← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وزعم ابنُ الجَوْزي في كتابه "شذور العقود" أنه توفي سنة ثلاثين ومئة. وهذا غريبٌ جدًّا والمشهور الأول. واللَّه أعلم. وفيها توفي: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم المصري المؤدِّب؛ راوية الشافعي، وآخِرُ منْ رَوَى عنه؛ وكان رجلًا صالحًا، تفرَّس فيه الشافعي، وفي البُوَيْطي والْمُزَني وابنِ عبدِ الحكم العِلْم، فوافَقَ ذلك ما وقَعَ في نفس الأمر. ﵀. ومن شعر الربيع هذا: صبرًا جميلًا ما أسرعَ الفَرَجا … مَنْ صدَّقَ اللَّهَ في الأمورِ نَجَا مَن خَشيَ اللَّه لم ينَلْهُ أذًى … ومَنْ رجَا اللَّه كان حيثُ رَجَا فأمَّا الربيع بن سليمان بن داود الجِيزي فإنه روى عن الشافعي أيضًا، وقد مات في سنةِ ستٍّ وخمسين ومئتين. واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئة فيها أضاف الرشيدُ الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة. وفيها قتل الرشيدُ أبا هريرة محمد بن فرُّوخ نائبَ الجزيرة صبرًا في قصر الخُلد بين يديه. وفيها خرج الفضلُ بن سعيد الحَرُوْريّ فقُتل. وفيها قدم رَوْحُ بنُ حاتم نائبُ إفريقيَة. وفيها خرجَتْ أم أمير المؤمنين الخَيْزُران إلى مكة، فأقامَتْ بها إلى أنْ شَهِدَتِ الحجّ. وكان الذي حجَّ بالناس فيها عبدُ الصمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس عمُّ الخلفاء. ﵀ وأكرمه وتقبَّل منه. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئة فيها وضع الرشيدُ عن أهلِ العراق العُشْرَ الذي كان يؤخذ منهم بعدَ النصف. وفيها خرج الرشيدُ من بغداد يَرْتادُ له مَوْضعًا يسكنه غيرَ بغداد، فتشوَّش فرجع. وفيها حج بالناس يعقوبُ بن أبي جعفر المنصور عمُّ الرشيد. وفيها غَزَا الصائفةَ إسحاقُ بن سليمان بن علي. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة فيها توفي بالبصرة محمد بن سليمان، فأمر الرشيدُ بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئًا كثيرًا جدًّا، فقبضوه من الذهب والفضة والأمتعةِ التي يُستعان بها على الحرب،

стр. 4937

وعلى مصالح المسلمين من العُدَد والبرك وغير ذلك؛ وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، وأمُّه أمُّ حسمن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي، وكان من رجالاتِ قريشٍ وشُجعانهم. جمع له المنصورُ بين البصرةِ والكوفة، وزوَّجه المهديُّ ابنتهُ العبَّاسة. وكان له من الأموال شيءٌ كثير؛ كان دخلُهُ في كلِّ يومٍ مئةَ ألف، وكان له خاتمٌ من ياقوت أحمر، لم يُرَ مثلُه. وروى الحديث عن أبيه عن جدِّه الأكبر وهو ابنُ عباس، وهو حديث مرفوع في مَسْحِ رأسِ اليتيم إلى مقدَّم رأسِه، ومَسْح رأسِ منْ له أبٌ إلى مؤخَّرِ رأسِه (١). وقد وَفَد على الرشد فهنَّأه بالخِلافة، فأكرمه وعظَمَه، وزاده في عمَلِهِ شيئًا كثيرًا. ولما أراد الخروجَ خرَجَ معه الرشيدُ يُشيِّعُهُ إلى كَلْوَاذى (٢). توفي في جُمادَى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشد منِ اصطفى من ماله الصامت، فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف خارجًا عن الأملاك. وقد ذكر ابنُ جرير أن وفاته ووفاة الخَيْزُران في يومٍ واحد (٣). وقد وقفَتْ جاريةٌ من جواريه على قبرِه فأنشأت تقول: أمسى الترابُ لِمَنْ هَويتُ مَبِيتا … القَ الترابَ فقلْ له حُيِّيتا إئا نُحبُّكَ يا ترابُ وما بنا … إلَّا كرامةُ منْ عليه حُثِيتا وفيها توفيت الخيزُران جاريةُ المهدي، وأمُّ أميرِ المؤمنين الهادي والرشد، اشتراها المهديُّ وحَظِيَتْ عدَهُ جدًّا ثم أعتَقَها وتزوَّجَها، ولدَتْ له خليفتَيْن: موسى الهادي، والرشد، ولم يتفق هذا لغيرِها من النساء إلَّا لولَّادة بنت العباس العبسية، زوجةِ عبدِ الملك بن مروان، وهي أمُّ الوليد وسليمان، وكذلك لشاه فونْد بنت فَيْروز بن يَزْدَجِرْد، ولدَتْ لِمولاها الوليد بن عبد الملك: مروانَ وإبراهيم، وكلاهما وَلي الخلافة. وقد رُوي من طريق الخيزُرَان عن مولاها المهدي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنِ اتقى اللَّه وقاهُ كل شيء" (٤). ولما عُرضَتِ الخيزُران

стр. 4938

على المهدي ليشتريَها أعجبَتْه إلَّا دقةً في ساقَيْها، فقال لها: يا جارية إنكِ لعلى غايةِ الْمُنَى والجمال لولا حُمُوشَةٌ في ساقَيْكِ (١). فقالت: يا أميرَ المؤمنين إنك أحوَجُ ما تكونُ إليهما لا تراهما. فاستحسَنَ جوابَها واشتراها، وحَظِيَتْ عندَهُ جدًّا. وقد حَجَّتِ الخَيْزُران مرَّة في حياةِ المهدي، فكتب إليها وهي بمكَّة يستوحشُ لها ويتشوَّقُ إليها بهذا الشِّعْر: نحن في غايةِ السرورِ ولكنْ … ليس إلَّا بكُمْ يتمُّ السرورُ عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ وُدِّي … أنَّكم غُيَّبٌ ونحنُ حُضُورُ فأجدُّوا في السَّيرِ بل إنْ قَدَرْتُمْ … أنْ تطيروا مع الرياحِ فَطيروا فأجابَتْهُ أو أمرَتْ منْ أجابَهُ: قد أتانا الذي وصفتَ من الشَّوْ … قِ فَكِدْنا وما فعلنا نطيرُ (٢) ليت أنَّ الرياحَ كُنَّ يؤدِّيْـ … ــنَ إليكمْ ما قَدْ يُكِنُّ (٣) الضميرُ لم أزَلْ صبَّةً فإنْ كنتَ بعدي … في سرورٍ فدامَ ذاك السرورُ وذكر أنه أهدَى إليها محمد بن سليمان نائبُ البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتَتْ فيه مئة وَصِيفة، مع كلِّ وَصيفة (٤) جامٌ من فِضَّة مملوءٌ مسكًا. فكتبَتْ إليه: إنْ كان ما بعثتَهُ ثمنًا عن ظَنِّنا فيك فظننا فيك أكثرُ مما بعثت، وقد بَخَسْتَنا في الثمن؛ وإنْ كنتَ تُريد به زيادةَ المودَّة فقد اتَهمتَني في المودَّة. وردَّتْ ذلك عليه. وقد اشترتِ الدارَ المشهورةَ بها بمكة، المعروفة بدار الخَيْزُران، فزادَتْها في المسجدِ الحرام. وكان مَغَلُّ ضياعِها في كل سنةٍ ألفَ ألفٍ وستين ألفًا. واتَفَقَ موتُها ببغدادَ ليلةَ الجمعة لثلاثٍ بقينَ من جُمادَى الآخرة من هذه الستة. وخرج ابنُها الرَّشيد في جنازتِها وهو حاملٌ سريرَبها يخبّ في الطِّين فلما انهى إلى الْمَقْبُرَة أُتيَ بماءٍ، فغسل رجلَيْه، ولبس خُفًّا وصلَّى عليها، ونزلَ لحْدَها، فلما خرج من القبر أُتيَ بسريرٍ فجلس عليه، واستدعى بالفَضْلِ بنِ الرَّبيع، فولَّاهُ الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيدُ قولَ ابنِ نُوَيْرة حين دفَنَ أمَّهُ الخيزُران: وكنَّا كندمانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَة … من الدهرِ حتى قيل لنْ يتصدَّعا فلما تفرَّقْنا كأني ومالكًا … لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا (٥)

стр. 4939

وفيها تُوفيتْ: غادر (١): جاريةٌ كانت لموسى الهادي، كان يُحبُّها حبًّا شديدًا جدًّا، وكانت تُحسنُ الغناء جدًّا، فبينما هي يومًا تُغنيه إذْ أخذَتْهُ فكرةٌ غيَّبَتْهُ عنها، وتغيَّرَ لونُه، فسأله بعضُ الحاضرين: ما هذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: أخذَتْني فكرةٌ أني أموت، وأخي هارونُ يتولَى الخلافةَ بعدي، ويتزوَّج جاريتي هذه. ففدَاهُ الحاضرون ودَعَوْا له بطول العُمر. ثم استدعى أخاه هارون، فأخبَرَهُ بما وقع، فعَوَّذَهُ الرشيدُ من ذلك، فاستحلفه الهادي بالأيمان المغلَّظة من الطلاق والعَتَاق والحَجِّ ماشيًا حافيًا أنْ لا يتزوَّجَها، فحلف له واستحلف الجاريةَ كذلك، فحلفَتْ له؛ فلم يكنْ إلَّا أقلَّ من شهرَيْن حتى مات. ثم خطبَها الرشيد، فقالت: كيف بالأيمان التي حلفناها أنا وأنت؟! فقال: إني أكَفِّرُ عنِّي وعنك. فتزوَّجَها وحَظِيَتْ عندَهُ جدًّا، حتى كانتْ تنامُ في حَجْرِهِ فلا يتحرَّكُ خشيةَ أنْ يُزْعجها؛ فبينما هي ذات ليلة نائمة ببغداد، إذِ انتبهَتْ مَذْعُورةً تبكي، فقال لها: ما شأنُك؟ فقالت يا أميرَ المؤمنين؟ رأيتُ الهادي في منامي هذا وهو يقول: أخْلَفْتِ عَهْدي بعدما … جاوَرْتُ سُكَّانَ المقابرْ ونَسيتِنِي وحَنثْتِ في … أيمانِكِ الكَذِبِ الفَوَاجِرْ ونَكَحْتِ غادرةً أخي … صَدَق الذي سمَّاكِ غادرْ أمسَيْتُ في أهلِ البِلَى … وعُدِدْتُ في الموتى الغَوَابِرْ لا يَهْنكِ الإلْفُ الجَدِيـ … ـدُ ولا تَدُرْ عنكِ الدوائرْ ولَحِقْتِ بي قبلَ الصَّبَا … حِ وصِرْتِ حيثُ غدوْتُ صائرْ فقال الرشيد: إنما هذا أضغاثُ أحلام. فقالتْ كلَّا واللَّهِ يا أميرَ المؤمنين، فكأنما كُتِبَتْ هذه الأبيات في قلبي. ثم ما زالَتْ تَرْتَعدُ وتضطربُ حتى ماتتْ قبلَ الصباح. وفيها ماتَتْ: هَيْلانَة (٢): جاريةُ الرشيد وهو الذي سمَّاها هَيْلانة لكثرةِ قولها: هي لانه. قال الأصمعي: وكان لها مُحبًّا، وكانت قبله لخالدِ بن يحيى بن بَرْمَك، فدَخَلَ الرشيدُ يومًا مَنْزلَهُ قبلَ الخلافة، فاعترضَتْهُ في طريقِهِ وقالتْ: أما لنا منك نصيب؟ فقال: وكيف السبيلُ إلى ذلك؟ فقالت: استَوْهبني من هذا الشيخ.

стр. 4940

فاستوهَبَها من يحيى بن خالد، فوَهَبها له، وحَظيتْ عندَه؛ ومكثتْ عنده ثلاث سنين، ثم تُوفيت. فحَزِنَ عليها حُزنًا شديدًا، ورثاها، وكان من قوله فيها: قد قلتُ لمَّا ضَمَّنوكِ الثَّرَى … وجالتِ الحَسْرَةُ في صَدري اذْهَبْ فلاقِ اللَّه لا سَرَّني … بَعْدَكِ شيءٌ آخرَ الدَّهْرِ (١) وقال العباس بنُ الأحنف في موتِها: يا من تباشرتِ القبورُ بمَوتها … قَصَدَ الزمانُ مساءتي فرَمَاكِ أبغي الأنيسَ فما أرى لي مؤنسًا … إلَّا التردُّدَ حيثُ كنتُ أراكِ مَلِكٌ بكاكِ فطالَ بعدَكِ حُزْنُهُ … لو يستطيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ يَحْمي الفؤادَ عن النساءَ حَفِيظةً … كي لا يَحِلَّ حِمَى الفؤادِ سواكِ (٢) قال: فأمر له الرشيدُ بأربعين ألفًا، لكلِّ بيتٍ عشرةُ آلاف. فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة من الهجرة النبوية فيها وقعَتْ عصبيَّةٌ بالشام وتَخبيطٌ من أهلِها. وفيها استقضى الرشيدُ يوسُفَ بنَ أبي يوسف وأبوهُ حيّ. وفيها غزا الصائفة عبدُ الملك بن صالح، فدخل بلادَ الروم. وفيها حجَّ بالناس الرشيدُ، فلما اقترب من مكة بلَغَهُ أنَّ فيها وباءً فلم يدخلْ مكة حتى كان وقتُ الوقوف؛ فوقف، ثم جاء الْمُزْدَلِفَةَ ثم مِنَى، ثم دخل مكة، فطافَ وسَعَى، ثم ارْتَحَلَ ولم يَنْزِلْ بها. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة فيها أخذ الرشيدُ بولايةِ العهدِ من بعد لوَلَدِهِ محمد بن زُبَيْدَة، وسَمَّاهُ الأمين، وعمرُهُ إذْ ذاكَ خمسُ سنين؛ فقال في ذلك سَلْمٌ الخاسر: قد وفَّقَ اللَّه الخليفةَ إذْ بَنَى … بيتَ الخلافةِ للهِجَانِ الأزْهَرِ فهو الخليفةُ عن أبيه وجَدِّهِ … شَهِدَا عليه بمَنْظَرٍ وبمَخْبَرِ قد بايعَ الثقلانِ في مَهْدِ الهُدَى … لمحمدِ بنِ زُبَيْدَةَ ابنةِ جَعْفرِ (٣)

стр. 4941

وقد كان الرشيدُ يتوسَّمُ النجابةَ والرَّجَاحة في عبدِ اللَّه المأمون ويقول: واللَّه فيه حَزْمُ المنصور، ونُسك المَهْديّ، وعِزَّةُ نفسِ الهادي، ولو شئتُ أنْ أقولَ الرابعةَ مني لقلت، وإنِّي لأقَدِّمُ محمدَ بن زُبيدة، وإني لأعلمُ أنه مُتَّبعٌ هواه، ولكنْ لا أستطيعُ غيرَ ذلك ثم أنشأ يقول: لقد بانَ وَجْهُ الرأي لي غيرَ أنني … غُلبتُ على الأمرِ الذي كان أحزَمَا وكيف يُرَدُّ الدَّرُّ في الضَّرْعِ بعدَمَا … تَوَزَّعَ حتى صار نَهْبًا مُقَسَّمَا أخافُ التِواءَ الأمرِ بعدَ إسْتِوائِهِ … وأنْ يُنْقَض الأمرُ الذي كان أُبْرِمَا (١) وغزا الصائفةَ عبدُ الملك بن صالح في قول الواقدي (٢)؛ وحج بالناس الرشيد. وفيها سار يحيى بن عبد اللَّه بن حسن إلى الدَّيْلَم، وتحرَّك هناك. وفيها تُوفي من الأعيان: شَعْوانةُ العابدةُ الزاهدة (٣): كانت أمَةً سوداء، كثيرة العبادة، رُوي عنها كلماتٌ حسان، وقد سألها الفُضَيْلُ بن عياض الدعاءَ فقالت: أمَا بينَكَ وبينَهُ ما إنْ دعَوْتَهُ استجابَ لك؟! فشهق الفُضيل، ووقَعَ مَغْشيًا عليه. وفيها تُوفي: اللَّيْثُ بن سعد بن عبد الرحمن الفَهميّ، مولاهم (٤): قال ابنُ خَلِّكان (٥): كان مولى قيس بن

стр. 4942

رفاعة، وهو مولى عبدِ الرحمن بن مسافر الفَهْمي. كان الليثُ إمامَ الدَّيار المصرية بلا مُدَافَعَة، وولد بِقَرْقَشْندَة من بلادِ مصر (١)، سنةَ أربعٍ وتسعين. وكانت وفاتُه في شعبان من هذه السنة، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابنُ خلِّكان: أصلُهُ من قَلْقَلَشَنْدَة (٢)، وضَبَطَهُ بقافين الثانية متحرِّكة. وحُكي عن بعضهم أنه كان جيِّدَ الذِّهْن (٣)، وأنه وَلِي القضاءَ بمصر، [فلم يحمَدوا ذهنهُ بعدَ ذلك] (٤). ولد سنةَ أربعٍ وعشرين ومئة، وذلك غريبٌ جدًّا. وذكروا أنه كان يدخلُه من مُلْكِه في كلِّ سنةٍ خمسةُ آلاف دينار. وقال آخرون: كان يدخُلُه من الغَلَّة في كلِّ سنة ثمانون ألفَ دينار، وما وجبَتْ عليه زكاة. وكان إمامًا في الفقه والحديث والعربية. قال الشافعي: كان الليثُ أفقهَ من مالك، إلَّا أنه ضيَّعهُ أصحابُه (٥). وبعث إليه مالك يستهديه شيئًا من العصفر لأجلِ جهاز ابنتِه، فبعث إليه بثلاثين حِملًا، فاستعمل منه مالكٌ حاجتَه، وباع منه بخمس مئة دينار، وبقيَتْ عنده منه بقيَّة. وحجَّ مرةً فأهدى له مالكٌ طبقًا فيه رُطَب، فردَّ الطبقَ وفيه ألفُ دينار. وكان يهبُ للرجلِ من أصحابِهِ من العلماء الألف دينار وما يُقاربُ ذلك، وكان يخرج إلى الإسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبَخُهُ في مركب. ومناقبه كثيرةٌ جدًّا، وقد ذكرناه في التكميل. وحكى ابنُ خَلِّكان أنه سمع قائلًا يقولُ يوم مات الليث: ذهب اللَّيثُ فلا لَيْثَ لكم … ومَضَى العلمُ غريبًا وقُبِرْ فالتفتوا فلم يرَوْا أحدًا. وفيها تُوفي: المنذر بن عبد اللَّه بن المنذر (٦) القُرَشي، عَرَض عليه المهدي أنْ يليَ القضاء، ويعطيَهُ من بيت المال مئة ألف درهم؛ فقال: إني عاهدتُ اللَّه أنْ لا أليَ شيئًا، وأعيذُ أميرَ المؤمنين باللَّه أنْ أخيسَ بعَهْدي. فقال له المهدي: آللَّهِ؛ قال: آللَّهِ. قال: انطلقْ، فقد أعفَيْتُك.

стр. 4943

ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئة فيها كان ظهورُ يحيى بن عبد اللَّه بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الدَّيْلَم، واتَّبَعهُ خلقٌ كثير، وجَمٌّ غَفير، وقَويتْ شوكتُه، وارتَحَلَ إليه الناسُ من الكُوَرِ والأمصار، فانزعجَ لذلك الرشيد، وقَلِقَ من أمرِه؛ فنَدَب إليه الفضلَ بن يحيى بن خالد بن بَرْمك في خمسين ألفًا، وولَّاهُ كُوَرَ الجبلِ والرَّيِّ وجُرْجَانَ وطَبَرِسْتانَ وقُومس، وغيرِ ذلك، فسار الفضلُ بن يحيى إلى تلك الناحية في أبَّهةٍ عظيمة، وكُتُب الرشيدِ تَلْحَقُه مع البُرُدِ في كلِّ مَنْزلة، وأنواعُ التُّحَفِ والبِرّ. وكاتَبَ الرشيدُ صاحبَ الدَّيْلم، ووعَدَهُ بألفِ ألفِ درهم إنْ هو سَهَّلَ خروجَ يحيى إليهم. وكتب الفضلُ إلى يحيى بن عبد اللَّه يَعِدُه ويُمَنِّيه، ويؤمِّلُه ويُرَجيه، وأنه إنْ خرجَ إليه أنْ يُقيم له العُذْرَ عند الرشيد؛ فامتنَعَ يحيى أن يخرجَ إليهم حتى يكتُبَ له الرشيدُ كتابَ أمانٍ بيدِه فكتبَ الفضلُ إلى الرشيد بذلك، ففَرِحَ الرشيد، ووقَعَ منه موقعًا عظيمًا. وكتب الإمانَ بيدِه، وأشهَدَ عليه القضاةَ والفقهاء، ومشيخةَ بني هاشم، منهم عبدُ الصمد بنُ علي. وبعث الأمانَ وأرسل معه جوائزَ وتُحَفًا كثيرةً جدًّا، فلما وصلَتْ إلى الفضل، بعثَها بكمالِها إلى يحيى بن عبد اللَّه، فسارَ بهِ الفضلُ، فدخل بهِ بغداد، وتلقَّاهُ الرشيدُ وأكرَمَهُ، وأجزَلَ له في العطاء، وخدَمَهُ آلُ برمكَ خدمة عظيمة، بحيث إنَّ يحيى بنَ خالد كان يقول: خدمتُه بنفسي وولدي، وعَظُمَ الفضلُ عندَ الرشيدِ جدًّا بهذه الفَعْلة، حيث سعى بالصُّلح بين العباسيِّين والفاطميِّين؛ ففي ذلك يقولُ مروان بنُ أبي حَفْصَة بن يحيى، ويشكرُهُ على صَنيعهِ هذا: ظَفِرْتَ فلا شَلَّتْ يَدٌ بَرْمَكيَّةٌ … رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشِمِ على حينِ أعْيَا الرَّاتِقينَ التئامُهُ … فكَفُّوا وقالوا ليس بالمتلائِمِ فاصبحتَ قد فازَتْ يداكَ بخطَّةٍ … من المجدِ باقٍ ذكرُها في المواسِمِ وما زالَ قِدْحُ المُلكِ يَخْرُجُ فائزًا … لكُمْ كلَّما ضُمَّتْ قِدَاحُ الْمُسَاهِم (١) قالوا: ثم إنَّ الرشيدَ تنكَرَ ليحيى بن عبد اللَّه بن حسن، وتغَيَّرَ عليه، ويُقال إنه سَجَنَه، ثم استحضرَه، وعندَهُ جماعاتٌ من الهاشميِّين وأحضرَ الأمانَ الذي بعثَ به إليه، فسأل الرشيدُ محمدَ بن الحسن عن الأمان، أصحيحٌ هو؟ قال: نعم. فتغيظَ الرشيدُ عليه؛ وقال أبو البَخْتَرِيّ: ليس هذا الأمانُ بشيء، فاحكُمْ فيه بما شئت. ومزَّقَ الأمانَ وبصق فيه أبو البختريّ، وأقبل الرشيدُ على يحيى بن عبد اللَّه فقال: هيهِ، هيه! وهو يتبسَّمُ تبسُّمَ الْمُغضَب وقال: إنَّ الناس يزعمون أنَّا سَممناك. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، إنَّ لنا قرابةً ورَحمًا وحقًّا، فعلامَ تعذِّبُني وتَحبسُني؟ فرَقَّ له الرشيد، فاعترض بكَّارُ بن

стр. 4944

مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا يغرَّنَّك هذا الكلام من هذا، فإنه عاصٍ شاقّ، وإنما هذا منه مكْرٌ وخُبْث؛ وقد أفسَدَ علينا مدينتَنا وأظهر فيها العِصْيان. فقال له يحيى: ومن أنتم عافاكُمُ اللَّه، وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا. ثم قال يحيى: يا أمير المؤمنين، إنما الناسُ نحنُ وأنتم. واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد جاءني هذا حين قُتل أخي محمد بن عبد اللَّه فقال: لعَنَ اللَّه قاتلَه، وأنشدني فيه نحوًا من عشرين بيتًا وقال لي: إنْ تحرَّكْتَ إلى هذا الأمر فأنا أولُ من يُبايعُك، وما يمنعُكَ أنْ تلحقَ بالبصرة وأيدينا معك. قال: فتغيَّرَ وجهُ الرشيد ووجهُ الزُّبيريّ، وأنكَرَ وشرَعَ يَحْلِفُ الأيمانَ المغلَّظَة إنه لكاذبٌ في ذلك. وتحَيَّرَ الرشيدُ ثم قال ليحيى: أتحفظُ شيئًا من المرثيَّة؟ قال: نعم، وأنشده منها جانبًا فازدادَ الزُّبير في الإنكار، فقال له يحيى بنُ عبدِ اللَّه: فقلْ إنْ كنتُ كاذبًا فقد برئتُ من حَوْلِ اللَّه وقُوَّتِه، ووَكَلَني اللَّه إلى حولي وقُوَّتي. فامتنعَ من الْحَلِفِ بذلك. فعزَمَ عليه الرشيد، فحلف بذلك، فما كان إلَّا أنْ خرجَ من عند الرشيد، فرَمَاهُ اللَّه بالفالِج، فمات من ساعته. ويُقال إنَّ امرأته غمَّتْ وجهَهُ بِمَخدَّة، فقتلَه اللَّه. ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبد اللَّه، وأطلق له مئة ألف دينار. ويُقال: إنما حبَسَه بعضَ يوم، وقيل ثلاثة أيام، وكان جملةُ ما وصله من المال من الرشيد أربعمئة ألف دينار من بيتِ المال، وعاش بعد ذلك كلُّه شهرًا واحدًا، ثم مات ﵀. وفيها وقعَتْ فتنةٌ عظيمةٌ بالشام بين النِّزَاريَّة -وهم قَيْس- واليمانيَّة -وهم يَمَن-وهذا كان أولَ يومِ بُدوِّ أمرِ العشيرتينِ بحَوْران، وهم قيسٌ ويَمَن، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهليَّة في هذا الآن؛ وقُتل منهم في هذه السنة بشرٌ كثير. وكان على نيابةِ الشام كُلِّها من جهةِ الرشيد ابنُ عمِّهِ موسى بن عيسى، وقيل عبد الصمد بن علي، فاللَّه أعلم. وكان على نيابةِ دمشق بخصوصها سِنْديُّ بن سهل أحدُ موالي جعفر المنصور. وقد هَدَمَ سورَ دمشق حين ثارَتِ الفتنةُ خوفًا من أنْ يتغلَّب عليها أبو الهيذام المِرِّي رأسُ القيسيَّة. وقد كان سنديٌّ هذا دميمَ الخلق. قال الجاحظ: وكان لا يُحلِّفُ المكاري ولا الملَّاح ولا الحائك ويقول: القولُ قولُهم؛ ويستخيرُ اللَّه في الحمَّال ومعلِّم الكُتَّاب. وقد تُوفِّي سنةَ أربعِ ومئتين. فلما تفاقم الأمرُ بعَثَ الرشيدُ من جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعةٌ من القُوَّاد ورؤوس الكُتَّاب، فاصلحوا بين الناس، وهدأتِ الفتنة، واستقام أمرُ الشام (١)، وحملوا جماعات من رؤوس الفتنة إلى دار السلام، فردَّ الرشيدُ أمرَهم إلى يحيى بن خالد، فعَفَا عنهم وأطلقهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: قد هاجَتِ الشامُ هيجًا … يُشيبُ راسَ وليدِهْ

стр. 4945

فصَبَّ موسى عليها … بخَيْلِهِ وجُنودِهْ فدانتِ الشَّامُ لمَّا … أتى نَسيجُ وَحيدِهْ هذا الجَوَادُ الذي بَذْ … ذَ كُلَّ جُودٍ بجُودِهْ أعْدَاهُ جودُ أبيهِ … يَحْيَى وجُودُ جُدُودِهْ فجاد موسى بن يحيى … بطارفٍ وتَليدِهْ ونالَ موسى ذُرَا الْمَجْـ … ـدِ وهو حَشْوُ مُهُودِهْ خَصَصْتُهُ بِمَديحي … مَنْثُورِهِ وقَصِدِهْ من البرامِكِ عُودًا … لَهُ فأكْرِمْ بِعُودِهْ حَوَوْا على الشِّعْرِ طُرًّا … خَفيفِهِ ومَدِيدِهْ وفيها عَزَلَ الرشيدُ الغِطْريفَ بنَ عطاء عن خراسان وولَّاها حمزةَ بنَ مالك بن الهيثم الخزاعي الملقَّب بالعروس. وفيها ولى الرشيدُ جعفرَ بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك نيابةَ مصر، فاستنابَ عليها جعفر عمرَ بن مِهْرَان، وكان شَنيعَ الخُلُق زَريَّ الشكل بين الكتَبَة، أحوَل، وكان سببُ ولايته إيَّاها أنَّ نائبَها موسى بن عيسى كان قد عزَمَ على خَلْع الرشيد، فقال الرشيد: واللَّهِ لأعزِلَنَّه، ولأوَلِّينَّ عليها أحسنَ الناس. فاستدعى عمرَ بن مهران هذا، فولَّاهُ عليها عن نائبِهِ جعفر بن يحيى البَرْمكي؛ فسار إليها عمر بن مهران على بغل، وغلامه أبو دُرَّة على بغلٍ آخر، فدخلها كذلك، فانتهى إلى مجلسِ نائبها موسى بنِ عيسى، فجلس في أُخرَيَاتِ الناس، فلمّا انفضَّ الناسُ أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرِفُ منْ هو فقال: ألَكَ حاجةٌ يا شَيخ؟ قال: نعَمْ أصلَحَ اللَّه الأمير. ثم دفَعَ الكُتُبَ إليه، فلمَّا قرأها قال: أنت عمرُ بن مِهْران؟ قال: نعم. قال: لعَنَ اللَّه فِرْعون حين قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١]. ثم سلَّم إليه العمل، وارتحل منها، وأقبل عمر بن مِهْرَان على عمَلِه، وكان لا يقبلُ شيئًا من الهدايا إلَّا ما كان ذهبًا أو فضة أو قماشًا، ثم يكتبُ على كلِّ هديَّةٍ اسمَ مُهْديها، ثم يطلبُ الخراجَ ويُلحُّ في طلَبِهِ عليهم، فشرَعَ بعضُهم في مُماطَلَتِه، فأقسم لا يَمْطُلُهُ أحدٌ فيقبض منه شيئًا؛ وإنما يَبْعَثُهُ إلى بغداد، ويَزنُ خراجَهُ بها، ويأتي بورقة القبض، ففعل ذلك ببعض الناس، فتأدَّبَ بقيَّتُهم، ثم جَباهُمُ القسط الثاني، فلما كان الثالث عَجَزَ كثيرٌ منهم عن الأداء، فجعَلَ يستحضرُ ما كانوا أدَّوْهُ إليه من الهدايا، فإنْ كان نقدًا أدَّاهُ عنهم، وإنْ كان بزًّا باعَهُ وأدَّاهُ عنهم، وقال لهم: إنِّي إنَّما ادخَرْتُ هذا لكم إلى وقتِ حاجتِكم. ثم أكمل استخراجَ جميعِ الخراج بديارِ مصر، ولم يفعلْ ذلك أحدٌ قبلَه. ثم انصرف عنها لأنه كان قد شرَط الرشيدُ أنه إذا مهد البلاد، وجَبَى الخراج، فذاك إذنُهُ في الانصراف. ولم يكنْ معه بالديارِ المصريةِ جيشٌ ولا غيرُه، سوى مولاهُ أبو دُرَّةَ وحاجبُه، وهو منفذٌ أمورَه. وفيها غزا الصائفة عبدُ الرحمن بن عبد الملك، ففتح حصنًا. وفيها حجَّتْ زُبيدة زوجةُ الرشيد ومعها أخوها، وكان أميرَ الحج سليمانُ بن أبي جعفر المنصور، عمُّ الرشيد.

стр. 4946

وفيها تُوفي: إبراهيم بن صالح (١) بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، كان أميرًا على مصر، توفي في شعبان. حكى عنه عبد اللَّه بن وهب. وإبراهيم بن هَرْمَة (٢): كان شاعرًا، وهو إبراهيمُ بن عليِّ بن سلَمة بن عامر بن هَرْمَة، أبو إسحاق الفِهْريُّ المدني. شاعرٌ مُفْلِق. وَفَد على المنصور في وَفْدٍ من أهل المدينةِ حين استوفَدَهُمْ عليه، فجلسوا إلى سِترٍ دونَ المنصور، يرى النَّاسَ من ورائه ولا يرَوْنَه، وأبو الخصيب الحاجب واقفٌ يقول: يا أمير المؤمنين، هذا فلانٌ الخطيب؛ فيأمرُه فيخطب، ويقول: هذا فلانٌ الشاعر؛ فيأمره فيُنْشد، حتى كان من آخرِهم ابنُ هَرْمَةَ هذا، فسمعتُه يقول: لا مرحبًا ولا أهلًا، ولا أنعَمَ اللَّه بكَ عينًا!. قال: فقلتُ: هلَكْتُ، ثم استنشدني فأنشدتُه قصيدتي التي أقولُ فيها: سَرَى ثوْبَهُ عنكَ الصِّبَا المتخايلُ … وقَرَّبَ للبَيْنِ الخليطُ الْمُزَايلُ (٣) حتى انتهيتُ إلى قولي: فأمَّا الذي أمَّنْتَهُ يأمنُ الرَّدَى … وأمَّا الذي حاولتَ بالثُّكْلِ ثاكِلُ قال: فأمر برَفْعِ الحجاب، فإذا وجههُ كأنه فَلْقَةُ قمَر فاستنشدني بقيَّةَ القصيدة، وأمَرَ لي بالقُرْب بين يديه، والجلوسِ إليه، ثم قال: ويحك يا إبراهيم! لولا ذنوبٌ بلغَتْني عنك، لفضَّلْتُكَ على أصحابك. فقلت: يا أمير المؤمنين، كلُّ ذنبٍ بلغَكَ عني لم تعفُ عنه فأنا مُقرٌّ به. قال: فتناول الْمِخْصَرة، فضربني بها ضربتَيْن، وأمر لي بعشرةِ آلافٍ وخِلْعَة، وعَفَا عني، وألحقَني بنُظَرائي. وكان من جملةِ ما نقَمَ المنصورُ عليه قولُه: ومهما أُلامُ على حُبِّهِمْ … فإنِّي أُحِبُّ بني فاطمَهْ بني بنتِ منْ جاء بالمحكماتِ … وبالدِّينِ والسُّنَّةِ القائمَهْ فلستُ أبالي بحُبِّي لهمْ … سواهم من النَّعَمِ السَّائمة (٤)

стр. 4947

قال الأخفش: قال لنا ثعلب: قال الأصمعي: خُتم الشعراء بابن هَرْمَة (١). ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرَج ابنُ الجوزي (٢). وفيها توفي: الجرَّاح بن مليح والد وكيع بن الجراح. وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن جميل أبو عبد اللَّه المدَني، وَلي قضاءَ بغداد سبعَ عشرةَ سنة لعسكرِ المهدي. وثَّقه ابنُ معين وغيرُه. وفيها توفي: صالح بن بشير المُرِّيّ (٣): أحدُ العُبَّاد الزُّهَّاد، كان كثيرَ البكاء، وكان يَعِظُ فيحضُر مجلسَهُ سفيانُ الثَّوْريُّ وغيرُهُ من العلماء؛ ويقولُ سفيان: هذا نذيرُ قوم. وقد استدعاهُ المهديُّ لِيَحْضُرَ عندَه، فجاء إليه راكبًا طى حمار، فدَنَا من بساطِ الخليفةِ وهو راكب، فأمر الخليفةُ ابنَيْهِ وليَّي العهد من بعدِه موسى الهادي وهارون الرشيد أنْ يقوما إليه ليُنْزلاهُ عن دابَّته، فابتدَرَاهُ فأنزلاه. فأقبل صالحٌ على نفسه فقال: لقد خبتُ وخَسِرْت إنْ أنا داهنتُ ولم أصدَعْ بالحقِّ في هذا اليوم وفي هذا المقام. ثم جلس إلى المهدي، فوعَظَه موعظةً بليغةً حتى أبكاه. ثم قال له: اعلمْ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خصَمَ من خالَفَهُ في أمَّتِه، ومن كان محمدٌ خصمهُ كان اللَّه خصمَه؛ فاعدَّ لمخاصمةِ اللَّه ومُخاصمةِ رسوله حُجَجًا تضمنُ لك النجاة، وإلَّا فاستسلمْ للهَلَكة، واعلَمْ أنَّ أبطأ الصَّرْعَى نهضة صريعُ هَوى بدْعَته؛ واعلم أن اللَّه قاهر فوقَ عبادِه، وأنَّ أثبتَ الناسِ قدَمًا آخذُهُمْ بكتابِ اللَّه وسُنَّةِ رسوله. وكلام طويل. فبكى المهدي، وأمر بكتابةِ ذلك الكلام في دواوينه.

стр. 4948

وفيها تُوفي: عبدُ الملك بن محمد بن أبي بكر عمرو بن محمد بن عمرو بن حَزْم؛ قَدِم قاضيًا بالعِراق. وفَرَج بن فضالة التنوخي الحمصي (١): كان على بيتِ المال ببغداد في خلافةِ الرشيد، فتوفي في هذه السنة، وكان مولدُه سنة ثمانٍ وثمانين، فمات وله ثمانٌ وثمانون سنة، ومن مناقبه أنَّ المنصورَ دخل يومًا إلى قصرِ الذهب، فقام الناسُ إلَّا فرجَ بن فضالة، فقال له وقد غَضِب عليه لمَ لم تقمْ؟ قال: خفتُ أنْ يسألَني اللَّه عن ذلك ويسألَك: لِمَ رضيتَ بذلك، وقد كَرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ القيامَ للناس. قال: فبكى المنصورُ وقرَّبَهُ وقَضَى حوائجَه. والمسيَّب بن زهير بن عمرو (٢): أبو سَلَمة الضَّبِّي، كان واليَ الشُّرطة ببغداد في أيامِ المنصور والمهدي والرشيد، ووَلي خراسان مرة للمهدي. عاش ستًّا وتسعين سنة. والوضَّاح بن عبدِ اللَّه (٣): أبو عوانة اليَشْكُري (٤)، مولاهم، كان من أئمة المشايخ في الرواية، توفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئة فيها عزل الرشيدُ جعفر بن يحيى البرمكيَّ عن مصر، وولَّى عليها إسحاق بن سليمان، وعزَل حمزة بن مالك عن خُراسان وولَّى عليها الفضلَ بن يحيى البرمكي، مضافًا إلى ما كان بيدِه من الأعمال بالريَّ وسِجِسْتان، وغير ذلك. وذكر الواقديُّ أنه أصاب النَّاسَ ريحٌ شديدةٌ وظُلْمةٌ في أواخر المحرَّم من هذه السنة، وكذلك في أواخر صفر منها. وفيها حجَّ بالناس أمير المؤمنين هارون الرشيد.

стр. 4949

وفيها توفي: شَريك بن عبد اللَّه (١): القاضي الكوفي النَّخَعي، سمع أبا إسحاقٍ السَّبيعي، وغيرَ واحد. وكان مَشْكورًا في حُكْمه، وتنفيذِ الأحكام. وكان لا يجلسُ للحُكْم حتى يتغدَّى، ثم يُخرجُ ورقةً من قِمَطْرِه (٢)، فينظرُ فيها، ثم يأمرُ بتقديم الخُصوم إليه، فحرَصَ بعضُ أصحابِهِ على قراءةِ ما في تلك الورقة، فإذا فيها: شَريكُ بن عبدِ اللَّه اذكُرِ الصِّراطَ وحِدَّتَه، يا شريكُ بنَ عبدِ اللَّه، اذكُرِ الموقفَ بين يدي اللَّه . كانت وفاتُهُ يوم السبت مستهل ذي القَعْدَة منها. وفيها تُوفي: عبدُ الواحد بن زيد. ومحمد بن مسلم. وموسى بن أعْيَن. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئة فيها وثبَت طائفةٌ من الحَوفية، من قيسٍ وقُضاعة على عامِلِ مصر إسحاقَ بنِ سليمان، فقاتلوه، وجرَتْ فتنةٌ عظيمة، فبعثَ الرشيدُ هَرْثَمةَ بن أعيَن، نائبَ فِلَسْطين، في خَلْقٍ من الأمراء، مددًا لإسحاق، فقاتلوهم حتى أذْعَنوا بالطاعة، وأدَّوْا ما عليهم من الخراجِ والوظائفِ؛ واستمرَّ هَرْثَمهُ نائبًا على مصر نحوًا من شهر، عِوضًا عن إسحاقَ بنِ سليمان؛ ثم عزَلَهُ الرشيدُ عنها، وولَى عليها عبدَ الملك بن صالح. وفيها وثبَتْ طائفةٌ من أهل إفريقيَةَ، فقتلوا الفضلَ بن رَوْح بن حاتم، وأخرجوا منْ كان بها من آلِ المُهلَّب، فبعث إليهم الرشيدُ هَرثَمة، فرجعوا إلى الطاعةِ على يديه.

стр. 4950

وفيها فوَّضَ الرشيدُ أمورَ الخلافةِ كلَّها إلى يحيى بنِ خالد بن بَرْمك. وفيها خرج الوليدُ بن طريف بالجزيرة، وحكم بها، وقتل خَلْقًا من أهلِها، ثم مَضَى منها إلى إرْمِينيَة، فكان من أمرِهِ ما سنذكُرُه. وفيها سار الفضلُ بن يحيى إلى خراسان، فأحسَنَ السيرةَ فيها، وبَنَى فيها الرُّبُط والمساجد، وغزا ما وراءَ النهر، واتَّخَذ بها جندًا من العَجَم، سَمَّاهُم العبَّاسيَّة، وجعل ولاءَهُمْ لَه، وكانوا نحوًا من خمسِمئةِ ألف، وبعثَ منهم نحوًا من عشرينَ ألفًا إلى بغداد، فكانوا يُعرفون بها بالكَرْنَبيَّة؛ وفي ذلك يقولُ مروانُ بن أبي حَفْصَة: ما الفضلُ إلَّا شهابٌ لا أفُولَ لَهُ … عند الحروبِ إذا ما تأفُلُ الشُّهُبُ حامٍ على مُلكِ قومٍ غرّ سهمهمُ … من الوراثةِ في أيديهمُ سَبَبُ أمسَتْ يدٌ لبني ساقي الحَجيجِ بها … كتائبٌ مالَها في غيرِهمْ أرَبُ كتائبٌ لبني العباسِ قد عَرَفتْ … ما ألَّفَ الفضلُ منها العُجْمُ والعرَبُ أثبتَّ خمسَ مِئينٍ في عدادِهمُ … من الألوفِ التي أحْصَتْ لَها الكُتُبُ يُقارعون عن القومِ الذينَ همُ … أولَى بأحمدَ في الفُرْقانِ إنْ نُسِبُوا إنَّ الجوادَ بن يحيى الفضل لا وَرِقٌ … يبقَى على جودِ كفَّيْهِ ولا ذَهَبُ ما مرَّ يومٌ له مُذْ شدَّ مِئزَرَهُ … إلَّا تموَّلَ أقوامٌ بما يَهبُ كم غايةٍ في النَّدَى والبأسِ أحْرَزَها … للطالبينَ مداها دونَها تعَبُ يُعْطِي اللُّهَى حين لا يُعطي الجوادُ ولا … يَنْبُو إذا سُلَّتِ الهنديَّةُ القُضُبُ ولا الرِّضَا والرِّضا للَّهِ غايَتُهُ … إلى سوى الحقِّ يدعُوهُ ولا الغَضَبُ قد فاض عرفُكَ حتى ما يُعادِلُهُ … غَيثٌ مُغيثٌ ولا بحرٌ لَهُ جَدَبُ وكان قد أنشده قبلَ خروجه إلى خراسان: ألم تَرَ أنَّ الجودَ من يدِ آدمٍ … تحدَّرَ حتى صار في راحةِ الفَضْلِ إذا ما أبو العباسِ سَحَّتْ سماؤه … فيا لَكَ منْ هَطْلٍ ويا لَكَ من وَبْلِ وقال فيه أيضًا: إذا أُمُّ طفل راعها جوعُ طِفْلِها … دعَتْهُ بإسمِ الفضلِ فاعتصَمَ الطفلُ ليحيى بك الإسلامُ إنَّكَ عِزُّهُ … وإنَّك من قومٍ صغيرُهُمُ كَهْلُ قال: فأمرَ له بمئةِ ألف درهم. ذكره ابنُ جرير. وقال سَلْمٌ الخاسر فيهم أيضًا: وكيف تخافُ من بؤسٍ بدارٍ … يُجاورُها البرامكةُ البحورُ

стр. 4951

وقومٌ منهمُ الفضلُ بنُ يحيى … نَفِيرٌ ما يؤازِرُه (١) نَفِيرُ له يومان يومُ ندى وبأسٍ … كأنَّ الدَّهْرَ بينهما أسيرُ إذا ما البَرْمَكيُّ غدَا ابنَ عَشْرٍ … فهمَّتُهُ أميرٌ أو وزيرُ وقد اتَّفق للفضلِ بن يحيى في هذه السفرةِ إلى خراسان أشياء غريبة، وفتح بلادًا كثيرة منها كابُل وما وراء النهر، وقَهَرَ ملكَ التُّرك، وكان ممتنعًا، وأطلق أموالًا جزيلةً جدًّا، ثم قفل راجعًا إلى بغداد، فلما اقترب منها خرج الرشيدُ ووجوهُ الناس إليه، وقَدِمَ عليه الشعراءُ والخطباء، وأكابرُ الناس، فجعل يُطلق الألفَ ألفٍ، والخمسَمئةِ ألفٍ ونحوها، وأنفذ في ذلك من الأموال شيئًا كثيرًا لا يُمكنُ حصرُهُ إلَّا بتعَبٍ وكُلْفة، وقد دخل عليه بعضُ الشعراء والبِدَرُ موضوعةٌ بين يديه، وهي تُفرَّقُ على الناس، فقال: كفى اللَّه بالفضلِ بن يحيى بن خالدٍ … وجودِ يديهِ بُخلَ كلِّ بَخيلِ فأمَرَ له بمالٍ جَزيل. وغزا الصائفةَ في هذه السنة معاويةُ بن زُفر بن عاصم؛ وغزا الشاتيةَ سليمانُ بن راشد. وحجَّ بالناس فيها محمدُ بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، نائبُ مكة. وفيها توفي: جعفر بن سليمان. وعنتر بن القاسم. وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم القاضي ببغداد، وصلَّى عليه الرشيد، ودُفن بها؛ وقد قيل: إنه مات في التي قبلها. فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئة فيها كان قدومُ الفضل بن يحيى من خراسان، وقد استخلف عليها عمرَ بن جميل، فولَّى الرشيدُ عليها منصورَ بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها عزل الرشيدُ خالدَ بن بَرْمك عن الحُجوبة، وردَّها إلى الفضل ابن الربيع. وفيها خرج بخراسان حمزةُ بن أترك السِّجْستاني، وكان من أمرِهِ ما سيأتي طرَفٌ منه. وفيها رجع الوليدُ بن طريف الشاري إلى الجزيرة، واشتدَّتْ شوكتُه، وكَثُرَ أتباعُه، فبعث إليه الرشيدُ يزيدَ بن مَزْيد الشيباني، فراوَغَهُ (٢) حتى قتلَه، وتفرَّق أصحابُه؛ فقالت الفارعةُ في أخيها الوليد بن طريف ترثيه:

стр. 4952

أيا شجر الخابورِ مالكَ مُورقًا … كأنك لم تجزَعْ على ابنِ طريفِ فتًى لا يحبُّ الزادَ إلَّا من التُّقى … ولا المالَ إلَّا من قَنًا وسيوفِ وفيها خرج الرشيدُ. معتمرًا من بغداد شكرًا للَّهِ ، فلما قضَى عُمرتَه أقام بالمدينةِ حتى حجَّ بالناس في هذه السنة، فمشى من مكة إلى مِنَى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهدَ والمشاعرَ كلَّها ماشيًا؛ ثم انصرف إلى بغدادَ على طريقِ البصرة. وفيها توفي: إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة (١) أبو هاشم الحميري، الملقَّب بالسَّيِّد، كان من الشعراء المشهورين والمبرِّزين في هذه الصناعة، المفوَّهين، ولكنه كان رافضيًّا خبيثًا، وشيعيًّا غَثيثًا (٢)، وكان ممَّنْ يشربُ الخمرَ ويقولُ بالرَّجْعَة، أي: بالدَّور؛ قال يومًا لرجل: أقرِضْني دينارًا ولك عندي مئةُ دينارٍ إذا رجَعْنا إلى الدنيا. فقال له الرجل: إني أخشى أن تعودَ كلبًا أو خِنْزيرًا فيذهبُ ديناري. وكان قبَّحَهُ اللَّه يَسُبُّ الصحابةَ في شعرِه؛ قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدَّمتُ عليهِ أحدًا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيْهما ﵄ (٣). وقد أورد ابنُ الجَوْزي شيئًا من شعرِه في ذلك (٤)، كرهتُ أنْ أذكرَهُ لبشاعتِه وشناعته. وقد اسودَّ وجهُهُ عند الموت، وأصابه كَرْبٌ شديدٌ جدًّا؛ ولما مات لم يدفِنوه لِسَبِّهِ الصحابةَ ﵃. وفيها توفي: حمَّادُ بن زيد (٥): أحَدُ أئمةِ الحديث. وخالدُ بن عبد اللَّه، أحدُ الصلحاء؛ وكان من ساداتِ المسلمين، اشترى نفسه من اللَّه أربعَ مرات.

стр. 4953

ومالك بن أنس الإمام. والهِقْل بن زياد، صاحب الأوزاعي؛ وأبو الأحْوَص؛ وكلهم قد ذكرناهم في "التكميل" بما فيه مَقْنعٌ وكفاية، ممَّا يُغْني عن ذكرهم هنا؛ ولكنَّ: الإمام مالك (١): هو أشهَرُهم، وهو أحد الأئمة الأربعة، أصحابِ المذاهبِ المتَّبَعة، فهو مالكُ بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيل (٢) بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصْبَح الحِمْيَرِي، أبو عبدِ اللَّه المدَني، إمامُ دارِ الهجرةِ في زمانِه. روى مالكٌ عن غيرِ واحدٍ من التابعين، وحدَّثَ عنه خَلْقٌ من الأئمة، منهم السفيانان، وشُعْبَة، وابنُ المبارك، والأوزاعي، وابنُ مَهْدِي، وابنُ جُرَيْج، واللَّيث، والشافعي، والزُّهْري شيخُه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري. قال البخاري: أصحُّ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر (٣). وقال سفيان بن عُيينة: ما كان أشدَّ انتقادِهِ للرجال (٤). وقال يحيى بنُ مَعين: كلُّ منْ روى عنهُ مالك فهو ثقةٌ إلَّا أبا أمية (٥). وقال غيرُ واحد: هو أثبَتُ أصحابِ نافعٍ والزُّهري (٦).

стр. 4954

وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم. وقال: من أراد الحديث فهو عيالٌ على مالك (١). ومناقبُه كثيرةٌ جدًّا، وثناءُ الأئمة عليه أكثَرُ من أن يُحصَر في هذا المكان. قال أبو مُصعَب: سمعتُ مالكًا يقول: ما أفتَيْتُ حتى شهد لي سبعونَ أنِّي أهلٌ لذلك (٢). وكان إذا أراد أنْ يُحدِّثَ تنظَّفَ وتطيَّب، وسرَّح لِحيته، ولبس أحسنَ ثيابه. وكان يلبسُ حسنًا. وكان نقشُ خاتِمِه حسبي اللَّه ونعمَ الوكيل. وكان إذا دخل مَنْزِله قال: ما شاء اللَّه لا قوَّةَ إلا باللَّه. وكان مَنْزلُهُ مبسوطًا بأنواعِ المفارش. ومن وقتِ خروجِ محمد بن عبدِ اللَّه بن حسن لَزِمَ مالكٌ بيتَه، فلم يكنْ يأتي أحدًا، لا لِعَزاء ولا لهناء، حتى قيل: ولا يخرجُ لِجُمعة ولا لِجماعة، ويقول: ما كلُّ ما يُعلم يُقال، وليس كل أحدٍ يقدِرُ على الاعتذار. ولمّا احتُضر قال: أشهدُ شهادةَ أنْ لا إله إلا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّه. ثم جعل يقول: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. ثم قُبض في ليلةِ أربعَ عشرة من صفر، وقيل: من ربيع الأول من هذه السنة، وله خمسٌ وثمانونَ سنة. قال الواقدي: بلغ تسعين سنة (٣)، ودُفن بالبَقِيع. وقد رَوَى الترمذيُّ (٤) عن سفيان بن عُيَيْنة، عن ابنِ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، روايةً "يوشك أنْ يضربَ الناسُ أكبادَ الإبل يطلُبون العِلْم، فلا يجدون أحدًا أعلمَ من عالِم المدينة" (٥). ثم قال: هذا حديث حَسن، وهو حديثُ ابنِ عُيينة، وقد رُوي عن ابنِ عُيينة أنه قال: [في هذا سُئل منْ عالِمُ المدينة؟ فقال]: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبدُ الرزاق، وابن عُيينة روايةً أنه عبدُ العزيز بن عبدِ اللَّه العُمَري [من وَلدِ عمر بن الخطاب]. وقد تَرجَمَهُ ابنُ خَلِّكان في الوَفَيات فأطنَبَ وأتَى بفوائدَ جَمَّة (٦). ثم دخلت سنة ثمانين ومئة فيها هاجَتِ الفتنةُ بالشام بين النِّزَاريَّة واليمَنِيَّة، فانزَعَج الرشيدُ لذلك، فندب جعفر البَرْمَكيَّ إلى الشام، في جماعةٍ من الأمراءِ والجنود، فدخل الشام، فانقادَ الناسُ له، ولم يدَعْ جعفرٌ بالشام فرسًا ولا

стр. 4955

سيفًا ولا رمحًا إلا استلبَهُ من الناس، وأطفأ اللَّه به نارَ تلك الفتنة. وفي ذلك يقول بعضُ الشعراء (١): لقد أُوقِدَت بالشامِ نيرانٌ فِتْنةٍ … فهذا أوانُ الشام تُخْمَدُ نارُها إذا جاشَ مَوْجُ البحرِ من آلِ بَرْمَكٍ … عليها خَبَتْ شُهبانُها وشَرارُهَا رماها أميرُ المؤمنين بجعفرٍ … وفيه تَلاقَى صَدْعُها وانكسارُها رماها بميمون النَّقِيبَةِ ماجدٍ … تَرَاضَى به قحطانُها ونِزازُها ثم كرَّ جعفرٌ راجعًا إلى بغداد بعدَما استخلف على الشام عيسى العَكِّيّ. ولما قَدِمَ على الرشيد أكرمَهُ وقرَّبه وأدناه، وشرع جعفر يذكر كثرةَ وحشتِه له في الشام ويَحمدُ اللَّه الذي من عليه برجوعه إلى أمير المؤمنينَ ورؤيته وجهَه. وفيها ولَّى الرشيدُ جعفرًا خراسانَ وسِجِسْتان، فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن قَحْطَبة، ثم عزلَ جعفرًا عن خُراسان بعدَ عشرينَ ليلةً. وفيها هَدَم الرشيدُ سُورَ الْمَوْصِل بسببِ كثرةِ الخوارج، وجعل الرشيدُ جعفرًا على الحرس، ونزل الرشيدُ الرَّقَةَ واستوطنها، واستنابَ على بغدادَ ابنَهُ الأمينَ محمدًا، وولَّاهُ العراقَيْن، وعزل هَرْثَمَةَ عن إفْرِيقِيَة، واستدعاهُ إلى بغداد، فاستنابَهُ جعفرٌ على الحرس. وفيها كانتْ بمصرَ زَلْزلةٌ شديدة، سقط منها رأسُ منارةِ الإسكندريَّة. وفيها خرج بالجزيرة خُرَاشةُ الشيباني، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العُقَيلي. وفيها ظهرت طائفةٌ بِجُرْجان يقالُ لها المُحَمِّرة، لَبسوا الحُمْرة، واتبعوا رجلًا يُقالُ له عمر بن محد العمركي، وكان يُنسب إلى الزَّنْدَقة، فبعث الرشيدُ يأمرُ بقتلِه، فقتل؛ وأطفأ اللَّه نارَهم في ذلك الوقت. وفيها غزا الصائفة زُفَرُ بنُ عاصم، وحجَّ بالناس موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدِ اللَّه بن عباس. وفيها كانت وفاةُ جماعةٍ من الأعيان: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثِير الأنصاري (٢): قارئُ أهلِ المدينة، ومؤدِّبُ علي بن المهدي

стр. 4956

ببغداد. وقد مات علي بن المهدي في هذه السنة أيضًا، وقد ولي إمارةَ الحج غيرَ مرَّة، وكان أسنَّ من الرشيد بشهور. حسَّان بن سِنَان (١) بن أبي أوفى بن عَوْف التَّنُوخي الأنباري: وُلد سنةَ ستين، ورأى أنسَ بن مالك، ودَعَا له، فجاء منْ نسلِهِ قُضاة ووزراء وصُلحاء، وأدرك الدولَتيْن الأمويَّة والعبَّاسيَّة، وكان نصرانيًّا، فأسلمَ وحَسُنَ إسلامُه؛ وكان يكتُب بالعربية والفارسية والسُّرْيانيَّة، وكان يُعَرِّبُ الكتبَ بين يدَيْ رَبيعةَ لَمَّا ولَّاه السَّفاحُ الأنبار. وفيها تُوفِّي: عبدُ الوارث بن سعيد التَّنُّوري (٢): أحدُ الثقات. وعافية بن يزيد (٣) بن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي، هو وابن علاثة، وكانا يحكمانِ بجامعِ الرُّصَافة. وكان عافيةُ عابدًا زاهدًا وَرعًا. دخل يومًا على المهدي في وقتِ الظَّهِيرة فقال: يا أميرَ المؤمنين، أعفِني. فقال له المهدي: ولِمَ أعفيك؟ هل اعترَضَ عليك أحدٌ من الأمراء؟ فقال له: لا، ولكنْ كان بينَ اثنينِ خُصومةٌ عندي، فعَمَد أحدُهما إلى رُطَبِ السُّكَّر، وكأنَّه سمع أنِّي أُحبُّه، فأهدَى إليَّ منه طبقًا لا يصلُحُ إلَّا لأميرِ المؤمنين، فردَدْتُهُ عليه، فلما أصبحنا وجلَسْنا إلى الحُكومة لم يستويا عِنْدِي في قلبي، ولا نَظَري، بل مالَ قلبي إلى المُهْدي منهما هذا، مع أني لم أقْبَلْ منه ما أهداه، فكيف لو قَبِلْتُ منه؟ فأعفِني عفا اللَّه عنك. فأعفاه. وقال الأصمعي: كنتُ عند الرشيد يومًا، وعنده عافيةُ وقد أحضرَه؛ لأنَّ قومًا استعدَوْا عليه إلى الرشيد، فجعل الرشيدُ يُوقِفُه على ما قيل عنه، وهو يُجيب عمّا يسألُه؛ وطال المجلِس، فعَطَس الخليفةُ

стр. 4957

فشَمَّتَهُ الناس ولم يُشَمِّتْهُ عافية، فقال له الرشيد: لِمَ لم تشمِّتْني مع الناس؟ فقال: لأنّك لم تحمَدِ اللَّه. واحتجَّ بالحديثِ في ذلك، فقال له الرشيد: ارجِعْ لعَملك، فواللَّه ما كنتَ لِتفعَل ما قيلَ عنك وأنتَ لم تسامِحْني في عَطْسَةٍ لم أحمدِ اللَّه فيها. ثم ردَّهُ ردًّا جميلًا إلى ولايته. فيها توفي: سِيبَوَيْه (١): إمامُ النُّحَاة، واسمه عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بشر، المعروف بسيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، وقيل: آل مولى الربيع بن زياد. وإنما سُمِّي لأنَّ أمَّه كانتْ تُرَقِّصُهُ وتقولُ له ذلك، ومعنى سيبويه: رائحةُ التفَّاح. وقد كان في ابتداءَ أمرِهِ يصحَبُ أهلَ الحديثِ والفقهاء، وكان يستملي على حَمّاد بن سَلَمة، فَلحَنَ يومًا، فرَدَّ عليه قولَه، فأنِفَ من ذلك، فلَزِمَ الخليلَ بنَ أحمد، فبَرَع في النحو، ودخل بغدادَ وناظر الكِسَائي. وكان سيبويه شابًّا حسنًا جميلًا نظيفًا، وقد تعلَّق من كلِّ علمٍ بسبَب، وضرَبَ مع كلِّ أهلِ أدَبٍ بسَهْم، مع حداثةِ سِنه؛ وقد صَنَفَ في النحو كتابًا لا يُلْحَقُ شأوُه، وشرَحَهُ أئمةُ النحاةِ بعدَهُ فانغمروا في لُجَجِ بَحْرِه، واستخرجوا من دُرَره، ولم يبلغوا إلى قعره. وقد زعَمَ ثعلبٌ أنه لم ينفردْ بتصنيفِه، بل ساعده جماعةٌ في تصنيفهِ نحوًا من أربعينَ نفسًا، هو أحدُهم؛ وهو أُصولُ الخليل، فادَّعاهُ سيبويه إلى نفسِه. وقد استبعد ذلك السّيرا في في كتابِ "طبقاتِ النحاة". قال: وقد أخذ سيبويهِ اللغاتِ عن أبي الخطَّاب، والأخْفَش وغيرِهما، وكان سيبويه يقول: سعيد بن أبي العَرُوبة، والعَرُوبة يومُ الجمعة، وكان يقول: من قال عروبة فقد أخطأ. فذكر ذلك ليونس فقال: أصابَ للَّهِ درُّه. وقد ارتحلَ إلى خُراسان ليحظَى عند طلحة بن طاهر، فإنه كان يُحبُّ النَحْوَ فمرض هناك مرضه الذي تُوفي فيه، فتَمثَّلَ عندَ الموت: يؤمِّلُ دنيا لِتبْقَى لَهُ … فمات المؤمِّلُ قبلَ الأمَلْ حَثيثًا يُرَوِّي أُصولَ الفسيلِ … فعاشَ الفَسيلُ ومات الرَّجُلْ (٢) ويُقال إنه لمَّا احتُضر وضع رأسَهُ في حِجْرِ أخيه، فدمعت عينُ أخيه، فاستفاق، فرآه يبكي، فقال:

стр. 4958

وكنَّا جميعًا فَرَّقَ الدَّهْرُ بيننا … إلى الأمَدِ الأقصَى فمنْ يأمنُ الدَّهْرا قال الخطيب البغدادي (١): يُقال إنه توفي وعمرُهُ ثنتانِ وثلاثونَ سنةً. وفيها تُوفِّيتْ: عُفَيْرةُ العابدة (٢): كانتْ طويلةَ الحُزن، كثيرةَ البُكاء، قَدِمَ قريبٌ لها من سفر، فجعلَتْ تبكي، فقيل لها: ليس هذا وقت بكاء. فقال: لقد ذكَّرَني قُدومُ هذا الفتى يومَ القُدومِ على اللَّه، فمَسْرورٌ ومَثْبُور. وفيها مات: مسلم بنُ خالد الزَّنْجي (٣): شيخ الشافعي، كان من أهلِ مكة، ولقد تكلَّموا فيه لسوءَ حفظِه. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئة فيها غزا الرشيدُ بلادَ الرُّوم، فافتتح حِصنًا يُقال له الصَّفْصاف، فقال في ذلك مروانُ بنُ أبي حَفْصَة: إنَّ أميرَ المؤمنينَ الْمُنْصِفَا … قد تركَ الصَّفْصَافَ قاعًا صَفْصَفا وفيها غزا عبدُ الملك بن صالح بلادَ الرُّوم أنْقَرَة، وافتتح مَطْمُورَة (٤). وفيها تغلَّبَتِ الْمُحَمِّرَة على جُرْجَان. وفيهما أمَرَ الرشيدُ أنْ يُكتبَ في صدورِ الرسائل الصلاةُ على رسولِ اللَّه ﷺ بعد الثناءَ على اللَّه . وفيها حجَّ بالناسِ الرشيد، وتعجَّل بالنَّفْر. وسأله يحيى بنُ خالد أنْ يُعْفِيَه من الولاية، فأعفاه. وأقام يحيى بمكة.

стр. 4959

وفيها توفي: الحسنُ بن قَحْطَبَة (١): أحَدُ أكابر الأمراء العباسيَّة. وحمزة بن مالك، وَليَ إمْرَةَ خراسان في أيام الرشيد. وخلف بن خليفة، شيخُ الحسن بن عرَفَة، عن مئةِ سنة. وعبد اللَّه بن المبارك (٢) أبو عبد الرحمن المَرْوزيّ، كان أبوهُ تركيًّا، مَوْلًى لرجل من التجّار، من بني حَنْظَلَة من أهلِ هَمَذان، وكان ابنُ المبارك إذا قَدِمَهَا أحسنَ إلى ولَدِ مولاهم. وكانتْ أمُّه خُوَارِزْميَّة. وُلد لثمان عشرةَ ومئة. وسمع إسماعيلَ بن أبي خالد. والأعمش، وهشام بن عروة، وحُميد الطويل، وغيرَهم من أئمَّةِ التابعين. وحدَّث عنه خلائقُ من الناس، وكان موصوفًا بالحفظ، والفقه، والعربية، والزُّهْد، والكرم والشجاعة، والشعر. له التصانيفُ الحِسَان، والشعرُ الحسَن، المتضمِّنُ حِكَمًا جَمَّة. وكان كثيرَ الغزوِ والحجّ، وكان له رأسُ مالٍ نحو أربعمئة ألف، يدور يتَّجرُ به في البلدان فحيثُ اجتمع بعالمٍ أحسَنَ إليه. وكان يَرْبو كَسْبُه في كلِّ سنةٍ على مئةِ ألف، يُنفقُها كلَّها في أهلِ العبادةِ والزهدِ والعِلْم. وربما أنفقَ من رأسِ مالِه. قال سفيانُ بن عُيينة: نظَرْتُ في أمرِهِ وأمرِ الصحابة، فما رأيتُهم يَفْضُلون عليه إلَّا في صُحْبَتِهم رسولَ اللَّه ﷺ . وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجهِ الأرض مثلُه، وما أعلمُ خَصْلَةً من الخَير إلَّا وقد جعلَها اللَّه في ابن المبارك؛ ولقد حدثني أصحابي أنَّهم صحبُوهُ من مصرَ إلى مكة، فكان يُطعِمُهم الخَبيصَ وهو الدهرَ صائم. وقدِمَ مرَّةً الرَّقَة وبها هارونُ الرشيد، فلما دخلها احتفَلَ الناسُ به، وازدحم الناسُ حَولهُ، فأشرفَت أمُّ ولَدٍ طرشيد من قصرٍ هناك، فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قَدِمَ رجلٌ من علماءَ خُراسان،

стр. 4960

يقال له عبد اللَّه بن المبارك، فانجفَلَ الناسُ إليه. فقالت المرأة: هذا هو المُلك، لا مُلْكُ هارونَ الرشيد الذي يجمعُ النَّاسَ عليه بالسَّوْطِ والعصا، والرَّغْبة والرَّهْبة. وخرج مرَّةً إلى الحجّ، فاجتاز ببعضِ البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمَرَ بإلقائِهِ على مَزْبلةٍ هناك، وسارَ أصحابُه أمامَه، وتخلَّفَ هو وراءهم، فلما مرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خرجَتْ من دارٍ قريبةٍ منها، فأخذَتْ ذلك الطائرَ الميت، ثم لفَّتْه، ثم أسرَعَتْ به إلى الدَّار، فجاء فسألَها عن أمرِها، وأخْذِها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيءٌ إلَّا هذا الإزار، وليس لنا قُوتٌ إلَّا ما يُلْقى على هذه المزبلة، وقد حلَّتْ لنا الميتةُ منذُ أيَّام، وكان أبونا له مالٌ، فظُلمَ وأُخذ مالُه وقُتل. فأمَرَ ابنُ المبارَكِ بِرَدِّ الأحمال، وقال لِوَكيلِه: كم معك من النفَقَة؟ قال: ألفُ دينار. فقال: عُدَّ منها عشرينَ دينارًا تَكْفينا إلى مَرْو، وأعْطِها الباقي، فهذا أفضلُ من حَجِّنا في هذا العام. ثم رجع. وكان إذا عزم على الحج يقولُ لأصحابه: منْ عزَمَ منكم في هذا العام على الحجِّ فَلْيأتني بنفقتِهِ حتى أكونَ أنا أُنفقُ عليه. فكان يأخذُ منهم نفقاتِهم، ويكتُبُ على كلِّ صُرَّةٍ اسمَ صاحبِها، ويجمَعها في صندوق، ثم يخرجُ بهم في أوسَعِ ما يكونُ من النفقاتِ والرُّكوب، وحُسن الخُلق والتيسير عليهم؛ فإذا قضَوْا حجَّتَهم فيقول لهم: هل أوصاكم أهلوكُم بِهَديَّة؟ فيشتري لكلِّ واحدٍ منهم ما وصَّاه أهلُه من الهدايا المكيَّة واليمنيَّة وغيرها، فإذا جاؤوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادِهم بعث من أثناءَ الطريقِ إلى بيوتهم، فأُصلحت وبُيِّضَتْ أبوابُها، ورُمِّمَ شعثُها، فإذا وصلوا إلى البلد عَمِلَ وليمةً بعدَ قدومِهم، ودعاهم فأكلوا، وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق، ففتحَهُ وأخرجَ منه تلك الصُّرَر، ثم يُقسمُ عليهم أنْ يأخذَ كلُّ واحدٍ نفقتَه التي عليها اسمُه، فيأخذونها وينصرفونَ إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناءِ الجميل. وكانت سُفْرَتُهُ تُحملُ على بعيرٍ وحدَها، وفيها من أنواعِ المأكول من اللَّحمِ والدجاج والحَلْوى وغيرِ ذلك؛ ثم يُطعِمُ النَّاسَ وهو الدهرَ صائمٌ فيِ الحَرِّ الشديد. وسألَهُ مرَّةً سائلٌ فأعطاه درهمًا، فقال له بعضُ أصحابه: إنَّ هؤلاء يأكلون الشِّوَاءَ والفالوذجَ، وقد كان يكفيهِ قطعة. فقال: واللَّه ما ظنَنْتُ أنه يأكلُ إلا البَقْلَ والخبز، فأمَّا إذا كان يأكلُ الفالوذَجَ والشواء فإنَّهُ لا يكفيهِ دِرْهم. ثم أمَرَ بعضَ غلمانِهِ فقال: رُدَّهُ وادفَعْ إليهِ عشرةَ دراهم. وفضائله ومناقبه ومآثرةُ كثيرةٌ جدًّا. قال أبو عمر بنُ عبدِ البَرّ: أجمع العلماءُ على قَبُولِهِ، وجلالتِه وإمامَتِه وعَدْلِه. توفي عبد اللَّه بن المبارك بِهِيت (١) في هذه السنة، في رمضانِها، عن ثلاثٍ وستِّين سنة.

стр. 4961

ومُفَضَّل بن فَضَالَة (١): وَليَ قضاءَ مصر مرتَيْن، وكان دَيِّنًا ثقةً، فسألَ اللَّه أنْ يُذهِبَ عنه الأمَل، فأذهبَهُ، فكان بعدَ ذلك لا يُهنئُهُ العيش، ولا شيءٌ من الدنيا؛ فسأل اللَّه أنْ يردَّهُ عليه فرَدَّه، فرَجَعَ إلى حالِه. ويعقوب التائب: العابدُ الكوفي. قال علي بن الموفق عن منصور بن عمَّار: خرجتُ ذاتَ ليلةٍ وأنا أظن أني قد أصبحت، فإذا عليَّ ليل، فجلستُ إلى بابٍ صغير، وإذا شابٌّ يبكي وهو يقول: وعِزَّتِكَ وجلالِك، ما أردتُ بِمَعصيتِكَ مخالفتَك، ولكنْ سَوَّلَتْ لي نفسي، وغلبَتْني شِقْوَتي، وغرَّني سِتْرُك المُرْخَى علي فالآن من عذابك مَنْ يستنقذُني؟ وبحبل منْ أتَّصِلُ إنْ أنْت قطعتَ حبلَكَ عني؟ واسَوْأتاهُ على ما مضَى من أيامي في معصيةِ ربي، يا وَيْلي! كم أتوبُ؟! وكم أعود؟! قد حان لي أنْ أستحيَ من ربِّي . قال منصور: فقلتُ أعوذُ باللَّه من الشيطان الرجيم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال: فسمعتُ صوتًا واضطرابًا شديدًا، فذهبتُ لِحاجتي، فلما رجعتُ مررتُ بذلك الباب، فإذا جنازةٌ موضوعة، فسألتُ عنه، فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومئة فيها أخذ الرشيدُ لولدِهِ عبدِ اللَّه المأمون ولايةَ العَهْدِ من بعدِ أخيه محمد الأمين بن زُبيدة، وذلك بالرَّقَّة، بعد مَرْجِعِهِ من الحجّ، وضمَّ ابنَهُ المأمونَ إلى جعفر بن يحيى البَرْمكي، وبعثَهُ إلى بغداد، ومعه جماعة من أهلِ الرَّشيد، خدمةً له، وولَّاهُ خراسانَ وما يتَّصلُ بها، وسماه المأمون. وفيها رجع يحيى بنُ خالد البرمكي من مُجاورَتِهِ بمكةَ إلى بغداد. وفيها غزا الصائفةَ عبدُ الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ مدينةَ أصحاب الكهف. وفيها سَمَلتِ الرومُ عَيْني ملكِهم قُسْطَنْطين بن أليون، وملَّكوا عليهم أمَّه رينى، وتُلقَّبُ أعطشة (٢). وحجَّ بالناس موسى بن عيسى بن العباس.

стр. 4962

وفيها تُوفي من الأعيان: إسماعيل بن عياش الحمصي (١): أحد المشاهير من أئمة الشاميِّين، وفيه كلام. ومروان بن أبي حَفْصَة (٢): الشاعر المشهور المشكور، كان يمدحُ الخلفاءَ والبرامكةَ ومعنَ بن زائدة (٣) وكان يحصلُ له من الأموال شيءٌ كثيرٌ جدًّا، وكان مع ذلك من أبْخَلِ الناس، لا يكادُ يأكلُ اللحمَ من بُخلِه، ولا يُشعلُ في بيتهِ سراجًا، ولا يلبسُ من الثياب إلا الكِرْباس (٤) والفَرْوَ الغليظ. وكان رفيقَهُ سَلْمٌ الخاسِر، إذا ركب إلى دارِ الخلافة يأتي على بِرْذَوْن، وعليه حُلَّةٌ تُساوي ألفَ دينار، والطيبُ ينفحُ من ثيابه، ويأتي هو في شَرِّحِيبَة (٥) وأسوئِها. وخرج يومًا إلى المهدي، فقالتِ امرأةٌ من أهلِه: إنْ أطلق لك الخليفةُ شيئًا فاجعلْ لي منه شيئًا. فقال إنْ أعطاني مئةَ ألفِ درهم فلكِ درهم. فأعطاهُ ستين ألفًا، فأعطاها أربعةَ دَوَانيق. تُوفي يغداد في هذه السنة ودُفن في مقبرة نصرِ بن مالك. والقاضي أبو يوسُف (٦): واسمه يعقوبُ بن إبراهيم بن حَبيب بن سَعْد بن حَبْتَة (٧) -وهي أمُّه- وأبوه بُجَير بن معاوية، وسعدٌ هذا صحابي، استُصغر يومَ أُحد. وأبو يوسف كان أكبرَ أصْحابِ أبي حنيفة، ﵀. روى الحديث عن الأعمش، وهشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وغيرِهم، وعنه محمدُ بن الحسن، وأحمدُ بن حنبل، ويحيى بن مَعين،

стр. 4963

قال علي بن الجعد: سمعتُه يقول: تُوفي أبي وأنا صغير، فأسلمَتْني أُمِّي إلى قصَّار، فكنتُ أمرُّ على حَلْقَةِ أبي حنيفةَ فأجلسُ فيها، فكانتْ أُمِّي تتبَعُني فتأخذُ بيدي من الحَلْقَة وتذهبُ بي إلى القصَّار؛ ثم كنتُ أخالفُها في ذلك، وأذهبُ إلى أبي حنيفة، فلما طالَ ذلك عليها قالتْ لأبي حنيفة: إنَّ هذا صبيٌّ يتيم، ليس له شيءٌ إلَّا ما اطعِمُهُ من مِغْزَلي، وإنك قد أفسدتَهُ عليّ. فقال لها: اسكُتي يا رَعْناء، ها هو ذا يتعلَّمُ العِلْم، وسيأكلُ الفالوذَجَ بِدُهْنِ الفُسْتُق، في صحونِ الفَيْروزَج. فقالتْ له: إنَّكَ شيخٌ قد خَرِفت. قال أبو يوسف: فلمَّا وُلِّيتُ القضاء -وكان أولُ من ولَّاه القضاءَ الهادي، وهو أولُ منْ لُقِّب قاضي القضاة، وكان يُقال له قاضي قضاة الدنيا، لأنه كان يَسْتَنيبُ في سائرِ الأقاليمِ التي يحكم فيها الخليفة، قال أبو يوسف-: فبينا أنا ذاتَ يومٍ عندَ الرشيد إذْ أُتي بفالوذَجٍ في صحنِ فيروزَج، فقال لي: كُلْ من هذا، فإنَّه لا يُصنعُ لنا في كلِّ وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذَج. قال: فتبسَّمت، فقال: ما لَكَ تتبسَّم؟ فقلت: لا شيء، أبقى اللَّه أميرَ المؤمنين. فقال: لَتُخْبرَنِّي. فقصصتُ عليه القصَّة. فقال: إنَّ العلمَ ينفعُ ويَرْفَعُ في الدنيا والآخرة. ثم قال: رَحِمَ اللَّه أبا حنيفة، فلقد كان ينظرُ بعينِ عقله ما لا ينظر بعينِ رأسِه. وكان أبو حنيفة يقولُ عن أبي يوسف: إنه أعلمُ أصحابِه. وقال الْمُزَني: كان أبو يوسف أتبعَهُمْ للحديث. وقال ابنُ الْمَديني: كان صدوقًا. وقال ابنُ معين: كان ثقةً. وقال أبو زرعة: كان سليمًا من التَّجَهُّم. وقال بشار الخفَّاف: سمعتُ أبا يوسف يقول: منْ قال: القرآنُ مخلوق، فحرامٌ كلامُه، وفَرْضٌ مُبَايَنتُه، ولا يجوزُ السلامُ ولا رَدُّه عليه. ومن كلامِه الذي ينبغي كتابتُهُ بماءِ الذهب قولُه: مَنْ طلَب المالَ بالكيمياء أفلس، ومن تتبَّعَ غرائبَ الحديث كذَب، ومن طلب العلمَ بالكلام تَزَنْدَق. ولما تناظر هو ومالكٌ بالمدينة بحضرةِ الرشيد في مسألةِ الصاع وزكاة الخضراوات احتجَّ مالكٌ بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولةِ عن آبائهم وأسلافِهم، وبأنَّهُ لم تكنِ الخضراوات يُخرجُ فيها شيءٌ في زمن الخلفاء الراشدين. فقال أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيتُ لَرَجعَ كما رجعتُ. وهذا إنصافٌ منه. وقد كان يحضُرُ في مجلسِ حُكمِه العلماءُ على طَبقاتِهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابًّا، وكان يحضُرُ مجلسَهُ في أثناء الناس، فيتناظرونَ ويتباحثون، وهو مع ذلك يَحكُمُ ويُصنِّفُ أيضًا. وقال وُلِّيتُ فذا الحُكم، وأرجو اللَّه أنْ لا يسألني عن جَوْرٍ ولا مَيْل إلى أحد، إلَّا يومًا واحدًا جاءني رجل، فذكر أنَّ له بستانًا، وأنه في يدِ أميرِ المؤمنين، فدخلتُ إلى أميرِ المؤمنين فأعلمتُه، فقال: البستانُ لي، اشتراهُ لي

стр. 4964

المهدي. فقلت: إنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ يُحضِرَهُ لأسمعَ دعواه. فأحضرَه، فادَّعى بالبستان، فقلت: ما تقولُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: هو بستاني. فقلتُ للرجل: قد سمعتَ ما أجاب. فقال الرجل: يَحلف. فقلتُ: أتحلفُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: لا. فقلتُ: سأعرضُ عليك اليمينَ ثلاثًا، فإنْ حلفتَ وإلَّا حكمتُ عليك يا أميرَ المؤمنين؛ فعرضتُها عليه ثلاثًا، فامتنع، فحكمتُ بالبستانِ للمُدَّعي. قال: فكنتُ في أثناء الخُصومةِ أوَدُّ أنْ ينفصل. ولم يُمكني أنْ أُجلسَ الرجلَ مع الخليفة. وبعث القاضي أبو يُوسف في تسليم البستانِ إلى الرجل. وروَى المُعافَى بنُ زكريَّا الجَريري، عن محمد بن أبي الأزْهَر، عن حماد بن أبي إسحاق الْمَوْصلي، عن أبيه، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، قال: بينا أنا ذاتَ ليلةٍ قد نمتُ في الفراش، إذا رسولُ الخليفةِ يطرُقُ الباب، فخرجتُ مُنْزعجًا، فقال: أميرُ المؤمنين يدعوك. فذهبتُ، فإذا هو جالسٌ ومعهُ عيسى بنُ جعفر، فقال لي الرشيد: إنَّ هذا قد طلَبتُ منه جاريةً يَهَبُنِيها، فلم يفعلْ، أو يبيعُنيها، فلم يفعل وإنِّي أُشهدك إنْ لم يُجبني إلى ذلك قتلتُه. فقلتُ لعيسى: لمَ لم تفعلْ؟ فقال: إني حالفٌ بالطلاقِ والعَتَاق، وصدَقَةِ مالي كلِّه أنْ لا أبيعَها، ولا أهبَها. فقال لي الرشيد: فهل له من مُخلِّص؟ فقلت: نعم. يَبيعُكَ نصفَها، ويَهبُكَ نصفَها. فوهَبَه النِّصفَ وباعَهُ النصفَ بمئةِ ألف دينار. فقبل منه ذلك، وأُحضرتِ الجارية، فلما رآها الرشيدُ قال: هل لي من سبيل عليها الليلة؟ قلت: إنَّها مملوكة، ولا بدَّ من استبرائها، إلَّا أنْ تُعتِقَها وتتزوَّجَها، فإنَّ الحرَّةَ لا تُستبرَأ. قال: فأعتَقَها وتزوَّجها منه بعشرينَ ألفَ دينار، وأمَرَ لي بمئتي ألفِ درهم، وعشرين تختًا من ثياب (١)، وأرسلتُ إلى الجاريةِ بعشرةِ آلافِ دينار. قال يحيى بن مَعين: كنتُ عند أبي يوسف، فجاءتهُ هديَّةٌ من ثيابٍ دَبِيقِيّ (٢)، وطيبٍ وتماثيل نِدٍّ، وغيرِ ذلك، فذاكَرَني رجلٌ في إسنادِ حديث "منْ أُهديَتْ له هديَّةٌ وعندَهُ قومٌ جُلوس فهمْ شركاؤه" (٣). فقال أبو يوسف: إنما ذاك في الأقِطِ والتَّمْرِ والزَّبيب، ولم تكنِ الهدايا في ذلك الوقت ما ترَوْن؛ يا غلام، ارفَعْ هذا إلى الخزائن. ولم يُعطهمْ منها شيئًا (٤). وقال بشر بن غياث الْمَرِّيسي: سمعتُ أبا يوسف يقول: صحبتُ أبا حنيفةَ سبعَ عشرةَ سنة، ثم انصبَّتْ عليَّ الدنيا سبعَ عشرةَ سنة، وما أظنُّ أجَلي إلَّا قَدِ اقترب. فما مكثَ بعدَ ذلك إلَّا شهورًا حتى

стр. 4965

مات. وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة، عن سبع وستين سنة، ومكث في القضاء ستَّ عشرةَ سنة، وُلِّي القضاءَ من بعدِهِ ولَدُهُ يوسف؛ وقد كان نائبَهُ على الجانبِ الشرقيِّ من بغداد؛ ومن زعمَ من الرواة أنَّ الشافعيَّ اجتمع بأبي يوسف كما يقولُهُ عبدُ اللَّه بن محمد البَلَوي الكذَّاب في الرِّحْلة التي ساقها الشافعي فقد أخطأ في ذلك؛ إنما وَرَدَ الشافعيُّ بغدادَ في أولِ قدمةٍ قَدِمها إليها في سنة أربع وثمانين، وإنما اجتمع الشافعيُّ بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحَسَن إليه وأقبل عليه، ولم يكنْ بينهما شَنَآن كما يذكُرُهُ بعضُ منْ لا خِبْرَةَ له في هذا الشأن. واللَّه أعلم. وفيها توفي: يعقوب بن داود بن طَهْمان (١) أبو عبد اللَّه مولى عبد اللَّه بن حازم السُّلَمي، استوزَرَهُ المهدي، وحَظيَ عندَه جدًّا وسلَّم إليه أزِمَّةَ الأمور، ثم لما أمر بقتلِ ذلك العلويِّ كما تقدَّم (٢)، فأطَلَقه، ونَمَّتْ عليه تلك الجارية، وتحقَّقَ أنه لم يفعلْ سجَنهُ المهديُّ في بئر، وبُنيتْ عليه قُبَّة، ونبتَ شعرُه حتى صار مثلَ شعورِ الأنعام، وعمِي. ويُقال: بل عَشَا بصَرُهُ، ومكَث نحوًا من خمسةَ عشرَ سنةً في ذلك البئر، لا يَرَى ضَوْءًا، ولا يسمعُ صوتًا إلَّا في أوقاتِ الصلوات، يُعلمونَهُ بذلك، ويُدلَّى إليه في كل يومٍ رغيفٌ وكُوزُ ماءٍ؛ فمكث كذلك حتى انقضَتْ أيامُ المهدي وأيامُ الهادي وصدرٌ من أيام الرشيد؛ قال يعقوب: فأتاني آتٍ في منامي فقال: عسى الكربُ الذي أمسَيْتَ فيه … يكونُ وراءَهُ فرَجٌ قَريبُ فيأمنُ خائفٌ ويُفَكُّ عانٍ … ويأتي أهلَهُ النائي الغريبُ فلما أصبحتُ نُوديتُ، فظننْتُ أني أُعلَمُ بوقتِ الصلاة، ودُلِّيَ إليَّ حبلٌ وقيل لي: ارْبِطْ هذا الحبلَ في وَسَطِك. فأخرجوني، فلما نظرْتُ إلى الضياءَ لم أُبِصرْ شئًا، وأُوقفتُ بين يدي الخليفة، فقيل لي: سلِّمْ على أميرِ المؤمنين. فظنَنْتُهُ المهدي، فسلَّمْتُ عليهِ باسمه، فقال: لستُ به. فقلت: الهادي. فقال: لستُ به. فقلت: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنينَ الرشيد. فقال نعم. ثم قال: واللَّه إنه لم يشفعْ فيكَ عندي أحدٌ ولكنِّي البارحةَ حُمِلتْ جاريةٌ لي صغيرةٌ على عُنقي، فذكرتُ حَمْلَكَ إيَّايَ على عُنقك؛ فرَحِمْتُ ما أنتَ فيه من الضيق، فأخرَجْتُك. ثم أنعم عليه وأحسَنَ إليه، فغارَ منه يحيى بن خالد بن بَرْمك، وخشِيَ أنْ يُعيدهُ إلى مَنْزِلَتِهِ التي كان عليها أيامَ المهدي، وفهمَ ذلك يعقوبُ فاستأذن الرشيدَ في

стр. 4966

الذهابِ إلى مكَّة؛ فأذن له، فكان بها حتى ماتَ في هذه السنةِ ﵀. وقال: يَخْشى يحيى أنْ أرجِعَ إلى الولايات، لا واللَّه ما كنتُ لأفعلَ أبدًا؛ ولو رُدِدتُ إلى مكاني. وفيها تُوفِّي: يزيدُ بن زُرَيع (١) أبو معاوية: شيخُ الإمام أحمدَ بنِ حنبل في الحديث. كان ثقةً، عالمًا، عابدًا، وَرِعًا. تُوفي أبوه وكان واليَ البصرة، وترك من المالِ خمسَ مئةِ درهم، فلم يأخذْ منها يزيدُ درهمًا واحدًا. وكان يعملُ الخُوصَ بيدِه، ويَقْتاتُ منه هو وعيالُه. تُوفي بالبصرة في هذه السنة، وقيل قبل ذلك، فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئة فيها خرجتِ الخَزَرُ على الناس من جهةِ إرْمِينيَة، فعاثوا في تلك البلاد فسادًا، وسبَوْا من المسلمين وأهلِ الذِّمَّة نحوًا من مئة ألف؛ وقتلوا بشَرًا كثيرًا، وانهزَمَ نائبُ إرْمِينيَةَ سعيدُ بن مسلم، فأرسل الخليفةُ هارون الرشيدُ إليهم خازِمَ بن خُزَيْمة، ويزيدَ بن مَزْيَد، في جيوشٍ كثيرةٍ كثيفة، فأصلحوا ما فسد في تلك البلاد. وحجَّ بالناسِ العباسُ بن موسى الهادي. وفيها توفي من الأعيان: عليُّ بن الفُضيل بن عياض في حياةِ أبيه؛ كان كثيرَ العبادةِ والوَرَع، والخوفِ والخَشْيَة. ومحمد بن صُبيح (٢) أبو العباس: مولى بني عِجْل المذكِّر، ويعرف بابن السَّمَّاك. روى عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، والأعمش، والثوري، وهشام بن عروة، وغيرِهم. ودخل يومًا على الرشيد فقال: إنَّ لك بين يدَيِ اللَّه موقفًا، فانظُرْ أين مُنْصَرَفُكَ؟ إلى الجنةِ أمِ النَّارِ؟ فبكى الرشيدُ حتى كاد يموتُ. وموسى بن جعفر (٣) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي، ويُقال

стр. 4967

له الكاظم. وُلد سنة ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئة؛ وكان كثيرَ العبادةِ والمروءة، إذا بلغَهُ عن أحدٍ أنه يؤذيه أرسل إليه بالذَّهَبِ والتُّحَف. وُلد له من الذكورِ والإناث أربعونَ نَسَمة. وأهدَى له مرة عبدٌ عصِيدَةً، فاشتراهُ واشترى المزرعةَ التي هو فيها بألفِ دينار، وأعتَقَهُ وَوَهب المزرعةَ له. وقد استدعاهُ المهديُّ إلى بغداد، فحَبَسه، فلما كان في بعضِ الليالي، رأى المهديُّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وهو يقولُ له: يا محمد، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، فاستيقظ مذعورًا، وأمَرَ بهِ فأُخرج من السجنِ ليلًا، فأجلَسَهُ معه وعانَقَه، وأقبل عليه، وأخذ عليه العَهْدَ أنْ لا يَخرُجَ عليه، ولا على أحدٍ من أولادِه. فقال: واللَّه ما هذا من شأني، ولا حدَّثْتُ فيه نفسي. فقال: صدقت. وأمَرَ له بثلاثةِ آلافِ دينار، وأمَرَ به فرُدَّ إلى المدينة، فما أصبح الصباحُ إلَّا وهو على الطريق، فلم يزَلْ بالمدينةِ حتى كانتْ خلافةُ الرشيد، فحجَّ، فلما دخَلَ لِيُسلِّمَ على قبرِ النبيِّ ﷺ ، ومعه موسى بن جعفر الكاظِم، فقال الرشيدُ: السلامُ عليكَ يا رسولَ اللَّه، يا بنَ عمّ. فقال موسى: السلامُ عليك يا أبتِ. فقال الرشيد: هذا هو الفخرُ يا أبا الحسن! ثم لم يزَلْ في نفسِه حتى استدعاهُ في سنةِ تسعٍ وستين، وسجَنَهُ فأطالَ سجنَه؛ فكتب إليه موسى رسالةً يقولُ فيها: أمَّا بعد، يا أمير المؤمنين، إنه لم ينقَضِ عنِّي يومٌ من البلاء إلَّا انقضَى عنك يومٌ من الرَّخاء، حتى يُفضي بنا ذلك إلى يومٍ يَخْسَرُ فيهِ الْمُبْطلون. توفي لخمسٍ بقينَ من رجب من هذه السنةِ ببغداد، وقبرُه هناك مشهور. وفيها توفي: هُشيم بن بَشير أبي خازم (١) بن القاسم بن دينار، أبو معاوية السُّلَمي الواسطي، كان أبوهُ طَبَّاخًا للحجَّاج بن يوسف الثقفي ثم كان بعدَ ذلك يَبيعُ الصِّحْناةَ والكوامِخ (٢). وكان يَمْنعُ ابنَهُ منْ طلَبِ العلم

стр. 4968

لِيُسَاعِدَهُ على شُغْلِه (١)، فأبى إلَّا أنْ يسمعَ الحديث، فاتفق أنَّ هُشيمًا مَرِض، فجاءه أبو شيبةَ فاضي واسط عائدًا له، ومعه خَلْقٌ من الناس، فلما رآه بَشِير فرح بذلك وقال: يا بُني أبَلَغَ من أمرِك أنْ جاء القاضي إلى مَنْزلي؟! لا أمنَعُكَ بعدَ هذا اليومِ من طلبِ الحديث. كان هُشيم من ساداتِ العلماء، وحدَّث عنه مالك، وشعبة، والثَّوْري، وأحمد بن حنبل، وخلقٌ غيرُ هؤلاء. وكان من الصلحاء العُبَّاد؛ ومكَثَ يُصلِّي الصُّبحَ بوضوءِ العِشاء قبلَ أنْ يَموتَ بعشرِ سنين. ويحيى بن زكريا (٢) بن أبي زائدة، قاضي المدائن، كان من الأئمةِ الثقات. ويونس بن حَبيب (٣): أحد النحاةِ النجباء. أخَذَ النحوَ عن أبي عمرو بن العلاء وغيرِه، وأخذ عنه الكِسَائي والفَرَّاء. وقد كانتْ له حَلْقةٌ بالبصرةِ ينتابُها أهلُ العلمِ والأدب، والفصحاء من الحاضرين والغرباء. تُوفي في هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئة فيها رجَعَ الرشيدُ من الرقَّةِ إلى بغداد، فأخذ الناسُ بأداءِ بقايا الخراج الذي عليهم، وولَّى رجلًا يضربُ النَّاسَ على ذلك ويَحْبسُهم، وولَّى على أطرافِ البلاد، وعزَلَ وولى وقطَعَ ووَصَل. وخرج بالجزيرةِ أبو عمرو الشاري، فبعث إليه الرشيدُ من قِبَلِه شَهْرَزُور. وحجَّ بالناس فيها إبراهيمُ بن محمد العباسي. وفيها تُوفي: أحمد ابن أمير المؤمنين الرَّشِيد (٤): كان زاهدًا عابدًا قد تنسَّك، وكان لا يأكلُ إلَّا من عمَلِ يدِه في الطِّين. كان يعملُ فاعلًا فيه، وليس يَمْلِكُ إلَّا مَرًّا وزِنْبِيلًا (٥)؛ أي: مِجْرَفَة وقُفَّة. وكان يعملُ في كلِّ

стр. 4969

جمعةٍ بدِرْهمٍ ودانِق، يتَقَوَّتُ بهما من الجمعةِ إلى الجمعة، وكان لا يعملُ إلَّا في يومِ السبت فقط (١)؛ ثم يُقبلُ على العبادةِ بقيَّةَ أيامِ الجُمعة، وكان من زُبيدةَ في قولِ بعضِهم، والصحيحُ أنَّهُ من امرأةٍ كان الرشيدُ قد أحبَّها فتزوَّجها، فحملَتْ منه بهذا الغلام؛ ثم إنَّ الرشيدَ أرسلها إلى البصرة، وأعطاها خاتمًا من ياقوتٍ أحمر، وأشياءَ نفيسة، وأمرَهَا إذا أفضَتْ إليه الخلافةُ أنْ تأتيه؛ فلما صارَتِ الخلافةُ إليه لم تأتِهِ، ولا ولَدُها، بل اختفيا. وبلَغَهُ أنَّهما ماتا، ولم يكنِ الأمرُ كذلك، وفحَصَ عنهما فلم يطلِعْ لهما على خبر، فكان هذا الشَّابُّ يعملُ بيدِهِ ويأكلُ من كَدَّها، ثم رجَعَ إلى بغداد، وكان يعملُ في الطين ويأكلُ مدَّةً زمانية. هذا وهو ابنُ أميرِ المؤمنين، ولا يذكرُ للناسِ منْ هو، إلى أن اتَّفَقَ مرَضُهُ في دارِ منْ كان يستعملُه في الطِّين، فمرَّضَهُ عندَه، فلمَّا احتُضر، أخرج الخاتمَ وقال لصاحبِ المنزل: اذهَبْ بهذا إلى الرشيد، وقل له: صاحبُ هذا الخاتم يقولُ لك: إيَّاكَ أنْ تموتَ في سكرتِكَ هذهِ فتندَمَ حيثُ لا ينفَعُ نادمًا نَدَمُه، واحذَرِ انصرافَكَ منْ بين يدي اللَّه إلى الدارَيْن، وأنْ يكونَ آخرَ العَهْدِ بك، فإنَّ ما أنتَ فيه لو دامَ لغيرِك لم يَصِلْ إليك، وسيصيرُ إلى غيرِك، وقد بَلَغكَ أخبارُ مَنْ مَضَى. قال: فلمَّا ماتَ دَفَنْتُه، وطلبتُ الحضورَ عندَ الخليفة، فلمَّا أُوقفتُ بين يديه قال: ما حاجتُك؟ قلت: هذا الخاتم دفعَهُ إليَّ رجل، وأمَرني أنْ أدْفعَهُ إليك، وأوصاني بكلامٍ أقوله لك. فلمَّا نظَرَ إليه عرَفَهُ فقال: وَيْحك! وأين صاحبُ هذا الخاتم؟ قال: فقلت: مات يا أميرَ المؤمنين، وهو يقولُ لك: احذَرْ أن تموتَ في سَكْرَتِكَ هذهِ فتندَم. وذكرتُ له أنه يعملُ بالفاعل في كلِّ جمعةٍ يومًا بدرهمٍ وأربعِ دوانيق، أو بدرهمٍ ودانق، يتقوَّتُ به سائرَ الجمعة، ثم يُقبلُ على العبادة. قال: فلما سمع هذا الكلام قامَ فضرَبَ بنفسِهِ الأرض، وجعل يتمرَّغُ ويتقلَّبُ ظهرًا لِبَطني ويقول: واللَّه لقد نصَحْتَني يا بُني. ثم بكى، ثم رفع رأسَهُ إلى الرجل وقال: أتعرِفُ قبرَه؟ قلت: نعم، أنا دفنتُه. قال: إذا كان العشيُّ فأْتني، قال: فأتيتُهُ فذهَبَ إلى قبرِه، فلم يزَلْ يبكي عندَهُ حتى أصبح. ثم أمر لذلك الرجل بعشرةِ آلافِ درهم، وكتب له ولعيالِهِ رزقًا. وفيها مات: عبد اللَّه بن مُصْعَب (٢) بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير بن العوام القُرَشيُّ الأسديّ، والدُ بكَّار، ألزمه

стр. 4970

الرشيدُ بولايةِ المدينة، فقَبِلها بشروطِ عَدْلٍ اشترَطَها، فأجابه إلى ذلك؛ ثم أضاف إليه نيابةَ اليمن، فكان من أعدَلِ الولاة. وكان عمرُهُ يوم تولى نحوًا من سبعين سنة. عبد اللَّه بن عبد العزيز العمري (١): أدرك أبا طُوَالة، وروى عن أبيه، وإبراهيم بن سعد. وكان عابدًا زاهدًا؛ وعَظَ الرشيدَ يومًا فأطنَبَ وأطيَب. قال له وهو واقفٌ على الصفَا: أتنظُرُكم حولَها -يعني الكعبة- من الناس؟ فقال: كثير. فقال: كل منهم يُسألُ يومَ القيامة عن خاصَّةِ نفسِه، وأنتَ تسألُ عنهم كلِّهم. فبكى الرشيدُ بكاءً كثيرًا. وجعلوا يأتونَهُ بِمنديلٍ بعدَ منديل، ينشفُ به دموعَه. ثم قال له: يا هارون، إنَّ الرجل لَيُسْرِفُ في مالِهِ فيستَحقُّ الحَجْرَ عليه، فكيف بمَنْ يُسْرِفُ في أموالِ المسلمين كلِّهم؟ ثم تركه وانصرَف، والرشيدُ يبكي. وله معَهُ مواففُ محمودةٌ غير هذه. تُوفي عن ستٍّ وستين سنة. ومحمد بن يوسف بن مَعْدَان (٢) أبو عبد اللَّه الأصبهاني، أدرك التابعين، ثم اشتغل بالعِبَادَةِ والزَّهادَة، كان عبدُ اللَّه بن المبارك يُسَمِّيهِ عَروسَ الزُّهَّاد. وقال يحيى بنُ سعيد القَطَّان: ما رأيتُ أفضلَ منه، كان كأنَّهُ قد عايَن. وقال ابنُ مهدي: ما رأيتُ مثلَه. وكان لا يشتري خُبزهُ من خبَّازٍ واحد، ولا بَقْلهُ من بقالٍ واحد، كان لا يشتري إلَّا ممَّنْ لا يعرِفه، يقول: أخشَى أنْ يُحابوني فأكونُ ممَّن يعيشُ بدينِهِ. وكان لا يضعُ جَنبَهُ للنوم صيفًا ولا شتاءً. ومات ولم يجاوِزِ الأربعين سنة. ﵀. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومئة فيها قَتل أهلُ طَبَرِسْتان مُتوَلِّيهم مِهْرَويْه الرازي؛ فوَلَّى الرشيدُ عليهم مكانَهُ عبدَ اللَّه بنَ سعيد الحَرَشيّ. وفيها قَتَل عبدُ الرحمن الأنباري أبانَ بن قَحْطبة الخارجي بمَرْجِ القَلَعَة (٣).

стр. 4971

وفيها عاثَ حمزةُ الشاري ببلادِ باذَغِيس (١) من خُراسان. فنهض عيسى بنُ علي بن عيسى إلى عشرةِ آلافٍ من جيشٍ حمزةَ فقتلهم، وسار وراء حمزة إلى كابُل وزابُلِسْتان (٢). وفيها خرج أبو الخَصيب، فتغلَّبَ على أبيوَرْدَ، وطُوس، ونَيْسابور؛ وحاصر مَرْو؛ وقَوي أمرُه. وفيها توفي يزيد بن مَزْيَد بِبَرْذَعَة (٣) فولَّى الرشيدُ مكانهُ ابنهُ أسدَ بن يزيد. واستأذن الوزير يحيى بنُ خالد الرشيدَ في أن يعتمرَ في رمضان، فأذنَ له؛ ثم رابَطَ بجُنده إلى وقتِ الحجّ. وكان أمير الحج في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وفيها توفي: عبدُ الصَّمَد بنُ علي (٤) بنِ عبد اللَّه بنِ عباس بن عبد المطَّلبِ الهاشمي، عَمُّ السفاحِ والمنصور. وُلد سنة أربع ومئة؛ وكان ضخمَ الخَلْق جدًّا، ولم يُبَدِّلْ أسنانَه، وكانتْ أصولُها صفيحةً واحدة. قال يومًا للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذا المجلسُ اجتمع فيه عمُّ أميرِ المؤمنين، وعمُّ عَمَّه وعَمُّ عَمّ عمَّه؛ وذلك أنَّ سليمانَ بنِ أبي جعفر عمُّ الرشيد، والعباسَ بنَ محمد بن علي عمُّ سليمان، وعبدَ الصمدِ بنَ علي عَمُّ السفاح. وتلخيصُ ذلك أنَّ عبدَ الصمد عَمُّ عمِّ عمِّ الرشيد، لأنه عمُّ جدِّه. روى عبدُ الصمد عن أبيه، عن جدِّه عبدِ اللَّه بن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُطيلانِ الأعمار، ويُعْمِرَانِ الدِّيار، ويُثْريانِ الأموال. ولو كان القومُ فُجَّارًا" (٥).

стр. 4972

وبه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ البرَّ والصلةَ لَيُخَفِّفانِ الحسابَ يومَ القيامة". ثم تلا رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] (١). وغير ذلك من الأحاديث. ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس المعروف بالإمام، كان على إمارةِ الحاج، وإقامةِ سِقَايتِهِ في خلافةِ المنصور عِدَّةَ سنين. تُوفي ببغداد فصلَّى عليه الأمينُ في شوال من هذه السنة ودُفن بالعباسيَّة. وفيها توفي من مشايخِ الحديث: تمام بن إسماعيل. وعمرو بن عبيد. والمطلب بن زياد. والمُعافى بن عمران في قول. ويوسُف بن الماجِشُون. وأبو إسحاق الفَزَاري (٢)، إمامُ أهلِ الشامِ بعدَ الأوزاعي في المغازي والعلم والعبادة. ورابعَة العَدَويَّة (٣): وهي رابعةُ بنتُ إسماعيل، مولاةُ آلِ عَتيك، العَدَويَّةُ البصريَّةُ، العابدةُ

стр. 4973

المشهورة؛ ذكرَهَا أبو نُعيم في "الحلية"؛ والقشيري في "الرسالة" (١)؛ وابنُ الجَوْزي في "صِفَة الصَّفْوَة"؛ والشيخ شهاب الدِّين السَّهْرَوَردي في "المعارف". وأثنى عليها أكثرُ الناس، وتكلَّم فيها أبو داود السِّجْستاني، واتَّهمَها بالزَّندَقة، فلعلَّه بلغه عنها أمر. وأنشَدَ لها السَّهْرَوَرْديُّ في "المعارف": إني جعلتُكَ في الفؤادِ مُحدِّثي … وأبَحْتُ جِسْميَ منْ أرادَ جُلوسي فالجسمُ منِّي للجَليسِ موَّانِسٌ … وحَبيبُ قلبي في الفؤادِ أنيسي (٢) وقد ذكروا لها أحوالًا وأعمالًا صالحة، وصيامَ نهارٍ وقيامَ ليلٍ. ورُئيتْ لها مناماتٌ صالحة، فاللَّه أعلم. تُوفيتْ بالقُدْس الشريف، وقبرُها شرقيَّهُ بالطُّور. واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئة فيها خرجَ عليُّ بنُ عيسى بن ماهان من مَرْو لِحَرْبِ أبي الخَصيب إلى نَسَا؛ فقاتَلَهُ بها، وسَبَى نساءَهُ وذَرَاريَّهُ. واسقامَتْ خُراسان. وحجَّ بالناسِ فيها الرشيد، ومعه ابناهُ محمدٌ الأمين، وعبد اللَّه المأمون، فبلَغَ جملةُ ما أعطى لأهلِ الحرَمَيْن ألفَ ألفِ دينار، وخمسين ألفَ دينار، وذلك أنه كان يُعطي الناس، فيذهبونَ إلى الأمين فيُعطيهم، فيذهبون إلى المأمون فيعطيهم. وكان إلى الأمين ولايةُ الشامِ والعراق، وإلى المأمون هَمَذان إلى بلاد المشرق، ثم تابع الرشيدُ لولِدِه القاسم من بعدِ ولدَيْه، ولقَّبهُ المؤتَمن، وولَّاهُ الجزيرةَ والثُّغور والعواصم، وكان الباعث له على ذلك أنَّ ابنه القاسم هذا كان في حِجْر عبدِ الملك بن صالح، ولما بايَعَ الرشيدُ لولدَيْه الأمين والمأمون كتَبَ إليه: يا أيها الملكُ الذي … لو كان نجمًا كان سَعْدا اعقِدْ لقاسِم بيعةً … واقدَحْ له في المُلك زَنْدا فاللَّهُ فرْدٌ واحدٌ … فاجْعلْ وُلاةَ العَهْدِ فَرْدًا (٣)

стр. 4974

ففعل الرشيدُ ذلك، وقد حَمَدهُ قومٌ على ذلك وذَمَّهُ آخرون. ولم ينتظِمْ للقاسم هذا أمر، بلِ اختطفَتْهُ المَنُونُ والأقدارُ عن بلوغِ الأملِ والأوطار. ولما قَضَى الرشيدُ حجَّه أحضر منْ معه من الأمراءِ والوزراء، وأحضر وليَّ العهد محمدًا الأمين، وعبدَ اللَّه المأمون، وكتب بمضمونِ ذلك صحيفةً، وكتب فيها الأمراءُ والوزراءُ خُطوطَهم بالشهادةِ على ذلك؛ وأرادَ الرشيدُ أن يُعلِّقَها في الكعبة فسقطَتْ، فقيل: هذا أمرٌ سريعٌ انتقاضُه. وكذا وقَعَ كما سيأتي. وقال إبراهيمُ المَوْصلي في عَقدِ هذه البَيْعةِ في الكعبة: خيرُ الأمورِ مَغبَّةً … وأحقُّ أمْرٍ بالتَّمامْ أمرٌ قَضَى أحكامَهُ الرْ … رَحمنُ في البلدِ الحَرَامْ وقد أطالَ القولَ في هذا المقام أبو جعفر بن جرير، وتبعه ابنُ الجوزي في "المنتظم" (١). وفيها تُوفي من الأعيان: أصبغُ بن عبدِ العزيز بن مروان بن الحكم أبو زَيَّان (٢) في رمضان منها. وحسان بن إبراهيم قاضي كَرْمان عن مئةِ سنة. وسَلْم الخاسِر الشاعر (٣): وهو سَلْم بن عمرو بن حمَّاد بن عطاء، وإنَّما قيل له الخاسر لأنَّه باع مُصحفًا واشترى به ديوانَ شعرٍ لامرئ القيس (٤)، وقيل: لأنه أنفق مئتي ألفٍ في صناعةِ الأدب. وقد كان شاعرًا منطيقًا، له قدرةٌ على الإنشاء على حرفٍ واحد، كما قال في موسى الهادي: موسى المَطَرْ، غَيْثٌ بَكَرْ، ثم انْهَمَرْ، كمِ اعتَبَرْ، ثم فَتَرْ، وكم قَدَرْ، ثم غَفَرْ، عدْلُ السِّيَرْ، باقي الأثَرْ، خَيْرُ البَشَرْ، فَرْعُ مُضَرْ، بَدْرٌ بَدَرْ، لِمَنْ نَظَرْ، هو الوَزَرْ (٥)، لِمَنْ حَضَرْ، والمُفْتَخَرْ، لِمنْ غَبَرْ. وذكر الخطيبُ أنه كان على طريقةٍ غيرِ مَرْضيَّةٍ من المُجونِ والفِسْق، وأنه كان من تلاميذِ بشَّارِ بنِ بُرْد، وأنَّ نظمَهُ أحسنُ من نظمِ بشار. فمِمَّا غلَبَ فيه بشارًا قولُه:

стр. 4975

منْ راقَبَ النَّاسَ لم يظفَرْ بحَاجَتِهِ … وفاز بالطَّيِّباتِ الفاتِكُ اللَّهِجُ (١) فقال سَلْم: منْ راقَبَ النَّاسَ ماتَ غَمًّا … وفاز باللَّذَّةِ الجسورُ فغَضِبَ بشارٌ وقال: أخذَ مَعانيَّ فكساها ألفاظًا أخفَّ من ألفاظي. وقد حَصَلَ له من الخلفاءِ والبرامكة نحو من أربعين ألفَ دينار؛ وقيل: أكثر من ذلك؛ ولما مات ترَكَ ستةً وثلاثين ألفَ دينار وديعة عند أبي الشِّمْر الغسَّاني؛ فغنَّى إبراهيمُ المَوْصِليُّ يومًا الرَّشيد، فأطرَبَه، فقال له: سلْ. فقال: يا أميرَ المؤمنين، أسألُكَ شيئًا ليس فيه من مالِكَ شيء، ولا أرْزَؤكَ شيئًا سواه. قال: وما هو؟ فذكر له وديعةَ سَلْم الخاسِر، وأنَّهُ لم يترُكْ وارثًا. فأمر له بِها. ويقال: إنها كانت خمسين ألفَ دينار. والعباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، عمُّ أبي الرشيد، كان من ساداتِ قُريش، ولي إمارةَ الجزيرة في أيامِ الرشيد، وقد أطلَقَ له الرشيدُ في يومٍ خمسةَ آلافِ ألفِ درهم، وإليه تُنسب العبَّاسية، وبها دُفن وعُمرُه خمسٌ وستون سنة. وصلَّى عليه الأمين. ويَقْطِينُ بنُ مُوسى (٢): كان أحدَ الدُّعاة إلى دولةِ بني العباس، وكان داهيةً ذا رأي وقدِ احتالَ مرَّةً حيلةً عظيمة، لما حبس مروانُ الحمار إبراهيمَ بن محمد بِحَرَّان، فتحيَّرَتِ الشيعةُ العباسية فيمَنْ يولُّون؟ ومَنْ يكونُ وليَّ الأمرِ من بعدِه إنْ قُتل؟. فذهب يقطينُ هذا إلى مروان، فوقف بين يديه في صورةِ تاجرٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد بعتُ إبراهيم بن محمد بضاعةً ولم أقبِضْ ثمنَها منه، حتى أخَذَتْهُ رُسُلُك، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أن يجمعَ بيني وبينه لأطالبَهُ بمالي فعَل. قال: نعم. فأرسل به إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدوَّ اللَّه، إلى مَنْ أوْصَيْتَ بعدَك آخُذُ مالي منه؟ فقال له: إلى ابنِ الحارثيَّة. يعني أخاه عبدَ اللَّه السفَّاح. فرجَعَ يقطينُ إلى الدعاة إلى بني العباس، فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفَّاح، فكان من أمرِهِ ما ذكَرْناه. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئة فيها كان مَهْلِكُ البَرامكة على يدَي الرشيد، قتَلَ جعفرَ بن يحيى بن خالد البَرْمَكي، ودَمَّرَ ديارَهم، واندرستْ آثارُهم، وذهب صغارُهم وكبارُهم. وقد اختُلف في سبَبِ ذلك على أقوال، ذكرها ابنُ جرير
следующие страницы →