← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4553

خلافة يزيد بن عبد الملك بُويع له بعهدٍ من أخيه سليمان بن عبد الملك أنْ يكونَ وليَّ الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفي عمر في رجب من هذه السنة - أعني سنة إحدى ومئة - بايعه الناس البيعةَ العامَّة، وعمره إذ ذاك تسعٌ وعشرون سنة، فعزَل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وولَّى عليها عبدَ الرحمن بن الضحَّاك بن قيس، فجرَتْ بينه وبين أبي بكر بن حَزْمٍ منافسات وضغائن، حتى آل الأمر إلى أنِ استدرك عليه حكومة، فحدَّهُ حدَّين فيها. وفيها كانت وقعةٌ بين الخوارج، وهم أصحاب بسطام الخارجي، وبين جند الكوفة، وكان الخوارجُ جماعة قليلة، وكان جيش الكوفة نحوًا من عشرة آلاف فارس، وكادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنًا عظيمًا، وقتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرًا (١). وفيها خرج يزيدُ بن المهلب فخلَع يزيدَ بن عبد الملك، واستحوذ على البصرة، وذلك بعد محاصرةٍ طويلة، وقتالٍ طويل؛ فلما ظهر عليها بسط العدلَ في أهلها، وبذَلَ الأموال، وحبس عاملَها عديَّ بنَ أرْطاة، لأنه كان قد حبس آلَ المهلَّب الذين كانوا بالبصرة، حين هرب يزيدُ بن المهلَّب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا (٢)، وكان لما ظهر على قصر الإمارة أتى بعديِّ بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك، فقال يزيدُ بن المهلب: إني لأعجبُ من ضَحِكك، أنك هربتَ من الفتالَ كما تهربُ النساء! وإنك جئتني وأنت تُتلُّ كما يُتلُّ العبد! فقال عدي: إني لأضحكُ لأنَّ بقائي بقاءٌ لك، وأنَّ منْ ورائي طالبًا لا يتركُني، قال: ومنْ هو؟ قال: جنودُ بني أمية بالشام، ولا يتركونك، فداركْ نفسَك قبل أنْ يرميَ إليك البحر بأمواجه، فتطلب الإقالةَ فلا تُقال. فردَّ عليه يزيدُ جوابَ ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، واستقرَّ أمرُ يزيدَ بنِ المهلَّب على البصرة، وبعث نوابه في النواحي والجهات، واستناب في الأهواز، وأرسل أخاه مدرك بن المهلَّب على نيابة خُراسان، ومعه جماعةٌ من المقاتلة، فلما بلغ خبره على الجليَّة إلى أمير المؤمنين (٣) يزيد بن عبد الملك جهَّز ابنَ أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف، مقدّمةَ بين يدي عمه مَسْلمة بن عبد الملك، وهو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتال يزيد بن

стр. 4554

المهلب، ولما بلغ يزيدَ بن المهلب مخرجُ الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلَّب، وجاء حتى نزل واسط، واستشار من معه من الأمراء في ماذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأي، فأشار عليه بعضُهم بأن يسيرَ إلى الأهْواز فيتحصَّن في رؤوس الجبال، فقال: إنما تريدون أنْ تجعلوني طائرًا في رأسِ جبل؟ وأشار عليه بعضُهم أن يسير إلى الجزيرة فينزلها ويتحصن بأجودِ حصنٍ فيها، وينغِّص عليه رجالُ أهلِ العراق، ويجتمعُ عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام في سفرٍ رفيقٍ رخيص. وانسلختْ هذه السنة وهو نازلٌ بواسط والجيشُ الشامي قاصدٌ إليه. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، وعلى مكة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى البصرة يزيدُ بن المهلب، قد استحوذ عليها وخلع أمير المؤمنين يزيدَ بن عبد الملك. وفيها توفي مع عمر بن عبد العزيز: رِبْعيُّ بن حِرَاش، ومسلم بن يسار، وأبو صالح السمان، وكان عابدًا صادقًا ثبتًا، وقد ترجمناه في كتابنا التكميل ولله الحمد والمنّة. ثم دخلت سنة ثنتين ومئة فيها كان اجتماعُ مَسْلَمة بنِ عبد الملك مع يزيدَ بنِ المهلب، وذلك أنَّ يزيدَ بن المهلب ركب من واسط، واستخلف عليها ابنهُ معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانًا يقالُ له العَقْر، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنودٍ لا قِبلَ ليزيدَ بها، وقد التقتِ المقدّمتان أولًا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم أهلُ البصرة أهلَ الشام، ثم تذامر أهلُ الشام فحملوا على أهل البصرة فكشفوهم وهزموهم، وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المَنْتُوف، وكان شجاعًا مشهورًا، وكان من موالي بكرِ بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق (١): تُبَكِّي على المَنْتُوف بكرِ بنِ وائل … وتنهَى عن ابني مسمعٍ مَنْ بكاهما فأجابه الجَعْد بن دِرهم مولى الثوريين من هَمْدان، وهذا الرجل هو أولُ الجَهْميَّة، وهو الذي ذبحه خالدُ بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد:

стр. 4555

نُبكِّي على المنتوفِ في نصرِ قومهِ … ولسنا نبكِّي الشائدَيْنِ أباهما (١) أرادا فناءَ الحيِّ بكرِ بنِ وائلٍ … فعزُّ تميمٍ لو أُصيبَ فِناهما فلا لقيا روحًا من اللهِ ساعةً … ولا رقأتْ عينا شجيٍّ بكاهما أفي الغشِّ نبكي إنْ بكينا عليهما … وقد لقيا بالغِشِّ فينا رداهما (٢) ولما اقترب مَسْلمةُ وَابْنُ أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيدَ بنِ المهلب، خطب يزيدُ بن المهلَّب الناس وحرَّضهم على القتال - يعني قتالَ أهلِ الشام - وكان مع يزيد نحوٌ من مئة ألف، وعشرين ألفًا، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتابِ الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تُعاد عليهم سيرة الفاسق الحجَّاج، ومنْ بايعَنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفَنا قاتلْناه. وكان الحسن البصريّ في هذه الأيام يحرِّضُ الناس على الكفّ وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشدَّ النهي، وذلك لما وقع من الشرِّ الطويل العريض في أيام ابنِ الأشعث، وما قُتل بسببها من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطبُ الناسَ ويعظهم في ذلك، ويأمرُهم بالكفّ، فبلغ ذلك نائبَ البصرة عبدَ الملك بن المهلَّب (٣)، فقام في الناس خطيبًا، فأمرهم بالجدِّ والجِهاد، والنفير إلى القتال، ثم قال: ولقد بلَغني أنَّ هذا الشيخ الضالَّ المُرائي - ولم يسمِّه - يثبِّطُ الناس، أما والله ليكفَّنَّ عن ذلك أو لأفعلنَّ ولأفعلنّ، وتوعَّد الحسن، فلما بلغ الحسنَ قولُه قال: أما والله ما أكره أنْ يكرمني الله بهوانه، فسلَّمه الله منه، حتى زالتْ دولتهم، وذلك أنَّ الجيوش لما تواجهتْ تبارزَ الناسُ قليلًا، ولم تنشَب الحَرْبُ شديدًا، فلم يثبُتْ أهلُ العراق حتى فرُّوا سريعًا، وبلغهم أنَّ الجسر الذي جاؤوا عليه قد خرق فانهزموا، فقال يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ ولم يكن من الأمر ما يضر من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الذي جاؤوا عليه قد خرق. فقال: قبَّحهم الله. ثم رامَ أنْ يردَّ المنهزمين فلم يمكنه ذلك، فثبَتَ في عصابةٍ من أصحابه وجعل بعضُهم يتسلَّلون منه حتى بقي في شِرْذمة منهم، وهو مع ذلك يسيرُ قُدمًا لا يمرُّ بخيل إلا هزمهم، وأهلُ الشام يَنْحازون عنه يمينًا وشمالًا، وقد قُتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حَنَقًا وغيظًا، وهو على فرس له أشْهب، ثم قصد نحو مَسْلمة بن عبد الملك لا يُريدُ غيره، فلما واجهه حملتْ عليه خيولُ الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلَّب، وقتلوا

стр. 4556

السمَيْذَع، وكان من الشجعان، وكان الذي قتَلَ يزيدَ بن المهلب رجل يقال له القَحْل بن عياش، فقُتل إلى جانب يزيد بن المهلَّب، وجاؤوا برأس يزيدَ إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيدَ بن عبد الملك، واستحوذ مسلمة على ما كان في معسكر يزيدَ بنِ المهلَّب، وأسر منهم نحوًا من ثلاث مئة، فبعث بهم إلى الكوفة، وبعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتابه بقتلهم، فسار مسلمة فنزل الحيرة. ولما انتهَتْ هزيمةُ يزيد بن المهلب إلى ابنه معاوية وهو بواسط، عمَدَ إلى نحوٍ من ثلاثين أسيرًا في يده فقتلهم، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عديُّ بن أرطاة ﵀ وابنه، ومالك وعبدُ الملك ابنا مسمع، وجماعةٌ من الأشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائنُ من الأموال، وجاء معه عمُّه المفضَّل بن المهلَّب إليه، فاجتمع آلُ المهلَّب بالبصرة فأعدُّوا السُّفن وتجهَّزوا أتمَّ الجهاز، واستعدُّوا للهرَب، فساروا بعِيالهم وأثقالهم فلم يزالوا سائرين حتى أتَوْا جبال كَرْمان فنزلوها، واجتمع عليهم جماعةٌ ممن فلَّ من الجيش الذي كان مع يزيدَ بنِ المهلب، وقد أمَّروا عليهم المفضَّل بن المهلَّب، فأرسل مَسْلمةُ جيشًا عليهم هلال بن أحوز (١) المازني في طلب آل المهلب، ويقال إنهم أمَّرُوا عليهم رجلًا يقال له مُدْرك بن ضَبّ الكلبي، فلحقهم بجبال كَرْمان فاقتتلوا هنالك قتالًا شديدًا، فقتل جماعة من أصحابِ المفضَّل، وأسر جماعةً من أشرافهم وانهزم بقيَّتُهم، ثم لحقوا المفضَّل فقتلوه، وحمل رأسه إلى مسلمةَ بنِ عبد الملك، وأقبل جماعةٌ من أصحاب يزيد بنِ المهلَّب فأخذوا لهم أمانًا من أميرِ أهلِ الشام، منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النَّخَعي، ثم أرسلوا بالأثقال والأموال والنساء والذرية فوردَتْ على مسلمةَ بنِ عبد الملك ومعهم رأسُ المفضَّل ورأس عبدِ الملك ابني المهلَّب، فبعث مسلمةُ بالرؤوس وتسعةٍ من الصبيان الأحداث إلى أخيه يزيد، فأمر بضربِ أعناق أولئك، ونُصبت رؤوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنُصبت بها، وحلف مَسْلَمة بن عبد الملك ليبيعنَّ ذَرَاريَّ آلِ المهلب، فاشتراهم بعضُ الأمراء إبرارًا لقسمه بمئة ألف، فأعتقهم وخلَّى سبيلَهم، ولم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئًا، وقد رثا الشعراء يزيدَ بن المهلَّب بقصائد ذكرها ابنُ جرير (٢). ولاية مسلمة على بلاد العراق وخُراسان وذلك أنه لما فرغ من حرب آلِ المهلَّب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك أمير المؤمنين بولايةِ الكوفة

стр. 4557

والبصرة وخراسان في هذه السنة، فاستناب على الكوفة وعلى البصرة، وبعث إلى خراسان خَتَنهُ - زوج ابنته - سعيدَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، الملقَّب بخُذينة (١)، فسار إليها فحرض أهلَها على الصبر والشجاعة، وعافب عمالًا ممن كان ينوبُ ليزيد بن المهلب، وأخذ منهم أموالًا جزيلة، ومات بعضُهم تحت العقوبة. ذكر وقعة جرَتْ بين التُّرك والمسلمين وذلك أنَّ خاقانَ الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشًا إلى الصُّغْد لقتال المسلمين، عليهم رجلٌ منهم يقال له كورصول (٢)، فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي، فحصرَهُ وفيه خَلْقٌ من المسلمين، فصالحهم نائبُ سَمرْقَنْد - وهو عثمان بن عبد الله بن مطرِّف - على أربعين ألفًا، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانًا رهائنَ عندهم، ثم ندب عثمانُ الناسَ فانتدب له رجلٌ يقال له المسيّب بن بشر الرِّياحي في أربعةِ آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق خطبَ الناسَ فحثَّهم على القتال وأخبرهم أنه ذاهبٌ إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزلْ في كلِّ منزل يخطبُهم ويرجع عنه بعضهم، حتى بقي في سبع مئة مقاتل، فسار بهم حتى غالقَ جيش الأتراك، وهم محاصرو ذلك القصر، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبحِ أولادِهم أمامَهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يُقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبِّتهم يومَهم ذلك، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان وقت السَّحَر كبَّرَ وكبَّر أصحابه، وقد جعلوا شعارَهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعقروا دوابَّ كثيرة، ونهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالًا شديدًا، حتى فرَّ أكثر المسلمين، وضُربت دابَّةُ المسيّب في عجُزها، فترجَّل وترجَّل معه الشجعان، فقاتلوا وهم كذلك قتالًا عظيمًا، والتفَّ الجماعةُ بالمسيّب، وصبروا حتى فتح الله عليهم، وفرَّ المشركون بين أيديهم هاربين لا يَلْوون على شيء، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادَى منادي المسيّب: أن لا تتبعوا أحدًا، وعليكم بالقصر وأهله، فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة، وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين، وجاءتِ الترك من الغد إلى القصر، فلم يجدوا به داعيًا ولا مجيبًا، فقالوا فيما بينهم: هؤلاء الذين لَقُونا بالأمس لم يكونوا إنسًا، إنما كانوا جِئًا. ثم غزا

стр. 4558

سعيد الملقب خُذينة أمير خراسان بلادَ الصُّغْد، وذلك لأنهم أعانوا الترك (١) على المسلمين في هذه الغزوة التي ذكرناها، فسار إليهم فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى نصره الله عليهم، وولَّوْا مدبرين، واحتاز منهم أموالًا جزيلة، وقبض ما وجد لهم من الأموال والحواصل. وفيها عزل أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك عن إمرة العراق وخراسان، وذلك لأنه كان يصرف أموال الغنيمة فيما يريد، ولم يصرف إلى أخيه شيئًا في هذه المدة، فطمع في أخيه فعزله عنها وولَّى بدله عليها عمر بن هُبيرة على العراق وخراسان. وحجَّ بالناس في هذه السنة أمير المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس. وممن توفي فيها من الأعيان والسادة: الضحَّاك بن مُزاحم الهلالي (٢) أبو القاسم، ويقال أبو محمد، الخُراساني، كان يكون ببَلْخ وسمَرْقَنْد ونَيْسابور، وهو تابعيُّ جليل روى عن أنس وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وجماعةٍ من التابعين؛ وقيل: إنه لم يصحَّ له سماعٌ من الصحابة حتى ولا من ابنِ عباس (٣)، وإنْ كان قد رُوي عنه أنه جاوز سبعَ سنين. وكان الضحَّاك إمامًا في التفسير، قال الثوري: خذوا التفسيرَ عن أربعة، مجاهد وعِكْرمة وسعيدِ بن جُبير والضحَّاك. وقال الإمام أحمد: هو ثقة مأمون. وقال ابن معين وأبو زرعة: هو ثقة، وأنكر شعبة سماعَهُ من ابن عباس، وقال: إنما أخذ عن سعيدٍ عنه. وقال يحيى بن سعيد القطَّان: كان ضعيفًا. وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات، وقال: لم يشافِهْ أحدًا من الصحابة، ومنْ قال: إنه لقي ابنَ عباس فقد وهم. وحملَتْ به أمُّه سنتَيْن، ووضعَتْه وله أسنان، وكان يعلِّم الصبيان حِسْبةً؛ قيل: إنه كان في مكتبه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا ويدور من العَلْياء (٤) عليهم. وقيل: انه مات سنةَ خمس، وقيل سنةَ ستٍّ ومئة، وقد بلغ الثمانين، والله أعلم.

стр. 4559

وأبو المتوكِّل النَّاجِيّ (١) اسمه علي بن داود الناجي البصري، تابعيٌّ جليل، ثقة، رفيعُ القدر (٢). ثم دخلت سنة ثلاث ومئة فيها عَزل أمير العراق وهو عمر بن هُبيرة سعيدًا - الملقب خُذينة - عن نيابةِ خُراسان، وولَّى عليها سعيدَ بن عمرو الحَرَشي (٣)، بإذن أمير المؤمنين، وكان سعيدٌ هذا من الأبطال المشهورين، انزعج منه الترك وخافوه خوفًا شديدًا، وتقهقروا من بلاد الصُّغد إلى ما وراء ذلك، من بلاد الصين وغيرها. وفيها جمعَ يزيدُ بن عبد الملك لعبد الرحمن بن الضحَّاك بن قيس بين إمْرة المدينة وإمرةِ مكة، وولَّى عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري (٤) نيابة الطائف. وحجَّ بالناس فيها أميرُ الحرمَيْن عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس. والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: يزيد بن أبي مسلم (٥)، أبو العلاء المدني. عطاء بن يَسار الهلالي (٦): أبو محمد القاصُّ المدني، مولى ميمونة، وهو أخو سليمان،

стр. 4560

وعبد الله، وعبد الملك، وكلهم تابعي. وروى هذا عن جماعةٍ من الصحابة، ووثقه غير واحدٍ من الأئمة، وقيل إنه توفي سنة ثلاثٍ أو أربع ومئة، وقيل: توفي قبل المئة بالإسكندرية، وقد جاوز الثمانين والله سبحانه أعلم. مجاهد بن جَبْر المكِّيّ (١) أبو الحجَّاج القُرشي المَخْزومي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، أحدُ أئمةِ التابعين والمفسِّرين، كان من أخصَّاء أصحاب حَبْر هذه الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكان أعلمَ أهلِ زمانه بالتفسير، حتى قيل إنه لم يكنْ أحدٌ يُريد بالعلم وَجْهَ الله إلا مجاهد وعطاء وطاوس؛ وقال مجاهد: أخذَ ابنُ عمر بركابي وقال: ودِدْتُ أنَّ ابني سالمًا وغلامي نافعًا يحفظانِ حفظك. وقيل: إنه عرَضَ القرآن على ابنِ عباس ثلاثين مرَّة. قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس مرتَيْن، أقفُهُ عند كلِّ آيةٍ وأسأله عنها (٢). مات مجاهد وهو ساجد سنة مئة، وقيل: إحدى، وقيل: ثنتَيْن، وقيل: ثلاث ومئة، وقيل أربع ومئة، وقد جاوز الثمانين والله أعلم. فصل (٣) [أسند مجاهدٌ عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابنِ عمرو وأبي سعيد ورافع بن خَديج. وعنه خلق من التابعين. قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدّثنا عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش قال: أخبرني أبو يحيى أنه سمع مجاهدًا يقول: قال لي ابن عباس: لا تنامَنَّ إلا على وضوء، فإنَّ الأرواحَ تُبعث على ما قُبضت عليه.

стр. 4561

وروى الطبراني عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] قال: يسلِّم عليه إذا لقيه، وقيل هي المصافحة. وروى عَمرو بن مرَّةَ عنه أنه قال: أوْحى الله إلى داودَ ﵇: اتقِ لا يأخْذك الله على ذَنْبٍ لا ينظرُ فيه إليك، فتلقاه حين تلقاه وليستْ لك حاجة. وروى ابنُ أبي شيبة عن أبي أمامة عن الأعمش عن مجاهد، قال: كان بالمدينة أهلُ بيتٍ ذوي حاجة، عندهم رأسُ شاة، فأصابوا شيئًا، فقالوا: لو بعثنا بهذا الرأس إلى منْ هو أحوجُ إليه منَّا؛ فبعثوا به، فلم يزلْ يدورُ بالمدينة حتى رجَعَ إلى أصحابه الذين خرجَ من عندِهم أولًا. وروى ابنُ أبي شيبة عن أبي الأحوص عن منصور عن مجاهد قال: ما من مؤمن يموتُ إلا بكى عليه السماءُ والأرضُ أربعينَ صباحًا. وقال: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، قال: في القبر. وروى الأوزاعي، عن عَبْدةَ بنِ أبي لُبابة، عن مجاهد، قال: كان يحجُّ من بني إسرائيل مئة ألف، فإذا بلغوا أرصاف الحرم خلعوا نِعالهم ثم دخلوا الحرَم حُفاة. وقال يحيى بن سعيد القطان قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] قال: اطلبي الركود. وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] قال: المزامير. وقال في قوله تعالى: ﴿أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] قال: قيود. وقال في قوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] قال: لا خصومة. وقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال: عن كلِّ لذةٍ في الدنيا. وروى ابن الدَّيبع، عن جرير بن عبد الحميد (١)، عن منصور، عن مجاهد، قال: رنَّ إبليس أربعَ رنَّات: حين لُعن، وحين أُهبط، وحين بُعث النبي ﷺ وحين أُنزلت الحمد لله ربّ العالمين وأُنزلت بالمدينة. وكان يقال: الرنَّة والنَّخْرة من الشيطان، فلُعن من رنَّ أو نَخَر. وروى ابنُ نُجيح عنه في قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] قال: بروج الحمام. وقال في قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قال: التجارة.

стр. 4562

وروى لَيْثٌ عن مجاهد قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال: استقاموا فلم يشركوا حتى ماتوا. وروى يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن ابن أبجر، عن طلحة بن مُصَرَّف، عن مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] قال: صاحبة. وقال ليث عن مجاهد قال: النملةُ التي كلَّمتْ سليمان كانت مثل الذئبِ العظيم. وروى الطبراني عن أبي نَجيح عن مجاهد. قال: كان الغلامُ من قومِ عادٍ لا يحتلمُ حتى يبلغَ مئتي سنة. وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج: ١] دعا داع. وفي قوله: ﴿مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] حتى يرجعوا إلى علمي فيه. ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قال: لا يحبُّون غيري. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [فاطر: ١٠]، قال هم المراؤون. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، قال: هم الذين لا يدرون أنعم الله عليهم أم لم يُنعِم. ثم قرأ ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قال: أيامُه نِعَمُه ونِقمُه. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. فرُدُّوه إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دامَ حيًّا، فإذا مات فإلى سُنَّتِه. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] قال: أما الظاهرة فالإسلام والقرآن والرسول والرّزق؛ وأما الباطنة فما سَتَرَ من العيوب والذنوب. وروى الحكم عن مجاهد قال: لما قدِمَتْ مكةَ نساءٌ على سليمان ﵇ رأتْ حطبًا جَزْلًا فقالت لغلام سليمان: هل يعرفُ مولاك كم وَزْنُ دُخان هذا الحطب؟ فقال الغلام: دعي مولاي، أنا أعرفُ كم وزنُ دخانِه، فكيف مولاي؟ قالت: فكم وَزْنُه؟ فقال الغلام: يوزن الحطبُ، ثم يُحرق الحطب، ويوزن رمادُه، فما نقَصَ فهو دُخَانُه. وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قال: منْ لم يتُبْ إذا أصبح وإذا أمسى فهو من الظالمين. وقال: ما من يومٍ ينقضي من الدنيا إلا قال ذلك اليوم: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ثم يُطوى عليه فيُختم إلى يوم القيامة، حتى يكون الله هو الذي يفضُّ خاتمه.

стр. 4563

وقال في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: العلم والفقه؛ وقال: إذا ولي الأمرَ منكم الفقهاء. وفي قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، قال: البِدَع والشُّبهات. وقال: أفضل العبادةِ الرأيُ الحسَن - يعني اتباعَ السُّنَّة. وقال: ما أدري أيُّ النعمتَيْنِ أفضل، أنْ هداني للإسلام، أو عافاني من الأهواء. وقال في رواية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أصحاب محمد، وربما قال: أولو العقل والفضل في دين الله . ﴿بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] قال: السرية. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. قال: السُّوس في الثياب. ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] قال: الأضْراس. ﴿حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، قال: رحيمًا. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدتُ في كتاب محمد بن أبي حاتم بخط يده: حدّثنا بشر بن الحارث حدّثنا يحيى بن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد، قال: لو أنَّ رجلًا أنفق مثلَ أُحدٍ في طاعة الله لم يكن من المسرفين. وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] قال: العداوة. ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] قال: بينهما حاجزٌ من الله فلا يبغي الحُلو على المالح ولا المالحُ على الحلو. وقال ابنُ مَنْدَه: ذكره محمد بن حُميد: حدّثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمَعُ بأعجوبةٍ إلا ذهب فنظرَ إليها؛ قال: وذهب إلى حَضْرَمَوْتَ إلى بئرِ بَرَهُوتَ، قال: وذهب إلى بابل، قال: وعليها والٍ صديقٌ لمجاهد: فقال مجاهد: تعرضُ عليَّ هاروتَ وماروتَ، قال: فدعا رجلًا من السحرة فقال: اذهب بهذا فاعرِضْ عليه هاروتَ وماروت. فقال اليهودي: بشَرْط أنْ لا تدعو الله عندَهما. قال مجاهد: فذهب بي إلى قلعة، فقطَعَ منها حجَرًا ثم قال: خذ برجلي، فهَوى بي حتى انتهى إلى حَوْبه (١)، فماذا هما معلَّقين منكَّسَيْن كالجبلَيْنِ العظيمَيْن، فلما رأيتُهما قلت:

стр. 4564

سبحان الله خالقكما! قال: فاضطربا، فكأنَّ جبالَ الدنيا قد تدكدكتْ، قال: فغُشي عليَّ وعلى اليهوديّ، ثم أفاق اليهودي قبلي، فقال: قُمْ، كِدْتَ أن تُهلك نفسَك وتهلكَني. وروى ابن فُضيل، عن ليث، عن مجاهد قال: يؤتى يوم القيامة بثلاثةِ نفر، بالغَنيّ، والمريض، والعَبْد المملوك. قال: فيقول الله للغني: ما شغلَكَ عن عبادتي التي إنما خلقتُك لها؟ فيقول: يا رب أكثرتَ لي من المال فطغَيْت. فيؤتَى بسليمانَ ﵇ في ملكه فيقول لذا: أنت كنتَ أكثرَ مالًا وأشدَّ شُغلًا أم هذا؟ قال: فيقول: بل هذا يا رب. فيقول الله له: فإنَّ هذا لم يمنعْه ما أوتي من المُلْك والمال والشُّغل عن عبادتي. قال: ويؤتى بالمريض فيقول: ما منعك عن عبادتي التي خلقتُك لها؟ فيقول: يا رب شغلني عن هذا مرضُ جسَدي. فيؤتى بأيُّوب ﵇ في ضُرِّهِ وبلائه، فيقول له: أأنت كنتَ أشدَّ ضرًّا ومرَضًا أم هذا؟ فيقول: بل هذا. فيقول: إنَّ هذا لم يَشْغلْهُ ضرُّه ومرَضُه عن عبادتي. ثم يؤتى بالمملوك فيقول الله له: ما منعك من عبادتي التي خلفتُك لها؟ فيقول ربِّ فضَّلتَ عليّ أربابًا فملكوني وشغلوني عن عبادتك. فيؤتى بيوسف ﵇ في رِقِّه وعبوديته فيقول الله له: أأنتَ كنتَ أشدَّ في رِقِّك وعبوديَّتك أم هذا؟ فيقول: بل هذا يا رب، فيقول الله: فإنَّ هذا لم يشغَلْهُ ما كان فيه من الرِّقِّ عن عبادتي. وروى حُميد، عن الأعرج، عن مجاهد، قال: كنت أصحبُ ابنَ عمر في السفر، فإذا أردتُ أنْ أركبَ مسَكَ ركابي، فإذا ركبتُ سوَّى عليّ ثيابي؛ فرآني مرَّةً كأني كرهتُ ذلك فيّ، فقال: يا مجاهد، إنك لضيِّق الخُلق. وفي رواية: صحبتُ ابنَ عمر وأنا أريدُ أنْ أخدُمه، فكان يخدمُني (١). وقال الإمامُ أحمد (٢): حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا الثوري، عن رجل، عن مجاهد، قال: جُعلتِ الأرضُ لملك الموتِ مثل الطَّسْت، يتناولُ منها حيث شاء، وجُعل له أعْوان يتوفَّون الأنفسَ ثم يقبضُها منهم. وقال: لما هبَطَ آدَمُ إلى الأرض قال له: ابنِ للخرَاب وَلِدْ للفَنَاء (٣). وروى قُتيبة عن جرير، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال: تلعَنُ

стр. 4565

عصاةَ بني آدمَ دوابُّ الأرض وما شاء الله، حتى الحيات والعقارب، يقولون: مُنعنا القَطْرَ بذنوب بني آدم (١). وقال غيره: تَسَلَّط الحشراتُ على العصاة في قبورهم، لما كان ينالُهم من الشِّدَّة بسبب ذنوبهم؛ فتلك الحشراتُ من العقارب والحيات هي السيئاتُ التي كانوا يعملونها في الدنيا ويستلذُّونها، صارَتْ عذابًا عليهم؛ نسأل الله العافية. وقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] لكفور. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عمر بن سليمان، حدّثني مسلم أبو عبد الله عن ليث عن مجاهد قال: منْ لم يستحي من الحلال خَفَّتْ مؤونَتُه وأرَاح نفسَه. وقال عمرو بن زروق، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، أن لن نعاقبَهُ بذنبه (٣). وبهذا الإسناد قال: لم أكنْ أُحسنُ ما الزُّخْرفُ حتى سمعتُها في قراءة عبدِ الله: بيتًا من ذهب (٤). وقالَ قتيبة بن سعيد: حدّثنا خلف بن خليفة عن ليث، عن مجاهد إن الله ليُصلحُ بصلاح العبد ولدَه (٥). قال: وبلغني أنَّ عيسى ﵇ كان يقول: طُوبى للمؤمن! كيف يخلفه الله فيمنْ ترك بخير. وقال الفُضيل بن عِيَاض عن عُبيد المُكْتِب، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] الأوصال التي كانتْ بينهم في الدنيا (٦). وروى سفيان بن عُيينة، عن سفيان الثوري، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قال: الإلُّ الله (٧). وقال في قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] طاعةُ الله . وفي قوله تعالى:

стр. 4566

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قال: هو الذي يذكر الله عند الهمِّ بالمعاصي. وقال الفُضيل بن عياض عن منصور، عن مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الخشوع. وفي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: القنوت: الركود والخشوع وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله (١). وكان العلماء إذا قام أحدُهم في الصلاة هابَ الرحمنَ أن يشدَّ بصره، أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يعبث بشيء، أو يحدِّثَ نفسه بشيء من الدنيا، إلا خاشعًا ما دام في صلاته. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا أبو مَعْمر (٢) حدّثنا ابن إدريس، حدّثني عُقبة بن إسحاق - وأثنى عليه خيرًا - حدّثنا ليث عن مجاهد، قال: كنت إذا رأيتُ العرب استَجْفَيْتُها (٣) [وإنْ فتشتها] وجدتُها من وراءَ دينها؛ فإذا دخلوا في الصلاة فكأنما أجسادٌ ليسَتْ فيها أرواح (٤). وروى الأعمش عنه قال: إنما القلبُ منزلة الكفّ، فإذا أذنب الرجل ذنبًا قُبض هكذا - وضمَّ الخِنْصر حتى ضم أصابعه كلها إصبعًا إصبعًا - قال: ثم يطبع، فكانوا يرَوْنَ ذلك الرَّان: قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. وروى قَبيصةُ عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال: الذنوب تُحيط بالقلوب كالحائط المبني على الشيء المحيط، كلما عمل ذنبًا ارتفعتْ، حتى تغشى القلب حتى تكون هكذا - ثم قبض يده - ثم قال: هو الرَّان (٥). وفي قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَاخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] قال: أولُ عمَلِ العبدِ وآخرُه. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] قال: إذا فرغتَ من أمرِ الدنيا، فقمتَ إلى الصلاة، فاجعلْ رغبتَكَ إليه، ونيَّتَكَ له (٦). وعن منصور عن مجاهد ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] قال: هي النفسُ التي قد أيقنتْ أنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ جأشًا لأمرِه وطاعتِه (٧).

стр. 4567

وروى عبدُ الله بن المبارك عن ليث، عن مجاهد: قال: ما منْ ميتٍ يموت إلَّا عُرضَ عليه أهلُ مجلسِه، إنْ كان من أهل الذِّكْر فمن أهل الذِّكْر، وإنْ كان من أهلِ اللَّهْو فمن أهل اللهو (١). وقال أحمد: حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مجاهد، قال: قال إبليس: إنْ يُعجزني ابنُ آدم فلن يعجزني من ثلاثِ خِصال: أخْذُ مالٍ بغيرِ حقِّه، [ومنعه عن حقِّه] (٢)، و [إضاعة] إنفاقه في غيرِ حقِّه. وقال أحمد: حدّثنا ابن نمير قال قال الأعمش: كنتُ إذا رأيتُ مجاهدًا ظننتُ أنه خربندج (٣)، قد ضلَّ حمارُهُ فهو مهتمَّ (٤). وعن ليث، عن مجاهد، قال: منْ أكرم نفسه وأعزَّها أذلَّ دينه، ومنْ أذلَّ نفسه أعز دينه (٥). وقال شعبة عن الحكم، عن مجاهد، قال: قال لي [ابن عمر]: يا أبا الغازي، كم لبثَ نوحٌ في الأرض؟ قال: قلتُ ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا. قال: فإنَّ الناس لم يزدادوا في أعمارهم وأجسادهم وأخلاقهم إلا نقصًا (٦). وروى أبو بكر بن أبي شيبة (٧) عن ابن عُلَيَّة، عن ليث، عن مجاهد قال: ذهبتِ العلماء، فما بقي إلا المتعلَّمون، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم. وروى ابنُ أبي شيبة أيضًا عن ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: لو لم يصب المسلم من أخيه إلا أن حياءً منه يمنَعُه من المعاصي، لكان في ذلك خير. وقال: الفقيه منْ يخافُ الله وإنْ قلَّ علْمُه؛ والجاهلُ منْ عصى الله وإن كَثُرَ علمُه. وقال: إنَّ العبد إذا أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوبِ المؤمنين إليه.

стр. 4568

وقال في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِر﴾ [المدثر: ٤]، قال: عملَكَ فأصْلِحْ (١). ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، قال: ليس من عرض الدنيا. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال: هم الذين يجيئون بالقرآن قد اتبعوه وعملوا بما فيه. وقال: يقول القرآن للعبد إني معك ما اتبعتني، فإذا لم تعمل بي اتبعتك. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] قال: خُذْ من دنياك لآخرتك؛ وذلك أن تعمل فيها بطاعة الله (٢). وقال داود بن المحَبَّر عن عبَّاد بن كثير عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه مجاهد بن جَبْر (٣)، قال: قلت لابن عمر: أيُّ حجَّاج بيتِ الله أفضلُ وأعظم أجرًا؟ قال: من جمَعَ ثلاثَ خصال، نيَّةً صادقة، وعقلًا وافرًا، ونفقة من حلال. فذكرتُ ذلك لابن عباس فقال: صدق. فقلت: إذا صدقتْ نيتُه وكانتْ نفقته من حلال، فماذا يضرُّه قلَّةُ عقله؟ فقال: يا أبا حجَّاج، سألتني عما سألتُ عنه رسولَ الله ﷺ . فقال: "والذي نفسي بيده، ما أطاع العبدُ الله بشيءٍ أفضلَ من حُسن العقل، ولا يقبلُ الله صومَ عبدٍ ولا صلاته، ولا شيئًا مما يكونُ من عمله من أنواع الخير إنْ لم يعمل بعَقْل؛ ولو أنَّ جاهلًا فاق المجتهدين في العبادة، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" (٤). قلت: ذِكْر العقلِ في هذا الحديث، ورفعُهُ إلى النبي ﷺ من المنكرات والموضوعات، والثلاثُ الخصال موقوفةٌ على ابن عمر، من قوله من جمع ثلاث خصال، إلى قوله: قال ابن عباس: صدق؛ والباقي لا يصحُّ رفعُه ولا وَقْفُه؛ وداود بن المُحبَّر كنيته أبو سليمان، قال الحاكم: حدث ببغداد عن جماعةٍ من الثقات بأحاديثَ موضوعة، حدث بها عنه الحارث بن أبي أسامة، وله كتاب "العقل"، وأكثر ما أودع ذلك الكتاب موضوعٌ على رسولِ الله ﷺ ؛ وذِكْرُ العقلِ مرفوعًا في هذه الرواية لعله من جملتها، والله أعلم. وقد كذَّبه أحمد بن حنبل] (٥).

стр. 4569

مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص (١): تابعي، ثقة، جَلِيل، كبير القَدْر. موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي (٢)، كان يلقَّبُ بالمَهْديِّ لصلاحه؛ كان تابعيًّا جليلَ القدرِ من ساداتِ المسلمين ﵀ (٣). ثم دخلت سنة أربع ومئة فيها قاتل سعيدُ بن عمرو الحَرَشي نائبُ خراسان أهلَ الصُّغْد، وحاصر أهل خُجَنْدَة (٤)، وقتل خلقًا كثيرًا، وأخذ أموالًا جَزيلة، وأسر رقيقًا كثيرًا جدًّا، وكتب بذلك إلى يزيدَ بنِ عبد الملك، أمير المؤمنين؛ فوجَدَ عليه أميرُ العراق عمر بن هُبيرة إذْ لم يكتب إليه؛ فكتب هو إلى أمير المؤمنين لأنه هو الذي ولَّاه. وفي ربيع الأول منها عزل يزيدُ بن عبد الملك أمير المؤمنين عن إمرةِ الحرمين عبدَ الرحمن بنَ الضحَّاك بن قيس؛ وكان سببه أنه خطب فاطمةَ بنتَ الحسين فامتنعتْ من قَبول ذلك، فألحَّ عليها وتوعَّدها، فأرسلتْ إلى يزيد بن عبد الملك تشكوه إليه، فبعث إلى عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري (٥) نائب الطائف، فولَّاه المدينة، وأنْ يضربَ عبدَ الرحمن بن الضحاك حتى يسمعَ صوتَهُ أميرُ المؤمنين وهو متكئٌ على فراشه بدمشق، وأنْ يأخذَ منه أربعين ألفَ دينار، فلمَّا بلغ ذلك عبدَ الرحمن ركب إلى دمشق واستجار بمسلمةَ بن عبدِ الملك؛ فدخل على أخيه فقال: إنَّ لي إليك حاجة. فقال: كلُّ حاجة تقولها فهي لك إلا أنْ تكونَ ابنَ الضحَّاك، فقال: هو والله حاجتي. فقال: والله لا أقبله (٦)، ولا أعفو عنه.

стр. 4570

فردَّه إلى المدينة فتسلَّمه عبدُ الواحد فضربه وأخذ ماله حتى تركه في جبَّة صوف، يسألُ الناسَ بالمدينة؛ وكان قد باشر نيابةَ المدينة ثلاثَ سنين وأشهرًا؛ وكان الزهريُّ قد أشارَ عليه برأي سديد، وهو أن يسألَ العلماء إذا أشكلَ عليه أمر، فلم يقبلْ، ولم يفعلْ، فأبغضهُ الناس، وذمَّهُ الشعراء، ثم كان هذا آخر أمره. وفيها عزَلَ عمرُ بن هُبيرة عن إمرة خراسان سعيدَ بن عمرٍو الحَرشي؛ وذلك أنه كان يستخفُّ بأمرِ عمرَ بنِ هُبيرة؛ فلما عزله أحضرهُ بين يديه وعاقبه وأخذَ منه أموالًا كثيرة، وأمر بقتْله، ثم عفا عنه، وولَّى على خُراسان مسلمَ بن سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي، فسار إليها فاستخلص أموالًا كانتْ منكسرة في أيام سعيد بن عمرو الحَرَشي. وفيها غزا الجرَّاحُ بن عبد الله الحَكمي نائبُ أرمينيةَ وأذْربيجان، أرضَ الترك، ففتح بَلَنْجر، وهزم الترك وغرَّقهم وذَرَاريَّهُمْ في الماء، وسَبَى منهم خلقًا كثيرًا، وافتتح عامة الحصون التي تلي بَلَنْجَر (١)، وأجلى عامة أهلها، [والتقى هو والخاقان الملك، فجرَتْ بينهم وقعةٌ هائلة، آل الأمرُ فيها إلى أن انهزم خاقان، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، قُتل فيها خلقٌ كثير لا يُحصَوْن] (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الواحد بن عبد الله النَّصْري (٣) أميرُ الحرمين والطائف، وعلى نيابةِ العراق وخراسان عمر بنُ هبيرة، ونائبه على خراسان مسلم بن سعيد يومئذ. وفي هذه السنة ولد السفاح وهو أبو العباس عبدُ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقَّب بالسفَّاح، أول خلفاء بني العباس، وقد بايَعَ أباه في الباطن جماعةٌ من أهل العراق. وفيها توفي من الأعيان: خالد بن مَعْدان الكَلاعي (٤): [له رواياتٌ عن جماعة من الصحابة، وكان تابعيًّا جليلًا، وكان من

стр. 4571

العلماء وأئمة الدِّين المعدودين المشهورين، وكان يسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة وهو صائم، وكان إمامَ أهلِ حمص، وكان يُصلِّي التراويح في شهر رمضان، فكان يقرأُ فيها في كلِّ ليلة ثلثَ القرآن، وروى الجُوزَجاني عنه أنه قال: من اجترأ على الملاوم في مُراد الحق، قلب الله تلك المحامد عليه ذَمًّا. وروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال: ما من عبد إلَّا وله أربعةُ أعين. عينانِ في وجههِ يُبصر بهما أمرَ دنياه، وعينانِ في قلبه يُبصر بهما أمرَ آخرتِه؛ فإذا أرادَ الله بالعبد خيرًا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما أمرَ آخرتِه وهما غيب، فأمن الغيبَ بالغيب؛ وإذا أرادَ الله بالعبدِ خلافَ ذلك ترك العبد القلب على ما هو عليه، فتراه ينظرُ فلا ينتفع، فإذا نظر بقلبه نفع. وقال: بصَرُ القلب من الآخرة، وبصَرُ العينَيْن من الدنيا. وله فضائل كثيرة رحمه الله تعالى] (١). وعامر بن سعد [بن أبي وقاص الليثي (٢): له راويات كثيرة عن أبيه وغيرِه، وهو تابعيٌّ جليل، ثقة مشهور] (١). وعامر بن شَرَاحيل الشعبي (٣): توفي فيها في قول [كان الشعبيُّ من شَعْبِ هَمْدان، كنيته أبو عمرو، وكان علَّامةَ أهلِ الكوفة، كان إمامًا حافظًا، ذا فنون، وقد أدرك خلقًا من الصحابة، وروى عنهم، وعن جماعةٍ من التابعين. وعنه أيضًا روى جماعة من التابعين. قال أبو مِجْلَز: ما رأيتُ أفقهَ من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بسنَّةٍ ماضيةٍ منه. وقال داود الأوْدي: قال لي الشعبي: قم معي هاهنا حتى أفيدَك علمًا، بل هو رأسُ العلم. قلت: أيَّ شيءٍ تفيدني؟ قال: إذا سُئلتَ عما لا تعلم فقل: الله أعلم؛ فإنَّه عِلْمٌ حسن.

стр. 4572

وقال: لو أنَّ رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمةٍ تنفَعُه فيما يستقبلُ من عمره ما رأيتُ سفَرَهُ ضائعًا؛ ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد، لرأيتُ سفَرَهُ عقوبةً وضياعًا. وقال: العلم أكثر من عدد الشعر، فخذ من كلِّ شيء أحسنَه] (١). وأبو بُرْدَة بن أبي موسى الأشعري (٢): [تولَّى قضاءَ الكوفة قبلَ الشعبي، فإنَّ الشعبيَّ تولَّى في خلافةِ عمر بن عبد العزيز، واستمرَّ إلى أن مات، وأمَّا أبو بُردة فإنه كان قاضيًا في زمنِ الحجَّاج، ثم عزله الحجاج وولَّى أخاه أبا بكر، وكان أبو بردة فقيهًا حافظًا عالمًا، له روايات كثيرة] (٣). أبو قلابة الجَرْمي (٤) [عبد اللَّه بن زيد (٥) البصري، له رواياتٌ كثيرة عن جماعة من الصحابة وغيرهم، وكان من كبار الأئمة والفقهاء، وطُلب للقضاء فهرب منه وتغرَّب؛ قدم الشام فنزل داريَّا، وبها مات ﵀. قال أبو قلابة: إذا أحدث اللَّه لك علمًا فأحدث له عبادة، ولم يكنْ همُّك ما تحدِّثُ به الناس، فلعلَّ غيرَك ينتفعُ ويستغني، وأنت في الظلمة تتعثَّر. وإني لأرى هذه المجالس إنما هي مناخُ البطَّالين. وقال: إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهه فالتمِسْ له عُذرًا جهدَك، فإنْ لم تجد له عذرًا فقل: لعل لأخي عُذرًا لا أعلَمُه].

стр. 4573

ثم دخلت سنة خمس ومئة فيها غزا الجرَّاح بن عبد الله الحكمي بلادَ اللَّان (١)، وفتح حصونًا كثيرة، وبلادًا متسعةَ الأكناف من وراء بلَنجَر، وأصاب غنائم جَمَّة، وسبى خلقًا من أولاد الأتراك. وفيها غزا مسلم بنُ سعيد بلادَ التُّرْكِ وحاصر مدينةً عظيمة من بلادِ الضُّغْد، فصالحه مَلِكُها على مالٍ كثير يحمِلهُ إليه. وفيها غزا سعيدُ بن عبد الملك بن مروان بلادَ الرُّوم، فبعث بين يديه سَرِيَّة ألفَ فارس، فأُصيبوا جميعًا. وفيها لخمسٍ بَقينَ من شعبان منها توفي أميرُ المؤمنين يزيدُ بن عبد الملك بن مروان بأَرْبَد (٢) من أرضِ البَلْقاء، وكان ذلك يوم الجمعة، وعمره ما بين الثلاثين والأربعين، وهذه ترجمته: [يزيد بن عبد الملك بن مروان] (٣) هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو خالد القرشيُّ الأمويّ، أميرُ المؤمنين؛ وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية؛ قيل إنها دُفنت بقبر عاتكة فنُسبتِ المَحَلَّةُ إليها. واللّه أعلم. بويع له بالخلافة بعد عمر بن عبد العزيز في رجب من سنة إحدى ومئة بعَهْدٍ من أخيه سليمان، أنْ يكون الخليفةَ بعدَ عمر (٤) بن عبد العزيز ﵀، يوم الجمعة لخمس بَقينَ من رجب. قال محمد بن يحيى الذُّهْلي: حدّثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن بُرْقان، حدّثني الزّهْري قال: كان لا يَرثُ المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ في عهد رسول اللَّه ﷺ وِأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلما ولي الخلافة معاويةُ ورَّث المسلمَ من الكافر، ولم يورِّثِ الكافر من المسلم، وأخذ بذلك الخُلفاءُ من بعده؛ فلما قام عمر بن عبد العزيز راجع السُّنَّة الأولى، وتبعه في ذلك يزيدُ بن

стр. 4574

عبد الملك؛ فلما قام هشام أخذ بسُنَّةِ الخلفاء - يعني أنه ورَّثَ المسلمَ من الكافر (١). وقال الوليد بن مسلم عن ابنِ جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذْ أقبل يزيدُ بن عبد الملك فهمَمْنا أنْ نوسِّع له، فقال مكحول: دعوه يجلسْ حيثُ انتهى به المجلس، يتعلَّم التواضع (٢). وقد كان يزيد هذا يُكثر من مجالسةِ العلماء قبل أنْ يلي الخلافة، فلما وُلِّي عزَمَ على أنْ يتأسَّى بعمر بن عبد العزيز، فما تركه قرناء السَّوْء، وحسَّنوا له الظُّلم. قال حَرْملة عن ابن وهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: لما ولي يزيدُ بن عبد الملك قال: سيروا بسيرة عمر، فمكث كذلك أربعين ليلة، فأُتي بأربعين شيخًا فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حسابٍ ولا عذاب (٣). وقد اتهمه بعضُهم في الدين، وليس بصحيح، إنما ذاك ولَدُه الوليد بن يزيد الفاسق كما سيأتي. أما يزيد هذا فما كان به بأس. وقد كتب إليه عمر بن عبد العزيز وهو في مرض موته: أما بعد، فإني لا أُراني إلا لِمَا بي (٤)، وما أرَى الأمرَ إلا سيُفضي إليك، فاللّهَ اللّهَ في أمَّةِ محمد، فإنك عَمَّا قليلٍ ميت، فتدَعُ الدنيا إلى من لا يَحْمَدك، وتُفضي إلى منْ لا يَعْذِرك، والسلام (٥). وكتب يزيدُ بن عبد الملك إلى أخيه هشام: أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد بلغَهُ أنك استبطأتَ حياتَه، وتمنَّيتَ وفاته، ورُمْتَ الخلافة. وكتب في آخره (٦): تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإنْ أمتْ … فتلكَ سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ وقد علموا لو ينفعُ العلمُ عندهمْ … متى مُتُّ ما الباغي (٧) عليَّ بمُخْلَدِ منيتهُ تجري لوقتٍ وحَتْفُهُ … يصادفُه يومًا على غيرِ موعدِ فقلْ للذي يبغي خلافَ الذي مضَى … تهيَّأ لأُخرى مِثْلِها فكأن قد (٨)

стр. 4575

فكتب إليه هشام: جعلَ اللَّه يومي قبلَ يومِك، وولدي قبلَ ولدِك، فلا خير في العيش بعدَك. وقد كان يزيد هذا يحبُّ حَظِيَّةً من حظاياه، يقالُ لها حَبابَة - بتشديد الباء الأولى، والصحيح تخفيفها - واسمُها العالية؛ وكانت جميلة جدًّا؛ وكان قد اشتراها في زمن أخيه سليمان بن عبد الملك بأربعة آلاف دينار، من عثمان بن سهل بن حُنَيف، فقال له أخوه سليمان: لقد همَمْتُ أنْ أحْجُرَ على يزيد (١)؛ فباعها، فلما أفضَتْ إليه الخلافة قالت له امرأتُه سعدةُ يومًا: يا أمير المؤمنين، هل بقي في نفسِك من أمر الدنيا شيءٌ؟ قال: نعم، حَبابة، فبعثتِ امرأتُه فاشترَتْها له، ولبستها وصنعَتْها وأجلستها من وراءِ الستارة، وقالت له أيضًا يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيءٌ؟ قال: أوما أخبرتك أنها حبابة؟ فقالت: هذه حبابة - وأبرزَتْها له، وأخلَتْه بها وتركته وإيَّاها - فحظيتِ الجاريةُ عنده، وكذلك زوجتُه أيضًا؛ فقال يومًا: أشتهي أنْ أخلوَ بحبابة في قصر مدَّةً من الدهر، لا يكونُ عندنا أحد. ففعل ذلك، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده فيه أحد، وقد فُرش له بأنواع الفُرش والبُسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة، فبينما هو معها في ذلك القصر على أسر حال وأنعم بال، وبين يديهما عِنَبٌ يأكلانِ منه، إذْ رماها بحَبَّةِ رُمَّان، ويُروى بحبة عِنَب وهي تضحك، فشرِقَتْ بها فماتَتْ، فمكَثَ أيامًا يُقبِّلُها ويَرْشُفها وهي ميتة، حتى أنتنَتْ وجيَّفَتْ؛ فأمر بدفنها وما كاد، فلما دفنها أقام أيامًا عندها على قبرها هائمًا، ثم رجع إلى المنزل، ثم عاد إلى قبرِها فوقف عليه وهو يقول: فإنْ تَسْلُ عنكِ النفسُ أو تدَعِ الصِّبَا … فباليأسِ تَسْلو عنكِ لا بالتجلُّدِ وكلُّ خليلٍ زارني (٢) فهو قائلٌ … من آجلكِ هذا هامةُ اليوم أو غدِ ثم رجع. فما خرَجَ من منزله حتى خرَجَ بنعشِه وكان مرَضُه بالسِّلِّ (٣). وذلك بالسَّوَاد سوادِ الأُرْدُنّ، يوم الجمعة لخمسٍ بقينَ من شعبان من هذه السنة - أعني سنةَ خمسٍ ومئة وكانت خلافتُه أربعَ سنين وشهرًا على المشهور، وقيل أقلّ من ذلك، وكان عمره ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل خمسًا، وقيل ستًا، وقيل ثمانيًا، وقيل تسعًا وثلاثين. وقيل: إنه بلغ الأربعين، فاللّه أعلم.

стр. 4576

وكان طويلًا جسيمًا أبيض مدوَّرَ الوجه، أفْقم الفم (١)، لم يشب. وقيل إنه مات بالجَوْلان؛ وقيل بحَوْران، وصلى عليه ابنُه الوليدُ بن يزيد، وعمرُه خمسَ عشرةَ سنة. وقيل: بل صلَّى عليه أخوه هشامُ بن عبد الملك أمير المؤمنين، وهو الخليفةُ بعدَه، وحُمل على أعناقِ الرجال حتى دُفن بين باب الجابية وباب الصَّغِير بدمشق، وكان قد عهد بالأمرِ من بعدِه لأخيه هشام، ومن بعدِه لولده الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فبايع الناسُ من بعده هشامًا. خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان (٢) بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه، لخمسٍ بَقينَ من شعبان من هذه السنة - أعني سنةَ خمسٍ ومئة - وله من العمر أربعٌ وثلاثون سنة وأشهر، لأنه كان مولدُه حين (٣) قَتَلَ أبوه عبدُ الملك مُصعبَ بنَ الزبير في سنةِ ثنتين وسبعين، فسمَّاهُ منصورًا تفاؤلًا؛ ثم قدم فوجَدَ أمَّه قد أسمَتْه باسم أبيها هشام، فأقر اسمه هشامًا. قال الواقدي: أتَتْهُ الخلافةُ وهو بالزيتونة (٤) في منزلٍ له، فجاءه البريدُ بالعصا والخَاتم، فسُلِّم عليه بالخلافة، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق، فقام بأمرِ الخلافة أتمَّ القيام، فعزَلَ في شوال منها عن إمْرةِ العراق وخراسان عمرَ بنَ هُبيرة، وولَّى عليها خالد بن عبدِ اللَّه القسري؛ وقيل: إنه استعمله على العراق في سنة ستٍّ ومئة، والمشهور ما ذكرناه (٥). وحجَّ بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خالُ أميرِ المؤمنين، أخو أُمَّه عائشة بنتِ هشام بن إسماعيل، ولم تلِدْ من عبد الملك سواهُ حتى طلقها، لأنها كانتْ حمقاء. وفيها قَوِيَ أمرُ دعوةِ بني العباس في السَرّ بأرض العراق، وحصل لدعاتهم أموالٌ جزيلة يستعينون بها على أمرهم، وما هم بصدده.

стр. 4577

وفيها توفي من الأعيان: أبَانُ بن عثمان بن عفَّان (١): تقدَّم ذكر وفاته سنةَ خمسٍ وثمانين، كان من فقهاء التابعين وعلمائهم. قال عمرو بن شعيب: ما رأيتُ أعلمَ منه بالحديثِ والفقه. وقال يحيى بن سعيد القطَّان: فقهاء المدينة عشرة، فذكر أبان بن عثمان أحدَهم، وخارجةَ بن زيد، وسالم بن عبد اللَّه، وسعيدَ بن المسيِّب، وسُليمان بن يَسَار، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وعروة، والقاسم، وقَبيصة بن ذؤيب، وأبا سَلَمةَ بن عبد الرحمن. قال محمد بن سعد (٢): كان به صَممٌ ووَضح، وأصابه الفالجُ قبلَ أنْ يموتَ بسنة، وتوفي سنة خمسٍ ومئة. وممَّنْ توفِّي فيها: أبو رجاء العُطَارِديّ (٣)، من رجال الصحيحين. وعامر بن شراحيل الشعبي، في قول، وقد تقدَّم (٤). وكُثَيِّر عَزَّة، في قول. وقيل: في التي بعدها كما سيأتي. ثم دخلت سنة ست ومئة ففيها عزَلَ هشامُ بن عبد الملك عن إمرة المدينة ومكة والطائف، عبدَ الواحد بن عبد الله النَّصْري (٥)، وولَّى على ذلك كلِّه ابنَ خالِه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها غزا سعيدُ بن عبد الملك الصائفة، وفيها غزا [مسلم بن سعيد مدينة فرغانة ومعاملتها، فلَقيَهُ

стр. 4578

عندها الترك، وكانتْ بينهم وقعةٌ هائلة، قُتل فيها الخاقان وطائفةٌ كبيرة من الترك. وفيها أوغل الجَرَّاحُ الحَكَمي في أرض الخَزَر، فصالحوه وأعطَوْهُ الجِزْيَة والخراج. وفيها غزا] (١) الحجَّاجُ بن عبد الملك اللان، [فقتل خلقًا كثيرًا، وغَنِم وسَلِم] (١). وفيها عزَل خالدُ بن عبد الله القَسْري عن إمرةِ خراسان مسلمَ بنَ سعيد، وولَّى عليها أخاه أسد بن عبد اللَّه القَسْري. وحجَّ بالناس في هذه السنة أميرُ المؤمنين هشامُ بن الملك، وكتب إلى أبي الزَّناد قبلَ دخوله المدينة ليتلقَّاهُ ويكتبَ له مناسك الحجّ، ففعل، وتلقَّاهُ الناسُ من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أُمر به، وتلقَّاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ أهل بيتِك في مثلِ هذه المواطنِ الصالحة لم يزالوا يلعَنُونَ أبا تراب، فالْعَنْهُ أنتَ أيضًا، قال أبو الزناد: فشقَّ ذلك على هشام واستثقله، وقال: ما قدمتُ لِشَتْم أحد، ولا للعنةِ أحد (٢). إنما قدمنا حُجَّاجًا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه، وأقبل على أبي الزناد يحادِثُه، ولما انتهى إلى مكة عرض له إبراهيمُ بن طلحة فتظلَّم إليه في أرض، فقال له: أين كنت عن عبد الملك؟ قال: ظلمني. قال: فالوليد؟ قال: ظلمني. قال: فسليمان؟ قال: ظلمني. قال فعمر ين عبد العزيز؟ قال: ردَّها عليّ. قال: فيزيد؟ قال: انتزعها من يدي، وهي الآن في يدك. فقال له هشام: أما لو كان فيك مَضْربٌ لضربتُك. فقال: بلى فيَّ مضربٌ بالسَّوْط والسيف. فانصرف عنه هشام وهو يقول لمن معه: ما رأيتُ أفصح من هذا. وفيها كان العامل على مكة والمدينة والطائف، إبراهيمُ بن هشام بن إسماعيل؛ وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد إدته القَسْري [واللّه سبحانه أعلم] (٣). وممن تُوفي فيها: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب (٤).

стр. 4579

وطاوس بن كَيْسان اليماني (١): من أكبر أصحاب ابن عباس ﵁. وقد

стр. 4580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4589

ترجمناهما (١) في كتابنا "التكميل" وللّه الحمد والمنّة. ثم دخلت سنة سبع ومئة فيها خَرَج باليمن رجلٌ يُقالُ له: عَبَّاد الرُّعَيْني، فدَعَا إلى مذهب الخوارج، واتَّبعه فرقةٌ من الناس، وحملوا، فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتَلَ أصحابَه، وكانوا ثلاث مئة، ولله الحمد. وفيها وَقَعَ بالشام طاعونٌ شديد؛ وفيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة، وعلى جيش أهل الشام مَيْمون بن مِهْرَان، فقطعوا البحر، إلى قُبْرُص، وغزا مَسْلَمةُ في البَرّ في جيشٍ آخر. وفيها ظَفِرَ أسَدٌ بن عبد اللَّه القَسْري بجماعةٍ من دعاةِ بني العباس بخراسان فصلبهم وأشهرهم. وفيها غزا أسَدٌ القَسْريُّ جبالَ نُمْرود (٢)، ملك الغَرْشِسْتان (٣) مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نُمروذ وأسلم على يدَيْه. وفيها غزا أسَدٌ الغَوْر - وهي جبالُ هَرَاة - فعَمَد أهلُها إلى حواصلهم وأموالهم وأثقالهم، فجعلوا ذلك كلَّه في كهفٍ مَنِيع، لا سبيلَ لأحدٍ، إليه، وهو مُسْتَفِلٌ (٤) جدًّا، فأمر أسد بالرجال فجعلوا في توابيت، ودلَّاهم إليه، وأمرهم بوضع ما هنالك في التوابيت، فلما أخذ ما هنالك قعد الرجال في التوابيت، ورفعوهم، فسلموا وغنموا، وهذا رأيٌ سَديد.

стр. 4590

وفيها أمر أسدُ بجمعِ ما حَوْلَ بَلْخ إليها؛ واستناب عليها بَرْمَك، والدَ خالدِ بن بَرْمك، وبناها بناءً جيدًا جديدًا محكمًا، وحصَّنها وجعَلَها مَعْقِلًا للمسلمين. وفيها حجَّ بالناس إبراهيمُ بن هشام بن إسماعيل أمير الحرمين. وممن توفِّي فيها من الأعيان: سليمان بن يسَار أحَد التابعين (١). وعِكْرمة مولى ابن عباس (٢): أحدُ التابعين، والمفسِّرين المكثرين والعلماء الربَّانيِّين، والرحَّالين الجوَّالين (٣).
следующие страницы →