← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة (١). وقال بعضهم: رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة. وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم (٢) فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ واللّه ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال الله له ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء (٣). [ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني واللّه بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في أثياب أكفانه [فخد له في الأرض] ثلاثة أذرع (٤) طولًا في ذراع عرضًا، فأكلت لحمه، ومصَّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقسبم الحبيب من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل (٥). وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسَدْتُ الحَجَّاج عدو الله على شيء حَسَدي إياه على حُبّه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا علي بن الجعد، حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل (٧).

стр. 4447

قال: وحدّثني بعض أهل العلم. قال: قيل للحسن: إن الحَجَّاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال: فما عسى (١). وقال أبو العباس المرّي: عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا ربّ قدْ حلفَ الأعداءُ واجتهدوا … بأنني رجل منْ ساكني النّارِ أيحلفونَ على عمياء ويحهمُ … ما علمهمْ بكثير العفو جَبَّار (٢) قال فأخبر بذلك الحسن فقال: باللّه إن نجا لينجونّ بهما. وزاد بعض الناس: إنّ الموالي إذا شابتْ عبيدهم … في رقهم عتقوهمْ عتقَ أبرارِ وأنتَ يا خالقي أولى بذا كرمًا … قد شبتُ في الرِّق فاعتقني منَ النارِ وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الله التّيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام [وميتم الأيتام، ومرمل النساء] ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول: اليوم يرحمنا من كان يبغضنا … واليوم يأمننا من كان يخشانا (٣) وروى عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنه أخبر بموت الحجاج مرارًا فلما تحقق وفاته قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرًا للّه ، وكان مختفيًا فظهر (٥). وقال: اللهم أمته فأذهب عنا سنته. وقال حماد بن أبي سليمان: لما أخبرتُ إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا صالح بن سليمان قال: قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن: يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت الليلة لم ينم أهل السجن فرحًا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية. وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال

стр. 4448

من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسًا وخمسين سنة (١)، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، توفي بواسط وعُفي قبره، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق (٢). واللّه أعلم. وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمئة درهم. وقال الواقدي: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدّثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: حدّثنا عمي قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمئة درهم ومصحفًا وسيفًا وسرجًا ورحلًا ومئة درع موقوفة (٣). وقال شهاب بن خراش: حدّثني عمي يزيد بن حوشب قال: بعث إليّ أبو جعفر المصنور فقال: حدّثني بوصية الحَجَّاج بن يوسف، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، فقال: حدِّثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمئة درع حديد، ستمئة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمئة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائمًا على رأسه - فقال: هذه واللّه الشيعة لا شيعتكم. وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانًا (٤)، قال: ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟. وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال. يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زيّ رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماصّ بظر أمه! فقال هارون: صدقت واللّه، أنت رأيت الحجاج حقًا، ما كان أبو محمد ليدع صَرَامته حيًا وميتًا (٥). وقال حنبل بن إسحاق: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة، حدّثنا ابن شوذب، عن أشعث الحُداني (٦).

стр. 4449

قال: رأيت الحجاج في المنام في حال سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدًا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بي إلى النار، قلت: ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: وكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما واللّه ليخلفن الله رجاءه فيه. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسًا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه (١). واللّه أعلم. [وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا حمزة بن العباس، حدّثنا عبد الله بن عثمان، أبنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدًا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحَجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله عر وجلَّ، فنظر إليه الحَجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف] (٢). وممن توفي في هذه السنة أعني سنة خمس وتسعين: إبراهيم بن يزيد النخعي (٣) [قال: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عُرِف ذلك فينا أيامًا، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيَّره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم. وقال: لا يستقيم رأي إلا برويَّة، ولا روية إلا برأي. وقال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه. وقال: إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أُبتلى به. وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: انتظار ملك الموت، ما أدري يبشرني بجنة أو بنار] (٤). والحسن بن محمد ابن الحنفية (٥)، كنيته أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالمًا فقيهًا عارفًا بالاختلاف والفقه والتفسير.

стр. 4450

وكان من ظرفاء بني هاشم وعقلائهم، ولا عقب له. قال أيوب السّختياني وغيره: كان أول من تكلَّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها (١). وقال غيرهم: كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولى أباك عليًا (٢)؟ وقال أبو عبيد: توفي سنة خمس وتسعين. وقال خليفة: توفي في أيام عمر بن عبد العزيز واللّه أعلم. حميد بن عبد الرحمن (٣) بن عوف الزهري [وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكان حميد فقيهًا نبيلًا عالمًا، له روايات كثيرة] (٤). ومطرف بن عبد الله بن الشخير (٥)، وكل هؤلاء لهم تراجم في كتابنا "التكميل" (٦). وفيها كان موت الحجاج [بواسط] كما تقدم ذلك مبسوطًا مستقصى وللّه الحمد. وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير (٧) وغير واحد والله أعلم.

стр. 4451

ثم دخلت سنة ست وتسعون وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر (١) من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلًا يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية [منهم أو يدخلوا في الإسلام] فدخل الرسل على الملك [الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال إن عليها تسعين بابًا في سورها المحيط بها يقال لها خان بالق، من أعظم المدن وأكثرها ريعًا ومعاملات وأموالًا، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده. والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاءٍ، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة، بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة (٢) - فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فإن لم تفعل فالجزية، فإن لم تفعل فالحرب. فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلّوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه، كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا، هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث: أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبَيْضَ وتقلّدوا السيوف ونكبوا (٣) القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمِّرين، فقيل لهم: ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك

стр. 4452

لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إليّ زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك، فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا. فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعًا عن بلادي، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصًا من خلّف الدنيا قادرًا عليها، وغزاك في بلادك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلًا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه. فقال الملك: فما الذي يرضي صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك، ويختم ملوكك، ويجبي الجزية من بلادك، فقال أنا أبرُّ يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضي، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهبًا كثيرًا وحريرًا وثيابا صينية لا تقوّم ولا يدري قدرها] (١) ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث بصحافٍ من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبرَّ بيمين قتيبة [وقيل إنه بعث أربعمئة (٢) من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين (٣)، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه (٤) [لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم، فلم يمكنه ذلك، ثم قُتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية، وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم] (٥).

стр. 4453

وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه الله عن المسلمين خيرًا، وكان أصل موضع هذا الجامع قديمًا معبدًا بنته اليونان والكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق، وهم الذين وضعوها وعمروها أولًا، فهم أول من بناها (١)، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة. وقد كانوا صوّروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلًا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدًا لذلك [فنصوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل] وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلّموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، وصرفوه أنهارًا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أثناء (٢) أبنية الدور بدمشق [فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبهم تجاه الشمال، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شهدنا ذلك عيانًا، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف "جدًّا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك، الذي كان ملكهم، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديمًا (٣) منهم، ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، وهن دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية. قال الحافظ ابن عساكر (٤) فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان

стр. 4454

اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدًا ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة. قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة. قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة. وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره، فبادت وصارت مساكن لأضعف الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا وباللّه المستعان. والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددًا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود ﵊، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل ﵇ شمالي دمشق عند برزة (١)، وقاتل هناك قومًا من أعدائه. فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابرًا عن كابر وإلى زماننا، واللّه أعلم. وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان [وكانوا خلقًا لا يحصيهم إلا الله] وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا "البداية والنهاية" وللّه الحمد وباللّه المستعان. والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمئة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم التي تنسب إليه وهي القسطنطينية، وهو الذي وضع لهم القوانين [وقد كان أولًا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانًا] ووضعت له بطاركته النصارى دينًا مخترعًا مركبًا من أصل دين النصرانية، ممزوجًا بشيء من عبادة الأوثان، وصلّوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلّوا الخنزير، وعلّموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة. وقد تكلّمنا على ذلك فيما سلف وبيّناه. فبنى لهم الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة [وأوقف عليها أوقافًا دارّة]، من ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، وغير ذلك.

стр. 4455

والمقصود أنهم حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظمًا عند اليونان فجعلوه كنيسة مريحنا، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة كيرها مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحوًا من ثلاثمئة سنة، حتى بعث الله محمدًا ﷺ ، فكان من شأنه صلوات الله وسلامه عليه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة [من هذا الكتاب] وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم - ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة مولاه، وجعفر بن أبي طالب، وابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشًا كبيرًا فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي ﷺ على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، وضعف الحال، وضيقه على الناس. ثم لما توفى الله نبيه ﷺ بعث الصدّيق الجيوش قبل الشام، وإلى العراق كما تقدم تفصيل ذلك في كتابنا هذا ولله الحمد، ففتح الله على المسلمين الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها، وساق برّه إليها، وكتب أمير الحرب وهو أبو عبيدة إذ ذاك، وقيل خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة، وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحًا ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدًا - وكان قد صارت إليه إمرة الشام لعزل عمر خالدًا وتوليته أبا عبيدة -، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها محراب الصحابة. ولكن لم يكن الجدار مفتوقًا بمحراب محني، وإنما كانوا يصفون عند هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي. وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، وجعلوه من الباع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد، وهو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير [الذي في المقصورة اليوم] فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم، إجلالًا للصحابة ومهابة وخوفًا. وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة، وبني فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا. ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها؛ وجعل الجميع مسجدًا واحدًا، وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا فيكبر به

стр. 4456

المسجد الجامع، فيصير كله معبدًا للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، عرضها عليهم، وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، وهي كنيسة مريم، وكنيسة المصلّبة داخل باب شرقي، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درّة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الإباء، فقال: ائتوني بعهدكم، فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم من زمن الصحابة، فقرئ بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما - التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها وأجعلها مسجدًا، فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفسًا ببقية هذه الكنيسة، فأقرَّهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة. ويقال إن الوليد لمَّا أهمّه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله. دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقي ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبًا، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها (١). [وحكي عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهمومًا فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين مهمومًا؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال: وما هو؟ قلت: الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من باب شرقي بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عني، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عاملًا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم، فقالوا: إنك أولًا دفعت إلينا الأموال، وأقطعتنا الإقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقي لنا هذه الكنائس الأربعة بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس، واللّه أعلم. وقيل: إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم (٢) عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم التي هُدمت لهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها، فاللّه أعلم.

стр. 4457

ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤوس الناس، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتابنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن (١)، فقال الوليد: أنا أحب أن أجن في الله ، ووالله لا يهدم فيها أحد قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها، الذي يسمونه الشاهد، وأخذ أذيال قبائه وكان لونه أصفر سفرجليًا فغرزها (٢) في المنطقة، ثم أخذ فأسًا بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك وأمر نائبه على الخراج يزيد بن تميم بن حجر السُّلمي بإحضار اليهود ليساعدوا في هذه الكنيسة؛ فجاؤوا فكانوا كالفعول. ذكره الحافظ ابن عساكر (٣) في ترجمة يزيد بن تميم هذا (٤). فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها على ما سنذكره ونشير إليه. وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقًا كثيرًا من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صُنّاعًا في الرخام وغير ذلك، ليعمروا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزونّ بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى كنيسة القدس، وكنيسة الرُّها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعًا كثيرة جدًّا، مئتي صانع، وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، د ان لم يكن فهمه، وفهمته أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، واجتمع الناس عنده لذلك، وكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله. قال الوليد: وما هو ويحك؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وسليمان هو ابن داود، ففهَّمه الله ما لم يفهمه

стр. 4458

أبوه. فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابًا إلى ملك الروم. وقد قال الفرزدق في ذلك: فرَّقتَ بينَ النصارى في كنائسهمْ … والعابدينَ معَ الأسحارِ والعتمِ وهمْ جميعًا إذا صلوا وأوجههمْ … شتى إذا سجدوا للّه والصنمِ وكيف يجتمعُ الناقوسُ يضربهُ … أهلُ الصليبِ معَ القراءِ لم تنمِ فهمك الله تحويلًا لبيعتهمْ … عنْ مسجدٍ فيه يتلى طيِّبُ الكلمِ فهمتَ تحويلها عنهم كما فهما … إذ يحكمانِ لهمْ في الحرثِ والغنمِ داود والملك المهدي إذْ جزأا … أولادها واجتزاز الصوفِ بالجَلَم (١) ما من أبٍ حملتهُ الأرضُ نعلمهُ … خير بنينٍ ولا خيرٌ منْ الحكمِ (٢) قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم الدمشقي: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان. وقال الحسن بن يحيى الخشني: إن هودًا ﵇ هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق (٣). وقال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر، وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماءٍ عذبًا زلالًا، ثم إنهم وضعوا فيه جرار (٤) الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين: أريد أن تبني لي أنت هذه القبة، فقال: على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل. فبنى الأركان ثم غلَّفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهمّ به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: مِن هذا أُتيت، ثم بناها فانعقدت. وقال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا المسجد، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطًا، وقال له: ويلك! أنا أعجز عن ذلك وخراج الأرض وأموالها تجبى إليّ؟ قال: نعم أنا أُبيّن لك ذلك، قال: فبين ذلك، قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما أسبك منه لبنة

стр. 4459

فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارًا (١) [وقال إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، وردًا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك. ثم عقدها على ما أشار به المعمار]. ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحًا مقرنصًا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في تطيين أسطحة هذا المسجد في كل عام، فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، ويكون أخف على السقف. فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضه (٢)، فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال: اشتروه منها ولو بزنته (٣)، فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة للّه يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع "للّه" ويقال إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية (٤). وقال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا باداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل القومة يعنون الفعلة الفلس ورأس المسمار فيجيء حتى يضعه في الخزانة. وقال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللَّتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر (٥). وقال بعضهم: اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر، من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار. وقال دُحيم، عن الوليد بن مسلم: حدّثنا مروان بن جناح عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مُرَخِّم. وقال أبو قصي عن دُحيم، عن الوليد بن مسلم، عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة (٦) التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار.

стр. 4460

وقال أبو قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمئة صندوق من الذَّهب، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، - قلت: وذلك خمسة آلاف ألف دينار وستمئة ألف دينار -. وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار (١): قلت: فعلى هذا يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار. [وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير] واللّه أعلم. قال أبو قصي: وأتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها. فنودي في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال، فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبًا صبيبًا، وفضة خالصة، حتى صارت كومًا، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الآخر من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة، وفي رواية ست عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية؛ ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين. فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، واللّه ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئًا من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئًا. ثم قال الخليفة: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع (٢). وقال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلاذورد، في كل منها: بسم الله الرحمن الرحيم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد ﷺ أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست وثمانين. وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: الحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم إلى آخر السورة. ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت. قالوا: ثم مُحيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق (٣). وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلّها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذَهَّبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر

стр. 4461

البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة. قالوا: وكان في محراب الصحابة منه برنية (١) حجر من بلور، ويقال بل كانت حجرًا من جوهر وهي الدرة، وكانت تسمى القُليلة، وكانت إذا طُفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل الجوهر - بعث إلى سليمان والي شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها وسيّرها إلى الأمين، فلما ولي المامون ردّها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. قال الحافظ ابن عساكر (٢) ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال: وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء. قالوا: وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدًّا، بنتها اليونان للرصد، فسقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمئة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال (٣)، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (٤) عن النواس بن سمعان. والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر في أي جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيما ينظر إليه لحسنه وجماله ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية، لا من الحيات ولا من العقارب، ولا الخنافس ولا العناكيب، ويقال ولا العصافير أيضًا تعشش فيه، ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى به

стр. 4462

الناس، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع، مما يلي السجع، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة (١) [في دولة الفاطميين] كما سيأتي ذلك في موضعه. وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باقٍ إلى يومنا هذا، واللّه أعلم. فمن ذلك العمود الذي في رأسه مثل الكرة بسوق الشعير عند قنطرة أم حكيم وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل (٢) دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق بوله، وذلك مجرب من عهد اليونان (٣). وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع المعمور وزيادته مدة ولايته، وجددت له فيه المقصورة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء (٤)، ويردّ ذلك كله إلى بيت المال، ويجعل مكان ذلك كله طينًا، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه. وقال خالد بن عبد الله القسري: أنا أكلمه لكم فلما اجتمعوا قال له خالد: يا أمير المؤمنين بلغنا عنك أنك تريد أن تصنع كذا وكذا، قال: نعم! فقال خالد: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ولم يا بن الكافرة؟ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلًا مؤمنًا، فقال: صدقت، واستحيا عمر ثم قال له: فلم قلت ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال، فأطرق عمر. قالوا: واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلا من عند ملكهم، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها، صعق كبيرهم وخر مغشيًا عليه، فحملوه إلى منزلهم، فبقي أيامًا مدنفًا، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال: ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء، وكنت أعتقد أن

стр. 4463

مدتهم تكون أقصر من هذا، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال: أو إن هذا ليغيظ الكفار، دعوه. وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلسًا في شأن ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع، فحقق عمر القضية، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة وكان عمر عادلًا، فرأى أن يرد عليهم ما أُخذ منهم، مثل كنيسة دير مران [بسفح قاسيون، وهي بقرية المعظمية] وكنيسة الراهب، وكنيسة توما خارج الباب، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز، فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفسًا للمسلمين بهذه البقعة، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس، ويكتب لهم كتاب أمان بها، ويطيبوا نفسًا بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان من عمر بن عبد العزيز (١). والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته. قال الفرزدق: أهل دمشق في بلادهم قصر من قصور الجنة - يعني الجامع -. وقال أحمد بن أبي الحواري: عن الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان: ما ينبغي لأحد من أهل الأرض أن يكون أشد تشوقًا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها (٢). قالوا: ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري: سبقنا بنو أمية بثلاث، بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون واللّه فينا مثله أبدًا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه: وهذه رابعة (٣). ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم، وقاضيه يحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الأذهاب التي فيه، وقال يحيى بن أكثم: الرخام وهذه العقد، فقال المأمون: إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم التمار: أخبرني باسمٍ حسن أسمي به جاريتي هذه، فقال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شيء (٤). وقال عبد الرحمن: عن ابن عبد الحكم، عن الشافعي قال: عجائب الدنيا خمسة: أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين بإسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلًا، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مئة فرسخ. وقيل ينظر مَن بالقسطنطينية، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه، والخامس الرخام

стр. 4464

والفسيفساء، فإنه لا يدرى لها موضع، ويقال إن الرخام معجون، والدليل على ذلك أنه يذوب على النار (١). قال الحافظ ابن عساكر (٢): وذكر إبراهيم بن أبي اللّيث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة - في رسالة له قال: ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، ووافق ظاهره باطنه، أزقته أرجة، وشوارعه فرجة، فحيث ما مشيت شممت طيبًا، وأين سعيت رأيت منظرًا عجيبًا، وإن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، ولا الرائي أن يعرفه، وجملته أنه كنز الدهر، ونادرة الوقت، وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات، ولقد أثبت الله به ذكرًا يدرس، وخلف به أمرًا لا يخفى ولا يدرس. قال ابن عساكر: وأنشدني بعض أهل الأدب المحدِّثين في جامع دمشق عَمره الله بذكره [وفي دمشق فقال] (٣): دمشقُ قد شاعَ حسنُ جامعها … وما حوته رُبى مرابعها بديعةُ الحسنِ في الكمالِ لما … يدركهُ الطرفُ منْ بدائعها طيبة أرضها مباركةٌ … باليمنِ والسعدِ أخذ طالعها جامعها جامعُ المحاسنِ قدْ … فاقتْ به المدن في جوامعها بنية بالاتقانِ قدْ وضعتْ … لا ضيَّعَ الله سعيَ واضعها تذكرُ في فضلهِ ورفعتهِ … آثارُ صدقٍ راقتْ لسامعها قدْ كانَ قبلَ الحريقِ مدهشة … فغيرتْ ناره بلاقعها فأذهبتْ بالحريقِ بهجتهُ … فليسَ يرجى إيابُ راجعها إذا تفكرتَ في الفصوصِ وما … فيها تيقنتَ حذقَ راصعها أشجارها لا تزالُ مثمرةً … لا ترهبُ الريحَ منْ مدافعها كأنها من زمرب غرستْ … في أرضِ تبرٍ تغشى بنافعها (٤) فيها ثمارٌ تخالها ينعتْ … وليسَ يخشى فسادُ يانعها تقطفُ باللحظِ لا بجارحةِ ال … أيدي ولا تجتني لبائعها وتحتها من رخامةٍ قطعٌ … لا قطعَ الله كف قاطعها أحكم ترخيمها المرخمُ قد … بانَ عليها إحكامُ صانعها

стр. 4465

وإنْ تفكرتَ في قناطرهِ … وسقفهِ بانَ حذقُ رافعها وإنْ تبينتَ حسنَ قبتهِ … تحيرَ اللبُّ في أضالعها تخترقُ الريحُ في مخارمها (١) … عصفًا فتقوى على زَعازعها وأرضهُ بالرخامِ قدْ فرشتْ … ينفسحُ الطرفُ في مواضعها مجالسُ العلمِ فيه مؤنَّقةٌ … ينشرحُ الصدرُ في مجامعها وكلُّ بابٍ عليهِ مطهرةٌ … قدْ أمنَ الناسُ دفعَ مانعها يرتفقُ الناسُ من مرافقها … ولا يصدونَ عنْ منافعها ولا تزال الميا جاريةً … فيها لما شقَّ منْ مشارعها وسوقها لا تزالُ آهلةً … يزدحمُ الناسُ في شوارعها لما يشاؤون مِنْ فواكهها … وما يريدون منْ بضائعها كأنها جنةٌ معجَّلة … في الأرضِ لولا مسرى فجائعها دامتْ برغمِ العدى مسلَّمةً … وحاطها الله منْ قوارعها فصل فيما وُجد فيه من الآثار وما روي في فضله من الأخبار عن جماعة من السادة الأخيار رُوي عن قتادة أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ قال: هو مسجد دمشق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ قال: هو مسجد بيت المقدس ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ حيث كلم الله موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] وهو مكة (٢). ونقل عثمان بن أبي عاتكة عن أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ قالوا: هو مسجد دمشق. رواه ابن عساكر. وقال صفوان بن صالح، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، عن عطية بن قيس الكلابي قال: قال كعب الأحبار: ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عامًا (٣). وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد (٤)، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك إلى جبل بيت المقدس، قال ففعل

стр. 4466

فأوحى الله إليه أما إذا فعلت فإني سأبني لي في حضنك بيتًا أُعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عامًا، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك، قال فهو عند الله بمنزلة الرجل الضعيف المتضرع (١). وقال دحيم: حيطان المسجد الأربعة من بناء هود ﵇، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو من بناء الوليد بن عبد الملك (٢) - يعني أنه رفع الجدار فعلاه من حد الرخام والكرمة إلى فوق إلى آخر الجدار - وقال غيره: إنما بنى هود الجدار القبلي فقط. وقال أبو بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج المعروف بابن البرامي الدمشقي: حدّثنا إبراهيم بن مروان، سمعت أحمد بن إبراهيم بن ملاس يقول: سمعت عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار فأحرقته، وما لم يتقبل منه بقي على حاله. قلت: وهذه الصخرة نقلت إلى داخل باب الساعات، وهي موجودة الآن، وبعض العامة يزعم أنها الصخرة التي وضع عليها ابنا آدم قربانهما فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فاللّه أعلم (٣). وقال هشام بن عمار: حدّثنا الحسن بن يحيى الخُشَني أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق. قال ابن عساكر: وهذا منقطع ومنكر جدًّا، ولا يثبت أيضًا لا من هذا الوجه ولا من غيره. وقال أبو بكر البرامي: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقري، حدّثني أبي، عن أبيه: أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال: إني أريد أن أصلي في المسجد، فلا تتركوا فيه أحدًا يصلي اللّيلة، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له، فإذا رجل قائم بين الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال الوليد للقوام: ألم آمركم أن لا تتركوا أحدًا الليلة يصلي في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد. في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر، ولا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية، ولا صلاته في المكان المذكور واللّه أعلم. وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المِئذنة الغربية تسمى زاوية الخضر، وما أدري ما سبب ذلك، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه، وكفى بذلك شرفًا له ولغيره من المساجد التي صلّوا فيها، وأول من صلّى فيه إمامًا أبو عبيدة بن الجراح، وهو أمير الأمراء بالشام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة، وصلّى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره، لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غُير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن

стр. 4467

مالك، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين، وهو يبني فيه الوليد، فصلّى فيه أنس، ورأى الوليد وأنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدّمنا ذلك في ترجمة أنس، عند ذكر وفاته سنة ثلاث وتسعين، وسيصلي فيه عيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان، وذلك زمن الدجال وعموم البلوى به، وانحصار الناس منه بدمشق، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة، ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر (١)، فيأتي وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما أُقيمت لك، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة، يقال إنه المهدي، فاللّه أعلم. ثم يلتفت الناس على المسيح ويخرجون معه لقتال الدجال فيلحقه عند عقبة أَفيق، فيدركه بباب لد فيقتله بيده هنالك. وقد ذكرنا ذلك مبسوطًا عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] وفي الصحيح (٢) عن النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عادلًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام". والمقصود أن عيسى ينزل - والبلد محصن من الدجال ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق - وهي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى حيث أحرقوها فجددت من أموالهم - ثم يكون نزول عيسى حتفًا لهم [وهلاكًا ودمارًا] عليهم، ينزل بين ملَكين واضعًا يديه على مناكبهما، وعليه مهرودتان (٣)، وفي رواية ممصرتان يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس، وذلك وقت الفجر، فينزل على المنارة وقد أقيمت الصلاة، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق، وهو هذا الجامع. وما وقع في صحيح مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي: فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، كأنه واللّه أعلم مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، وقد أُخبرت ولم أقف عليه إلى الآن أنه كذلك، في بعض ألفاظ هذا الحديث، في بعض المصنفات، واللّه المسؤول المأمول أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه، وهي بيضاء بنفسها، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، ولا أبهى ولا أعلى منها، وللّه الحمد والمنة (٤).

стр. 4468

الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا ﵉ وروى ابن عساكر (١): عن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا مغارة فعرَّفنا الوليد ذلك، فلما كان اللّيل وافانا وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ﵉. مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكرياء، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرًا من بين الأعمدة، فجعل عليه عمود مسفط الرأس. وفي رواية عن زيد بن واقد: أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة - يعني قبل أن تبنى - قال: وكان على الرأس شعر وبشر (٢). وقال الوليد بن مسلم: عن زيد بن واقد قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا وقد أُخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود الكاسك (٣). قال الأوزاعي والوليد بن مسلم: هو العمود الرابع المسفط. وروى أبو بكر بن البرامي: عن أحمد بن أنس بن مالك، عن حبيب المؤذن، عن أبي زياد وأبي أمية الشَّعبانيين (٤)، عن سفيان الثوري أنه قال: صلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. وهذا غريب جدًّا. وروى ابن عساكر من طريق أبي مسهر، عن المنذر بن نافع - مولى أم عمرو بنت مروان - عن أبيه - وفي رواية عن رجل قد سماه - أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقيه كعب الأحبار فقال: أين تريد؟ قال واثلة: أريد بيت المقدس؟ فقال: تعال أريك موضعًا في المسجد من صلّى فيه فكأنما صلّى في بيت المقدس، فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر (٥) الذي يخرج منه الوالي - يعني الخليفة - إلى الحنية - يعني القنطرة الغربية - فقال: من صلّى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدش، فقال واثلة: إنه لمجلسي ومجلس قومي. قال كعب: هو ذاك. وهذا أيضًا غريب جدًّا ومنكر ولا يعتمد على مثله.

стр. 4469

وعن الوليد بن مسلم قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحًا من حجر فيه كتاب نقش، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إلى الروم فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى من كان بدمشق من بقية الأشنان (١) فلم يستخرجوه، فدُلَّ على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللّوح فوجدوه في ذلك الحائط - ويقال ذلك الحائط بناه هود ﵇ فلما نظر إليه وهب حرّك رأسه وقرأه فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك لو قد زل بك قدمك. وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا إلى عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، قبل أن يحل بك أجلك، وتنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى، ومجاور الموتى، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم ويحال بينك وبين العمل، وكتب في زمن سليمان بن داود ﵉ (٢). وقال الحافظ ابن عساكر (٣): قرأت على أبي محمد السُّلمي، عن عبد العزيز التميمي، أبنا تمام الرازي، ثنا ابن البِرَامي قال: سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعًا فوجدوا بابًا من حجارة مغلقًا، فلم يفتحوه وأعلموا به الوليد، فخرج من داره حتى وقف عليه، وفُتِحَ بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة، على فرس من حجارة، في يد التمثال الواحدة الدرَّة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا هي حبتان، حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك، فقيل له لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح ولا شعير. وقال الحافظ أحمد (٤) الورّاق - وكان قد عمر مئة سنة -: سمعت بعض الشيوخ يقول: لما دخل المسلمون دمشق وجدوا على العمود الذي على المقسلاط - على السفود الحديد الذي في أعلاه - صنمًا مادًا يده بكف مطبقة، عسروه فإذا في يده حبة قمح، فسألوا عن ذلك، فقيل لهم: هذه الحبة قمح جعلها حكماء (٥) اليونان في كف هذا الصنم طلسمًا، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد، ولو أقام سنين كثيرة.

стр. 4470

قال ابن عساكر (١): وقد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر التي في السوق الكبير، عند الصابونيين والعطارين اليوم، وعندها اجتمعت جيوش الإسلام يوم فتح دمشق، أبو عبيدة من باب الجابية، وخالد من باب الشرقي، ويزيد بن أبي سفيان من باب الجابية الصغير. وقال عبد العزيز التميمي (٢)، عن أبي نصر عبد الوهّاب بن عبد الله المزني (٣): سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق يقولون: إن في سقف الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي، فيها طلاسم للصنونيات، لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها، ولا يدخله غراب، وطلسم للفأر والحيات والعقارب، فما رأى الناس من هذا شيئًا إلا الفأر، ويشك أن يكون قد عدم طلسمها (٤)، وطلسم العنكبوت حتى لا ينسج في زواياه ويركبه الغبار والوسخ. قال الحافظ ابن عساكر (٥): وسمعت جدّي أبا الفضل يحيى بن علي يذكر أنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، معلّقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وأنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات حين أحرق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة. وقد كانت بدمشق طلسمات كثيرة، ولم يبق منها سوى العمود الذي بسوق العلبيين الذي في أعلاه مثل الكرة العظيمة، وهي لعسر بول الدواب، إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق باطنها. وقد كان شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀ يقول: إنما هذا قبر مشرك متمرد مدفون هنالك يعذب، فإذا سمعت الدابة صياحه فزعت فانطلق ضبعها، قال: ولهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود والنصارى إذا مغلت فتنطلق، وما ذاك إلا لأنها تسمع أصواتهم وهم يعذبون، واللّه أعلم. ذكر الساعات التي على بابه قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زَبْر (٦): إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عمل هناك

стр. 4471

بلكار (١) الساعات، كان يُعلم بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير من نحاس، وحَيّة من نحاس وغراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحيَّة فصفَّرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست [فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، وكذلك سائرها] (٢). قلت: هذا الكلام يدل على أحد شيئين إما أن تكون الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع، وهو الذي يسمى باب الزيادة، ولكن قد قيل إنه محدث بعد بناء الجامع، وهو لا ينفي أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زَبْر، وإما أنه قد كان في الجامع في الجانب الشرقي منه في حائطه القبلي باب آخر في محاذاة باب الزيادة، وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الورّاقين اليوم، وهو باب الجامع من الشرق، واللّه أعلم. قلت: فأما القبة التي في وسط صحن الجامع التي فيها الماء الجاري، ويقول العامة لها قبة أبي نواس فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمئة أرَّخَ ذلك ابن عساكر (٣) عن خط بعض الدماشقة. وأما القبة الغربية العالية التي في صحن الجامع التي يقال لها قبة عائشة، فسمعت شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي يقول: إنها إنما بنيت في حدود سنة ستين ومئة في أيام المهدي بن المنصور العباسي؛ وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه. وأما القبة الشرقية التي على باب مسجد علي فيقال: إنها بنيت في زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربعمئة. وأما الفَوَّارة التي تحت درج جيرون فعملها الشريف فخر الدولة أبو علي حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني (٤)، وكأنه كان ناظرًا بالجامع، وجَرَّ إليها قطعة من حجر كبير من قصر حَجّاج، وأجرى فيها الماء ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من ربغ الأول سنة سبع عشرة وأربعمئة وعملت حولها قناطر، وعقد عليها قبة، ثم سقطت القبة بسبب جِمَال تحاكَّت عندها [وازدحمت] وذلك في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمئة، فأعيدت ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ودار الحجارة في شوال سنة اثنتين وستين وخمسمئة، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر (٥). قلت: وأما القصعة التي كانت في الفوارة، فما زالت وسطها، وقد أدركتها كذلك، ثم رفعت بعد ذلك. وكان بطهارة جيرون قصعة أخرى مثلها، فلم تزل بها إلى أن تهدمت اللبادين بسبب حريق النصارى

стр. 4472

في سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، ثم استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر أحسن مما كانت، وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر. تم عمل الشاذروان (١) الذي شرقي فوارة جيرون، بعد الخمسمئة - أظنه - سنة أربع عشرة وخمسمئة واللّه أعلم. ذكر ابتداء أمر السُّبْع (٢) بالجامع الأموي قال أبو بكر بن أبي داود: حدّثنا أبو عامر (٣) موسى بن عامر المري، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم - قال قال أبو عمر الأوزاعي، عن حسان بن عَطيّة قال: الدراسة مُحدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي، في قدمته على عبد الملك، فحجبه عبد الملك فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع قراءة فقال: ما هذا؟ فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء، فقرأ هشام بن إسماعيل (٤)، فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأوا بقراءته. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدّثنا أيوب بن حسّان، حدّثنا الأوزاعي، حدّثنا خالد بن دهقان قال: أول من أحدث القراءة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث القراءة بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجُوَشي (٥). قلت: هشام بن إسماعيل كان نائبًا على المدينة النبوية، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيِّب لما امتنع من المبايعة للوليد بن عبد الملك، قبل أن يموت أبوه، ثم عزله عنها الوليد وولَّى عليها عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا. وقد حضر هذا السُّبْع جماعات من سادات السَّلف من التابعين بدمشق، منهم هشام بن إسماعيل، ومولاه رافع، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مكتِّبًا لأولاد عبد الملك بن

стр. 4473

مروان، وقد ولي إمرة إفريقية لهشام بن عبد الملك وابنيه عبد الرحمن ومرواد (١). وحضره من القضاة أبو إدريس الخولاني، ونمير بن أوس الأشعري، ويزيد بن أبي مالك الهمداني، وسالم بن عبد الله المحاربي، ومحمد بن عبد الله بن لبيد الأسدي. ومن الفقهاء والمحدثين والحفاظ المقرئين أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى آل معاوية، ومكحول، وسليمان بن موسى الأشدق، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وأبو إدريس الأصغر عبد الرحمن بن عراك، وعبد الرحمن بن عامر اليحصبي - أخو عبد الله بن عامر - ويحيى بن الحارث الذِّماري (٢)، وعبد الملك بن نعمان المُزَني، وأنس بن أنيس العذري، وسليمان بن بزيع (٣) القارئ، وسليمان بن داود الخُشني، وعران - أو هزّان - بن حكيم القرشي، ومحمد بن خالد بن أبي ظبيان الأزدي، ويزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، وعَيّاش بن دينار وغيرهم. هكذا أوردهم ابن عساكر (٤). قال: وقد روي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره، ولا وجه لإنكاره. ثم ساق من طريق أبي بكر بن أبي داود: حدّثنا عمرو (٥) بن عثمان، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم - عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب (٦) ينكر هذه الدراسة ويقول: ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي ﷺ . قال ابن عساكر (٧): وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميرًا على دمشق في أواخر سنة ست وثمانين (٨) في خلافة عمر بن عبد العزيز. فصل كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين، هدمت الكنيسة في ذي القعدة منها، فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء، وتكامل في عشر سنين (٩)، فكان الفراغ منه في هذه السنة - أعني سنة

стр. 4474

ست وتسعين - وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك، وقد بقيت فيه بقايا فكملها أخوه سليمان بن عبد الملك كما ذكرنا. فأما قول يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهدم الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحًا، فأنا أهدم كنيسة توما - قال هشام وتلك أكبر من هذه الداخلة - قال فرضوا أن يهدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد، قال: وكان بابها قبلة المسجد اليوم، وهو المحراب الذي يصلى فيه، قال: وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، ومكثوا في بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولم يتم بناءه، فأتمه هشام من بعده ففيه فوائد وفيه غلط، وهو قوله إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين، والصواب عشر سنين، فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وقد حكى أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير، وقوله: لم يتم بناؤه في زمن الوليد بل قد تم ولكن بقيت بقيات من الزخرفة فأكملها أخوه سليمان لا هشام، والله أعلم (١). وهذه ترجمة الوليد بن عبد الملك (٢) باني جامع دمشق، وذكر وفاته في هذا العام هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العباس الأموي، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهدٍ منه في شوال سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولده، والولي من بعده، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء (٣) بن الحارث بن زهير العبسي. وكان مولده سنة خمسين، وكان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب (٤)، وكان لا يحسن العربية، وكان طويلًا أسمر به أثر جدري خفي، أفطس الأنف سائله، وكان إذا مشى يتوكف (٥) في المشية - أي يتبختر -

стр. 4475

وكان جميلًا وقيل بل كان دميمًا، قد شاب في مقدم لحيته، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك حين سأله ما سمع في أشراط الساعة، كما تقدم في ترجمة أنس، وسمع سعيد بن المسيّب، وحكى عن الزهري وغيره. وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية، فجمع الوليد جماعة من أهل النحو فأقاموا عنده ستة أشهر، فخرج يوم خرج وهو أجهل ما كان، فقال عبد الملك: قد أجهد وأعذر (١) [وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له: لا ألفينك إذا مِتُّ تجلس تعصر عينيك، وتحن حنين الأمة، ولكن شمّر واتزر، ودلني في حفرتي، وخلني وشأني، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا] (٢). وقال الليث: وفي سنة ثمان وسبعين (٣) غزا الوليد بلاد الروم، وفيها حج بالناس أيضًا. وقال غيره: غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها. وبويع له بالخلافة بعد أبيه في شوال من سنة ست وثمانين (٤). وكان نقش خاتمه: أومن بالله مخلصًا. وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت. ويقال: إن آخر ما تكلّم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله. وقال إبراهيم بن أبي عبلة: قال لي الوليد بن عبد الملك يومًا: في كم تختم القرآن؟ قلت: في كذا وكذا، فقال: أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث، وقيل في كل سبع، قال: وكان يقرأ في كل رمضان سبع عشرة ختمة (٥). قال إبراهيم: رحم الوليد وأين مثله؟ بنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قطاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس (٦). وروى ابن عساكر (٧) بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه قال: خرج الوليد بن عبد الملك يومًا من الباب الأصغر فرأى رجلًا عند المئذنة الشرقية يأكل شيئًا، فأتاه فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزًا وترابًا، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: القُنُوع يا أمير المؤمنين، فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال: إن لك لشأنًا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك، فقال: نعم يا أمير

стр. 4476

المؤمنين، كنت رجلًا جَمّالًا، فبينما أنا أسير من مرج الصُّفَّر (١) قاصدًا إلى الكسوة (٢)، إذ أزرمني البول فعدلت إلى خربة لأبول، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب، فملأت منه غرائري، ثم انطلقت أقود برواحلي، وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها، وقلت إني سآتي الكسوة، ورجعت إلى الخربة لأملأ تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد الجهيد في الطلب، فلما أيست رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزًا وترابًا. قال: فهل لك عيال؟ قال نعم، ففرض له في بيت المال. قال ابن جابر (٣): وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في بيت المال. [وقيل إن الوليد قال له: ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها، وقيل إنه دفع إليه شيئًا من ذلك المال يُقيته وعياله] (٤). وقال نمير بن عبد الله الصَّنعاني (٥) عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا (٦). قالوا: وكان الوليد لحانًا كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يومًا فقرأ في خطبته ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] فضم التاء من ليتها. فقال عمر بن عبد العزيز: يا ليتها كانت عليك وأراحتنا منك (٧). وكان يقول: يا أهلُ المدينة.

стр. 4477

وقال عبد الملك يومًا لرجل من قريش: إنك لرجل لولا أنك تلحن، فقال: وهذا ابنك الوليد يلحن، فقال: لكن ابني سليمان لا يلحن، فقال الرجل: وأخي أبو فلان لا يلحن (١). وقال ابن جرير (٢): حدّثني عمر، حدّثنا علي - يعني ابن محمد المدائني - قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد بدمشق (٣)، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كلَّ مُقْعدٍ خادمًا، وكل ضرير قائدًا (٤)، وفُتح في ولايته فتوحات كثيرة عظامًا، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد (٥) الروم، ففتح الهند والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك. قال: وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده ويقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها فإنك تربح. وذكروا أنه كان يبر حَمَلة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم، قالوا: وكانت همَّة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همّة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة (٦)؟ قلت: بنى الوليد بن عبد الملك جامع دمشق على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، في حسنه وشكله، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة (٧)، وبنى مسجد النبي ﷺ ، ووسعه حتى دخلت الحجرة النبوية التي فيها القبر فيه، وله آثار حسان كثيرة جدًّا، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. أعني سنة ست وتسعين.

стр. 4478

قال ابن جرير (١): هذا قول جميع أهل السير. وقال عمر [و] بن علي الفلاس وجماعة: كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، عن ست وقيل ثلاث وقيل تسع وقيل أربع وأربعين سنة، وكانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، وقيل: بمقابر باب الفراديس، حكاه ابن عساكر (٢). وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، وقيل: صلى عليه ابنه عبد العزيز. وقيل بل صلّى عليه أخوه سليمان، والصحيح عمر بن عبد العزيز، والله أعلم. وهو الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله: لننزلنه غير موسَّد ولا ممهد، قد خلفت الأسلاب، وفارقت الأحباب، وسكنت التراب وواجهت الحساب، فقيرًا إلى ما تقدم عليه، غنيًا عما تخلف (٣). وجاء من غير وجه عن عمر بن عبد العزيز أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في أكفانه، وجمعت رجلاه إلى عنقه (٤). وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور. والله أعلم. قال المدائني: وكان له من الولد تسعة عشر ولدًا ذكرًا، وهم عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عيبدة، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر، وروح، وبشر، ويزيد، ويحيى. فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين (٥) بنت عمه عبد العزيز بن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم من أمهات أولاد شتى (٦). قال المدائني: وقد رثاه جرير فقال: يا عينُ جودي بدمعٍ هاجَهُ الذِّكر … فما لدمعكِ بعد اليومِ مُدَّخرُ إنَّ الخليفةَ قدْ وارتْ شمائلهُ … غبراءُ مُلْحَدَةٌ في جُولها زور (٧) أضحى بنوهُ وقد جلت مصيبتُهُمْ … مثلَ النجومِ هَوَى من بينها القمرُ كانوا جميعًا فلم يدفع منيتهُ … عبدُ العزيزِ ولا رَوْحٌ ولا عمرُ (٨)

стр. 4479

وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك: زياد بن جارية التميمي (١) الدمشقي، كانت داره بها غربي قصر الثقفيين. روى عن حبيب بن مسلمة الفهري في النهي عن المسألة وله ما يغديه ويعشيه، وفي النفل. ومنهم من زعم أن له صحبة، والصحيح أنه تابعي. روى عنه: عطية بن قيس ومكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس، ومع هذا قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول. ووثقه النسائي وابن حبان. روى ابن عساكر (٢): أنه دخل يوم جمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة، فقال: والله ما بعث الله نبيًا بعد محمد ﷺ أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت، قال: فأُخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك. عبد الله بن عمرو بن عثمان (٣)، أبو محمد، كان قاضي المدينة، وكان شريفًا كثير المعروف جوادًا ممدَّحًا، والله أعلم (٤). خلافة سليمان بن عبد الملك بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات، وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وكان سليمان بالرَّملة، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك بن مروان كما تقدم. وقد كان الوليد بن عبد الملك قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده عبد العزيز بن الوليد، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم

стр. 4480

وجماعة من أهل الشام، وقد أنشد في ذلك جرير (١) وغيره من الشعراء قصائد، فلم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان وولَّى على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلّب (٢)، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان. [ولسبع بقين من رمضان من هذه السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولَّى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان أحد العلماء] (٣). وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان بن عبد الملك للخلافة كتب إليه كتابًا يعزِّيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلَّب، ثم كتب كتابًا ثانيًا يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلَّب أيضًا، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتابًا ثالثًا فيه خلع سليمان عن الخلافة بالكلية، وبعث بها مع البريد (٤) وقال له: ادفع إليه الكتاب الأول، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلّب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه، فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه، ثم ختمه وأمسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من اللّيل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهبًا وكتابًا فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريدًا آخر من جهته ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان (٥) بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان.

стр. 4481

مقتل (١) قتيبة بن مسلم (٢) ﵀ وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته، لم يجبه أحد من الناس، فشرع في تأنيبهم وذمِّهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرَّقوا، وعملوا على مخالفته، وسَعَوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود (٣)، فجمع جموعًا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحِجَّة من هذه السنة، وقتل معه أحد عشر رجلًا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زُرارة، فحمته أخواله، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله (٤) وصالح ويسار (٥)، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم، فصلبهم كلهم وكيع بن أبي سود. وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة [وقد هدى الله على يديه خلقًا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله ، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدم ذلك مفصلًا مبينًا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده] (٦). ولكن زلّ زلّة كان فيها حتفه، وضلّ ضلة رغم فيه أنفه، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويمحو بها عنه

стр. 4482

من خطيئاته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزُّبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، وقد قال فيه بعض الشعراء يرثيه، وهو رثاء عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال: كأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسرْ … بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا ولم تخْفِقِ الراياتُ والقومُ حولهُ … وقوفٌ ولم يشهدْ له الناسُ عسكرا دعتهُ المنايا فاستجاب لربِّهِ … وراحَ إلى الجنَّاتِ عَفًّا مطهَّرا فما رُزِئَ الإسلامُ بعد محمدٍ … بمثلِ أبي حفصٍ فبكّيهِ عَبْهَرا (١) ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. وعبهر ولد له. وقال الطِّرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن أبي سود: لولا فوارسُ مَذحِجَ ابنه (٢) مذحجٍ … والأزد زُعزعَ واستبيحَ العسكرُ وتقطعتْ بهمُ البلادُ ولم يَؤُب … منهم إلى أهلِ العراقِ مخبِّرُ واستضلعت (٣) عقد الجماعةِ وازدرى … أمرُ الخليفةِ واستحلَ المنكرُ قومٌ همو قتلوا قتيبة عنوةً … والخيلُ جامحةٌ عليها العِثْيرُ (٤) بالمرج مرجِ الصينِ حيثُ تبيّنتْ … مُضرُ العراقِ مَن الأعزُّ الأكبرُ إذ حالَفتْ جزعًا ربيعةُ كلها … وتفرقتْ مضرٌ ومنْ يتمضرُ وتقدمتْ أزدُ العراقِ ومَذْحِجٌ … للموتِ يجمعُها أبوها الأكبر قحطانُ تضربُ رأسَ كل مدججٍ … تحمى بصائرهنَّ إذْ لا تبصرُ والأزدُ تعلمُ أنَّ تحتَ لوائها … مُلكًا قُرَاسِيَةً وموتٌ أحمرُ فبعزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ … وبنا تثبَّتَ في دمشقَ المِنبرُ (٥) وقد بسط ابن جرير (٦) هذه القصة بسطًا كثيرًا وذكر أشعارًا كثيرة جدًّا. وقال القاضي ابن خلكان (٧) وقال جرير يرثي قتيبة بن مسلم ﵀ وسامحه، وأكرم مثواه وعفا عنه:

стр. 4483

ندمتمْ على قتلِ الأغر (١) ابنِ مسلمٍ … وأنتمْ إذا لاقيتمُ الله أندمُ لقدْ كنتمُ من غزوهِ في غنيمة … وأنتمْ لمنْ لاقيتمُ اليومَ مغنمُ على أنه أفضى إلى حورِ جنةٍ … وتطبقُ بالبلوى عليكمْ جهنمُ قال: وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان، فمنهم عَمْرو (٢) بن سعيد بن قتيبة بن مسلم وكان جوادًا ممدحًا، رثاه حين مات أبو عمر أشجع بن عمرو السلمي المري (٣) نزيل البصرة بقوله: مضى ابنُ سعيدٍ حيثُ لم يبقَ مشرقٌ … ولا مغربٌ إلا له فيه مادحُ وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفهِ … على الناسِ حتى غيبتهُ الصفائحُ (٤) وأصبحَ في لحد من الأرضِ ضيقٍ … وكانتْ به حيًا تضيقُ الضحاضحُ سأبكيكَ ما فاضتْ دموعي فإن تغضْ … فحسبكَ مني ما تجن (٥) الجوانحُ فما أنا منْ رزئي وإن جلّ جازعٌ … ولا بسرورٍ بعدَ موتكَ فارحُ كأن لم يمتْ حيٌّ سواكَ ولم تقمْ … على أحدٍ إلا عليكَ النوائحُ لئنْ حسنتْ فيكَ المراثي وذِكرها … لقد حسنتْ منْ قبل فيكَ المدائحُ قال ابن خلكان (٦): وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة (٧)، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة مرذولة عند العرب، قال: وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: "نعم! ولو قتلت رجلًا من باهلة لقتلتك". وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك. وسأل بعض الأعراب رجلًا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثي له قال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم. فجعل يقبِّل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوِّضك الجنة في الآخره (٨).

стр. 4484

ثم قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة توفي: قرَّة بن شريك العبسي (٢) أمير مصر وحاكمها. قلت: هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد [وهو الذي بنى جامع الفيوم] (٣). وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم، وكان هو الأمير على المدينة. وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن. وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلّب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أُذينة. وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى. وعلى حرب خراسان وكيعُ بن أبي سود، والله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وتسعين وفيها جَهَّز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية، وفيها أمَّر ابنه داود على الصائفة، ففتح حصن المرأة. قال الواقدي: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الوضاحية، ففتح الحصن الذي [بناه] (٤) الوضاح صاحب الوضاحية.

стр. 4485

وفيها غزا مسلمة أيضًا برجمة (١) ففتح حصونًا: برجمة وحصن الحديد وسررا (٢)، وشتا بأرض الروم. وفيها غزا عمر بن هُبيرة الفزاري في البحر أرض الروم وشتا بها. وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، وقدم برأسه على سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين. مع حبيب بن أبي عبيد الفهري. وفيها ولى سليمان نيابة خراسان ليزيد بن المهلَّب مضافًا إلى ما بيده من إمرة العراق، وكان سبب ذلك أن وكيع بن أبي سود لما قتل قتيبة بن مسلم وذريته، بعث برأس قتيبة إلى سليمان فحظي عنده وكتب له بإمرة خراسان، فبعث يزيد بن المهلَّب عبد الرحمن (٣) بن الأهتم إلى سليمان بن عبد الملك ليحسن عنده أمر يزيد بن المهلَّب في إمرة خراسان، وينتقص عنده وكيع بن أبي سود، فسار ابن الأهتم - وكان ذا دهاءٍ ومكر - إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يزل به حتى عزل وكيعًا عن خراسان وولى عليها يزيد مع إمرة العراق، وبعث بعهده مع ابن الأهتم، فسار في سبع حتى جاء يزيد، فأعطاه عهد خراسان مع العراق، وكان يزيد وعده بمئة ألف فلم يف له بها، وبعث يزيد ابنه مخلدًا بين يديه إلى خراسان، ومعه كتاب أمير المؤمنين مضمونه أن قيسًا زعموا أن قتيبة بن مسلم لم يكن خلع الطاعة، فإن كان وكيع قد تعرض له وثار عليه بسبب أنه خلع ولم يكن خلع فقيِّده وابعث به إليّ، فتقدّم مخلد فأخذ وكيعًا فعاقبه وحبسه قبل أن يجيء أبوه، وكانت إمرة وكيع بن أبي سود على خراسان تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد بن المهلّب فتسلم خراسان وأقام بها، واستناب في البلاد نوابًا ذكرهم ابن جرير (٤). [قال: ثم سار يزيد بن المهلّب، فغزا جرجان ولم تكن يومئذ مدينة بأبواب وسور، وإنما هي جبال وأودية، وكان ملكها يقال له: صول، فتحولوا عنها إلى قلعة هناك، وقيل إلى جزيرة في بحيرة هناك، ثم أخذوه من البحيرة، وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا وأسروا وغنموا] (٥). قال: وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها، غير أن خراسان عزل عنها وكيع بن أبي سود، ووليها يزيد بن المهلَّب بن أبي صفرة مع العراق.
следующие страницы →