← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

مقتل (١) قتيبة بن مسلم (٢) ﵀ وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته، لم يجبه أحد من الناس، فشرع في تأنيبهم وذمِّهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرَّقوا، وعملوا على مخالفته، وسَعَوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود (٣)، فجمع جموعًا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحِجَّة من هذه السنة، وقتل معه أحد عشر رجلًا من إخوته وأبناء إخوته، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زُرارة، فحمته أخواله، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله (٤) وصالح ويسار (٥)، وهؤلاء أبناء مسلم، وأربعة من أبنائهم، فصلبهم كلهم وكيع بن أبي سود. وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة [وقد هدى الله على يديه خلقًا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله ، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدم ذلك مفصلًا مبينًا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده] (٦). ولكن زلّ زلّة كان فيها حتفه، وضلّ ضلة رغم فيه أنفه، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويمحو بها عنه

стр. 4482

من خطيئاته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، في ذي الحجة من هذه السنة، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزُّبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، وقد قال فيه بعض الشعراء يرثيه، وهو رثاء عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال: كأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسرْ … بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا ولم تخْفِقِ الراياتُ والقومُ حولهُ … وقوفٌ ولم يشهدْ له الناسُ عسكرا دعتهُ المنايا فاستجاب لربِّهِ … وراحَ إلى الجنَّاتِ عَفًّا مطهَّرا فما رُزِئَ الإسلامُ بعد محمدٍ … بمثلِ أبي حفصٍ فبكّيهِ عَبْهَرا (١) ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير. وعبهر ولد له. وقال الطِّرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن أبي سود: لولا فوارسُ مَذحِجَ ابنه (٢) مذحجٍ … والأزد زُعزعَ واستبيحَ العسكرُ وتقطعتْ بهمُ البلادُ ولم يَؤُب … منهم إلى أهلِ العراقِ مخبِّرُ واستضلعت (٣) عقد الجماعةِ وازدرى … أمرُ الخليفةِ واستحلَ المنكرُ قومٌ همو قتلوا قتيبة عنوةً … والخيلُ جامحةٌ عليها العِثْيرُ (٤) بالمرج مرجِ الصينِ حيثُ تبيّنتْ … مُضرُ العراقِ مَن الأعزُّ الأكبرُ إذ حالَفتْ جزعًا ربيعةُ كلها … وتفرقتْ مضرٌ ومنْ يتمضرُ وتقدمتْ أزدُ العراقِ ومَذْحِجٌ … للموتِ يجمعُها أبوها الأكبر قحطانُ تضربُ رأسَ كل مدججٍ … تحمى بصائرهنَّ إذْ لا تبصرُ والأزدُ تعلمُ أنَّ تحتَ لوائها … مُلكًا قُرَاسِيَةً وموتٌ أحمرُ فبعزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ … وبنا تثبَّتَ في دمشقَ المِنبرُ (٥) وقد بسط ابن جرير (٦) هذه القصة بسطًا كثيرًا وذكر أشعارًا كثيرة جدًّا. وقال القاضي ابن خلكان (٧) وقال جرير يرثي قتيبة بن مسلم ﵀ وسامحه، وأكرم مثواه وعفا عنه:

стр. 4483

ندمتمْ على قتلِ الأغر (١) ابنِ مسلمٍ … وأنتمْ إذا لاقيتمُ الله أندمُ لقدْ كنتمُ من غزوهِ في غنيمة … وأنتمْ لمنْ لاقيتمُ اليومَ مغنمُ على أنه أفضى إلى حورِ جنةٍ … وتطبقُ بالبلوى عليكمْ جهنمُ قال: وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان، فمنهم عَمْرو (٢) بن سعيد بن قتيبة بن مسلم وكان جوادًا ممدحًا، رثاه حين مات أبو عمر أشجع بن عمرو السلمي المري (٣) نزيل البصرة بقوله: مضى ابنُ سعيدٍ حيثُ لم يبقَ مشرقٌ … ولا مغربٌ إلا له فيه مادحُ وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفهِ … على الناسِ حتى غيبتهُ الصفائحُ (٤) وأصبحَ في لحد من الأرضِ ضيقٍ … وكانتْ به حيًا تضيقُ الضحاضحُ سأبكيكَ ما فاضتْ دموعي فإن تغضْ … فحسبكَ مني ما تجن (٥) الجوانحُ فما أنا منْ رزئي وإن جلّ جازعٌ … ولا بسرورٍ بعدَ موتكَ فارحُ كأن لم يمتْ حيٌّ سواكَ ولم تقمْ … على أحدٍ إلا عليكَ النوائحُ لئنْ حسنتْ فيكَ المراثي وذِكرها … لقد حسنتْ منْ قبل فيكَ المدائحُ قال ابن خلكان (٦): وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة (٧)، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة مرذولة عند العرب، قال: وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: "نعم! ولو قتلت رجلًا من باهلة لقتلتك". وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك. وسأل بعض الأعراب رجلًا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثي له قال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم. فجعل يقبِّل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوِّضك الجنة في الآخره (٨).

стр. 4484

ثم قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة توفي: قرَّة بن شريك العبسي (٢) أمير مصر وحاكمها. قلت: هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد [وهو الذي بنى جامع الفيوم] (٣). وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم، وكان هو الأمير على المدينة. وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن. وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلّب سفيان بن عبد الله الكندي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أُذينة. وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى. وعلى حرب خراسان وكيعُ بن أبي سود، والله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وتسعين وفيها جَهَّز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية، وفيها أمَّر ابنه داود على الصائفة، ففتح حصن المرأة. قال الواقدي: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الوضاحية، ففتح الحصن الذي [بناه] (٤) الوضاح صاحب الوضاحية.

стр. 4485

وفيها غزا مسلمة أيضًا برجمة (١) ففتح حصونًا: برجمة وحصن الحديد وسررا (٢)، وشتا بأرض الروم. وفيها غزا عمر بن هُبيرة الفزاري في البحر أرض الروم وشتا بها. وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، وقدم برأسه على سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين. مع حبيب بن أبي عبيد الفهري. وفيها ولى سليمان نيابة خراسان ليزيد بن المهلَّب مضافًا إلى ما بيده من إمرة العراق، وكان سبب ذلك أن وكيع بن أبي سود لما قتل قتيبة بن مسلم وذريته، بعث برأس قتيبة إلى سليمان فحظي عنده وكتب له بإمرة خراسان، فبعث يزيد بن المهلَّب عبد الرحمن (٣) بن الأهتم إلى سليمان بن عبد الملك ليحسن عنده أمر يزيد بن المهلَّب في إمرة خراسان، وينتقص عنده وكيع بن أبي سود، فسار ابن الأهتم - وكان ذا دهاءٍ ومكر - إلى سليمان بن عبد الملك، فلم يزل به حتى عزل وكيعًا عن خراسان وولى عليها يزيد مع إمرة العراق، وبعث بعهده مع ابن الأهتم، فسار في سبع حتى جاء يزيد، فأعطاه عهد خراسان مع العراق، وكان يزيد وعده بمئة ألف فلم يف له بها، وبعث يزيد ابنه مخلدًا بين يديه إلى خراسان، ومعه كتاب أمير المؤمنين مضمونه أن قيسًا زعموا أن قتيبة بن مسلم لم يكن خلع الطاعة، فإن كان وكيع قد تعرض له وثار عليه بسبب أنه خلع ولم يكن خلع فقيِّده وابعث به إليّ، فتقدّم مخلد فأخذ وكيعًا فعاقبه وحبسه قبل أن يجيء أبوه، وكانت إمرة وكيع بن أبي سود على خراسان تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد بن المهلّب فتسلم خراسان وأقام بها، واستناب في البلاد نوابًا ذكرهم ابن جرير (٤). [قال: ثم سار يزيد بن المهلّب، فغزا جرجان ولم تكن يومئذ مدينة بأبواب وسور، وإنما هي جبال وأودية، وكان ملكها يقال له: صول، فتحولوا عنها إلى قلعة هناك، وقيل إلى جزيرة في بحيرة هناك، ثم أخذوه من البحيرة، وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا وأسروا وغنموا] (٥). قال: وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها، غير أن خراسان عزل عنها وكيع بن أبي سود، ووليها يزيد بن المهلَّب بن أبي صفرة مع العراق.

стр. 4486

وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن الحسن (١) بن علي بن أبي طالب، أبو محمد القرشي الهاشمي، روى عن أبيه عن جده مرفوعًا: "من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه" (٢). وعن عبيد الله بن جعفر عن علي في دعاء الكرب (٣)، وعن زوجته فاطمة بنت الحسين. وعنه: ابنه عبد الله وجماعة. وفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه ونصره على الحجاج، وأقرّه وحده على ولاية صدقة علي، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأحسن، وذكر عنه آثارًا تدل على سيادته وعمله وتسننه ﵀ [قيل إن الوليد بن عبد الملك (٤) كتب إلى عامله بالمدينة: إن الحسن بن الحسن كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مئة ضربة، وقفه للناس، ولا تراني إلا قاتله. فأرسل خلفه فعلَّمه علي بن الحسين كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم: وهي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم (٥). توفي بالمدينة، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري] (٦). وقال يومًا لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله ، فقال له رجل: إنك تمزح، فقال: والله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد (٧). وقال له آخر منهم: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه"؟. فقال: بلى، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال: أيها الناس اعلموا أن هذا ولي أمركم من بعدي، وهو القائم عليكم،

стр. 4487

فاسمعوا له وأطيعوا، والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله (١). وقال لهم أيضًا: والله لئن ولينا من الأمر شيئًا لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لا نقبل لكم توبة، ويلكم غررتمونا من أنفسنا، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه (٢)، لو كان ما تقولون فينا حقًا لكان آباؤنا قد غشونا إذ لم يعلمونا بذلك [قد ظلمونا وكتموا عنّا أفضل الأمور] والله إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين، كما أني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الأجر مرتين، ويلكم أخبرنا إن أطعنا الله على طاعته، وأبغضونا إن عصينا الله على معصيته. موسى بن نصير (٣)، أبو عبد الرحمن اللخمي، مولاهم كانت مولاته امرأة منهم، وقيل كان مولى لبني أمية، افتتح بلاد المغرب [وغنم منها أموالًا لا تعد ولا توصف، وله بها مقامات مشهورة هائلة] ويقال إنه كان أعرج، ويقال إنه ولد سنة تسع عشرة، وأصله من عين التمر، وقيل إنه من أراشة من بلي، سُبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق، وكان اسم أبيه نصرًا فصغر. روى عن تميم الداري، وروى عنه ابنه عبد العزيز، ويزيد بن مسروق اليحصبي. وولي غزو البحر لمعاوية، فغزا قبرص، وبنى هنالك حصونًا كالماغوصة وحصن بانس وغير ذلك من الحصون بقبرص، وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرًا عند أخيه بشر بن مروان. وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب، قال الفسوي (٤): ولي موسى بن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين فافتتح بلادًا كثيرة جدًّا مدنًا وأقاليم. وقد ذكرنا أنه افتتح بلاد الأندلس، وهي بلاد ذات مدن وقرى وريف، فسبى منها ومن غيرها خلقًا كثيرًا، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة، ومن الذهب والجواهر النفيسة شيئًا لا يحصى ولا يعد، وأما الآلات والمتاع والدواب فشيء لا يدرى ما هو، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئًا كثيرًا، حتى قيل

стр. 4488

إنه لم يسلب أحد مثله من الأعداء (١)، وأسلم أهل المغرب على يديه، وبث فيهم الدين والقرآن، وكان إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العَجَل لكثرتها وعجز الدواب عنها. [وقد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب، وقتيبة يفتح في بلاد المشرق، فجزاهما الله خيرًا، فكلاهما فتح من الأقاليم والبلدان شيئًا كثيرًا، ولكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة، حتى قيل إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال له: ابعث معي رجالًا حتى أدلك على كنز عظيم، فبعث معه رجالًا فأتى بهم إلى مكان فقال: احفروا، فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات لواوين حسنة، فوجدوا هناك من اليواقيت والجواهر والزبرجد ما أبهتهم، وأما الذهب فشيء لا يعبَّر عنه، ووجدوا في ذلك الموضع الطنافس، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر، والطنفسة منظومة بالجوهر المثمن، واليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها وحسنها وصفاتها، ولقد سمع يومئذ منادٍ ينادي لا يرون شخصه: أيها الناس، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم. وقيل إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها] (٢) وقد جمع أخباره وما جرى له في الحروب والغزوات رجل من ذريته يقال له أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري. وروى الحافظ ابن عساكر (٣): أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شيء رآه في البحر، فقال: انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء مختومة بخاتم سليمان بن داود ﵉، قال: فأمرت بأربعة منها فأخرجت، وأمرتُ بواحدة منها فنقبت، فإذا قد خرج منها شيطان ينفض رأسه ويقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض، قال: ثم إن ذلك الشيطان نظر فقال: إني لا أرى بهاء سليمان وملكه، فانساخ في الأرض فذهب. قال: فأمرت بالثلاث البواقي فردت إلى مكانها. [وقد ذكر السمعاني وغيره عنه أنه سار إلى مدينة النحاس التي بقرب البحر المحيط الأخضر، في أقصى بلاد المغرب، وأنهم لما أشرفوا عليها رأوا بريق شرفاتها وحيطانها من مسافة بعيدة، وأنهم لما أتوها نزلوا عندها، ثم أرسل رجلًا من أصحابه ومعه مئة فارس من الأبطال، وأمره أن يدور حول سورها لينظر هل لها باب أو منفذ إلى داخلها، فقيل: إنه سار يومًا وليلة حول سورها، ثم رجع إليه فأخبره أنه لم يجد بابًا ولا منفذًا إلى داخلها، فأمرهم فجمعوا ما معهم من المتاع بعضه على بعض، فلم يبلغوا أعلى

стр. 4489

سورها، فأمر فعمل سلالم فصعدوا عليها، وقيل إنه أمر رجلًا فصعد على سورها، فلما رأى ما في داخلها لم يملك نفسه أن ألقاها في داخلها فكان آخر العهد به، ثم آخر فكذلك، ثم امتنع الناس من الصعود إليها، فلم يحط أحد منهم بما في داخلها علمًا، ثم ساروا عنها فقطعوها إلى بحيرة قريبة منها، فقيل: إن تلك الجرار المذكورة وجدها فيها، ووجد عليها رجلًا قائمًا، فقال له: ما أنت؟ قال: رجل من الجن وأبي محبوس في هذه البحيرة حبسه سليمان، فأنا أجيء إليه في كل سنة مرة أزوره. فقال له: هل رأيت أحدًا خارجًا من هذه المدينة أو داخلًا إليها؟ قال: لا، إلا أن رجلًا يأتي في كل سنة إلى هذه البحيرة يتعبد عليها أيامًا ثم يذهب فلا يعود إلى مثلها، والله أعلم ما هو. ثم رجع إلى إفريقية، والله أعلم بصحة ذلك، والعهدة على من ذكر ذلك أولًا] (١). وقد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث وتسعين حين أقحطوا بإفريفية، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء، ثم خرج بالناس وميَّز أهل الذمة عن المسلمين، وفرق بين البهائم وأولادها، ثم أمر بارتفاع الضجيج والبكاء، وهو يدعو الله تعالى حتى انتصف النهار، ثم نزل فقيل له: ألا دعوت لأمير المؤمنين؟ فقال: هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله ، فسقاهم الله (٢). وقد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه، فدخل دمشق في يوم جمعة والوليد على المنبر، وقد لبس موسى ثيابًا حسنة وهيئة حسنة، فدخل ومعه ثلاثون غلامًا [من أبناء الملوك الذين أسرهم] والأسبان (٣)، وقد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم والحشم والأُبَّهة العظيمة، فلما نظر إليهم الوليد وهو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير والجواهر والزينة البالغة، وجاء موسى بن نصير فسلم على الوليد وهو على المنبر، وأمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر وشماله، فحمد الله الوليد وشكره على ما أيده به ووسَّع ملكه، ؤأطال الدعاء والتحميد والشكر حتى خرج وقت الجمعة، ثم نزل فصلى بالناس، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته وأعطاه شيئًا كثيرًا (٤). وكان موسى بن نصير قدم بمائدة سليمان بن داود ﵉، التي كان يأكل عليها [وكانت من خليطين ذهب وفضة، وعليها ثلاثة أطواق لؤلؤ وجوهر لم ير مثله، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة. وقيل إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس، وبعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس أيضًا من البربر، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خمس الغنائم

стр. 4490

أربعون ألف رأس، قال الناس: إن هذا أحمق، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس وهي خمس ما غنم، ولم يُسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب (١). وقد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس وقال: ولو انقاد الناس لي لقُدتهم حتى أفتح بهم مدينة روميه (٢) - وهي المدينة العظمى في بلاد الفرنج - ثم ليفتحها الله على يدي إن شاء الله تعالى، ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفًا من السبي، وذلك خمس ما كان أصابه في آخر غزاة غزاها ببلاد المغرب، وقدم معه من الأموال والتحف واللآلئ والجواهر ما لايحد ولا يوصف، ولم يزل مقيمًا بدمشق حتى مات الوليد وتولى سليمان، وكان سليمان عاتبًا على موسى فحبسه عنده وطالبه بأموال عظيمة. ولم يزل في يده حتى حج بالناس سليمان في هذه السنة وأخذه معه فمات بالمدينة، وقيل بوادي القرى (٣)، وقد قارب (٤) الثمانين، وقيل توفي في سنة تسع وتسعين (٥)، فالله أعلم، ورحمه الله وعفا عنه بمنه وفضله آمين. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ففي هذه السنة جَهَّز سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين أخاه مسلمة بن عبد الملك لغزو القسطنطينية وراء الجيش الذين هم بها، فسار إليها ومعه جيش عظيم، وقد أمر كل رجل من الجيش أن يحمل معه على ظهر فرسه مدّين من طعام، فلما وصل إليها جمعوا ذلك فإذا هو أمثال الجبال، فقال لهم مسلمة: اتركوا هذا الطعام وكلوا مما تجدونه في بلادهم، وازرعوا في أماكن الزرع واستغلّوه، وابنوا لكم بيوتًا من خشب، فإنا لا نرجع عن هذا البلد إلا أن نفتحها إن شاء الله. وقد داخل مسلمة رجل من النصارى يقال له إليون، وواطأه في الباطن ليأخذ له بلاد الروم، فظهر منه نصح في بادئ الأمر، ثم إنه توفي ملك القسطنطينية، فدخل إليون في رسالة من مسلمة وقد خافته الروم خوفًا شديدًا، فلما دخل إليهم إليون قالوا له: رده عنا ونحن نملكك علينا فخرج فأعمل الحيلة في الغدر والمكر، ولم يزل قبحه الله حتى أحرق ذلك الطعام الذي للمسلمين، وذلك أنه قال لمسلمة: إنهم ما داموا يرون هذا الطعام يظنون أنك تطاولهم في القتال، فلو أحرقته لتحققوا منك العزم، وسلَّموا إليك البلد سريعًا، فأمر مسلمة بالطعام فأحرق، ثم انشمر إليون في السفن وأخذ ما أمكنه من أمتعة الجيش في اللّيل، وأصبح وهو في البلد محاربًا للمسلمين، وأظهر العداوة الأكيدة، وتحصن بالبلد واجتمعت عليه الروم، وضاق الحال على المسلمين

стр. 4491

حتى أكلوا كل شيء إلا التراب، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك وتولية عمر بن عبد العزيز، فكروا راجعين إلى الشام، وقد جهدوا جهدًا شديدًا (١)، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجدًا بالمدينة (٢) شديد البناء محكمًا، رحب الفناء شاهقًا في السماء. [وقال الواقدي: لما ولي سليمان بن عبد الملك أراد الإقامة ببيت المقدس، ثم يرسل العساكر إلى القسطنطينية، فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن والرساتيق والحصون، حتى يبلغ المدينة، فلا يأتيها إلا وقد هدمت حصونها ووهنت قوتها، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك وبينها مانع، فيعطوا بأيديهم ويسلموا لك البلد، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد ويفتحها عنوة، فمتى ما فتحت فإن باقي ما دونها من البلاد والحصون بيدك، فقال سليمان: هذا هو الرأي، ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام والجزيرة فجهز في البر مئة وعشرين ألفًا، وفي البحر مئة وعشرين ألفًا من المقاتلة، وأخرج لهم الأعطية، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة، وأعلمهم بغزو القسطنطينية والإقامة إلى أن يفتحوها، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق وقد اجتمعت له العساكر فأمر عليهم أخاه مسلمة، ثم قال: سيروا على بركة الله، وعليكم بتقوى الله والصبر والتناصح والتناصف. ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق، فاجتمع إليه الناس أيضًا من المتطوعة المحتسبين أجورهم على الله، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش وأخذ معه إليون الرومي المرعشي، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم وعرض أهلها الجزية على مسلمة فأبى إلا أن يفتحها عنوة، قالوا: فابعث إلينا إليون نشاوره، فأرسله إليهم، فقالوا له: رد هذة العساكر عنا ونحن نعطيك ونملكك علينا، فرجع إلى مسلمة: فقال: قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها حتى تتنحَّى عنهم؛ فقال مسلمة: إني أخشى غدرك، فحلف له أنه يدفع إليه مفاتيحها وما فيها، فلما تنحى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها واستعدوا للحصار. وغدر إليون بالمسلمين قبحه الله] (٣). قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أنه الخليفة من بعده، وذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك بن مروان، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده

стр. 4492

أيوب، وتربص بأخيه الدوائر، فمات أيوب في حياة أبيه، فبايع سليمان إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده، ولنعمّا فعل (١). وفيه فتحت مدينة الصقالبة. قال الواقدي: وقد أغارت البرجان على جيش مسلمة وهو في قلة من الناس في هذه السنة. فبعث إليه سليمان جيشًا فتقاتل البرجان حتى هزمهم الله . وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب قهستان (٢) من أرض الصين فحاصرها وقاتل عندها قتالًا شديدًا، ولم يزل حتى تسلمها، وقتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرًا (٣)، وأخذ منها الأموال والأثاث والأمتعة ما لا يحد ولا يوصف كثرة وقيمة وحسنًا، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالديلم، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلب وقاتلوه، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي - وكان فارسًا شجاعًا باهرًا - على ملك الديلم فقتله وهزمهم الله، ولقد بارز ابن أبي سبرة هذا يومًا بعض فرسان الترك، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها، وضربه ابن أبي سبرة فقتله، ثم أقبل إلى المسلمين وسيفه يقطر دمًا وسيف التركي ناشب في خوذته، فنظر إليه يزيد بن المهلب فقال: ما رأيت منظرًا أحسن من هذا، من هذا الرجل؟ قالوا: ابن أبي سبرة. فقال: نعم الرجل لولا انهماكه في الشراب (٤). ثم صمم يزيد بن المهلّب في محاصرة جرجان وما زال يضيِّق على صاحبها حتى صالحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف دينار، ومئتي ألف ثوب، وأربعمئة حمار موقرة زعفرانًا؛ وأربعمئة رجل على رأس كل رجل ترس: على الترس طيلسان وجام من فضة وسرقة من حرير، وقد كان سعيد بن العاص حين فتحها صلحًا على أن يؤدوا الخراج فكانوا يحملون في كل سنة مئة ألف، وفي سنة مئتي ألف، وفي بعض السنين ثلاثمئة ألف، ويمنعون ذلك في بعض السنين، ثم امتنعوا جملة وكفروا، فغزاهم يزيد بن المهلب وردها صلحًا على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص. قالوا: وأصاب يزيد بن المهلب من غيرها أموالًا كثيرة جدًّا، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة، فقال: أترون أحدًا يزهد في هذا؟ قالوا: لا نعلمه، فقال: والله إني لأعلم رجلًا لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه، ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان في الجيش مغازيًا - فعرض عليه أخذ التاج فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: أقسمت عليك لتأخذنه، فأخذه وخرج به من عنده، فأمر يزيد رجلًا أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج، فمر بسائل فطلب منه شيئًا فأعطاه التاج بكماله وانصرف، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالًا كثيرًا.

стр. 4493

وقال علي بن محمد المدائني: قال أبو بكر الهذلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا إليه أنه أخذ خريطة فيها مئة دينار، فسأله عنها فقال: نعم وأحضرها؛ فقال له يزيد: هي لك، واستدعى بالذي وشى به فشتمه، فقال في ذلك القُطامي الكلبي، ويقال إنها لسنان بن مكمّل النميري: لقدْ باعَ شهرٌ دينهُ بخريطةٍ … فمنْ يأمنُ القرَّاءُ بعدك يا شَهْرُ أخذت بهِ شيئًا طفيفًا وبِعْتَهُ … من ابنِ جونبوذ إنَّ هذا هو الغدرُ وقال مرة بن النخعي (١): يابنَ المهلبِ ما أردتَ إلى امرئٍ … لولاكَ كان كصالحِ القراءِ (٢) قال ابن جرير (٣): ويقال إن يزيد بن المهلب كان في غزوة جرجان في مئة ألف وعشرين ألفًا، منهم ستون ألفًا من جيش الشام أثابهم الله، وقد تمهدت تلك البلاد بفتح جرجان وسلكت الطرق، وكانت قبل ذلك مخوفة جدًّا، ثم عزم يزيدٍ على المسير إلى طبرستان (٤)، وقدَّم بين يديه سرية في أربعة آلاف من سراة الناس، فلما التقوا اقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل من المسلمين في المعركة أربعة آلاف ثم عزم يزيد على فتح البلاد لا محالة، وما زال حتى صالحه صاحبها - وهو الأصبهبذ - بمال كثير، سبعمئة ألف في كل عام، وغير ذلك من المتاع والرقيق. وممن توفي فيها من الأعيان: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥)، كان إمامًا حجة، وكان مؤدب عمر بن عبد العزيز، وله روايات كثيرة عن جماعات من الصحابة. أبو الحفص النخعي (٦).

стр. 4494

عبد الله بن محمد ابن الحنفية (١). وقد ذكرنا تراجمهم في "التكميل" والله أعلم (٢). ثم دخلت سنة تسع وتسعين فيها كانت وفاة سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين يوم الجمعة لعشر مضين، وقيل بقين من صفر منها، عن خمس وأربعين سنة، وقيل عن ثلاث وأربعين، وقيل إنه لم يجاوز الأربعين. وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر. وزعم أبو أحمد الحاكم: أنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان منها، وأنه استكمل في خلافته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، والصحيح قول الجمهور وهو الأول، والله أعلم. وهو سليمان بن عبد الملك (٣) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو أيوب. كان مولده بالمدينة في بني جديلة، ونشأ بالشام عند أبيه. وروى الحديث عن أبيه عن جده عن عائشة أم المؤمنين. في قصة الإفك، رواه ابن عساكر (٤) من طريق ابنه عبد الواحد بن سليمان عنه. وروى عن عبد الرحمن بن هنيدة أنه صحب عبد الله بن عمر إلى الغابة قال فسكت فقال لي ابن عمر: ما لك؟ فقلت: كنت أتمنى. فقال ابن عمر: فما تتمنى يا أبا عبد الرحمن؟ فقال لي: لو أن لي أُحُدًا هذا ذهبًا أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك، أو قال: ما خشيت أن يضرّني (٥). رواه محمد بن

стр. 4495

يحيى الذُّهلي، عن أبي صالح عن اللّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزُّهري عنه. قال الحافظ ابن عساكر (١): وكانت داره بدمشق موضع ميضأة جيرون (٢) الآن [في تلك المساحة جميعها] وبنى دارًا كبيرة مما يلي باب الصغير، موضع الدرب المعروف بدرب محرز، وجعلها دار الإمارة، وعمل فيها قبة صفراء تشبيهًا بالقبة الخضراء، قال: وكان فصيحًا مؤثرًا للعدل محبًا للغزو، وقد أنفذ الجيش لحصار القسطنطينية حتى صالحوهم على بناء الجامع بها. وقد روى أبو بكر الصولي: أن عبد الملك جمع بنيه، الوليد وسليمان ومسلمة، بين يديه فاستقرأهم القرآن فأجادوا القراءة، ثم استنشدهم الشعر فأجادوا، غير أنهم لم [يكملوا أو] يحكموا شعر الأعشى، فلامهم على ذلك، ثم قال: لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب ولا يفحش، هات يا وليد، فقال الوليد: [من البسيط] ما مركبٌ وركوبُ الخيلِ يعجبني … كمركبٍ بينَ دملوجٍ وخلخالِ فقال عبد الملك: وهل يكون من الشعر أرفث من هذا؟ هات يا سليمان، فقال: [من الخفيف] حبَّذا رجعُها يديها إليها … في يدي درعها تحلُّ الإزارا فقال: لم تصب، هات يا مسلمة، فأنشده قول امرئ القيس: وما ذرفتْ عيناكِ إلا لتضربي … بسهمَيكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتَّلِ فقال: كذب امرؤ القيس ولم يُصب، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء، وإنما ينبغي للعاشق أن يغتضي منها الجفاء ويكسوها المودة، ثم قال: أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام فمن أتاني به فله حكمه، أي: مهما طلب أعطيته، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذا هو بأعرابي يسوق إبله وهو يقول: لو ضربوا (٣) بالسَّيفِ رأسي في مودَّتها … لمالَ يهوي سريعًا نحوَها رأسي فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل، ثم جاء إلى أبيه فقال: قد جئتك بما سألت، فقال: هات، فأنشده البيت فقال: أحسنت، وأنى لك هذا؟ فأخبره خبر الأعرابي، فقال: سل حاجتك ولا تنس صاحبك. فقال: يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد، وإني أحب أن أكون ولّي العهد من بعده، فأجابه إلى ذلك، وبعثه على الحج في إحدى وثمانين، وأطلق له مئة ألف درهم، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي [الذي قال ذلك البيت من الشعر] (٤).

стр. 4496

فلما مات أبوه سنة ست وثمانين وصارت الخلافة إلى أخيه الوليد، كان بين يديه كالوزير والمشير، وكان هو المستحث على عمارة جامع دمشق، فلما توفي أخوه الوليد يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، كان سليمان بالرملة، فلما أقبل تلقاه الأمراء ووجوه الناس، وقيل إنهم ساروا إليه إلى بيت المقدس فبايعوه هنالك، وعزم على الإقامة بها، وأتته الوفود إلى بيت المقدس فلم يروا وفادة كانت أهيأ من الوفادة إليه (١)، وكان يجلس في قبة في صحن المسجد مما يلي الصخرة من جهة الشمال، وتجلس أكابر الناس على الكراسي، وتقسم فيهم الأموال، ثم عزم على المجيء إلى دمشق. فدخلها وكمل عمارة الجامع. وفي أيامه جددت المقصورة واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز مشاورًا ووزيرًا، وقال له: إنا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم بتدبيره، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به فليكتب، وكان من ذلك عزل نواب الحجاج وإخراج أهل السجون منها، وإطلاق الأسرى، وبذل الأعطية بالعراق، ورد الصلاة إلى ميقاتها الأول، بعد أن كانوا يؤخرونها إلى آخر وقتها، مع أمور حسنة كان يسمعها من عمر بن عبد العزيز رحمهما الله (٢)، وأمر بغزو القسطنطينية فبعث إليها من أهل الشام والجزيرة والموصل في البر نحوًا من مئة ألف وعشرين ألف مقاتل، وبعث من أهل مصر وإفريقية ألف مركب في البحر عليهم عمر بن هبيرة، وعلى جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة، ومعه ابنه داود بن سليمان بن عبد الملك في جماعة من أهل بيته، وذلك كله عن مشورة موسى بن نصير، حين قدم من بلاد المغرب، والصحيح أنه قدم في أيام أخيه الوليد كما قدمنا، والله أعلم. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكوفي، عن جابر بن عون الأسدي. قال: أول كلام تكلّم به سليمان بن عبد الملك [حين ولي الخلافة] أن قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع وما شاء رفع وما شاء وضع، ومن شاء أعطى ومن شاء منع. إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، وزينة تقلب، تضحك باكيًا، وتبكي ضاحكًا، وتخيف آمنًا، وتؤمن خائفًا، تفقر مثريها، وتثري فقيرها، ميالة لاعبة بأهلها. يا عباد الله اتخذوا كتاب الله إمامًا، وارضوا به حكمًا، واجعلوه لكم قائدًا، فإنه ناسخ لما قبله ولن ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس إدبار الليل إذا عسعس (٣). وقال يحيى بن معين: عن حجّاج بن محمد، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: سمعت سليمان بن عبد الملك يقول في خطبته: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.

стр. 4497

وقال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم. قال: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة لا يدع أن يقول في خطبته: وإنما أهل الدنيا على رحيل، لم تمض لهم نية ولم تطمئن بهم حتى يأتي أمر الله ووعده وهم على ذلك، كذلك لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها ولا تبقي من شر أهلها ثم يتلو ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] (١). وروى الأصمعي أن نقش خاتم سليمان كان: آمنت بالله مخلصًا. وقال أبو مسهر: عن أبي مسلم سلمة بن العَيار الفزاري. قال: كان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك، ويقول: افتتح خلافته بخير وختمها بخير، افتتحها بإحيائه الصلاة لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز (٢). قد أجمع علماء السير والتواريخ أنه حج بالناس في سنة سبع وتسعين وهو خليفة (٣). قال الهيثم بن عدي: قال الشعبي: حج سليمان بن عبد الملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبد العزيز: ألا ترى هذا الخلق الذي لا يُحصي عددهم إلا الله، ولا يسع رزقهم غيره، فقال: يا أمير المؤمين هؤلاء رعيتك اليوم، وهم غدًا خصماؤك عند الله، فبكى سليمان بكاءً شديدًا ثم قال: بالله أستعين (٤). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب. قال: كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابتهم السماء برعد وبرق وظلمة وريح شديدة، حتى فزعوا لذلك، وجعل عمر بن عبد العزيز (٥) يضحك، فقال له سليمان: ما يضحكك يا عمر؟ أما ترى ما نحن فيه؟ فقال له: يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما نرى، فكيف بآثار سخطه وغضبه؟ ومن كلامه الحسن ﵀ قوله: الصمت منام العقل والنطق يقظته، ولا يتم هذا إلا بهذا. ودخل عليه رجل فكلمه فأعجبه منطقه ثم فتشه فلم يحمد عقله، فقال: فضل منطق الرجل على عقله خدعة، وفضل عقله على منطقه هجنة، وخير ذلك ما أشبه بعضه بعضًا. وقال: العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه.

стр. 4498

وقال أيضًا: إن من تكلّم فأحسن قادر على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن قادرًا على أن يتكلم فيحسن (١). ومن شعره يتسلى عن صديق له مات فقال (٢): [من الطويل] وهوَّن وجدي في شراحيل أَنَّني … متى شئتُ لاقيتُ امرءًا مات صاحبهُ ومن شعره أيضًا: [من الطويل] ومن شِيمتي ألّا أفارقَ صاحبي … وإنْ ملَّني إلا سألتُ لهُ رُشْدًا وإنْ دامَ لي بالودِّ دمتُ ولم أكُنْ … كآخرَ لا يرعَى ذِمامًا ولا عهدًا وسمع سليمان ليلة صوت غناءٍ في معسكره فلم يزل يفحص حتى أتى بهم، فقال سليمان: الفرس ليصهل فتستودق له الرَّمَكة، وإن الجمل ليهدر فتضبَع له الناقة، وإن التيس لينب فتستخرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم أمر بهم ليخصوهم، فيقال إن عمر بن عبد العزيز قال: يا أمير المؤمنين إنها مثلة، فتركهم. وفي رواية أنه خصى أحدهم ثم سأل عن أصل الغناء فقيل إنه بالمدينة، فكتب إلى عامله بها وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره أن يخصي من عنده من المغنين المخنثين (٣). وقال الشافعي: دخل أعرابي على سليمان فدعاه إلى أكل الفالوذج وقال له: إن أكلها يزيد في الدماغ فقال: لو كان هذا صحيحًا لكان ينبغي أن يكون رأس أمير المؤمنين مثل رأس البغل (٤). وذكروا أن سليمان كان نهمًا في الأكل، وقد نقلوا عنه أشياء في ذلك غريبة، فمن ذلك أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية، وأربع وثمانين كلوة بشحمها، وثمانين جردقة، ثم أكل مع الناس على العادة في السِّماط العام (٥). ودخل ذات يوم بستانًا له وكان قد أمر قيِّمه أن يجني ثماره، فدخل ومعه أصحابه فأكل القوم حتى ملوا، واستمرَّ هو يأكل أكلًا ذريعًا من تلك الفواكه، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها ثم أقبل على الفاكهة، ثم أتي بدجاجتين فأكلهما، ثم عاد إلى الفاكهة فأكل منها ثم أُتي بقعب يقعد فيه الرجل مملوءًا بسويق وسمن وسكر فأكله ثم صار إلى دار الخلافة، وأتي بالسماط فما فُقد من أكله شيء. وقد رُوي أنه عرضت له حمى عقب هذا الأكل أدته إلى الموت (٦).

стр. 4499

وقد قيل إن سبب مرضه كان من أكل أربعمئة بيضة وسلتين من تين، فالله أعلم. وذكر المفضّل (١) بن المهلّب أنه لبس في يوم جمعة حلّة صفراء، ثم نزعها ولبس بدلها حلّة خضراء، واعتم بعمامة خضراء، وجلس على فراش أخضر، وقد بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه، وشمَّر عن ذراعيه وقال: أنا الخليفة الشاب (٢). [وقيل: إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب] (٣). وفي رواية أنه قال: كان محمد نبيًا، وكان أبو بكر صديقًا، وكان عمر فاروقًا، كان عثمان حييًا، وكان علي شجاعًا، وكان معاوية حليمًا، وكان يزيد صبورًا، وكان عبد الملك سائسًا، وكان الوليد جَبارًا، وأنا الملك الشاب. قالوا: فما حال عليه بعد ذلك شهر، وفي رواية جمعة، حتى مات (٤). قالوا: ولما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته: أنتَ نعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى … غيرَ أنْ لا بقاءَ للإنسانِ أنتَ خلوٌ من العيوبِ ومما … يكره الناسُ غيرَ أنك فانِ (٥) قالوا: صاح بها وقال: عزيتني في نفسي وصرفها، ثم أمر خاله الوليد بن القعقاع العبسي (٦) أن يصب عليه وقال: [من الكامل] قرِّبْ وضوءكَ يا وليدُ فإنما … دنياكَ هذي بلغة (٧) ومتاع [فقال الوليد] (٨): فاعمل لنفسك في حياتكَ صالحًا … فالدهرُ فيهِ فرقةٌ وجماعُ

стр. 4500

ويروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى، فقال: أين فلانة؟ فقالت: محمومة، قال: ففلانة؟ قالت: محمومة، وكان بمرج دابق من أرض قنسرين، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلي بالناس فأخذته بحة في الخطبة، ثم نزل وقد أصابته حمى فاستمر بها حتى مات في الجمعة المقبلة (١). ويقال: إنه أصابه ذات الجنب (٢) فمات بها ﵀ وأكرم مثواه. [وكان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية، أو يموت قبل ذلك فمات قبل ذلك ﵀ وأكرم مثواه] (٣). قالوا وجعل يلهج في مرضه ويقول: إنَّ بنيَّ صبيةٌ صغارُ … أفلحَ منْ كانَ لهُ كبارُ فيقول له عمر بن عبد العزيز: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين، ثم يقول: إن بنيَّ صبيةٌ صيفيون … قدْ أفلحَ منْ كانَ لهُ شتويون (٤) ويروى أن هذا آخر ما تكلّم به، والصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال: أسألك منقلبًا كريمًا، ثم قضى. وروى ابن جرير (٥) عن رجاء بن حيوة - وكان وزير صدق لبني أمية - قال: استشارني سليمان بن عبد الملك وهو مريض أن يولي له ابنًا صغيرًا لم يبلغ الحُلُم، فقلت: إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولي على المسلمين الرجل الصالح، ثم شاورني في ولاية ابنه داود، فقلت: إنه غائب عنك بالقسطنطينية ولا تدري أحي هو أو ميت، فقال: من ترى؟ فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله خيرًا فاضلًا مسلمًا يحب الخير وأهله، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك، فأشار رجاء (٦) أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولي العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليُرضي بذلك بني مروان، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد

стр. 4501

وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم (١). وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة، فقال له: اجمع أهل بيتي [فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختومًا، فمن أبى منهم فاضرب عنقه] (٢). فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين، فقال لهم: هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلًا رجلًا. قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلّا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر عليه الساعة، فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا. قال: ولقيه هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء إن لي بك حرمةً ومودةً قديمةً، فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت، وإن كان لغيري فما مثلي قصر به عن هذا. فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا مما أُسِرَّ إليَّ. قال رجاء: دخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السَّكْرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة، فإذا أفاق يقول: لم يأن لذلك بعد يا رجاء، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئًا، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فحرفته إلى القبلة فمات ﵀. قال: فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق، فقلت: بايعوا لمن في هذا الكتاب، فقالوا: قد بايعنا، فقلت: بايعوا ثانية، ففعلوا، ثم قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، وقرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بني مروان، فلما قرأت وإن يزيد (٣) بن عبد الملك بعده، تراجعوا بعض الشيء. ونادى هشام لا نبايعه أبدًا، فقلت: أضرب عنقك والله، قم فبايع، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد، فلما تحقق ذلك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر، فسكت حينًا، فقال رجاء بن حيوة: ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم فبايعوه، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال عمر: نعم! إنا لله وإنا إليه راجعون الذي صرت أنا وأنت نتنازع هذا الأمر. ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه [فكان مما قال في خطبته: أيها الناس، إني لست بمبتدع ولكني متبع، وإن من حولكم من

стр. 4502

الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ] (١). ثم نزل، فأخذوا في جهاز سليمان. قال الأوزاعي: فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب، ثم صلى على سليمان ودفن بعد المغرب، فلما انصرف عمر أُتي بمراكب الخلافة فأبى أن يركبها وركب دابته وانصرف مع الناس [حتى أتوا دمشق] فمالوا به نحو دار الخلافة فقال: لا أنزل إلا في منزلي حتى تفرغ دار أبي أيوب، فاستحسن (٢) ذلك منه، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملي عليه نسخة الكتاب الذي يبايع عليه الأمصار (٣)، قال رجاء: فما رأيت أفصح منه. قال محمد بن إسحاق: وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليالٍ خلت من صفر سنة تسع وتسعين، على رأس سنتين وتسعة أشهر وعشرين يومًا من متوفى الوليد، وكذا قال الجمهور في تاريخ وفاته، ومنهم من يقول: لعشر بقين من صفر، وقالوا: كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، زاد بعضهم إلا خمسة أيام والله أعلم (٤). وقول الحاكم أبي أحمد: إنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقين من رمضان سنة تسع وتسعين وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وخمسة أيام وتوفي وهو ابن تسع وثلاثين سنة فقد حكاه الحافظ ابن عساكر (٥)، وهو غريب جدًّا، وقد خالفه الجمهور في كل ما قاله، وعندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث وقيل بخمس، والله أعلم. قالوا: وكان طويلًا جميلًا أبيض نحيفًا، حسن الوجه، مقرون الحاجبين، كان فصيحًا بليغًا، يحسن العربية، ويرجع إلى دين، وخير، ومحبة للحق وأهله، واتباع القرآن والسنة، وإظهار الشرائع الإسلامية ﵀. وقد كان الخليفة سليمان بن عبد الملك ﵀ آلى على نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق - ودابق قريبة من بلاد حلب - وقد جهزت الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية، وحلف أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هنالك كما ذكرنا وبهذه النية مات مرابطًا ﵀ وبلّ بالرحمة ثراه (٦).

стр. 4503

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (١) في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه: إن مسلمة بن عبد الملك لما ضيَّق بمحاصرته على أهل القسطنطينية، وتتبع المسالك واستحوذ على ما هنالك من الممالك، كتب إليون ملك الروم إلى ملك البرجان يستنصره على مسلمة، ويقول له: إن هؤلاء القوم ليس لهم همة إلا في الدعوة إلى دينهم، الأقرب منهم فالأقرب، وإنهم متى فرغوا مني خلصوا إليك، فمهما كنت صانعًا حينئذٍ فاصنعه الآن، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة، فكتب إلى مسلمة يقول له: إن إليون كتب إليّ يستنصرني عليك، وأنا معك فمرني لما شئت. فكتب إليه مسلمة: إني لا أريد منك رجالًا ولا عددًا، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قلّ ما عندنا من الأزواد. فكتب إليه: إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا، فأرسل من يتسلمها ويشتري منها. فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشتري له ما يحتاج إليه، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقًا هائلة، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة، فأقبلوا يشترون، واشتغلوا بذلك، ولا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين وأسروا آخرين، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك، فأرسل جيشًا كثيفًا صحبة شراحيل بن عبيدة هذا، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولًا فيقاتلوا ملك البرجان، ثم يعودوا إلى مسلمة، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان، فاقتتلوا معهم قتالًا شديدًا، فهزمهم المسلمون بإذن الله، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا خلقًا كثيرًا، وخلصوا أسرى المسلمين، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفًا عليهم من غائلة الروم وبلادهم، ومن ضيق العيش، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم الله. خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بني مروان (٢) ﵁ وأكرمه قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، وقيل بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدَّمنا، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدّة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة.

стр. 4504

ويقال: إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسًا تواقة لا تُعطى شيئًا إلا تاقت إلي ما هو أعلى منه، وإني لمَّا أُعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله. وستأتي ترجمته عند وفاته إن شاء الله. وكان مما بادر إليه عمر بن عبد العزيز في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاصرو القسطنطينية، وقد اشتد عليهم الحال وضاق عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فأمرهم بالقفول إلى منازلهم. وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق، يقال خمسمئة فرس، ففرح الناس بذلك. وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقًا كثيرًا من المسلمين، فوجه إليهم عمرُ حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وبعث منهم أسارى إلى عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة (١). وقد كان المؤذنون يذكِّرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله، لكثرة الأشغال، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك، والله أعلم. فروى ابن عساكر (٢) في ترجمة جرير بن عثمان الرّحبي الحمصي قال: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلّمون عليه في الصلاة: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة قد قاربت. وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلّب عن إمرة العراق، وبعث عدي بن أرطاة الفزاري على إمرة البصرة، فاستقضى عليه الحسن البصري، ثم استعفاه فأعفاه، واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور. وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وضم إليه أبا الزناد كاتبًا بين يديه، واستقضى عليها عامرًا الشعبي. قال الواقدي (٣): فلم يزل قاضيًا عليها مدة خلافة عمر بن عبد العزيز. وجعل على إمرة خراسان الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي. وكان نائب مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.

стр. 4505

وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [وهو الذي حج بالناس في هذه السنة. وعزل عن إمرة مصر عبد الملك بن أبي وداعة وولَّى عليها أيوب بن شرحبيل، وجعل الفتيا إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس. واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبد الله المخزومي، وكان حسن السيرة، وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البربر، والله أعلم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن محمد ابن الحنفية (٢)، تابعي جليل، يقال إنه أول من تكلَّم في الإرجاء، وقد تقدم أن أبا عبيد قال: توفي في سنة خمس وتسعين. وذكر خليفة أنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذكر شيخنا الذهبي في الإعلام أنه توفي هذا العام، والله أعلم. وفيها توفي: سليمان بن عبد الملك بن مروان كما تقدم. وعبد الله بن محيريز (٣) بن جنادة بن عبيد (٤)، القرشي الجُمَحي المكي، نزيل بيت المقدس، تابعي جليل. روى عن زوج أمه (٥) أبي محذورة المؤذِّن، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد، ومعاوية، وغيرهم. وعنه خالد بن معدان، ومكحول، وحسان بن عطية، والزهري، وآخرون. وقد وثقه غير واحد، وأثنى عليه جماعة من الأئمة، حتى قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا عبد الله بن محيريز. وقال بعض ولده: كان يختم القرآن كل جمعة، وكان يفرش له الفراش فلا ينام عليه.

стр. 4506

قالوا: وكان صموتًا معتزلًا للفتن، وكان لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يذكر شيئًا من خصاله المحمودة. ورأى على بعض الأمراء حلّة من حرير (١) فأنكر عليه، فقال: إنما ألبسها من أجل هؤلاء - وأشار إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين - فقال له ابن محيريز: لا تعدل بخوفك من الله خوف أحد من الناس. وقال الأوزاعي: من كان مقتديًا فليقتد بمثله، فإن الله لا يضل أمة فيها مثله (٢). قال بعضهم: توفي أيام الوليد. وقال خليفة بن خياط: توفي أيام عمر بن عبد العزيز، وذكر الذهبي في الإعلام أنه توفي في هذا العام. [والله سبحانه أعلم. دخل ابن محيريز مرة حانوت بزاز ليشتري منه ثوبًا فرفع في السَّوم، فقال له جاره: ويحك هذا ابن محيريز ضع له، فأخذ ابن محيريز بيد غلامه وقال: اذهب بنا إنما جئت لنشتري بأموالنا لا بأدياننا، فذهب وتركه] (٣). ومحمود بن لبيد بن عقبة (٤)، أبو نعيم الأنصاري الأشهلي. ولد في حياة النبي ﷺ ، روى عنه أحاديث لكن حكمها حكم الإرسال. وقال البخاري: له صحبة. وقال ابن عبد البر: هو أسن (٥) من محمود بن الربيع. قيل: إنه توفي سنة ست وقيل سبع وتسعين، وذكر الذهبي في الإعلام أنه توفي في هذا العام والله أعلم باليقين. نافع بن جبير بن مطعم (٦) بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المدني.

стр. 4507

روى عن أبيه: وعثمان وعلي والعباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم. وكان ثقة عابدًا يحج ماشيًا ومركوبه يقاد معه. قال غير واحد: توفي سنة تسع وتسعين بالمدينة. كريب بن أبي مسلم (١)، مولى ابن عباس. روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم. وكان عنده حمل كتب (٢)، وكان من الثقات المشهورين بالخير والديانة. محمد بن جبير بن مطعم (٣)، كان من علماء قريش وأشرافها، وله روايات كثيرة، وكان يعقل مجّةً مجَّها النبي ﷺ في وجهه وعمره أربع سنين. توفي وعمره ثلاث وتسعون سنة بالمدينة. مسلم بن يسار (٤)، أبو عبد الله البصري، الفقيه الزاهد. له روايات كثيرة، كان لا يفضل عليه أحد في زمانه، وكان عابدًا، ورعًا، زاهدًا، كثير الصلاة، كثير الخشوع. وقيل إنه وقع في داره حريق فأطفؤوه وهو في الصلاة لم يشعر به. وله مناقب كثيرة ﵀.

стр. 4508

قلت: وانهدمت مرة ناحية في المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد في صلاته فما التفت. وقال ابنه: رأيته ساجدًا وهو يقول: متى ألقاك وأنت عني راضٍ، ثم يذهب في الدعاء، ثم يقول: متى ألقاك وأنت عني راض، وكان إذا كان في غير صلاة كأنه في الصلاة، وقد تقدمت ترجمته. حنش بن عمرو الصنعاني (١)، كان والي إفريقية وبلاد المغرب، وبإفريقية توفي غازيًا، وله روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة. خارجة بن زيد (٢) بن الضحَّاك الأنصاري المدني الفقيه. كان يفتي بالمدينة، وكان من فقهائها المعدودين، كان عالمًا بالفرائض وتقسيم المواريث، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مدار الفتوى على قولهم (٣). سنة مئة من الهجرة النبوية قال الإمام أحمد (٤): حدّثنا علي بن حفص، أبنا وَرْقاء، عن منصور، عن المِنْهال بن عمرو، عن نُعَيْم بن دجاجة قال: دخل أبو (٥) مسعود على علي فقال: أنت القائل قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي على الناس مئة عام وعلى الأرض نفس منفوسة؟ " إنما قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي على الناس مئة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ممن هو حي [اليوم]، وإن رخاء هذه الأمة بعد المئة". تفرّد به أحمد.

стр. 4509

وفي رواية لابنه عبد الله (١) أن عليًا قال له: يا فروخ، أنت القائل: لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف، وإنما رخاء هذه الأمة وفَرَجها بعد المئة؟ إنما قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف" - أخطأت استُك الحُفْرة - وإنما أراد ممن هو اليوم حي. تفرد به. وهكذا جاء في الصحيحين (٢) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أريتكمْ لَيْلَتكمْ هذه، فإنَّ رأسَ مئة سنة منها لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ ، وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام قرنه (٣). ففيها خرجت خارجة من الحرورية بالعراق، فبعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد نائب الكوفة، يأمره بأن يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشًا فكسرتهم الحرورية، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج - وكان يقال له بسطام - يقول له: ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبًا لله فأنا أحق بذلك منك، ولست أولى بذلك مني، وهلمَّ أناظرك، فإن رأيتُ حقًا اتبعته، وإن أبديتَ حقًا نظرنا فيه. فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين فسألهما: ماذا تنقمون؟ فقالا: جعلت يزيد بن عبد الملك من بعدك، فقال: إني لم أجعله أبدًا وإنما جعله غيري. قالا: فكيف ترضى به أمينًا للأمة من بعدك؟ فقال: أنظراني ثلاثة، فيقال إن بني أمية دست إليه سمًا فقتلوه خشية أن يخرج الأمر من أيديهم ويمنعهم الأموال، والله أعلم (٤). وفيها أغزا عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المُعَيطي، وعمرو بن قيس الكِندي من أهل حمص، الصائفة. وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة نيابة الجزيرة فسار إليها. وفيها حُمِل يزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز من العراق، فأرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة مع موسى بن وجيه، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلّب وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم، فلما دخل على عمر طالبه بما قِبَله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده، فقال: إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك، ولم يكن بيني وبين سليمان شيء، وقد عرفت مكانتي عنده. فقال له عمر: لا أسمع منك هذا، ولست أطلقك حتى تؤدي أموال المسلمين، وأمر بسجنه.

стр. 4510

وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجرَّاح بن عبد الله الحكمي عوضه، وقدم ولد يزيد بن المهلب، مَخْلَد بن يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد منّ على هذه الأمة بولايتك عليها، فلا نكونن نحن أشقى الناس بك، فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم بما تصالحني عنه؟ فقال عمر: لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه، ولا آخذ منه إلا جميع ما عنده من مال المسلمين. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بيِّنة عليه بما تقول، وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه، فقال: لا آخذ منه إلا جميع ما عنده. فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر (١)، فلم يلبث أن مات مخلد. وكان عمر يقول: هو خير من أبيه. ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلّب جبَّة صوف ويركب على بعير إلى جزيرة دَهْلَك (٢) التي كان يُنفى إليها الفُسّاق، فشفعوا فيه (٣) فردّه إلى السجن، فلم يزل به حتى مرض عمر بن عبد العزيز ﵀ (٤). وفي هذه السنة في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان، بعد سنة وخمسة أشهر، وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارًا منها (٥). فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدّوا الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدًا ﷺ داعيًا، ولم يبعثه جابيًا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري (٦) على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج (٧). وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويبين لهم الحق ويوضحه لهم ويعظمهم فيما بينه وبينهم، ويخوفهم بأس الله وانتقامه، كان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري: أما بعد فكن عبدًا ناصحًا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، ولا تولّين شيئًا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوقير عليهم.

стр. 4511

وأدَّى الأمانة فيما استُرعي، وإياك أن يكون ميلك ميلًا إلى غير الحق، فإن الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهبًا، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. [وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال. وقال البخاري في "صحيحه" (١): وكتب عمر إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائِضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكمِلْها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأُبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص] (٢). وفي هذه السنة كان بدء دعوة بني العباس: وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - وكان مقيمًا بأرض الشراة (٣) - بعث من جهته رجلًا يقال له ميسرة، إلى العراق، وأرسل طائفة أخرى: وهم محمد بن خُنَيس وأبو عكرمة السراج، وهو أبو محمد (٤) الصادق، وحيان العطار - خال إبراهيم بن سلمة - إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي قبل أن يُعزل في رمضان، وأمرهم بالدعوة إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكُتُب من استجاب منهم إلى ميسرة الذي بالعراق، فبعث بها إلى محمد بن علي ففرح بها واستبشر وسرَّه أن ذلك أول مبادئ أمر قد كتب الله إتمامه، وأول رأي قد أحكم الله إبرامه، أن دولة بني أمية قد بان عليها مخايل الوهن والضعف، ولاسيما بعد موت عمر بن عبد العزيز، كما سيأتي بيانه. وقد اختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيبًا، وهم سليمان بن كثير الخزاعيّ، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائيّ، وموسى بن كعب التميمى، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني عمرو بن شيبان بن ذُهل، والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم - مولى لآل أبي مُعيط - ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو بن أعين أبو حمزة - مولى لخزاعة -، وشِبْل بن طهمان أبو علي الهروي - مولىً لبني حنيفة - وعيسى بن أعين مولى لخزاعة أيضًا. واختار سبعين رجلًا أيضًا. وكتب إليهم محمد بن علي كتابًا يكون مثالًا وسيرة يقتدون بها ويسيرون بها (٥). وقد حج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، نائب المدينة. والنواب على الأمصار هم المذكورون في التي قبلها، سوى من ذكرنا ممن عزل وتولى غيره، والله أعلم. ولم يحج

стр. 4512

عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته لشغله بالأمور، ولكنه كان يبرد البريد إلى المدينة فيقول له: سلِّم على رسول الله ﷺ عني، وسيأتي بإسناده إن شاء الله. ممن توفي فيها من الأعيان: سالم بن أبي الجعد الأشجعي (١)، مولاهم الكوفي. أخو زياد، وعبد الله، وعبيد الله، وعمران، ومسلم، وهو تابعي جليل. روى عن: ثوبان وجابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير وغيرهم. وعنه: قتادة والأعمش وآخرون، وكان ثقة نبيلًا جليلًا. أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف (٢)، الأنصاري، الأوسي، المدني، ولد في حياة النبي ﷺ ، ورآه. وحدَّث عن: أبيه، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وابن عباس. وعنه: الزُّهري، وأبو حازم، وجماعة. قال الزُّهري: كان من عليّة الأنصار وعلمائهم، ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا. وقال يوسف بن الماجشون، عن عتبة بن مسلم، قال: آخر خرجة خرجها عثمان بن عفان إلى الجمعة حَصَبَهُ الناس وحالوا بينه وبين الصلاة، فصلّى بالناس يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف (٣). قالوا: توفي سنة مئة، والله أعلم. أبو الزَّاهرية (٤) حُدَير بن كُرَيب الحمصيّ، تابعي جليل، سمع أبا أمامة صدي بن عجلان،

стр. 4513

وعبد الله بن بُسر، ويقال إنه أدرك أبا الدرداء والصحيح أن روايته عنه وعن حذيفة مرسلة، وقد حدَّث عنه جماعة من أهل بلده. وقد وثقه ابن معين وغيره. ومن أغرب ما روي عنه قول قتيبة: حدّثنا شهاب بن خِراش، عن حُميد، عن أبي الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس فجاءت السَّدنةُ فأغلقوا عليَّ الباب، فما انتبهت إلَّا بتسبيح الملائكة فوثبت مذعورًا فإذا الملائكة صفوف؛ فدخلت معهم في الصف (١). قال أبو عبيدة وغيره: مات سنة مئة. أبو الطفيل (٢) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو اللَّيثي الكِناني، صحابي، وهو آخر من رأى النبي ﷺ وفاةً بالإجماع. روى عن النبي ﷺ أنه رآه يستلم الركن بمحجنه (٣)، وذكر صفة النبي ﷺ . وروى عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود. وحدث عنه: الزُّهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبو الزُّبير، وجماعة من التابعين. وكان من أنصار علي بن أبي طالب، شهد معه حروبه كلّها، لكن نقم بعضهم عليه كونه كان مع المختار بن أبي عبيد، ويقال إنه كان حامل رايته. وقد روي أنه دخل على معاوية فقال: ما أبقى لك الدَّهْرُ من ثكلك عليًا؟ فقال: ثكل العجوز المقلاة والشيخ الرقوب، فقال: كيف حبك له؟ قال حب أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير (٤).

стр. 4514

قيل: إنه أدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين، ومات سنة مئة وقيل سنة سبع ومئة وقيل: سنة عشر ومئة (١) فالله أعلم. قال مسلم بن الحجاج: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقًا ومات سنة مئة (٢). أبو عثمان النهدي (٣)، واسمه: عبد الرحمن بن مُلٍّ البصري، أدرك الجاهلية وحَجَّ في زمن الجاهلية مرتين، وأسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وأدى في زمانه الزكاة ثلاث سنين إلى عمال النبي ﷺ ، ومثل هذا يسميه أئمة الحديث مخضرمًا، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فسمع منه، ومن علي، وابن مسعود، وخلق من الصحابة، وصحب سلمان الفارسي ثنتي عشرة سنة حتى دفنه. وروى عنه: جماعة من التابعين وغيرهم، منهم أيوب، وحميد الطويل، وسليمان بن طرخان التَّيمي. وقال عاصم الأحول: سمعته يقول: أدركت في الجاهلية يغوثَ صنمًا من رصاص يُحمل على جمل أجرد، فإذا بلغ واديًا برك فيه فيقولون: قد رضي ربكم لكم هذا الوادي فينزلون فيه (٤). قال: وسمعته وقد قيل له أدركت النبي ﷺ ؟ فقال: نعم! أسلمت على عهده، وأديت إليه الزكاة ثلاث مرات، ولم ألقه، وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء ونهاوند وتستر وأذربيجان ورستم. وقال غيره: كان البشير إلى عمر في فتح نهاوند (٥). كان أبو عثمان صوّامًا بالنهار يسرده، قوامًا باللّيل لا يتركه، وكان يصلّي حتى يغشى عليه، وحجَّ ستين مرة ما بين حجة وعمرة. قال سليمان التيمي: إني لأحسبه لا يصيب ذنبًا، لأنه [يقضي] ليله قائمًا ونهاره صائمًا (٦).

стр. 4515

وقال بعضهم: سمعت أبا عثمان النَّهدي يقول: أتت على ثلاثون ومئة سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي فإني أجده كما هو (١). وقال ثابت البُناني، عن أبي عثمان، قال: إني لأعلم حين يذكرني ربي ، قال فيقول: من أين تعلم ذلك؟ فيقول قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فإذا ذكرت الله ذكرني (٢). قال: وكنا إذا دعونا الله قال: والله لقد استجاب الله لنا، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قالوا: وعاش مئة وثلاثين سنة، قاله هشيم وغيره. قال المدائني وغيره: توفي سنة مئة، وقال الفلّاس: توفي سنة خمس وتسعين، والصحيح سنة مئة، والله أعلم. [وفيها توفي: عبد الملك بن عمر (٣) بن عبد العزيز، وكان يفضل على والده في العبادة والانقطاع عن الناس، وله كلمات حسان مع أبيه ووعظه إياه] (٤).

стр. 4516

البداية والنهاية «١٠١ هـ - ٢٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه مأمون محمد سعيد الصاغرجي راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء العاشر

стр. 4517

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنبيه: الرموز المستخدمة: ح= الأحمدية. ب= برلين. ظ= الظاهرية. ق= طبعة القاهرة.

стр. 4518

ثم دخلت سنة إحدي ومئة فيها كان هربُ يزيدَ بنِ المُهَلَّب من السجن حين بَلَغهُ مرضُ عمرَ بن عبد العزيز، فواعد غلمانَهُ يَلْقَوْنه بالخيل في بعض الأماكن، وقيل بإبلٍ (١)، ثم نزل من مَحْبِسه ومعه جماعة، وامرأتُه عاتكةُ بنت الفُرَاتِ العامريَّة، فلما جاء غِلْمانُهُ رَكِبَ روَاحلَهُ وسار، وكتب إلى عمرَ بنِ عبد العزيز: إنِّي والله ما خرجتُ من سجنك إلَّا حينّ بَلَغني مرضُكَ، ولو رَجْوتُ حياتَكَ ما خرَجْتُ، ولكنِّي خَشيتُ من يزيدَ بن عبد الملك فإنَّه يتوعَّدُني بالقَتْل، وكان يزيد بن عبد الملك يقول: لئن وَليْتُ لأقطعنَّ من يزيدَ بنِ المهلَّبِ طائفًا (٢)؛ وذلك أنه لما وَلِيَ العراقَ عاقبَ أصهارَهُ آل أبي عقيل، وهم بيتُ الحجَّاج بن يوسف الثَّقَفيّ، وكان يزيدُ بن عبد الملك مزوجًا [بأمِّ الحجَّاج] (٣) بنتِ محمد بن يوسف [أخي الحجاج بن يوسف] (٣)، وله منها ابنهُ الوليد بن يزيد الفاسق المقتول كما سيأتي. ولما بلغَ عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّ يزيدَ بن المهلَّب هرَبَ من السجن قال: اللهمَّ إنْ كان يُريدُ بهذه الأمَّةِ سوءًا فاكفِهمْ شرَّه، وارْدُدْ كَيْدَه في نحرِه، ثم لم يزلِ المرضُ يتزايدُ بعمرَ بنِ عبد العزيز حتى مات وهو بخُنَاصِرَة، من دَيْرِ سمعان بين حماة وحَلَب، في يوم الجمعة، وقيل في يوم الأربعاء لخمس بقينَ من رجب من هذه السنة - أعني سنةَ إحدى ومئة - عن تسعٍ وثلاثين سنة وأشهر، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر فالله أعلم. وكانت خلافتُه فيما ذَكَر غيرُ واحدٍ سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان حكمًا مُقْسطًا، وإمامًا عادلًا وورِعًا ديِّنًا، لا تأخَذُه في الله لومةُ لائم. رحمه الله تعالى.

стр. 4519

وهذه ترجمةُ عمر بن عبد العزيز الإمام المشهور ﵀ (١) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بنِ أمية بنِ عبد شمس بنِ عبدِ مَنَاف، أبو حفص القُرَشيُّ الأمويُّ المعروف، أميرُ المؤمنين، وأمه أمُّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄. ويقال له: أشَجُّ بني مروان؛ وكان يُقال: الأشجُّ والناقص أعْدَلا بني مروان، فهذا هو الأشج، وسيأتي ذكر الناقص. كان عمر تابعيًا جليلًا، روى عن أنس بنِ مالك، والسائب بنِ يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام - وهو صحابيٌّ صغير - وروى عن خلقٍ من التابعين. وعنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم. قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أرى (٢) قولَ أحدٍ من التابعين حُجَّة إلا قولَ عمر بن عبد العزيز. بويع له بالخلافة بعد ابنِ عمِّهِ سليمان بن عبد الملك، عن عهْدٍ منه له في ذلك كما تقدَّم. ويقال: كان مولده في سنةِ إحدى وستين، وهي السنة التي قتل فيها الحُسين بن علي ﵄ بمصر؛ قاله غير واحد. وقال محمد بن سعد (٣): ولد سنة ثلاثٍ وستين. وقيل: ولد سنة تسع وخمسين. فالله أعلم. وكان له جماعةٌ من الإخوة، ولكنَّ الذين هم من أبويه، أبو بكر، وعاصم، ومحمَّد. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، قال: بلَغَني أنَّ عِمْران (٤) بن عبد الرحمن بن شُرَحْبيل بن حسنة، كان يحدِّثُ أنَّ رجلًا رأى في المنام ليلةَ ولد عمر بن عبد العزيز - أو ليلة وَليَ الخلافة شكَّ أبو بكر - أنَّ مناديًا بين السماء والأرض ينادي: أتاكم اللِّينُ

стр. 4520

والدِّين، وإظهارُ العمل الصالح في المصلِّين. فقلت: ومَنْ هو؟ فنزل فكتب في الأرض ع م ر (١). وقال آدمُ بن أبي إياس: حدثنا ضَمْرة، حدثنا أبو علي ثَرْوان مولى عمر بن عبد العزيز. قال: دخل عمر بن عبد العزيز إلى إصْطَبْلِ أبيه وهو غلام، فضربه فَرسٌ فشَجَّه، فجعلَ أبوهُ يمسحُ الدَّمَ عنه ويقول: إنْ كنتَ أشجَّ بني أميَّة إنَّكَ إذًا لسعيد. رواه الحافظ ابنُ عساكر من طريقِ هارونَ بنِ معروف عن ضَمْرَة (٢). وقال نُعيم بن حمَّاد: حدثنا ضِمَامُ بن إسماعيل عن أبي قَبيل، أنَّ عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلامٌ صغير، فبلغ أمَّه، فأرسلتْ إليه فقالت: ما يُبكيك؟ قال: ذكرتُ الموت، فبكَتْ أُمُّه. وكان قد جمع القرآن وهو غلام صغير (٢). وقال الضحَّاك بن عثمان الحِزَامي (٣). كان أبوه قد جعلَه عند صالح بن كَيْسان يؤدِّبُه، فلما حجَّ أبوه اجتازَ به في المدينة فسأله عنه فقال: ما خَبَرْتُ أحدًا الله أعظمُ في صدرِه من هذا الغلام (٤). وروى يعقوبُ بن سفيان (٥)، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز تأخَّر عن الصلاة مع الجماعةِ يومًا، فقال له صالحُ بن كَيْسان: ما شغلَكَ؟ فقال: كانت مُرَجِّلتي تُسكِّنُ شعري. فقال له: أقدَّمت ذلك على الصلاة؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يُعلِمهُ بذلك، فبعث أبوه رسولًا، فلم يكلِّمْه حتى حلَقَ رأسه. وكان عمر بنُ عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمعُ منه، فبلغ عُبيدَ الله أنَّ عمرَ ينتقصُ عليًا، وأتاه مَرَّةً فأعرض عنه وقام يُصلِّي، فجلس عمرُ ينتظرُه، فلما سلَّم أقبل على عمر مُغضبًا وقال له: متى بلغَكَ أنَّ الله سخطَ على أهلِ بَدْر بعدَ أنْ رضي عنهم؟! قال ففهِمَها عمر وقال: معذرةً إلى الله ثم إليك، والله لا أعود. قال: فما سمع بعد ذلك يذكرُ عليًا إلا بخير (٦). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا المفضَّل بن عبد الله، عن داودَ بنِ أبي هند. قال: دَخَلَ علينا عمرُ بن عبد العزيز من هذا الباب - يعني بابًا من أبواب مسجد النبيِّ ﷺ (٧) - فقال رجل من
следующие страницы →