُ توبتي … وعمريَ فانٍ والرَّدى ليَ ناظرُ وكلّ الذي أسلفتُ في الصحف مثبتٌ … يجازي عليهِ عادلُ الحكم قادرُ فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ [أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب، أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورًا، ومساكنهم قبورًا] (٢): تخرِّبُ ما يبقى وتعمرُ فانيًا … فلا ذاكَ موفورٌ ولا ذاكَ عامرُ وهلْ لكَ إن وافاكَ حتفكَ بغتةً … ولم تكتسبْ خيرًا لدى الله عاذرُ أترضى بأن تفنى الحياةُ وتنقضي … ودينكَ منقوص ومالكَ وافرُ (٣) وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلي عليه بالبقيع، ودفن به. قال الفلاس: مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين.
следующие страницы →