← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4589

ترجمناهما (١) في كتابنا "التكميل" وللّه الحمد والمنّة. ثم دخلت سنة سبع ومئة فيها خَرَج باليمن رجلٌ يُقالُ له: عَبَّاد الرُّعَيْني، فدَعَا إلى مذهب الخوارج، واتَّبعه فرقةٌ من الناس، وحملوا، فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتَلَ أصحابَه، وكانوا ثلاث مئة، ولله الحمد. وفيها وَقَعَ بالشام طاعونٌ شديد؛ وفيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة، وعلى جيش أهل الشام مَيْمون بن مِهْرَان، فقطعوا البحر، إلى قُبْرُص، وغزا مَسْلَمةُ في البَرّ في جيشٍ آخر. وفيها ظَفِرَ أسَدٌ بن عبد اللَّه القَسْري بجماعةٍ من دعاةِ بني العباس بخراسان فصلبهم وأشهرهم. وفيها غزا أسَدٌ القَسْريُّ جبالَ نُمْرود (٢)، ملك الغَرْشِسْتان (٣) مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نُمروذ وأسلم على يدَيْه. وفيها غزا أسَدٌ الغَوْر - وهي جبالُ هَرَاة - فعَمَد أهلُها إلى حواصلهم وأموالهم وأثقالهم، فجعلوا ذلك كلَّه في كهفٍ مَنِيع، لا سبيلَ لأحدٍ، إليه، وهو مُسْتَفِلٌ (٤) جدًّا، فأمر أسد بالرجال فجعلوا في توابيت، ودلَّاهم إليه، وأمرهم بوضع ما هنالك في التوابيت، فلما أخذ ما هنالك قعد الرجال في التوابيت، ورفعوهم، فسلموا وغنموا، وهذا رأيٌ سَديد.

стр. 4590

وفيها أمر أسدُ بجمعِ ما حَوْلَ بَلْخ إليها؛ واستناب عليها بَرْمَك، والدَ خالدِ بن بَرْمك، وبناها بناءً جيدًا جديدًا محكمًا، وحصَّنها وجعَلَها مَعْقِلًا للمسلمين. وفيها حجَّ بالناس إبراهيمُ بن هشام بن إسماعيل أمير الحرمين. وممن توفِّي فيها من الأعيان: سليمان بن يسَار أحَد التابعين (١). وعِكْرمة مولى ابن عباس (٢): أحدُ التابعين، والمفسِّرين المكثرين والعلماء الربَّانيِّين، والرحَّالين الجوَّالين (٣).

стр. 4591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4597

القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق (١): كان أحدَ الفقهاء المشهورين. وكُثَيِّر عَزَّةَ، الشاعر المشهور (٢): وهو كُثَيِّرُ بنُ عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، أبو صخر الخُزَاعيُّ الحجازيّ، المعروف بابن أبي جُمعهْ، وعَزَّةُ هذه المشهورُ بها المنسوب هو إليها، لِتَغَزُّله فيها، هي أم عمرو عزَّة - بالعين المهملة - بنتُ جَميل بن حَفْص، من بني حاجب بن غِفَار، وإنما صُغِّر اسمُه، فقيل كُثَيِّر، لأنه كان دَميمَ الخَلْق قصيرًا، طولُه ثلاثةُ أشبار. قال ابنُ خِلِّكان (٣): كان يقالُ له زُبّ الذباب. وكان إذا مَشَى يُظنُّ أنه صغيرٌ من قِصَره، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان يقول له: طأطئ رأسَك لا يؤذيك السقف؛ وكان يضحكُ إليه، وكان يَفِد على عبدِ الملك، ووفد على عبد الملك بن مروان مرَّاتٍ، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان يقال: إنه أشعر الإسلاميين، على أنه كان فيه

стр. 4598

تشيُّع، وربما نسبه بعضُهم إلى مذهب التناسخيَّة، وأنه كان يحتجُّ على ذلك - من جهلِهِ وقِلَّةِ عقلهِ إنْ صحَّ النقلُ عنه - بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، وقد استأذن يومًا على عبد الملك، فلما دخل عليه قال عبد الملك: تَسمَعُ بالمعيدي خيرٌ من أنْ تراه، فقال: مَهْلًا (١) يا أمير المؤمنين إنما المرءُ بأصغَريْه قلبِهِ ولسانِهِ، إنْ نطَقَ نطَقَ ببيان، وإنْ قاتل قاتل بجَنَان، وأنا الذي أقول (٢): وجربتُ الأمورَ وجرَّبتْني … وقدْ أبدَتْ عَريكتيَ الأمورُ وما تَخْفَى الرجالُ عليَّ أني … بهمْ لأخو مُثَاقَفَةٍ خَبيرُ ترى الرجلَ النحيفَ فتزدَريهِ … وفي أثوابهِ أسَدٌ يَزِير (٣) ويعجبكَ الطريرُ فتجتبيه (٤) … فيخلفُ ظنكَ الرجلُ الطريرُ وما عِلْم (٥) الرجالِ لها بزَيْنٍ … ولكنْ زَيْنُها كرَمٌ وخير (٦) بُغاثُ الطير أطولها جسومًا … ولم تطُلِ البُزَاةُ ولا الصُّقورُ وقدْ عَظُمَ البعير بغيرلبٍّ … فلم يستغن بالعِظَمِ البَعيرُ فيُركَبُ ثم يُضربُ بالهرَاوَى … ولا عُرْفٌ لديهِ ولا نَكيرُ وعودُ النَّبْعِ ينبُتُ مستمرًّا … وليسَ يطولُ والعَضْباءُ حُورُ وقد تكلم أبو الفرج بن طَرَارا (٧) على غريب هذه الحكاية وشر ها بكلامٍ طويل، قالوا: ودخل كُثَيِّر عزَّةَ يومًا على عبدِ الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: على ابن أبي العاصي دُروعٌ حصينةٌ … أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وأذَالَها (٨)

стр. 4599

قال له عبد الملك: أفلا قُلْت كما قال الأعشى لقيس بن مَعْدِيكَرِب: وإذا تجيءُ كتيبةٌ مَلْمُومةٌ … شَهْباءُ يَخْشَى الذائدونَ صِيَالَها (١) كنتَ المقدَّم غيرَ لابسِ جُنَّةٍ … بالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلمًا أبطالَها (٢) فقال: يا أمير المؤمنين وصفَهُ بالخَرَق ووصفتُك بالحَزْم. ودخل يومًا على عبدِ الملك وهو يتجهَّزُ للخروج إلى مُصعب بن الزُّبير فقال: وَيْحك يا كُثَيِّر، ذكرتك الآنَ بشعرِك، فإنْ أصبتَهُ أعطيْتُكَ حكمك. فقال: يا أمير المؤمنين، كأنَّك لما ودَّعتَ عاتكةَ بنت يزيد بكَتْ لفراقِك فبكَى لبكائها حشَمُها فذكرتَ قولي: إذا ما أرادَ الغَزْوَ لم تَثْنِ عَزْمهُ … حَصَانٌ عليها نَظْمُ دُرٍّ يَزينُها نهَتْهُ فلمَّا لم ترَالنَّهيَ عاقَهُ … بكَتْ فبكى ممَّا عَرَاها قَطينُها (٣) قال: أصبتَ فاحتكِمْ، قال: مئة ناقة من نُوقك المختارَة. قال: هي لك. فلما سار عبدُ الملك إلى العراق نظرَ يومًا إلى كُثَيِّر عزَّةَ وهو مفكِّرٌ في أمره فقال: عليَّ به. فلما جيء به قال له: أرأيتَ إنْ أخبرتُك بما كنتَ تفكِّر به تُعطيني حُكْمي؟ قال: نعم. قال: واللّه! قال: واللّه. قال له عبد الملك: إنك تقولُ في نفسك: هذا رجلٌ ليس هو على مذهبي، وهو ذاهبٌ إلى قتالِ رجلٍ ليس هو على مذهبي، فإنْ أصابَني سَهْمٌ غَرْبٌ من بينهما خَسِرْتُ الدنيا والآخرة. فقال: إي واللّه يا أمير المؤمنين فاحتكمْ، قال: أحتكمُ حُكْمي أنْ أرُدُّك إلى أهلك وأُحسنُ جائزتَك. فأعطاهُ مالًا وأذِن له بالانصراف. وقال حمَّادُ الراوية عن كُثَيِّر عزَّة: وَفَدْتُ أنا والأحْوَص ونُصَيب إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز حينَ ولي الخلافة، ونحن نمُتُّ إليه بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، [لما كان بالمدينة]، فكلٌّ منَّا يظنُّ أنه سيشرَكهُ في الخلافة. فنحنُ نسيرُ ونختالُ في رحالِنا، فلما انتهينا إلى خُنَاصِرَة ولاحَتْ لنا أعلامُها، تلَقَّانا مَسْلمةُ بنُ عبدِ الملك فقال: ما أقدَمَكم؟ أو ما علمتم أنَّ صاحبكم لا يحبُّ الشعرَ ولا الشعراء؟ قال: فوجَمْنا لذلك، فأنزلَنا مسلمةُ عندَه، وأجْرَى علينا النفقات، وعلَفَ دوابَّنا، وأقمْنا عندَه أربعةَ أشهر، لا يمكنُه أنْ يستأذِنَ لنا على عمر، فلما كان في بعض الجُمَع دنوت من الخليفة لأسمعَ خطبته فأسلّم عليه بعد الصلاة، فسمعتُه يقول في خطبته: لكل سفرٍ زادٌ لا محالة، فتزوَّدوا لسفرِكم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمنْ عايَنَ ما أعدَّ اللَّه له من عذابه وثوابِه فترْغَبوا وتَرْهَبوا، ولا يطولَنَّ عليكم الأمدُ

стр. 4600

فتقسُو قلوبكم، وتنقادوا لعدوِّكم، فإنه والله ما بُسِطَ أمَلُ منْ لا يَدْريي لعله لا يُمسي بعد إصباحِه ولا يُصبح بعدَ إمسائه؛ وربما كانتْ له من ذلك خَطَراتُ الموتِ والمنايا، وإنما يطمئنُّ من وَثِقَ بالنجاة من عذابِ اللهِ وأهوالِ يوم القيامة؛ فأمَّا منْ لا يُدَاوي من الدنيا كَلْمًا إلَّا أصابه جارحٌ من ناحيةٍ أخرى، فكيف يطمئنّ؟ أعوذُ بالله أنْ آمرَكم بما أنهى عنه نفسي فتخسَر صَفْقتي، وتَبْدو مسكنتي في يومٍ لا ينفَعُ فيه إلا الحقُّ والصِّدْقُ. ثم بكى حتى ظننَّا أنه قاضٍ نَحْبَه؛ وارتجَّ المسجدُ وما حوله بالبُكَاءِ والعَويل (١). قال: فانصرفتُ إلى صاحبيَّ فقلت: خُذَا سرحًا (٢) من الشعر غير ما كُنَّا نقول لعمر وآبائه، فإنَّه رجلُ أُخرَى ليس برجلِ دُنيا. قال: ثم استأذن لنا مسلمةُ عليه يومَ الجمعة، فلما دخلنا عليه سلَّمتُ عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثواءُ وقلَّت الفائدة، وتحدَّثَ بجفائك إيانا وفودُ العرب. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقرأ الآية، فإنْ كنتم من هؤلاء أُعطيتم و إلَّا فلا حقَّ لكم فيها. فقلتُ: يا أمير المؤمنين، إني مسكينٌ وعابرُ سبيل ومنقَطعٌ به. فقال: ألستم عندَ أبي سعيد؟ - يعني مَسْلَمة بن عبد الملك - فقلنا: بلى. فقال: إنه لا ثواءَ على من هو عندَ أبي سعيد. فقلت: ائذنْ لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد، قال: نعم ولا تقولنَّ إلَّا حقًّا. فأنشدتُهُ قصيدةً فيه: وليتَ فلم تَشْتِمْ عليًّا ولم تُخِفْ … بريئًا ولم تقبَلْ إشارةَ مُجْرمِ وصدَّقْتَ بالفعلِ المقالَ مع الذي … أتيت فأمسى راضيًا كلُّ مسلم ألا إنما يكفي الفَتَى بعدَ زَيْغِهِ … من الأوَدِ البَادي ثِقافُ المقوِّمِ وقد لبسَتْ تسعَى إليك ثيابَها … تراءى لكَ الدنيا بكفٍّ ومِعْصَمِ (٣) وتُومضُ أحيانًا بعينٍ مريضةٍ … وتَبْسمُ عن مثل الجُمان المنظَّمِ فأعرضتَ عنها مشمئزًا كأنما … سقَتْكَ مَذوقًا من سمامٍ وعَلْقَمِ وقد كنتَ من أجْبَالها في مُمَنَّعٍ … ومنْ بحرِها في مُزْبِدِ المَوْجِ مُفْعَمِ وما زلتَ تَوَّاقًا إلى كُلِّ غايةٍ … بلغتَ بها أعلى البناءَ المقدَّمِ فلمَّا أتاكَ الملكُ عَفْوًا ولم يَكُنْ … لطالبِ دُنْيا بعدَهُ في تكلِّمِ تركتَ الذي يَفْنى وإنْ كان مونقًا … وآثرتَ ما يَبقَى برأي مُصَمِّمِ وأضررتَ بالفاني وشَمَّرْتَ للذي … أمامكَ في يومٍ من الشرِّ مظلمِ وما لكَ إذ كنتَ الخليفةَ مانعٌ … سوى اللّهِ من مالٍ رعَيْتَ ولا دَمِ

стр. 4601

سما لكَ همٌّ في الفؤاد مؤرِّقٌ … بلغتَ بهِ أعلى المعالي بسُلَّمِ فما بينَ شرْقِ الأرض والغرب كلِّها … منادٍ ينادي منْ فصيحٍ وأعجمِ يقولُ أميرَ المؤمنينَ ظلمتني … بأخذِكَ ديناري ولا أخْذِ دِرْهمي ولا بَسْطِ كفٍّ لامرئً غير مجرمٍ … ولا السَّفْكِ منهُ ظالمًا مِلْءَ مِحْجَمِ ولو يستطيعُ المسلمونَ لقسَّمُوا … لكَ الشَّطْرَ من أعمارهمْ غيرَ نُدَّمِ فَعِشْتَ بها ما حَجَّ للهِ راكبٌ … مُغذٌّ (١) مُطيفٌ بالمَقَامِ وزَمْزَمِ فأرْبِحْ بها من صَفْقة لمبايعٍ … وأعظِمْ بها أعْظِمْ بها ثمَ أعظِم (٢) قال: فأقبل عليَّ عمر بن عبد العزيز وقال: إنك تُسأل عن هذا يومَ القيامة. ثم استأذنه الأحوصُ فأنشده قصيدةً أخرى فقال له: إنك تُسألُ عن هذا يومَ القيامة (٣). ثم استأذنه نُصَيب فلم يأذنْ له، وأمر لكلِّ واحدٍ منهم بمئة وخمسين درهمًا، وأغْزَى نُصَيبًا إلى مَرْج دابِق (٤). وقد وَفَدَ كثيرُ عزَّةَ بعدَ ذلك على يزيدَ بنِ عبد الملك، فامتدحه بقصائد، فأعطاه سبعَ مئةِ دينار. وقال الزُّبير بن بكار: كان كُثيِّر عزَّةَ شيعيًّا خَشَبِيًّا (٥)، يرى الرَّجْعة، وكان يَرَى التناسُخ، ويحتجُّ بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] (٦). وقال موسى بن عُقْبَة: هُوِّلَ كُثيِّرُ عزَّة ليلةً في منامه، فأصبح يمتدحُ آل الزُّبير، ويَرْثي عبدَ الله بن الزُّبير، وكان سيِّئ الرأي فيه: بمفتضحِ البطحاءِ ثاوٍ لوَ أنَّه … أقامَ بها ما لم تَرُمْها الأخاشبُ سَرحْنا سُروبًا آمنينَ ومنْ يخفْ … بوائِقَ ما يخشى تَنُبْهُ النوائبُ

стр. 4602

تبرَّأتُ من عيْبِ ابن أسماءَ إنني … إلى اللهِ من عَيْبِ ابنِ أسماءَ تائبُ هوَ المرءُ لا تُزْري بهِ أمهاتُه … وآباؤهُ فينا الكرامُ الأطايبُ (١) وقال مُصعب بن عبد الله الزبيري: قالتْ عائشةُ بنتُ طَلْحة لكُثيِّر عَزَّة: ما الذي يدعوك إلى ما تقولُ من الشعر في عزَّة وليستْ على ما تَصِفُ من الحُسن والجمال؟ فلو قلت ذلك فيّ وفي أمثالي فأنا أشرفُ وأفضلُ وأحسَنُ منها (٢) وإنما أرادتْ أنْ تختبرَه وتبلوَه، فقال: صَحَا قلبُهُ يا عزُّ أو كادَ يذهلُ … وأضحى يريدُ الصُّرْمَ أو يتبدَّلُ وكيف يُريدُ الصُّرْمَ منْ هوَ وامِقٌ … لعزَّةَ لا قالٍ ولا متبذَّلُ إذا واصلَتْنا خُلَّةٌ كي تُزِيلَنا … أبَيْنا وقلنا الحاجِبيَّةُ أوَّلُ سنوليكِ عُرْفًا إنْ أردتِ وصالَنا … ونحنُ لِتيكَ الحاجبيَّةِ أوْصلُ وحدَّثَها الواشونَ أنى هجرتُها … فحمَّلها غَيْظًا على المحمِّلُ (٣) فقالتْ له عائشة: قد جعلْتَني خُلَّةً ولستُ لك بِخُلَّة؛ وهلَّا قلتَ كما قال جميل، فهو والله أشعرُ منك حيثُ يقول: يا ربَّ عارضةٍ علينا وصلَها … بالجِدِّ تخلِطُهُ بقولِ الهازِلِ فأجبتُها بالقولِ بعدَ تسَتُّرٍ … حُبِّي بُثينةَ عن وصالِكِ شاغِلي لو كانَ في قلبي بقَدْرِ قُلامةٍ … فَضْلٌ وصَلْتُكِ أو أتَتْكِ رسائلي (٤) فقال: والله ما أُذكر فضلَ جَميل، وما أنا إلا حسنة من حسناتِه، واستحيا. ومما أنشدَهُ ابنُ الأنباري لكُثَيّر عزَّة: بأبي وأُمِّي أنتِ من معشوقةٍ … طَبِنَ العدوُّ لها فغيَّرَ حالَها ومشى إليَّ بعيب عزةَ نسوةٌ … جعلَ الإلهُ خدودهن نِعَالَها اللهُ يعلمُ لو جمعْنَ ومُثِّلَت … لاختَرْتُ قبلَ تأمُّلٍ تمثالَها ولو أنَّ عزةَ خاصمت شمسَ الضُّحى … في الحُسْن عندَ موفَّقٍ لقَضى لها (٥)

стр. 4603

وأنشد غيره لكثيِّر عزَّة (١): فما أحدثَ النأيُ الذي كانَ بيننا … سُلُوًّا ولا طولُ اجتماعٍ تقالِيا وما زادني الواشونَ إلا صَبَابةً … ولا كثرةُ الناهينَ إلَّا تماديا وقال كُثَيِّر أيضًا: فقلتُ لها يا عزُّ كلُّ مصيبةٍ … إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ هَنيئًا مَريئًا غيرَ داءٍ مخامرٍ … لِعَزَّةَ من أعراضِنا ما استحلَّتِ (٢) وقال كُثير عزَّة أيضًا، وفيه حِكْمةٌ أيضًا: ومنْ لا يُغمِّضْ عَيْنهُ عن صديقهِ … وعن بعضِ ما فيه يمُتْ وهْو عَاتبُ ومن يتتبَّعْ جاهدًا كلَّ عَثْرةٍ … يَجِدْها ولا يَبْقَى له الدَّهْرَ صاحبُ (٣) وذكروا أنَّ عزَّةَ بنت جميل بن حفص أحدِ بني حاجب بن عبد اللَّه بنِ غفَار، أمُّ عمرو الضَّمرِيَّة؛ وفدَتْ على عبدِ الملك بن مروان تشكو إليه ظُلامة، فقال: لا أقضيها لكِ حتى تنشديني شيئًا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرًا، لكني سمعتُهم يَحْكونَ عنه أنه قال فيَّ هذه الأبيات: قَضَى كلُّ ذي دَيْنٍ علمتُ غَريمَهُ … وَعزَّةُ مَمْطُولٌ معنَّى غَريمُها (٤) فقال: ليس عن هذا أسألكِ ولكنْ أنشديني قوله: وقد زعمتْ أني تغيَّرْتُ بعدَها … ومَنْ ذا الذي يا عَزُّ لا يتغيَّرُ تغيَّر جِسْمي والخليقةُ كالذي … عَهِدْتِ ولمْ يُخْبَرْ بسِرِّكِ مخبَرُ (٥) قال فاستحيَتْ وقالتْ: أما هذا فلا أحفَظُه، ولكنْ سمعتُهم يحكونهُ عنهُ، ولكنْ أحفظُ له قولَه: كأنِّي أُنادي صخرةً حينَ أعرَضَتْ … منَ الصُّمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زلَّتِ صَفُوحٌ فما تلقاكَ إلا بَخيلةً … ومنْ ملَّ منها ذلكَ الوَصْلَ مَلَّت (٦)

стр. 4604

قال فقَضَى لها حاجتَها وردَّها وَردَّ عليها ظُلامتها وقال: أدْخِلُوها على الحُرَم ليتعلَّموا من أدبها (١). ورُوي عن بعض نساءِ العرب قالت: اجتازتْ بنا عزَّة، فاجتمع نساءُ الحاضر إليها لينظُرْنَ حُسْنها، فإذا هي حُميراء، حلوةٌ لطيفة؛ فلم تقعْ من النساءَ بذاك الموقع، حتى تكلَّمَتْ، فإذا هي أبرَعُ النساءَ وأحلاهنَ حديثًا، فما بقيَ في أعيينا امرأةٌ تفوقُها حسنًا وجمالًا وحلاوةً. وذكر الأصمعيُّ عن سفيانَ بن عُيَينة، قال: دخلتْ عزَّةُ على سُكينةَ بنتِ الحسين فقالتْ لها: إني أسألُكِ عن شيء فاصدُقيني، ما الذي أراد كُثَيِّرٌ في قوله لك: قَضَى كُلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَريمهُ … وعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعنَّى غَريمُها فقالتْ: كنتُ وعدتُه قُبْلةً فمطلْتُه بها، فقالت: أنجزيها له وإثمها عليَّ (٢). وقد [كانتْ سُكينةُ بنتُ الحسين من أحسنِ النساء، حتى كان يُضربُ بحُسْنها المَثَل] (٣). ورُوي أنَّ أُمَّ البنين أخت عمر بن عبد العزيز قالت لها مثل هذا سواء. واللّه أعلم. وروي أنَّ عبدَ الملك بن مروان أراد أن يزوِّج كثيرًا من عَزَّة، فأبتْ عليه وقالتْ: يا أميرَ المؤمنين أبعدَ ما فَضَحني بين الناس وشهرني في العرب؟ وامتنعتْ من ذلك كلَّ الامتناع! رواه ابن عساكر (٤). وروى (٥) أنها اجتازَتْ مرَّةً بكُثَيِّر وهو لا يعرفُها فتنكَّرتْ عليه وأرادَتْ أن تختبر ما عندَه. فتعرَّض لها، فقالتْ: فأين حُبُّك عَزَّة؟ فقال: أنا لك الفِدَاء، لو أنَّ عزَّةَ أمةٌ لي لوهبتُها لك. فقالتْ: وَيْحكَ، لا تفعلْ، ألستَ القائل: إذا وصلتْنا خُلَّةٌ كي تُزيلنا … أبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أوَّلُ؟ فقال: بأبي أنتِ وأُمي، أقصِرِي عن ذكرِها واسمعي ما أقول: هل وصلُ عزَّةَ إلَّا وصلُ غانيةٍ … في وصلِ غانيةٍ منْ وَصْلِها بدَلُ (٦) قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومنْ لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلتَ في عزَّة؟ قال: أقلِبُه فيتحَّولُ لكِ. قال فسفَرتْ عن وجْهِها وقالت: أغدْرًا وتنكاثًا يا فاسق، وإنَّك لها هنا يا عدوَّ اللَّه،

стр. 4605

فبُهتَ وأبْلَس ولم ينطِقْ، وتحيَّر وخَجِل، ثم قالت: قاتل الله جميلًا حيثُ يقول: لحَا اللّهُ منْ لا ينفعُ الوُدُّ عندَهُ … ومنْ حَبْلُهُ إنْ صُدَّ غَيْرُ مَتينِ ومنْ هو ذو وجهَيْنِ ليسَ بدائمٍ … على العَهْدِ حَلَّافٌ بكلِّ يمين (١) ثم شرَعَ كثير يعتذِرُ ويتنصَّل مما وقع منه ويقول في ذلك الأشعارَ ذاكرًا وآثرًا (٢). وقد ماتَتْ عَزَّةُ بمصرَ في أيام عبد العزيزِ بنِ مروان، وزار كُثَيِّرٌ قبرَها، ورثاها، وتغيَّرَ شعرُه بعدَها، فقال له قائل: ما بالُ شعرِك تغيَّر وقد قصَّرْتَ فيه؟ فقال: ماتتْ عزَّةُ ولا أطرب، وذهب الشبابُ فلا أعجَب، وماتَ عبدُ العزيز بن مروان فلا أرغَب، وإنما ينشَأُ الشعرُ عن هذه الخِلال. وكانت وفاتُه ووفاة عِكرمة في يومٍ واحد، ولكنْ في سنةِ خمسين ومئة على المشهور. وإنما ذكره شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي في هذه السَّنة - أعني سنة سبعٍ ومئة - واللّه سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان ومئة ففيها افتتح مَسْلَمةُ بن عبد الملك قَيْساريَّة من بلاد الروم، وفتح إبراهيمُ بن هشام بن عبد الملك حصنًا من حصون الرُّوم أيضًا، وفيها غزا أسدُ بن عبد اللَّه القَسْريُّ أميرُ خراسان، فكسَرَ الأتراك كسرةً فاضحة. [وفيها زحَفَ خاقانُ إلى أذْربيجان، وحاصر مدينةَ وَرْثان (٣)، ورماها بالمَنَاجيق، فسار إليه أميرُ تلك الناحية الحارث بن عمرو نائبُ مسلمةَ بنِ عبد الملك، فالتقى مع خاقان ملكِ الترك فهزمَهُ، وقُتل من جيشه خَلْقٌ كثير، وهرب الخاقانُ بعد أنْ كان قُتل في جملة من قتل جيشه، وقُتل الحارثُ بن عمرو شهيدًا، وذلك بعد أنْ قتلوا من الأتراك خَلْقًا كثيرًا. وفيها غزا معاويةُ بنُ هشام بن عبد الملك أرضَ الروم، وبعث البَطَّال على جيشٍ كثيف، فافتَتَح جَنْجَرة (٤)، وغَنِم منها شيئًا كثيرًا] (٥).

стр. 4606

وفيها تُوفي من الأعيان: بَكْرُ بن عبد اللَّه المُزني البصري (١). وراشد بن سعد المقرائي الحمصي (٢). ومحمد بن كعب القرظي (٣): توفي فيها في قولٍ.

стр. 4607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4609

وأبو نَضْرَةَ المنذرُ بن مالك بن قطعة العبدي (١): وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل (٢). وحجَّ بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أمير الحرمين والطائف، والعمال فيها هم العمال في التي قبلها بأعيانهم (٣). ثم دخلت سنة تسع ومئة ففيها عَزل هشامُ بن عبدِ الملك أسَدَ بنَ عبد الله القَسْريَّ عن إمرة خُراسان، وأمَرهُ أن يقدَم إلى الحجّ، فأقبَلَ منها في رمضان، واستخلف على خراسان الحكم بن عَوَانة الكَلْبي، واستنابَ هشامُ على خراسان، أشرَسَ بن عبد الله السلمي، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القَسْري، وكان أشرسُ فاضلًا خيِّرًا، وكان يُسمَّى الكامل لذلك، وكان أولَ من اتخذ المرابطة بخراسان، واستعمل عليها عبد الملك بن دثار الباهلي، وتولَّى هو الأمورَ بنفسِه كبيرَها وصغيرَها، ففَرِح بهِ أهلُها (٤). وفيها حجَّ بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين والطائف. سنة عشر ومئة من الهجرة النبويّة فيها قاتل مَسْلَمةُ بن عبدِ الملك ملكَ التُّرْكِ الأعظم خاقان، فزحف إلى مسلمةَ في جموعٍ عظيمة فتواقفوا نحوًا من شهر، ثم هزَمَ الله خاقان زمنَ الشتاء، ورجع مسلمةُ سالمًا غانمًا، فسلك على مسلك ذي القَرْنين في رجوعه إلى الشام، وتُسَمَّى هذه الغَزَاةُ غزاةَ الطِّين، وذلك أنهم سلكوا على مغارق

стр. 4610

ومواضع غَرِق فيها دواب كثيرة، وتوحَّل فيها خَلْقٌ كثير، فما نجَوْا حتى قاسَوْا شدائدَ وأهوالًا صِعابًا، وشدائد عظامًا (١). وفيها دعا أشرسُ بن عبدِ الله السلمي نائبُ خراسان أهلَ الذِّمَّة بسَمَرْقَنْد ومنْ وراءَ النهر إلى الدخولِ في الإسلام، على أن يضعَ عنهم الجِزية، فأجابوهُ إلى ذلك، وأسلم غالبهم (٢)، ثم طالبهم بالجِزْية فنَصبوا له الحَرْب وقاتلوه؛ ثم كانت بينه وبين الترك حروبٌ كثيرة، أطال ابنُ جريرٍ بسطَها وشرحها فوق الحاجة (٣). وفيها [أرسل أميرُ المؤمنين هشامٌ عُبيدة (٤) إلى إفْريقيةَ متولِّيًا عليها؛ فلما وصل جَهَّزَ ابنه وأخاه في جيش، فالتقَوْا مع المشركين، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وأسروا بطريقهم وانهزم باقيهم، وغنم المسلمون منهم شيئًا كثيرًا. وفيها افتتح معاويةُ بن هشام حِصْنَيْنِ من بلاد الرُّوم، وغنم غنائمَ جَمَّة. وفيها] (٥) حجَّ بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، أمير الحرمين والطائف، وعلى العراق خالد القَسْري، وعلى خُراسان أشْرَسُ السُّلَمي. ذكر من تُوفي فيها من الأعيان: جَرير الشاعر (٦): وهو جَرير بنُ الخَطَفَى ويقال: جرير بن عَطيَّة بن الخَطَفَى، واسمُ الخَطَفى حُذيفة بن بدر بن سلمة بن عَوْف بن كُليب بن يَرْبوع بن حَنْظَلة بن مالك بن زيد مَنَاة بن تميم بن مُرَّ بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نزار، أبو حَزْرَة (٧) الشاعر البَصْري، قدِم دمشق مرارًا عدَّة، وامتدح يزيدَ بن معاوية، وعبد الملك بن مروان وبنيه الوليد وسليمان ويزيد، ووفد على عمر بن عبد العزيز؛ وكان في عصرِهِ من الشعراء الذين يقارنونه الفرَزْدَقُ والأخْطَل، وكان جريرٌ أشعرَهم وأخْيَرَهم. قال غيرُ واحدٍ: هو أشعرُ الثلاثة.

стр. 4611

قال أبو بكر بنُ دريد: حدَّثنا الأشْنَانْدَاني، حدَّثنا التوَّزيُّ (١) عن أبي عُبيدة عن عثمان البَتِّي، قال: رأيتُ جريرًا وما تضم شفتاه من التسبيح، فقلت: وما ينفعك هذا وأنت تقذفُ المحصنة؟ فقال: "سبحان اللَّه والحمد للّه ولا إله إلا الله والله أكبر، إنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئات"، وَعْدٌ من اللَّه حَق (٢). وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: دخل رجلٌ من بني عُذْرة على عبد الملك بن مروان يمتدحُه بقصيدة وعنده الشعراء الثلاثة، جرير والفرزدق والأخطل، فلم يعرِفْهُم الأعرابي، فقال عبد الملك للأعرابي: هل تعرفُ أهجى بيتٍ قالتْه العرب في الإسلام؟ قال: نعم! قولُ جرير: فَغُضَّ الطرفَ إنكَ من نُمَيْرٍ … فلا كَعْبًا بلغتَ ولا كِلابا فقال: أحسنت؛ فهل تعرفُ أمدحَ بيتٍ قيل في الإسلام؟ قال نعم! قولُ جرير: ألستمْ خيرَ من ركبَ المطايا … وأندَى العالمين بطونَ راحِ فقال: أصبتَ وأحسنت، فهل تعرفُ أرقَّ بيتٍ قيل في الإسلام؟ قال: نعم! قولُ جرير: إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها مَرضٌ … قَتَلْنَنا ثُمَّ لم يُحيينَ قَتلانا يصرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حَرَاكَ به … وهنَّ أضْعفُ خلْقِ الله أرْكانا فقال: أحسنت؛ فهل تعرفُ جريرًا؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيتِه لمشتاق. قال: فهذا جرير وهذا الفرزدق، وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول: فحَيَّا الإله أبا حَزْرَةٍ (٣) … وأرغمَ أنفكَ يا أخطلُ وجدُّ الفرزدقِ أتعِسْ بهِ … ودَقَّ خياشيمَهُ الجَنْدلُ فأنشأ الفرزدق يقول: يا أرغَم اللّهُ أنفًا أنتَ حاملُهُ … يا ذا الخَنا ومَقَالِ الزُّورِ والخطَلِ ما أنتَ بالحكمِ الْتُرْضَى حكومَتُهُ … ولا الأصيلِ ولا ذي الرَّأْيِ والجدَلِ ثم أنشأ الأخطل يقول: يا شرَّ منْ حملَتْ ساقٌ على قدمٍ … ما مثلُ قولكَ في الأقوامِ يُحتَملُ

стр. 4612

إنَّ الحكومةَ ليستْ في أبيكَ ولا … في معشرٍ أنتَ منهمْ إنهمْ سفَلُ فقام جرير مغضبًا وقال: شتمتما قائلًا بالحقِّ مبتدئًا … عند الخليفةِ والأقوالُ تنتضلُ أتشتمانِ سَفاهًا خَيْرَكمْ حسبًا … ففيكما - وإلَهي - الزُّورُ والخطَلُ شتمتماهُ على رَفْعي ووضْعِكما … لا زِلْتما في سفَالٍ أيُّها السَّفَلُ (١) ثم وَثَبَ جريرٌ فقبَّلَ رأسَ الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له؛ وكانت خمسة عشر ألفًا. فقال عبد الملك: وله مثلُها من مالي، فقبض الأعرابي ذلك كلَّه وخَرَج (٢). وحكى يعقوبُ بن السِّكِّيت، أنَّ جريرًا دخل على عبد الملك مع وَفدِ أهلِ العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحَهُ الذي يقولُ فيه: ألستمْ خيرَ من رَكبَ المطايا … وأندى العالمين بطونَ راحِ (٣) فأطلَق له مئة ناقة وثمانيةً من الرِّعاء، أربعة من النوبة، وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصُّغْد. قال جرير: وبين يدي أمير المؤمنين عبد الملك جاماتٌ (٤) من فضَّة قد أُهديَتْ له، وهو لا يعبأ بها شيئًا، فهو يقرَعُها بقضيبٍ في يده، فقلت: يا أمير المؤمنين المحلب، فألقى إليَّ واحدًا من تلك الجامات، ولما رجع إلى الحجَّاج أعجبَهُ إكرامُ أميرِ المؤمنين له، فأطلق الحجَّاج له خمسين ناقةً تحملُ طعامًا لأهله. وحكى نِفْطوَيْه أنَّ جريرًا دخل يومًا على بشر بن مروان وعنده الأخطل، فقال بشر لجرير: أتعرفُ هذا؟ قال: لا، ومنْ هذا أيها الأمير؟ فقال: هذا الأخطل. فقال الأخطل: أنا الذي شتمتُ عِرْضَك وأسهرت ليلك، وآذيت قومك. فقال جرير: أما قولك شتمت عرضك؛ فما ضرَّ البحرَ أنْ يشتمَهُ منْ غَرِق فيه، وأما قولك وأسهرتُ ليلك، فلو تركتني أنامُ لكانَ خيرًا لك، وأما قولك وآذيتُ قومك، فكيف تؤذي قومًا أنت تؤدِّي الجِزْية إليهم؟ وكان الأخطل من نصارَى العرب المتنصِّرة، قَبَّحهُ اللَّه وأبعدَ مثواه، [وهو الذي أنشدَ بشر بن مروان قصيدته التي يقولُ فيها:

стр. 4613

قدِ استوى بِشْرٌ على العراقِ … من غيرِ سيفٍ ودمٍ مُهْرَاق (١) وهذا البيت تستدلُّ به الجهميَّةُ على أنَّ الاستواءَ على العرش بمعنى الاستيلاء؛ وهذا من تحريفِ الكَلِم عن مواضعِه، وليس في بيت هذا النصراني حُجّةٌ ولا دليلٌ على ذلك، ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قولِ الجهميَّة علوًّا كبيرًا، فإنَّه إنما يقال استوى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيًا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بِشْرٍ على العراق، واستيلاء المَلِك على المدينة بعد عصيانِها عليه، وعَرْشُ الربِّ لم يكنْ ممتنعًا عليه نفَسًا واحدًا، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، ولا تجد أضعف من حُجج الجَهْمية، حتى أدَّاهم الإفلاس من الحُجَج إلى بيتِ هذا النصرانيِّ المقبُوح، وليس فيه حجة واللّه أعلم (٢). وقال الهيثم بن عَدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استُخلف عمر بن عبد العزيز وفَدَ إليه الشعراء، فمكثوا ببابه أيامًا لا يؤذَنُ لهم ولا يُلتفتُ إليهم، فساءهم ذلك، وهمُّوا بالرجوع إلى بلادهم، فمرَّ بهم رجاءُ بن حَيْوَة، فقال له جرير: يا أيُّها الرجلُ المُرْخي عِمَامتَهُ … هذا زمانُكَ فاستأذِنْ لنا عُمرا فدخل ولم يذكُرْ لعمرَ مِنْ أمرهم شيئًا، فمرَّ بهم عديُّ بن أرْطَاة فقال له جرير منشدًا: يا أيها الراكبُ المرخي مَطِيَّتهُ (٣) … هذا زمانكَ إني قدْ مَضَى زمني أبلغْ خليفَتنا إنْ كنتَ لاقيَه … أني لدى البابِ كالمَصْفودِ في قَرَنِ لا تنسَ حاجتَنا لاقَيْتَ مغفرةً … قد طالَ مُكْثي عن أهلي وعن وطني (٤) فدخل عديٌّ على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك، وسهامُهم مسمومة، وأقوالُهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي، ما لي وللشعراء؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ رسولَ الله ﷺ قد كان يسمَعُ الشعر ويُجْزي عليه، وقد أنشده العباسُ بن مِرْداس مِدْحةً فأعطاه حُلَّة، فقال له عمر: أتَرْوي منها شيئًا؟ قال: نعم فأنشده: رأيتُكَ يا خيرَ البريَّةِ كلِّها … نشَرْتَ كتابًا جاءَ بالحقِّ معلَما شرعتَ لنا دينَ الهُدَى بعدَ جَوْرنا … عنِ الحقِّ لما أصبحَ الحقُّ مظلما

стр. 4614

ونوَّرتَ بالبرهانِ أمرًا مدلَّسًا … واطفأتَ بالبرهانِ (١) نارًا تضرَّما فمنْ مبلغٌ عنّي النبيَّ محمدًا … وكلُّ امرئٍ يُجْزى بما كانَ قدَّما أقمتَ سبيلَ الحقِّ بعدَ اعوجاجِه … وكانَ قديمًا رُكْنه قد تهدَّما تعالى عُلوَّا فوقَ عرشِ إلَهنا … وكانَ مكانُ اللَّه أعلى وأعظَما فقال عمر: منْ بالباب منهم؟ فقال عمر بن أبي ربيعة، فقال: أليس هو الذي يقول: ثم نَبَّهتُها فهبَّتْ كعابًا … طفلةٌ ما تُبينُ رَجْعَ الكلامِ ساعةً ثم إنها بعدُ قالتْ … وَيْلَنا قد عجلتَ يا ابنَ الكرامِ أعلى غيرِ موعدٍ جئتَ تسري … تتخطَّى إلى رؤوسِ النيامِ ما تجشَّمتَ ما تريدُ من الأمرِ … ولا جئتَ طارقًا لخصام (٢) فلو كان عدوُّ اللَّه إذْ فجَرَ، كَتَم، وستَرَ على نفسه، لا يدخل [عليَّ] واللّه أبدًا، فمن بالبابِ سواه؟: همَّام بن غالب - يعني الفَرَزْدَق - فقال عمر: أو ليس هو الذي يقولُ في شعره: هما دلَّياني من ثمانينَ قامةً … كما انقضَّ بازٍ أقْتَمُ الريش كاسِرُهْ فلما استوَتْ رجلايَ بالأرضِ قالتا … أحيٌّ فيُرجَى أمْ قتيلٌ نُحَاذِرُه (٣) لا يطأ واللّه بساطي وهو كذاب، فمنْ سواه بالباب؟ قال: الأخطل، قال: أو ليس هو الذي يقول: ولستُ بصائمٍ رمضانَ طوعًا (٤) … ولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي ولستُ بزاجر عِيسًا بكورًا … إلى بَطْحَاءَ مكّةَ للنجاحِ ولستُ بزائرٍ بيتًا بعيدًا … بمكةَ أبتغي فيهِ صَلاحي ولستُ بقائمٍ كالعَيْرِ أدْعو … قُبَيل الصُّبحِ حَيَّ على الفلاحِ ولكني سأشربها شَمُولًا … وأسجُدُ عندَ منبلجِ الصباحِ (٥) والله لا يدخلُ عليَّ وهو كافرٌ أبدًا؛ فهل بالبابِ سوى منْ ذكرتَ؟ قال: نعم الأحْوَص، قال: أليس الذي يقول:

стр. 4615

اللهُ بيني وبينَ سيِّدِها … يفرُّ منِّي بها وأتْبَعُهُ فما هو دونَ منْ ذكرت، فمَنْ هاهنا غيره؟ قال جَمِيل بن مَعْمَر، قال: الذي يقول: ألا ليتنا نَحْيَا جَميعًا وإنْ نَمُتْ … يوافقُ في الموتى ضريحي ضَريحُها فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍ … إذا قيلَ قد سُوِّي علَيْها صَفِيحُها (١) فلو كان عدوُّ الله تمنَّى لقاءَها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحًا ويتوب؛ واللّه لا يدخل عليَّ أبدًا؛ فهل بالباب أحدٌ سوى ذلك؟ قلت: جَرير، قال: أما إنه الذي يقول: طرَقَتْك صائدةُ القلوبِ وليس ذا … حينَ الزيارةِ فارْجِعي بسلامِ (٢) فإنْ كان لا بدَّ فأذَنْ لجرير، فأذن له، فدخل على عمر وهو يقول: إنَّ الذي بعثَ النبيَّ محمدًا … جعلَ الخلافةَ للإمامِ العادلِ وسعَ الخلائقَ عَدْلُهُ ووفاؤه … حتى ارْعوى وأقامَ ميلَ المائلِ إني لأرجو منكَ خيرًا عاجلًا … والنفسُ مولَعةٌ بحُبِّ العاجلِ (٣) فقال له: ويحك يا جرير، اتَّقِ اللَّه فيما تقول، ثم إنَّ جريرًا استأذن عمرَ في الإنشاد فلم يأذنْ له، ولم يَنْهه، فأنشده قصيدةً طَويلة يمدَحُهُ بها (٤)، فقال له: ويحك يا جَرير لا أرى لك فيما هاهنا حقًا، فقال: إني مِسْكين وابنُ سَبيل. قال: إنَّا وَلينا هذا الأمر ونحنُ لا نملكُ إلا ثلاثَ مئة درهم، أخذتْ أمُّ عبد الله مئة، وابنها مئة، وقد بقيَتْ مئة، فأمر له بها، فخرج على الشعراء فقالوا: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوؤكم، خرجتُ من عندِ أمير المؤمنين وهو يُعطي الفقراء، ويمنعُ الشعراء وإني عنه لراضٍ، ثم أنشأ يقول: رأيتُ رُقَى الشيطانِ لا تستفزُّه … وقدْ كانَ شيطاني منَ الجِنِّ راقيا (٥) وقال بعضُهم فيما حكاه المعافَى بنُ زكريا الجريري قالتْ جاريةٌ للحجَّاج بنِ يوسف: إنك تُدخل هذا علينا! فقال: إنه ما علمتُ عفيفًا، فقالت: أما إنك لو أخليتَني أنا وإياه سترى ما يصنع، فأمر بإخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجَّاج ولا يريانِه، ولا يشعُر جرير بشيءٍ من ذلك، فقالتْ له: يا جرير،

стр. 4616

فأطرَقَ رأسَه، وقال: هأنذا، فقالت: أنشدني من قولك كذا وكذا - لشعرٍ فيه رِقَّةٌ وتحنن - فقال: لستُ أحفظه ولكنْ أحفَظُ كذا وكذا - ويُعرضُ عن ذاك، ويُنشدُها شعرًا في مَدْحِ الحجَّاج - فقالت: لستُ أُريدُ هذا، إنما أريدُ كذا وكذا - فيُعرض عن ذاك ويُنشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس، فقال الحجاج: لله دَرُّك، أبَيْتَ إلا كرمًا وتكرُّمًا. وقال أبو عكرمة (١): أنشدتُ أعرابيًّا بيتًا لجرير بن الخَطَفى: أبدِّلَ الليلُ لا تَسْري كواكبُهُ … أو طالَ حتى حَسِبْتُ النَّجْمَ حَيْرانا (٢) فقال الأعرابي: إنَّ هذا حسنٌ في معناه، وأعوذُ بالله من مثله، ولكنِّي أُنشدُك في ضدِّه من قولي: وليلٍ لم يُقَصِّرْهُ رُقادٌ … وقصَّرهُ لنا وَصْلُ الحبيبِ نعيمُ الحبِّ أورقَ فيهِ حتى … تناوَلْنَا جَنَاهُ مِنْ قَريبِ بمجلسِ لذَّةٍ لم نقفُ فيهِ … على شكوى ولا عَيْبِ الذنوبِ خَشينا أنْ نقطِّعهُ بلفظٍ … فترجمَتِ العيونُ عن القلوبِ فقلت له: زِدْني، قال: أما من هذا فحسبك، ولكنْ أنشدك غيرَه، فأنشدني: وكنتُ إذا عقدتُ حِبال قومٍ … صحبتُهُمُ وشيمتيَ الوفاءُ فأُحسنُ حينَ يُحسنُ مُحسنوهمْ … وأجتنبُ الإساءةَ إنْ أساؤوا أشاءُ سوى مشيئتهمْ فآتي … مشيئتَهمْ وأتركُ ما أشاءُ قال ابنُ خلِّكان (٣): كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور، وأفخر بيت قاله جرير: إذا غَضبتْ عليكَ بنو تميمٍ … حسبتَ الناسَ كلَّهمُ غِضابا قال: وقد سأله رجلٌ: منْ أشعرُ الناس؟ فأخذ بيدِه وأدخلَهُ على أبيه، وإذا هو يرتضعُ من ثَدْي عَنْز، فاستدعاه، فنهَضَ واللبَنُ يَسيلُ على لحيته، فقال جريرٌ للذي سأله: أتُبْصرُ هذا؟ قال: نعم. قال: أتعرفه؟ قال: لا. قال: هذا أبي، وإنما يشربُ من ضَرْعِ العَنْز لئلا يَحْلِبَها فيسمعَ جيرانُه حِسَّ الحَلْب، فيطلبوا منه لبنًا؛ فأشْعَرُ الناسِ مَنْ فاخرَ بهذا ثمانينَ شاعرًا فغلَبَهُم (٤). وقد كان بين جرير والفرزدق مُقاولاتٌ ومهاجاةٌ كثيرة جدًّا، يطولُ ذكرُها، وقد ماتَ في سنةِ

стр. 4617

عشرٍ ومئة، قاله خليفةُ بنُ خياط (١) وغير واحد، قال خليفة (١): مات الفرزدقُ وجريرٌ بعدَهُ بأشهر. وقال الصُّولي: ماتا في سنةِ إحدى عشرةَ ومئة، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعينَ يومًا (٢). وقال الكريمي عن الأصمعي، عن أبيه، قال: رأى رجل جريرًا في المنام بعد موته، فقال له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: غفَرَ لي. فقيل: بماذا؟ قال: بتكبيرةٍ كبَّرْتُها بالبادية. قيل له: فما فعل الفرزدق؟ قال: أيهات! أهلَكَهُ قَذْفُ المُحْصَنات. قال الأصمعي: لم يدَعْهُ في الحياةِ ولا في الممات. وأما الفرزدق (٣): فاسمه همَّام بن غالب بن صَعْصَعة بْنِ ناجيةَ بنِ عِقَالِ بن محمد بن سفيان بن مُجَاشع بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن زيد بن مناة بن تَميم بن مُرِّ بنِ أُدِّ بن طابخة، أبو فراس بن أبي خطل (٤) التيميُّ البصريُّ، الشاعرُ المعروف بالفرزدق، وجدُّهُ صَعْصَعةُ بن ناجية صحابيٌّ وَفَد إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسل - وكان يحيي الموءودة في الجاهلية. حدث الفرزدقُ عن عليّ، أنَّه وَفَد (٥) مع أبيه عليه، فقال له: منْ هذا؟ قال: ابني وهو شاعر. قال: علِّمْهُ القراءة فهو خيرٌ لَهُ من الشعر (٦). وسمع الفرزدق الحسينَ بن عليّ - ورآهُ وهو ذاهبٌ إلى العراق - وأبا هريرة، وأبا سعيدٍ الخُدْري وعَرْفجة بن أسعد، وزُرَارة بنَ كَرِب، والطِّرِمَّاح بن عديّ الشاعر. وروى عنه خالد الحذَّاء ومروان الأصْفر (٧)، وحجاج بن حجاج الأحول، وجماعة. وقد وَفَدَ على معاوية يطلبُ ميراثَ عمِّه الحُتَات (٨)، وعلى الوليد بن عبد الملك، وقيل: على هشام بن عبد الملك، ولم يصحَّ ذلك.

стр. 4618

قال أشعث بن عبد الملك (١) عن الفرزدق، قال: نظر أبو هريرة إلى قدميَّ فقال: يا فرزدق، إنِّي أرى قدَمَيْكَ صغيرتَيْن، فاطلبْ لهما موضعًا في الجنة. فقلت: إنَّ ذنوبي كثيرة. فقال: لا بأس (٢) فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ بالمَغْربِ بابًا مفتوحًا للتوبةِ لا يُغلق حتى تطلُعَ الشمسُ منْ مَغْرِبها" (٣). وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال: دخلتُ على الفرزدق فتحرَّك، فإذا في رِجْله قَيْد، فقلت: ما هذا؟ فقال: حلفتُ أنْ لا أنزِعَهُ حتى أحفظَ القرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيتُ بدويًّا أقامَ بالحضَر إلَّا فسَدَ لسانُه إلَّا رؤبة بن العجَّاج والفرزدق، فإنهما زادا على طولِ الإقامة جدةً وحِدَّة. وقال راويته أبو سهل: طلَّقَ الفرزدقُ امرأته النَّوَار ثلاثًا، ثم جاء فأشهدَ على ذلك الحَسَن البصري، ثم نَدمَ على طلاقها وإشهادِه الحسنَ على ذلك، فأنشأ يقول: نَدِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا … غَدَتْ منِّي مُطَلَّقة نَوارُ وكانتْ جنَّتي فخرجْتُ منها … لكاَنَ حين أخرجَهُ الضرارُ فلو أنِّي مَلَكْتُ يدي وقلبي … لكَانَ عليَّ للقَدَرِ الخِيار (٤) وقال الأصمعي وغيرُ واحد: لما ماتتْ النَّوَارُ بنتُ أعين بن ضُبيعة المُجَاشعي امرأةُ الفرزدق، وكانت قد أوصَتْ أن يصلِّيَ عليها الحسنُ البصري، فشهدها أعيانُ أهلِ البصرةِ مع الحسن، والحسنُ على بغلته، والفرزدقُ على بعيرِه، فسارَ، فقال الحسنُ للفرزدق: ماذا يقولُ الناس؟ قال: يقولونَ شهدَ هذه الجنازةَ اليومَ خيرُ الناس - يعنونك - وشرُّ الناسِ - يعنوني - فقال له: يا أبا فِرَاس، لستُ أنا بخيرِ الناس، ولستَ أنتَ بشرِّ الناس. ثم قال له الحسن: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادةَ أنْ لا إله إلا اللَّه منذ ثمانينَ سنة. فلمَّا أنْ صلَّى عليها الحسن، مالوا إلى قبرها، فأنشأ الفرزدقُ يقول: أخافُ وراءَ القبرِ إنْ لم يُعافِني … أشدَّ من القبرِ التهابًا وأضيقا

стр. 4619

إذا جاءَني يومَ القيامةِ قائدٌ … عَنيفٌ وسوَّاقٌ يسوقُ الفرزدقا لقد خابَ منْ أولادِ دارِم (١) مَنْ مَشَى إلى النار مغلولَ القلادةِ أزرقا يُساقُ إلى نارِ الجحيمِ مُسَربَلًا … سَرابيلَ قطرانٍ لباسًا مخرَّقا إذا شربوا فيها الصَّديدَ رأيتَهم … يذوبون من حرِّ الصَّديدِ تَمَزُّقا (٢) قال: فبكى الحسنُ حتى بلَّ الثَّرى. ثم التزمَ الفرزدقَ وقال: لقد كنتَ من أبغضِ الناسِ إليّ، وإنك اليومَ من أحبِّ الناسِ إليَّ (٣). وقال له بعضُ الناس: ألا تخافُ منَ الله في قذفِ المُحْصنات؟ فقال: واللهِ للهُ أحبُّ إليَّ مِنْ عينيَّ اللتينِ أُبصرُ بهما، فكيف يُعَذِّبُني؟. وقد قدَّمْنا أنه ماتَ سنةَ عشرٍ ومئة، وأنه تُوفي قبلَ جرير بأربعين يومًا. وقيل: بأشهر. فالله أعلم. وأما الحسنُ وابنُ سيرين فقد ذكَرْنا ترجمةَ كلٍّ منهما في كتابنا "التكميل" مبسوطةً. وحسْبُنا الله ونعم الوكيل. فأما الحسن بن أبي الحسن (٤): فاسمُ أبيه يَسَار، أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جابر بن عبد الله، وقيل غيرُ ذلك؟ وأمُّه خيرة مولاةٌ لأمِّ سلمة، كانت تخدمها، وربما أرسلتها في الحاجةِ فتشتغلُ عن ولدِها الحسن وهو رضيع، فتشاغلهُ أمُّ سَلَمة بثديَيْها فيدرَّانِ عليه، فيرتضع منهما، فكانوا يَرَوْنَ أنَّ تلك الحكمةَ والعلومَ التي أوتيها الحسنُ من بركةِ تلك الرَّضاعة من الثديِ المنسوبِ إلى رسول الله ﷺ . ثم كان وهو صغير تُخرجه أمُّه إلى الصحابةِ فيدعونَ له، وكان في جملةِ منْ يدعو له عمرُ بن الخطاب قال: اللهمَّ فقِّهْهُ في الدِّين، وحبِّبْهُ إلى الناس. وسئل مرةً أنسُ بنُ مالكٍ عن مسألةٍ فقال: سلُوا عنها مولانا الحسن، فإنَّه سمع وسمعْنا، فحفِظَ ونَسِينا.

стр. 4620

وقال أنسٌ مرَّةً: إني لأغبِطُ أهلَ البصرةِ بهذَيْنِ الشيخَيْن: الحسَنِ وابنِ سيرين. وقال قتادة: ما جالستُ رجلًا فقيهًا إلَّا رأيتُ فضلَ الحسَنِ عليه. وقال أيضًا: ما رأت عيناي أفقهَ من الحسن. وقال أيوب: كان الرجلُ يجالسُ الحسنَ ثلاثَ حِجَجٍ ما يسألُه عن مسالةٍ هيبةً له. وقال الشعبيُّ لرجلٍ يريدُ قدومَ البصرة: إذا نظرتَ إلى رجلٍ أجملِ أهلِ البصرةِ، وأهْيَبِهم فهو الحسن؛ فأقرئهُ مني السلام. وقال يونس بن عُبيد: كان الرجلُ إذا نظرَ إلى الحسنِ انتفَعَ بهِ وإنْ لم يرَ عملَه، ولم يسمعْ كلامَه. وقال الأعمش: ما زال الحسنُ يعي الحكمةَ نطق بها. وكان أبو جعفر إذا ذكرَهُ يقول: ذاك الذي يُشبه كلامُهُ كلامَ الأنبياء. وقال محمد بن سعد (١): قالوا: كان الحسنُ جامعًا للعلم والعمل، عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقةً مأمونًا، عابدًا زاهدًا ناسكًا، كثيرَ العلمِ والعمل، فصيحًا، جميلًا، وسيمًا، وقدمَ مكة (٢)، فأُجلس على سرير، وجلس العلماء حولَه، واجتمع الناسُ إليه فحدَّثهم. وكان فيهم مجاهد، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن شعيب، فقالوا: لم نر مثل هذا قط. قال أهل التاريخ: مات الحسنُ عن ثمانٍ وثمانينَ سنة، عامَ عشرٍ ومئة، في مستهلِّ رجبٍ منها، بينه وبين محمد بن سيرين مئة يوم. وأما: ابنُ سيرين (٣): فهو محمد بن سيرين، أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري مولى أنس بن مالك النَّضْريّ. كان أبو محمد من سَبْي عينِ التَّمْر، أسرَهُ خالد بن الوليد في جملةِ السَّبْي، فاشتراه أنسٌ ثم كاتبه، ثم وُلد له من الأولاد الأخيار جماعةٌ: محمد هذا، وأنس بن سيرين، ومعبد،

стр. 4621

ويحيى، وحفصة، وكريمة؛ وكلُّهم تابعيُّون، ثقات أجلاء، ﵏. قال البخاري (١): ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. وقال هشام بن حسان: هو أصدقُ مَنْ أدركتُ من البشر. وقال محمد بن سعد (٢): كان ثقةً مأمونًا، عالمًا رفيعًا، فقيهًا إمامًا، كثيرَ العلم، ورعًا، وكان به صَمَم. وقال مؤَرِّق العجلي: ما رأيتُ رجلًا أفقهَ في ورَعِه، وأورعَ في فقهِه منه. قال ابن عون: كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدَّ الناسِ إزراءً على نفسه، وأشدَّهم خوفًا عليها (٣). قال ابن عون: ما بكى في الدنيا مثلُ ثلاثة: محمد بن سيرين في العراق، والقاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حَيْوة بالشام؛ وكانوا يأتون بالحديثِ على حروفه. وكان الشعبيُّ يقول: عليكم بذاك الأصمّ - يعني محمد بن سيرين. وقال ابن شَوْذَب: ما رأيتُ أحدًا أجرأ على تعبيرِ الرؤيا منه. وقال عثمان البَتِّي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه. قالوا: وماتَ في تاسعِ شوال من هذه السنة، بعدَ الحسن بمئة يوم (٤).

стр. 4622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →