← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فليسَ قولكَ مَن هذا بضائرهِ … العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم [منْ يعرفُ الله يعرف أوليةَ ذا … فالدينُ منْ بيتِ هذا نالهُ الأممُ] (١) قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة، فلما بلغ ذلك علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وأرسل إليه يعتذر أن ليس عنده اليوم غيرها، فردَّها الفرزدق وقال: إنما قلت ما قلت لله ونُصْرَةً للحقَّ، [وقيامًا بحق رسول الله ﷺ في ذريته]، ولست أعتاض عن ذلك بشيء. فأرسل إليه علي بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمتُ عليك بالله لتقبلنَّها؛ فتقبَّلها منه ثم جعل يهجو هشامًا وكان مما قال فيه: تحبسني (٢) بينَ المدينةِ والتي … إليها قلوبُ الناس يهوي مُنيبها يقلّبُ رأسًا لم يكنْ رأس سيِّدٍ … وعينينِ حولاوينِ بادٍ عُيُوبُها (٣) وقد رَوينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين: نراعُ إذا الجنائزُ قابلتنا … ونلهو حينَ تمضي ذاهباتِ كروعةِ ثلمة (٤) لمغارِ سَبْعٍ … فلما غابَ عادتْ راتعاتِ وروى الحافظ ابن عساكر (٥) من طريق محمد بن عبد الله المقرئ: حدّثني سفيان بن عيينة، عن الزُّهري قال: سمعت علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه: يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك (٦)، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من أُلَّافك، ومن فجعتِ به من إخوانك، ونقل إلى البلى (٧) من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها … محاسنهم فيها بوادٍ دواثر خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم … وساقتهمُ نحوَ المنايا المقادرُ وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها … وضمهمُ تحتَ الترابِ الحفائرُ

стр. 4412

كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، [ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس]: وأنتَ على الدنيا مكبٌّ منافس … لخطَّابها فيها حريصٌ مكاثرُ على خطر تمشي وتصبحُ لاهيًا … أتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُ وإنَّ امرأً يسعى لدنياه دائبًا … ويذهلُ عن أخراهُ لا شكَّ خاسرُ فحتَّام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساهٍ، وبلذَّة يومك وغدك لاهٍ [وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات] (١): وفي ذكر هولِ الموتِ والقبر والبلى … عَن اللهو واللذاتِ للمرءِ زاجرُ أبعدَ اقترابِ الأربعين تربُّصٌ … وشيبُ قذال منذرٌ لك كاسِرُ (٢) كأنكَ معنيٌّ بما هو ضائر … لنفسكَ عمدًا وعنِ الرشدِ حائرُ انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف أفنتهم (٣) الأيام، ووافاهم الِحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم [وأضحوا رممًا في التراب، إلى يوم الحشر والمآب] (٤): أضحوْا رميمًا في الترابِ وعطَّلتْ … مجالس منهم وأقفرت مقاصرُ (٥) وحلُّوا بدارٍ لا تزاورَ بينهم … وأنَّى لسكانِ القبورِ التزاورُ فما إنْ ترى إلا قبورًا ثووا بها … مسطحة تُسفَى عليها الأعاصرُ كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأعلاق (٦) والذخائر [وملح السراري والحرائر]. فما صرفتْ كف المنية إذا أتتْ … مبادرةً تهوي إليه الذخائرُ ولا دفعتْ عنه الحصونُ التي بنى … وحفَّ بها أنهارهُ والدساكرُ ولا قارعتْ عنه المنية حيلة … ولا طمعتْ في الذبَّ عنه العساكرُ أتاه من الله ما لا يُرد، ونزل به من قضائه ما لا يُصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبير المتكبرين [الذي ذل لعزِّه كل سلطان، وأباد بقوته كل دَيّان]. مليكٌ عزيزٌ لا يُردُّ قضاؤهُ … حكيمٌ عليمٌ نافذُ الأمرِ قاهرُ

стр. 4413

عنى كلُّ ذي عزَّ لعزةِ وجههِ … فكمْ منْ عزيرٍ للمهيمنِ صاغرُ لقدْ خضعتْ واستسلمتْ وتضاءلتْ … لعزةِ ذي العرشِ الملوكُ الجبابرُ فالبدار البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلّت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها [وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها] (١): وفي دونِ ما عاينتَ من فجعاتها … إلى دفعها داعٍ وبالزهدِ آمرُ فجدَّ ولا تغفل وكنْ متيقظًا … فعما قليلٍ يترك الدارَ عامرُ (٢) فجدَّ ولا تغفل فعيشك (٣) زائلٌ … وأنتَ إلى دارِ الإقامةِ صائرُ ولا تطلبِ الدنيا فإنَّ نعيمها (٤) … وإنْ نلت منها غبَّهُ لكَ ضائرُ فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات: ألا لا ولكنا نغرُّ نفوسنا … وتشغلنا اللذاتُ عمّا نحاذرُ وكيف يلذ العيش من هو مُوقفٌ … بموقفِ عدلٍ يومَ تبلى السرائرُ كأنا نرى أن لا نشورَ وأننا … سدىً ما لنا بعد المماتِ مصائرُ وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة تعبه في طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها. أما قد نرى في كلِّ يومٍ وليلةٍ … يروحُ علينا صرفها ويباكرُ تعاورنَا آفاتُها وهمومُها … وكمْ قدْ ترى يبقى لها المتعاوِرُ فلا هوَ مغبوطٌ بدنياهُ آمنٌ … ولا هوَ عنْ تَطْلابها النفس قاصرُ كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكبٌ عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه [ولم تخلصه من وصمه]: بل أوردتهُ بعد عزٍّ ومنعةٍ … مواردَ سوءٍ ما لهنَّ مصادرُ فلما رأى أن لا نجاةَ وأنهُ … هوَ الموتُ لا ينجيهِ منه التحاذرُ تندَّم إذ لم تغنِ عنهُ ندامةٌ … عليهِ وأبكتهُ الذنوبُ الكبائرُ

стр. 4414

إذ بكى على ما سَلَف من خطاياه، وتحسّر على ما خلف من دنياه، واستغفر حين لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية. أحاطتْ بهِ أحزانهُ وهمومهُ … وأبلسَ لمَّا أعجزتهُ المقادرُ فليسَ لهُ من كربةِ الموتِ فارجٌ … وليسَ لهُ مما يحاذرُ ناصرُ وقد جشأتْ خوفَ المنيةِ نفسهُ … ترددها منهُ اللها والحناجرُ هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه [وتخلى عنه الصديق، والصاحب الشفيق]. فكم موجعٍ يبكي عليهِ مفجَّعٌ … ومستنجد صبرًا وما هوَ صابرُ ومسترجعٍ داعٍ لهُ الله مخلصًا … يعدَّدُ منهُ كلَّ ما هوَ ذاكرُ وكمْ شامتٍ مستبشر بوفاته … وعما قليلٍ كالذي صارَ صائرُ فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمّروا لإبرازه، [كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدَّى] (١). وظلَّ (٢) أحبُّ القومِ كان بقربهِ … يحثُّ على تجهيزهِ ويبادرُ وشمَّر منْ قدْ أحضروهُ لغَسلهِ … ووجَّه لما فاضَ للقبرِ حافرُ وكُفِّنَ في ثوبين واجتمعتْ لهُ … مشيِّعة إخوانهُ والعشائرُ فلو رأيت الأصغر من أولاده، قد غلب الحزن على فؤاده، وغشي (٣) من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه واحراباه: لعاينتَ من قبح المنيةِ منظرًا … يهالُ لمرآهُ ويرتاعُ ناظرُ أكابرُ أولاد يهيجُ اكتئابهمْ … إذا ما تناساهُ البنونُ الأصاغرُ وربَّة نسوان عليهِ جوازعٌ … مدامعهم فوقَ الخدودِ غوازرُ ثم أُخرج من سَعَةِ قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللَّحد، وهُيءَ عليه اللَّبن [احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعًا بما رآه، ثم] (٤) حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنًا بما كسب وطلب.

стр. 4415

فولَّوا عليه معولينَ وكلهمْ … لمثلِ الذي لاقى أخوهُ محاذرُ كشاءٍ رتاعٍ آمنين بدا لهم … بمديته بادي الذراعينِ حاسرُ فريعتْ ولم ترتع قليلًا وأجفلتْ … فلما نأى عنها الذي هو وجازرُ عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى. ثوى مفردًا في لحده وتوزَّعت … مواريثه أولادهُ والأواصرُ (١) وأحنوا على أموالهِ يقسِمونها … فلا حامدٌ منهمْ عليها وشاكرُ فيا عامرَ الدنيا ويا ساعيًا لها … ويا آمنًا منْ أن تدورَ الدوائرُ كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ كيف تتهنا بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ [أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات]. ولم تتزودْ للرحيلِ وقد دنا … وأنتَ على حالٍ وشيك مسافرُ فيا لهفَ نفسي كم أسوِّفُ توبتي … وعمريَ فانٍ والرَّدى ليَ ناظرُ وكلّ الذي أسلفتُ في الصحف مثبتٌ … يجازي عليهِ عادلُ الحكم قادرُ فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ [أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب، أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورًا، ومساكنهم قبورًا] (٢): تخرِّبُ ما يبقى وتعمرُ فانيًا … فلا ذاكَ موفورٌ ولا ذاكَ عامرُ وهلْ لكَ إن وافاكَ حتفكَ بغتةً … ولم تكتسبْ خيرًا لدى الله عاذرُ أترضى بأن تفنى الحياةُ وتنقضي … ودينكَ منقوص ومالكَ وافرُ (٣) وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلي عليه بالبقيع، ودفن به. قال الفلاس: مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين.

стр. 4416

وقال بعضهم: توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين. وأغرب المدائني في قوله: إنه توفي سنة تسع وتسعين، والله أعلم (١). [انتهى ما ذكره المؤلف (٢) من ترجمة علي بن الحسين. وقد رأيت له كلامًا متفرقًا وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه: قال حفص بن غياث: عن حَجّاج، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر. وقال أبو بكر بن الأنباري: حدّثنا أحمد بن الصلت، حدّثنا قاسم بن إبراهيم العَلَوي، حدّثنا أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي بن الحسين: فقد الأحبة غربة. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبَّح في خفيات العيوب سريرتي، اللهم كما أسأتُ وأحسنت إليّ، فإذا عدت فعد إليّ. اللهم ارزقني مواساة من قَتَرتَ عليه رزقك بما وسَّعْتَ عليّ من فضلك. وقال لابنه: يا بني اتخذ ثوبًا للغائط فإني رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب. ثم انتبه فقال: وما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه. وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى خرج، فسلَّمت عليه ودعوت له فرد عليّ السلام ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال؛ يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فإني اتكأت عليه يومًا وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين! ما لي أراك كئيبًا حزينًا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البَرّ والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، يحكم فيها مَلِك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعني فتنة ابن الزُّبير - فقال لي: يا علي! هل رأيت أحدًا سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال: ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عني فقيل لي: يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك (٣). لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة.

стр. 4417

وقال الطبراني: حدّثنا محمد بن عبد الله الخضري، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن عمر بن حارث. قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة (١). وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين (٢). وروى عبد الله بن حنبل: عن ابن إشكاب، عن محمد بن بشر، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قَبّله ثم ناوله. وقال الطبري: حدّثنا يحيى بن زكريا الغلابي، حدّثنا العتبي حدّثني أبي قال: قال علي بن الحسين - وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بنيَّ اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك. وروى الطبراني بإسناده عنه: أنه كان جالسًا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحبه، ونحمده على ما نكره. وروى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادي منادٍ: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبَّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادي المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله في داره؟ فيقولون: كُنَّا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله . فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال علي بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب. وقال: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي منهم تقاة. قالوا: وما ثقاة؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يسطو عليه وأن يطغى.

стр. 4418

وقال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت أحدًا أورع من فلان. فقال له سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه. وروى سفيان بن عيينة، عن الزُّهري قال: دخلت على علي بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت: كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهًا، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزُّهري قلت: فسِّرهن يا بن رسول الله ﷺ ، قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي، وصوم جزاء الصيد، يقوّم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار. فأما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعًا إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله ﷺ : "من نزل على قوم فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم (١). وأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيًا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم: يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فإن صام في السفر والمرض فعليه القضاء] (٢). وممن توفي في هذه السنة: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (٣) بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمد، وقيل اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من الأولاد والإخوة كثير، وهو تابعي جليل.

стр. 4419

روى عن: عمار، وأبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة وأم سلمة وغيرهم. وروى عنه: جماعة منهم بنوه سلمة وعبد الله وعبد الملك، وعمر، ومولاه سُمَيّ، وعامر الشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومجاهد، والزُّهري. ولد في خلافة عمر، وكان يقال له راهب قريش (١)، لكثرة صلاته، وكان مكفوفًا (٢)، وكان يصوم الدهر، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم، وكان عبد الملك بن مروان يكرمه، ويعرف فضله، ويقول: إني أهم بالشيء أفعله باهل المدينة لسوء أثرهم عندنا فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحيي منه وأترك ذلك الأمر من أجله، وله مناقب كثيرة (٣). قال أبو داود: وكان قد كف، وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها (٤). والصحيح أنه مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. واللّه أعلم. [قلت: ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال: ألا كل منْ لا يقتدي بأئمةٍ … فقسمته حبرًا (٥) عنِ الحقِّ خارجهْ فخذهم عبيدُ الله عروةُ قاسم … سعيد أبو بكر سليمانُ خارجه (٦) وفيها توفي: الفضيل بن زيد الرَّقاشي (٧) أحد زُهّاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جدًّا؛ قال: لا يلهينَّك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت. وقال: لم أر شيئًا أحسن طلبًا، ولا أسرع إدراكًا من حسنة حديثة لذنب قديم. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري (٨) كان أحد فقهاء المدينة، وكان إمامًا عالمًا، له

стр. 4420

روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم. توفي بالمدينة (١). عبد الرحمن بن عائذ الأزدي (٢)، له روايات كثيرة، وكان عالمًا، وخَلَّف كتبًا كثيرة من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج. عبد الرحمن بن معاوية (٣) بن حُدَيج (٤)، قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته كان عالمًا فاضلًا، روى الحديث، وعنه جماعة] (٥). ثم دخلت سنة خمس وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصونًا كثيرة. وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب من أرمينية وخربها ثم بناها بعد ذلك بتسع سنين (٦). وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولتان من أرض الهند [وأخذ منها أموالًا جزيلة. وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العَجَل تُحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السَّبي (٧). وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش [ففتح مدنًا وأقاليم كثيرة] فلما كان هناك (٨) جاءه الخبر

стр. 4421

بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو، وتمثل بقول بعض الشعراء: لعمري لنعم المرءُ من آل جعفبرٍ … بحَورانَ أمسى أعلقتهُ الحبائلُ فإن تَحْيَ لا أملل (١) حياتي وإن تمت … فما في حياتي بعدَ موتكَ طائلُ (٢) وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيرًا، ويثني عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد [وقتال أهل الكفر والعناد] (٣). وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولَّى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولَّى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، وقيل كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرَّهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه. وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل لثلاث بقين من رمضان، وقيل مات في شوال من هذه السنة. وحجَّ بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي. وفيه قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه (٤). وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي (٥) وذكر وفاته هو الحجاج بن يوسف (٦) بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف - وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن - أبو محمد الثقفي. سمع ابن عباس، وروى عن أنس، وسَمُرة بن جندب، وعبد الملك بن مروان، وأبي بردة بن أبي موسى.

стр. 4422

وروى عنه: أنس بن مالك، وثابت البُناني، وحُميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبي عروبة. قاله ابن عساكر (١)، قال: وكانت له بدمشق دور منها دار الراوية بقرب قصر ابن أبي الحديد. وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق. وقدم دمشق وافدًا على عبد الملك. ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، نبأنا سالم بن قتيبة بن مسلم، قال (٢): سمعت أبي يقول: خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زالي يقول: إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: ما نظر رسول الله ﷺ إلى قبر أو ذكره إلا بكى. وهذا الحديث له شاهد في سنن أبي داود (٣) وغيره. وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار: حدّثنا سَيَّار، عن جعفر، عن مالك بن دينار قال: دخلت يومًا على الحجاج فقال لي: يا أبا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله ﷺ ؟ فقلت: بلى! فقال: حدّثني أبو بردة، عن أبي موسى. قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة". وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد (٤) والله أعلم. قال الشافعي: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تخلل - أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذىً - وكان ذلك في أول النهار، فقال: والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينة دنية، وإن كان الذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة، فطلقها فقالت: واللّه ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها. فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج: تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال الشافعي: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير (٥).

стр. 4423

قال ابن خلكان (١): واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك. وذكر صاحب العقد (٢) أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند رَوْح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح: عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط رَوْح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوّف بهم وأحرف الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج: لم صنعت هذا؟ فقال: لم أفعله إنما فعله أنت، فإن يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحًا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرني في الذي وليتني؟ ففعل ذلك، وتقدم الحجاج عنده. قال: وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل قبل ذلك قال: وفي أيامه نقطت المصاحف، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولًا يسمى كليبًا، ثم سُمي الحجاج. وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أيامًا حتى سقوه دم جدي ثم دم سالخ (٣) ولطخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي لطخ به وجهه. ويقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط (٤)، وقيل إنها أم أبيه، والله أعلم. وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتسْبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضًا - ولا سواء ولا قريب -. وقد ذكر ابن عساكر (٥) في ترجمة سليم بن عتر التُّجيبي قاضي مصر، وكان من كبار التابعين. وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها. والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها، فاجتاز بهما سليم بن عتر هذا فنهض إليه

стр. 4424

أبو الحجاج فسلّم عليه، وقال له: إنه ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده؟ قال: نعم تسأله أن يعزلني عن القضاء. فقال: سبحان الله!! واللّه لا أعلم قاضيًا اليوم خيرًا منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه: يا أبة أتقوم إلى رجل من تُجيب وأنت ثقفي؟ فقال له: يا بني واللّه إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله. فقال: واللّه ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بني؟ قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئًا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، واللّه لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله. فقال له أبوه: يا بني واللّه إني لأظن أن الله خلقك شقيًا. وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة (١) وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك. قالوا: وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل في سنة أربعين، وقيل في سنة إحدى وأربعين (٢). ثم نشأ بلبابًا (٣) فصيحًا بليغًا حافظًا للقرآن، قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن في كل ليلة (٤). وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه (٥). وقال الدارقطني (٦): ذكر سليمان بن أبي شيخ (٧)، عن صالح بن سليمان قال: قال عتبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريبًا بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن

стр. 4425

الزبير ومن عنده من الوقوف بعرفة، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين فقتله كما قدمنا، وأقام للناس الحج أيضًا في سنة أربع وسبعين (١)، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر بن مروان، فدخل على أهل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلًا، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة. وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضًا إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرنا منها طرفًا جيدًا. ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر (٢) وغيره: فروى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيّب - وذلك قبل أن يلي شيئًا - فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود، فلما سلّم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد فقال له: يا سارق يا خائن، قصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك. فلم يرد عليه، ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائبًا على الحجاز. فلما قتل ابن الزبير كَرَّ راجعًا إلى المدينة نائبًا عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيّب، فقصده الحَجّاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم! قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرًا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك. ثم قام ومضى. وروى الرّياشي، عن الأصمعي وأبي زيد، عن معاذ بن العلاء - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال: لما قتل الحجّاج ابن الزبير ارتجّت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: يا أهل مكة! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الجنة، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم (٣).

стр. 4426

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا إسحاق بن يوسف، نبأنا عوف (٢)، عن أبي الصدّيق النّاجي: أن الحَجّاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل [به ما فعل]. فقالت: كذبتَ، كان برًا بوالديه، صوامًا قوامًا، واللّه لقد أخبرنا رسول الله ﷺ "أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير". ورواه أبو يعلى (٣): عن وهب بن بقية، عن خالد، عن عوف، عن أبي الصديق. قال: بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله. وقال أبو يعلى: حدّثنا زهير، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن قيس بن الأحنف، عن أسماء بنت أبي بكر. قالت: سمعت رسول الله نهى عن المثلة. وسمعته يقول: "يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير". قالت فقلت للحجاج: أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج. وقال عبد بن حُميد: أبنا يزيد بن هارون، أبنا العوام بن حوشب، حدّثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق تقول للحجّاج حين دخل عليها يعزِّيها في ابنها: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب". فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت (٤). وتقدم في صحيح مسلم (٥) من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله وقد رواه غير أسماء عن النبي ﷺ فقال أبو يعلى (٦): حدّثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدّثنا وكيع حدَّثتنا أم غراب، عن امرأة يقال لها عقيلة، عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله ﷺ : "في ثقيف كذاب ومبير". تفرّد به أبو يعلى. وقد روى الإمام أحمد (٧): عن وكيع عن أم غراب - واسمها طلحة - عن عقيلة عن سلامة حديثًا آخر في الإمامة في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجه (٨). ورُوي من حديث ابن عمر فقال أبو يعلى (٩): حدّثنا أمية بن بسطام، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا إسرائيل، حدّثنا عبد الله بن عصمة قال: سمعت ابن عمر "أنبأنا رسول الله ﷺ أن في ثقيف مبيرًا وكذابًا"

стр. 4427

وأخرجه الترمذي (١) من حديث شريك، عن عبد الله بن عصم ويقال عصمة. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. وقال الشافعي: حدّثنا مسليم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فكان يصلي مع الحجاج (٢). وقال الثوري: عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحَجّاج فلم يسلِّم عليه ولم يكن يصلي وراءه. وقال إسحاق بن راهويه: أبنا جرير، عن القعقاع بن الصَّلْت قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير غيّر كتاب الله، فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه ولو شئت أقول: كذبتَ لفعلتُ (٣). وروي عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة مرارًا، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس، فصلَّى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجيء للصلاة فصلّ الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه (٤). وقال الأصمعي: سمعت عمي يقول: بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخًا خارجًا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال: بشر حال، قتل ابن حواريّ رسول الله ﷺ ، فقال الحجاج: ومن قتله؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، من قليل المراقبة للّه. فغضب الحجاج غضبًا شديدًا ثم قال: أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال: نعم! فلا عرفه الله خيرًا ولا وقاه ضرًا. فكشف الحجاج عن لثامه وقال: ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة. فلما تحقق الشيخ الجد قال: واللّه إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبي ثور (٥)، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي رافع، عن

стр. 4428

عبد الله بن جعفر أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف فقال لها: إذا دخل بك فقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين - وزعم أن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر قال هذا - قال حماد: فظننت أنه قال: فلم يصل إليها (١). قال الشافعي: لما تزوج الحجاج بنت عبد اللّه بن جعفر (٢) قال خالدبن يزيد بن معاوية لعبد الملك: أتمكنه من ذلك؟ فقال: وما بأس من ذلك. قال: أشد الناس واللّه، قال: وكيف؟ قال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير، قال: وكأنه كان نائمًا فأيقظه، فكتب إلى الحَجّاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها. وقال سعيد بن أبي عروبة: حَجَّ الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتي بغدائه فقال لحاجبه: انظر من يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغدّ معي، فقال: إنه دعاني من خير منك، قال: ومن؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحَرِّ الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرًا منه، قال: فأفطر وصم غدًا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغدٍ. قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت ولا الطّباخ، إنما طيبته العافية (٣). فصل قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافة شديدة، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبرًا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدّمنا، ذكره من ظفره به بعد المطاولة والمقاتلة وتسلطه على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعبّاد والقراء [حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير]. قال القاضي المعافى بن زكريا: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكلبي، حدّثنا محمد بن زكريا الغَلَّابي، حدّثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعني ابن مصعب - عن عاصم قال: خطب الحَجَّاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال: يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللّحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف (٤)، ثم أفضى إلى الأسماخ (٥) والأمخاخ والأشجاع، ثم ارتفع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج. فَحَشاكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه

стр. 4429

دليلًا تتبعونه، وقائدًا تطيعونه، ومؤتمنًا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان (١)؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا واللّه أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذًا، وتنهزمون سراعًا. ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتجادلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونَخَستكم الرماح. ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم: بضرب يُزيل الهام عن مقيلة (٢) … ويذهل الخليل عن خليله يا أهل العراق يا أهل الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات (٣)، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفًا، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنفركم عاصٍ، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع، إلّا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافًا وثقالًا، وفرسانًا ورجالًا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر (٤)، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب. يا أهل الشام! أنتم الجُبَّةُ والرِّداء، وأنتم الملاءة والحذاء، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار دون الدثار، بكم يُذب عن البيضة والحوزة، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى (٥). قال أبو بكر بن أبي الدنيا (٦): حدّثني محمد بن الحسين، حدّثنا عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت شيخًا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال: كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لَسِنًا - إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم

стр. 4430

أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور. ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ: [ألا أيها] الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرأً رد نفسه، امرأً اتهم نفسه، امرأً اتخذ نفسه عدوة، امرأً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرأً نظر إلى ميزانه، امرأً نظر إلى حسابه، امرأً وزن عمله، امرأً فكر فيما يقرأ غدًا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرًا، وعند همه آمرًا، امرأً أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرًا عقل عن الله أمره، امرأً فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق. فما زال يقول امرأً امرأً، حتى بكى مالك بن دينار (١). وقال المدائني: عن عوانة بن الحكم قال: قال الشَّعبي: سمعت الحجاج تكلّم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء. فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل (٢). وقال المدائني: عن أبي عبد الله الثقفي، عن عمه قال: سمعت الحسن البصري يقول: وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة (٣). وقال شريك القاضي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال الحجاج يومًا: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال: أعطني فإني قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرًا، وهبرته بالسيف هبرًا، وما أشركت معي في قتلته أحدًا. فقال: اذهب فواللّه لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئًا (٤). وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري، فقال الحجاج، أما سمعت قول الشاعر:

стр. 4431

جانَيْكَ مَن يجني عليكَ وَقْد (١) … تعدَّي الصِّحاحَ مَباركُ الجَرَبِ ولربَّ مأخوذٍ بذنبِ قَريبهِ … ونجا المُقارفُ صاحبُ الذنْبِ؟ فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا [وقول الله أصدق من هذا] قال: وما قال؟ قال ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٨ - ٧٩] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره، وأعطه عطاءه، ومرْ مناديًا ينادي: صدق الله وكذب الشاعر. وقال الهيثم بن عدي: عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إليّ برأس أسلم بن عبد البكري لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت: أحجّاجُ لم تشهد مقامَ بناتهِ … وعماتهِ يندبنهُ الليلَ أجمعا أحجاجُ كم تقتلْ بهِ إن قتلتهُ … ثمانًا وعشرًا واثنتين وأربعا أحجاجُ من هذا يقوم مقامهُ … علينا فمهلًا إنْ تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجودَ بنعمةٍ … علينا وإما أن تُقَتِّلنا معا قال: فبكى الحجاج وقال: واللّه لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعًا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرَّجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته وبالإحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت (٢). [وقيل: إن الحجاج خطب يومًا فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال له: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام؟ خبث وضل سعيك، فقال للحرس خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الذي جرأك علي؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت تجترئ على الله ولا اجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال: خلوا سبيله، فأطلق] (٣).

стр. 4432

وقال المدائني: أُتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدًا، قال: وما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يومًا أمك فرددت عليه، فقال: ومن يشهد لك؟ قال: صاحبي هذا! فسأله، فقال: نعم! فقال: ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال: بغضك، قال: أطلقوا هذا لصدقه، وهذا لفعله (١). وحكى الواقدي أن الحجاج نادى في البلد: أي من خرج من بعد العشاء الآخرة من بيته قتل، فأُتي ليلة برجل، فقال: ما أخرجك من بيتك هذه الساعة من بعدما سمعت المنادي؟ فقال: أما واللّه إني لا أكذب الأمير، إن أمي مريضة هالكة، وأنا عندها منذ ثلاثة أيام، فلما كانت الساعة أفاقت وقالت: يا بني إني أعزم عليك إلا ما مضيت إلى أهلك وأولادك، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم، فخرجت من عندها فأخذني العسس، وأتوا بي إليك، فقال الحجاج: ننهاكم وتعصونا، ثم أمر به فضربت عنقه، قال: ثم أتى تاجر، فقال له الحجاج: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: واللّه ما أكذبك إنه كان عندي لرجل دراهم، فأقعدني على بابه ولزمني، وقال: لا أفارقك إلا بحقي، فلما كان هذه الساعة دخل إلى منزله، وأغلق بابه، وتركني على بابه، فجاءني طائفك فأخذني إليك، فقال الحجاج: اضربوا عنقه، قال: ثم أتي بآخر، فقال له: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: كنت أشرب مع قوم فلما سكرت خرجت من عندهم، وأنا لا أدري، فأخذوني إليك. فقال الحجاج لرجل كان عنده: ما أراه إلا صادقًا، ثم قال: خلّوا سبيله، فخلّوا سبيله (٢). وذكر محمد بن زياد عن ابن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك وكان فاتكًا بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج: ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال: جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكَلَب الزمان، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، ذلك أني ما لقيت فارسًا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرًا، فقال له الحجاج: إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر، فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك. ثم أودعه السجن مقيدًا مغلولة يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارًا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو ويقول في بعضه: أليسَ الليلُ يجمعُ أمَّ عمرو … وإيانا فذاكَ بنا تداني بلى وترى الهلالَ كما نراهُ … ويعلوها النهارُ إذا علاني

стр. 4433

إذا جاوزتما نخلات نجد … وأوديةَ اليمامةِ فانعياني وقولا جحدرٌ أمسى رهينًا … يحاذرُ وقعَ مصقولٍ يماني فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوِّع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطي سيفًا في يده اليسرى، وخلي بينه وبين الأسد، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول: ليثٌ وليثٌ في مجالٍ ضنكِ … كلاهما ذو أنفٍ ومحكِ وشدةٍ في نفسهِ وفتكِ … إنْ يكشفِ الله قناعَ الشكِّ فهوَ أحقُّ منزلٍ بتركِ فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة وتمطى وأقبل نحوه فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة فتلقّاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد ولموضع القيود عليه، فكبّر الحجاج وكبّر أصحابه وأنشأ جحدر يقول: يا جُملُ إنكِ لو رأيتِ كريهتي … في يومِ هولٍ مسدفٍ وعجاجِ وتقدُّمي لليثِ أرسفُ موثَقًا … كيما أساورهُ على الأخراجِ شثنٌ براثنُه كأنَّ نيوبهُ … زرقُ المعاولِ أو شباةُ زجاجِ يسمو بناظرتين تحسبُ فيهما … لهبًا أحدّهما شعاعُ سراجِ وكأنما خيطت عليهِ عباءةٌ … برقاء أو خرقا منَ الديباجِ لعلمتِ أني ذو حفاظٍ ماجدٍ … منْ نسلِ أقوامٍ ذوي أبراجِ ثم التفت إلى الحجاج وقال: ولئن قصدت إلى المنية عامدًا … إني لخيرك يا بن يوسف راج علم النساء بأنني لا أنثني … إذ لا يثقن بغيرة الأزواج وعلمت أني إن كرهت نزاله … إني من الحجاج لست بناجي (١) فعند ذلك خيّره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالًا (٢). وأنكر يومًا أن يكون الحسين من ذرية رسول الله ﷺ لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر: كذبتَ!

стр. 4434

فقال الحجاج: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ . فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان (١). وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم] إلى قوله [أحب إليكم] فيقرؤها برفع أحب. وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدًا فأمل (٢). وقال ابن دريد (٣): عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قَتَل الحجاج ابن الأشعث، وصَفت له العراق، وسّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدًا: عليك بتقوى الله في الأمرِ كلهِ … وكنْ يا عبيدَ اللّه (٤) تخشى وتضرعُ ووفِّر خراجَ المسلمينَ وفيئهم … وكنْ لهمُ حصنًا تجيرُ وتمنعُ فكتب إليه الحجاج: لعمري لقد جاء الرسولُ بكتبكم … قراطيسُ تملا ثم تطوى فتطبعُ كتابٌ أتاني فيهِ لينٌ وغلظةٌ … وذكرتُ والذكرى لذي اللّبِّ تنفعُ وكانتْ أمور تعتريني كثيرةٌ … فأرضخُ أو أعتل حينًا فأمنعُ إذا كنتَ سوطًا من عذابٍ عليهمُ … ولمْ يك عندي بالمنافعِ مطمعُ أيرضى بذاكَ الناسُ أو يسخطونهُ … أم احمد فيهمْ أمْ أُلام فأقذعُ وكانَ بلاد جئتها حينَ جئتها … بها كلُّ نيرانِ العداوةِ تلمعُ

стр. 4435

فقاسيتُ منها ما علمتَ ولم أزلْ … أصارع حتى كدتُ بالموتِ أصرعُ وكم أرجفوا منْ رجفةٍ قد سمعتها … ولو كانَ غيري طارَ مما يروّعُ وكنت إذا هموا بإحدى هناتهم … حسرت لهمْ رأسي ولا أتقنَعُ فلو لمْ يذد عني صناديد منهمُ … تقسمَ أعضائي ذئابٌ وأَضْبُعُ قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك (١). وقال الثوري: عن محمد بن المستورد الجُمَحي قال: أُتي الحَجّاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيًا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوًا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت واللّه لو كان حسن اعتذار يبطل حدًا لكنتَ له موضعًا. يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يد (٢). وقال أبو بكر بن مجاهد: عن محمد بن الجَهْم، عن الفَرّاء قال: تغدّى الحجاج يومًا مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ (٣) فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (٤) ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال عمر بن شَبّة: عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحَجّاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل. وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات: إذا أنتَ لم تتركْ أمورًا كرهتها … وتطلب رضائي في الذي أنا طالبهُ وتخشى الذي يخشاهُ مثلكَ هاربًا … إلى الله منهُ صَّيّعَ الدُّرَّ جالبهْ فإنْ ترَ مني غفلةً قُرشيّةً … فياربما قد غصَّ بالماءَ شاربهْ وإنْ ترَ مني وثبةً أمويةً … فهذا وهذا كله أنا صاحبهْ فلا تعدُ ما يأتيكَ مني فإنْ تعدْ … تقمْ فاعلمنْ يومًا عليكَ نوادبه (٥)

стр. 4436

فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرَفي في الأموال، والدماء، فواللّه ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حق أهل الطاعة، فإن كان ذلك سرفًا فليحدّ لي أمير المؤمنين حدًا أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب: إذا أنا لمْ أطلبْ رضاكَ وأتقي … أذاكَ فيومي لا توارت (١) كواكبهْ إذا قارفَ الحجاج فيك خطيئة … فقامتْ عليه في الصباح نوادبهْ أُسالمُ من سالمت من ذي هوادةٍ … ومنْ لا تسالمهُ فإني محاربهْ إذا أنا لمْ أُدنِ الشفيقَ لنصحهِ … وأُقصِ الذي تسري إليَّ عقاربهْ فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى … على ما أرى والدهرُ جمٌّ عجائبه (٢) وعن الشافعي أنه قال: قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه: هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئًا؟ فسأله كما أمره، فقال: واللّه ما أحب أن لي لبنان أو سنير (٣) ذهبًا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة (٤). واللّه أعلم. فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال أبو داود (٥): حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو بكر عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنويَّة (٦)، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنويَّة لأمير المؤمنين عبد الملك، واللّه لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلَّت لي دماؤهم وأموالهم، واللّه لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالًا، ويا عذيري من عبد هذيل يزعم أن قراءته من عند الله، واللّه ما هي إلّا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه ﷺ وعذيري من هذه الحمراء (٧)، يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول إلى أنه يقع الحجر: حدث أمر، فواللّه لأدعنَهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: وأنا واللّه سمعته منه.

стр. 4437

ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة: عن محمد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش أنهما سمعا الحَجَّاج قبَّحه الله يقول ذلك، وفيه: واللّه لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلَّت لي دماؤكم، ولا أجد أحدًا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنَّها من المصحف ولو بضلع خنزير. ورواه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات: واللّه لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه (١). وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والذماء الحرام. وإنما نقم على قراءة ابن مسعود ﵁ لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه واللّه أعلم. وقال علي بن عبد الله بن مبشر، عن عباس الدوري، عن مسلم بن إبراهيم: حدّثنا الصَّلت بن دينار سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه (٢). قال: وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قال: واللّه إن كان سليمان لحسودًا. وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه (٣). ومن الطامات أيضًا ما رواه أبو داود (٤) أيضًا: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، حدّثنا جرير. وحدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن المغيرة، عن الربيع (٥) بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ أن لا أصلّي خلفك صلاة أبدًا، وإن وجدت قومًا يجاهدونك لأجاهدنك معهم. زاد إسحاق في حديثه: فقاتل في الجماجم حتى قتل. فإن صَحَّ هذا عنه، فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول.

стр. 4438

وقال الأصمعي: حدّثنا أبو عاصم النبيل، حدّثنا أبو حفص الثقفي قال: خطب الحجاج يومًا فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارًا، ثم قال: كافر يا أهل العراق بالّلات والعزّى (١). وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة، حدّثنا ابن شوذب، عن مالك بن دينار قال: بينما الحجاج يخطبنا يومًا إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ما له؟ أي شيء يريد؟ قال: الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء. وقال الأصمعي: قال عبد الملك يومًا للحجاج: ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه. فصف عيب نفسك، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال: أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت (٢). وفي رواية أنه قال: إذًا بينك وبين إبليس نسب. وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذلانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتئات عليهم. قال يعقوب بن سفيان: حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثًا أو رابعًا، فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لايقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم (٣). وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب من طريق أبي عذبة الحمصي عن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال علي بن أبي طالب: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية. قال يقول الحسن: وما خلق الحجاج يومئذ (٤).

стр. 4439

ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي أنه قال: الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته. وقال الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوب: حدّثنا سعيد بن مسعود. حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، حدّثني حبيب بن أبي ثابت. قال قال علي لرجل: لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف، قال: وما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة، أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه. وقال الطبراني (٢): حدّثنا القاسم بن زكريا، حدّثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي (٣)، حدّثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن أم حكيم بنت عمروبن سنان الجدلية قالت: استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج عليٍّ فقال: ما لك وله يا أشعث، أما واللّه لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك، قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلًا، قيل كم يملك؟ قال عشرين إن بلغ. وقال البيهقي (٤) أنبأنا أبو عبد الله الحافظ: أبنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا عبد الله بن يوسف بن التِّنيسي، حدّثنا [هشام] بن يحيى الغسانى (٥) قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم. وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي النجود أنه قال: ما بقيت للّه حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج (٦). وقد تقدم الحديث "إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا" وقد ذكرنا شأن المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولًا ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبيًّا يبغض عليًا وشيعته في هوى آل مروان وبني أمية، وكان جبارًا عنيدًا، مقدامًا على سفك الدماء بأدنى شبهة. وقد رُوي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدَّمنا. فإن كان قد تاب منها وأقلع

стр. 4440

عنها، وإلا فهو باقٍ في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدًّا لوجوه، وربما حرّفوا عليه بعض الكَلِم. وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات. وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسْكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعًا في سفك الدماء فاللّه تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وسرائرها، وخفيات الصدور والضمائر. [قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله ، وقد كان حريصًا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرًا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم. واللّه أعلم] (١). وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طَرارا البغدادي: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن عبيد، حدّثنا هشام بن محمد بن السّائب الكلبي، حدّثنا عَوَانة بن الحكم الكلبي. قال: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له: إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، واللّه لأستأصلنك كما تستأصل الشاة. ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة. فقال أنس: إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك أنحي صك الله سمعك، قال أنس: إنا للّه وإنا إليه راجعون، واللّه لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت. ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبًا، وشفق عجبًا، وتعاظم ذلك من الحجاج، كان كتاب أنس إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد: فإن الحجاج قال لي: هُجرًا، وأسمعني نكرًا، ولم أكن لذلك أهلًا، فخذْلي على يديه، فإني أمتُّ بخدمتي رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقًا للحجاج - فقال له: دونك كتابيّ هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ فادفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابًا إذا قرأه كان أطوع لك من أَمَتِكَ، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك: بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إليّ بذلك أُنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي. والسلام.

стр. 4441

فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال: جزى الله أمير المؤمنين عني خيرًا، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنىً، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره [تعش معه بخير وسلام]. فقال أنس: أفعل إن شاء الله. ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فلما رآه الحجاج قال: مرحبًا برجل أُحبه وكنت أحب لقاءه، فقال إسماعيل: أنا واللّه كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به [فتغير لون الحجاج وخاف] وقال: ما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبًا عليك، ومنك بعدًا، قال: فاستوى الحجاج جالسًا مرعوبًا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضه قال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة؟ وكان في الطومار: بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت فدرك، وركبت داهية إدًّا، وأردت أن تبرزني (١) فإن سوغتكها مضيت قدمًا، وإن لم أسوغكها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لأغمزنك غمز اللَّيث الثعلب، والصقر الأرنب. وثبت على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب ، واستخفافًا منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلًا خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظَّمته وشرفته وأكرمته وأحبته [بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه] (٢) فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم مثكل بخسفٍ قاض (٣) ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] (٤) وقد تكلم ابن طرارا على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة، واللّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الزبير - يعني ابن عدي -

стр. 4442

قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شرّ منه، حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم ﷺ وهكذا رواه البخاري (١) عن محمد بن يوسف، عن سفيان وهو الثوري، عن الزُّبير بن عدي، عن أنس قال: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه" الحديث. قلت: ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول: كل عام ترذلون. وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، واللّه أعلم (٢). وقد قال سفيان الثوري: عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى. قال: يأتى على الناس زمان يصلّون فيه على الحَجَّاج (٣). وقال أبو نعيم: عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر. قال: قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنَّون الحجَّاج. وقال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحَجّاج. فقال الحسن: لا بد للناس من متنفسات (٤). وقال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد همّ به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا قال: فنكّس الحجاج رأسه وخرج الحسن. وقال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارًا فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك،

стр. 4443

وإنما خرج معهم مكرهًا كما قدَّمنا، وكان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابلوا نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع (١). وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر عن ابن عائشة. قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرًا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرًا [قيل له: فما تقول في علي؟ فأثنى خيرًا، فذكر له الخلفاء واحدًا بعد واحد، فيثني على كل بما يناسبه] (٢) حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟ (٣). وقال الأصمعي: عن علي بن مسلم الباهلي قال: أُتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلامًا، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت (٤). وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة. وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا أبو ظفر، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحَجَّاج؟ قال: إني واللّه ما خرجت عليه حتى كفر (٥). ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلًا واحدًا اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقًا كثيرًا، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث. وقال أبو عيسى الترمذي (٦): حدّثنا أبو داود سليمان بن سَلْم (٧) البلخي، حدّثنا النضر بن شميل، عن هشام بن حَسَّان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مئة ألف وعشرين ألفًا. قال الأصمعي: حدّثنا أبو عاصم، عن عَبّاد بن كثير، عن قَحْذَم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدًا وثمانين ألف أسير، وعرضت السجون بعد الحجَّاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفًا، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب (٨).

стр. 4444

وكان فيمن حبس أعرابي وُجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أُطلق فأنشأ يقول: إذا نحنُ جاوزنا مدينةَ واسطٍ … خرينا وصلينا بغير حسابِ (١) وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر. قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ (٢)، حدّثنا صالح بن سليمان قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخَسَّ به إلى أن صيَّره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدَّى إليّ عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إليّ ما أُدّي إلى عمر بن الخطاب مئة ألف ألف وعشرة آلاف ألف (٣). وقال أبو بكر بن المقري: حدّثنا أبو عروبة، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبي: سمعت جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسنته، فإنه كان يصلِّي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع (٤). وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن أسد، حدّثنا ضمرة، عن الرَّيَّان بن مسلم. قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شرّ بيت في العرب، ففرّقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم (٥). وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مُخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام (٦)، وذكر حكاية. وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم: لم يبق للّه حرمة إلا ارتكبها الحَجَّاج بن يوسف (٧). وقال يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش: اختلفوا في الحَجاج فسألوا مجاهدًا فقال: تسألون عن الشيخ الكافر؟!.

стр. 4445

وروى ابن عساكر (١): عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر باللّه العظيم. [كذا قال والله أعلم]. وقال الثوري: عن معمر، عن طاووس عن أبيه قال: عجبًا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنًا (٢)؟! وقال الثوري: عن ابن عون: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج: أتشهد أنه من أهل النار؟ قال أتأمروني أن أشهد على الله العظيم. وقال الثوري عن منصور: سألت إبراهيم عن الحَجّاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج (٣). وقال سلام بن أبي مطيع لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضًا (٤). وقال الزبرقان: سببت الحَجّاج يومًا عند أبي وائل فقال: لا تسبه لعله قال يومًا اللهم ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت أرأيت. وقال عوف: ذكر الحَجّاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئًا له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه. فقيل له: ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور (٥). وقال أبو قاسم البغوي (٦): حدّثنا أبو سعيد، حدَّثنا أبو أسامة قال: قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم (٧) أنهما في النار؟ قال: لا! إذا أقرّا بالتوحيد. وقال الرياشي: حدّثنا عباس (٨) الأزرق، عن السَّري بن يحيى، قال: مَرَّ الحجاج في يوم جمعة

стр. 4446

فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة (١). وقال بعضهم: رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة. وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم (٢) فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ واللّه ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال الله له ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء (٣). [ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني واللّه بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في أثياب أكفانه [فخد له في الأرض] ثلاثة أذرع (٤) طولًا في ذراع عرضًا، فأكلت لحمه، ومصَّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقسبم الحبيب من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل (٥). وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسَدْتُ الحَجَّاج عدو الله على شيء حَسَدي إياه على حُبّه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا علي بن الجعد، حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل (٧).

стр. 4447

قال: وحدّثني بعض أهل العلم. قال: قيل للحسن: إن الحَجَّاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال: فما عسى (١). وقال أبو العباس المرّي: عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا ربّ قدْ حلفَ الأعداءُ واجتهدوا … بأنني رجل منْ ساكني النّارِ أيحلفونَ على عمياء ويحهمُ … ما علمهمْ بكثير العفو جَبَّار (٢) قال فأخبر بذلك الحسن فقال: باللّه إن نجا لينجونّ بهما. وزاد بعض الناس: إنّ الموالي إذا شابتْ عبيدهم … في رقهم عتقوهمْ عتقَ أبرارِ وأنتَ يا خالقي أولى بذا كرمًا … قد شبتُ في الرِّق فاعتقني منَ النارِ وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الله التّيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام [وميتم الأيتام، ومرمل النساء] ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول: اليوم يرحمنا من كان يبغضنا … واليوم يأمننا من كان يخشانا (٣) وروى عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارًا فلما تحقق وفاته قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرًا للّه ، وكان مختفيًا فظهر (٥). وقال: اللهم أمته فأذهب عنا سنته. وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرتُ إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا صالح بن سليمان قال: قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن: يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت الليلة لم ينم أهل السجن فرحًا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية. وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال

стр. 4448

من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسًا وخمسين سنة (١)، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، توفي بواسط وعُفي قبره، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق (٢). واللّه أعلم. وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمئة درهم. وقال الواقدي: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدّثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: حدّثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمئة درهم ومصحفًا وسيفًا وسرجًا ورحلًا ومئة درع موقوفة (٣). وقال شهاب بن خراش: حدّثني عمي يزيد بن حوشب قال: بعث إليّ أبو جعفر المصنور فقال: حدّثني بوصية الحَجَّاج بن يوسف، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: حدِّثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمئة درع حديد، ستمئة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمئة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائمًا على رأسه - فقال: هذه واللّه الشيعة لا شيعتكم. وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانًا (٤)، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟. وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال. يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زيّ رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماصّ بظر أمه! فقال هارون: صدقت واللّه، أنت رأيت الحجاج حقًا، ما كان أبو محمد ليدع صَرَامته حيًا وميتًا (٥). وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة، حدّثنا ابن شوذب، عن أشعث الحُداني (٦).

стр. 4449

قال: رأيت الحجاج في المنام في حال سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدًا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بي إلى النار، قلت: ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: وكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما واللّه ليخلفن الله رجاءه فيه. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسًا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه (١). واللّه أعلم. [وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا حمزة بن العباس، حدّثنا عبد الله بن عثمان، أبنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدًا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحَجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عر وجلَّ، فنظر إليه الحَجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف] (٢). وممن توفي في هذه السنة أعني سنة خمس وتسعين: إبراهيم بن يزيد النخعي (٣) [قال: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عُرِف ذلك فينا أيامًا، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيَّره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم. وقال: لا يستقيم رأي إلا برويَّة، ولا روية إلا برأي. وقال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه. وقال: إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أُبتلى به. وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: انتظار ملك الموت، ما أدري يبشرني بجنة أو بنار] (٤). والحسن بن محمد ابن الحنفية (٥)، كنيته أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالمًا فقيهًا عارفًا بالاختلاف والفقه والتفسير.

стр. 4450

وكان من ظرفاء بني هاشم وعقلائهم، ولا عقب له. قال أيوب السّختياني وغيره: كان أول من تكلَّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها (١). وقال غيرهم: كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولى أباك عليًا (٢)؟ وقال أبو عبيد: توفي سنة خمس وتسعين. وقال خليفة: توفي في أيام عمر بن عبد العزيز واللّه أعلم. حميد بن عبد الرحمن (٣) بن عوف الزهري [وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكان حميد فقيهًا نبيلًا عالمًا، له روايات كثيرة] (٤). ومطرف بن عبد الله بن الشخير (٥)، وكل هؤلاء لهم تراجم في كتابنا "التكميل" (٦). وفيها كان موت الحجاج [بواسط] كما تقدم ذلك مبسوطًا مستقصى وللّه الحمد. وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير (٧) وغير واحد والله أعلم.
следующие страницы →