Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
ويحيى، وحفصة، وكريمة؛ وكلُّهم تابعيُّون، ثقات أجلاء، ﵏.
قال البخاري (١) : ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.
وقال هشام بن حسان: هو أصدقُ مَنْ أدركتُ من البشر.
وقال محمد بن سعد (٢) : كان ثقةً مأمونًا، عالمًا رفيعًا، فقيهًا إمامًا، كثيرَ العلم، ورعًا، وكان به صَمَم.
وقال مؤَرِّق العجلي: ما رأيتُ رجلًا أفقهَ في ورَعِه، وأورعَ في فقهِه منه.
قال ابن عون: كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدَّ الناسِ إزراءً على نفسه، وأشدَّهم خوفًا عليها (٣) .
قال ابن عون: ما بكى في الدنيا مثلُ ثلاثة: محمد بن سيرين في العراق، والقاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حَيْوة بالشام؛ وكانوا يأتون بالحديثِ على حروفه.
وكان الشعبيُّ يقول: عليكم بذاك الأصمّ - يعني محمد بن سيرين.
وقال ابن شَوْذَب: ما رأيتُ أحدًا أجرأ على تعبيرِ الرؤيا منه.
وقال عثمان البَتِّي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه.
قالوا: وماتَ في تاسعِ شوال من هذه السنة، بعدَ الحسن بمئة يوم (٤) . الحواشي
(١) في التاريخ الكبير (١/ ٩١).(٢) في الطبقات (٧/ ١٩٣).(٣) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٦١٥).(٤) هنا تبتدئ زيادة من (ق) أقحمت على المتن أثبتناها هنا في الحاشية وهي:
[كان اللائقُ بالمؤلِّف أنْ يذكرِ تراجمَ هؤلاء العلماء الأخيار قبلَ تراجم الشعراءِ المتقدِّم ذكرُهم، فيبدأ بهم ثم يأتي بتراجمِ الشعراء. وأيضًا فإنَّه أطالَ القولَ في تراجم الشعراء، واختصرَ تراجمَ العلماء؛ ولو كان فيها حسن وحِكَمٌ ينتفع بها مَنْ وقف عليها، ولعلّها أفيَدُ من مَدْحِهم والثناءِ عليهم ولا سيما كلام الحسن، وابنِ سيرين، ووَهْب بنِ مُنبِّه، كما ذكره بعد، وكما سيأتي ذكرُ ترجمتِه في هذه الزيادة؛ فإنَّه قدِ اختصرَهُ جدًّا وإنَّ المؤلِّفَ أقْدرُ وأوسع علمًا. فما ينبغي أن يُخِلَّ ببعضِ كلامهم وحِكَمِهم، فإنَّ النفوسَ مستشرفةٌ إلى معرفةِ ذلك، والنظرِ فيه. فإنَّ أقوالَ السلَفِ لها موقعٌ من القلوب. والمؤلِّفُ - غالبًا في التراجم - يُحِيلُ على ما ذكَرَ في "التكميل" الذي صنَّفَهُ في أسماءِ الرجال. وهذا الكتاب لم نقفْ عليه نحنُ ولا منْ سألْناه عنه من العلماء. فإنَّا قد سألنا عنه جماعةً من أهلِ الفنِّ، فلم يذكرْ غيرُ واحدٍ أنه اطَّلع عليه، فكيف حالُ غيرهمْ (هكذا قال، وقد ذكر كتاب التكميل أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي في ذيل تذكرة الحفاظ ص(٥٨) في ترجمة ابن كثير، فقال: فمن تصانيفه "كتاب التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل"، جمَعَ بين كتاب التهذيب والميزان، وهو خمس مجلدات. وذكرهُ أيضًا أبو الطيب محمد بن أحمد الفاسي المكي في ذيل التقييد (١/ ٤٧٢) في ترجمة ابن=стр. 4622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٦٦) في الحاشية.): فهو أبو سعيد البصري الإمام الفقيه المشهور، أحد التابعينَ الكبارِ الأجلاءِ عِلْمًا وعملًا وإخلاصًا.
فروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال: كان الرجلُ يتعبَّدُ عشرين سنةً لا يَشْعُر بهِ جارُه، وأحَدُهم يصلي ليلة أو بعضَ ليلةٍ، فيصبحُ وقد استطالَ على جارِه. وإنْ كان القومُ ليجتمعون فيتذاكرون، فتجيءُ الرجل عَبْرَتُهُ فيردُّها ما استطاع، فإن غُلب قامَ عنهم.
وقال الحسن: تنفَّس رجلٌ عندَ عمرَ بنِ عبد العزيز فلَكَزَهُ عمرُ - أو قال: لكمه - وقال: إنَّ في هذا لفتنة. وقد ذكره ابنُ أبي الدنيا عن الحسن، عن عمر بن الخطاب.
وروى الطبرانيُّ عنه أنه قال: إنَّ قومًا ألْهَتْهُمْ أمانيُّ المغفرة، ورجاءُ الرحمة، حتى خرجوا من الدنيا وليستْ لهم أعمالٌ صالحة؛ يقولُ أحدهم إني لَحَسنُ الظنِّ بالله، وأرجو رحمةَ الله؛ وكَذَبَ، لو أحسن الظنَّ بالله لأحْسَنَ العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمالِ الصالحة، يوشكُ منْ دخل المفازةَ من غيرِ زادِ ولا ماءِ أن يَهْلِك.
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعةُ الذً ثُور، وأقنِعُوا هذه الأنفُسَ فإنها تَنْزِعُ إلى شرِّ غاية.
وقال مالكُ بن دينار: قلت للحسن: ما عقوبةُ العالم إذا أحبَّ الدنيا؟ قال: موتُ القلب، فإذا أحبَّ الدنيا طلبها بعمَلِ الآخرة (أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد ص(٥٣٢) ؛ والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٩٦)(١٨٣٧) .).
فعند ذلك تَرْحلُ عنه بركاتُ العِلْم، ويبقى عليه رَسْمُه.
وروى العُتْبي عن أبيه قال: عادَ الحسنُ عليلًا، فوجدَهُ قد شُفي من علَّتِه، فقال: أيها الرجل، إنَّ الله قد ذكرَكَ فاذْكُرْه، وقد أقالَكَ فاشكُرْه. ثم قال الحسن: إنما المرضُ ضربةُ سَوْطٍ مِنْ ملَكٍ كَريم، فإما أنْ يكونَ العليلُ بعدَ المرضِ فرَسًا جوادًا، وإمَّا أنْ يكونَ حمارًا عثورًا مَعْقُورًا.
وروى العتبي عن أبيه أيضًا قال: كتب الحسنُ إلى فرقد: أمَّا بعد، فإما أوصيكَ بتقوى الله، والعملِ بما علَّمَك الله، والاستعدادِ لما وعدَ الله مما لا حيلَة لأحدٍ في دفعه، ولا ينفعُ الندمُ عند نزوِلِه، فاحْسِرْ عن رأسِكَ قِنَاعَ الغافلين، وانتبهْ من رَقْدَةِ الجاهلين، وشمِّرِ الساق، فإنَّ الدنيا ميدانُ مسابقة، والغايةُ الجنةُ أو النار، فإن لي ولك من الله مقامًا يسألُني وإياكَ فيه عن الحقيرِ والدقيق، والجليلِ والخافي، ولا آمنُ أنْ يكونَ فيما يسألني وإياك عنه، =стр. 4623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وساوس الصُّدور، ولحظَ العيون، وإصغاءَ الأسماع، وما أعجز عنه (انظر حلية الأولياء (٨/ ٢٤١)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٦٣)، وإحياء علوم الدبن (٢/ ١٨٣)، فبعض ما روي في هذا الخبر كتبه يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي.).
وروى ابنُ قتيبة (كذا في (ق)، والذي يرويه عن الحسن كما في الحلية (٢/ ١٥٠، ١٥١) هو فضيل بن جعفر. وفي رواية عند ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٣٦) الذي يرويه عنه أبو همام الكِلاعي.) عنه، أنه مرَّ على بابِ ابنِ هُبَيرة، فرأى القرَّاء - وكانوا همُ الفقهاء - جلوسًا على باب ابن هُبيرة فقال: فرْطَحْتُم (في (ق): "طفحتم"، والمثبت من صفة الصفوة.) نعالَكم، وبيَّضتُم ثيابكم، ثمَ أتيتم إلى أبوابهم تسعَوْن؟! ثم قال لأصحابه: ما ظنَّكم بهؤلاء الحذَّاء؟ ليست مجالسهُم من مجالسِ الأتقياء، وإنما مجالسُهم مجالسُ الشرط (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٠، ١٥١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٦).
وروى الخرائطي عن الحسن، أنه كان إذا اشترى شيئًا وكان في ثمنه كسرٌ جبرَهُ لصاحبِه.
ومرَّ الحسنُ بقوم يقولون: نقَصَ دانِقٌ - أيْ عن الدرهم الكامل والدينار الكامل - أما أنْ يكونَ درهمًا ينقُصُ نصفًا أو رُبعًا، والعشرةُ تسعة ونصف، وقِسْ على هذا؛ فكان الحسنُ يستحبُّ جبرانَ هذه الأشياء، وإن كان اشترى السلعةَ بدرهمٍ ينقص دانقًا كمَّلَهُ درهمًا أو بتسعةٍ ونصف كمَّلَها عشرة مروءةً وكرمًا.
وقال عبد الأعلى السمسار: قال الحسن: يا عبدَ الأعلى، أما يبيعُ أحدُكُمُ الثوبَ لأخيه فيُنقِص درهمَيْنِ أو ثلاثة؟ قلت: لا واللّه ولا دانِقٌ واحد، فقال الحسن: إن هذه الأخلاق، فما بقي من المروءة إذًا؟ قال: وكان الحسنُ يقولُ لا دينَ إلا بمروءة. وباع بغلة له فقال له المشتري: أما تحطُّ لي شيئًا يا أبا سعيد؟ قال: لك خمسون درهمًا، أزيدُك؟ قال: لا رَضيت. قال: بارك الله لك.
وروى ابنُ أبي الدنيا عن حمزةَ الأعمى قال: ذهبَتْ بي أمِّي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد، ابني هذا قد أحببتُ أن يلزمَك. فلعل الله أنْ ينفعَهُ بك. قال: فكنتُ أختلف إليه فقال لي يومًا: يا بُني أدِم الحُزنَ على خيرِ الآخرة، لعله أن يوصلَك إليه؛ وابكِ في ساعاتِ الليلِ والنهارِ في الخَلْوة لعلّ مولاك أن يطَّلِعَ عليكَ فيرحمَ عبرَتَك فتكون من الفائزين. قال: وكنتُ أدخل على الحسن منْزِله وهو يبكي، وربما جئتُ إليه وهو يصلِّي فأسمع بكاءه ونَحيبه، فقلتُ له يومًا: إنك تُكثرُ البكاء! فقال: يا بُني، ماذا يصنعُ المؤمنُ إذا لم يبكِ؟ يا بُني، إنَّ البكاء. داعٍ إلى الرحمة، فإنِ استطعتَ أنْ تكون عمرَكَ باكيًا فأفعلْ، لعله تعالى أنْ يرحمَك؛ فإذا أنتَ نَجَوتَ من النار.
وقال: ما هو إلا حلول الدار، إمَّا الجنة، وإمَّا النار، ما هناك منْزلٌ ثالث.
وقال: بلغنا أن الباكي من خشيةِ الله لا تقطرُ من دموعِه قطرةٌ حتى تُعتق رقبتُه من النار. وقال: لو أنَّ باكيًا بكى في ملأٍ من خشيةِ الله لَرُحموا جميعًا، وليس ثم: من الأعمال إلا له وَزْن، إلا البكاء من خشية الله، فإنه لا يقوِّمُ الله بالدمعةِ منه شيئًا. وقال: ما بكى عبدٌ إلَّا شهد عليه قلبُهُ بالصدق أو الكذب.
وروى ابن أبي الدنيا عنه في كتاب "اليقين" قال: من علاماتِ المسلم قوَّةُ دين، وحزمٌ في لين، وإيمانٌ في يَقين، وحكمٌ في عِلْم، وحبسٌ في رِفْق، وإعطاءٌ في حَقّ، وقَصْدٌ في غِنًى، وتحمُّل في فاقة، وإحسان في قُدْرَة، وطاعةٌ معها نصيحة، وتورُّعٌ في رَغْبَةٍ وتعفُّف، وصَبرٌ في شدَّة لا تُرْديهِ رغبته، ولا يبدُرُهُ لسانُه، ولا يسبقه بصرُه، ولا يَغلِبه فرْجه، ولا يَميلُ به هواه، ولا يفضَحُهُ لسانُه، ولا يستخفُّه حِرصُه، ولا تقصِّرُ به نِيَّتُه، كذا ذَكَرَ هذه الألفاظَ عنه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح عن الحكم بن ظهير، عن يحيى بن المختار عن الحسن … فذكره (يعني ابن أبي الدنيا؛ انظر إحياء علوم الدين (٣/ ١٦٦).).
وقال فيه أيضًا عنه: يا بن آدم، إن مِنْ ضَعف يقينك أنْ تكون بما في يدِك أوثقَ منك بما في يديِ اللهِ . =стр. 4624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٤) برقم(٧٩٣) ، وأبو بكر البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٥٤١) برقم(٢٦٥٣) .).
ثم روى الحسن عن جُنْدَب، قال: قال لنا حذيفة: هل تخافونَ من شيء؟ قال: قلتُ والله إنَّك وأصحابَكَ لأهوَنُ الناسِ عندنا. فقال: أمَا والذي نفسي بيده، لا تؤتَوْنَ إلا من قِبَلنا ومع ذلك نَشءٌ آخر يقرؤون القرآن، يكونون في آَخر هذه الأمَّة ينثرونه نَثْرَ الدَّقَل (الدَّقَلُ: أردأ التمر.)، لا يجاوزُ تراقيَهم تسبقُ قراءتُهم إيمانَهم (أخرج البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٠١) في ترجمة صلت بن مهران، بإسناده إلى معتمر: سمعت أبي عن قتادة عن الحسن عن جندب بلغه عن حذيفة أو سمعه عن النبي ﷺ ذكر ناسًا يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله. وقال موسى: حدّثنا حماد أنبأنا يونس عن الحسن عن جندب عن حذيفة قوله بهذا. وقال: ابن أبي الأسود حدّثنا ابن علية عن يونس بهذا. اهـ.).
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه في "ذم الغيبة" له قال: والله لَلْغِيبةُ أسرعُ في دينِ المؤمن من الأكلة في جسده (ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٣/ ١٤٣).).
وكان يقول: ابنَ آدم، إنك لن تُصيبَ حقيقةَ الإيمانِ حتى لا تُصيبَ الناسَ بعَيبٍ هو فيك، وحتى تبدأ بصلاحِ ذلك العيب، فتصلحَهُ من نفسك، فإذا فعلتَ ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك وأحبُّ العباد إلى الله منْ كان هكذا (أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في الصمت ص(١٣١) برقم(١٩٧) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣١٢) برقم(٦٧٦٢) ، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٤)، والغزالي في إحياء علوم الدين (٣/ ١٤٣).).
وقال الحسن: ليس بينك وبين الفاسق حُرْمة. وقال: ليس لمبتدع غِيبَة. وقال أصلت بن طريف: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلِنُ بفجوره ذِكري له بما فيه غِيبة؟ قال: لا ولا كرامة. وقال: إذا ظهرَ فجورُهُ فلا غِيبةَ =стр. 4625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٤٤) برقم(٢٣١) ، وذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٣).).
وقال: ثلاثةٌ لا تَحْرُمُ عليك غيبتُهم: المجاهرُ بالفِسْق، والإمامُ الجائر، والمبتدِع (ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٣).).
وقال له رجل: إنَّ قومًا يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلًا. فقال: هَوِّن عليك يا هذا، فإني أطمعتُ نفسي في الجنان فطمِعَتْ، وأطمعتُها في النجاةِ من النار فطمِعَت، وأطمعتُها في السلامةِ من الناس فلم أجدْ إلى ذلك سبيلًا؛ فإنَّ الناسَ لم يَرْضوا عن خالقِهم ورازِقهم، فكيف يرضَوْنَ عن مخلوقٍ مثلِهم؟ (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٥).)
وقال كانوا يقولون: منْ رَمى أخاهُ بذنب قد تاب منه، لم يمتْ حتى يصيبَ ذلك الذنبَ (أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص(١٧٠) برقم(٢٨٩) بنحوه.).
وقال الحسن: قال لقمان لابنِه: يا بُني، إياكَ والكَذِب، فإنه شهيٌّ كلَحْمِ العُصفور، عما قليل يقلاهُ صاحبُه (أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص(٢٥٧) برقم(٥٣٨) . وأخرجه ضمن حديث طويل البيهقى في شعب الإيمان (٤/ ٢٣١) برقم(٤٨٩١) .).
وقال الحسن: اعتبروا الناسَ بأعمالِهم، ودعوا أقوالَهم، فإن الله لم يدَعْ قولًا إلَّا جعل عليه دليلًا من عمَل، يصدِّقه أو يكذِّبه، فإنْ سمعتَ قولًا حسنًا فرويدًا بصاحبه، فإنْ وافقَ قولًا عملًا فنعمَ ونعمةُ عَيْن! آخِهِ وأحْبِبْه (في (ق) صحفت العبارة إلى "نعمت عين أخته وأخيه"، والصواب المثبت من مصادر التخريج.)؛ وإذا خالف قولٌ عملًا فماذا يشبه عليك منه؛ أم ماذا يَخفى عليك منه؟ إياك وإياه لا يخدعَنَّكَ كما خدَع ابنَ آدم. إن لك قولًا وعملًا، فعملك أحقُّ بك من قولِك؛ وإن لك سريرةً وعلانية فسريرتكَ أحقُّ بكَ من علانيتك، وإنَّ لك عاجلةً وعاقبة، فعاقبتُك أحقُّ بك من عاجلتك (أخرجه ابن المبارك في الزهد ص(٢٦) برقم(٧٧) ، وابن أبي الدنيا في الصمت ص(٢٨٠) ، برقم(٦٢٦) .).
وقال ابنُ أبي الدنيا (في الصمت ص ٢٨١ برقم(٦٢٨) ، وما يأتي بين معقوفين منه.) حدثنا حمزة بن العباسِ، أنبأنا عبدان بن عثمان، [أنبأنا عبد الله]، أنبأنا معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن، قال: إذا شئتَ لقيتَ الرجلَ أبيضَ، حديدَ اللسان، حديدَ النظر، ميتَ القلب والعمل، أنتَ أبصرُ به من نفسِه، ترى أبدانًا ولا قلوبًا، وتسمعُ الصوت ولا أنيس، أخصب ألسنة، وأجدب قلَوبًا؛ يأكلُ أحدُهم من غيرِ مالِه، ويبكي على عمَّاله، فإذا كَظَّتهُ البِطْنةُ قال: يا جارية - أو يا غلام - إيتني بهاضم، وهل هضمتَ يا مسكينُ إلا دينَك.
وقال: منْ رَقَّ ثوبُه رَقَّ دِينُه، ومنْ سَمِنَ جَسَدُه هَزُلَ دينُه، ومن طاب طعامُه أنتَنَ كسبُه.
وقال فيما رواه عنه الآجُرِّيّ: رأسُ مالِ المؤمن دينٌ حيثُ ما زالَ زالَ منعه لا يُخَلِّفُهُ في الرِّحال (الرِّحال: مفردها رَحْل وهو منزل الرجل ومسكنه وبيته. والرَّحْل أيضًا: مَرْكبٌ للبعير والناقة. اللسان (رحل).) ولا يأتمنُ عليه الرجال.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، قال: لا تلْقَى المؤمنَ إلا يلومُ نفسَه: ما أردتِ بكلمةِ كذا؟ ما أردتِ بأكْلَةِ كذا؟ ما أردتِ بمجلسِ كذا؟ وأمَّا الفاجرُ فيَمضي قُدُمًا قُدُمًا، لا يلومُ نفسَه (ذكره ابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٧).).
وقال: تصبَّروا وتشدَّدوا، فإنما هي ليالٍ تُعَدّ، وإنما أنتم رَكْبٌ وقوف، يوشكُ أنْ يُدعَى أحدُكم فيُجيب ولا يلتفت؛ فانقلِبُوا بصالحِ ما بحضرَتِكم، إنَّ هْذا الحقَّ أجهدَ الناس، وحالَ بينهم وبين شهواتهم؛ وإنما يصبرُ على =стр. 4626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٨٩) برقم(١١٠٣) ، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٥، ١٤٦).).
وقال ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس": حدثنا عبد الله، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن، قال: المؤمنُ قوَّام على نفسه، يحاسِبُ نفسَه للّهِ ، وإنما خفَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قوم حاسبوا أنفسَهم في الدنيا، وإنما شقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على أقوامٍ أخذوا هذا الأمرَ من غيرِ محاسبة؛ إنَّ المؤمنَ يَفْجَؤهُ الشيءُ، ويعجبه فيقول: واللهِ إنَّكَ لَمِنْ حاجتي، وإني لأشتهيك، ولكنْ واللهِ ما مِنْ صِلَةٍ إليك، هيهاتَ! حِيلَ بيني وبينك. ويفرطُ منه الشيءُ فيرجعُ إلى نفسِه فيقول: ما أردتُ إلى هذا [ما لي ولهذا؟ واللهِ لا أعودُ إلى هذا] (سقط ما بين المعقوفين من (ق) استدركناه من مصادر التخريج.) أبدًا إن شاء الله. إن المؤمنين قوم قد أوثقَهم القرآن، وحالَ بينَهُمْ وبينَ هلكتِهم، إن المؤمنَ أسيرٌ في الدنيا. يسعَى في فكاكِ رقَبته، لا يأمنُ شيئًا حتى يَلْقَى الله ، يعلمُ أنه مأخوذٌ عليه في سمعه وبصَرِهِ ولسانه، وفي جَوَارِحِه كلَّها (أخرجه ابن المبارك في الزهد ص(١٠٣) برقم(٣٠٧) ، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٧)، وذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٧٩)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٤، ٢٣٥).).
وقال: الرضا صعبٌ شديد، وإنما معوَّل المؤمنِ الصبر.
وقال: ابنَ آدم، عن نفسك فكَايِسْ (فكايسْ: من كايسَ، يقال كايَسني فكِسْتُه أي كنتُ أَكْيَس منه، وفي حديث جابر "إنما كِسْتُك لآخُذَ جملكَ" أي غَلَبْتُك بالكَيْس. النهاية (كيس).)، فإنك إنْ دخلتَ النارَ لم تُجْبَرْ بعدَها أبدًا (أخرجه ابن المبارك في الزهد ص(٥٤٥) برقم(١٥٦٤) .).
وقال ابنُ أبي الدنيا: أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: سمعتُ حمَّاد بن زيد يذكر عن الحسن، قال: المؤمنُ في الدنيا كالغريب، لا ينافسُ في عِزَّها (صحفت اللفظة في (ق) إلى "غيرها" والصواب المثبت من مصادر التخريج.) ولا يجزَعُ من ذُلِّها؛ للناسِ حال، وله حال، الناسُ منه في راحة، ونفسه منه في شُغل (أخرج شطره الأول الآجري في الغرباء ص(٢٣) برقم(٧) ، وذكره ابن القيم بتمامه في مدارج السالكين (٣/ ١٩٧).).
وقال: لولا البلاء ما كان في أيامٍ قلائل ما يُهلكُ المرءُ نفسه.
وقال: أدركتُ صدرَ هذه الأمة وخيارَها، وطالَ عُمري فيهم، فواللهِ إنَّهم كانوا فيما أحلَّ اللهُ لهم أزهدَ منكم فيما حرَّم الله عليكم؛ أدركتُهم عاملينَ بكتابِ رَبِّهم، مُتَّبعين سنَّةَ نبيِّهم، ما طوى أحدُهُمْ ثوبًا، ولا جعل بينه وبين الأرضِ شيئًا، ولا أمرَ أهله بصُنعِ طعام؛ كان أحدُهم يدخلُ منْزِله، فإنْ قُرِّبَ إليه شيءٌ أكل، وإلَّا سكت، فلا يتكلَّمُ في ذلك (أخرج بعضه ابن أبي الدنيا في الورع ص(٥٦) برقم(٤٥) وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٢٧).).
وقال: إنَّ المنافقَ إذا صلَّى صلَّى رِيَاءً، أو حياء من الناسِ أو خَوْفًا، وإذا صلَّى صلَّى فقراؤهم للدنيا، وإن فاتَتْهُ الصلاةُ لم يندَمْ عليها، ولم يحزُنْهُ فواتُها.
وقال الحسن فيما رواه عنه صاحب كتاب "النُكَت": من جعلَ الحمد لله على النعم حِصْنًا وحابسًا، وجعل أداءَ الزكاةِ على المالِ سياجًا وحارسًا، وجعل العلمَ له دليلًا وسائسًا، أمِنَ العَطَب، وبلغ أعلى الرُّتَب؛ ومن كان للمالِ قانصًا، وله عن الحقوق حابسًا، وشغلَهُ وألهاه عن طاعةِ الله كان لنفسِه ظالمًا، ولقلبهِ بما جَنتْ يداهُ وسلَّطهُ اللهُ على مالِهِ سالبًا وخالسًا، ولم يأمَن العطَبَ في سائرِ وجودِ الطلب. وقيل: إن هذا لغيرِه وَاللهُ أعلم.
وقال الحسن: أربع منْ كن فيه ألقى الله عليه محبَّتَه، ونشر عليه رحمتَه: منْ رَقَّ لوالديه، ورَقَّ لِمَمْلُوكِه، =стр. 4627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٣٤) ، وروى أوله ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٥٨).).
وكتبَ عمرُ بن عبد العزيز إلى الحسن: كيف حبُّك الدينارَ والدرهم؟ قال: لا أحبُّهما. فكتب إليه: تولَّ فإنك تعدل.
وقال إبراهيم بن عيسى: ما رأيتُ أطولَ حُزْنًا من الحسن، وما رأيتُه قطُ إلَّا حسبتهُ حديثَ عهدٍ بمصيبة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣٣).).
وقال مسمع: لو رأيتَ الحسن لقلتَ قد بُثَّ عليه حُزنُ الخلائق.
وقال يزيدُ بن حَوْشَب: ما رأيتُ أحزَنَ من الحسن وعمرَ بن عبد العزيز، كانَّ النارَ لم تُخلقْ إلَّا لهما.
وقال ابن أسباط: مكث الحسن ثلاثين سنة لم يَضحكْ، وأربعين سنة لم يمزحْ (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٤).).
وقال: ما سمع الخلائقُ بعورة بادية، وعينٍ باكية، مثلَ يومِ القيامة.
وقال: أبنَ آدم، إنَّك ناظرٌ غدًا إلى عملك، يُوزن خيرُه وشرُّه، فلا تحقِرَن شيئًا من [الخير وان هو صَغُر، فإنَّكَ إذا رأيتَه سرَّكَ مكانُه، ولا تحقِرَن من] الشرِّ أنْ تتَّقِيَه، فإنَّكَ إذا رأيتَهُ غدًا في ميزانِك ساءكَ مكانُه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٥)، وما مرَّ بين معقوفين والتصحيح منهما.).
وقال: ذهبتِ الدنيا [يحالي مآلها] وبقيَتْ أعمالُكم قلائدَ في أعناقكم (الحلية (٢/ ١٤٣)، وما بين معقوفين منه.).
وقال: ابنَ آدم، بِعْ دنياك بآخرتِك تربَحْهما جميعًا، ولا تبعْ آخرتَك بدنياك فتخسرهما جميعًا (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٣، و ٧/ ٣٥)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٣٦).). وهذا مأثور عن لقمان أنه قاله لولدِه.
وقال الحسن: تجدُ الرجلَ قد لبس الأحمر والأبيض، وقال: هلُمُّوا فانظروا إلي. قال الحسن: قد رأيناك يا أفسق الفاسقين، فلا أهلًا بكَ ولا سهلًا؛ فإمَّا أهلُ الدنيا فقدِ اكتسبوا بنظرِهم إليك مزيدَ حرْصٍ على دنياهم، وجرأةً على شهواتِ الغنَى في بطونهم وظهورهم؛ وأما أهلُ الآخرة فقد كرهوكَ ومقتوك.
وقال: إنهم وإنْ هملجتْ بهمُ البَرَاذين، وزفرَتْ بهمُ البغالُ، ووَطِئَتْ أعقابهم الرجال، إنَّ ذُل المعاصي لا يفارقُ رقابَهم، يأبَى الله إلا أنْ يُذِلَّ مَنْ عصاه (ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ٤٨ و ١٨٨)، والجواب الكافي له ص (٣٨، ٣٩)، بنحوه.).
وقال فرقد: دخلنا على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد، ألا يعجبك من محمد بن الأهتم؟ فقال: ما له؟ فقلنا: دخلنا عليه آنفًا وهو يجودُ بنفسِه فقال: انظروا إلى ذاك الصندوق - وأوما إلى صندوق في جانب بيتِه - فقال: هذا الصندوق فيه ثمانونَ ألف دينار - أو قال درهم - لم أؤد منها زكاة، ولم أصِلْ منها رحمًا، ولم يأكلْ منها محتاج. فقلنا: يا أبا عبد الله، فلِمَنْ كنتَ تجمَعُها؟ قال: لرَوْعَةِ الزمان، ومُكاثرةِ الأقران، وجفوةِ السلطان. فقال: =стр. 4628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠٧) حاشية(٣) .) أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري: مولى أنس بن مالك النَّضْري. كان أبوه من سَبْي عينِ التَّمْر. أسرَهُ في جملةِ السَّبْي خالدُ بنُ الوليدُ، فاشتراه أنس، ثم كاتَبَه، وقد وُلد له من الأخيار جماعة: محمد هذا، وأنس بن سيرين، ومَعْبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكلُّهمْ تابعيُّونَ، ثقات أجلّاء، رحمهم الله تعالى.
قال البخاري (انظر ما سبق في ص(١٠٨) موضع الحاشية(١) .): ولد محمد لسنتَيْنِ بقيتا من خلافة عثمان. وقال هشام بن حسان: هو أصدقُ مَنْ أدركتُ من البشر. وقد تقدم هذا كلُّه فيما ذكره المؤلف.
كان ابنُ سيرين إذا ذُكر عنده رجلٌ بسُوءٍ ذَكرَهُ بأحسنِ ما يَعلم.
وقال خلف بن هشام: كان محمد بنِ سيرين قد أُعْطيَ هَدْيًا وسَمْتًا وخُشوعًا. وكان الناس إذا رأوهُ ذَكَروا الله. ولما ماتَ أنسُ بن مالك أوصَى أنْ يغسله محمد بن سيرين؛ وكان محمد محبوسًا، فقالوا له في ذلك، فقال: أنا محبوس. فقالوا: قد أستأذنَّا الأميرَ في إخراجِك. قال: إنَّ الأمير لم يحبِسْني إنما حبسني مَنْ له الحق، فأذِنَ له صاحبُ الحقِّ، فغسَّله.
وقال يونس: ما عرضَ لمحمد بن سيرين أمرانِ إلَّا أخذ بأوثقِهما في دِينه، وقال: إني لأعلمُ الذنبَ الذي حُملتُ بسببه، إني قلتُ يومًا لرجلٍ يا مُفْلس. فذُكر هذا لأبي سليمان الداراني، فقال قلَّتْ ذنوبُهم فعرفوا من أين أُتوا. ومثلُنا قد كثرتْ ذنوبنا فلم نَدْرِ منِ أين نُؤْتى، ولا بأيِّ ذنبٍ نُؤخذ (انظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٦١٦).).
وكان إذا دُعيَ إلى وَلِيمة يدخلُ منزلهُ فيقول: ائتوني بشربةِ سَوِيق. فيشربها ويقول: إنِّي أكرَهُ أن أحملَ جُوعي إلى موائدهم وطعامِهمِ.
وكان يدخلُ السوق نصفَ النهار، فيكبِّرُ الله ويسبِّحُه ويذكره ويقول: إنَّها ساعةُ غَفلةِ الناس. وقال: إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعلَ له واعظًا من قلبه، يأمرُه وينهاه.
وقال: ظلمٌ لأخيك أن تذكرَ منه أسوأ ما تعلمُ منه، وتكتم خيرَه.
وقال: العُزْلة عبادة. وكان إذا ذكر الموتَ ماتَ منه كلُّ عضو على حِدَتِه. وفي رواية: كان يتغيَّرُ لَوْنه، ويُنكَرُ حالُه، حتى كأنه ليس بالذي كان.
وكان إذا سئل عن الرؤيا قال للسائل: اتَّقِ اللهَ في اليقظة، ولا يغرَّكَ ما رأيتَ في المنام. =стр. 4629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال له رجل: رأيتُ كأني أصبُّ الزيتَ في الزيتون. فقال: فتِّشْ على امرأتك، فإنَّها أُمُّك. ففتَّشَ فإذا هي أمُّه، وذلك أنَّ الرجلَ أُخِذَ من بلادِه صغيرًا سَبِيًا، ثم مكثَ في بلاد الإسلام، إلى أن كَبِر، ثم سُبِيَتْ أمُّه، فاشتراها جاهلًا أنَّها أمُّه، فلما رأى هذه الرؤيا وذكرها لابنِ سيرين، فأمره أن يفتش على ذلك، ففتَّش فوجدَ الأمرَ على ما ذكرَه.
وقال له آخر: رأيتُ كأني دَسْت، أو قال: وطئتُ تمرةً فخرجتْ منها فأرة. فقال له: تزوَّج امرأةً. أو قال: تطأُ امرأةً صالحةً تلِدُ بنتًا فاسقة. فكان كما قال.
وقال له آخر: رأيتُ كأنَّ على سطح بيتي حبَّاتُ شعير، فجاء ديكْ فلقَطَها. فقال له: إنْ سُرق لك شيءٌ في هذه الأيام فأتِني. فوضعوا بساطًا على سطحهم، فسُرق؛ فجاء إليه فأخبره، فقال: اذهبْ إلى مؤذِّن محلَّتِك، فخذْهُ منه. فجاء إلى المؤذن، فأخذَ البِساطَ منه.
وقال له رجل: رأيتُ الحمَامَ تلقُطُ الياسمين. فقال: مات علماءُ البصرة.
وأتاه رجلٌ فقال: رأيتُ رجلًا عُرْيانًا واقفًا على مزبلة، وبيده طُنْبورٌ يضربُ به، فقال له ابنُ سيرين: لا تصلحُ هذه الرؤيا في زمانِنا هذا إلا للحسَنِ البصري. فقال: الحسَن هو واللهِ الذي رأيت. فقال: نعم، لأن المزبلةَ الدنيا، وقد جعلها تحتَ رجلَيْهِ وعُرْيُه تجرُّدُه عنها، والطُّنْبور يضرب به هي المواعظُ التي يَقْرَعُ بها آذانَ الناس.
وقال له آخر: رأيتُ كأنِّي أستاكُ والدمُ يَسيل. فقال له: أنت رجلٌ تقعُ في أعراض الناس، وتأكلُ لحومَهم، وتخرج في بابه وتأتيه (كذا في الأصول ولم نقف على مصدر للخبر.).
وقال له آخر: رأيتُ كأني أرى اللؤلؤ في الحَمأة. فقال له: أنت رجلٌ تضعُ القرآنَ والعلم عندَ غيرِ أهلِه ومَنْ لا ينتفعُ به.
وجاءته امرأةٌ فقالتْ رأيتُ كأنَّ سِنَّوْرًا أدخل رأسَه في بطنِ زوجي فأخذَ منه قطعة. فقال لها ابن سيرين: سُرق لزوجِك ثلاثُ مئةِ درهم وستةَ عشرَ درهمًا. فقالت: صدقت، من أين أخذته؟ فقال: من هجاء حروفه، وهي حسابُ الجُمَّل؛ فالسين ستون، والنون خمسون، والواو ستة، والراء مئتان، وذلك ثلاث مئة وستة عشر، وذكرت السِّنَّور أسودَ، فقال: هو عبدٌ في جوارِكم. فالزموا عبدًا أسود كان في جوارِهم، وضُرب فأقرَّ بالمال المذكور.
وقال له رجل: رأيتُ لحيتي قد طالتْ وأنا أنظرُ إليها. فقال له: أمؤذنٌ أنت؟ قال: نعم. قال له: اتق الله ولا تنظرْ إلى دُور الجيران.
وقال له آخر: رأيتُ كأنَّ لحيتي قد طالتْ حتى جزَزتُها ونسجتُها كساءً وبعتُهُ في السوق. فقال له: اتقِ الله فإنَّك شاهدُ زور.
وقال له آخر: رأيتُ كأني آكلُ أصابعي. فقال له: تأكلُ من عمل يدِك.
وقال لرجل: انظرْ هل ترى في المسجد أحدًا؟ فذهب فنظر ثم رجع إليه فقال: ليس في المسجد أحد. فقال: أليس أمرتُك أنْ تنظرَ هل ترى أحدًا قد يكون في المسجد من الأمراء؟
وقال عن رجلٍ ذُكر له: ذلك الأسود؟ ثم قال: أستغفرُ الله، ما أراني إلا قد اغتبتُ الرجل. وكان الرجل أسود.
وقال: اشترك سبعةٌ في قتل امرأة، فقتلهم عمر، فقال: لو أنَّ أهلَ صنعاء اشتركوا في قتلِها لأبَدْتُ خضراءَهم].стр. 4630
وفيها توفي:
وَهْبُ بن مُنبِّه اليَمَاني (١) : تابعي جليل، وله معرفةٌ بكُتُبِ الأوائل؛ وهو يُشْبه كعب الأحبار؛ وله صلاحٌ وعبادة، وتُروى عنه أقوالٌ حسنة، وحِكَمٌ ومواعظ. وقد بسَطْنا ترجمته في كتابنا "التكميل" ولله الحمد.
قال الواقدي (٢) : تُوفي بصنعاء سنة عشر ومئة. وقال غيره: بعدَها بسنة. وقيل بأكثر، والله أعلم.
ويزعم بعضُ الناس أن قبرَهُ غربيٌّ بصري بقريةٍ يُقال لها عُصْم (٣) ؛ ولم أجدْ لذلك أصلًا. والله أعلم (٤) . الحواشي
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٥٤٣)، تاريخ خليفة ص(٣٤٠) ، طبقات خليفة ص(٢٨٧) ، الزهد للإمام أحمد ص(٣٧١) ، التاريخ الكبير (٨/ ١٦٤)، المعارف ص(٤٥٩) ، الجرح والتعديل (٩/ ٢٤)، ثقات ابن حبان (٥/ ٤٨٧)، حلية الأولياء (٤/ ٢٣)، طبقات الشيرازي ص(٧٤) ، الأنساب (١/ ١٢٢)، صفة الصفوة (٢/ ٢٩١)، المختار من مناقب الأخيار (٥/ ١٠٨)، معجم الأدباء (١٩/ ٢٥٩)، وفيات الأعيان (٦/ ٣٥)، مختصر تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٨٥)، تهذيب الكمال (٣١/ ١٤٠)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٤٤)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٠)، ميزان الاعتدال، (٤/ ٣٥٢)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٦٦)، طبقات الحفاظ ص(٤١) ، طبقات الشعراني (١/ ٤٠)، الكواكب الدرية (١/ ٤٧٧)، شذرات الذهب (١/ ١٥٠).(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٤٣).(٣) عُصْم: حصن لبني زبيد باليمن. معجم البلدان (٤/ ١٢٨).(٤) هنا تبدأ زيادة أخرى من زيادات نسخة (ق) وليست في (ب، ح)، وهي:
[أدرك وَهْب بن مُنبِّه عدَّةً من الصحابة، وأسندَ عن ابن عباس، وجابر، والنعمان بن بشير. وروى عن معاذ بن جَبَل، وأبي هريرة، وعن طاوس. وعنه من التابعين عدَّة.
وقال وَهْب: مَثَلُ مَن تعلَّم علمًا لا يعمل به كمثَلِ طبيبٍ معه شفاءٌ لا يتداوى به.
وعن مُنير مولى الفضل بن أبي عياش قال: كنتُ جالسًا مع وَهْب بن مُنبِّه فأتاه رجل فقال له: إني مررتُ بفلانٍ وهو يشتُمُك. فغضِبَ وقال: ما وَجَد الشيطانُ رسولًا غيرَك؟ فما برحتُ من عندِه حتى جاءه ذلك الشاتم، فسلَّم على وهب، فردَّ عليه¬ السلام، ومدَّ يدَه إليه وصافحه وأجلسهُ إلى جنبه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٩٥).).
وقال ابن طاوس: سمعتُ وهبًا يقول: ابنَ آدم، احتلْ لدينك، فإنَّ رزقكَ سيأتيك (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧٢).).
وقال وهب: كُسي أهلُ النار، والعُرْيُ كان خيرًا لهم، وطَعِموا والجوعُ كان خيرًا لهم، وأُعطوا الحياةَ والموتُ كان خيرًا لهم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧١).).
وقال: قال داود ﵇: اللهمَّ أيُّما فقيرٍ سأل غَنيًا فتصامَّ عنه فأسألك إذا دعاك فلا تُجِبْه، وإذا سألك فلا تُعطِه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧١).).
وقال: قرأتُ في بعضِ كُتب الله: ابنَ آدم، لا خيرَ لك في أنْ تعلمَ ما لم تعلمْ، ولم تعملْ بما قد علمت؛ فإنَّ مثلك كمثَلِ رجلٍ احتطب حَطبًا، فحزم حُزمة، فذهب يحملُها فعجز عنها، فضمَّ إليها أخرى (أخرجه أبو نعيم في =стр. 4631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٥) ، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢١٣) برقم(١٠٠٤٣) .).
وقال وهب: قرأتُ في التوراة: أيُّما دارٍ بُنيت بقوةِ الضعفاء جُعلت عاقبتُها إلى الخراب؛ وأيُّما مالٍ جُمع من غيرِ حلِّه أسرع الفقر إلى أهله.
وقال عبد الله بن المبارك (في كتابه الزهد ص(١٠٨) برقم(٣١٨) .): حدّثنا معمر عن محمد بن عمرو، قال: سمعتُ وَهْبَ بن مُنَبِّه يقول: وجدتُ في بعض الكتب؛ يقول الله تعالى: إذا أطاعني عبدي استجبتُ له من =стр. 4632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦١) برقم(٤٧٠) .): حدّثنا بكَّارُ بنُ عبد الله، قال: سمعتُ وَهْبَ بن مُنبِّه يقول: قال الله تعالى فيما يَعيبُ به أحبارَ بني إسرائيل: تفقَهون لغير الدين، وتتعلَّمون لغير العمل، وتبتغونَ (في (ق) والزهد لابن المبارك: "وتبتاعون"، وفي الحلية: "وتتنازعون"، والمثبت من الزهد لأحمد.) الدنيا بعمل الآخرة، وتلبسون جلودَ الضأن، وتخفون أنفس الذئاب، وتنفون القَذَى من شرابكم (في (ق): "وتحملون نفس الذباب، وتتغذون الغذاء من شرابكم" وهو تصحيف، والمثبت من الزهد لابن المبارك.)، وتبتلعون أمثالَ الجبالِ من الحرام، وتُثقلون الدَّينَ على الناس أمثالَ الجبال، ثم لا تعينونهم برفع الخناصر؛ تطيلون الصلاة، وتبيِّضون الثياب، تنتقصون بذلك مالَ اليتيمِ والأرْمَلة؛ فبعزَّتي حلفتُ، لأضربنَّكم بفتنةٍ يَضِل فيها رأيُ ذي الرأي، وحكمةُ الحكيم (وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في الزهد ص(٥٣) ، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨، ٣٩).).
وقال الطبراني: حدّثنا عبد الله بن محمد الصنعاني، حدّثنا همَّام بن مَسْلَمة، حدّثنا غَوْث بن جابر، حدّثنا عَقيل بن مَعْقل، قال: سمعتُ وهبَ بن مُنَبِّه يقول: إنَّ الله ليس يَحْمَدُ أحدًا على طاعة، ولا ينالُ أحدٌ من الله خيرًا إلا برحمته، وليس يرجو الله خيرَ الناسِ ولا يخافُ شرَّهم، ولا يعطِفُ الله على الناس إلا برحمتِهِ إياهم، إنْ مَكَروا به أبادَ مكرَهم، وإنْ خادعوه ردَّ عليهم خداعَهم، وإنْ كاذبوه كُذِب بهم، وإن أدبروا قطعَ دابرهم، وإن أقبلوا قَبِل منهم، ولا يقبلُ منهم شيئًا من حيلة، ولا مَكْر، ولا خداع، ولا سُخط، ولا مشادَّة، وإنما يأتي بالخير من الله تعالى رحمتُه (في الحلية: "ولا يستخرج أحد من الله شيئًا من الخير بحيلةٍ ولا مكرٍ ولا مخادعةٍ ولا أوبةٍ ولا سخطٍ ولا مشاورةٍ ولكن يأتي بالخير من الله رحمته".)؛ ومَنْ لم يبتغِ الخيرَ من قبلِ رحمته لا يجدُ بابًا غيرَ ذلك يدخلُ منه؟ فإن الله تعالى لا ينالُ الخيرَ منه إلا بطاعته، ولا يعطِفُ الله على الناس شيئًا إلا تعبدهم له، وتضرعهم إليه حتى يرحمهم، فإذا رَحِمَهم استخرجتْ رحمتُه منه حاجتَهم، وليس ينالُ الخيرَ من الله مِنْ وجهٍ غير ذلك، وليس إلى رحمة الله سبيل تؤتى من قِبَله إلا تعبدَ العبادَ له وتضرعهم إليه، فإنَّ رحمةَ الله بابُ كل خير يُبتغَى من قِبَلهِ، وإنَّ مفتاحَ ذلك البابِ التضرِّعُ إلى الله ، والتعبُّد له؛ فمنْ تركَ المفتاحَ لم يُفتحْ له؛ ومن جاء بالمفتاح فُتح له به؛ وكيف يُفتح البابُ بغير مفتاح؟ ولله خزائنُ الخيرِ كله، وبابُ خزائنِ الله رحمتُه. ومفتاحُ رحمةِ الله التذلُّلُ والتضرُّع والافتقار إلى الله؛ فمنْ حَفِظ ذلك المفتاح فتحت له الخزائن ودخل، فله فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وفيها ما تشاؤون، وما تدعونَ في مقامٍ أمين، لا يجلون عنه، ولا يخافون، ولا يَنْصَبُون، ولا يَهرمون، ولا يفتقرون، ولا يموتون، في نعيمٍ مقيم، وأجرٍ عظيم، وثواب كريم، نزلًا من غفورٍ رحيم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٩، ٤٠).).
وقال سفيان بن عُيَينة: قال وهب: أعوَنُ الأخلاقِ على الدِّين الزهادةُ في الدنيا، وأسرعُها ردًّا اتباعُ الهوى، وحبُّ المالِ والشرف؛ ومِنْ حُب المالِ والشرف تُنتهكُ المحارم، ومن انتهاكِ المحارم يَغضَبُ الربّ، وغضَبُ الله ليس له دواء (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤١).).
وقال: يقولُ الله تعالى في بعضِ كتبه يعتبُ به بني إسرائيل: إني إذا أُطعت رَضيت، وإذا رَضيتُ باركتُ، وليس =стр. 4633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٨٢) ، وابن القيم في الجواب الكافي ص(٣٤) .).
وقال: كان في بني إسرائيل رجلٌ عصى الله مئتي سنة، ثم مات، فأخذوا برِجلِه فألقَوْهُ على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى أنْ صلِّ عليه، فقال: يا ربِّ، إنَّ بني إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مئتي سنة. قال الله له: نعم هكذا كان، إلا أنه كان كلَّما نَشَر التوارةَ ورأى اسم محمد ﷺ قتله ووضعَهُ على عينيه، وصلَّى عليه، فشكرتُ ذلك له، فغفرتُ له ذنوبَه، وزوَّجته سبعين حَوْراء، كذا رُوي، وفيه عِلَل، ولا يصحُّ مثلُه، وفي إسناده غرابة، وفي مَتْنه نَكارة شديدة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢).).
وروى ابنُ إدريس عن أبيه، عن وهب قال: قال موسى: يا رب، احبِس عني كلامَ الناس، فقال الله له: يا موسى، ما فعلتُ هذا بنفسي (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢).).
وقال: لما دُعي يوسفُ إلى الملِك وقف بالباب وقال: حَسْبي ديني من دنياي، حَسْبي رَبِّي من خَلْقِه، عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرك. ثم دخلَ على الملك، فلما نظر إليه الملك نزَل عن سريره، وخَرَّ له ساجدًا، ثم أقعدَه الملكُ معه على السرير وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥]، حفيظٌ بهذه السنين وما استودعتَني فيها، عليمٌ بلغةِ منْ يأتيني (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢).).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا منذرُ بن النعمان الأفطس، أنه سمع وَهْبًا يقول: لما أمرَ الله الحوت أن لا يضرَّه، ولا يكلِّمَه - يعني يونس - قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، قال: من العابدين قبل ذلك، فذكَره الله بعبادتِه المتقدِّمة، فلما خرج من البحر نام، فأنبت الله شجرةً من يَقْطين، وهو الدُّبَّاء، فلما رآها قد أظلَّته، ورأى خُضْرتها فأعجبَتْه، ثم نام، فاستيقظ فإذا هي قد يَبِسَتْ، فجعل يتحزَّنُ عليها، فقل له: أنت لم تخْلُقْ، ولم تسقِ، ولم تُنبت، وتحزَنُ عليها!؟ وأنا الذي خلقتُ مئةَ ألفٍ من النار أو يزيدون، ثم رَحِمْتُهم، فشقَّ ذلك عليك (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢، ٤٣)، وذكره القرطبي في تفسيره (١٥/ ١٣٠) بنحوه.)؟!
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد الغسَّاني، حدثنا رباح، حدثني عبد الملك بن عبد المجيد بن خشك، عن وهب، قال: لما أُمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين قال: يا رب، كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب (العناق: الأنثى من أولاد المعزى إذا أتت عليه سنة.)؟ وكيف أصنع بالحمام والهرِّ؟ قال: من ألقى بينهم العداوة؟ قال: أنت يا رب. قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضرَّرون (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٣).).
وقال وهب لعطاء الخراساني: ويحك يا عطاء! ألم أُخبَرْ أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا وأبواب الأمراء؟! ويحك يا عطاء، أتأتي من يغلق عنك بابه، ويُظهرُ لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتترك باب من يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؟ ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك، فأوهَى (في الحلية: (فأدنى) وهو أشبه بالصواب.) ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يكفيك. ويحك يا عطاء، إنما بطنك بحر من البحور، ووادٍ من الأودية، لا يَمْلؤه شيءٌ إلَّا التراب (أخرجه =стр. 4634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٣).).
وسئل وَهْبٌ عن رجلين يصليان، أحدهما أطول قنوتًا وصمتًا، والآخر أطول سجودًا، فأيُّهما أفضل؟ فقال: أنصَحُهما لله (المصدر السابق.).
وقال: من خصال المنافق أن يحبَّ الحمدَ ويكرَهَ الذمَّ، أيْ يحبُّ أنْ يحمدَ على ما لم يفعلْ، ويكره أن يُذَمَّ بما فيه.
قال: وقال لقمان لابنه: يا بني، اعقل عن الله، فإن أعقل الناس من عقل عن الله، وإن الشيطان ليَفِرُّ من العاقل، ما يستطيعُ أن يكايدَه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥).).
وقال لرجل من جلسائه: ألا أُعلِّمُكَ طِبًّا لا يتعايا فيه الأطباء، وفقهًا لا يتعايا فيه الفقهاء، وحلمًا لا يتعايا فيه الحُلَمَاء؟ قال: بلى يا أبا عبد الله. قال: أما الطبُّ فلا تأكلْ طعامًا إلا سَمَّيتَ الله على أوَّله، وحَمِدْتَهُ على آخره؛ وأما الفقه فإنْ سئلتَ عن شيءٍ عندك فيه علمٌ فأخبِرْ بما تعلم، وإلا فقل لا أدري، وأمَّا الحِلْم فأكثِر الصَّمْت، إلَّا أن تُسألَ عن شيء (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥).).
وقال: إذا كان في الصبيِّ خُلُقان: الحياءُ والرَّهبة، طُمِعَ في رُشْدِه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦).).
وقال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملك هناك: صف لي الناس. فقال: محادثتك من لا يعقل كمن يُغَنِّي لموتى (في الحلية (محادثتك من لا يعلم كمن يعلم الموتى).)، ومحادثتك مَن لا يعقل كمن يَبُلُّ الصخر الأصمَّ كي يَلين، وكمن يطبخُ الحديدَ يلتَمسُ أُدْمَه، ومحادثتك من لا يعقل (في الحلية "ومحادثتك من لا يُصغي".) كَمَنْ يضعُ المائدة لأهلِ القبور، ونقلُ الحجارة من رؤوسِ الجبال أيسرُ من محادثتك مَنْ لا يعقل (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦).).
وقال: قرأت في بعض الكتب أنَّ مناديًا ينادي من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين، زرعٌ قد دَنَا حصادُه؛ أبناء الخمسين، ماذا قدّمتم؟ أبناءَ الستين، لا عُذْرَ لكم. ليت الخلق لم يُخلقوا، وليتهم إذ خُلقوا عَلِموا لماذا خلقوا، قد أتتكم الساعة؟ فخذوا حِذْرَكم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٩٣).).
وقال: قال دانيال: يا لهفي على زمنٍ يُلتمسُ فيه الصالحون فلا يوجد منهم أحد إلا كالسنبلة في أثرِ الحاصد، أو كالخصلة في أثر القاطف، يوشكُ نوائح أولئك وبواكيهم أن تبكيَهُم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣).).
وروى عبد الرزاق عن عبد الصمد بن معقل، قال: سمعتُ وَهْبًا يقولُ في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمُها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا ختمَ له بخيرِ عمَلِه، وإذا أراد الله بعبدٍ شرًّا ختم له بشرِّ عمله (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣).).
وقال وَهْب: إن الله تعالى لما فرغ من الخَلْق نظرَ إليهم حين مَشَوا على وجهِ الأرض فقال: أنا الله لا إله إلا أنا الذي خلقتُكم وأُفنيكم بحُكْمي، حَقٌّ قضائي، ونافذٌ أمري، أنا أُعيدكم كما خلقتُكم وأفنيكم، حتى أبقى وَحْدي، فإن الملك والخلود لا يحق إلا لي، أدعو خَلْقي، وأجمعهم بقضائي يوم أحشرُ أعدائي، وتَجِلُّ القلوبُ من هيبتي، تتبرَّأ الآلهةُ ممن عَبَدَها دوني (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤).).
قال: وذكر وهب، أن الله لما فرغ من خَلْقِه يوم الجمعة أقبل يوم السبت فمدح نفسه بما هو أهله، وذكر عَظَمَته =стр. 4635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وجبروته وكبرياءه وسلطانه وقدرته وملكه وربوبيَّته، فأنصَتَ كلُّ شيءٍ وأطرق له، فقال: أنا الملك لا إله إلا أنا، ذو الرحمة الواسعة، والأسماء الحسنى، أنا الله لا إله إلا أنا، ذو العرش المجيد، والأمثال العلا، أنا الله لا إله إلا أنا، ذو الطول والمنِّ والآلاء والكبرياء، أنا الله لا إله إلا أنا بديع السموات والأرض، ملأت كلَّ شيءٍ عظمتي، وقَهَر كلَّ شيء مُلكي، وأحاطت بكل شيءٍ قدرتي، وأحصى كل شيءٍ علمي، ووسعت كلَّ شيءٍ رحمتي، وبلغ كل شيءٍ لُطفي، فأنا الله يا معشر الخلائق فاعرفوا مكاني، فليس شيءٍ في السماوات والأرضين إلا أنا وخَلقي، كلهم لا يقومُ ولا يدومُ إلَّا بي، ويتقلَّبُ في قبضتي، ويعيش برزقي، وحياتُهُ وموته وبقاؤه وفناؤه بيدي، فليس له مَحِيص ولا ملجأ غيري، لو تخلَّيتُ عنه طرفة عينٍ لدُمِّر كُلُّه، وكنت أنا على حالي، لا ينقُصني ذلك شيئًا، ولا يُنقص ذلك ملكي شيئًا وأنا مستغنٍ بالعزِّ كلِّه في جبروتي وملكي، وبرهان نوري، وشديد بطشي، وعلوّ مكاني، وعظمة شأني، فلا شيء مثلي، ولا إله غيري، وليس ينبغي لشيءٍ خلقتُه أن يعدِلَ بي، ولا ينكرُني، وكيف ينكرني مَن خلقتُه يوم خلقتُه على معرفتي؟ أم كيف يكابرني من قهرَهُ ملكي؟ أم كيف يُعجزني مَن ناصيتُه بيدي؟ أم كيف يعدلُ بي من أُعمِّره وأسقمُ جسمَه، وأنقص عقلَه، وأتوفَّى نفسه، وأخلقه وأهرمه، فلا يمتنعُ مني؟ أم كيف يستنكفُ عن عبادتي عبدي وابنُ عبدي وابن أَمَتِي؟ ومَن لا ينسب إلى خالقٍ ولا وارثٍ غيري؟ أم كيف يعبدُ دوني من تُخلقه الأيام، ويُفنِي أجلَهُ اختلاف الليل والنهار، وهما شعبة يسيرة من سلطاني؟ فإليَّ إليَّ يا أهل الموت والفناء، لا إلى غيري، فإني كتبتُ الرحمةَ على نفسي، وقضيتُ العفوَ والمغفرة لمن استغفرني، أغفرُ الذنوب جميعًا صغيرَها وكبيرَها لمن استغفرني، ولا يكبُر ذلك عليَّ ولا يتعاظَمُني، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلُكة، ولا تقنَطُوا من رحمتي، فإن رحمتي سبقت غضَبي، وخزائن الخير كلُّها بيدي، ولم أخلق شيئًا مما خلقتُ لحاجةٍ كانت مني إليه، ولكن لأُبينَ به قدرتي وليَنظُر الناظرون في مُلكي، ويتدبَّروا حكمتي، وليسبِّحوا بحمدي، ويعبدوني لا يشركوا بي شيئًا، ولتَعنُو الوجوه كلُّها إليّ (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤، ٣٥) بالفاظ مقاربة.).
وقال أشرس عن وهب قال: قال داود: إلَهي أين أجدُك؟ قال: عندَ المنكَسِرة قلوبُهم من مخافتي (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢).).
وقال: كان رجل من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعًا يُفطرُ في كلِّ أسبوع يومًا، وهو يسألُ الله أن يُريَهُ كيف يُغوي الشيطانُ الناس، فلما أن طال ذلك عليه، ولم يجب، قال في نفسه: لو أقبلتُ على خطيئتي وعلى ذنوبي وما بيني وبين ربِّي لكان خيرًا من هذا الأمر الذي أطلب. ثم أقبل على نفسه فقال: يا نفس، من قِبَلكِ أُتيتُ. لو علم الله فيك خيرًا لقضى حاجتك. فأرسل الله مَلَكًا إلى نبيهم أن قل لفلان العابد: إزراؤك على نفسِك، وكلامُك الذي تكلَّمت به أعجبُ إليِّ مما مضى من عبادتك، وقد أجاب الله سؤالك، وفتح بصرك فانظرِ الآن، فنظر فإذا أُحبولة لإبليسَ قد أحاطتْ بالأرض، وإذا ليس أحدً من بني آدم إلا وحوله شياطينُ مثلُ الذباب فقال: أي رب، ومن ينجو من هؤلاء؟ قال: صاحبُ القلبِ الوادِع اللَّيِّن (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢).).
وقال وهب: كان رجلٌ من السائحين، فأتى على أرضٍ فيها قِثاء، فدعَتهُ نفسُه إلى أخذ شيءٍ منه، فعاقبها، فقام مكانَهُ يُصَلي ثلاثة أيام، فمرَّ به رجل وقد لوَّحتهُ الشمسُ والريح، فلمّا نظر إليه قال: سبحان الله! لكأنَّما أُحرق هذا الإنسان بالنار. فقال السائح: هكذا بلغَ مني ما ترى خوفُ النار، فكيف بي لو دخلتُها؟ (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢).).
وقال: كان رجلٌ من الأولين أصاب ذنبًا فقال: للهِ عليَّ أن لا يُظلَّني سقفُ بيتٍ أبدًا حتى تأتيني براءةٌ من النار، =стр. 4636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فكان بالصحراء في الحَر والقَرّ، فمرَّ بهِ رجل فرأى شدَّة حاله فقال: يا عبد الله ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: بلغ ما ترى ذكرُ جهنَّم، فكيف بي إذا أنا وقعتُ فيها (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢، ٣٣).)!.
وقال: لا يَكُونُ البطَّالُ من الحكماء أبدًا، ولا يرثُ الزناةُ من ملكوتِ السماء (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٠/ ٤).).
وقال وهب في موعظته: اليوم يَعِظُ السعيد، ويستكثرُ من منافعِه اللبيبُ، يابنَ آدم، إنما جمعتُ من منافعِ هذا اليوم لدفعِ ضررِ الجهالة عنك، وإنما أوقدت فيه مصابيحُ الهدى لِتُنبَّه لحزبِك، فلم أر كاليوم ضلَّ مع نوره مُتحيِّرٌ داعٍ لمداواة سليم، يا بنَ آدم، إنه لا أقوى من خالقٍ ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طَلِبَتُه في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه، يا بن آدم، إنه قد ذهب منك مالا يرجعُ إليك، وأقام عندك ما سيذهب، فما الجزع مما لابدَّ منه، وما الطمع فيما لايرتجى، وما الحيلةُ في بقاء ما سيذهب. يابن آدم، أقصِر عن طلب ما لا تُدرك، وعن تناول ما لا تنالُه، وعن ابتغاء ما لا يوجد، واقطع الرجاءَ عنك، كما قعدت به عنك الأشياء، واعلم أنه رُب مطلوبٍ هو شَرٌّ لطالبه. يا بن آدم إنما الصبرُ عند المصيبة، واعظمُ من المصيبة سوءُ الخُلق منها. يا بنَ آدم إنما الصبرُ عند المصيبة، يا بن آدم، أيَّ أيام الدهر ترتجي؟ يومُ يجيءُ في عَتم، أو يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه، فانظر إلى الدهر تَجدهُ ثلاثة أيام: يومٌ مضى لا ترجوه، ويومٌ لا بدَّ منه، ويوم يجيءُ لا تأمَنُه، فأمْسِ شاهدٌ عليك مقبولٌ، وأمين مُؤدٍّ، وحكيم مؤدب، قد فجعك بنفسه، وخلَّف فيك حكمته، واليوم صديقٌ مودَّع، كان طويل الغَيْبَة عنك، وهو سريع الظَّعن، أتاك ولم تأتِه، وقد مضى قبلَهُ شاهدُ عَدلٍ، فإن كان ما فيه لكَ فاشفعه بمثِله، أوثقُ لك باجتماع شهادتهما عليك. يابنَ آدم إنما أهلُ الدنيا سَفْرٌ لا يحلُّون عقد رِحالهم إلا في غيرها، وإنما يتبلَّغون بالعواري، فما أحسنَه - يعني الشكرَ - للمنعم، والتسليم للمعاد!. يابنَ آدم إنما الشيءُ من مثِله، وقد مضَت قبلَنا أصولٌ نحن فروعُها، فما بقاءُ الفَرعِ بعد ذهابِ أصله، إنما يقرُّ الفرعُ بعد الأصل. يابنَ آدم، إنه لا أعظم رَزِيَّةً في عقْلِه مِمَّن ضيَّعَ اليقينَ وأخطأ العملَ، أيها الناس، إنما البقاءُ بعدَ الفناء، وقد خُلقنا ولم نكن، وسَنبلَى ثم نعود، ألا وإنما العواري اليوم والهناتُ غدًا، ألا وإنه قد تقارب مِنا سَلَبٌ فاحش، أو عطاءٌ جزيل، فأصلحوا ما تُقدِمون عليه بما تَظعنون عنه، أيها الناس، إنما أنتم في هذه الدنيا غَرَضٌ تَنتَضِلُ فيها المنايا (تنتضل: تختار وتتبارى. انظر لسان العرب (نضل).)، وإن ما أنتم فيه من دنياكم نَهبٌ للمصائب، لا تنالون فيها نعمة إلا بفراقِ الأخرى، ولا يستقبلُ منكم معمَّرٌ يومًا من عُمره إلا بهدم آخَرَ من أجَلِه، ولا يتخذُ له زيادة في ماله إلا بَنفَادِ ما قبلَهُ من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر، نسألُ الله أن يُباركَ لنا ولكم فيما مضى من هذه العِظَة (أخرجه بطوله بألفاظ مقاربة أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠، ٣١).).
وقال قُتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن مروان، عن وهب بن منبِّه، [أنه كان يقول: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حَرُون، إن فترَ قائدُها صَدَّت، عن الطريق، ولم تستقم لسائقها، وإنْ فَتَر سائقُها حَزِنَت ولم تَتبَعْ قائدها، فإذا اجتمعا استقامت طوعًا أو كرهًا، ولا تستطيعُ الذين إلا بالطوع والكُره، وإن كان كلَّما كَره الإنسانُ شيئًا من دينه ترَكَه أوشك أن لا يبقى معه من دِينه شيء (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢١٥) بنحوه.).
وقال وهب: إنَّ من حكمة الله أنه خلق الخَلقَ مختلفًا خَلقُهُ ومقاديره، فمنه خَلقٌ يدومُ ما دامت الدنيا، لا تُنقِصه الأيام ولا تُهرِمُه وتُبليه ويموت، ومنه خلق لا يُطعم ولا يرزق، ومنه خَلقٌ يُطعم ويرزق، خلَقه الله وخلَق =стр. 4637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = معه رِزقه، ثم خلق الله من ذلك خلقًا في البَرّ، وخلقًا في البحر، ثم جعل رزقَ ما خلق في البحر وفي البر، ولا ينفعُ رزقُ دوابِّ البر دوابَّ البحر، ولا رزقُ دوابِّ البحرِ دوابَّ البَرّ، لو خرج ما في البحر إلى البرِّ هلك، ولو دخل ما في البَرِّ إلى البحرِ هلَك، ففي ذلك ممَّن خلق الله في البَرِّ والبحر عِبرَةٌ لمن أهمَّته قسمةُ الأرزاق والمعيشة، فليعتبر ابنُ آدمَ فيما قسم الله من الأرزاق، فإنه لا يكونُ فيها شيءٌ إلا كما قَسمَهُ سبحانه بين خَلقِه لا يستطيعُ أحد أن يُغيِّرها ولا أن يَخلطَها، كما لا تستطيعُ دواب البَرِّ أن تعيش بأرزاقِ دوابِّ البحر، ولا دوابُّ البحرِ بأرزاق دوابِّ البَرّ، ولو اضطرت إليه هَلَكت كلُّها، فإذا استقرت كل دابةٍ منها فيما رُزقت أصلحها ذلك وأحياها، وكذلك ابنُ آدم إذا استقر وقَنِعَ بما قَسَم الله له من رزقه أحياه ذلك وأصلحه، فإذا تعاطى رزق غيرِه نَقَصه ذلك وضرَّهُ وفَضَحَه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٩).).
وقال لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلكم قد استَغنوا بعلمِهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى أهل الدنيا، ولا إلى ما في أيديهم، فكان أهلُ الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبةً في علمِهم، فأصبح أهلُ العلم فينا اليوم يبذلون لأهلِ الدنيا علمَهم رغبةً في الدنيا، فأصبح أهلُ الدنيا قد زَهدوا في علمِهم، لِمَا رأوا من سوء موضعه عندَهم، فإياك يا عطاءُ وأبوابَ السلطان، فإنَّ عندَ أبوابهم فتنًا كمَبَاركِ الإبل، لا تُصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك مثلَه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٩، ٣٠). وفيه تتمة (ثم قال: يا عطاء إن كان يغنيك ما يكفيك فكلُّ عيشك يكفيك، وإن كان لا يغنيك فليس شيءٌ يكفيك، إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يسعه إلا التراب).).
وقال إبراهيم الجنيد: حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدَّمي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الصنعاني، قال: سمعت وهبَ بن منبِّه يقول: لَقيَ عالمٌ عالمًا هو فوقَهُ في العلم فقال: كيف صلاتُك؟ فقال: ما أحسبُ أحدًا سمع بذكر الجنة والنار يأتي عليه ساعةٌ لا يصلِّي فيها. قال: فكيف ذكرُك للموت؟ قال: ما أرفعُ قدمًا ولا أضعُ أخرى إلا رأيت أني ميتٌ. فقال: فكيف صلاتك أنت أيها الرجل؟ فقال: إني لأُصلي وأبكي حتى ينبت العُشب من دموعي. فقال العالم: أما إنك إن تضحك وأنت معترف بخطيئتك خيرٌ لك من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ بعلمك، فإن المُدِلَّ لا يُرفعُ له عمل. فقال: أوصِني فإني أراك حكيمًا. فقال: ازهَد في الدنيا ولا تُنازع أهلها فيها، وكن فيها كالنَّحلَةِ إن أكلت أكلتَ طيِّبًا وإن وضعتَ وضعتَ طيِّبًا، وإن وقعتَ على عُودٍ لم تكسِرهُ، وانصَح لله نُصح الكلب لأهله، فإنهم يُجيعونه ويطردونه ويضربونه وهو يأبى إلا أن يَحُوطَهم ويحفظَهُم وينصح لهم. فكان وَهبُ إذا ذكر هذا الحديث قال: واسوأتاهُ إذا كان الكلبُ أنصحَ لأهله منك يابنَ آدم للهِ (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨).).
وفي رواية أنه قال: إني لأصلِّي حتى تَرِمَ قَدَماي. فقال له: إنك أن تَبِيتَ تائبًا وتصبحَ نادمًا خيرٌ لك من أن تبيتَ قائمًا وتصبح مُعْجَبًا (ذكر هذا القول ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ١٧٧).). إلى آخره.
وروى سفيان عن رجلٍ من أهل صنعاء، عن وهب، فذكر الحديثَ كما تقدَّمَ (المصدر السابق.).
وقال عثمان بن أبي شَيبة: حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا الصلتُ بنُ عاصم المرادي، عن أبيه، عن وهب، قال: لما أُهبط آدمُ من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم، ألا أعلمك شيئًا تنتفع به في الدنيا والآخرة؟ قال: بلى. قال: قل اللهمَّ تَمِّم لي النعمة حتى تُهنِئَني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرَّني ذنوبي، اللهمَّ اكفني مؤنة الدنيا، وكلَّ هولٍ في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية =стр. 4638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨، ٢٩).).
وقال عبد الرزاق: حدثني بكار بن عد الله عن وهب، قال: قرأتُ في بعض الكتب فوجدتُ الله تعالى يقول: يا بن آدم، ما أنصفتني، تُذكَّرُ بي وتنساني! وتدعو إليَّ وتَفرُّ مني! خيري إليك نازل، وشرُّك إليَّ صاعد، ولا يزال ملك كريمٌ قد نزل إليك من أجلك. يا بن آدم، إنَّ أحبَّ ما تكون إليَّ وأقربَ ما تكونُ مني إذا رضيتَ بما قسمتُ لك، وأبغضُ ما تكونُ إليَّ، وأبعدُ ما تكونُ مني إذا سَخطت بما قسمتُ لك. يا بن آدم أطِعني فيما أمرتُك، ولا تُعلمني بما يُصلحُك، إني عالمٌ بخَلقي، وأنا أعلمُ بحاجتك التي ترفعُك من نفسك، إني إنما أُكرم من أكرمني، وأُهينُ من وإن عليه أمري. لستُ بناظرٍ في حقِّ عبدي حتى ينظر العبدُ في حقِّي (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧).).
وقال وهب: قرأتُ نيفًا وتسعين كتابًا من كتبِ الله تعالى [منها سبعون، أو نيفٌ وسبعون ظاهرةٌ في الكتابَين، ومنها عشرون لا يعلَمُها إلا قليلٌ من الناس]، فوجدتُ في جميعها أنَّ مَن وَكَلَ إلى نفسه من المشيئة فقد كَفر (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٤)، وما بين معقوفين منه.).
وقال: لا يسكنُ ابنَ آدم أنَّ الله هو قَسَم الأرزاق متفاضلةً ومختلفة، فإن تقلَّل ابنُ آدمَ شيئًا من رزقه فليزدد إلى الله رغبة، ولا يقولن: لو اطَّلع الله على هذا من حالي أو شعر به غيَّره. فكيف لا يطَّلع على شيء الذي خلقَهُ وقدَّره؟ أوَ [لا] يعتبرُ ابن آدمَ في غير ذلك مما يتفاضلُ فيه الناس؟ كأن الله فاضل بينهم في الأجسام والأموال والألوان والعقول والأحلام، فلا يَكبُر على ابن آدم أن يُفضَّل عليه في الرزق والمعيشة، ولا يَكبُر عليه أن يُفضَّل عليه في الحِلم والعِلم والعقل والدِّين. أوَلا يعلم ابن آدم أنَّ الذي رزقه في ثلاثة أزمانٍ من عُمره لم يكن له في واحدٍ منها كَسبٌ ولا حِيلة، أنه سوف يرزُقُه في الزمن الرابع؟ أولُ زمانٍ من أزمانه حين كان في بطن أمِّه، يُخلق فيه ويُرزق من غير مالٍ كَسبَه، وهو في قرارٍ مكين، لا يؤذيه فيه حَرٌّ ولا بردٌّ ولا شيء، ولا هَمٌّ ولا حُزنٌ، وليس له هناك يدٌ تبطش ولا رِجلٌ تسعى، ولا لسان ينطِق، فساقَ الله إليه رزقه هناك على أتم الوجوه وأهناها وأمراها، ثم إنَّ الله أراد أن يحوِّلهُ من تلك المنزلة إلى غيرها، ويحدث له في الزمن الثاني رزقًا من أُمِّه، يَكفيه ويُغنيه، من غير حَولٍ منه ولا قوة ولا بطشٍ ولا سُمعة، بل تفضلًا من الله، وجودًا ورزقًا أجراه، وساقه إليه، ثم أراد الله سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يُحدثه له من كَسب أبويه، بأن يجعل له الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراهُ على نفسِهما بكَسبهما، ويُغنياه ويغذِّياهُ باطيب ما يقدران عليه من الأغذية، وهو لايُعينُهما على شييءٍ من ذلك بكسب ولا حيلة، حتى إذا عَقَلَ حدَّث نفسه بأنه يُرزق بحيلته ومكسبه وسعيه، ثم يدخل عليه في الزمن الرابع إساءة الظنِّ بربِّه ، فيُضَيِّعُ أوامر الله في طلب المعاش، وزيادة المال وكثرته، وينظرُ إلى أبناء الجنس وما عليه من التنافس في طلب الدنيا، فيكسبُ بذلك ضعف اليقين والإيمان، ويمتلئُ قلبه فقرًا وخوفًا منه مع المتاع، ويُبتلى بموت القلب، وعدم العقل. ولو نظر ابنُ آدم نظَرَ معرفةٍ وعقل، لَعَلِم أنه لن يُغنِيهُ في الزمن الرابع إلا من أغناه ورزقه في الأزمان الثلاثة قبلُ، فلا مقالَ له ولا معذرةَ مما سُلِّط عليه في الزمان الرابع إلا برحمة الله، فإن ابن آدم كثيرُ الشكّ، يُقصَّرُ به حُكمُهُ وعِلمه عن علم الله والتفكر في أمره، ولو تفكر حتى يفهم، وتفهم حتى يعلم، عَلِمَ أن علامة الله التي بها يُعرف خلقه الذي خلق، ثم رِزْقُهُ لِمَا خلق، وقَدَرُهُ لِمَا قَدَّر (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٥).).
وقال عطاء الخراساني: لَقيتُ وهبًا في الطريق فقلت: حدِّثني حديثًا أحفَظُه عنك في مقامي هذا وأوجز. قال: أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود، أما وعزَّتي وعظمتي لا يَنتصرُ بي عبدٌ من عبادي دون خلقٍ أعلمُ ذلك من نيَّته، فتكيده السماوات السبعُ ومن فيهنّ والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهنَّ فرجًا ومخرجًا، أما وعزَّتي وجلالي، لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيَّته إلا قطعت أسباب السماوات من =стр. 4639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) .). وقال وهب: تخفَى راهب في صومعتهِ في زمنِ المسيح، فأراد إبليسُ أن يكيدَه، فلم يقدِرْ عليه، فأتاه بكل مُرادِ فلم يقدر عليه، فأتاهُ متشبهًا بالمسيح، فناداه: أيُّها الراهب، أشرفْ عليَّ أكلِّمك، فأنا المسيح. فقال: إنْ كنتَ المسيح فمالي إليك من حاجة، أليس قد أمرتَنا بالعبادة، ووعدتَنا القيامة؟ انطلقْ لشأنك، فلا حاجة لي فيك. قال: فذهب عنه الشيطانُ خاسئًا وهو حسير؛ فلمْ يَعُدْ إليه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٤) بنحوه.).
ومن طريق أخرى عنه قال: أتى إبليسُ راهبًا في صومعته، فاستفتح عليه، فقال له: مَنْ أنت؟ قال: أنا المسيح. فقال الراهب: والله لئنْ كنتَ إبليس لأخلون بك، ولئن كنتَ المسيح ما عسى أنْ أصنعَ بك اليوم شيئًا لقد بلغتَنا رسالةَ ربك فقبِلْناها عنك، وشرعتَ لنا الدِّين فنحن عليه، فاذهبْ فلستُ بفاتحٍ لك. فقال: صدقتَ، أنا =стр. 4640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥١٤) . وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٨).): حدّثنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وَهْب بن منبِّهٍ يقول: كان رجلٌ من أفضلِ أهل زمانه، وكان يُزارُ فيعظِهُمْ، فاجتمعوا إليه ذاتَ يوم فقال: إنَّا قد خرجْنا عن الدنيا، وفارَقْنا الأهلَ والأموالَ مخافةَ الطُّغْيان، وقد خِفْنا أنْ يكونَ قد دخلَ علينا في حالِنا هذه من الطُّغْيان أعظمُ وأكثرُ ممّا يدخل على أهلِ الأموالِ في أموالهم، وعلى الملوكِ في مُلكِهم؛ أُرَانا يُحبُّ أحدُّنا أنْ تُقضَى له الحاجة، وإذا اشترى شيئًا أنْ يُحابَى لمكانِ دينِه، وأنْ يُعَظَّمَ إذا لَقيَ الناسَ لمكانِ دينِه؛ وجعل يُعددُ آفاتِ العلماءِ والعِباد الذين يدخلُ عليهم في دينهم مِنْ حلِّ الشرَفِ والتعظيم. قال: فشاعَ ذلك الكلامُ عنه، حتى بلَغَ مَلِكَ تلكَ البلاد، فعَجِبَ منه الملكُ وقالَ لرؤوسِ دولتِه: ينبغي لهذا أنْ يُزار. ثم استَّعَدوا لزيارتِهِ يومًا، فركب إليه الملكُ ليسلمَ عليه، فأشرف العابدُ - وكان عالمًا جيد العلمِ بآفاتِ العلومِ والأعمالِ ودسائس النفوس، فرأى الأرضَ التي تحتَ مكانِه قد سُدَّتْ بالخيلِ والفُرسان، فقال: ما هذا؟ فقيلَ له: هذا الملكُ قاصدٌ إليكَ يُسلمُ عليك، لِمَا بلغَهُ من حُسنِ كلامِك. فقال: إنَّا لله! وما أصنَعُ به؟ هلَكْنا واللهِ إنْ لم نُلَقَّنِ الحُجَّةَ من عندِ الله معَ هذا الرجل، وينصرفْ عنا وهو ماقتٌ لنا. ثم سألَ خادِمَهُ: هل عندك طعامٌ؟ قال: نعم. قال: فَاتِ بهِ، فضعْهُ بين أيدينا. قال: هو شيءٌ من ثمَرِ الشجر، وهو شيءٌ من بقلٍ وزيتون. قال: فأتِ به، فأتى به، ثم أمرَ بجماعته فاجتمعوا حولَ ذلك الطعام؛ فقال: إذا دخلَ عليكم هذا الرجلُ فلا يلتفِتْ أحد منكم إليه، ولا يقُمْ له أحد، وأقبلُوا على الأكل العَنيف، ولا يرفَعْ أحدٌ منكمْ رأسَه، لعلَّ الله أنْ يصرفَهُ عنّا وهو كارِهٌ لنا. فإني أخافُ الفِتْنةَ والشُّهرة، وامتلاءَ القلبِ منهما، فلا نخلُصُ إلَّا بنارِ جهنّم. قال: فبكى القوم، وبكى ذلك =стр. 4641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥١٥) .).
وفي رواية: أن هذا العابد كان ملكًا وكان قد زَهِدَ في الدنيا وتركها، لأنه كان قد دخل عليه رجل من بقايا أهلِ الجنة والعمَلِ الصالح فوعظه، فاتَّعد معه أنْ يصحبَه، وأنه يَخْرُجُ عن المُلْكِ طلبًا لِمَا عندَهُ في الدارِ الآخرة، وأنه وافقَهُ جماعة من بَنِيه وأهلِه ورؤوسِ دولتِه، فخرجوا برُمتِهم لا يدري أحدٌ أين ذهبوا. وكان هذا الملكُ من أهلِ العَدْلِ والخير والخَوْفِ من الله ، وكان متسعَ الملكِ والمملكة، كثيرَ الأموالِ والرجال؛ فساروا حتى أتَوْا جبلًا في أطرافِ مملكتِه كثير الشجرِ والمياه، فأقاموا به حينًا. فقال الملك: إنْ نحنُ طالَ أمرُنا ومُقَامُنا في هذا الجبل سَمِعَ بنا الناسُ من أهل مملكتِنا، فلا يدعونا؛ وإني أرى أن نذهبَ إلى غيرِ مملكتنا، فننزِل مكانًا بعيدًا عن الناس، لعل أنْ نسلمَ منهم ويسلموا مَنّا. فساروا من ذلك الجبل طالبين بلادًا لا يُعرفون، فوجدوا بها جبلا نائيًا عن الناس، كثير الأشجار والمياه، قليلَ الطوارق، وإذا في ذِروتِهِ عينُ ماءٍ جارية، وأرضٌ متَّسِعة، تُزرَع لمن أراد الزرْعَ بها؛ فنَزَلوا به وبَنَوْا به أماكنَ للعبادةِ والسُّكْنى، وزرعوا لهم على ماءِ تلك العَين بعضَ بقولٍ يأتَدِمُونَ بها، وأشجارَ زيتون، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون، ثم شاع أمرُهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلِهم، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم إلى أنَّ شاع ذلك الكلام المتقدِّم عن ذلك العالم، فبلغَ ملكَ تلك البلاد، فقصَدَهم للزيارةِ فذكر القصةَ كما تقدَّم، والله أعلم.
وقال وهب: أزهدُ الناسِ في الدنيا وإنْ كان عليها حريصًا منْ لم يرضَ منها إلا بالكَسْب الحلال الطيِّب، مع حفظ الأمانات، وأرغَبُ الناسِ فيها وإنْ كان عنها معرضًا منْ لم يبالِ في أين كَسْبُه منها حلالًا كان أو حرامًا؛ وإنَّ أجودَ الناسِ في الدنيا من جادَ بحقوقِ الله ، وإنْ رآه الناس بخيلًا فيما سوى ذلك؛ وإن أبخل الناسِ في الدنيا من بَخِلَ بحقوقِ اللهِ ، وإنْ رآه الناسُ جوادًا فيما سوى ذلك (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٩)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٠٧)(١٠٧٨١) بسنده معزوًّا إلى أبي أمية.).
وقال الطبراني (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٠) بهذا الإسناد عن الطبراني.): حدّثنا معاذ بن المثنى، حدّثنا عليُّ بن المديني، حدّثنا محمد بن عمرو بن مِقْسم، قال: سمعتُ عطاء بن مسلم يقول: سمعتُ وَهْبَ بن مُنَبِّه يقول: إن الله تعالى كلَّمَ موسى ﵇ في ألفِ مَقَام، وكان إذا كلَّمَهُ رُئيَ النورُ على وجه موسى ثلاثةَ أيام، ولم يمسَّ موسى امرأة منذُ كلَّمَهُ رَبُّه .
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدّثنا عبد الله بن عامر بن زُرَارة، حدّثنا عبد الله بن الأجْلَح، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعتُ ابن مُنَبِّه اليماني يقول: إنَّ للنبوةِ أثقالًا ومؤونة، لا يحمِلُها إلا القويّ، وإنَّ يونُس بنَ متَّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقِهِ ضِيق، فلما حُمِلَتْ عليه =стр. 4642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = النبوَّة تفسَّخَ تحتها تفسُّخَ الرُّبَعِ تحت الحِمْل (الرُّبَعُ: الفَصيلُ الذي يُنتَجُ في الربيع، وهو أولُ النتاج، سُمِّيَ رُبَعًا لأنه إذا مشى ارْتَبَعَ ورَبَع، أيْ وَسَّعَ خَطْوَهُ وعَدَا؛ وتفسَّخَ الرُّبَع تحت الحِمل الثقيل: وذلك إذا لم يُطِقْه. اللسان (فسخ، ربع).)، فرفَضَها مِنْ يدِهِ وخرج هاربًا؛ فقال الله تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]: وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] الآية (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٠).).
وقال يونس بن بُكَير عن أبي إسحاق بن وهب بن مُنَبِّه، عن أبيه، قال: أمرَ الله الريحَ أنْ لا يتكلَّمَ أحدٌ من الخلائق بشيء في الأرض إلا ألقَتْهُ في أُذُنِ سليمان، فلذلك سَمعَ كلامَ النمْلة (المصدر السابق.).
وروى سفيان عن عمرو بن دينار، عن وهب، قال: كان الرجلُ من بني إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أُري شيئًا، كأن يرَى علامةَ القَبُول؛ قال: فساحَ رجلٌ من ولدِ زَنْيَةِ (في (ق): "من ولد ربيعة" تصحيف، والمثبت من الحلية.) أربعينَ سنة، فلم يرَ شيئًا، فقال: يا رب، إنْ أحسنتُ وأساءَ والداي، فما ذنبي؟ قال: فأُرِيَ ما كان يَرَى غيرُه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥١).).
وفي رواية: أنه قال: يا ربّ، إذا كان والدايَ قد أكلا أضْرَسُ أنا؟
وفي رواية: عنه أنه قال: يا ربّ، إذا كان والدايَ قد أساءا أُحرَمُ أنا إحسانَك وبِرَّك؟ فأظَلَّتْهُ غَمَامة.
وروى عبد الله بنُ المبارك عن رَبَاح بن زيد، عن عبد العزيز بن حَوْران (في (ق): "عبد العزيز بن مروان" تصحيف، والمثبت من الحلية، وترجمته في التاريخ الكبير (٦/ ١٨)، والجرح والتعديل (٥/ ٣٨٠)، والثقات لابن حبان (٧/ ١١١)، وميزان الاعتدال (٤/ ٣٦٣)، وفيه: بحاء مهملة ضبطه بعضهم، والأصح بجيم. أهـ.)، قال: سمعتُ وَهبَ بنَ مُنَبِّه يقول: مثلُ الدنيا والآخرة مثلُ ضرَّتَيْن، إن اْرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأخرى (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥١).).
وقال: إنَّ أعظمَ الذنوبِ عند الله بعدَ الشِّرْكِ بالله السِّحْر (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥١) وفيه: (بعد الشرك بالله السخرية بالناس".).
وروى عبد الرزاق قال: أخبرني أبي عن وهبٍ قال: إذا صام الإنسانُ زاغَ بصَرُه، فإذا أفطرَ على حلاوة عاد بصَرُه (المصدر السابق.).
وقال ابنُ المبارك عن بكَّار (في (ق): "عن بكر بن عبد الله، تصحيف والمثبت من الحلية، وترجمته في التاريخ الكبير (٢/ ١٢١).) بن عبد الله، قال: سمعتُ وهبًا يقول: مرَّ رجلٌ عابدٌ على رجلٍ عابد، فرآهُ مفكِّرًا، فقال له: ما لك؟ فقال له: أعجبُ من فلان أنه كان قد بلَغَ من عبادتهِ ما بلغ، ثم مالَتْ به الدنيا؟ فقال: لا تعجَبْ مِمَّنْ مالَ كيف مال، ولكنِ اعجبْ ممَّنِ استقامَ كيف استقام (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥١).)؟
وقال عبدُ الله بن الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل: حدّثني عبدُ الرزاق، حدّثنا بكَّار بن عبد الله قال: سمعتُ وَهْبَ بنَ منبِّه يقول: إنَّ بني إسرائيلَ أصابَتْهم عقوبةٌ وشِدَّة، فقالوا لنبيٍّ لهم: وَدِدْنا أنْ نعلمَ ما الذي يُرضي ربَّنا فنتَّبِعَه. فأوحى الله إليه: إن قومَكَ يقولون، [فأخبِرْهم إنْ أرادوا رضائي فَلْيُرضوا المساكين، فإنَّهم] إذا أرضَوْهُمْ رَضِيت، وإذا أسخطوهُمْ سَخِطت (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٢)، وما بين معقوفين منه.).
وقال عبد الله بن أحمد أيضًا: حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن خالد، حدّثني عمر بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ وهب بن منبِّه يقول: إنَّ عيسى ﵇ كان واقفًا على قبرٍ ومعه الحواريُّون - أو نفَرٌ من أصحابه - قال: =стр. 4643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٩٢) .) قال: سمعتُ وهبًا يقول: قال حكيمٌ من الحكماء: إني لأستحي من الله أن أعبُدَهُ رجاءَ ثوابِ الجنةِ فقط، فأكون كالأجير السَّوْء، إنْ أُعْطي عَمِل، وإنْ لم يعطَ لم يعمل؛ وإني لأستحي من الله أن أعبدَهُ مخافةَ النار فقط، فأكونُ كالعبد السَّوْء، إنْ رَهِبَ عَمِل، وإنْ تُرك لم يعملْ؛ وإني لَيستخرِج مني حُبُّ الله ما لا يستخرج مني غيرُه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٣/ ٤، ٥٤).).
وقال السُّريُّ بن يحيى: كتب وَهْبٌ إلى مكحول: إنك قد أصبتَ بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبةٌ وقال =стр. 4644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٩٠) بنحوه.).
وقال عبد الله بن المبارك (في كتابه الزهد ص(١٩) برقم(٥٦) .): عن رباح بن زيد، عن رجل، قال: إنَّ للعلمِ طُغيانًا كطغيانِ المال.
وقال الطبراني: حدّثنا عبيد بن محمد الصنعاني، حدّثنا أبو قدامة همام بن مسلمة بن عقبة، حدّثنا غوثُ بن جابر، حدّثنا عقيل بن منبِّه قال: سمعتُ عمِّي وهبَ بن منبِّه يقول: الأجرُ من الله معروض، ولكنْ لا يستوجبُهُ منْ لا يعمَل، ولا يَجدُهُ من لا يَبتغيه، ولا يُبصِرهُ من لا ينظرُ إليه، وطاعةُ اللهِ قريبةٌ ممّنْ يرغبُ فيها، بعيدة ممن زَهِدَ فيها، ومنْ يحرِصْ عليها يَصِلْ إليها، ومنْ لا يُحبُّها لا يَجِدُها، لا تسبقُ منْ سعى إليها، ولا يُدْركُها منْ أبطأ عنها، وطاعةُ الله تُشرِّفُ منْ أكرَمَها وتُهينُ مَنْ أضاعها، وكتابُ الله يدُلّ عليها، والإيمان بالله يَحُضُّ عليها (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٤).).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إبراهيم بنُ خالد، حدّثنا عمر بن عبد الرحمن، سمعت وهب بن منبِّه يقول: قال داود ﵇: يا رب، أيُّ عبادِكَ أحبُّ إليك؟ قال: مؤمن حسنُ الصورة، حسَنُ العمَل. قال: يا ربّ، أيُّ عبادِك أبغضُ إليك؟ قال: كافرٌ حسنُ الصورة، كفَرَ أو شَكَر، هذان (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٥)، وروايته: "كفر هذا وشكر هذا".).
وفي روايةٍ ذكرها أحمد بن حنبل: أيُّ عبادك أبغضُ إليك؟ قال: عبدٌ استخارَني في أمير فخرتُ له، فلم يرضَ به (المصدر السابق.).
وقال إبراهيم بن الجُنيد: حدّثني إبراهيم بن سعيد، عن عبد المنعم بن إدريس، حدّثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبِّه، قال: كان سائح يعبدُ الله تعالى، فجاءه إبليسٌ أو شيطانٌ فتمثَّلَ بإنسان، فجعل يُريه أنه يعبدُ الله تعالى، وجعل يزيدُ عليه في العبادة، فأحبَّه ذلك السائح، لِمَا رأى من اجتهادِهِ وعبادتِه، فقال له الشيطان والسائحُ في مصلَّاه: لو دخلنا إلى المدينة فخالَطْنا الناس، وصبَرْنا على أذاهم، وأمَرْنا ونَهَيْنا، كان أعظمَ لأجرِنا. فأجابَهُ السائحُ إلى ذلك، فلما أخرج السائح إحدى رجلَيْه من بابِ مكانِهِ لينطلقَ معه هَتفَ به هاتف فقال: =стр. 4645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٥٣) ، وبعده: "فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالةِ على لسان الحكيم".).
وقال غيرُه: اتقوا زَلَّةَ العالم فإنه إذا زَل زَلَّ بزَلَّتِهِ عالَم كثير (أخرجه ابن المبارك في الزهد ص(٥٢٠) معزوًّا لعيسى صلوات الله عليه.).
ولا ينبغي له أن يستهينَ بالزَّلَّةِ وإنْ صَغُرَتْ، ولا يفعلُ الرُّخَصَ التي اختلفَ فيه العلماء، فإنَّ العالِمَ هو عَصَاةُ كلِّ أعمى من العوام، بها يصولُ على الحق ليَدْحَضهُ ويقول: رأيتُ فلانًا العالم وفلانًا وفلانًا وفلانًا يفعلونَ ويفعلون. وَلْيَجْتَنبِ العوائدَ النفسية، فإنَّهُ قد يفعلُ أشياءَ على حُكم العادة، فيظنُّها الجاهلُ جائزةً أو سنة أو واجبة، كما قيل: سَلِ العالم يَصْدُقْكَ، ولا تقتدِ بفعلِهِ الغريب، ولكن سَلْه عنه يَصْدُقْكَ إنْ كان ذا دِين. وكم أفسدَ النظرُ إلى غالبِ علماءِ زمانِكَ هذا من خَلْق. فما الظنُّ بمخالطتهِمْ ومجالستِهِمْ، ولكنْ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقال محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْه: حدّثنا عبد الرزاق عن أبيه، قال: قلت لوهب بن منبه: كنتَ ترى =стр. 4646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠٤) .)
فكيف حالُ مَنْ قد غرق في قاذوراتِ الدُّنيا من علماء زمانكَ هذا! ولا سيما من بعدِ فتنةِ تيمورلنك، فإنَّ القلوبَ قد امتلأتْ بحبِّ الدنيا فلا يجد العلمُ فيها مَوْضِعًا، فجالِسْ مَنْ شئتَ منهم لتنظر مبادئ مجالستهم وغاياتها ولا تستخفك البَدَوات، فإنما الأمورُ بعواقبها وخواتيمِها ونتائجِها وغاياتها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ و ٣].
وقال وهب: البلاءُ للمؤمن كالشِّكَالِ للدَّابَّة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٦)، والشكال: الحبل الذي تُشدُّ به قوائم الدابة. اللسان (شكل).).
وقال أبو بلال الأشعري: عن أبي هشام (في (ق): "عن أبي شهاب" تصحيف والمثبت من الحلية، ومما سبق من هذا الإسناد، وترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ١٨٧)، وهو إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه أبو هشام الصنعاني.) الصنعاني، عن عبد الصمد، عن وهب، قال: مَنْ أُصيب بشيءِ من البلاء فقد سُلك به طريقُ الأنبياء (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٦).).
وقال عبدُ الله ابن الإمام أحمد بن حنبل: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا منذر، قال: سمعتُ وهبًا يقول: قرأتُ في كتابِ رجلٍ من الحواريين: إذا سُلك بك طريقُ - أو قال: سبيل أهلِ البلاء - فطِبْ نفسًا، فقد سُلك بها طريقُ الأنبياء والصالحين (المصدر السابق.).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أحمد بن جعفر، حدّثنا إبراهيم بن خالد، حدّثني أمية بن شبل، عن عثمان بن يزدويه، قال: كنتُ مَعَ وَهْب، وسعيدِ بن جُبير يومَ عَرَفة تحتَ نَخيلِ ابنِ عامر، فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله كم لك منذُ خفتَ من الحجاج؟ فقال: خرجتُ عن امرأتي وهي حامل، فجاءني الذي في بطنِها وقد خرَجَ وجهُه (في (ق): "خرج [شعر، وجهه]، وهذه الزيادة لا داعيِ لها، ومعنى خرج وجهه: أي خرج شعر وجهه وَبَقل. انظر اللسان (خرج).). فقال له وهب: إنَّ مَنْ كان قبلَكُمْ كان إذا أصابه بلاءٌ عَدَّهُ رخَاءً، وإذا أصابه رخاءٌ عدَّهُ بلاءً (أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد ص(٣٧٣) ، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٦، ٥٧، و ٢٩٠).).
وروى عبد الله بن أحمد بسنده، عن وهب، قال: قرأتُ في بعض الكتب: ليس من عبادي مَنْ سَحَر أو سُحِرَ له، أو تكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له، أو تَطَيَّرَ أو تُطُيِّرَ له، فمنْ كان كذلك، فَليَدعُ غيري، فإنما هو أنا، وخَلْقي كلُّهمْ لي (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٧). وأخرج البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) برقم(١١٧٦) عن عبد الرزاق أنا معمر بن قتادة، أن كعبًا قال قال الله : ليس من عبادي من سحر أو سحر له أو كهن أو كهن له =стр. 4647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١١١) برقم(٣٦٥) ، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٨).).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا الحجاج وأبو النضر، قالا: حدّثنا محمد بن طلحة، عن محمد بن جُحادة، عن وهب، قال: من يتعبَّدْ يَزْدَدْ قوَّةً، ومن يكسَلْ يَزْدَدْ فَتْرةً (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٨).).
وقد قال غيره: إن حوراء جاءته في المنام في ليلةٍ باردة فقالت له: قُمْ إلى صلاتِك، فهي خيرٌ لك من نومه توهنُ بدَنَك. ورأيتُ في ذلك حديثًا لم يحضُرْني الآن وهذا أمر مُجَرَّب، إن العبادة تنشِّطُ البدَن، وتُلَيِّنُه وإن النومَ يُكْسلُ البدَن فيُقَسِّيه؛ وقد قال بعضُ السلف: لما تبع صِلَةَ بنَ أشْيَم حين دخل تلك الغيضة، وأنه قام ليلتَه إلى أنْ أصبح قال: فأصبح كأنه باتَ على الحشايا، وأصبحتُ ولي من الكَسَلِ والفُتور ما لا يعلمه إلا الله (انظر قصة صلة بن أشيم والذي تبعه زيد العبدي في شعب الإيمان للبيهقي (٣/ ١٦٠، ١٦١)، برقم(٣٢١١) .).
وقد قيل للحسن: ما بالُ المتعبِّدين أحسَنُ الناسِ وجوهًا؟! قال: لأنهم خَلَوْا بالجليل، فألبسَهُمْ نورًا من نورِه (ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٤١٢).).
وقال يحيى بن أبي كثير: والله ما رجلٌ يَخْلو بأهلِه عَروسًا أقرَّ ما كانتْ نفسُهُ وآنَسَ بأشدَّ سرورًا منهم بمناجاةِ ربهم تعالى إذا خَلوْا به.
وقال عطاء الخراساني: قيامُ الليلِ محْياةٌ لبدَن، ونورٌ في القلب، وضياء في الوجه، وقوَّةٌ في البصرِ والأعضاءِ كلِّها. وإنَّ الرجلَ إذا قام بالليل أصبح فرحًا مسرورًا، وإذا نام عن حِزْبه أصبح حزينًا مكسورَ القلب، كأنه قد فقَدَ شيئًا، وقد فقد أعظمَ الأمور له نفعًا.
وقال ابنُ أبي الدنيا: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن مَنِيع، حدّثنا هاشم بن القاسم أبو النضر، حدّثنا بكر بن حبش، عن محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بقيام الليل فإنه دأبُ الصالحين قبلَكُمْ؛ وإنَّ قيامَ الليلِ قُرْبَةٌ إلى الله تعالى، ومَنْهاةٌ عن الإثم، وتكفيرٌ عن السيئات، ومَطْردَةٌ للشيطان عن الجسد" (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٢٧) برقم(٣٠٨٧) بنحوه؛ وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص(٢٧٢) ، وفي إسناده ضعف.).
وقد رواه غيره (أخرجه الترمذي(٣٥٤٩) في الدعوات عن رسولِ الله: باب في دعاء النبي ﷺ عن أبي إدريس الخولاني عن أبي أمامة بلفظ (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قرب إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، وانظر (الإحياء).) من طُرق "عليكم بقيام الليل، فإنَّه دأب الصالحين قبلكم". ويكفي في هذا الباب ما رواه أهل الصحيح والمسانيد عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَعْقدُ الشيطانُ على قافيةِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَد، يَضرِبُ مكانَ كل عُقْدةٍ: عليك ليلٌ =стр. 4648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠٩١) في الجمعة: باب عقد الشيطان على قافية الرأس، و(٣٠٩٦) في بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده؛ ومسلم(٧٧٦) في صلاة المسافرين: باب ما روي فيمن قام الليل؛ والنسائي(١٦٠٧) في قيام الليل وتطوع النهار: باب الترغيب في قيام الليل" وأبو داود(١٣٠٦) في الصلاة: باب قيام الليل؛ وابن ماجه(١٣٢٩) في إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في قيام الليل؛ والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٣ و ٢٥٣) (٧٢٦٦ و ٧٣٩٢).).
وهذا بابٌ واسع، وقد قال هودٌ فيما أخبر الله عنه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]، ثم قال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] وهذه القوة تشمَلُ جميعَ القوى، فيزيدُ الله عابديهِ قوةً في إيمانِهم ويقينهم ودينِهم وتوكلِهم، وغيرِ ذلك مما هو من جنسِ ذلك؛ ويزِدْهُمْ قوةً في أسماعِهم وأبصارِهم وأجسادِهم وأموالِهم وأولادِهم وغيرِ ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل بن عبدِ الكريم، حدّثني عبد الصمد، أنه سمع وهبًا يقول: تصدَّقْ صدقةَ رجل يعلمُ أنه إنما قدَّمَ بين يديهِ مالَه، وما خلَّف مالَ غيرِه.
قلت: وهذا كما في الحديث: "أيُّكُمْ مالُ وارِثِهِ أحبُّ إليه من مالِه"؟ فقالوا: كُلُّنا مالُه أحبُّ إليه من مال وارثِه. فقال: "إنَّ مالَهُ ما قدَّم، ومالَ وارِثِهِ ما أخَّر" (أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود(٦٠٧٧) في الرقاق: باب ما قدم من ماله فهو له؛ والنسائي(٣٦١٢) في الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية؛ والإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٣)(٣٦١٩) .).
قال: وسمعتُ وَهْبًا على المنبرِ يقول: احفظوا عني ثلاثًا: إياكم وهوىً متَّبَعًا، وقريبَ سَوْء، وإعجابَ المرءِ بنفسه.
وَقدْ رُوِيَتْ هذه الألفاظُ في حديث (ولفظه "ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوىً مُتَّع، وإعجاب المرء بنفسه" رواه الطبراني في الأوسط وغيره، من حديث أنس وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يونس بن عبد الصمد بن مَعْقِل، حدّثنا إبراهيم بن الحجَّاج، قال: سمعتُ وهبًا يقول: أحبُّ بني آدمَ إلى الشيطان النؤومُ الأكول (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٨).).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا غوث بن جابر، حدّثنا عمران بن عبد الرحمن أبو الهذيل، أنه سمع وهبًا يقول: إنَّ الله يحفظُ بالعبدِ الصالح القَبِيلَ (في (ق): "القيل"، وهو تصحيف، والمثبت من الحلية (٤/ ٥٨).) من الناس.
وقال أحمد أيضًا: حدّثنا إبراهيم بن عقيل، حدّثنا عمران أبو الهذيل - من الأبناء - عن وهب بن منبِّه، قال: ليس من الآدميين أحد إلا ومعه شيطان مُوَكَّلٌ به؛ فأمَّا الكافرُ فيأكلُ معه، ويشرب معه، وينام معه على فراشه؛ وأمَّا المؤمنُ فهو مجانبٌ له ينتظرُ متى يُصيبُ منه غَفْلةً أو غِرَّةً؛ وأحبُّ الآدميِّين إلى الشيطان الأكول النؤوم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥٨/ ٤، ٥٩).).
وقال محمد بن غالب: حدّثنا أبو المعتمر ابن أخي بشر بن منصور، عن داودَ بن أبي هند، عن وهب، قال: قرأتُ في بعض الكتب التي أُنزلتْ من السماء على بعض الأنبياء، أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵊: أتدري لِمَ اتخذتُكَ خليلًا؟ قال: لا يا رب. قال: لِذلِّ مَقَامِكَ بين يدي في الصلاة (أخرجه أبو نعيم في الحلية =стр. 4649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = (٤/ ٥٩).).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا محمد بن أيوب، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن إدريس بن وَهْب بن مُنبِّه، قال: حدّثني أبي قال: كان لسليمانَ بنِ داود ألفُ بيت، أعلاهُ قوارير، وأسفله حديد، فركبَ الرِّيح يومًا، فمرَّ بحرَّاث، فنظر إليه الحراث فاستعظم ما أوتي سليمانُ من الملْكِ! فقال: لقد أوتي آل داود ملكًا عظيمًا، فحملتِ الريحُ كلام الحرَّاث، فألقته في أُذنِ سليمان، قال: فأمر الريحَ فوقفَتْ؛ ثم نزل يمشي حتى أتى الحرَّاث، فقال له: إني قد سمعتُ قولك، وإنما مشَيْتُ إليك لئلا تتمنَّى ما لا تقدِرُ عليه مما أقدَرَني اللهُ عليه تفضُلًا وإحسانًا منه عليّ، لأنه هو الذي أقامني لهذا وأعانني. ثم قال: والله لتَسْبيحة واحدةٌ يَقْبَلُها الله منكَ أو منْ مؤمنٍ خيرٌ ممَّا أُوتيَ آلُ داودَ من الملك، لأنَّ ما أوتِيَ آلُ داودَ من مُلكِ الدنيا يَفْنَى، والتسبيحةُ تَبْقى؛ وما يَبْقى خيرٌ مما يَفْنَى. فقال الحرَّاث: أذهبَ الله همَّكَ كما أذهبتَ همِّي (المصدر السابق.).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إبراهيم بن عَقيل بن مَعْقِل، حدّثني أبي، عن وهب بن منبِّه، قال: إنَّ الله أعطى موسى ﵇ نورًا، فقال له هارون: هَبْهُ لي يا أخي. فوهبَهُ له. فأعطاهُ هارونُ ابنَيْه، وكان في بيت المقدس آنية تُعظِّمُها الأنبياءُ والملوك، فكان ابنا هارونَ يسقيان في تلك الآنية الخمر، فنزلَتْ نارٌ من السماء فاختطفَتِ ابنَيْ هارون، فصَعِدَتْ بهما، ففَزِعَ هارونُ لذلك، فقام مستغيثًا متوجِّهًا بوجهِه إلى السماء بالدعاءِ والتضرُّع، فأوحى الله إليه: يا هارون، هكذا أفعل بمَنْ عصاني من أهلِ طاعتي، فكيف فعلي بمَنْ عصاني من أهلِ معصيتي (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٥٩).)؟.
وقال الحكمُ بن أبان: نزلَ بي ضيفٌ من أهلِ صنعاء فقال: سمعتُ وَهْبَ بن منبِّه يقول: إن لله في السماء السابعة دارًا يُقال لها البيضاء، يَجْمعُ فيها أرواحَ المؤمنين، فإذا ماتَ الميتُ من أهلِ الدنيا تَلَقَتهُ الأرواح، فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسألُ الغالْبَ أهلهُ إذا قَدِم عليهم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠).).
وقال: من جعل شهوتَهُ تحتَ قدمِه فَزِعَ الشيطانُ من ظِلِّه؛ ومَنْ غلب علمُهُ هواه فذلك العالِم الغلَّاب (المصدر السابق.).
وقال فُضيل بن عِيَاض: [قال وهب بن منبِّه]: أوحى الله تعالى إلى بعضِ أنبيائه: بعيني ما يتحمَّلُ المتحملون من أجلي، وما يكابدون في طلبِ مرضاتي؛ فكيف بهم إذا صاروا إلى داري؟ وتَبَحْبَحُوا في رياضِ نعمتي! هنالك فَلْيُبَشَّرِ المضعِفُون لله أعمالَهم بالنَّظرِ العَجيب من الحبيبِ القريب؛ أتُراني أنسَى لهم عملًا، وكيف وأنا ذو الفَضْلِ العظيم؟! أجودُ على المُوَلِّينَ الْمُعْرضينَ عني، فكيف بالمُقْبلينَ عليّ؟ وما غضِبتُ على شيءٍ كغضَبي على مَنْ أخطأ خطيئةً فاستعظمَها في جَنْبِ عَفْوي، ولو تعاجَلْتُ بالعقوبة أحدًا أو كانتِ العجلةُ من شأني لعاجلتُ القانِطينَ من رحمتي؛ ولو رآني عبادي المؤمنين كيف أستوهبُهم ممن اعتدَوا عليه، ثم أحكمُ لِمَنْ وهبَهم بالخُلد المقيم، [لَمَا] اتهموا فَضْلي وكرمي! أنا الديَّانُ الذي لا تحلُّ معصيتي، والذي أطاعني أطاعني برحمتي، ولا حاجة لي بهوانِ منْ خاف مقامي؛ ولو رآني عبادي يومَ القيامةِ كيف أرفعُ قصورًا تحارُ فيها الأبصار، فيسألوني لِمَنْ ذا؟ فأقول: لِمَنْ وَهَبَ لي ذنبًا ما لم يُوجبْ على نفسِه معصيتي والقنوطَ من رحمتي، وإني مكافئٌ على المدح فامدحوني (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٠، ٦١)، وبرواية أخرى في (١٠/ ٨١).).
وقال سلمة بن شبيب: حدّثنا سلمة بن عاصم، حدّثنا عبد الله بن محمد بن عقبة، حدّثنا عبد الرحمن أبو طالوت، حدّثني مهاجر الأسدي، عن وَهْب، قال: مرَّ عيسى بنُ مريم ومعه الحواريُّون بقريةٍ قد مات أهلُها، =стр. 4650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إنسُها وجنُّها وهوامُّها وأنعامُها وطيورُها، فقام عليها ينظرُ إليها ساعةً، ثم أقبلَ على أصحابه فقال: إنما ماتَ هؤلاءِ بعذابٍ من عندِ الله، ولولا ذلك لماتوا متفرِّقين. ثم ناداهم عيسى: يا أهلَ القرية؛ فأجَابه مُجيب: لبيكَ يا روحَ الله. فقال: ما كانتْ جنايَتُكم وسبَبُ هلاكِكُمْ؟ قال: عبادةُ الطاغوت، وحبُّ الدنيا. قال: وما كانتْ عبادتُكم للطاغوت؟ قال: طاعة أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت. قال: وما كان حُبُّكم للدنيا؟ قال: كحبِّ الصبيِّ لأمِّه، كنا إذا أقبلتْ فرِحْنا، وإذا أدبرتْ حَزِنَّا معَ أملٍ بعيد، وإدبارٍ عن طاعةِ الله، وإقبالٍ على مَسَاخِطِه. قال: فكيف كان هلاكُكُمْ؟ قال: بِتْنا ليلةً في عافية، وأصبحنا في هاوية. قال: وما الهاوية؟ قال: سِجِّين. قال: وما السِّجِّين؟ قال: جَمْرةٌ من نارٍ مثلُ أطباقِ الدنيا كُلِّها، دُفِنَتْ أرواحُنا فيها. قال: فما بالُ أصحابك لا يتكلَّمون؟ قال: لا يستطيعونَ أن يتكلموا. قال: وكيف ذلك؟ قال: هم مُلْجَمون بلُجُمٍ من نار. قالَ: وكيف كلَّمْتَني أنتَ من بينهم؟ قال: كنتُ فيهم لَمّا أصابهم العذاب، ولم أكنْ منهم ولا على أعمالِهم، فلمَّا جاء البلاءُ عَمَّني معهم وأنا مُعلَّقٌ بشعرةٍ في الهاوية، لا أدري أكردَسُ فيها أم أنجو؟ فقال: عيسى ﵇ عند ذلك لأصحابه: بحق أقولُ لكم، لخُبزُ الشعير، [و] شُربُ الماءِ القَرَاح، والنومُ على المزابل، كثيرٌ على عافيةِ الدنيا والآخرة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦١، ٦٢).).
وروى الطبراني عنه، أنه قال: لا يكونُ المرءُ حكيمًا حتى يطيعَ اللّهَ ، وما عصى اللهَ حكيمٌ، ولا يَعصي الله إلَّا أحمق، وكما لا يكمُلُ النهارُ إلا بالشمس، ولا يعرفُ الليلُ إلا كذلك لا تكملُ الحكمة إلا بطاعة الله ، ولا يعصي الله حكيم، كما لا يطيرُ الطيرُ إلا بجناحَيْن، ولا يستطيعُ منْ لا جناحَ له أنْ يطير، كذلك لا يطيعُ الله منْ لا يعملُ له، ولا يُطيق عملَ اللهِ منْ لا يُطيعه، وكما لا مُكْثَ للنار في الماء حتى تُطفأ، كذلك لا مُكثَ لعمَلِ الرِّياء حتى يبور، وكما يُبدي سرَّ الزانيةِ وفضيحتَها فعلُها، كذلك يُفتضَحُ بالفعلِ السَّئِ منْ كان يُقِرُّ لِجليسِه بالقولِ الحسن ولم يعملْ به (في الحلية: "يغر الجليس بالقول الحسن إذا قال ما لا يفعل".)، وكما تكذبُ معذرةُ السارقِ بالسرقةِ إذا ظهرَ عليها عندَه، كذلك تكذِبُ معصيةُ القارئِ لله قراءتُه إذا كان يقرؤها لغيرِ الله تعالى (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٢).).
وقال الطبراني: حدّثنا محمد بن النضر، حدّثنا علي بن بحر بن بَري، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثنا عبدُ الصمد بن مَعْقِل، قال: سمعتُ وَهْبًا يقولُ في مزاميرِ آلِ داود: طُوبَى لِمنْ يسلك سبيلَ الحطَّابين، ولا يجالس البطَّالين، وطوبى لِمَنْ يسلُكُ طريقَ الأئمة، ويستقيمُ على عبادةِ ربِّه؛ فمثَله كمثَلِ شجرةٍ نابتةٍ على ساقيةٍ لا تزالُ فيها الحياة، ولا تزالُ خضراء (المصدر السابق.).
وروى الطبراني أيضًا عنه، قال: إذا قامتِ الساعةُ صرَخَتِ الحجارةُ صُراخَ النساء، وقطَرَتِ العِضَاهُ دَمًا (العِضاه: كلُّ شجرٍ له شوك، مثل الطَّلْح والسَّلم والسَّمُر والسِّدر، والخبر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٣).).
ورُوي عنه أنه قال: ما من شيءٍ إلا يَبدو صغيرًا ثم يكبَر إلّا المصيبة، فإنها تبدو كَبيرةً ثم تصغُر (المصدر السابق.).
ورُوي عنه أيضًا أنه قال: وقف سائلٌ على بابِ داودَ ﵇ فقال: يا أهلَ بيتِ النبوَّة، تصدَّقوا علينا بشيءٍ رزَقَكمُ الله رِزْقَ التاجرِ المقيم في أهله. فقال داود: أعْطُوه، فو الذي نفسي بيدِه، إنَّها لفي الزَّبُور (المصدر السابق.).=стр. 4651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال: منْ عُرفَ بالكذب لم يَجُزْ صِدْقُه؛ ومنْ عُرف بالصِّدْق اؤتُمنَ على حديث؛ ومنْ أكثر الغِيبة والبغضاءَ لم يوثَقْ منهُ بالنَّصيحة؛ ومنْ عُرف بالفُجور والخديعة لم يؤمنْ إليه في المِحْنة؛ ومنِ انتحلَ فوقَ قدرِه جُحِدَ قدرُه. ولا تستحسِنْ فيكَ ما تستقبحُ في غيرِك (في الحلية (٤/ ٦٣): "ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره".).
هذه الآثارُ رواها الطبرانيُّ عنه من طُرق.
وروى داود بن عمرو، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، قال: قدم علينا وَهْب مكة، فطفِقَ لا يشربُ ولا يتوضأُ إلّا من زَمْزم، فقيل له: ما لَكَ في الماء العذب؟ فقال: ما أنا بالذي أشربُ وأتوضأُ إلّا من زمزمَ حتى أخرجَ منها؛ إنكم لا تدرونَ ما ماءُ زَمْزم، والذي نفسي بيده، إنها لفي كتاب الله: طَعَامُ طُعْم، وشفاء سُقْم، ولا يَعْمِدُ أحدٌ إليها يتضلَّع منها رِيًّا ابتغاءَ بركتِها إلا نزَعتْ منه داءً وأحدثَتْ له شفاء. وقال: النظرُ في زمزمَ عبادة. وقال: النظرُ فيها يحُطُّ الخطايا حطًّا (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٣، ٦٤).).
وقال وهب: مُسخَ بُخْتَنَصَّرُ أسدًا فكان مَلِكَ السِّبَاع، ثم مُسخ نَسْرًا فكان مَلِكَ الطيور، ثم مُسخ ثورًا فكان مَلِكَ الدوابّ، وهو في كل ذلك يَعْقِلُ عَقْلَ الإنسان؛ وكان مُلكُه قائمًا يُدبَّر، ثم رَدَّ الله عليهِ رُوحَهُ إلى حالةِ الإنسان، فدعا إلى توحيدِ الله وقال: كلُّ إلَهٍ باطلٌ إلا إلهَ السماء. فقيل له: أماتَ مؤمنًا؟ فقال: وجدتُ أهلَ الكتابِ قدِ اختلفوا فيه، فقال بعضُهم: آمَنَ قبلَ أنْ يموتَ. وقال بعضهم: قَتَلَ الأنبياءَ وحرَّقَ الكتب، وحرَّقَ بيتَ المقدِس، فلم يُقْبَلْ منه التوبة (المصدر السابق (٤/ ٦٤).).
هكذا رواه الطبراني عن محمد بن أحمد بن الفرج، عن عباس بن يزيد، عن عبد الرزاق، عن بكَّار بن عبد الله، قال: سمعتُ وَهْبَ بن مُنبِّه يقول .. فذكره ..
وقال وَهب: كان رجلٌ بمصر، فسألهم ثلاثةَ أيام أن يُطعِموه فلم يُطعِموه، فمات في اليوم الرابع، فكفَّنوه ودفنوه، فأصبحوا فوجدوا الكفَنَ في مِحرابِهم مكتوبًا عليه: قتلتموه حَيًا وبرَرْتُموهُ ميتًا. قال يحيى: فأنا رأيتُ القريةَ التي ماتَ فيها ذلك الرجل وما بِها أحد إلا وله بيتُ ضِيافة، لا غني ولا فقير (المصدر السابق.).
هكذا رواه يحيى بن عبد الباقي، عن علي بن الحسن عن عبد الله بن أخي وهب، قال: حدّثني عمي وَهْب بن منبِّه .. فذكره .. قال: وأهلُ القرية يعترفون بذلك؛ فمن ثمَّ اتَخذوا بيوتًا للضيفانِ والفقراء، خوفًا من ذلك.
وقال عبد الرزاق: عن بكار، عن وَهْب، قال: إذا دخلَتِ الهديةُ من الباب خرجَ الحقُّ من الكُوَّة (المصدر السابق.).
وقال إبراهيم بن الجنيد: حدّثنا إبراهيم بن سعيد، عن عبد المنعم بن إدريس، عن عبد الصمد، عن وَهب بن منبِّه، قال: مرَّ نبيٌّ من الأنبياء على عابدٍ في كهف جبل، فمال إليه فسلَّم عليه وقال له: يا عبد الله، منذُ كم أنت هاهنا؟ قال: منذُ ثلاثِمئة سنة. قال: من أينَ معيشتك؟ قال: من ورَقِ الشجر. قال: فمن أين شرابُك؟ قال: من ماءِ العيون. قال: فأين تكونُ في الشتاء؟ قال: تحت هذا الجبل. قال: فكيف صبرُك على العبادة؟ قال: وكيف لا أصبر؟ وإنما هو يومي إلى الليل، وأما أمسِ فقد مضى بما فيه، وأما غدٌ فلم يأتِ بعدُ. فعجب النبيُّ من قوله: إنما هو يومي إلى الليل (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٥).).
وبهذا الإسناد أنَّ رجلًا من العُبَّاد قال لمعلمه: قطعتُ الهوَى، فلستُ أهوى من الدنيا شيئًا. فقال له معلمهُ: أتفرِّقُ بين النساءِ والدوابِّ إذا رأيتهُنَّ معًا؟ قال: نعم. قال: أتفرقُ بين الدنانير والدراهم والحصا؟ قال: نعم. قال: يا بُني، إنك لم تقطعِ الهوى عنك، ولكنَّك قد أوثقته، فاحذرِ انفلاتَه وانقلابَه (المصدر السابق.). =стр. 4652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٦١) محمد بن سعيد بن رمانة، والمقتنى في سرد الكنى (٢/ ١٢٦)، وتقريب التهذيب ص(٣٦٦) . ويقال فيه عبد الملك بن عبد الرحمن أيضًا.) قال: أخبرني محمد بن سعيد بن رمانة، قال: أخبرني أبي، قال: قيل لوَهب: أليس مِفتاحُ الجنةِ لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مِن مفتاحٍ إلا ولهُ أسنان، فمن أتى الباب بمفتاح بأسنانه فُتح له، ومن لم يأتِ البابَ بمفتاحٍ بأسنانهِ لم يُفتَحْ له (أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٦).).
وقال محمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريِم، حدثنا عبد الصمد بن مَعقِل، أنه سمع وَهبًا يقول: ركب ابنُ ملكٍ في جُند من قومه وهو شابٌّ، فصُرع عن فرَسِه، فدُقَّ عُنُقه، فمات في أرضٍ قريبةٍ من القُرى، فَغَضب أبوهُ وحَلَف أن يقتُل أهلَ تلك القرية عن آخرهم، وأن يطأهم بالأفيال، فما أبقتِ الأفيالُ وطِئتهُ الخيل، فما أبقتِ الخيلُ وطِئتهُ الرجال. فتوجَّه إليهم بعد أن سقى الأفيالَ والخيل الخمرَ وقال: طؤوهُم بالأفيال، وإلا فما أبقتِ الأفيالُ فَلتَطأهُ الخيل، فما أخطأتهُ الخيل فَلتطأه الرجال، فلما سمع بذلك أهلُ تلك القرية، وعرَفوا أنه قصدَهم لذلك خرجوا بأجمعِهم، فجأروا إلى الله سبحانه، وعَجُّوا إليه وابتَهلوا يدعونَه تعالى ليَكشِف عنهم شَرَّ هذا الملك الظالم وما قَصَدَهُ من هلاكِهم، فبينما الملكُ وجيشهُ سائرون على ذلك، وأهل القريةِ في الابتهال والدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى، إذ نَزَلَ فارسٌ من السماء، فوقع بينهم، فنفرتِ الأفيال، فطغت على الخيل، وطغتِ الخيلُ على الرجال، فقُتل الملك، ومن معه وُطئ بالأفيالِ والخيل، ونَجَّى الله أهلَ تلك القريةِ من بأسِهم وشَرهم (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٦).).
وروى عبدُ الرزاق، عن المنذر بن النعمان، أنه سمع وهبًا يقول: قال الله تعالى لصخرةِ بيت المقدس: لأضَعَنَّ عليكِ عرشي، ولأحشُرَنَّ عليكِ خَلقي، وليأتينَّك داودُ يومئذ راكبًا (المصدر السابق.).
وروى سمَاكُ بن الفضل، عن وهب، قال: إني لأتفقَّدُ أخلاقي، وما فيها شيءٌ يُعجِبُني (المصدر السابق.).
وروى عبد الرزاق عن أبيه، قال: قال وهب: رُبَّما صلَّيتُ الصُّبحَ بوضوءِ العَتمة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٦، ٦٧).).
وقال بَقِيَّةُ بن الوليد: حدثنا ثور بن يزيد (في (ق): (بقية بن الوليد حدثنا زيد بن خالد)، وفي الحلية: (بقية بن الوليد عن زيد بن خالد بن معدان). وكلاهما تصحيف، والمثبت من كتب الرجال.)، عن خالد بن مَعدَان، عن وهب، قال: كان نُوحٌ ﵇ من أجملِ أهل زمانه، وكان يلبس البُرقُع، فأصابَهُم =стр. 4653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مجاعةٌ في السفينة، فكان نوحٌ إذا تجَلَّى لهم شَبِعوا (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٧)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٥١).).
وقال: قال عيسى: الحق أقولُ لكم: إن أشدَّكم جزعًا على المُصيبة أشدُّكم حُبًا للدنيا (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٧).).
وقال جعفر بن بُرقان: بلغنا أن وهبًا كان يقول: طُوبى لِمن نظر في عيبهِ عن عَيب غيرهِ، وطُوبى لمن تواضع لله من غيرِ مَسكنة، ورحِم أهلَ الذُّل والمَسكنة، وتصدَّق من مالٍ جَمَعَهُ من غيرِ مَعصية، وجالسَ أهلَ العلمِ والحِلم والحكمة، ووَسعَتْهُ السُّنَّة، ولم يتعدَّها إلى البِدْعَة (المصدر السابق.).
وروى سيَّار، عن جعفر، عن عبد الصمد بن مَعقِلِ، عن وهب، قال: وجدتُ في زَبُورِ داود: يا داود، هل تدري من أسرَعُ الناسِ مَرًّا على الصّراط؟ الذين يَرضَون بحُكمي، والسنتهم رَطْبَة بذِكْري (المصدر السابق، وتتمته فيه: (هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحكمَي وبقسمي ويحمدونني على ما أنعمت عليهم "هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلةً؟ الذي هو بما أعطى أشدّ فرحًا منه بما حبس).).
وقيل: إن عابدًا عَبَدَ اللهَ تعالى خمسين سنة، فأوحى الله إلى نبيِّهم: إني قد غفرتُ له، فأخبَره ذلك النبيُّ فقال: أي ربّ، وأيُّ ذنب تغفرُ لي [ولم أذنب]؟ فأمر عِرقًا في عُنقه فضَرَبَ عليه، فلم يَنم ولم يهدأ ولم يصلِّ ليلَته، ثم سكنَ العِرقُ، فشكا ذلك إلى النبيِّ فقال: ما لاقيتُ من عرقٍ ضرَبَ علي في عُنقي ثم سكن؟ فقال له النبي: إنَّ الله يقول: إنَّ عبادتَك خمسين سنة ما تَعدِلُ سكون هذا العِرْق (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٨).).
وقال وهب: رؤوس النعم ثلاثة: إحداها نعمة الإسلام التي لا تتمُّ نعمةٌ إلا بها، والثانية نعمةُ العافية التي لا تطيبُ الحياةُ إلا بها، والثالثة نعمةُ الغِنَى التي لا يتمُّ العيشُ إلَّا بها (المصدر السابق.).
ومرَّ وهبٌ بِمُبتَلى أعمى، مجذوم، مُقعد، عُريان، به وَضَح، وهو يقول: الحمد لله على نِعَمِه. فقال له رجلٌ كان مع وهب: أيُّ شيءٍ بَقِيَ عليكَ من النعمَة تحمدُ اللهَ عليه؟ فقال المبتلى: أدِم بصرَكَ إلى أهل المدينةِ وانظر إلى كثرة أهلها، أولا أحمد الله أنه ليس فيها أحدٌ يعرِفُه غيري (المصدر السابق.).
وقال وهب: المؤمن يخالطُ لِيعلم، ويَسكت ليسلَم، ويتكَّلم ليفهَم، ويخلو لِيَنْعَم (في الأصل (ق): (ليفقههم ويخلو ليقيم) والمثبت من المصدر السابق.).
وقال: المؤمن مُفكر مُذَكِّر مُدَّخِر، تذكَّر فغلبتهُ السَّكينة، سكنَ فتواضع فلم يُتَّهَم، رفضَ الشهوات فصار حُرًا، ألقى عنه الحسدَ فظهرت له المحبَّة، زهِدَ في كلِّ فانٍ فاستكمل العقل، رغب في كل باقٍ فعَقَل المعرفة، قلبُه متعلِّق بهمه، وهمُّهُ موكَّلٌ بمَعَادِه، لا يفرحُ إذا فرحَ أهلُ الدنيا، بل حُزْنهُ عليه سَرمَد، وفرحُه إذا نامتِ العيونُ، يتلو كتاب الله ويُرَدِّدُهُ علىَ قلبه، فمرَّةً يفرُغُ قلبُه، ومرَّة تدمَعُ عينُه، يقطع عنه الليل بالتلاوة، ويقطع عنه النهار بالخلوةِ والعزلة، مفكرًا في ذنوبه، مستصغرًا لأعمالِه (المصدر السابق.).
وقال وهب: فهذا ينادى يومَ القيامة في ذلك الجمع العظيم على رؤوس الخلائق: قُم أيها الكريم، فادخل الجنة.
وقال إبراهيم بن سعيد، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن ثور بن يزيد، قال: قال وهبُ بن منبِّه: الويل لكم إذا سمَّاكمُ الناس صالحين، وأكرموكم على ذلك (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٦٩).).
وقال الطبراني: حدثنا عُبيد بن محمد الكشوري، حدثنا همام بن سلمة بن عقبة، حدثنا غوث بن جابر، حدثنا =стр. 4654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣١١) .): حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم بن سلمة بن ميمون، عن المعافى بن عمران، عن إدريس، قال: سمعتُ وهبًا يقول: كان في بني إسرائيل رجلان، بلغَت بهما عبادتُهما أنَّهما مشيَا على الماء، فبينما هما يمشيان على البحر، إذا هما برجل يمشي في الهواء، فقالا =стр. 4655
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة
ففيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفةَ اليسرى (١) ، وغزا سعيدُ بن هشام الصائفةَ الحواشي
(٢١) ، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص(١١٦) .).
وقال: حدثني أبو العباس البَصْري الأزدي، عن شيخ من الأزد، قال: جاء رجلٌ إلى وَهْب بن منبِّه، فقال: علمني شيئًا ينفعُني الله به. قال: أكثِرْ من ذكرِ الموت، وأقصِرْ أملَك، وخَصْلةٌ ثالثة إن أنت أصبتَها بلغتَ الغايةَ القُصوَى، وظفِرْتَ بالعبادةِ الكبرى. قال: وما هي؟ قال: التوكُّل.
ومِمَّنْ تُوفي فيها من الأعيان:
سليمان بن سعد (ترجمته في الجرح والتعديل (٤/ ١١٩)، معرفة الثقات للعجلي (١/ ٤٢٩)، الثقات لابن حبان (٦/ ٣٨٩)، الإصابة (٣/ ٢٩٦)، الفهرست لابن النديم ص(٣٣٨) .): كان جميلًا فصيحًا عالمًا بالعربية، وكان يعلمُها الناسَ هو وصالح بن عبد الرحمن الكاتب، وتُوفي صالح بعدَهُ بقليل. وكان صالح فصيحًا جميلًا عارفًا بكتابةِ الديوان، وبه تخرَّجَ أهلُ العراق من كتابةِ الديوان. وقد ولّاه سليمان بن عبد الملك خراجَ العراق.
أم الهذيل (ترجمتها في طبقات ابن سعد (٨/ ٤٨٤)، رجال صحيح البخاري (٢/ ٨٥٤)، معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٤٥٠) تهذيب الكمال (٣٥/ ٥١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٠٧) الكاشف (٢/ ٥٠٥)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٨)، الإصابة (٨/ ٣١٩).): لها رواياتٌ كثيرة، وقد قرأتِ القرآن وعمرُها اثنتا عشرة سنة، وكانت فقيهة عالمة، من خيارِ النساء، عاشت سبعين سنة.
عائشة بنت طلحة بن عبد الله التممي (ترجمتها في طبقات ابن سعد (٨/ ٤٦٧)، الثقات لابن حبان (٥/ ٢٨٩) معرفة الثقات (٢/ ٤٥٥)، رجال صحيح البخاري (٢/ ٨٥٥)، رجال مسلم (٢/ ٤٢٤)، تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٣٧)، الكاشف (٢/ ٥١٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٦٩)، تقريب التهذيب ص(٧٥٠) .): أمُّها أمُّ كُلثوم بنتُ أبي بكر، تزوجت بابنِ خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم تزوجت بعده بمصعب بن الزبير، وأصدقها مئة ألف دينار، وكانتْ بارعةَ الجمال، عظيمةَ الحُسن، لم يكنْ في زمانها أجمَلَ منها. تُوفيت المدينة.
عبد الله بن سعيد بن جُبير (ترجمته في التاريخ الكبير (٥/ ١٠٣)، رجال صحيح البخاري (١/ ٤٠٧)، التعديل والتجريح (٢/ ٨٤٦)، تهذيب الكمال (١٥/ ٢٦)، الكاشف (١/ ٥٥٨)، تقريب التهذيب ص(٣٠٥) .): له رواياتٌ كثيرة، وكان من أفضلِ أهلِ زمانه.
عبد الرحمن بن أبان (ترجمته في طبقات ابن سعد (القسم المتمم) ص(٢٠٨) ، طبقات خليفة ص(٢٥٩) ، التاريخ الكبير (٥/ ٢٥٤)، الجرح والتعديل (٥/ ٢١٠)، الثقات لابن حبان (٧/ ٦٦)، صفة الصفوة (٢/ ١٤٨) تهذيب الكمال (١٦/ ٤٩٢)، تهذيب التهذيب (٦/ ١١٩)، تقريب التهذيب ص(٣٢٥) .) بن عثمان بن عفان: له رواياتٌ كثيرةٌ عن جماعةِ من الصحابة].(١) جاء في هامش (ق) ما نصه: (أي: البلاد الواقعة في ساحل بلاد الأناضول).стр. 4656
اليمنى (١) حتى بلغَ قيْسَارِيةَ من بلادِ الروم.
وفيها عزلَ هشامُ بنُ عبد الملك أشرس بن عبد الله السُّلمي عن إمرةِ خُراسان، وولَّى عليها الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّي، وولَّى الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي أرْمِينيَّة.
وفيها قصدتِ التُركُ بلاد أذْرَبيجان، فلَقِيَهُمُ الحارث بن عمرو فهزَمَهُم، ولما وصَلَ الجُنيد بن عبد الرحمن إلى خراسان تلقَّتْهُ خيولُ الأتراكِ منهزِمين من المسلمين، وهو في سبعةِ آلاف، فتصافُّوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وطمِعوا فيه وفيمن معه لقلَّتِهم بالنسبة إليهم، ومعهم مَلِكُهم خاقان، وكادَ الجنيدُ أن يَهْلك، ثم أظفَرَهُ الله بِهم فهزمهم هزيمةً مُنكرَة، وأسرَ ابن أخي ملكِهم، وبعث به إلى الخليفة.
وحجَّ بالناسِ في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو أميرُ الحرمَيْن والطائف، وأمير العراق خالدٌ القَسْرِيّ، وأميرُ خراسان الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّيّ (٢) .
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومئة
فيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة، فافتتح حصونًا من ناحيةِ مَلطية. وفيها سارَت التُّركُ من اللَّان فلقيهم الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمِيّ فيمَنْ معهُ من أهلِ الشام، وأذْرَبِيجان، فاقتتلوا قبلَ أن يتكاملَ إليه جيشُه، فاستشهد الجرَّاح ﵀ وجماعةٌ معه بِمرْجِ أرْدَبيل، وأخذَ العدوُّ أرْدَبِيل، فلما بلغ ذلك هشامَ بن عبد الملك بعث سعيدَ بن عمرو الحَرَشي (٣) بجيش، وأمرَهُ بالإسراع إليهم، فلحق التُّرك وهم يَسِيرون بأسارى المسلمين نحو ملكِهم خاقان، فاستنقذ منهم الأسارى ومَنْ كانَ معهم من نساءِ المسلمين، ومن أهلِ الذِّمَّة أيضًا، وقتلَ من التُّرك مقتلةً عظيمةً جدًّا، وأسرَ منهم خلقًا كثيرًا، فقتلَهم صَبْرًا، وشَفَى ما كان تغلث (٤) من القلوب، ولم يكتفِ الخليفة بذلك، حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في إثرِ التُّرك فسار إليهم في بردٍ شديد، وشتاءً عظيم، فوصل إلى باب الأبواب. واستخلف عنه أميرًا، وسار بمَنْ معَهُ في طلب الأتراك مَلِكِهم خاقان، وكان من أمْرِه معهم ما سنذكرُه، ونهض أمير خراسان في طلَبِ الأتراك أيضًا في جيشٍ كثيف، فوصلَ إلى نهر بَلْخ، ووجَّه إليهم سريَّةً ثمانيةَ عشرَ ألفًا، وأخرى عشرة آلاف يمنةً ويسرة، وجاشتِ التركُ وجيَّشَتْ، فأتَوا سَمَرْقَند، فكتب أميرُهم إليه يُعلمه بِهم، وأنَّه لا يقدِرُ على صَوْنِ الحواشي
(١) جاء في هامش (ق) ما نصه: (أي بر الأناضول من جهة البلاد الداخلية).(٢) ينظر تاريخ الطبري ٧/ ٦٧ - ٦٩.(٣) في (ح، ق): (الجرشي) بالجيم، وهو تصحيف، والمثبت من (ب) والإكمال لابن ماكولا (٢/ ٢٣٨).(٤) كذا في (ق) وسقطت العبارة من (ب، ح). ومعنى تَغَلَّثَ: خالطه السّمّ، وهو من الغَلْثَى، مقصور، على مثال السلوى وهو طعام يُخلَط للنسر فيه سم فيأكله فيقتله فيؤخذ ريشه فتراش به السهام. وقيل: العَلْثَى اسم شجرة إذا أطعم ثمرها السباع قتلتها. اللسان (غلث).стр. 4657
سمرقنْدَ منهم، ومعهم ملِكُهم الأعظم خاقان، فالغوثَ الغوثَ. فسار الجُنيدُ مسرعًا في جيشٍ كثيف نحو سمرقند، حتى وصل إلى شِعب سَمَرْقند، وبقي بينه وبينها أربعةُ فراسخ، فصححَه خاقانُ في جَمعٍ عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجُنيد، فانحازوا إلى العسكر، والتركُ تتبَعُهم من كلِّ جانب، فتراءى الجَمعَان والمسلمون يتغدَّون، ولا يشعرونَ بانهزامِ مقدّمتهم وانحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح واصطفُوا على منارلهم، وذلك في مجالٍ واسع، ومكانٍ بارز، فالتقَوْا، وحملتِ التركُ على ميمنةِ المسلمين وفيها بنو تميم والأزْد، فقتل منهم ومن غيرِهم خَلْق كثيرٌ ممن أراد الله كرامتَهُ بالشهادة، وقد برزَ بعضُ شجعانِ المسلمين لجماعةٍ من المشركين (١) ، فناداهُ ترجمان الملك خاقان إنْ صِرْتَ إلينا جعَلْناك ممن يرفضُ الصنمَ الأعظم فنعبدَك. فقال: ويحكم! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحدَهُ لا شريكَ له. ثم قاتلهم حتى قُتل ﵀، ثم تَنَاخَى المسلمون، وتداعَتِ الأبطالُ والشجعانُ من كل مكان، وصبروا وصابروا، وحملوا على التُرك حملةَ رجل واحد، فهزمَهم الله ، وقتلوا منهم خَلْقا كثيرًا، ثم عطفتِ التُركُ عليهم، فقتلوا من المسلمين خَلقًا، حتى لم يبقَ سوى ألفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقُتل يومئذٍ سَوْرةُ بن الحرِّ، واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة، فحملوهم إلى الملِك خاقان، فأمَرَ بقَتْلِهم عن آخرِهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه الوقعة يُقالُ لها وقعةُ الشِّعْب، وقد بسطها ابنُ جريرٍ جدًّا (٢) .
وممن توفي فيها من الأعيان:
رجاء بن حَيْوَةَ الكِنْدِيّ (٣) أبو المِقْدام: ويقال أبو نَصْر الشامي، وهو تابعيٌّ جَلِيل، كبيرُ القَدْر، ثقة فاضلٌ عادل، وزيرُ صِدقٍ لخلفاءِ بني أمية. وكان مَكْحُول إذا سُئل يقول: سَلُوا شيخَنا وسيدنا رجاء بن حَيْوَة. وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة، ووثقوه في الرواية، وله رواياتٌ وكلامٌ حَسن، ﵀.
شَهْرُ بن حَوْشَب الأشعريُّ الحِمْصِي (٤) ويقال: إنه دمشقيٌّ تابعيٌّ جليل، روى عن مولاتِه أسماء بنت يزيد بن السَّكَن وغيرِها. الحواشي
(١) في (ق): (وقد برز شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم، فناداه منادي خاقان: إن … )، والمثبت من (ب، ح).(٢) انظر تاريخ الطبري (٤/ ١٤٦).(٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٤)، طبقات خليفة(٣١٠) ، التاريخ الكبير (٣/ ٣١٢)، المعارف(٤٧٢) ، الجرح والتعديل (٣/ ٥٠١)، ثقات ابن حبان (٤/ ٢٣٧)، تاريخ دمشق (٨/ ٣١٢)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢/ ٣٨٨)، تهذيب الكمال (٩/ ١٥١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٧٥)، تذكرة الحفاظ (١/ ١١٨)، العبر (١/ ١٣٨) الوافي بالوفيات (١٤/ ت ١٢٤)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٦٥).(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٩)، التاريخ الكبير (٤/ ٢٥٨)، الجرح والتعديل (١/ ١٤٤، و ٤/ ٣٨٢)، معرفة الثقات للعجلي (١/ ٤٦١)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٤/ ٣٦)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ١٩١)، رجال مسلم (١/ ٣١٢)، تهذيب الكمال (١٢/ ٥٧٨)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٧٢)، ميزان =стр. 4658
وحدث عنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم، وكان عالمًا عابدًا ناسكًا، لكنْ تكلَّم فيه جماعةٌ بسبب أخذِه خريطةً من بيتِ المالِ بغيرِ إذنِ وليِّ الأمر، فعابوه ونزكوا عرضه (١) ، وتركُوا حديثَه، وأنشدوا فيه الشعر (٢) ؛ منهم شُعبة وغيرُه. ويقال إنه سرق غيرَها، فالله أعلم. وقد وثقه جماعةٌ آخرون (٣) ، فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة
ففيها غَزَا مُعاويةُ بن هشام أرضَ الرُّوم من ناحيةِ مَرعَش، وفيها صار جماعةٌ من دُعاة بني العباس إلى خُراسان، وانتشروا فيها وقد أخذ أميرُها رجلًا منهم فقتلَه، وتوعَّدَ غيرَه بمثلِ ذلك، وفيها وَغَلَ مسلمةُ بن عبدِ الملك في بلاد التُّرْك فقتَلَ منهم خلقًا كثيرًا، وأُمَمًا منتشرةً، حتى قتلَ ابنَ خاقان، وفتح بلادًا كثيرة، ودانَتْ له تلك الممالكُ من ناحيةِ بَلَنْجَر (٤) وأعمالِها.
وفيها حجَّ بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك. قاله الواقدي، وأبو معشر؛ وقال ابن جرير عن بعضهم: إنه حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي؛ فالله أعلم (٥) .
ونوَّاب البلاد هم المذكورون في التي قبلَها.
وممن تُوفي فيها من الأعيان:
قال ابن جرير (٦) : فيها كان مَهْلِكُ:
الأمير عبد الوهاب بن بخت (٧) : وهو مع البطَّال عبدِ الله بأرضِ الروم، قُتل شهيدًا. وهذه ترجمته، الحواشي
(٢٦٩) ، تعجيل المنفعة ص(٥٤١) .(١) أي: طعنوا في عرضه.(٢) انظر ما تقدم ص(١٣٣) .(٣) وهذه زيادة أخرى مقحمة من زيادات (ق) وهي:
[وقَبِلُوا روايَتَه وأثنَوْا عليه، وعلى عبادَتِه ودينه واجتهادِه، وقالوا: لا يَقدحُ في روايتِه ما أخذَهُ من بيتِ المالِ إنْ صحَّ عنه، وقد كان واليًا عليه، متصرِّفًا فيه، فالله أعلم.
قال الواقدي (انظر طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٩).): تُوفي شهرٌ في هذه السنة. أعني سنة اثنتي عشرةَ ومئة، وقيل قبلَها بسنة، وقيل سنة مئة].(٤) تقدم التعريف ببلنجر في ص(٥٧) حاشية(١) .(٥) انظر تاريخ الطبري (٤/ ١٤٩). وصحفت وسقطت بعض الألفاظ من (ق) -، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ الطبري.(٦) في تاريخ الطبري (٤/ ١٤٩).(٧) أخباره في تاريخ الطبري (٤/ ١٤٩)؛ شذرات الذهب (١/ ١٤٦)، التحفة اللطيفة للسخاوي (٢/ ٢٢١).стр. 4659
هو عبدُ الوهاب بن بُخْت أبو عُبيدة، ويقال أبو بكر مولى آلِ مروان، مَكِّيٌّ سكنَ الشام. ثم تحوَّل إلى المدينة، روى عن ابن عُمر، وأنس، وأبي هريرة، وجماعةٍ من التابعين، وعنه خَلْق، منهم أيُّوب، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعُبيد الله العمري. حديثُهُ عن أنس مرفوعًا: "نَضَّرَ الله امرَأً سمع مَقَالتي هذه فوَعَاها، ثم بلَّغَها غيرَه، فرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منه. ثلاثٌ لا يَغلُّ عليهنَّ صَدْرُ مؤمن: إخْلاصُ العمَلِ لله، ومُنَاصَحَةُ أولي الأمر، ولزومُ جماعةِ المسلمين، فإنَّ (١) دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ من ورائهم (٢) .
وروي عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لَقيَ أحدُكم أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإنْ حالَتْ بينهما شجرة، ثم لَقيه، فَلْيُسلِّمْ عليه (٣) . وقد وثَّق عبدَ الوهاب هذا جماعاتٌ منْ أئمَّةِ العلماء.
وقال مالك: كان كثيرَ الحَجِّ والعُمْرَة والغَزْو حتى استشهد، ولم يكنْ أحقَّ بما في رَحْلهِ من رفقائِه. وكان سَمْحًا جَوَادًا. استشهد ببلادِ الروم مع الأمير أبي محمد عبدِ الله البطَال، ودُفِن هناك ﵀. وكانتْ وفاتُه في هذه السنة. قاله خَليفةُ وغيرُه. وذلك أنَّهُ لَقيَ العدو، ففرَّ بعضُ المسلمين، فجعلَ يُنادي ويركض فرسَهُ نحو العدوّ أنْ هَلُمُّوا إلى الجنَّة، ويْحكمْ! أفِرارًا من الجنَّة؟! أتفِرُّونَ من الجنة!؟ إلى أين؟ ويحكم! لا مُقامَ لكم في الدنيا ولا بقاء. ثم قاتَلَ حتى قُتل ﵀.
مكحول الشامي (٤) : تابعيٌّ جليلٌ، كَبير القَدْر، إمامُ أهلِ الشام في زمانه، وكان مولى لامرأة من هُذيل، وقيل: مولى امرأةٍ من آلِ سعيدِ بن العاص، وكان نُوبِيًّا؛ وقيل: من سَبْي كابُل؛ وقيل: كان من الأبناء، من سُلالةِ الأكاسرة. وقد ذكرنا نسَبه في كتابنا "التكميل".
وقال محمد بن إسحاق: سمعتُهُ يقول: طُفتُ الأرض كلَّها في طلبِ العلم (٥) . الحواشي
(١) في (ق): "كأن"، والمثبت من (ب، ح) ومسند أحمد.(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٢٥)(١٢٩٣٧) ؛ ابن ماجه(٢٣٦) في المقدمة: باب من بلغ علمًا، وهو حديث صحيح.(٣) رواه أبو داود رقم(٥٢٠٠) وأبو يعلى في مسنده رقم(٦٣٥١) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٣)، طبقات خليفة(٣١٠) ، تاريخ خليفة(٢٠٦) ،(٣٤٥) ، التاريخ الكبير (٨/ ٢١)، التاريخ الصغير (١/ ٣٠٦، ٣٠٧)، المعارف(٤٥٢) ، الجرح والتعديل (٨/ ٤٠٧)، ثقات ابن حبان (٥/ ٤٤٦)، حلية الأولياء (٥/ ١٧٧)، طبقات الشيرازي(٧٥) ، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٥/ ٥٢)، وفيات الأعيان (٥/ ٢٨٠)، مختصر تاريخ دمشق (٢٥/ ٢٢٤)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٤٦٤)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٧)، ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٧)، النجوم الزاهرة (١/ ٢٧٢)، طبقات الحفاظ(٤٢) ، طبقات الشعراني (١/ ٤٥)، الكواكب الدرية (١/ ٤٥٥)، شذرات الذهب (١/ ١٤٦).(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٥١١)؛ وذكره الخطيب في الرحلة في طلب الحديث ص(١٩٩) رقم(٩٧) وغيره.стр. 4660
وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المُسيِّب بالحِجاز، والحسن البصري بالبصرة، والشعبي بالكوفة، ومكحول بالشام (١) .
وقال بعضهم: كان لا يستطيعُ أن يقول: قُلْ، وإنما يقول: كُلْ. وكان له وجاهةٌ عند الناس مهما أمَرَ به من شيء يُفعل.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أفقهَ أهلِ الشام، وكان أفقهَ من الزهري (٢) .
وقال غير واحد: توفي في هذه السنة - وقيل بعدَها - والله أعلم (٣) .
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة
فيها غَزَا معاويةُ بن هشام الصائفةَ اليسرى، وعلى اليمنى سليمانُ بن هشام بن عبدِ الملك، وهما ابنا أميرِ المؤمنين هشام، وفيها التقَى عبدُ الله البطَّال وملكُ الروم المسمَّى فيهم قُسْطنْطِين، وهو ابنُ هِرَقْلَ الأول الذي كتب إليهِ النبيُّ ﷺ ، فأسرَهُ البطَّال، فأرسلَهُ إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه.
وفيها عَزَلَ هشامٌ عن إمرةِ مكةَ والمدينةِ والطائفِ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وولَّى عليها أخاهُ محمدَ بن هشام، فحجَّ بالناس في هذه السنة - في قول - وقال الواقدي وأبو معشر: إنما حجَّ بالناس خالد بن عبد الملك بن مروان. والله أعلم (٤) . الحواشي
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٨، ١٧٩)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٨)؛ والمزي في تهذيب الكمال (٢٨/ ٤٧١).(٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٩).(٣) وهذه زيادة أيضًا مقحمة وهي:
[مَكْحُول الشامي: هو ابن أبي مسلم، واسم أبي مسلم شهراب (في (ق): "شهزاب"، بالزاي، وهو تصحيف والمثبت من الإكمال لابن ماكولا (٥/ ١).) بن شاذل. كذا نقَلْتُهُ من خط عبدِ الهادي.
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه، أنه قال: من نظَّف ثَوْبَه قَلَّ هَمّه، ومَنْ طابَ رِيْحُه زِيدَ في عَقْلِه (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٤). ونسب القول إلى الشافعي في صفة الصفوة (٢/ ٢٥٦) وإحياء علوم الدين (١/ ١٨١).).
وقال مكحول: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال: باردِ الشراب، وظلالِ المساكن، وشِبَعِ البطون، واعتدالِ الخَلْق، ولَذَاذَةِ النَّوْم (ذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية، عن عياض بن غنم مرفوعًا، ولم يذكر مكحولًا.).
وقال: إذا وضع المجاهدون أثقالَهم عن دوابّهم أتَتْها الملائكةُ فمسحَتْ ظهورَها، ودَعَتْ لها بالبَرَكة إلّا دابّة في عُنقها جرَس].(٤) ينظر تاريخ الطبري ٧/ ٩٠ - ٩١.следующие страницы →