البداية والنهاية
«١٠١ هـ - ٢٠٠ هـ»
تأليف
الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير
[٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ]
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
مأمون محمد سعيد الصاغرجي
راجعه
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف
الجزء العاشر
ثم دخلت سنة إحدي ومئة
فيها كان هربُ يزيدَ بنِ المُهَلَّب من السجن حين بَلَغهُ مرضُ عمرَ بن عبد العزيز، فواعد غلمانَهُ يَلْقَوْنه بالخيل في بعض الأماكن، وقيل بإبلٍ (١)، ثم نزل من مَحْبِسه ومعه جماعة، وامرأتُه عاتكةُ بنت الفُرَاتِ العامريَّة، فلما جاء غِلْمانُهُ رَكِبَ روَاحلَهُ وسار، وكتب إلى عمرَ بنِ عبد العزيز: إنِّي والله ما خرجتُ من سجنك إلَّا حينّ بَلَغني مرضُكَ، ولو رَجْوتُ حياتَكَ ما خرَجْتُ، ولكنِّي خَشيتُ من يزيدَ بن عبد الملك فإنَّه يتوعَّدُني بالقَتْل، وكان يزيد بن عبد الملك يقول: لئن وَليْتُ لأقطعنَّ من يزيدَ بنِ المهلَّبِ طائفًا (٢)؛ وذلك أنه لما وَلِيَ العراقَ عاقبَ أصهارَهُ آل أبي عقيل، وهم بيتُ الحجَّاج بن يوسف الثَّقَفيّ، وكان يزيدُ بن عبد الملك مزوجًا [بأمِّ الحجَّاج] (٣) بنتِ محمد بن يوسف [أخي الحجاج بن يوسف] (٣)، وله منها ابنهُ الوليد بن يزيد الفاسق المقتول كما سيأتي.
ولما بلغَ عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّ يزيدَ بن المهلَّب هرَبَ من السجن قال: اللهمَّ إنْ كان يُريدُ بهذه الأمَّةِ سوءًا فاكفِهمْ شرَّه، وارْدُدْ كَيْدَه في نحرِه، ثم لم يزلِ المرضُ يتزايدُ بعمرَ بنِ عبد العزيز حتى مات وهو بخُنَاصِرَة، من دَيْرِ سمعان بين حماة وحَلَب، في يوم الجمعة، وقيل في يوم الأربعاء لخمس بقينَ من رجب من هذه السنة - أعني سنةَ إحدى ومئة - عن تسعٍ وثلاثين سنة وأشهر، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر فالله أعلم.
وكانت خلافتُه فيما ذَكَر غيرُ واحدٍ سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان حكمًا مُقْسطًا، وإمامًا عادلًا وورِعًا ديِّنًا، لا تأخَذُه في الله لومةُ لائم. رحمه الله تعالى.
стр. 4519
وهذه ترجمةُ عمر بن عبد العزيز الإمام المشهور ﵀ (١)
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بنِ أمية بنِ عبد شمس بنِ عبدِ مَنَاف، أبو حفص القُرَشيُّ الأمويُّ المعروف، أميرُ المؤمنين، وأمه أمُّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄. ويقال له: أشَجُّ بني مروان؛ وكان يُقال: الأشجُّ والناقص أعْدَلا بني مروان، فهذا هو الأشج، وسيأتي ذكر الناقص.
كان عمر تابعيًا جليلًا، روى عن أنس بنِ مالك، والسائب بنِ يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام - وهو صحابيٌّ صغير - وروى عن خلقٍ من التابعين. وعنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم.
قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أرى (٢) قولَ أحدٍ من التابعين حُجَّة إلا قولَ عمر بن عبد العزيز.
بويع له بالخلافة بعد ابنِ عمِّهِ سليمان بن عبد الملك، عن عهْدٍ منه له في ذلك كما تقدَّم.
ويقال: كان مولده في سنةِ إحدى وستين، وهي السنة التي قتل فيها الحُسين بن علي ﵄ بمصر؛ قاله غير واحد. وقال محمد بن سعد (٣): ولد سنة ثلاثٍ وستين. وقيل: ولد سنة تسع وخمسين. فالله أعلم.
وكان له جماعةٌ من الإخوة، ولكنَّ الذين هم من أبويه، أبو بكر، وعاصم، ومحمَّد.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، قال: بلَغَني أنَّ عِمْران (٤) بن عبد الرحمن بن شُرَحْبيل بن حسنة، كان يحدِّثُ أنَّ رجلًا رأى في المنام ليلةَ ولد عمر بن عبد العزيز - أو ليلة وَليَ الخلافة شكَّ أبو بكر - أنَّ مناديًا بين السماء والأرض ينادي: أتاكم اللِّينُ
стр. 4520
والدِّين، وإظهارُ العمل الصالح في المصلِّين. فقلت: ومَنْ هو؟ فنزل فكتب في الأرض ع م ر (١).
وقال آدمُ بن أبي إياس: حدثنا ضَمْرة، حدثنا أبو علي ثَرْوان مولى عمر بن عبد العزيز. قال: دخل عمر بن عبد العزيز إلى إصْطَبْلِ أبيه وهو غلام، فضربه فَرسٌ فشَجَّه، فجعلَ أبوهُ يمسحُ الدَّمَ عنه ويقول: إنْ كنتَ أشجَّ بني أميَّة إنَّكَ إذًا لسعيد. رواه الحافظ ابنُ عساكر من طريقِ هارونَ بنِ معروف عن ضَمْرَة (٢).
وقال نُعيم بن حمَّاد: حدثنا ضِمَامُ بن إسماعيل عن أبي قَبيل، أنَّ عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلامٌ صغير، فبلغ أمَّه، فأرسلتْ إليه فقالت: ما يُبكيك؟ قال: ذكرتُ الموت، فبكَتْ أُمُّه. وكان قد جمع القرآن وهو غلام صغير (٢).
وقال الضحَّاك بن عثمان الحِزَامي (٣). كان أبوه قد جعلَه عند صالح بن كَيْسان يؤدِّبُه، فلما حجَّ أبوه اجتازَ به في المدينة فسأله عنه فقال: ما خَبَرْتُ أحدًا الله أعظمُ في صدرِه من هذا الغلام (٤).
وروى يعقوبُ بن سفيان (٥)، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز تأخَّر عن الصلاة مع الجماعةِ يومًا، فقال له صالحُ بن كَيْسان: ما شغلَكَ؟ فقال: كانت مُرَجِّلتي تُسكِّنُ شعري. فقال له: أقدَّمت ذلك على الصلاة؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يُعلِمهُ بذلك، فبعث أبوه رسولًا، فلم يكلِّمْه حتى حلَقَ رأسه.
وكان عمر بنُ عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمعُ منه، فبلغ عُبيدَ الله أنَّ عمرَ ينتقصُ عليًا، وأتاه مَرَّةً فأعرض عنه وقام يُصلِّي، فجلس عمرُ ينتظرُه، فلما سلَّم أقبل على عمر مُغضبًا وقال له: متى بلغَكَ أنَّ الله سخطَ على أهلِ بَدْر بعدَ أنْ رضي عنهم؟! قال ففهِمَها عمر وقال: معذرةً إلى الله ثم إليك، والله لا أعود. قال: فما سمع بعد ذلك يذكرُ عليًا إلا بخير (٦).
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا المفضَّل بن عبد الله، عن داودَ بنِ أبي هند. قال: دَخَلَ علينا عمرُ بن عبد العزيز من هذا الباب - يعني بابًا من أبواب مسجد النبيِّ ﷺ (٧) - فقال رجل من
стр. 4521
القوم: بعث إلينا الفاسقُ بابنه هذا يتعلَّم الفرائضَ والسنن، ويزعمُ أنه لن يموت حتى يكونَ خليفة، ويَسير بسيرةِ عمرَ بنِ الخطَّاب! قال داود: واللهِ ما ماتَ حتى رأينا ذلك فيه (١).
وقال الزُّبير بن بكَّار: حدثني العُتْبيُّ قال: إنَّ أولَ ما استُبينَ من رُشْدِ عمرَ بنِ عبد العزيز حِرْصُه على العِلْم، ورغبتُهُ في الأدب، أنَّ أباه وَلي مصر وهو حديثُ السِّن، يشكُّ في بلوغه، فأراد أبوهُ إخراجَهُ مَعهُ إلى مصر من الشام، فقال: يا أبَهْ - أو غيرَ ذلك - لعلَّه يكونُ أنفعَ لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحِّلُني إلى المدينة، فأقعد إلى فقهائها، وأتأدَّبَ بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسلَ معه الخُدَّام، فقعد مع مشايخِ قريش، وتجنَّب شبابَهُم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذِكْرُه، فلمَّا مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبدُ الملك بن مروان فخلَطَهُ بولدِه، وقدَّمه على كثيرٍ منهم، وزوَّجَهُ بابنته فاطمة، وهي التي يقولُ الشاعرُ فيها:
بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جدُّها … أُخْتُ الخلائفِ والخليفةُ زوجُها
قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها.
قال العُتْبيّ: ولم يكن حاسدُ عمرَ بنِ عبد العزيز ينقمُ عليه شيئًا سوى متابعته في النعمة، والاختيالِ في المشية، وقد قال الأحنفُ بن قيس: الكامل من عُدَّتْ هفَوَاتُه، ولا تُعدُّ إلَّا من قلَّة. وقد ورث عمر من أبيه من الأموالِ والمتاع والدواب هو وإخوتُه ما لم يرثْهُ غيرُه فيما نعلم، كما تقدَّم ذلك، ودخل يومًا على عمِّه عبد الملك وهو يتجانَفُ في مشيته فقال له: يا عمر ما لك تمشي غيرَ مشيتك؟! قال: إن فيَّ جُرحًا، فقال: وأينَ هو من جسدك؟ قال: بين الرَّانِفَة (٢) والصَّفَنِ - يعني بين طرَفِ الألْيَةِ وجِلْدَةِ الخُصْيَة - فقال عبدُ الملك لِرَوْح بنِ زِنْبَاع: تالله لو رجلٌ من قومك سُئل عن هذا ما أجابَ بمثل هذا الجواب (٣).
قالوا: ولما ماتَ عمُّه عبدُ الملك حَزِنَ عليه ولبِسَ المُسوحَ تحت ثيابِه سبعينَ يومًا، ولما وليَ الوليدُ عامَلَهُ بما كان أبوهُ يعامله به، وولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، وأقام للناس الحجَّ سنةَ تسعٍ وثمانين، وسنة تسعين، وحجَّ الوليدُ بالناس سنة إحدى وتسعين، ثم حج بالناس عمرُ سنة ثنتين وثلاثٍ وتسعين (٤).
وبنى في مُدَّة ولايته هذه مسجدَ النبيِّ ﷺ .. ووسَّعه عن أمرِ الوليدِ له بذلك، فأدخل فيه الحُجْرة
стр. 4522
النبويَّة، وقد كان في هذه المدَّة من أحسن الناسِ معاشرةً، وأعدَلِهم سيرةً، كان إذا وقَعَ له أمرٌ مُشكلٌ جمَعَ فقهاءَ المدينة عليه، وقد عيَّنَ عشرةً منهم، وكان لا يقطعُ أمرًا بدونهم، أو منْ حضر منهم، وهم: عروة، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن [أبي] حَثْمَة (١)، وسُليمان بن يسار، والفاسم بن محمد، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. وكان لا يخرجُ عن قولِ سعيدِ بن المُسَيِّب، وقد كان سعيد بن المسيِّب لا يأتي أحدًا من الخلفاء، وكان يأتي إلى عمرَ بنِ عبد العزيز وهو بالمدينة.
قال ابن وَهْب: عن عبد الجبار الأيلي، عن إبراهيم بن أبي عبْلَة: قدمتُ المدينة وبها ابنُ المُسَيِّب وغيره، وقد بَذَّهم (٢) عمر يومئذٍ رَأْيًا (٣).
وقال ابنُ وَهْب: حدّثني اللَّيث، حدّثني قادِمٌ البَرْبَرِيّ أنه ذاكرَ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمن يومًا شيئًا من قضاءِ (٤) عمرَ بنِ عبد العزيز إذْ كانَ بالمدينة، فقال له الربيع: كأنك تقول: أخطأ، والذي نفسي بيده ما أخطأ قط.
وثبَتَ من غيرِ وَجْهٍ عن أنسِ بنِ مالك. قال: ما صلَّيتُ وراءَ إمامٍ قط أشبهَ بصلاةِ رسولِ الله ﷺ من هذا الفتى - يعني عمرَ بن عبد العزيز - حين كانَ على المدينة. قالوا: وكان يُتمُّ الركوعَ والسجود ويخفِّفُ القيام والقعود (٥).
وفي روايةٍ صحيحة: أنه كان يُسبِّح في الركوع والسُّجود عشرًا عشرًا.
وقال ابنُ وَهْب: حدّثني الليث، عن أبي النَّضْر المَدِيني، قال: رأيتُ سليمانَ بنَ يسار خارجًا من عندِ عمرَ بنِ عبد العزيز فقلت له: مِن عند عمر خرجتَ؟ قال: نعم! قلت: تعلِّمونه، قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمكم (٦).
стр. 4523
وقال مجاهد: أتينا عمرَ نعلِّمه، فما برِحْنا حتى تعلَّمنا (١) منه. وقال ميمونُ بن مِهْرَان: كانت العلماءُ عند عمرَ بنِ عبدِ العزيز تلامذةً (٢).
وفي روايةٍ: قال ميمون: كان عمرُ بن عبد العزيز معلِّمَ العلماء (٣).
وقال اللَّيث: حدّثني رجلٌ كان قد صحب ابنَ عمرَ وابنَ عباس، وكان عمر بن عبد العزيز يستعملُه على الجزيرة، قال: ما التمَسْنا علمَ شيءٍ إلَّا وجَدْنا عمرَ بن عبدِ العزيز أعلمَ الناس بأصله وفرعه، وما كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة.
وقال عبد الله بن طاوس: رأيتُ أبي تواقَفَ هو وعمر بنُ عبد العزيز من بعد صلاةِ العشاء حتى أصبحنا، فلما افترَقَا قلت: يا أبه من هذا الرجل؟ قال هذا عمر بن عبد العزيز، وهو من صالحي هذا البيت - يعني بني أمية (٤) -.
وقال عبدُ اللهِ بن كثير: قلتْ (٥) لعمرَ بنِ عبد العزيز: ما كان بَدْءُ إنابتك؟ قال: أردتُ ضربَ غلامٍ لي فقال لي: اذكُرْ ليلةً صَبيحتُها يومُ القيامة (٣).
وقال الإمام مالك: لما عُزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة - يعني في سنةِ ثلاثٍ وتسعين - وخرج منها التفَتَ إليها وبكى. وقال لمولاه: يا مُزَاحِم، نخشى أن نكونَ ممن نفَتِ المدينة (٦) -[يعني أن المدينة تنفي خُبْثَها كما يَنْفي الكِيرُ خَبَث الحديد - وينصع طِيبُها].
قلتُ: خرجَ من المدينة فنزل بمكانٍ قريب منها يقال له السويداء حينًا (٧). ثم قدم دمشق على بني عمِّه.
قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم. قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: خرجتُ من المدينة وما من رجل أعلم مني، فلمَّا قدمتُ الشام نُسِّيت (٣).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفَّان، حدّثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزُّهْرِيّ قال: سهرتُ مع
стр. 4524
عمرَ بنِ عبد العزيز ذاتَ ليلة فحدَّثته، فقال: كلُّ ما حدثتَ فقد سمعتُه، ولكنْ حفظتَ ونُسِّيتُ (١).
وقال ابن وَهْب، عن اللَّيث، عن عقيل، عن الزُّهري قال: قال عمر بنُ عبد العزيز: بعث إليَّ الوليد ذاتَ ساعةٍ من الظهيرة، فدخلتُ عليه، فإذا هو عابس، فأشار إليَّ أن اجلسْ، فجلستُ بين يديه فقال: ما تقولُ فيمنْ يَسُبُّ الخلفاء أيُقتل؟ فسكتُّ، ثم أعادَ فسكتُّ، ثم أعادَ فقلت: أقَتَل يا أميرَ المؤمنين؟ قال: لا، ولكنْ سبَّ، فقلت: يُنَكَّلُ به، فغَضِبَ وانصرف إلى أهله، وقال لي ابنُ الرَّيَّان السيَّافُ: اذهَبْ. قال: فخرجتُ من عندِ وما تهبُّ ريحٌ إلا وأنا أظنُّ أنه رسولٌ يردُّني إليه.
وقال عثمان بن زُفَر (٢): أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أميرُ المؤمنين ومعه عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان، وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال، فقال له سليمان: ما تقولُ يا عمرُ في هذا؟ فقال: أرى دنيا يأكلُ بعضُها بعضًا وأنت المسؤول عن ذلك كله، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غرابٌ قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائرٌ بها، ونَعَبَ نعبةً، فقال له سليمان: ما تقولُ في هذا يا عمر؟ فقال: لا أدري، فقال: ما ظنك أنه يقول؟ قال (٣): كأنَّه يقول: من أين جاءَتْ وأين يُذهَبُ بها؟ فقال له سليمان: ما أعجبَك؟ فقال عمر: أعجَبُ منِّي مَنْ عَرَف الله فعصاه، ومن عرف الشيطانَ فأطاعَه، ومن عرف الدنيا فركن إليها (٤).
وتقدَّم أنه لما وقف سليمانُ وعمر بعَرَفه (٥)، فجَعَلَ سليمان يعجبُ من كثرةِ الناس! فقال له عمر: يا أمير المؤمنين، هؤلاء رعيَّتُكَ اليوم وأنت مسؤولٌ عنهم غدًا. وفي رواية: وهم خصماؤك يومَ القيامة. فبكى سليمان وقال: بالله نستعين.
وتقدم أنه لما أصابهم في بعض الأسفار رَعْدٌ شديد، وبَرْق وظلمةٌ شديدة، فجعل عمر يضحك من ذلك، فقال له سليمان: أتضحك ونحن فيما ترى؟! فقال: نعم هذه آثارُ رحمتِه ونحنُ في هذه الحال، فكيف بآثارِ غضَبه وعقابِه؟
وذكر الإمام مالك، أنَّ سليمان وعُمر تقاولا مرَّةً فقال له سليمان في جملةِ الكلام: كذبتَ، فقال: تقول لي كذبت؟ والله ما كذبتُ منذُ عرفتُ أنَّ الكذبَ يضرُّ أهلَه. ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى
стр. 4525
مصر، فلم يمكِّنه سليمان، ثم بعث إليه فصالحه وقال له: ما عَرَض لي أمرٌ يهمُّني إلا خطرتَ على بالي (١).
وقد ذكرنا (٢) أنَّه لما حضرتْ سليمانَ بن عبد الملك الوفاة أوصى بالأمر من بعده إلى عمر بن عبد العزيز، فانتظم الأمر على ذلك، ولله الحمد.
فصل وقد كان منتظرًا فيما يؤثر من الأخبار (٣)
قال أبو داود الطيالسي: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشُون، حدّثنا عبد الله بن دينار قال: قال ابنُ عمر: يا عجبًا!! يزعمُ الناسُ أنَّ الدنيا لا تنقضي حتى يليَ رجلٌ من آلِ عمر، يعمل بمثل عَمل عمر، قال: وكانوا يرَونَهُ بلالَ بنَ عبد الله بن عمر - قال: وكان بوجهه أثر - فلم يكنْ هو، وإذا هو عمر بن عبد العزيز، وأمُّه ابنةُ عاصم بن عبد الله بن عمر بنِ الخطاب (٤).
وقال البيهقي (٥): أنبأ الحاكم، أنبأ أبو حامد أحمد بن علي المقرئ، حدّثنا أبو عيسى الترمذي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا عفان، حدّثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، قال: بلَغَنا أنَّ عمر بن الخطاب قال: إن من ولدي رجلًا بوجهِه شَيْن، يَلي فيملأُ الأرضَ عدلًا. قال نافع من قِبَله: ولا أحسبُه إلَّا عمرَ بنَ عبد العزيز.
ورواهُ مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن نافع، قال: كان ابنُ عمر يقول: ليت شعري مَنْ هذا الذي من ولدِ عمر في وجهه علامة يملأُ الأرضَ عَدْلًا (٦)؟
قال وهيب بن الورد: بينما أنا نائمٌ رأيتُ كأنَّ رجلًا دخلَ من باب بني شيبةَ وهو يقول: يا أيها الناس! ولي عليكم كتاب الله. فقلت: مَنْ؟ فأشار بيده إلى ظهره، فإذا مكتوب عليه ع م ر؛ قال: فجاءَتْ بيعةُ عمر بن عبد العزيز (٧).
وقال: بَقِيَّةُ عن عيسى بن أبي رَزين: حدّثني الخُزَاعي عن عمر بن عبد العزيز، أنه رأى رسول الله ﷺ
стр. 4526
في روضةٍ خضراء فقال له:" إنَّك سَتَلي أمرَ أمتي فرُغْ عن الدم، فرُغْ عن الدم (١)، فإنَّ اسمك في الناس عمر بن عبد العزيز، واسمك عند الله جابر".
وقال أبو بكر بن المقري: حدّثنا أبو عَرُوبة الحسين بن محمد بن مَوْدود الحرَّاني، حدّثنا أيوب بن محمد الوزَّان، حدّثنا ضَمْرة بن ربيعة، حدّثنا السَّريُّ بن يحيى، عن رياح بن عبيدة. قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة، وشيخ متوكِّئٌ على يده، فقلت في نفسي: إنَّ هذا الشيخ جافٍ، فلمَّا صلَّى ودخل لحقتُه فقلت: أصلحَ الله الأمير، من هذا الشيخ الذي كان متكئًا على يدك؟ فقال: يا رياح رأيتَه؟ قلت: نعم! قال: ما أحسبك يا رياح إلَّا رجلًا صالحًا، ذاك أخي الخَضر، أتاني فأعلمني أنِّي سألي أمرَ هذه الأمة، وأني سأعدلُ فيها (٢).
وقال يعقوب بن سفيان (٣): حدّثنا أبو عمير، حدّثنا ضمرة، عن علي بن أبي حملة (٤) عن أبي أعْيَس (٥)، قال: كنتُ جالسًا مع خالد بن يزيد بن معاوية فجاء شاب عليه مُقَطَّعات (٦) فأخذ بيدِ خالد، فقال: هل علينا من عَيْن؟ فقال أبو أعْيَس: فقلت عليكما من الله عينٌ بصيرة، وأُذن سميعة، قال: فترقرقَتْ عينا الفتى، فأرسلَ يده من يدِ خالد وولَّى، فقلت: من هذا؟ قال: هذا عمر بن عبد العزيز، ابنُ أخي أميرِ المؤمنين، ولئن طالَتْ بك حياة لترينَّه إمامَ هُدى.
قلتُ: وقد كان عند خالد بن يزيد بن معاوية شيءٌ جيِّدٌ من أخبار الأوائل وأقوالهم، [وكان ينظر في النجوم والطب] (٧). وقد ذكرنا في ترجمة سليمان بن عبد الملك (٨) أنه لما حضرَتْهُ الوفاة عزَمَ أن يكتب العهد باسم أحد أولاده، فما زال به وزيرُه الصادق رجاء بن حَيْوَة حتى صرفه عن ذلك وأشار عليه أن يجعل الأمر من بعده لأصلح الناس لهم، فألهم الله الخليفة رشده فعيَّن لها ابن عمه عمرَ بن عبد العزيز
стр. 4527
فجوَّد رأيَه رجاء بن حيوة وصوَّبه، وكتب سليمان العهد من بعده لعمر بن عبد العزيز في صحيفة وختمها، ولم يشعر بذلك عمر ولا أحدٌ من بني مروان سوى الخليفة سليمان والوزير رجاء، ثم أمر صاحبَ الشرطة بإحضار الأمراء ورؤوس الناس من بني مروانَ وغيرهم، فبايعوا سليمان على ما في الصحيفة المختومة، ثم انصرفوا، ثم لما مات الخليفة استدعاهم رجاءُ بن حَيْوةَ فبايعوا ثانية لمن في الصحيفة ثم فتحَها فقرأها عليهم، فإذا فيها البيعة لعمر بن عبد العزيز، فأخذوهُ فأجلسوه على المِنْبر وبايعوه فانعقدت له البيعة.
وقد اختلف العلماءُ في مثل هذا الصنيع في الرجل يُوصي الوصيَّةَ في كتاب، ويُشهد على ما فيه، من غيرِ أن يُقرأ على الشهود. ثم يشهدون على ما فيه فيُنفَّذ، فسوَّغَ ذلك جماعاتٌ من أهل العلم، قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجَريري: أجاز ذلك وأمضاه، وأنفذ الحكم به جمهورُ أهلِ الحِجاز، ورُوي ذلك عن سالم بن عبد الله. وهو مذهب مالك ومحمد بن مسلمة المخزومي، ومكحول، ونمير بن أوس، وزُرعة بن إبراهيم، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهم من فقهاء الشام. وحكى نحو ذلك خالدُ بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه وقضاة جُندِه؛ وهو قول الليثِ بن سعد فيمن وافقه من فقهاء أهل مصر والمغرب، وهو قول فقهاءِ أهل البصرة وقضاتهم. ورُوي عن قتادةَ، وعن سوَّار بن عبد الله، وعبيد اللّه بن الحسن، ومعاذ بن معاذ العَنْبريّ فيمن سلك سبيلهم؛ وأخذ بهذا عددٌ كثيرٌ من أصحابِ الحديث، منهم أبو عبيد وإسحاق بن راهويه. قلت: وقد اعتنى به البخاري في صحيحه.
قال المعافى الجَرِيري: وأبَى ذلك جماعةٌ من فقهاءِ العراق، منهم إبراهيم وحماد والحسن، وهو مذهب الشافعي وأبي ثَوْر قال: وهو قول شيخِنا أبي جعفر، وكان بعضُ أصحابِ الشافعي بالعراق يذهب إلى القول الأول. قال الجَريري: وإلى القول الأول نذهب (١).
وتقدَّم (٢) أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أُتي بمراكب الخلافة ليركبها فامتنع من ذلك وأنشأ يقول:
فلولا التُّقى ثم النُّهى خشيةَ الرَّدَى … لعاصَيْتُ في حُبّ الصِّبَا كلَّ زاجِر
قَضَى ما قَضى فيما مَضَى ثم لا تُرَى … له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال: ما شاءَ الله لا قوة إلا بالله. قدِّموا إليَّ بغلتي.
стр. 4528
ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفيَّة فيمن يزيد، وكانت من الخيول الجياد المثمَّنة؛ فباعها وجعل أثمانها في بيت المال.
قالوا: ولما رجع من الجنازة وقد بايعه الناس واستقرَّتِ الخلافة باسمه، انقلب وهو مغتمٌّ مهموم، فقال له مولاه: ما لك هكذا مغتمًا مهمومًا وليس هذا بوقت هذا؟ فقال: ويحك! وما لي لا أغتمُّ وليس أحدٌ من أهل المشارق والمغاربِ من هذه الأمة إلا وهو يطالبُني بحقِّه أنْ أُؤدِّيهُ إليه؛ كتبَ إليَّ في ذلك أو لم يكتبْ، طلبه مني أو لم يطلبْ؟! قالوا: ثم إنه خَيَّرَ امرأته فاطمةَ بَيْنَ أنْ تُقيمَ معه على أنه لا فراغ له إليها، وبَيْنَ أنْ تلحقَ بأهلها؛ فبكَتْ وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حالٍ رحمها الله.
وقال له رجل: تفرُغُ لنا يا أمير المؤمنين؟ فأنشأ يقول:
قدْ جاءَ شغلٌ شاغلُ … وعدَلْتَ عن طرقِ السلامَهْ
ذهبَ الفراغُ فلا فرا … غَ لنا إلى يومِ القيامَة (١)
وقال الزُّبير بن بكَّار: حدّثني محمد بن سلَّام عن سلَّام بن سُليم قال: لما وَلي عمر بن عبد العزيز صعِدَ المنبر وكان أوَّل خطبةٍ خطبَها، حمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من صحبنا فليصحَبْنا بخمس، وإلَّا فَلْيفارِقْنا. يَرفع إلينا حاجةَ مَنْ لا يستطيعُ رفعَها، ويُعيننا على الخير بجهده، ويدلُّنا من الخير على ما لا نهتدي إليه؛ ولا يغتابنَّ عندنا الرعيَّة، ولا يعرضنَّ فيما لا يَعنيه. فانقشع عنه الشعراءُ والخطباء، وثبتَ معه الفقهاءُ والزُّهَّاد، وقالوا: ما يسَعُنا أن نفارقَ هذا الرجلَ حتى يخالفَ فعله قوله (١).
وقال سفيانُ بن عيينة: لما ولي عمرُ بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاءِ بن حَيْوَة وسالم بن عبد الله فقال لهم: قد ترَوْنَ ما ابتُليتُ به، وما قد نزلَ بي، فما عندكم؟ فقال محمد بن كعب: اجعل الشيخَ أبًا، والنَّصَفَ أخًا، والشابَّ ولدًا (٢)، فبِرَّ أباك وصِلْ أخاك، وتعطَّفْ على ولدِك.
وقال رجاء: ارضَ للناسِ ما تَرْضَى لنفسك، وما كرهتَ أن يؤتى إليك فلا تأتِهِ إليهم، واعلم أنك أوَّل خليفةٍ تموت.
стр. 4529
وقال سالم: اجعلِ الأمر يومًا واحدًا، وصُمْ فيه عن شهواتِ الدنيا، واجعلْ آخرَ فِطْرِك فيه الموت، فكأنّ قد. فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله (١).
وقال غيرُه: خطب عمر بن عبد العزيز يومًا الناسَ فقال - وقد خنقَتْهُ العَبْرة -: أيُّها الناس أصلحوا آخرتَكم يُصلحْ لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم يُصلحْ لكم علانيتكم، والله إنَّ عبدًا ليس بينه وبين آدمَ أبٌ إلَّا قد مات، إنه لمُعْرَقٌ له في الموت (٢).
وقال في بعض خطبه: كم من عامرٍ موثقٍ (٣) عمَّا قليل يَخْرَب، وكم من مقيمٍ مغتبطٍ عمَّا قليلٍ يظعَن. فأحسِنوا رحمكم الله من الدنيا (٤) الرِّحلةَ بأحسنِ ما بحضرَتِكم من النُّقَلة، بينا ابنُ آدمَ في الدنيا ينافسُ قرير العين فيها قانع، إذْ دعاهُ الله بقدَرِه، ورماه بيوم حَتْفه، فسلبه آثاره ودُنياه، وصيَّر إلى قومٍ آخرينَ مصانعه ومَغْناه، إنَّ الدُّنيا لا تَسُرُّ بقدَرِ ما تَضُرّ، تسرُّ قليلًا وتُحزِن طويلًا.
وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتابَ بعد القرآن، ولا نبي بعد محمدٍ ﷺ ، وإني لستُ بقاضي، ولكني مُنفِّذ، وإني لستُ بمُبتدع، ولكنَّي متَّبع، إن الرجل الهاربَ من الإمام الظالمِ ليس بظالم، ألا أنَّ الإمامَ الظالمَ هو العاصي، ألا لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ (٥).
وفي روايةِ أنه قال فيها: وإني لستُ بخيرٍ من أحدٍ منكم، ولكنَّي أثقلكم حملا، ألا لا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الله، ألا هل أسمعت.
وقال أحمد بن مروان: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا إسحاق بن سليمان، حدّثنا شعيب بن صفوان حدّثني ابنٌ لسعيد بنِ العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنَّكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سُدَى، وإنَّ لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفَصْل بينكم، فخابَ وخسِرَ منْ خرج من رحمةِ الله تعالى، وحُرم جَّنَة عَرْضُها السمواتُ والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمنُ غدًا إلا من حَذِرَ اليومَ الآخِرَ وخافه، وباع نافِدًا بباقٍ (٦)، وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان، ألا ترَوْنَ أنَّكم في أسلاب الهالكين، وستكون من بعدِكم
стр. 4530
للباقين، كذلك حتى تُرَدَّ إلى خيرِ الوارثين؛ ثم إنكم في كلِّ يوم ثُشَيِّعُون غاديًا ورائحًا إلى الله لا يرجع، قد قَضَى نحبَه، حتى تُغَيِّبوه في صَدْعٍ من الأرض، في بطنِ صَدْعٍ غير مُوَسَّد ولا مُمهَّد، قد فارق الأحباب، وباشَرَ التراب وواجه الحساب، فهو مُرْتَهنٌ بعمله، غنيٌّ عما ترك، فقيرٌ إلى ما قدَّم، فاتقوا الله قبل انقضاءِ مُراقبته، ونزول (١) الموت بكم، أما إني أقول هذا، ثم وضع (٢) طَرَف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى مَنْ حوله (٣).
وفي رواية: وايمُ الله، إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحدٍ منكم من الذنوبِ اْكثرَ مما أعلم من نفسي، ولكنها سُننٌ من الله عادلة، أمرَ فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيتِه، وأستغفرُ الله، ووضع كُمَّه على وجهه فبكى حتى بل لحيته، فما عاد لمجلسه حتى مات ﵀ (٤).
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمرَ بن عبد العزيز أنه رأى رسولَ الله ﷺ في النوم وهو يقول له: "ادْنُ يا عمر، ادن يا عمر، ادن يا عمر، قال: فدنوتُ حتى خشيتُ أنْ أصيبه"، فقال:" إذا وَليت فاعملْ نحوًا من عمل هذين"، فإذا كهلانِ قدِ اكتَفاهُ، فقلت: ومَنْ هذان؟ قال: "هذا أبو بكر وهذا عمر" (٥).
وروِّيْنا أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر: اكتبْ لي سيرةَ عمر حتى أعمل بها. فقال له سالم: إنك لا تستطيعُ ذلك. قال: ولم؟ قال: إنك إن عملت بها كنتَ أفضلَ من عمر، لأنه كان يجدُ على الخير أعوانًا، وأنت لا تجدُ مَنْ يعينكَ على الخير (٦).
وقد رُوي أنه كان نقشُ خاتمه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وفي رواية: آمنت بالله. وفي رواية: الوفاء عزيز (٧).
وقد جمعَ يومًا رؤوسَ الناس فخطبهم فقال: إن فَدَكَ (٨) كانتْ بيدِ رسولِ ال ﷺ يضَعُها حيثُ أراه
стр. 4531
الله، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك - قال الأصمعي: وما أدري ما قال في عثمان - قال: ثم إنَّ مروانَ أقطَعها فحصَلَ لي منها نصيب، ووهبني الوليدُ وسليمانُ نصيبَهما، ولم يكنْ من مالي شيءٌ أرد عليَّ منها، وقد ردَدْتُها في بيتِ المال على ما كانتْ عليه في زمانِ رسول الله ﷺ . قال: فيئسَ الناسُ عند ذلك من المظالم.
ثم أمر بأموالِ جماعةٍ من بني أمية فردَّها إلى بيت المال وسمَّاها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجَعْ فيه شيءٌ، ولم يرده عن الحق شيء، وقال لهم: لتَدَعُنِّي وإلا ذهبتُ إلى مكة فنزلتُ عن هذا الأمر لأحقِّ الناسِ به. وقال: والله لو أقمتُ فيكم خمسينَ عامًا ما أقمتُ فيكم إلا ما أريدُ من العَدْل، هاني لأريدُ الأمر فما أُنْفِذُه إلا مع طَمعٍ من الدنيا حتى تسكنَ قلوبُهم (١).
وقال الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال: إن كان في هذه الأمة مهديٌّ فهو عمر بن عبد العزيز. ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المُسيِّب وغيرُ واحد (٢).
وقال طاوس: هو مهديٌّ وليس به، إنه لم يستكمل العَدْلَ كلَّه، إذا كان المهديُّ تيب (٣) على المسيءَ من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سمحٌ بالمال، شديدٌ على العمال، رحيمٌ بالمساكين.
وقال مالك عن عبد الرحمن بن حَرْمَلة، عن سعيد بن المسيِّب، أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعُمَرَان، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمنْ عمرُ الآخر؟ قال: يوشكُ إنْ عشتَ أن تعرفه. يريدُ عمرَ بن عبد العزيز (٤).
وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشجُّ بني مروان.
وقال عبَّاد السمَّاك وكان يجالسُ سفيان الثوري -: سمعتُ الثوريَّ يقول: الخلفاءُ خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز (٥).
وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد (٥).
وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمةِ العَدْل وأحدِ الخلفاء الراشدين والأئمة المهديِّين. وذكره غيرُ
стр. 4532
واحدٍ في الأئمة الاثني عشرَ، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: "لا يزال أمرُ هذه الأمةِ مستقيمًا حتى يكون فيهم اثنا عشر خليفةً كلُّهم من قريش" (١).
وقد اجتهد ﵀ في مُدَّة ولايته - مع قِصَرِها - حتى ردَّ المظالم، وصرف إلى كلِّ ذي حقٍّ حقه، وكان مناديه في كلِّ يوم ينادي: أين الغارمون، أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًا من هؤلاء (٢).
وقد اختلف العلماء أيَّ الرجل أفضل هو أو معاوية بن أبي سفيان؟ ففضَّل بعضُهم عمر لسيرته ومَعْدِلته وزهده وعبادته. وفضَّل آخرون معاوية لسابقته وصحبته، حتى قال بعضهم: ليومٌ شهده معاوية من رسول الله ﷺ خيرٌ من عمر بن عبد العزيز وأيامه وأهل بيته.
وذكر الحافظ ابنُ عساكر في تاريخه (٣) أنَّ عمر بن عبد العزيز كان يُعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فكان سألها إياها إمَّا بيعًا أو هِبَةً، فكانتْ تأبَى عليه ذلك، فلما ولي الخلافة ألبسَتْها وطيَّبَتْها وأهدَتْها إليه ووهبتها منه، فلما أخلتْها به أعرضَ عنها، فتعرَّضت له الجارية فصدف عنها، فقالت له: يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبَّتك إيَّاي؟ فقال: والله إنَّ محَبَّتَكِ لباقيةٌ كما هي؟ ولكنْ لا حاجة لي فيك، فقد جاءني أمرٌ شَغلني عنك وعن غيرِك، ثم سألها عن أصلها ومن أين جلبوها، فقالت: يا أمير المؤمنين إنَّ أبي أصابَ جنايةً ببلادِ المغرب (٤) فصادره موسى بن نُصير فأُخذتُ في الجناية، وبعث بي إلى الوليد فوهبَني الوليدُ إلى أخته فاطمةَ زوجتِك، فأهدَتْني إليك. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، كِدْنا والله نفتضح ونَهْلِك، ثم أمرَ بردِّها مكرَّمةً إلى بلادها وأهلها.
وقالت زوجته فاطمة: دخلتُ يومًا عليه وهو جالس في مُصَلَّاه، واضعًا خدَّه على يده، ودموعه تسيلُ على خدَّيه، فقلت: ما لك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وُلِّيتُ من أمر هذه الأمة ما وُلِّيت، فتفكَّرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود (٥)، والمظلوم المقهور، والغريبِ الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباهِهم في أقطار الأرض وأطرافِ
стр. 4533
البلاد، فعلمتُ أنَّ ربِّي سيسألُني عنهم يوم القيامة، وأن خَصْمي دونهم محمد ﷺ ، فخشيتُ أنْ لا يثبت لي حجَّة عند خصومته، فرحمتُ نفسي فبَكيت" (١).
وقال ميمون بن مِهْران: ولَّاني عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي: إذا جاءك كتابٌ مني على غير الحق فاضرِبْ به الأرض (٢).
وكتب إلى بعض عماله: إذا دَعتْكَ قدرتُك على الناس إلى ظلمهم، فاذكُرْ قدرةَ الله عليك، ونفادَ ما تأتي إليهم، وبقاءَ ما يأتون إليك (٣).
وقال عبد الرحمن بن مَهْدي عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عديِّ بن عديّ: إنَّ للإسلام سُننًا وشرائع وفرائض، فمن استكملَها استكملَ الإيمان، ومن لم يستكمِلْها لم يستكملِ الإيمان، فإنْ أعشْ أبيِّنْها لكم لتعملوا بها، وإنْ أمتْ فما أنا على صحبتِكم بحريص (٣).
وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا مجزومًا به (٤).
وذكَرَ الصُّوليُّ أنَّ عمرَ كتب إلى بعض عمَّاله: عليك بتقوى الله، فإنها هي التي لا يقبلُ غيرَها ولا يرحم إلا أهلَها، ولا يثابُ إلَّا عليها، وإنَّ الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل (٣).
وقال: منْ علم أنَّ كلامه من عمله، قلَّ كلامُه إلَّا فيما يعنيه وينفعه، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير (٥).
وقال أيضًا: من لم يعدَّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عبدَ الله بغيرِ علم كان ما يُفسده أكثرَ مما يصلحه (٥).
وكلَّمه رجلٌ يومًا حتى أغضبه، فهمَّ به عمر ثم أمسك نفسه، ثم قال للرجل: أردتَ أنْ يستفزَّني الشيطانُ بعزةِ السلطان، فأنال منك ما تنالُه مني غدًا؟ قم - عافاك الله - لا حاجة لنا في مقاولتك (٦).
وكان يقول: إنَّ أحبَّ الأمور إلى الله القَصْدُ في الجِد (٧)، والعفو في المَقْدرة، والرفق في الولاية، وما رَفَق عبدٌ بعبدٍ في الدنيا إلَّا رفق الله به يوم القيامة.
стр. 4534
وخرج ابنٌ له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجَّه صبيٌّ منهم، فاحتملوا الصبيَّ الذي شجَّ ابنه وجاءوا به إلى عمر، فسمع الجَلَبة فخرج إليهم، فإذا مُرَيْئَةٌ تقول: إنه ابني وإنه يتيم. فقال لها عمر: هوِّني عليك. ثم قال لها عمر: أله عطاء في الديوان؟ قالت: لا! قال: فاكتبوه في الذرِّيَّة. فقالت زوجته فاطمة: أتفعل هذا به وقّد شجَّ ابنك؟ فعل الله به وفعل، المرة الأخرى يشجُّ ابنَك ثانية. فقال: ويحك، إنه يتيم وقد أفزعتموه (١).
وقال مالك بن دينار: يقولون مالكٌ زاهد، أيُّ زهدٍ عندي (٢)؟ إنما الزاهدُ عمر بن عبد العزيز، أتَتْهُ الدنيا فاغرةً فاها فتركها جملة (٣).
قالوا: ولم يكن له سوى قميصٍ واحد، فكان إذا غسلوه جلسَ في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهبٍ فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:
تجرَّدْ من الدنيا فإنَّكَ إنما … خرجتَ إلى الدنيا وأنتَ مُجرَّدُ
قال: وكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل (٣).
قالوا: ودخل على امرأته يومًا فسألها أنْ تُقرضه درهمًا أو فلوسًا يشترى له بها عنبًا، فلم يجدْ عندَها شيئًا، فقالت له: أنت أميرُ المؤمنين وليس في خزانتِك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدًا في نار جهنَّم (٤).
قالوا: وكان سراجُ بيتِه على ثلاث قصبات في رأسهن طين (٥).
قالوا: وبعث يومًا غلامَهُ ليشويَ له لحمةً، فجاءه بها سريعًا مشويَّة، فقال: أين شويتَها؟ قال: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال: نعم. فقال: كُلْها فإنِّي لم أُرزَقْها، هي رزقُك (٦).
وسخَّنوا له ماءً في المطبخ العام، فرَدَّ بدلَ ذلك بدرهمٍ حطبًا (٥).
وقالت زوجتُه: ما جامع ولا احتلم وهو خليفة (٦).
قالوا: وبلَغَ عمرَ بن عبد العزيز عن أبي سلام الأسود أنه يحدِّثُ عن ثوبان بحديثِ الحَوْض، فبعثَ إليه فأحضره على البريد وقال له كالمتوجِّع يا أبا سلام ما أرَدْنا المشَقَّة عليك، ولكنْ أردْتُ أنْ تشافهَني
стр. 4535
بالحديثِ مُشافهةً، فقال: سمعت ثوبانَ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "حَوْضي ما بينَ عدَنَ إلى عمَّان البَلْقاء، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللَّبَن، وأحْلَى من العسَل، أكاويبُه عددُ نجوم السماء، مَنْ شرِبَ منه شربة لم يظمَأْ بعدَها أبدًا، وأوَّل الناسِ وروداَ عليه فقراءُ المهاجرين، الشُعْثُ رؤوسًا، الدُّنس ثيابًا، الذين لا ينكِحون المتنعِّمات، ولا تُفتح لهم الشُدد". فقال عمر: لكني نكحت المتنعِّمات، فاطمة بنت عبد الملك، فلا جَرَم لا أغسل رأسي حتى يَشْعث، ولا أُلْقي ثوبي حتى يتَّسخ (١).
قالوا: وكان له سراجٌ يكتبُ عليه حوائجَه، وسراجٌ لبيتِ المال يكتبُ عليه مصالحَ المسلمين، لا يكتبُ على ضوئه لنفسِه حرفًا. وكان يقرأ في المصحف كل يوم أوَّلَ النهار، ولا يُطيلُ القراءة، وكان له ثلاث مئة شرطي، وثلاث مئة حَرَسيّ. وأهدى له رجل من أهل بيتهِ تفاحًا فاشتمَّه ثم ردَّه مع الرسول، وقال له: قل له قد بلغَتْ محلَّها، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنَّ رسول الله ﷺ كان يقبلُ الهدية، وهذا رجلٌ من أهل بيتك، فقال: إنَّ الهديَّةَ كانتْ لرسولِ الله ﷺ هديَّةً، فأمَّا نحن فهي لنا رِشْوَة (٢).
قالوا: وكان يُوسعُ على عمَّاله في النفقة، يُعطي الرجلَ منهم في الشهر مئة دينار، ومئتي دينار، وكان يتأوَّلُ أنهم إذا كانوا في كفاية تفرَّغوا لأشغالِ المسلمين، فقالوا له: لو أنفقتَ على عيالك كما تُنفق على عُمَّالك؟ فقال: لاْ أمنَعُهم حقًا لهم، ولا أُعطيهم حق غيرِهم.
وكان أهلُه قد بَقُوا في جهدٍ عظيم، فاعتذر بأنَّ معهم سلفًا كثيرًا من قبل ذلك، وقال يومًا لرجل من ولدِ علي: إني لأستحي من الله أن تقفَ ببابي ولا يؤذنُ لك. وقال لآخر منهم: إني لأستحي من الله وأرغبُ بك أن أدنِّسك بالدنيا لما أكرمكم الله به.
وقال أيضًا: كنَّا نحن وبنو عمنا بنو هاشم مرَّةً لنا ومرَّةً علينا، نلجَأُ إليهم ويلجَؤون إلينا، حتى طلعت شمسُ الرسالة فأكسدتْ كلَّ نافق، وأخرسَتْ كلَّ منافق، وأسكتَتْ كل ناطق (٣).
وقال أحمد بن مروان: ثنا أبُو بكر أخو (٤) خطَاب حدّثنا خالد بن خداش حدّثنا حماد بن زيد عن موسى بن أعْيَن الراعي - وكان يرعى الغنمَ لمحمد بن أبي عُيينة - قال: كانتِ الأُسد والغنمُ والوحش
стр. 4536
تَرْعى في خلافةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيز في موضع واحد، فعرض ذاتَ يوم لشاةٍ منها ذئبٌ، فقلتُ: إنَّا لله، ما أرى الرجلَ الصالح إلَّا قد هلَكَ. قال فحسَبنا (١)، فوجدناه قد هلك في تلك الليلة. ورواهُ غيره عن حمَّاد فقال: كنا نَرْعى الشاءَ بكَرْمان، فذكر نحوه؛ وله شاهدٌ من وجهٍ آخر.
ومن دعائه: اللهم إنَّ رجالًا أطاعوك فيما أمرتهم وانتهَوْا عما نهيتَهم، اللهمَّ وإنَّ توفيقَك إيَّاهم كان قبل طاعتهم إياك، فوفِّقْني (٢). ومنه: اللهمَّ إنَّ عمر ليس بأهلٍ أنْ تنالَهُ رحمتُك، ولكنَّ رحمتك أهلٌ أنْ تنالَ عمر (٣).
وقال له رجل: أبقاك الله ما كان البقاءُ خيرًا لك. فقال: هذا شيء قد فُرغ منه، ولكنْ قلْ: أحياكَ الله حياةً طيبةً، وتوفَّاك مع الأبرار (٣).
وقال له رجل: كيف أصبحتَ يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحتُ بطيئًا بطينًا، متلوثًا بالخطايا، أتمنَّى على الله (٣).
ودخل عليه رجلٌ. فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ مَنْ كان قبلك كانتِ الخلافةُ لهم زينًا، وأنت زين الخلافة، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر:
وإذا الدُّرُّ زانَ حُسْنَ وجوهٍ … كانَ للدرِّ حسنُ وجهِكَ زَيْنا
قال: فأعرضَ عنه عمر (٣).
وقال رجاءُ بن حَيْوَة: سمَرْتُ عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشي السراجُ فقلت: يا أمير المؤمنين: ألا أنبه هذا الغلام يصلحه؟ فقال: لا! دعه ينام، لا أحب أن أجمع عليه عملين. فقلت: أفلا أقومُ أُصلحه؟ فقال: لا! ليس من المروءةِ استخدامُ الضَّيف. ثم قام بنفسه فأصلحَه وصبَّ فيه زيتًا ثم جاء وقال: قمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز، وجلستُ وأنا عمر بن عبد العزيز (٤).
وقال: أكثروا ذكرَ النعم، فإنَّ ذكرَها شكرُها (٥).
وقال: إنه ليمنعني من كثرة الكلام (٦) مخافةُ المباهاة.
وبلغه أنَّ رجلًا من أصحابه تُوفي، فجاء إلى أهله ليعزِّيهم فيه، فصرخوا في وجهه بالبُكاء عليه،
стр. 4537
فقال: مَهْ، إن صاحبَكم لم يكنْ يرزقُكم، وإنَّ الذي يرزقُكم حيٌّ لا يموت، وإنَّ صاحبَكم هذا، لم يسدَّ شيئًا من حُفَركم، وإنما سدَّ حفرةَ نفسِه، ألا وإنَّ لكلِّ امرئٍ منكم حفرةً لا بدَّ والله أن يسدَّها، إنَّ الله لما خلَقَ الدنيا حكم عليها بالخرَاب، وعلى أهلها بالفناء، ما امتلأتْ دارٌ حَبْرَةُ (١) إلا امتلأتْ عَبْرَةً، ولا اجتمعوا إلا تفرَّقوا، حتى يكونَ الله هو الذي يرثُ الأرضَ ومَنْ عليها، فمن كان منكم باكيًا فليبكِ على نفسه، فإنَّ الذي صار إليه صاحبُكم كلُّ الناس يصيرون إليه غدًا.
وقال ميمون بن مِهْرَان: خرجتُ مع عمرَ إلى القبور فقال لي: يا أبا أيوب! هذه قبورُ آبائي بني أمية، كأنهم لم يشاركوا أهلَ الدنيا في لذَّتهم وعيشِهم، أما تراهم صَرْعَى قد خَلَتْ فيهم المَثُلات (٢)، واستحكم فيهم البلاء؟ ثم بكى حتى غُشي عليه، ثم أفاق فقال: انطلقوا بنا، فوالله لا أعلمُ أحدًا أنعمَ ممَّنْ صار إلى هذه القبور، وقد أمِنَ من عذابِ الله، [ينتظر ثواب الله] (٣).
وقال غيرُه: خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دُفنت قال لأصحابه: قفوا حتى آتي قبورَ الأحبَّة. فأتاهم فجعل يبكي ويدعو، إذْ هتفَ به الترابُ فقال: يا عمر ألا تسألُني ما فعلتُ بالأحبَّة؟ قال: قلتُ: وما فعلتَ بهم؟ قال: مزَّقْتُ الأكفان، وأكلتُ اللحوم، وشدَخْتُ المقلتين، وأكلتُ الحدقَتْين، ونَزَعْتُ الكفَّين من السَّاعدَيْنِ، والساعدَيْن من العَضُدَيْن، والعضدَيْن من المنكبَيْن، والمنكبينِ من الصُّلب، والقدَمَيْنِ من الساقَيْن، والساقينِ من الفخِذَيْن، والفخذينِ من الوَرْك، والوَرْكَ من الصُّلب. وعمر يبكي، فلما أراد أن يذهب قال له: يا عمر، أدلُّك على أكفانٍ لا تبلَى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى الله والعمل الصالح (٤).
وقال مرة لرجل من جلسائه: لقد أرقتُ الليلةَ مفكِّرًا، قال: وفيمَ يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنِه، إنك لو رأيتَ الميت بعد ثلاث في قبره، وما صار إليه، لاستوحشتَ من قربِه بعد طولِ الأُنس منك بناحيته، ولرأيتَ بيتًا تجولُ فيه الهوامُّ ويجري فيه الصديد، وتخترقُ فيه الديدان، مع تغيُّر الريح، وبِلَى الأكفان بعد حُسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب، قال: ثم شهق شهقة خرَّ مغشيًّا عليه (٥).
стр. 4538
وقال مقاتلُ بن حيَّان: صلَّيتُ وراءَ عمرَ بنِ عبد العزيز فقرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] فجعل يكرِّرها وما يستطيعُ أنْ يتجاوزها (١).
وقالتِ امرأتُه فاطمة: ما رأيتُ أحدًا أكثرَ صلاةً وصيامًا منه، ولا أحدًا أشدَّ فرَقَا من ربِّه منه، كان يصلِّي العشاء ثم يجلسُ يبكي حتى تغلِبَه عيناه، ثم ينتبه فلا يزالُ يبكي حتى تغلبه عيناه (١).
قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش، فيذكرُ الشيء من أمر الآخرة فينتفضُ كما ينتفضُ العصفور في الماء، ويجلسُ يبكي، فأطرَحُ عليه اللحاف رحمة الله له، وأنا أقول: يا ليتَ كان بيننا وبين الخلافة بعدُ المشرقَيْن، فو الله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها (٢).
وقال علي بن زيد: ما رأيتُ رجلينِ كأنَّ النار لم تُخلَقْ إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز (٣).
وقال بعضهم: رأيتُه يبكي حتى بكى (٤) دمًا. قالوا: وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. الآية، ويقرأ: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧]. ونحو هذه الآيات (٤).
وكان يجتمع إليه كل ليلة أصحابُه من الفقهاء، فلا يذكرون إلَّا الموتَ والآخرة. ثم يبكون حتى كأنَّ بينهم جنازة (٥).
وقال أبو بكر الصولي عن المبرِّد: كان عمر بن عبد العزيز يتمثَّلُ بقولِ الشاعر:
فما تزود مما كانَ يجمعهُ … سوى حَنُوطٍ غداةَ البينِ في خِرَقِ
وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشبُّ لهُ … وقلَّ ذلكَ من زادٍ لمنطلقِ
بأيِّما بلدٍ كانتْ منيتُه … إنْ لا يسِرْ طائعًا في قصدِها يُسَقِ (٦)
ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازةٍ إلى قوم قد تلثَّموا من الغُبار والشمس، وانحازوا إلى الظِّلّ، فبكى وأنشأ يقول (٧):
مَنْ كانَ حينَ تصيبُ الشمسُ جبهتَهُ … أو الغبارُ يخافُ الشَّيْنَ والشَّعَثا
стр. 4539
ويألفُ الظلَّ كي تبقى بشاشتُهُ … فسوفَ يسكنُ يومًا راغِمًا جَدَثا
في قعر مظلمةٍ غبراءَ موحشةٍ … يُطيلُ في قعرِها تحتَ الثرى لَبَثا (١)
تجهزي بجهازٍ تبلغينَ بهِ … يا نفسُ قبلَ الرَّدَى لم تُخلقي عَبثًا (٢)
وقال المفضَّل بن غسَّان الغَلابي (٣): كان عمر بن عبد العزيز لا يجفُّ فُوهُ من هذا البيت:
ولا خيرَ في عيشِ امرئٍ لم يكنْ لهُ … منَ اللهِ في دارِ القرارِ نصيبُ
وزاد غيره معه بيتًا حسنًا وهو قوله:
فإنْ تُعجبِ الدنيا أناسًا فإنَّها … متاعٌ قليلٌ والزوالُ قريبُ
ومن شعره الذي أنشدَهُ ابنُ الجَوْزي:
أنا مَيْتٌ وعزَّ منْ لا يموتُ … قدْ تيقَّنْتُ أنَّني سأموتُ
стр. 4540
ليسَ مُلكٌ يزيلهُ الموتُ مُلْكًا … إنما الملكُ مُلْكُ منْ لا يموتُ
وقال عبد الله بن المبارك: كان عمر بن عبد العزيز يقول:
تُسرُّ بما يَبْلَى (١) وتفرحُ بالمُنى … كما اغترَّ باللذاتِ في النومِ حالمُ
نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ … وليلكَ نومٌ والردى لكَ لازمُ
وسعيُكَ فيما سوفَ تكرهُ غِبَّهُ … كذلكَ في الدنيا تعيشُ البهائمُ (٢)
وقال محمد بن كثير: قال عمر بن عبد العزيز يلومُ نفسه ويعاتبُها:
أيقظانُ أنتَ اليومَ أم أنتَ نائمُ … وكيفَ يطيقُ النَّومَ حيرانُ هائمُ
فلو كنتَ يقظانَ الغداة لحرَّقتْ … مدامعَ (٣) عينيكَ الدموعُ السواجمُ
نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ … وليلك نوم والرَّدَى لك لازمُ
وتُشغلُ فيما سوف تكرَهُ غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيش البهائم (٤)
وروى ابنُ أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنتِ عبدِ الملك قالت: انتبه عمر ذات ليلةٍ وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا مُعجبة، فقلت: أخبرني بها، فقال: حتى نُصبح؛ فلمَّا صلَّى الصبحَ بالمسلمين، ثم دخل سألته عنها، فقال: رأيتُ كأني دُفعت إلى أرضٍ خضراءَ واسعة، كأنها بساطٌ أخضر وإذا فيها قصرٌ كأنَّه الفضة، فخرج منه خارج فنادَى أين محمد بن عبد الله، أين رسولُ الله؟ إذْ أقبل رسولُ الله ﷺ ، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخرُ فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادَى: أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادى أين عثمان بن عفان؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عليُّ بن أبي طالب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادى أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمتُ فدخلت فجلست إلى جانب أبي عمرَ بنِ الخطاب، وهو عن يسارِ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وبينه وبين رسول الله ﷺ رجل، فقلت: لأبي: منْ هذا؟ قال: هذا عيسى ابنُ مريم، ثم سمعتُ هاتفًا يهتِفُ بيني وبينه نورٌ لا أراه، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسَّكْ بما أنتَ عليه، واثبُتْ على ما أنت
стр. 4541
عليه، قال: ثم كأنه أذنَ لي في الخروج فخرجتُ، فالتفتُّ فإذا عثمانُ بن عفَّان وهو خارج من القصر وهو يقول: الحمد لله الذي نصرَني ربي، وإذا عليٌّ في إثره وهو يقول: الحمد لله الذي غفَرَ لي ربي (١).
فصل (٢)
وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الذي رواهُ أبو داود في سُننه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة منْ يجدِّدُ لها أمرَ دينها" (٣). فقال جماعةٌ من أهل العلم منهم أحمدُ بن حنبل - فيما ذكرهُ ابنُ الجوزي وغيره -: إنَّ عمرَ بن عبد العزيز كان على رأسِ المئةِ الأولى؛ وقال آخرون: هو من جملة من جدَّد الله به أمر الدين على رأس المئة الأولى - وإنْ كان هو أوْلَى منْ دخل في ذلك وأحق، لإمامته وعموم ولايته، وقيامه واجتهادِه في تنفيذِ الحق، فقد كانتْ سيرتُه شبيهةً بسيرةِ عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما يتشبَّهُ به.
وقد جمعَ الشيخ أبو الفرج بن الجَوْزي سيرة العمرين، عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقد أفردْنا سيرةَ عمر بن الخطاب في مجلدٍ على حِدة، ومسندَه في مجلدٍ ضَخْم؛ وأمَّا سيرة عمر بن عبد العزيز، فقد ذكرنا منها طرفًا صالحًا هنا، يُستدلُّ به على ما لم نذكره.
وقد كان عمر ﵀ يُعطي منِ انقطعَ إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها، للفقهِ ونشرِ العلم وتلاوة القرآن، في كلِّ عام من بيت المال مئة دينار، وكان يكتبُ إلى عُمَّاله أنْ يأخذوا النَّاسَ بالسنَّة، ويقول: إنْ لم تصلحْهم السُّنَّة فلا أصلحَهم الله. وكتب إلى سائر البلاد أنْ لا يركبَ ذِمِّيٌّ من اليهود والنصارى (٤) وغيرِهم على سرج، ولا يلبس قباءً ولا طيلسانًا ولا سراويل ذات خَدَمة (٥)، ولا يمشينَّ أحدٌ منهم إلا بزُنَّار من جلْد، وهو مقرون الناصية، ومن وُجد منهم في منزله سلاحٌ أخذ منه.
وكتب أيضًا أنْ لا يُستعمل على الأعمال إلا أهلُ القرآن، فإنْ لم يكنْ عندَهم خيرٌ فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير.
стр. 4542
وكان يكتبُ إلى عمَّاله: اجتنبوا الأشغال عند حضورِ الصلوات، فإنَّ منْ أضاعَها فهو لما سواها من شرائع الإسلام أشدُّ تضييعًا.
وقد كان يكتبُ الموعظةَ إلى العامل من عماله فينخَلِعُ منها، وربما عزَلَ بعضُهم نفسَه عن العمالة وطوى البلاد من شدَّة ما تقعُ موعظتُه منه، وذلك أنَّ الموعظة إذا خرجتْ من قلب الواعظ دخلتْ قلبَ الموعوظ (١). وقد صرَّح كثيرٌ من الأئمة بأنَّ كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة، وقد كتب إليه الحسن البصري بمواعظَ حسان ولو تقصَّينا ذلك لطال به هذا الفصل. ولكن قد ذكرنا ما فيه إشارةٌ إلى ذلك.
وكتب إلى بعض عماله: أما بعد، فإني أذكِّرك ليلة تمخَّضُ بالساعةِ وصباحُها القيامة، فيا لها من ليلة، ويا له من صباح، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] وكتب إلى آخر: أذْكِّركَ طولَ سهرِ أهل النار في النار مع خلودِ الأبد، وإيَّاك أنْ ينصرفَ بك من عند الله، فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاءِ منك. قالوا: فخلَعَ هذا العاملُ نفسَه من العمالة، وقدم على عمر فقال له: ما لك؟ فقال: خلعتَ قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين، والله لا أعودُ إلى ولايةٍ أبدًا.
فصل
وفد ردَّ جميعَ المظالم كما قدَّمنا (٢)، حتى إنَّه ردَّ فصَّ خاتم كان في يدِه، وقال: أعطانيه الوليدُ من غير حقِّه؛ وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في المَلْبس والمأكل والمتاع، حتى إنَّه ترك التمتُّع بزوجته فاطمة، وكانت من أحسن النساء، وبنت عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ويقال: إنه ردَّ جهازها وما كان من أموالها إلى بيتِ المال، والله أعلم. وقد كان دخْلُه في كلِّ سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترَك ذلك كلَّه حتى لم يبقَ له دَخْلٌ سوى أربعمئة دينار في كلِّ سنة، وكان حاصله حين ولي الخلافة ثلاثمئة درهم، وكان له من الأولاد جماعة، وكان ابنُه عبدُ الملك أجلَّهم، فماتَ في حياته في زمن خلافته، ويقال إنه كان خيرًا من أبيه، فلما مات لم يُظهر عليه حُزنًا، وقال: أمر رضيه الله فلا أكرهه، وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولي الخلافة كان بعد ذلك يلبس القميص الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدًّا، ويقول: ما أحسنَه لولا لينه. وكان يلبسُ الفروةَ الغليظة، وكان سراجُه على ثلاث قصبات في رأسهن طين، ولم يَبن شيئًا
стр. 4543
في أيام خلافته، وكان يخدُم نفسَه بنفسه، وقال: ما تركتُ شيئًا من الدنيا إلا عوَّضني الله ما هو خيرٌ منه، وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضًا، ولا يُبالي بشيءٍ من النعيم، ولا يُتبعه نفسَه ولا يودُّه. حتى قال أبو سليمان الداراني: كان عمر بن عبد العزيز أزهدَ من أويس القَرَني، لأنَّ عمر ملك الدنيا بحذافيرِها وزَهِد فيها، ولا ندري حالَ أويسٍ لو ملك ما ملكَهُ عمر كيف يكون؟ ليس منْ جرّب كمن لم يجرّب.
وتقدَّم (١) قولُ مالك بن دينار كان يقول الناس: مالك زاهد، إنما الزاهدُ عمر بن عبد العزيز. أتته الدنيا فاغرة فاها فردَّها.
وقال عبدُ الله بن دينار: لم يكنْ عمر يرتزقُ من بيت المال شيئًا؛ وذكروا أنه أمر جارية تروّحه حتى ينام فروَّحته، فنامتْ هي، فأخذ المِرْوحة من يدها وجعل يروَّحُها ويقول: أصابكِ من الحرِّ ما أصابني.
وقال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا.
ويقال: إنه كان يلبسُ تحت ثيابه مِسْحًا غليظًا من شعر، ويضع في رقبته غُلًّا إذا قام يصلِّي من الليل، ثم إذا أصبح وضعه في مكان وختم عليه فلا يشعر به أحد، وكانوا يظنُّونه مالًا أو جوهرًا من حِرْصه عليه، فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غُلٌّ ومِسْح.
وكان يبكي حتى بكى الدَّمَ مع الدموع، ويقال: إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعُه من الميزاب.
وكان يأكلُ من العدَس ليرقَّ قلبُه ويغزر دمعه؛ وكان إذا ذُكر الموت اضطربتْ أوصاله.
وقرأ رجلٌ عنده ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] فبكى بكاءً شديدًا، ثم قام فدخل منزله وتفرَّق الناس عنه.
وكان يُكثر أن يقول: اللهمَّ سلِّمْ سلِّمْ، وكان يقول: اللهمَّ أصلحْ منْ كان في صلاحِه صلاحٌ لأمة محمد ﷺ ، وأهلِك منْ كان في هلاكه صلاحُ أمةِ محمد ﷺ .
وقال: أفضلُ العبادةِ أداءُ الفرائضِ واجتنابُ المحارم.
وقال: لو أنَّ المرء لا يأمرُ بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى يُحكم أمرَ نفسه لتواكَلَ الناس الخير، ولذهب الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر.
ولقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة.
وقال: الدنيا عدوَّةُ أولياء الله، وعدوَّةُ أعداءِ الله، أمَّا الأولياء فغمَّتهم وأحزنتْهم، وأمَّا الأعداء فغرَّتْهم وشتَّتَتْهم وأبعدَتْهم عن الله.
стр. 4544
وقال: قد أفلح منْ عُصم من المِرَاء والغضَب والطمع.
وقال لرجل: منْ سيَّدُ قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنتَ كذلك لم تقلْه.
وقال: أزهدُ الناس في الدنيا عليُّ بن أبي طالب.
وقال: لقد بورك لعبدٍ في حاجةٍ أكثرَ فيها سؤالَ ربِّه، أُعطي أو مُنع (١).
وقال: قَيَّدوا العلم بالكتاب.
وقال لرجُل: علِّمْ ولدَك الفقه الأكبر: القناعةَ وكفَّ الأذى. وتكلَّم رجلٌ عنده فأحسن، فقال: هذا هو السحرُ الحلال.
وقصَّتُه مع أبي حازم مطوَّلةٌ حين رآه خليفة وقد شَحُبَ وجهُه من التقشُّف: وتغيَّرَ حالُه، فقال له: ألم يكنْ ثوبُك نقيًّا؟ ووجهُك وضيًّا؟ وطعامُك شهيًّا؟ ومركبك وطيًّا؟ فقال له: ألم تخبرْني عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ من ورائكم عقبة كئودًا لا يجوزها إلَّا كلُّ ضامرٍ مَهْزولٍ"؟ ثم بكى حتى غُشي عليه. ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أنَّ القيامة قد قامتْ، وقد استُدعي بكلٍّ من الخلفاء الأربعة، فأُمر بهم إلى الجنة، ثم ذكر من بينه وبينهم فلم ير ما صُنع بهم، ثم دُعي هو فأُمِرَ به إلى الجنة، فلما انفصل لقيه سائلٌ فسأله عما كان من أمره فأخبره، ثم قال للسائل: فمن أنت؟ قال: أنا الحجَّاج بن يوسف، قتلني ربِّي بكلِّ قتلة قتلة، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدودن (٢).
وفضائلُه ومآثرُه كثيرةٌ جدًّا. وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد والمنة، وهو حسبُنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة لنا إلا به.
ذكر سبب وفاته ﵀
كان سببها السِّلّ، وقيل: سَبَبُها أنَّ مولًى له سمَّهُ في طعامٍ أو شراب، وأُعطي على ذلك ألف دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمتُ يوم سُقيت السُّم، ثم استدعَى مولاه الذي سقاه، فقال له: ويحك!! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألفُ دينار أُعطيتها. فقال: هاتها، فأحضرَها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهبْ حيثُ لا يراك أحد فتهلِك. ثم قيل لعمر: تداركْ نفسَك، فقال: والله لو أنَّ شفائي أنْ أمسَّ شحمةَ أُذني أو أُوتى بطِيب فأشمَّه ما فعلتُ. فقيل له: هؤلاء بنوك - وكانوا اثني عشر - ألا تُوصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
стр. 4545
الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] والله لا أعطيتُهم حقَّ أحد، وهم بين رجُلَيْن: إمَّا صالح، فالله يتولَّى الصالحين، وإما غير صالح فما كنتُ لأعينَه على فسقه.
وفي رواية: فلا أبالي في أيِّ وادٍ هلكَ. وفي رواية: أفأدعُ له ما يستعينُ به على معصيةِ الله فأكونَ شريكه فيما يعملُ بعد الموت؟ ما كنتُ لأفعل. ثم استدعى بأولاده فودَّعهم وعزَّاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال انصرفوا عصمَكم الله وأحسنَ الخلافةَ عليكم. قال: فلقد رأينا بعضَ أولادِ عمر بن عبد العزيز يحملُ على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعضُ أولادِ هشام بن عبد الملك - مع كثرةِ ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأنَّ عمر وكَلَ ولدَهُ إلى الله ، وهشام وغيرُه إنما يكِلُون أولادَهم إلى ما يدَعُون لهم، فيضيعون وتذهب أموالُهم في شهواتِ أولادِهم (١).
وقال يعقوبُ بن سفيان (٢): حدّثنا أبو النعمان حدّثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوب قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيتَ المدينة، فإنْ قضَى الله موتًا كنت موضع (٣) القبرِ الرابع مع رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمر. فقال: والله لأنْ يعذِّبني الله بكلِّ عذاب، إلا النار، فإئه لا صبر لي عليها، أحبُّ إليَّ من أنْ يعلم الله من قلبي أني لذلك الموضع أهل.
قالوا: وكان مرضُه بدير سَمْعان من قرى حمص وكانت مدة مرضه عشرين يومًا، ولما احتضر قال: أجلسوني، فأجلسوه فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصَّرت، ونهيتني فعصَيْت - ثلاثًا - ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنسٍ ولا جان، ثم قبض من ساعته (٤).
وفي رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عني، فخرجوا وجلس على الباب مسلمةُ بن عبد الملك وأخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليستْ بوجوه إنسٍ ولا جانٍ ثم قرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ثم هدأ الصوت، فدخلوا عليه فوجدوه قد غُمض وسُوِّي إلى القِبلة وقُبض (٤).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن الدَّرَاوَرْديّ، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبَّتْ ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب،
стр. 4546
فقرؤوها، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، براءةٌ من الله لعمرَ بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه (١).
وقد روي نحو هذا من وجهٍ آخر (٢)
وروى ابنُ عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل (٣) بسنده عن عُمير بن حُباب السُّلَمي (٤)، قال: أُسرتُ أنا وثمانية في زمن بني أميَّة، فأمر ملك الروم بضرْب رقابِنا، فقُتل أصحابي وشفع فيَّ بطريقٌ من بطارقةِ الملك، فأطلقني له، فأخذني إلى منزله، وإذا له ابنةٌ مثل الشمس، فعرَضها عليَّ وعلى أنْ يقاسمني نعمتَه وأدخل معه في دينه، فأبيت، وخلَتْ بي ابنتُه، فعرَضتْ نفسَها عليَّ فامتنعتُ، فقالت: ما يمنعُكَ من ذلك؟ فقلت: يمنعني ديني، فلا أترك ديني لامرأة ولا لشيء. فقالت: تريدُ الذهابَ إلى بلادك؟ قلت: نعم، فقالت: سرْ على هذا النجم بالليل واكمُنْ بالنهار، فإنَّه يلقيك (٥) إلى بلادك. قال: فسرتُ كذلك، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مُكْمنٌ إذا بخيل مقبلة فخَشيتُ أنْ تكون في طلبي، فإذا أنا بأصحابي الذين قُتلوا معهم آخرون على دوابَّ شُهب، فقالوا: عمير؟ فقلت: عمير. فقلت لهم: أو ليس قد قُتلتم؟ قالوا: بلى، ولكن الله نشر الشهداء وأذِنَ لهم أن يشهدوا جنازةَ عمرَ بنِ عبد العزيز. قال: ثم قال لي بعضُهم: ناولْني يدَك يا عُمير. فأردفَني، فسرْنا يسيرًا ثم قذف بي قذفةً وقعتُ قربَ منزلي بالجزيرة، من غير أن يكون لحقني شرّ.
وقال رجاء بن حَيْوة: كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إليَّ أنْ أغسِّله وأكفِّنه وأدفنه، فإذا حللتُ عقدةَ الكفَن أن أنظر في وجهه قال: ففعلتُ فإذا وجهه مثل القراطيس بياضًا، وكان قد أخبرني أنه دفن ثلاثة من الخلفاء فيحل عن وجوههم فإذا هي مسودَّة (٦).
وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك (٧) قال: بينما نحن نسوِّي الترابَ على قبر عمر بن عبد العزيز إذْ سقط علينا من السماء كتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز
стр. 4547
من النار. ساقه من طريق إبراهيم بن بشار عن عباد بن عمرو عن محمد بن يزيد البصري عن يوسف بن ماهك … فذكره؛ وفيه غرابة شديدة والله أعلم.
وقد (١) رُئيتْ له مناماتٌ صالحة، وتأسَّف عليه الخاصَّةُ والعامَّة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد، ورثاه الشعراء، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكُثَيِّر عرَّة يرثي عمر:
عمَّتْ صنائعُهُ فعمَّ هلاكُهُ … فالناسُ فيهِ كلُّهمْ مأجورُ
والناسُ مأتمهمْ عليهِ واحدٌ … في كل دارٍ رَنَّةٌ وزفيرُ
يُثني عليكَ لسانُ منْ لم تولهِ … خيرًا لأنَّكَ بالثناءِ جديرُ
ردَّتْ صنائعُهُ عليه حياتَهُ … فكأنهُ منْ نشرها منشورُ
وقال جرير (٢) يرثي عمرَ بن عبد العزيز ﵀:
يَنْعى النعاةُ أميرَ المؤمنينَ لنا … يا خيرَ منْ حجَّ بيتَ اللهِ واعتمرا
حُمِّلتَ أمرًا عظيمًا فاضطلعتَ بهِ … وسرتَ فيهِ بأمرِ اللهِ ياعمرا
الشمسُ كاسفةٌ ليستْ بطالعةٍ … تبكي عليكَ نجومُ الليل والقمرا (٣)
وقال محاربُ بن دِثَار ﵀ يَرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
لو أعظمَ الموتُ خلقًا أن يواقعهُ … لعدلِه لمْ يصبكَ الموتُ يا عمر
كمْ منْ شريعةِ عَدْلٍ قدْ نعشتَ لهم … كادَتْ تموتُ وأخرى منكَ تنتظرُ
يا لهفَ نفسي ولهفَ الواجدينَ معي … على العُدولِ التي تغتالها الحفرُ
ثلاثةٌ ما رأتْ عيني لهم شبهًا … تضمُّ أعظُمَهم في المسجدِ الحُفَرُ
وأنتَ تتبعهمْ لمْ تألُ مجتهدًا … سقيًا لها سننٌ بالحق تُفْتقرُ
لوْ كنتُ أملكُ والأقدارُ غالبةٌ … تأتي رواحًا وتبيانًا وتبتكرُ
صرفتُ عن عمر الخيراتِ مصرعَهُ … بديرِ سمعانَ لكنْ يغلِبُ القدَرُ (٤)
قالوا: وكانت وفاته بدَيْر سَمْعان من أرضِ حمص، يوم الخميس، وقيل الجمعة لخمس مضَيْن، وقيل بقَينَ من رجب، وقيل لعشر بقَينَ منه، سنة إحدى وقيل ثنتين ومئة. وقال الهيثم بن عدي: توفي في جمادى سنة ثنتين ومئة، وصلَّى عليه ابنُ عمه مَسْلمة بنُ عبد الملك؛ وقيل: صلى عليه يزيد بن
стр. 4548
عبد الملك؛ وقيل: ابنُه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وكان عمره يومَ مات تسعًا وثلاثين سنة وأشهرًا، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر، وقيل بسنة. وقيل بأكثر، وقيل إنه عاش ثلاثًا وثلاثين سنة (١)، وقيل ستًا وثلاثين، وقيل سبعًا وثلاثين، وقيل ثمانيًا وثلاثين سنة، وقيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ولم يبلغْها.
وقال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: مات على رأس خمسٍ وأربعين سنة. قال ابن عساكر (٢): وهذا وهم، والصحيح الأول، تسعًا وثلاثين سنة وأشهرًا. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل أربعة عشر يومًا، وقيل سنتان ونصف.
وكان ﵀ أسمر، دقيقَ الوجه حسنهُ، نحيفَ الجسم، حسنَ اللحية، غائرَ العينين، بجبهته أثرُ شجَّة وكان قد شابَ وخضب ﵀ (٣)، والله سبحانه أعلم (٤).
خلافة يزيد بن عبد الملك
بُويع له بعهدٍ من أخيه سليمان بن عبد الملك أنْ يكونَ وليَّ الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفي عمر في رجب من هذه السنة - أعني سنة إحدى ومئة - بايعه الناس البيعةَ العامَّة، وعمره إذ ذاك تسعٌ وعشرون سنة، فعزَل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وولَّى عليها عبدَ الرحمن بن الضحَّاك بن قيس، فجرَتْ بينه وبين أبي بكر بن حَزْمٍ منافسات وضغائن، حتى آل الأمر إلى أنِ استدرك عليه حكومة، فحدَّهُ حدَّين فيها.
وفيها كانت وقعةٌ بين الخوارج، وهم أصحاب بسطام الخارجي، وبين جند الكوفة، وكان الخوارجُ جماعة قليلة، وكان جيش الكوفة نحوًا من عشرة آلاف فارس، وكادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنًا عظيمًا، وقتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرًا (١).
وفيها خرج يزيدُ بن المهلب فخلَع يزيدَ بن عبد الملك، واستحوذ على البصرة، وذلك بعد محاصرةٍ طويلة، وقتالٍ طويل؛ فلما ظهر عليها بسط العدلَ في أهلها، وبذَلَ الأموال، وحبس عاملَها عديَّ بنَ أرْطاة، لأنه كان قد حبس آلَ المهلَّب الذين كانوا بالبصرة، حين هرب يزيدُ بن المهلَّب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا (٢)، وكان لما ظهر على قصر الإمارة أتى بعديِّ بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك، فقال يزيدُ بن المهلب: إني لأعجبُ من ضَحِكك، أنك هربتَ من الفتالَ كما تهربُ النساء! وإنك جئتني وأنت تُتلُّ كما يُتلُّ العبد! فقال عدي: إني لأضحكُ لأنَّ بقائي بقاءٌ لك، وأنَّ منْ ورائي طالبًا لا يتركُني، قال: ومنْ هو؟ قال: جنودُ بني أمية بالشام، ولا يتركونك، فداركْ نفسَك قبل أنْ يرميَ إليك البحر بأمواجه، فتطلب الإقالةَ فلا تُقال. فردَّ عليه يزيدُ جوابَ ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، واستقرَّ أمرُ يزيدَ بنِ المهلَّب على البصرة، وبعث نوابه في النواحي والجهات، واستناب في الأهواز، وأرسل أخاه مدرك بن المهلَّب على نيابة خُراسان، ومعه جماعةٌ من المقاتلة، فلما بلغ خبره على الجليَّة إلى أمير المؤمنين (٣) يزيد بن عبد الملك جهَّز ابنَ أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف، مقدّمةَ بين يدي عمه مَسْلمة بن عبد الملك، وهو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتال يزيد بن
стр. 4554
المهلب، ولما بلغ يزيدَ بن المهلب مخرجُ الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلَّب، وجاء حتى نزل واسط، واستشار من معه من الأمراء في ماذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأي، فأشار عليه بعضُهم بأن يسيرَ إلى الأهْواز فيتحصَّن في رؤوس الجبال، فقال: إنما تريدون أنْ تجعلوني طائرًا في رأسِ جبل؟ وأشار عليه بعضُهم أن يسير إلى الجزيرة فينزلها ويتحصن بأجودِ حصنٍ فيها، وينغِّص عليه رجالُ أهلِ العراق، ويجتمعُ عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام في سفرٍ رفيقٍ رخيص.
وانسلختْ هذه السنة وهو نازلٌ بواسط والجيشُ الشامي قاصدٌ إليه.
وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، وعلى مكة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى البصرة يزيدُ بن المهلب، قد استحوذ عليها وخلع أمير المؤمنين يزيدَ بن عبد الملك.
وفيها توفي مع عمر بن عبد العزيز:
رِبْعيُّ بن حِرَاش، ومسلم بن يسار، وأبو صالح السمان، وكان عابدًا صادقًا ثبتًا، وقد ترجمناه في كتابنا التكميل ولله الحمد والمنّة.
ثم دخلت سنة ثنتين ومئة
فيها كان اجتماعُ مَسْلَمة بنِ عبد الملك مع يزيدَ بنِ المهلب، وذلك أنَّ يزيدَ بن المهلب ركب من واسط، واستخلف عليها ابنهُ معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانًا يقالُ له العَقْر، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنودٍ لا قِبلَ ليزيدَ بها، وقد التقتِ المقدّمتان أولًا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم أهلُ البصرة أهلَ الشام، ثم تذامر أهلُ الشام فحملوا على أهل البصرة فكشفوهم وهزموهم، وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المَنْتُوف، وكان شجاعًا مشهورًا، وكان من موالي بكرِ بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق (١):
تُبَكِّي على المَنْتُوف بكرِ بنِ وائل … وتنهَى عن ابني مسمعٍ مَنْ بكاهما
فأجابه الجَعْد بن دِرهم مولى الثوريين من هَمْدان، وهذا الرجل هو أولُ الجَهْميَّة، وهو الذي ذبحه خالدُ بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد:
стр. 4555
نُبكِّي على المنتوفِ في نصرِ قومهِ … ولسنا نبكِّي الشائدَيْنِ أباهما (١)
أرادا فناءَ الحيِّ بكرِ بنِ وائلٍ … فعزُّ تميمٍ لو أُصيبَ فِناهما
فلا لقيا روحًا من اللهِ ساعةً … ولا رقأتْ عينا شجيٍّ بكاهما
أفي الغشِّ نبكي إنْ بكينا عليهما … وقد لقيا بالغِشِّ فينا رداهما (٢)
ولما اقترب مَسْلمةُ وَابْنُ أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيدَ بنِ المهلب، خطب يزيدُ بن المهلَّب الناس وحرَّضهم على القتال - يعني قتالَ أهلِ الشام - وكان مع يزيد نحوٌ من مئة ألف، وعشرين ألفًا، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتابِ الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تُعاد عليهم سيرة الفاسق الحجَّاج، ومنْ بايعَنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفَنا قاتلْناه.
وكان الحسن البصريّ في هذه الأيام يحرِّضُ الناس على الكفّ وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشدَّ النهي، وذلك لما وقع من الشرِّ الطويل العريض في أيام ابنِ الأشعث، وما قُتل بسببها من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطبُ الناسَ ويعظهم في ذلك، ويأمرُهم بالكفّ، فبلغ ذلك نائبَ البصرة عبدَ الملك بن المهلَّب (٣)، فقام في الناس خطيبًا، فأمرهم بالجدِّ والجِهاد، والنفير إلى القتال، ثم قال: ولقد بلَغني أنَّ هذا الشيخ الضالَّ المُرائي - ولم يسمِّه - يثبِّطُ الناس، أما والله ليكفَّنَّ عن ذلك أو لأفعلنَّ ولأفعلنّ، وتوعَّد الحسن، فلما بلغ الحسنَ قولُه قال: أما والله ما أكره أنْ يكرمني الله بهوانه، فسلَّمه الله منه، حتى زالتْ دولتهم، وذلك أنَّ الجيوش لما تواجهتْ تبارزَ الناسُ قليلًا، ولم تنشَب الحَرْبُ شديدًا، فلم يثبُتْ أهلُ العراق حتى فرُّوا سريعًا، وبلغهم أنَّ الجسر الذي جاؤوا عليه قد خرق فانهزموا، فقال يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ ولم يكن من الأمر ما يضر من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه قد خرق. فقال: قبَّحهم الله. ثم رامَ أنْ يردَّ المنهزمين فلم يمكنه ذلك، فثبَتَ في عصابةٍ من أصحابه وجعل بعضُهم يتسلَّلون منه حتى بقي في شِرْذمة منهم، وهو مع ذلك يسيرُ قُدمًا لا يمرُّ بخيل إلا هزمهم، وأهلُ الشام يَنْحازون عنه يمينًا وشمالًا، وقد قُتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حَنَقًا وغيظًا، وهو على فرس له أشْهب، ثم قصد نحو مَسْلمة بن عبد الملك لا يُريدُ غيره، فلما واجهه حملتْ عليه خيولُ الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلَّب، وقتلوا