← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وفيها عاثَ حمزةُ الشاري ببلادِ باذَغِيس (١) من خُراسان. فنهض عيسى بنُ علي بن عيسى إلى عشرةِ آلافٍ من جيشٍ حمزةَ فقتلهم، وسار وراء حمزة إلى كابُل وزابُلِسْتان (٢). وفيها خرج أبو الخَصيب، فتغلَّبَ على أبيوَرْدَ، وطُوس، ونَيْسابور؛ وحاصر مَرْو؛ وقَوي أمرُه. وفيها توفي يزيد بن مَزْيَد بِبَرْذَعَة (٣) فولَّى الرشيدُ مكانهُ ابنهُ أسدَ بن يزيد. واستأذن الوزير يحيى بنُ خالد الرشيدَ في أن يعتمرَ في رمضان، فأذنَ له؛ ثم رابَطَ بجُنده إلى وقتِ الحجّ. وكان أمير الحج في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وفيها توفي: عبدُ الصَّمَد بنُ علي (٤) بنِ عبد اللَّه بنِ عباس بن عبد المطَّلبِ الهاشمي، عَمُّ السفاحِ والمنصور. وُلد سنة أربع ومئة؛ وكان ضخمَ الخَلْق جدًّا، ولم يُبَدِّلْ أسنانَه، وكانتْ أصولُها صفيحةً واحدة. قال يومًا للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذا المجلسُ اجتمع فيه عمُّ أميرِ المؤمنين، وعمُّ عَمَّه وعَمُّ عَمّ عمَّه؛ وذلك أنَّ سليمانَ بنِ أبي جعفر عمُّ الرشيد، والعباسَ بنَ محمد بن علي عمُّ سليمان، وعبدَ الصمدِ بنَ علي عَمُّ السفاح. وتلخيصُ ذلك أنَّ عبدَ الصمد عَمُّ عمِّ عمِّ الرشيد، لأنه عمُّ جدِّه. روى عبدُ الصمد عن أبيه، عن جدِّه عبدِ اللَّه بن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ البِرَّ والصِّلَةَ لَيُطيلانِ الأعمار، ويُعْمِرَانِ الدِّيار، ويُثْريانِ الأموال. ولو كان القومُ فُجَّارًا" (٥).

стр. 4972

وبه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ البرَّ والصلةَ لَيُخَفِّفانِ الحسابَ يومَ القيامة". ثم تلا رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] (١). وغير ذلك من الأحاديث. ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس المعروف بالإمام، كان على إمارةِ الحاج، وإقامةِ سِقَايتِهِ في خلافةِ المنصور عِدَّةَ سنين. تُوفي ببغداد فصلَّى عليه الأمينُ في شوال من هذه السنة ودُفن بالعباسيَّة. وفيها توفي من مشايخِ الحديث: تمام بن إسماعيل. وعمرو بن عبيد. والمطلب بن زياد. والمُعافى بن عمران في قول. ويوسُف بن الماجِشُون. وأبو إسحاق الفَزَاري (٢)، إمامُ أهلِ الشامِ بعدَ الأوزاعي في المغازي والعلم والعبادة. ورابعَة العَدَويَّة (٣): وهي رابعةُ بنتُ إسماعيل، مولاةُ آلِ عَتيك، العَدَويَّةُ البصريَّةُ، العابدةُ

стр. 4973

المشهورة؛ ذكرَهَا أبو نُعيم في "الحلية"؛ والقشيري في "الرسالة" (١)؛ وابنُ الجَوْزي في "صِفَة الصَّفْوَة"؛ والشيخ شهاب الدِّين السَّهْرَوَردي في "المعارف". وأثنى عليها أكثرُ الناس، وتكلَّم فيها أبو داود السِّجْستاني، واتَّهمَها بالزَّندَقة، فلعلَّه بلغه عنها أمر. وأنشَدَ لها السَّهْرَوَرْديُّ في "المعارف": إني جعلتُكَ في الفؤادِ مُحدِّثي … وأبَحْتُ جِسْميَ منْ أرادَ جُلوسي فالجسمُ منِّي للجَليسِ موَّانِسٌ … وحَبيبُ قلبي في الفؤادِ أنيسي (٢) وقد ذكروا لها أحوالًا وأعمالًا صالحة، وصيامَ نهارٍ وقيامَ ليلٍ. ورُئيتْ لها مناماتٌ صالحة، فاللَّه أعلم. تُوفيتْ بالقُدْس الشريف، وقبرُها شرقيَّهُ بالطُّور. واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئة فيها خرجَ عليُّ بنُ عيسى بن ماهان من مَرْو لِحَرْبِ أبي الخَصيب إلى نَسَا؛ فقاتَلَهُ بها، وسَبَى نساءَهُ وذَرَاريَّهُ. واسقامَتْ خُراسان. وحجَّ بالناسِ فيها الرشيد، ومعه ابناهُ محمدٌ الأمين، وعبد اللَّه المأمون، فبلَغَ جملةُ ما أعطى لأهلِ الحرَمَيْن ألفَ ألفِ دينار، وخمسين ألفَ دينار، وذلك أنه كان يُعطي الناس، فيذهبونَ إلى الأمين فيُعطيهم، فيذهبون إلى المأمون فيعطيهم. وكان إلى الأمين ولايةُ الشامِ والعراق، وإلى المأمون هَمَذان إلى بلاد المشرق، ثم تابع الرشيدُ لولِدِه القاسم من بعدِ ولدَيْه، ولقَّبهُ المؤتَمن، وولَّاهُ الجزيرةَ والثُّغور والعواصم، وكان الباعث له على ذلك أنَّ ابنه القاسم هذا كان في حِجْر عبدِ الملك بن صالح، ولما بايَعَ الرشيدُ لولدَيْه الأمين والمأمون كتَبَ إليه: يا أيها الملكُ الذي … لو كان نجمًا كان سَعْدا اعقِدْ لقاسِم بيعةً … واقدَحْ له في المُلك زَنْدا فاللَّهُ فرْدٌ واحدٌ … فاجْعلْ وُلاةَ العَهْدِ فَرْدًا (٣)

стр. 4974

ففعل الرشيدُ ذلك، وقد حَمَدهُ قومٌ على ذلك وذَمَّهُ آخرون. ولم ينتظِمْ للقاسم هذا أمر، بلِ اختطفَتْهُ المَنُونُ والأقدارُ عن بلوغِ الأملِ والأوطار. ولما قَضَى الرشيدُ حجَّه أحضر منْ معه من الأمراءِ والوزراء، وأحضر وليَّ العهد محمدًا الأمين، وعبدَ اللَّه المأمون، وكتب بمضمونِ ذلك صحيفةً، وكتب فيها الأمراءُ والوزراءُ خُطوطَهم بالشهادةِ على ذلك؛ وأرادَ الرشيدُ أن يُعلِّقَها في الكعبة فسقطَتْ، فقيل: هذا أمرٌ سريعٌ انتقاضُه. وكذا وقَعَ كما سيأتي. وقال إبراهيمُ المَوْصلي في عَقدِ هذه البَيْعةِ في الكعبة: خيرُ الأمورِ مَغبَّةً … وأحقُّ أمْرٍ بالتَّمامْ أمرٌ قَضَى أحكامَهُ الرْ … رَحمنُ في البلدِ الحَرَامْ وقد أطالَ القولَ في هذا المقام أبو جعفر بن جرير، وتبعه ابنُ الجوزي في "المنتظم" (١). وفيها تُوفي من الأعيان: أصبغُ بن عبدِ العزيز بن مروان بن الحكم أبو زَيَّان (٢) في رمضان منها. وحسان بن إبراهيم قاضي كَرْمان عن مئةِ سنة. وسَلْم الخاسِر الشاعر (٣): وهو سَلْم بن عمرو بن حمَّاد بن عطاء، وإنَّما قيل له الخاسر لأنَّه باع مُصحفًا واشترى به ديوانَ شعرٍ لامرئ القيس (٤)، وقيل: لأنه أنفق مئتي ألفٍ في صناعةِ الأدب. وقد كان شاعرًا منطيقًا، له قدرةٌ على الإنشاء على حرفٍ واحد، كما قال في موسى الهادي: موسى المَطَرْ، غَيْثٌ بَكَرْ، ثم انْهَمَرْ، كمِ اعتَبَرْ، ثم فَتَرْ، وكم قَدَرْ، ثم غَفَرْ، عدْلُ السِّيَرْ، باقي الأثَرْ، خَيْرُ البَشَرْ، فَرْعُ مُضَرْ، بَدْرٌ بَدَرْ، لِمَنْ نَظَرْ، هو الوَزَرْ (٥)، لِمَنْ حَضَرْ، والمُفْتَخَرْ، لِمنْ غَبَرْ. وذكر الخطيبُ أنه كان على طريقةٍ غيرِ مَرْضيَّةٍ من المُجونِ والفِسْق، وأنه كان من تلاميذِ بشَّارِ بنِ بُرْد، وأنَّ نظمَهُ أحسنُ من نظمِ بشار. فمِمَّا غلَبَ فيه بشارًا قولُه:

стр. 4975

منْ راقَبَ النَّاسَ لم يظفَرْ بحَاجَتِهِ … وفاز بالطَّيِّباتِ الفاتِكُ اللَّهِجُ (١) فقال سَلْم: منْ راقَبَ النَّاسَ ماتَ غَمًّا … وفاز باللَّذَّةِ الجسورُ فغَضِبَ بشارٌ وقال: أخذَ مَعانيَّ فكساها ألفاظًا أخفَّ من ألفاظي. وقد حَصَلَ له من الخلفاءِ والبرامكة نحو من أربعين ألفَ دينار؛ وقيل: أكثر من ذلك؛ ولما مات ترَكَ ستةً وثلاثين ألفَ دينار وديعة عند أبي الشِّمْر الغسَّاني؛ فغنَّى إبراهيمُ المَوْصِليُّ يومًا الرَّشيد، فأطرَبَه، فقال له: سلْ. فقال: يا أميرَ المؤمنين، أسألُكَ شيئًا ليس فيه من مالِكَ شيء، ولا أرْزَؤكَ شيئًا سواه. قال: وما هو؟ فذكر له وديعةَ سَلْم الخاسِر، وأنَّهُ لم يترُكْ وارثًا. فأمر له بِها. ويقال: إنها كانت خمسين ألفَ دينار. والعباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، عمُّ أبي الرشيد، كان من ساداتِ قُريش، ولي إمارةَ الجزيرة في أيامِ الرشيد، وقد أطلَقَ له الرشيدُ في يومٍ خمسةَ آلافِ ألفِ درهم، وإليه تُنسب العبَّاسية، وبها دُفن وعُمرُه خمسٌ وستون سنة. وصلَّى عليه الأمين. ويَقْطِينُ بنُ مُوسى (٢): كان أحدَ الدُّعاة إلى دولةِ بني العباس، وكان داهيةً ذا رأي وقدِ احتالَ مرَّةً حيلةً عظيمة، لما حبس مروانُ الحمار إبراهيمَ بن محمد بِحَرَّان، فتحيَّرَتِ الشيعةُ العباسية فيمَنْ يولُّون؟ ومَنْ يكونُ وليَّ الأمرِ من بعدِه إنْ قُتل؟. فذهب يقطينُ هذا إلى مروان، فوقف بين يديه في صورةِ تاجرٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد بعتُ إبراهيم بن محمد بضاعةً ولم أقبِضْ ثمنَها منه، حتى أخَذَتْهُ رُسُلُك، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أن يجمعَ بيني وبينه لأطالبَهُ بمالي فعَل. قال: نعم. فأرسل به إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدوَّ اللَّه، إلى مَنْ أوْصَيْتَ بعدَك آخُذُ مالي منه؟ فقال له: إلى ابنِ الحارثيَّة. يعني أخاه عبدَ اللَّه السفَّاح. فرجَعَ يقطينُ إلى الدعاة إلى بني العباس، فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفَّاح، فكان من أمرِهِ ما ذكَرْناه. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئة فيها كان مَهْلِكُ البَرامكة على يدَي الرشيد، قتَلَ جعفرَ بن يحيى بن خالد البَرْمَكي، ودَمَّرَ ديارَهم، واندرستْ آثارُهم، وذهب صغارُهم وكبارُهم. وقد اختُلف في سبَبِ ذلك على أقوال، ذكرها ابنُ جرير

стр. 4976

وغيرُه من علماء التاريخ، فمِمَّا قيل: إنَّ الرشيد كان قد سلَّم يحيى بن عبد اللَّه بن حسن إلى جعفر البَرْمَكي لِيسجُنَهُ عندَه، فما زال يحيى يترفَّق له حتى أطلقَهُ جعفر، فنَمَّ الفضلُ بنُ الربيع في ذلك على جعفر إلى الرشيد، فقال له الرشيد: وَيْلَك! لا تدخُلْ بيني وبين جعفر، فلعلَّهُ أطلَقَهُ عن أمْرِي وأنا لا أشعُر. ثم سأل الرشيدُ جعفرًا عن ذلك، فصدَّقه، فتغيَّظَ عليه، وحلَفَ لَيَقتُلَنَه. وكرهَ البرامكة، ثم قتلهم وقلاهم بعدَما كانوا أحظَى الناس عندَه وأحبَّهم إليه. وكانتْ أمُّ جعفر والفضل أمَّ الرشيد من الرَّضاعة، وقد جعلهم الرشيدُ من الرفعةِ في الدنيا وكثرةِ المال بسببِ ذلك شيئًا كثيرًا، لم يحصُلْ لِمَنْ قبلَهم من الوزراء، ولا لِمَنْ بعدَهم من الأكابر والرؤساء، بحيثُ إنَّ جعفرًا بَنَى دارًا غَرِمَ عليها عشرين ألفَ ألفِ درهم، وكان ذلك من جُملةِ ما نَقِمَهُ عليه الرشيد. ويقال: إنما قتلهم الرشيدُ لأنه كان لا يَمُرُّ ببلدٍ، ولا إقليمٍ، ولا مزرعةٍ، ولا بستانٍ إلَّا قيل: هذا لِجعفر. ويُقال: إنَّ البرامكةَ كانوا يُريدون إبطالَ خلافةِ الرشيد، وإظهارَ الزَّنْدَقة. وقيل: إنما قتلهم بسببِ العبَّاسَة. ومن العلماء من أنكَرَ ذلك، وإنْ كان ابنُ جرير قد ذكرَه. وذكر ابنُ الجوزي أنَّ الرشيد سُئل عن سببِ قتلِهِ البرامكَة فقال: لو أعلمُ أنَّ قميصي يعلَمُ ذلك لأحرقتُه. وقد كان جعفرٌ يدخلُ على الرشيد بغيرِ إذْن، حتى كان يدخُلُ عليه وهو في الفِراش مع حظاياه، وهذهِ وجاهةٌ عظيمة، ومَنْزِلةٌ عالية، وكان عندَهُ من أحظَى العُشَراء على الشراب المسكر -فإنَّ الرشيد كان يستعملُ في أواخرِ أيامِ خلافتِه المسكرَ وكأنَّه المختَلَفُ فيه- وكان أحبَّ أهلِهِ إليه العبَّاسةُ بنتُ المهدي، وكان يُحضِرُها معه، وجعفرٌ البرمكيُّ حاضرٌ أيضًا معَه، فزوَّجَهُ بِها لِيحلَّ النظر إليها، واشترطَ عليه أنْ لا يطأها، وكان الرشيدُ ربما قامَ وتركهما وهما ثَمِلانِ من الشراب، فربما واقَعَها جعفرٌ فحَبِلَتْ منه، فولدَتْ ولدًا وبعثَتْهُ مع بعضِ جواريها إلى مكة، وكان يُرَبَّى بِها. وذكر ابنُ خَلِّكان في الوفيات أنَّ الرشيد لَمَّا زوَّجَ أختَهُ العبَّاسة من جعفر أحبَّها حُبًّا شديدًا، فراوَدَتْهُ عن نفسِه فامتَنع أشدَّ الامتناع خوفًا من الرشيد، فاحتالَتْ عليه، وكانت أمُّهُ تُهدي له في كلِّ ليلةِ جمعةٍ جارية حسناءَ بِكْرًا، فقالت: أدخِلِيني عليهِ بصفةِ جارية. فهابَتْ ذلك، فتهدَّدَتْها حتى فعلتْ ذلك، فلما دخلَتْ عليه لم يتَحَقَّقْ وجهَها، فواقَعَها، فقالتْ له: كيف رأيتَ خديعةَ بناتِ الملوك؟ وحملَتْ من تلك الليلة، فدخل على أُمِّه فقال: بعتيني واللَّهِ برخيص. ثم إنَّ والدَهُ يحيى بن خالد جعل يُضَيِّقُ على عيالِ الرشيد في النَّفَقَة، حتى شكَتْ زُبَيدةُ ذلك إلى الرشيد مرَّاتٍ، ثم أفشَتْ له سِرَّ العبَّاسة، فاستشاطَ غيظًا، ولما أخبرَتْهُ أنَّ الولدَ قد أرسلَتْ به إلى مكة، حجَّ عامَ ذلك حتى تحقَّقَ الأمر. ويقال: إنَّ بعضَ الجواري نَمَّتْ عليها إلى الرشيد، وأخبرَتْهُ بما وقع، وأنَّ الولدَ بمكة، وعندَهُ جوارٍ وأموالٌ وحُلِيٌّ كثيرة، فلم يصدِّقْ حتى حجَّ في السنةِ الخالية، ثم كشَفَ الأمرَ عن الحال، فإذا هو كما ذُكر.

стр. 4977

وقد حجَّ في هذه السنة التي حجَّ فيها الرشيدُ يحيى بنُ خالدٍ الوزير وقد استشعرَ الغضب من الرشيدِ عليه، فجعل يدعو عندَ الكعبة: اللهمَّ إنْ كان يُرضيِكَ عني سلبُ جميعِ مالي وولدي وأهلي فافعَلْ ذلك، وأبقِ عليَّ منهم الفضل. ثم خرج. فلما كان عند بابِ المسجد رجَعَ فقال: اللهمَّ والفضلُ معَهم، فإنِّي راضٍ برِضاك عني، ولا تستَثْنِ منهم أحدًا. فلما قفَلَ الرشيدُ من الحجِّ صار إلى الحِيرة، ثم ركب في السُّفن إلى الغَمْرِ من أرضِ الأنبار، فلما كانتْ ليلةُ السبت، سَلْخَ المحرَّم من هذه السنة أرسل مسرورًا الخادمَ ومعه جَمَّاد بن سالم أبو عصمة في جماعةِ من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، فدخل عليه مسرورٌ الخادم وعندَهُ بَخْتَيْشُوع المتطَبِّب وأبو زَكَّار (١) الأعمى المُغَنِّي الكَلْوَذاني، وهو في أمرِه وسرورِه وأبو زكَّار يُغنِّيه: فلا تَبْعَدْ فكُلُّ فتًى سيأتي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يُغَادِي (٢) فقال الخادمُ له: يا أبا الفضل هذا الموتُ قد طرَقَك، أجِبْ أميرَ المؤمنين. فقام إليه يُقَبِّلُ قدمَيْه، ويدخُلُ عليه أنْ يُمكنَهُ فيدخلَ إلى أهلِهِ فيُوصِيَ إليهم ويُودِّعَهم، فقال: أمَّا الدخولُ فلا سبيلَ إليه، ولكنْ أوْصِ. فأوْصَى وأعتَقَ جميع مماليكِه أو جماعةً منهم، وجاءت رُسلُ الرشيدِ تستحِثُّه، فأُخرج إخراجًا عَنيفًا، فجعلوا يقودونه حتى أتَوْا به المَنْزِل الذي فيه الرشيد، فحبسَهُ وقيَّدَه بقيدِ حِمار، وأعلموا الرشيدَ بِما كان يفعل، فأمَرَ بضَرْبِ عُنقِه، فجاء السَّيَّافُ إلى جعفر فقال: إنَّ أميرَ المؤمنين قد أمرَني أنْ آتِيَهُ برأسِك. فقال: يا أبا هاشم، لعل أميرَ المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتَبَك فيّ. فعاوَدَهُ فرجَعَ إلى الرشيد، فقال: إنه يقولُ لعلَّك مشغول. فقال: يا ماصَّ بَظَرِ أمِّه، ائتني برأسِه. فكرَّرَ عليه جعفرٌ المقالةَ، فقال الرشيدُ في الثالثة: برئتُ من المهديِّ إنْ لم تأتِني برأسِه لأبعثَنَّ مَنْ يأتيني برأسِكَ ورأسِه. فرجع إلى جعفر، فحزَّ رأسَه وأتى به إلى الرشيد، فألقاه بين يديه، وأرسل الرشيدُ من ليلتِه البُرُدَ بالاحتياطِ على البرامكةِ جميعِهم ببغدادَ وغيرِها، ومن كان منهم بسبيل. فأُخذوا كلُّهم عن آخرِهم، فلم يفْلتْ منهم أحد، وحُبس يحيى بنُ خالد في مَنْزلِه، وحُبس الفضلُ بن يحيى في مَنْزِلٍ آخر، وأُخذ جميعُ ما يَمْلِكونَهُ من الدنيا، وبعث الرشيدُ برأسِ جعفرٍ وجُثتِه، فُنصب الرأسُ عند الجِسْرِ الأعلى، وشُقَّتِ الجُثَّةُ باثنتَيْن، فنُصب نصفُها الواحدُ عند الجسرِ الأسفل، والأخر عند الجسرِ الآخر، ثم أُحرقَتْ بعدَ ذلك، ونُودِيَ في بغداد: أنْ لا أمانَ للبرامكة، ولا لِمَنْ آواهم، إلَّا محمد بن يحيى بن خالد، فإنه مُستَثنًى منهم، لِنُصْحِهِ للخليفة. وأُتِي الرشيد بأنس بن أبي شيخ، كان يُتَّهَمُ بالزَّنْدَقة، وكان مُصاحبًا لجعفر، فدار بينه وبين الرشيد كلام، ثم أخرج

стр. 4978

الرشيدُ من تحتِ فراشِهِ سيفًا وأمر بضربِ عُنقِه به، وجعل يتمثَّلُ ببيتٍ قيل في قتل أنسٍ قبلَ ذلك: تلمَّظَ السيفُ من شوقٍ إلى أنس … فالسيفُ يلحَظُ والأقدارُ تنتظِرُ فضُربَتْ عُنقُ أنس، فسبَقَ السيفُ الدَّمَ، فقال الرشيد: رحمَ اللَّه عبدَ اللَّه بن مُصعَب. فقال الناس: إنَّ السيفَ كان للزُّبير بنِ العوَّام. ثم شُحنت السجونُ بالبرامكة، واستُلبَتْ أموالُهم كلُّها، وزالتْ عنهمُ النِّعمة. وقد كان الرشيدُ في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخرِه هو وإيَّاهُ راكبَيْنِ في الصَّيد في أوَّله، وقد خلا به دون ولاةِ العُهود، وطيَّبَهُ في ذلك بالغالية بيدِه، فلما كان وقتُ المغرب ودَّعَهُ الرشيدُ وضَمَّهُ إليه وقاله: لولا أنَّ الليلةَ ليلةُ خلوتي بالنساء ما فارقتُك، فاذهبْ إلى مَنْزِلك، واشرَبْ واطرَبْ وطِبْ عيشًا، حتى تكونَ على مثلِ حالي، فأكون أنا وأنتَ في اللذَّةِ سواءً. فقال: واللَّه يا أميرَ المؤمنين، لا أشتهي ذلك إلَّا معَك. فقال: لا، انصرِفْ إلى مَنْزلك. فانصرَفَ عنه جعفر. قما هو إلَّا أنْ ذهب من الليلِ بعضُه حتى أوقعَ به من البأسِ والنَّكالِ ما تقدَّم ذكرُه، وكان ذلك ليلةَ السبت، آخرَ ليلةٍ من المحرَّم، وقيل: إنَّها أولُ ليلةٍ من صَفَر في هذه السنة، كان عمرُ جعفرٍ إذْ ذاك سبعًا وثلاثين سنة. ولما جاء الخَبرُ إلى أبيه يحيى بنِ خالد بقتلِه: قال: قتَلَ اللَّه ابنَه. ولما قيل له: قد خَرِب دارُك. قال: خرَّب اللَّه دورَه. ويقال: إنَّ يحيى لما نظر إلى دُوره وقد هُتكتْ ستورُها، واستُبِيحتْ قصورُها، وانتُهب ما فيها قال: هكذا تقومُ الساعة. وقد كتَبَ إليه بعضُ أصحابه يُعزِّيِه فيما جرى له، فكتب إليه جوابَ التعزية: أنا بقضاء اللَّه راضٍ وباختيارِهِ عالِم، ولا يؤاخِذُ اللَّه العبادَ إلَّا بذنوبهم، وما اللَّه بظلَّامٍ للعبيد، وما يغفِرُ اللَّه أكثَرُ، وللَّه الحمد. وقد أكثر الشعراءُ من المراثي في البرامكة، فمن ذلك قولُه الرَّقَاشي، وقيل: إنَّها لأبي نُوَاس: الآن استرَحْنا واستراحَتْ رِكَابُنَا … وأمسَكَ مَنْ يُجْدي ومَنْ كان يَجْتَدي فقلْ للمَطايَا قد أمِنْتِ من السُّرَى … وطَيَّ الفيافي فَدْفَدًا بعدَ فَدْفَدِ وقلْ للمنايا قد ظَفِرْتِ بجعفرٍ … ولن تَظْفَري من بعد بِمُسَوَّدِ وقلْ للعطايا بعد فضل تعَطَّلي … وقلْ للرزايا كلَّ يومٍ تَجَدَّدي ودونكِ سيفًا برمكيًا مُهَنَّدًا … أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهنَدِ (١) وقال الرَّقَاشيُّ وقد نظرَ إلى جعفرٍ وهو على جذْعه: أمَا واللَّهِ لولا خوفُ واشٍ … وعينٌ للخليفةِ لا تنامُ لَطُفْنا حولَ جِذْعِكَ واستلَمْنا … كما للناسِ بالحجَرِ استلامُ فما أبصرتُ قبلكَ يا بن يَحيى … حُسامًا فَلَّهُ السيفُ الحسامُ

стр. 4979

على اللذَّات والدنيا جميعًا … ودولةِ آلِ بَرْمَكٍ السلام (١) قال: فاستدعاهُ الرشيدُ فقال له: كم كان يُعطِيكَ جعفرٌ كلَّ عام؟ قال: ألفَ دينار، فأمر له بألفَيْ دينار. وقال الزُّبير بن بكار عن عَمِّه مصعب الزُّبيري قال: لما قتل الرشيدُ جعفرًا وقفتِ امرأةٌ على حمارٍ فارِهٍ فقالتْ بلسانٍ فصيح: واللَّه يا جعفر، لئن صرتَ اليوم آيةً لقد كنتَ في المكارم غاية. ثم أنشأتْ تقول: ولما رأيتُ السيفَ خالَطَ جعفرًا … ونادَى منادٍ للخليفةِ في يحيى بكَيْتُ على الدنيا وأيقنتُ أنَّما … قُصَارَى الفتى يومًا مُفارقةُ الدنيا وما هي إلَّا دولةٌ بعدَ دولةٍ … تُخَوِّلُ ذا نُعْمَى وتُعْقِبُ ذا بَلْوَى إذا أنزلَتْ هذا منازلَ رفعةِ … من المُلكِ حَطَّتْ ذا إلى الغايةِ القُصْوَى قال: ثم حرَّكَتْ حمارَها فذهبَتْ. فكأنها كانتْ ريحًا لا أثَرَ لها، ولا يُعرف أين ذهبَتْ. وذكر ابنُ الجوزي (٢)، أنَّ جعفرًا كان له جاريةٌ يُقالُ لها فَتِينَة، مُغَنِّية، لم يكنْ لَها في الدُّنيا نظير، كان مُشتراها عليه بِمَنْ معها من الجواري مئة ألف دينار، فطلبَها منه الرشيدُ فامتنَعَ من ذلك، فلما قتَلَهُ الرشيدُ اصطَفَى تلك الجارية، فأحضَرَها ليلةً في مجلسِ شرابه، وعنده جماعةٌ من جُلسائهِ وسُمَّارِه، فأمَرَ مَنْ معَها أنْ يُغَنِّين. فاندفعَتْ كل واحدةٍ تُغَنِّي حتى انتهَتِ النَّوْبَةُ إلى فَتِينَة، فأمرَهَا بالغِناء فأسبلَتْ دمعَها وقالتْ: أمَّا بعدَ السادَةِ فلا. فغَضِبَ الرشيدُ غضبًا شديدًا، وأمرَ بعضَ الحاضرين أنْ يأخذَها إليه، فقد وهَبَها له. ثم لَمَّا أراد الانصرافَ قال له فيما بينه وبينه: لا تطَأْها. ففَهِمَ أنه يُريد بذلك كسرَها. فلما كان بعد ذلك، أحضرَها وأظهرَ أنه قد رَضِي عنها، وأمرَها بالغناء فامتنعَتْ وأرسلَتْ دمعَها وقالت: أمَّا بعد السادةِ فلا. فغَضِبَ الرشيدُ أشدَّ من غَضَبِهِ في المرَّةِ الأولى وقال: النِّطْعَ والسيف. وجاء السيَّاف، فوقف على رأسها، فقال له الرشيد: إذا أمرتُكَ ثلاثًا وعَقدتُ أصابعي ثلاثًا فاضرِبْ. ثم قال: غَنِّي. فبكَتْ وقالتْ: أمَّا بعدَ السادِة فلا. فعقَدَ أصبعَهُ الخِنْصَر، ثم أمرَها الثانيةَ فامتنعَتْ، فعقَدَ اثنتَيْن، فارتعَدَ الحاضرونَ وأشفقوا غايةَ الإشفاق، وأقبلوا عليها يسألونَها أنْ تغنِّيَ لئلا تقتلَ نفسَها، وأنْ تُجيبَ أميرَ المؤمنينَ إلى ما يُريد، ثم أمرها الثالثة، فاندفعَتْ تُغَنِّي كارهةً: لَمَّا رأيتُ الدِّيار قد دَرَّسَتْ … أيقنتُ أنَّ النعيمَ لم يَعُدِ قال: فوثب إليها الرشيد، وأخذ العُودَ من يدِها، وأقبل يضرب به وجهَها ورأسَها، حتى تكسَّر، وأقبلتِ الدماء، وتطايرتِ الجواري من حولِها، وحُملت من بين يديه، فماتَتْ بعدَ ثلاث.

стр. 4980

ورُوي أنَّ الرشيد كان يقول: لعَنَ اللَّه مَنْ أغراني بالبرامكة، فما وجدتُ بعدَهم لذَّةً ولا راحةً ولا رجاءً، وَدِدْتُ واللَّهِ أني شطَرْتُ نصفَ عُمري، ومُلكي، وأنِّي تركتُهم على حالِهم. وحكى ابنُ خَلِّكان، أنَّ جعفرًا اشترى جاريةً من رجلٍ بأربعين ألفَ دينار، فالتفَتتْ إلى بائعها وقالتْ: اذكُرِ العهدَ الذي بيني وبينَك. لا تأكُلْ من ثَمَني شيئًا. فبَكَى سيِّدُها وقال: اشهدوا أنها حُرَّة وأنِّي قد تزوَّجْتُها. فقال جعفر: اشهدوا أنَّ الثمنَ له أيضًا. وكتب إلى نائبٍ له: أمَّا بعد، فقد كَثُرَ شاكوك، وقلَّ شاكروك، فإمَّا أنْ تَعدِل، وإمَّا تَعْتَزِل. ومن أحسَنِ ما وقَعَ منه من التلطُّف في إزالةِ هَمِّ الرشيد، وقد دخل عليه مُنَجِّمٌ يهوديّ، فأخبَرَهُ أنه سيموتُ في هذه السنة، فحمَلَ الرشيدُ هَمًّا عظيمًا، فدخل عليه جعفر فسأله؛ ما الخبر؟ فأخبرَهُ بقولِ اليهودي، فاستدعَى جعفرٌ اليهوديَّ فقال له: كم بقيَ لكَ من العُمر؟ فذكر مدَّةً طويلة، فقال: يا أميرَ المؤمنين اقتُلْهُ حتى تعلمَ كَذِبَهُ فيما أخبَرَ عن عُمره. فأمر الرشيدُ باليهوديِّ فقُتل، وسُرِّيَ عن الرشيدِ الذي كان فيه. وبعد مقَتلِ البرامكة قتل الرشيدُ إبراهيمَ بن عثمان بن نَهِيك، وذلك أنَّهُ حَزِنَ على البرامكة، ولا سيما جعفر، كان يُكثر البكاءَ عليهم، ثم خرج من حَيِّزِ البكاء إلى حَيِّزِ الانتصار لهم، والأخذِ بثأرهم. وكان إذا شرب في مَنْزله يقولُ لِجاريته: ائتني بسيفي. فيَسُلُّهُ ثم يقول: واللَّهِ لأقتلَنَّ قاتِلَه، فأكثَرَ أن يقولَ ذلك، فخَشِيَ ابنُه عثمانُ أنْ يطَّلِعَ الخليفةُ على ذلك فيُهلِكَهم عن آخرِهم، ورأى أنَّ أباهُ لا يَنْزِعُ عن هذا، فذهب إلى الفَضْلِ بن الربيع فاعلمَه، فأخبرَ الفضلُ الخليفة، فاستدعى به، فاستخبرَهُ فأخبرَه، فقال: مَنْ يشهَدُ معَكَ عليه؟ فقال: فلانٌ الخادم. فجاء به فشَهِد، فقال الرشيد: لا يَحِلُّ قتلُ أميرٍ كبير، بِمُجَرَّدِ قولِ غلامٍ وخَصِيّ، لعلَّهما قد تواطأا على ذلك، فأحضَرَهُ الرشيدُ معه على الشراب، ثم خلا به فقال: ويحكَ يا إبراهيم، إنَّ عندي سِرًّا أُحِبُّ أنْ أُطلِعَكَ عليهِ أقلَقَني في الليلِ والنهار. قال: وما هو؟ قال: إنِّي نَدِمْتُ على قتلِ البرامكة، ووَدِدْتُ أني خرجتُ من نصفِ مُلْكي ونصفِ عُمري ولم أكنْ فعلتُ بِهم ما فعلت، فإني لم أجدْ بعدَهم لذَّةً ولا راحة. فقال: رحمةُ اللَّه على أبي الفضل -يعني جعفرًا- وبكى وقال: واللَّه يا سيدي لقد أخطأتَ في قتلِه. فقال له: قُمْ لعنَكَ اللَّه. ثم حبسه ثم قتَلَهُ بعد ثلاثةِ أيام. وسَلِمَ أهلُهُ وولَدُه. وفي هذه السنةِ غَضِبَ الرشيدُ على عبدِ الملك بن صالح بسببِ أنَّهُ بلَغَهُ أنه يُريدُ الخلافة. واشتدَّ غضَبُه بسَبَبِه على البرامكةِ الذين هم في الحُبوس، ثم سجَنَه، فلم يزل في السجنِ حتى مات الرشيد، فأخرَجَهُ الأمين، وعقَدَ له على نيابةِ الشام. وفيها ثارَتْ العصَبِيةُ بالشام بين المُضَرِيَّةِ والنِّزاريَّة، فبعث إليهمُ الرشيدُ محمدَ بن منصور بن زياد، فأصلح بينهم.

стр. 4981

وفيها كانت زلزلةٌ عظيمة بالمِصِّيصَة، فانهدَمَ بعضُ سورِها، ونَضَبَ ماؤها ساعةً من الليل. وفيها بعث الرشيدُ ولدَهُ القاسِمَ على الصائفة، وجعَلَهُ قُرْبانًا ووسيلةً بين يديه، وولَّاهُ العَوَاصم. فسار إلى بلادِ الرُّوم فحاصرَهَم حتى افتَدَوْا بِخَلْقٍ من الأسَارَى، يُطِلقُونَهم، ويَرْجِعُ عنهم. ففعَلَ ذلك. وفيها نقَضَتِ الرُّوم الصُّلحَ الذي كان بينهم وبين المسلمين، الذي كان عقَدَهُ الرشيدُ بينه وبِنَ رينى (١) مَلِكَةِ الروم، الملقبة أغسطه. وذلك أنَّ الرُّومَ عَزَلوها عنهم، ومَلَّكُوا عليهمُ النَّقْفُور، وكان شجاعًا، يقال: إنه من سُلالةِ آلِ جَفْنَة، فخلعوا رينى وسَمَلوا عينيْهَا، فكتب نَقْفُور إلى الرشيد: من نَقْفُور ملكِ الرُّوم إلى هارونَ ملِكِ العرب، أمَّا بعد، فإنَّ الملكةَ التي كانتْ قبلي أقامَتْكَ مقامَ الرُّخّ (٢)، وأقامَتْ نفسَها مقامَ البَيْدَق، فحملَتْ إليك من أموالِها ما كنتَ حقيقًا بحَمْلِ أمثالِهِ إليها، وذلك من ضَعْفِ النساءِ وحُمقِهِنَّ. فإذا قرأتَ كتابي هذا فارْدُدْ إليَّ ما حملَتْهُ إليكَ من الأموال، وافتدِ نفسَك به، وإلَّا فالسيفُ بيننا وبينَك. فلما قرأ هارونُ الرشيدُ كتابَه أخَذَهُ الغضَبُ الشديد، حتى لم يتمكَّنْ أحدٌ أنْ ينظُرَ إليه، ولا يستطيعُ مخاطبتَه، وأشفَقَ عليه جلساؤه خوفًا منه، ثم استدعى بدواةٍ وكتب على ظهرِ الكتاب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من هارونَ أميرِ المؤمنين إلى نقفور كلبِ الرّوم. قد قرأتُ كتابَك يا ابنَ الكافرة، والجوابُ ما تراهُ دونَ ما تسمَعُه. والسلام. ثم شخَصَ من فَوْرِه، وسار حتى نزَلَ ببابِ هِرَقْلَة ففتحها (٣)، واصطفَى ابنةَ مَلِكِها، وغَنِمَ من

стр. 4982

الأموال شيئًا كثيرًا، وخرَّبَ وأحرَق. فطلبَ نقفور منه الموادَعَةَ على خراجٍ يؤدِّيِه إليه في كلِّ سنة. فأجابَهُ الرشيدُ إلى ذلك، فلما رجَعَ من غَزْوَتِه وصار بالرَّقَّة، نقَضَ الكافِرُ العَهْدَ وخانَ المِيثاق، وكان البَرْدُ قد اشتدَّ جدًّا، فلم يقدِرْ أحَدٌ أنْ يَجِيءَ فيُخبِرَ الرشيدَ بذلك لِخَوْفهم على أنفسِهم من البَرْد، حتى يَخرُجَ فصلُ الشتاء. وحجَّ بالناس فيها عبدُ اللَّه بن عباس بن محمد بن علي. ذكرُ من تُوفِّي فيها من الأعيان: جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرمك (١) أبو الفضل البَرْمَكي، الوزيرُ ابنُ الوزير؛ ولَّاهُ الرشيدُ الشامَ وغيرَها من البلاد؛ وذكر ابنُ عساكر (٢)، أنَّ الرشيد بعثهُ إلى دمشق لمَّا ثارَتِ الفتنةُ العِشْرَيْن (٣) بحوران بين قيسٍ ويَمَن، وكان ذلك أولَ نارٍ ظهرَتْ بين قيسٍ ويَمنٍ في بلاد الإسلام، كان خامدًا من زَمَنِ الجاهليَّة، فأثاروهُ في هذا الأوان، فلما قَدِم جعفرٌ بجيشه خَمَدتِ الشُّرور، وظهر السرور، وقيلتْ في ذلك أشعارٌ حِسَان؛ قد ذكر ذلك ابنُ عساكر في ترجمةِ جعفر من تاريخ (٤)، منها: لقد أُوقِدَتْ في الشام نيرانُ فتنةٍ … فهذا أوانُ الشامِ تُخْمَدُ نارها إذا جاشَ مَوْجُ البحرِ من آلِ برمَكٍ … عليها خَبَتْ شُهْبَانُها وشَرَارُها رماها أميرُ المومنينَ بجعفرٍ … وفيه تلاقَى صَدْعُها وانْجبارُها رماها بميمون النقيبةِ ماجدٍ … تَرَاضَى بهِ قحطانُها ونِزَارُها

стр. 4983

هو الملِكُ المأمولُ للبِرِّ والتُّقَى … وصَوْلاتُهُ لا يُستطاع خِطَارُها وزيرُ أميرِ المؤمنينَ وسيفُهُ … ومُدْيَتُهُ (١) والحربُ تَدْمى شِفَارُها ومنْ تُطْوَ أسرارُ الخليفةِ دونَهُ … فعندَكَ مأواها وأنتَ قرارُها إذا ما ابنُ يحيى جعفرٌ قُصِدَتْ لَهُ … ملِمَّاتُ خَطْبٍ لم تَرُعْهُ كِبَارُها لقد نشأتْ بالشامِ منكَ غمامةٌ … يؤمَّلُ جَدْواها ويُخْشى دَمارُها وهي قصيدةٌ طويلة، اقتصرنا منها على هذا القَدْر (٢). وكانتْ له فصاحة وبلاغةٌ وذكاءٌ وكرمٌ زائد؛ كان أبوهُ قد ضمَّهُ إلى القاضي أبي يُوسُف، فتفَقَّهَ عليه، وصار له اختصاصٌ بالرَّشيد. وقد وقَعَ ليلةَ بحضرَةِ الرشيد زيادةً على ألفِ توقيع، ولم يَخرجْ في شيءٍ منها عن مُوجبِ الفقه. وقد روى الحديثَ عن أبيه، عن عبد الحميدِ الكاتب، عن عبد الملكِ بنِ مروان، كاتبِ عثمان، عن زيد بن ثابت، كاتبِ الوحي قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كتبتَ بسم اللَّه الرحمن الرحيم فبَيِّنِ السينَ فيه". رواه الخطيب وابنُ عساكر من طريق أبي القاسم الكَعْبي المتكلِّم، واسمه عبدُ اللَّه بنُ أحمد البَلْخي؛ وقد كان كاتبًا لمحمد بن زيد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين بن [مُصْعَب بن] رزيق (٣)، عن الفَضْلِ بن سهل ذي الرِّياستَيْن، عن جعفر بن يحيى، به (٤). وقال عمرو بن بحر الجاحظ: قال جعفرٌ للرشيد: يا أميرَ المؤمنين، قال لي أبي يحيى: إذا أقبلَتِ الدنيا عليك فأعْطِ، فإنها لا تَفنى، وإذا أدبرَتْ فأعطِ، فإنَّها لا تبقى. وأنشدَني أبي: لا تبخلَنَّ لدُنيا وهي مُقبلةٌ … فليس يَنْقصها التبذيرُ والسَّرَفُ فإن تولَّت فأحرى أنْ تجودَ بها … فالحمدُ منها إذا ما أدبرَتْ خَلَفُ (٥) قال الخطيب (٦): ولقد كان جعفرٌ من عُلُوِّ القَدْر، ونَفَاذِ الأمْر، وعِظَمِ المَحلّ، وجلالةِ المَنْزِلة عندَ الرشيد على حالةٍ انفَرَد بها، ولم يشارِكْهُ فيها أحد. وكانَ سَمْحَ الأخلاق، طَلْقَ الوَجْه، ظاهرَ البِشْر.

стр. 4984

أمَّا جودُهُ وسخاؤه، وبَذلُهُ وعطاؤه، فأشهرُ منْ أنْ يُذكَر. وكان أيضًا من ذوي الفصاحة، والمذكورينَ [باللَّسَنِ] والبلاغة. وروى ابنُ عساكر (١) عن مُهَذَّب حاجب العباس بن محمد، صاحبِ قَطيعةِ العبَّاس والعباسة، أنه أصابَتْهُ فاقةٌ وضائقة، وكان عليه ديون، فألحَّ عليه المطالبون وعندَهُ سَفَطٌ فيه جواهر، شراؤه عليه ألفُ ألف درهم، فأتى به جعفرًا، فعرَضَهُ عليه، وأخبره بما هو عليه من الثمن، وأخبره بإلحاحِ المطالبينَ بديونِهم، وأنه لم يبقَ له سوى هذا السَّفَط. فقال: قد اشتريتُهُ منك بالفِ ألف. ثم أقبَضَهُ المالَ وقبَضَ السَّفَط منه، وكان ذلك ليلًا، ثم أمر من ذهب بالمالِ إلى مَنزله، وأجلسَهُ معه في السَّمَرِ تلك الليلة؛ فلما رجَعَ إلى مَنْزله، إذا السفَطُ قد سبقَهُ إلى مَنْزله أيضًا. قال: فلمَّا أصبحتُ غدَوْتُ إلى جعفر لأتشكَّر له، فوجدتُه مع أخيه الفضل على بابِ الرشيدِ يستأذنُ عليه، فقال له جعفر: إني قد ذكرتُ أمرَكَ للفضل، وقد أمرَ لك بألفِ ألف، وما أظنُّها إلَّا قد سبقَتْكَ إلى مَنْزلك، وسأفاوضُ فيك أميرَ المؤمنين. فلما دخل ذكر له أمرَهُ وما لَحِقَهُ من الديون، فأمرَ له بثلاثِمئةِ ألفِ دينار. وكان جعفرٌ ليلةً في سَمَرِه عند بعضِ أصحابِه، فجاءتِ الخُنْفُساءُ فركبتْ ثيابَ الرجل، فألقاها عنه جعفرٌ وقال: إن النَّاسَ يقولون: من قصدَتْهُ الخُنفساء يُبَشَّرُ بمالٍ يُصيبُه. فأمر له جعفرٌ بألفِ دينار. ثم عادتِ الخُنفساء فرجَعَتْ إلى الرجل، فأمر له بألفِ دينارٍ أخرى. وحجَّ مرَّةً مع الرشيد، فلما كانوا بالمدينة، قال لرجلٍ من أصحابِه: انظُرْ جاريةً أشتريها، تكونُ فائقةً في الجمالِ والغِنَاءَ والدُّعابَة. ففتَّش الرجلُ، فوَجَدَ جاريةً على النَّعْت؛ فطلب سيدُها فيها مالًا كثيرًا، على أنْ يراها جعفرٌ فذهب جعفر إلى مَنْزِل سيدِها، فلما رآها أُعجب بها، فلما غنَّتْه، أعجبَتْهُ أكثر، فساوَمَهُ صاحبُها فيها، فقال له جعفر: قد أحضَرْنا مالًا، فإنْ أعجَبكَ وإلَّا زِدْناك. فقال لها سيدُها: إنِّي كنتُ في نعمة، وكنتِ عندي في غايةِ السُّرور، وإنه قد انقبَضَ عليَّ حالي، وإني قد أحببتُ أنْ أبيعَكِ لهذا المَلِك، لكي تكوني عندَهُ كما كنتِ عندي. فقالتْ له الجارية: واللَّه يا سيدي لو ملكتُ منكَ كما ملكتَ مني لم أبِعْكَ بالدنيا وما فيها؛ وأين ما كنتَ عاهَدْتَني أنْ لا تبيعَني، ولا تأكُلَ من ثمني؟ فقال سيدها لِجعفرٍ وأصحابِه: أُشهدُكُمْ أنَّها حُرَّةٌ لوجهِ اللَّه، وأنِّي قد تزوَّجْتُها. فلما قال ذلك: نَهضَ جعفرٌ وقام أصحابُه، وأمروا الحمَّالَ أنْ يحملَ المال، فقال جعفر: واللَّهِ لا يتَّبِعُني. وقال للرجل: قد مَلَّكْتُكَ هذا المال، فأنفِقْهُ على أهلِك. وذهبَ وترَكَه. هذا وقد كان يُبَخَّلُ بالنسبةِ إلى أخيه الفضل، إلَّا أن الفضلَ كان أكثرَ منه مالًا. ورَوَى ابنُ عساكر من

стр. 4985

طريقِ الدَّارَقُطْنيِّ بسندِه، أنه لما أصيب جعفرٌ وجدوا له في جرَّةٍ ألفَ دينار، زِنَةُ كلِّ دينار مئةُ دينار، مكتوبٌ على صفحةِ الدينار جعفر، والأخرى: وأصفَر من ضَرْبِ دارِ الملوكِ … يَلُوحُ على وجْهِهِ جعفَرُ يَزيدُ على مئةٍ واحدًا … متى تُعْطِهِ مُعْسرًا يُوسِرُ وقال أحمد بن المعَلَّى الراوية: كتبَتْ عنانُ جاريةُ الناطِفيِّ لجعفرٍ تطلُبُ منه أنْ يقولَ لأبيه يحيى أنْ يُشيرَ على الرشيد بشرائها. وكتبَتْ إليه هذه الأبيات من شعرِها في جعفر: يا لائمي جهلًا ألا تُقْصرُ … منْ ذا على حرِّ الهوَى يَصْبرُ لا تَلْحَني إذا شربتُ الهوَى … صِرفًا فمَمْزوجُ الهوَى يُسْكِرُ أحاطَ بي الحبُّ فخَلْفي لَهُ … بَحْرٌ وقُدَّامِي لَهُ أبْحُرُ تَخفقُ راياتُ الهوَى بالرَّدَى … فَوْقي وحَوْلي للهوى عَسْكرُ سِيان عندي في الهوَى لائمٌ … أقَلَّ فيهِ والذي يَكْثُرُ أنتَ المصفَّى من بني بَرْمكٍ … يا جعفرَ الخيراتِ يا جعفرُ لا يَبْلُغُ الواصفُ في وَصْفِهِ … ما فيكَ من فضل ولا يَعْشُرُ (١) مَنْ وَفَّرَ المالَ لأغراضِهِ … فجعفَرٌ أغراضُهُ أوْفَرُ دِيباجَةُ المُلْكِ على وجهِهِ … وفي يديهِ العارضُ المُمْطرُ سَحَّتْ علينا منهما دِيْمةٌ … يَنْهلُّ منها الذَّهَبُ الأحمرُ لو مَسَحتْ كفَّاهُ جُلْمُودةً … نُضِّرَ فيها الورَقُ الأخضرُ لا يَسْتَتِمُ المجدَ إلَّا فَتًى … يَصْبرُ للبَذْلِ كما يَصْبِرُ يَهْتزُّ تاجُ المُلْكِ من فَوْقِه … فَخرًا ويُزْهَى تحتَهُ الْمِنْبَرُ أشبَهَهُ البَدْرُ إذا مَا بَدَا … أوْ غُرَّةٌ في وَجْههِ تَزْهرُ واللَّه ما أدْري أبَدْرُ الدُّجَى … فِي وَجْههِ أمْ وَجْههُ أنْورُ يَسْتَمْطرُ الزُّوَّارُ منكَ النَّدَى … وأنتَ بالزُّوارِ تَسْتَبْشرُ وكتبتْ تحتَ أبياتِها حاجتَها. فرَكِبَ من فَوْرِهِ إلى أبيه، فأدخَلَهُ على الخليفة، فأشارَ عليهِ بشرائها، فقال: لا واللَّه لا أشتريها. وقد قال فيها الشعراءُ فأكثروا، واشتهَرَ أمرُها، وهي التي يقولُ فيها أبو نُواس:

стр. 4986

لا يشتريها إلَّا ابنُ زانيةٍ … أو قَلْطَبَانُ (١) يكونُ منْ كانا وعن ثُمامةَ بنِ أشْرَس قال: بتُّ ليلةً مع جعفر بن يحيى بنِ خالد، فانتبه من منامِهِ يَبْكي مَذْعورًا، فقلت: ما شأنُك؟ قال: رأيتُ شيخًا جاء فأخذَ بِعَضَادَتَيْ هذا البابِ وقال: كأنْ لم يكنْ بين الحَجُونِ إلى الصَّفَا … أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَةَ سامرُ قال: فأجبتُهُ: بَلَى نحنُ كُنَّا أهلَها فأبادَنَا … صروفُ الليالي والجدودُ العواثِرُ (٢) قال ثُمَامة: فلما كانتِ الليلةُ القابلة، قتلَهُ الرشيد، ونصَبَ رأسَهُ على الجسر. ثم خرج الرشيد، فنظر إليه فتأمَّلَه، ثم أنشأ يقول: تقاضاكَ دَهْرُكَ ما أسْلَفَا … وكُدِّرَ عيشُكَ بعدَ الصَّفَا فلا تَعْجَبَنَ فإنَّ الزمانَ … رَهينٌ بتفريقِ ما ألَّفَا قال: فنظرتُ إلى جعفرٍ وقلت: أمَا لئنْ أصبَحْتَ اليومَ آية، فلقد كنتَ في الكرَمِ والجودِ غاية. قال: فنظَرَ إليَّ كأنَّهُ جَملٌ صَؤول، ثم أنشأ يقول: ما يَعْجبُ العالَمُ من جعفرٍ … ما عايَنُوهُ فبِنَا كانا مَنْ جعفرٌ أوْ مَنْ أبوهُ ومَنْ … كانتْ بنو بَرْمكٍ لولانا ثم حَوَّلَ وَجْهَ فرسِهِ وانصرف. وقد كان مَقْتلُ جعفرٍ ليلةَ السبت، مُستهلَّ صفَر، من سنةِ سبع وثمانين ومئة. وكان عمرُه سبعًا وثلاثين سنة. ومكَثَ وزيرًا سبعَ عشرةَ سنةً. وقد دَخَلَتْ عُبادةُ أمُّ جعفرٍ على أناسٍ في يومِ أضْحَى تَسْتَمنحُهم جلدَ كبشٍ تدفَأُ به؛ فسألوها عما كانتْ فه من النِّعمة؟ فقالت: لقد أصبحتُ في مثلِ هذا اليوم وإنَّ على رأسي أربعَمئة وصيفة، وأقول: إنَّ ابني جعفرًا عاقٌ لي. وروى الخطيبُ البغداديُّ بإسناده، أنَّ سفيان بنَ عُيَيْنَةَ لَمَّا بلَغَهُ قتلُ الرشيد جعفرًا، وما أحلَّ

стр. 4987

بالبرامكة، استقبل القِبْلَةَ وقال: اللهمَّ إنَّ جعفرًا كان قد كفاني مؤنةَ الدنيا، فأكْفِهِ مؤنةَ الآخرة. حكاية غريبة ذكر ابنُ الجَوْزي في "المنتظَم" (١) أنَّ المأمونَ بلغه أنَّ رجلًا يأتي كلَّ يومٍ إلى قبورِ البرامكة، فيبكي عليهم ويَندُبُهم، فبعث منْ جاء به، فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك! ما يَحمِلُكَ على صنيعِكَ هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين. إنَّهم أسدَوْا إليَّ معروفًا وخيرًا كثيرًا. فقال وما الذي أسدوْهُ إليك؟ فقال: أنا المنذرُ بن المغيرة، من أهل دمشق، كنتُ بدمشقَ في نعمةٍ عظيمةٍ واسعة، فزالَتْ عنِّي حتى أفضَى بيَ الحالُ إلى أنْ بِعتُ داري، ثم لم يبقَ لي شيء؛ فأشار بعضُ أصحابي علي بقَصْدِ البرامكةِ ببغداد؛ فأتيتُ أهلي، وتحمَّلْتُ بعيالي، فأتيتُ بغدادَ ومعي نَيِّفٌ وعشرون امرأةً، فأنزلتُهُنَّ في مسجدٍ مهجور، ثم قصدتُ مسجدًا مأهولًا أُصَلِّي فيه، فدخلتُ مسجدًا فيه جماعةٌ لم أرَ أحسنَ وجوهًا منهم، فجلستُ إليهم، فجعلتُ أُديرُ في نفسي كلامًا أطلبُ به منهم قُوتًا للعِيَالِ الذين معي؛ فيمنَعُني من ذلك السؤالِ الحياءُ؛ فبينا أنا كذلك إذا بخادمٍ قد أقبَل، فدعاهم فقاموا كلُّهم، وقمتُ معهم، فدخلوا دارًا عظيمة، فإذا الوزيرُ يحيى بنُ خالد جالسٌ فيها، فجلسوا حولَه، فعَقَدَ عَقْدَ ابنتِهِ عائشةَ على ابنِ عمٍّ له، ونثروا فِلَقَ المسكِ وبنادِقَ العَنْبَر؛ ثم جاء الخَدمُ إلى كلِّ واحدٍ من الجماعة بصينيَّةٍ من فِضَّة، فيها ألفُ دينار، ومعها فُتاتُ المسك. فأخذَها القومُ ونَهضوا، وبَقيتُ أنا جالسًا، وبين يديَّ الصينيَّةُ التي وضعوها لي، وأنا أهابُ أنْ آخذَها من عظَمَتها في نفسي؛ فقال لي بعضُ الحاضرين: ألا تأخذُها وتذهب؟ فمدَدْتُ يدي فأخذتُها، فأفرغتُ ذهبَها في جَيبي، وأخذتُ الصينيَّةَ تحتَ إبْطي، وقمتُ وأنا خائفٌ أنْ تُؤخذَ منِّي، فجعلتُ أتلَفَّتُ والوزيرُ ينظرُ إليّ، وأنا لا أشعرُ؛ فلما بلغتُ السِّتارة، أمَرَهُمْ فرَدُّوني، فيئستُ من المال، فلما رجعْتُ قال لي: ما شأنُكَ خائف؟ فقصصتُ عليه خَبَري. فبَكى ثم قالَ لأولادِه: خذوا هذا فضمُّوهُ إليكم. فجاءني خادِم، فأخذ مني الصينيَّةَ والذهب، وأقمتُ عندَهم عشرةَ أيامٍ، من ولدٍ إلى ولد، وخاطري كلُّه عندَ عيالي ولا يُمْكنني الانصراف. فلما انقضَتِ العشرةُ الأيام جاءني خادمٌ فقال: ألا تذهبُ إلى عيالِك؟ فقلت: بلى واللَّه. فقام يَمشي أمامي، ولم يعطِني الذهبَ ولا الصّينيَّة، فقلت: يا ليتَ هذا كانَ قبلَ أنْ تؤخذ مني الصينيَّةُ والذهب، يا ليتَ عيالي رأوا ذلك. فسارَ يَمشي أمامي إلى دارٍ لم أَرَ أحسنَ منها! فدخلتُها، فإذا عيالي يتمرَّغون في الذهب، والحرير فيها، وقد بعثوا إلى الدارِ مئةَ ألفِ درهم، وعشرةَ آلاف دينار، وكتابًا فيه تمليكُ الدارِ بما فيها، وكتابًا آخرَ فيه تمليكُ قريتَيْنِ جليلتين. فكنتُ مع البرامكةِ في أطيبِ عيش؛ فلما أُصيبوا أخذ مني عمرو بن مَسْعَدةَ القَرْيَتَيْن، وألزَمَني بخراجهما؛ فَكُلَّما لَحِقَتْني فاقةٌ قصدتُ دورَهم وقبورَهم، فبكَيْتُ عليهم. فأمرَ

стр. 4988

المأمونُ بِرَدِّ القريتَيْن، فبكى الشيخُ بكاءٍ شديدًا؛ فقال المأمون: ما لَك؟ ألم أستأنِفْ بك جميلًا؟ قال: بلَى. ولكنْ هو من بركةِ البرامكة. فقال له المأمون: امضِ مُصاحَبًا، فإنَّ الوفاءَ مُبارَك، ومراعاةُ حُسنِ العَهْدِ والصُّحْبَةِ من الإيمان. وفيها توفي: الفُضَيل بن عِيَاض (١) أبو علي التَّميمي، أحدُ أئمةِ العُبَّاد الزُّهَّاد، وهو أحد العلماء والأولياء. ولد بخُراسان، بكُورَةِ دِيْنَوَر، وقدم الكوفةَ وهو كبير، فسمع به الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، وحُصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. ثم انتقل إلى مكة، فتعبَّدَ بها. وكان حسَنَ التلاوة، كثيرَ الصلاةِ والصيام؛ وكان سيدًا جليلًا، ثقةً، من أئمة الرواية. ﵀ ورضي عنه. وله مع الرشيدِ قضَةٌ طويلة، وقد روَيْنا ذلك مُطوَّلًا في كيفيَّةِ دخولِ الرشيد عليه مَنْزِلَه؛ وما قال له الفُضَيل بن عياض؛ وعرَض عليه الرشيدُ المال، فأبَى أنْ يقبلَ منه ذلك. توفي بمكة في المحرَّم من هذه السنة. وذكروا أنه كان شاطرًا يقطعُ الطريق. وكان يتعشَّقُ جاريةً، فبينما هو ذات ليلةٍ يتسوَّرُ عليها جدارًا إذْ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فقال: بلَى. وتابَ وأقلَعَ عمَّا كان عليه، ورجَعَ إلى خَربةٍ فباتَ بها، فسمع سُفَّارًا يقولون: انهضوا بنا نسافر. فقال بعضُهم (٢): إنَّ فُضَيلًا أمامَكم يقطعُ الطريق. فأمَّنهم واستمرَّ على توبته، حتى كان منه ما كان، من السيادَةِ والزَّهادة؛ ثم صار علَمًا يُقتدى به، ويُهتدَى بكلامهِ وفعالِه. قال الفُضيل: لو أنَّ الدنيا كلَّها حلالٌ لا أُحاسبُ بها، لكنتُ أتقذَّرُها كما يتقذَّرُ أحدُكم الجيفةَ إذا مَرَّ بها أنْ تُصيبَ ثوبَه (٣).

стр. 4989

وقال: العملُ لأجلِ الناسِ شِرْك، وتَرْكُ العملِ لأجلِ الناسِ رياء؛ والإخلاصُ أنْ يُعافيكَ اللَّه منها. وقال له الرشيدُ يومًا: ما أزْهَدَك! فقال: أنتَ أزهدُ مني، لأني أنا زَهِدْتُ في الدنيا التي هي أقل من جناحِ بعوضة، وأنتَ زهدْتَ في الآخرةِ الباقيَةِ؛ فأنا زاهدٌ في الفانِي، وأنتَ زاهدٌ في الباقي؛ ومنْ زَهدَ في دُرَّةٍ، أزهَدُ ممَّنْ زَهِدَ في بَعْرَة. وقد رُوي مثلُ هذا عن أبي حازمٍ أنه قال ذلك لسليمانَ بنِ عبدِ الملك. وقال: لو أنَّ لي دعوةً مستجابةً لجعلتُها للإمام؛ لأنَّ بهِ صلاحَ الرَّعيَّة، فإذا صَلَحَ أمِنَتِ العبادُ والبلاد. وقال: إني لأعصي اللَّه، فأعرفُ ذلك في خُلُقِ حماري وخادمي وامرأتي وفأرِ بيتي. وقال في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧ والملك: ٢]. قال: يعني أخلصَهُ وأصوبَهُ؛ إنَّ العمل يجبُ أنْ يكونَ خالصًا للَّه، وصوابًا على متابعةِ النبيِّ ﷺ . وفيها توفي: بشرُ بن المفضَّل. وعبدُ السلام بن حرب. وعبدُ العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْديّ. وعبدُ العزيز العمِّي. وعلي بن عيسى الأميرُ ببلادِ الروم مع القاسم بنِ الرشيد في الصائفة. ومعتمرُ بن سليمان. وأبو شُعيب البَرَاثيُّ الزاهد (١): وكان أولَ منْ سكنَ بَراثا (٢) في كوخٍ له يتعبَّدُ فيه، فهَوِيَتْهُ امرأةٌ من

стр. 4990

بنات الرؤساء، فانخلعَتْ ممَّا كانتْ فيه من الدنيا والسعادةِ والحِشْمة، وتزوَّجَتْهُ وأقامتْ معهُ في كُوخِه تتعبَّد حتى ماتا. يُقال: إنَّ اسمَها جوهرة. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئة فيها غزا إبراهيمُ بن جبريل (١) الصائفة، فدخل بلادَ الرُّوم من دَرْبِ الصَّفْصَاف، فخرج النَّقْفُورُ للقائه، فجُرح النقفورُ ثلاث جِرَاحات، وانهزم، وقُتل من أصحابِهِ أكثر من أربعينَ ألفًا. وغَنِموا أكثرَ من أربعةِ آلاف دابَّة. وفيها رابط القاسمُ بن الرشيد بمَرْجِ دابق. وفيها حجَّ بالناسِ الرشيد، وكانتْ آخرَ حجَّاتِه. وقد قال أبو بكر بن عيَّاش حين رأى الرشيدَ منصرفًا من الحج، وقدِ اجتازَ بالكوفة: لا يحجُّ الرشيدُ بعدَها، ولا يحجُّ بعدَهُ خليفةٌ أبدًا. وقد رأى الرشيد بُهلول المولَّه فوعظَهُ موعظةً حسنة. فرَوَيْنا من طريقِ الفَضْل بن الربيع الحاجب، قال: حجَجْتُ مع الرشيد، فمرَرْنا بالكوفة، فإذا بُهلول المجنون يَهْذي، فقلت: اسكُتْ فقد أقبلَ أميرُ المؤمنين. فسكَت، فلما حاذاهُ الهَوْدجُ قال: يا أميرَ المؤمنين، حدَّثني أيمنُ بن نابِل (٢)، حدّثنا قُدَامةُ بن عبد اللَّه العامري، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ بمنًى على جمل، وتحتَهُ رَحْلٌ رَثّ، ولم يكنْ ثمَّ طَرْدٌ ولا ضَرْبٌ، ولا إليكَ إليكَ. قال الفضل بن الربيع: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، إنَّهُ بُهلول. فقال: قد عرفتُه، قُلْ يا بُهلول. فقال: فهبْ أنْ قدْ مَلَكتَ الأرضَ طُرًّا … ودانَ لك العبادُ فكانَ ماذا أليس غدًا مَصيرُكَ جَوْفَ قَبْرٍ … ويَحْثُو التُّرْبَ هذا ثُمَّ هذا قال: أجدتَ يا بُهلول، أفغيره؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، منْ رزَقَهُ اللَّه مالًا وجمالًا فعَفَّ في جمالِه، وواسَى في مالِه، كُتب في ديوانِ اللَّه من الأبرار. قال: فظنَّ أنهُ يُريدُ شيئًا، فقال: إنَّا أمَرْنا بقضاءَ دَيْنِك. فقال: لا تفعلْ يا أميرَ المؤمنين، لا يُقضَى ديْنٌ بدَيْن، ارْدُدِ الحقَّ إلى أهلِهِ، واقضِ دَيْنَ نفسِك من نفسِك. قال: إنَّا أمرْنا أنْ يُجرَى عليك رزقٌ تقتاتُ به. قال: لا تَفْعلْ يا أميرَ المؤمنين، فإنه سبحانه لا يُعطيك وينساني؛ وها أنا قد عشتُ عمرًا لم تُجْرِ عليَّ زرقًا، انصرِفْ، لا حاجةَ لي في جِرَايتِك. قال: هذه ألفُ دينارٍ خُذْها. فقال: اردُدْها على أصحابِها فهو خيرٌ لك؛ وما أصنعُ أنا بها؟!

стр. 4991

انصرِفْ عنِّي، فقد آذَيْتني. قال: فانصرفَ عنه الرشيدُ وقد تصاغرَتْ عندَهُ الدنيا (١). وممن تُوفِّي فيها من الأعيان: أبو إسحاق الفَزَاري (٢) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة، إمامُ أهلِ الشام في المغازي وغيرِ ذلك. أخذ عن الثوري، والأوزاعي، وغيرهما. تُوفي في هذه السنة، وقيل قبلَها (٣). وإبراهيم الموصلي (٤) النَّديم وهو إبراهيم بن ماهان بن بهمن، أبو إسحاق، أحدُ الشعراءَ والمغنّين والنُّدماء للرشيد وغيره؛ أصلُهُ من الفُرْس، ووُلد بالكوفة، وصحب شبابَها، وأخذ عنهمُ الغناء، فأجاد في عِلْمِهِ. ثم سافر إلى المَوْصِل، ثم عاد إلى الكوفة، فقالوا له: الموصلي. ثم اتصل بالخلفاء، أولُهم المهدي، وحَظِيَ عند الرشيد. وكان من جُملةِ سُفَارِهِ ونُدَمائهِ ومُغنِّيه. وقد أثرَى وكَثُرَ مالُه جدًّا، حتى قيل: إنه ترك أربعة وعشرينَ ألفَ الف درهم. وكانتْ له طُرفٌ وحكاياتٌ غَريبة. وكان مولدُه سنةَ خمسَ عشرةَ ومئة في الكوفة، ونشأ في كفالةِ بني تميم، فتعلَّم منهم، ونُسب إليهم. وكان فاضلًا بارعًا في صناعةِ الغناء. وكان مُزَوَّجًا بأختِ المنصور الملقَّب بِزَلْزَل (٥) الذي كان يضرب معه، فإذا غنَّى هذا وضربَ هذا اهتزَّ المجلس. تُوفي في هذه السنةِ على الصحيح. وحكى ابنُ خَلِّكان في الوفيات (٦)، أنه توفي وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني ببغداد في يومٍ واحد، من سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئتين، وصحح الأول. ومن قولِهِ في شعرِهِ عند احتضارِه قولُه: مَلَّ واللَّه طَبيبي … منْ مُقاساةِ الذي بي سوف أُنْعَى عن قريبٍ … لِعَدُوٍّ وحَبيبِ وفيها مات: جَرير بنُ عبدِ الحميد.

стр. 4992

ورِشْدِينُ بنُ سعد. وعَبْدةُ بن سليمان. وعُقبةُ بن خالد. وعمر بن أيوب العابد، أحدُ مشايخِ أحمدَ بنِ حنبل. وعيسى بنُ يونس في قول. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومئة فيها رَجَعَ الرشيدُ من الحج، وسار إلى الرَّيّ، فولَّى وعزل. وفيها ردَّ عليٍّ بن عيسى إلى ولايةِ خُراسان. وجاءه نُوَّابُ تلكَ البلاد بالهدايا والتُّحف من سائرِ الأشكالِ والألوان. ثم عاد إلى بغداد، فأَدرَكهُ عيدُ الأضحى بقصر اللصوص (١)، فضحَّى عندَه، ودخل إلى بغداد لثلاثٍ بَقينَ من ذي الحجَّة؛ فلما اجتاز بالجسر أمرَ بجثَّةِ جعفر بن يحيى البرمكي فحُرِّقَتْ ودُفنتْ، وكانت مصلوبةً من حينِ قُتل إلى هذا اليوم. ثم ارتحل الرشيدُ من بغدادَ إلى الرقَّة ليسكنَها، وهو متأسِّفٌ على بغدادَ وطيبها، وإنما مرادُهُ بمُقَامِهِ بالرقَّةِ رَدْعُ المفسدين بها. وقد قال العباسُ بن الأحنف في خروجِهم من بغدادَ مع الرشيد: ما أنَخْنَا حتى ارْتَحَلْنا فما نَفْـ … ــرِقُ بين المُنَاخِ والارتحالِ ساءَلونا عن حالِنا إذْ قَدِمنا … فقَرَنَّا وداعَهم بالسُّؤالِ (٢) وفيها فادَى الرشيدُ الأسارى من المسلمين الذين كانوا ببلادِ الرُّوم، حتى يُقال إنه لم يترُكْ بها أسيرًا من المسلمين، فقال فيه بعضُ الشعراء: وفُكَّتْ بك الأسرى التي شُيِّدَتْ لَها … مَحَابسُ ما فيها حَميمٌ يَزورُها

стр. 4993

على حين أعيا المسلمينَ فكاكُها … وقالوا سجونُ المشركينَ قبورُها (١) وفيها رابطَ القاسمُ بنُ الرشيد بمَرْجِ دابِق يُحاصِر الرُّوم. وفيها حجَّ بالناس العباسُ بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. ذكرُ من تُوفي فيها من الأعيان: علي بن حمزة بن عبد اللَّه بن فَيْروز (٢) أبو الحسن الأسدِي مولاهم، الكوفي، المعروف بالكِسائي، لإحرامهِ في كِسَاء؛ وقيل: لاشتغالِهِ على حمزةَ الزيَّات في كِسَاء. كان نَحْوِيًّا لُغَويًا، أحدَ أئمةِ القُرَّاء. أصله من الكوفة، ثم استوطنَ بغداد، فأدَّبَ الرشيد وولدَهُ الأمين. وقد قرأ على حَمْزةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ قراءتَه؛ وكان يُقرئ بها، ثم اختارَ لنفسِهِ قراءةً، وكان يقرأ بها. وقد روَى عن أبي بكرٍ بن عيَّاش، وسفيان بن عُيينةَ وغيرِهما. وعنه يحيى بنُ زياد الفرَّاء، وأبو عُبيد. قال الشافعي: منْ أرادَ النحوَ فهو عيالٌ على الكِسَائي. أخذَ الكسائيُّ عن الخليل صناعةَ النَّحْو، فسألَهُ يومًا عن منْ أخذتَ هذا العلم؟ قال: منْ بَوَادي الحِجاز. فرحَلَ الكِسَائي إلى هناك؛ فكتبَ عن العرب شيئًا كثيرًا، ثم عاد إلى الخليل، فإذا هو قد مات، وتصدَّرَ في موضِعِه يونس؛ فجرَتْ بينهما مناظراتٌ أقَرَّ له فيها يونُسُ بالفَضْل وأجلسه في موضعه. قال الكِسَائي: صليت يومًا بالرشيد، فأعجَبَتْني قراءتي، فغَلِطتُ غلطة ما غَلِطَها صبيّ، أردتُ أنْ أقول ﴿لَعَلَّهُمْ يَرجِعُونَ﴾ فقلت: لعلَّهم يرجعين، فما تَجاسَرَ الرشيدُ أنْ يردَّها، فلما سلَّمْتُ قال: أيُّ لغةٍ هذه؟ فقلتُ: إنَّ الجوادَ قد يَعْثُر. فقال: أمَّا هذا فنعَمْ. وقال بعضُهم: لَقِيتُ الكِسَائيّ، فإذا هو مهموم، فقلت: ما لَك؟ فقال: إنَّ يحيى بنَ خالدٍ قد وجَّهَ إليَّ لِيسألَني عن أشياء، فأخشى من الخطأ. فقلت: قُلْ ما شئت، فأنتَ الكِسَائي. فقال: قطعَهُ اللَّه -يعني لسانَه- إنْ قلتُ ما لم أعلمْ. وقال الكسائيُّ يومًا: قلتُ لنجَّار: بكم هذانِ البابان؟ فقال: بسَلْحَتان يا مَصْفَعان (٣).

стр. 4994

تُوفي الكِسَائيُّ في هذه السنةِ على المشهور، عن سبعين سنة. وكان في صُحْبةِ الرشيدِ ببلادِ الرَّيّ، فمات بنواحيها، هو ومحمد بن الحسن في يومٍ واحد. وكان الرشيدُ يقول: دفنتُ الفقهَ والعربيةَ بالرَّي. قال ابن خَلِّكان (١): وقيل: إنَّ الكِسَائي توفي بطُوسَ سنةَ ثنتين [أو ثلاث] وثمانين ومئة. واللَّه أعلم. وقد رأى بعضُهم الكِسَائي في المنام ووجهُه كالبَدْر، فقال: ما فعل بكَ ربُّك؟ فقال: غفَرَ لي بالقرآن. فقلت: ما فعل حمزة؟ قال: ذاك في عِلِّيِّين، ما نراهُ إلا كما نَرَى الكوكب. وفيها توفي: محمد بن الحسن بن فَرْقَد (٢) أبو عبد اللَّه الشيباني مولاهم، صاحبُ أبي حنيفة، أصلُهُ من قريةٍ من قُرى دمشق، قدم أبوه العراق، فولد بواسط سنةَ ثنتَيْن ومئة، ونشأ بالكوفة. فسمع من أبي حنيفة، ومِسْعَر، والثوري، وعمر بن ذر، ومالك بن مِغْوَل. وكتب عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وأبي يوسف. وسكن بغداد، وحدَّث بها. وكتب عنه الشافعي حين قَدِمها في سنةِ أربعٍ وثمانين ومئة، وولَّاه الرشيدُ قضاءَ الرقَّة، ثم عزله. وخرج مع الرشيد إلى الرَّي فماتَ بها. وكان يقولُ لأهله: لا تسألوني حاجةً من حاجاتِ الدنيا فتشغَلُوا قلبي، وخذوا ما شئتُم من رَحْلي، فإنه أقل لِهَمِّي، وأفرغُ لقلبي. وقال الشافعي: ما رأيتُ حبرًا سمينًا مثلَه! ولا رأيتُ أخفَّ روحًا منه، ولا أفصحَ منه؛ كنتُ إذا سمعتُه يقرأُ القرآنَ كأنَّما يَنْزِلُ القرآنُ بلغتِه. وقال أيضًا: ما رأيتُ أعقلَ منه! كانَ يملأ العَيْنَ والقلب. قال الطَّحَاويّ: كان الشافعيُّ قد طلبَ من محمدِ بنِ الحسن كتاب السِّيَر، فلم يُجِبْهُ إلى الإعارة. فكتب إليه:

стр. 4995

قُلْ للذي لم تَرَ عَيْـ … ــنَا منْ رآهُ مثلَهُ حتى كأنَّ منْ رآ … هُ قد رأى منْ قبلَهُ العلمُ يَنْهَى أهلَهُ … أنْ يَمْنَعُوهُ أهْلَهُ لعلَّهُ يَبْذُلُهُ … لأهلِهِ لَعَلَّهُ (١) قال: فوجَّهَ به إليهِ في الحالِ هديَّةً لا عارِيَّة. وقال إبراهيمُ الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدِّقَاق، منْ أين هي لك؟ قال: من كُتب محمدِ بنِ الحسن ﵀. وقد تقدَّمَ أنه ماتَ هو والكِسَائي في يومٍ واحدٍ من هذه السنة. فقال الرشيد: دفنتُ اليومَ اللغةَ والفِقْه جميعًا. وكان عمرهُ ثمانيةً وخمسين سنة. ثم دخلت سنة تسعين ومئة من الهجرة فيها خلَعَ رافعُ بنُ لَيْث بنِ نصر بن سَيَّار نائبُ سَمَرْقَنْدَ الطاعة، ودَعَا إلى نفسه، وتابعَهُ أهلُ بلدِهِ وطائفةٌ كثيرة من تلك الناحية؛ واستفحل أمرُه، فسار إليه نائبُ خُرَاسانَ عليُّ بن عيسى، فهزمَهُ رافع، وتفاقَمَ الإمرُ به. وفيها سار الرشيدُ لِغَزْوِ بلادِ الرُّوم لعشرٍ بَقينَ من رجب، وقد لبس على رأسِهِ قَلَنْسُوةً، فقال فيه أبو المعلّى الكلابي: فمَنْ يطلُبْ لقاءَكَ أو يُرِدْهُ … فبالحرَمَيْنِ أو أقصَى الثُّغورِ ففي أرضِ العدوِّ على طِمِرٍّ … وفي أرض التَّرَفُّهِ (٢) فَوْقَ كُورِ وما حازَ الثغورَ سواكَ خَلْقٌ … من المتخلِّفينَ على الأمورِ (٣) فسارَ حتى وصل إلى الطُّوَانَة (٤)، فعسكر بها وبعث إليه نَقْفُور إليه بالطاعة، وحَمَلَ الخراجَ والجِزْيَة، حتى عن رأسِ وَلَدِه ورأسِه، وأهلِ مملكتِه، في كلِّ سنةٍ خمسةَ عشرَ ألفَ دينار. وبعثَ يَطْلبُ من الرشيدِ جارية قد أسروها، وكانتِ ابنةَ ملكِ هِرَقْلَة، وكان قد خطبَهَا على ولَدِه. فبعث بها الرشيدُ مع

стр. 4996

هدايا وتُحَفٍ وطيبٍ بعَثَ يطلُبُهُ من الرشيد. واشترَطَ عليه الرشيدُ أنْ يَحْمِلَ كلَّ سنةٍ ثلاثَ مئةِ ألف دينار، وأنْ لا يَعْمُرَ هِرَقْلَة. ثم انصرف الرشيدُ راجعًا، واستناب على الغَزْو عُقْبَةَ بن جعفر. ونقَضَ أهلُ قُبْرُصَ العَهْد، فغزاهُمْ مَعْيوفُ بن يحيى، فسَبَى أهلَها، وقتل منهم خلقًا كثيرًا. وخرج رجلٌ من عَبْدِ القَيْس، فبعث إليه الرشيدُ منْ قَتَله. وحجَّ بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي. ممن توفِّي فيها من الأعيان والمشاهير: أسد بن عمرو بن عامر (١) أبو المنذر البَجَليُّ الكوفيّ، صاحبُ أبي حَنيفة، حكم ببغداد وبِوَاسِط، فلما أَنْكَرَ بصَره عزَلَ نفسَهُ عن القضاء. قال أحمدُ بن حنبل (٢): كان صدوقًا. ووثقه ابنُ معين، وتكلَّم فيه علي بن المَديني، والبخاري. وسَعْدُون المجنون (٣): صامَ ستين سنة، فخفَّ دِمَاغُه، فسمَّاهُ الناسُ مجنونًا، وقف يومًا على حَلْقَةِ ذي النُّون المِصري، فسمع كلامَهُ فصرَخ، ثم أنشأ يقول: ولاخيرَ في شَكْوَى إلى غيرِ مُشْتَكى … ولا بُدَّ من شكوى إذا لم يكنْ صَبْرُ وقال الأصمعي: مرَرْتُ به وهو جالسٌ عند رأسِ شيخٍ سكران، يذبُّ عنه، فقلتُ له: ما لي أراك عندَ رأسِ هذا الشيخ؟ فقال: إنه مجنون. فقلت: أنتَ مجنونٌ أوْ هو؟ قال: لا، بل هو، لأني صلَّيتُ الظهر والعصرَ في جماعة، وهو لم يصلِّ جماعةً ولا فُرَادى. وهو مع هذا قد شرِبَ الخمر، وأنا لم أشرَبْها. قلتُ: فهل قلتَ في هذا شيئًا؟ قال: نَعمْ. ثم أنشأ يقول:

стр. 4997

تركتُ النبيذَ لأهلِ النبيذِ … وأصبحتُ أشربُ ماءً قَرَاحا لأنَّ النبيذَ يُذلُّ العزيزَ … ويَكْسُو السوادَ الوجوهَ الصِّبَاحا فإنْ كان ذا جائزًا للشبابِ … فما العُذْرُ منه إذا الشَّيبُ لاحا قال الأصمعي: فقلتُ له: صدقتَ. أنتَ العاقلُ وهو المجنون. وعُبيدة بنُ حُميد بن صُهيب (١) أبو عبد الرحمن التَّيْمي (٢)، الكوفي، مؤدِّبُ الأمين. روى عن الأعمش وغيرِه. وعنه أحمدُ بن حنبل، وكان يُثْني عليه. وفيها توفي: يحيى بن خالد بن بَرْمَك (٣) أبو علي الوزير، والدُ جعفرٍ البَرْمكي، ضمَّ إليه المهديُّ ولَدَهُ الرشيدَ فربَّاهُ، وأرضعَتْهُ امرأتُهُ مع الفضلِ بنِ يحيى، فلمَّا وُلَي الرشيد، عرف له حقَه، وكان يقول: قال أبي، قال أبي. وفوَّضَ إليه أمورَ الخلافةِ وأزِفَتَها، ولم يزَلْ كذلك حتى نُكِبَتِ البرامكة، فقتل جعفرًا (٤)، وخَلَّدَ أباه يحيى في الحبسِ حتى ماتَ في هذه السنة. وكان كريمًا فَصِيحًا ذا رأيٍ سديد، يظهَرُ من أمورِهِ خيرٌ وصلاح. قال يومًا لولَدِهِ: خُذوا من كلِّ شيء طَرَفًا، فإنَّ منْ جَهِل شيئًا عاداه. وقال لأولاده: اكتبوا أحسنَ ما تسمعون، واحفظوا أحسنَ ما تكتبون، وتحدَّثوا بأحسنِ ما تحفظون. وكان يقولُ لهم: إذا أقبلتِ الدنيا فأنفِقوا منها، فإنَّها لا تبقَى، وإذا أدْبَرَتْ فانِفقوا منها فإنَّها لا تبقَى (٥).

стр. 4998

وكان إذا سأله سائلٌ في الطريق وهو راكب أقلُّ (١) ما يأمُرُ له بمئتي درهم. فقال رجلٌ يومًا: يا سَميَّ الحَصُورِ يحيى أُتيحَتْ … لكَ من فضلِ رَبِّنا جَنَّتانِ كل منْ مَرَّ في الطريقِ عليكُمْ … فلَهُ منْ نَوَالِكُمْ مِئتانِ مِئتا دِرْهمٍ لِمِثْلي قليلٌ … هي منكمْ للفارسِ العَجْلانِ فقال: صدَقْت. وأمرَ أنْ يُسبَق به إلى الدار، فلما رجَعَ سأل عنه، فإذا هو قد تزوَّج، وهو يريدُ أن يدخلَ على أهلِه، فأعطاهُ صداقها أربعةَ آلاف، وعن دار أربعةَ آلاف، وعن الأمتعةِ أربعةَ آلاف، وعن الدخول أربعة آلاف، وأربعة آلاف يستظهر بها. وجاءَهُ رجلٌ يومًا فسأله شيئًا، فقال: وَيْحَك لقد جئتَني في وقتٍ لا أملِكُ فيه مالًا؛ ولكنْ بعث إليَّ صاحبٌ لي يطلُبُ مني أنْ يُهدي إليَّ ما أحب، وقد بلغني أنكَ تُريد أن تبيعَ جارية لك، وأنَّك فد أُعطيتَ فيها ثلاثةَ آلاف دينار، وإني ساطلُبها، فلا تَبِعْها منه بأقلَّ من ثلاثينَ ألفَ دينار. فجاؤوني فبلغوا معي بالمساومةِ إلى عشرين ألفَ دينار، فلما سمعتُها ضَعُفَ قلبي عن رَدِّها، وأجَبْتُ إلى بيعها، فأخَذَها، وأخذتُ العشرين ألفَ دينار، فأهداها إلى يحيى. فلما اجتمعتُ بيحيى قال: بكم بعتَها؟ قلتُ: بعشرين ألفَ دينار. قال: إنك لَخَسيس، خُذْ جاريتَك إليك. وقد بعث إليَّ صاحبُ فارس، يطلبُ مني أنْ أستهديَهُ شيئًا، وإني ساطلُبها منه، فلا تَبِعْها بأقلَّ من خمسينَ ألفَ دينار. فجاؤوني فوصلوا في ثمنِها إلى ثلاثين ألفَ دينار، فبعتُها منهم. فلمّا جئتُه لامني أيضًا وردَّها عليّ، فقلتُ: أُشهدُك أنَّها حُرَّة، وأني قد تزوَّجْتُها؛ وقلت: جاريةٌ قد أفادَتْني خمسين ألف دينار، لا أفرِّطُ فيها بعدَ اليوم (٢). وذكر الخطيب، أنَّ الرشيد طلَبَ من منصورِ بنِ زياد عشرة آلاف ألف درهم، ولم يكنْ عندَهُ منها سوى ألفِ ألفِ درهم، فضاق ذَرْعًا، وقد توعَّده بالقتلِ وخرابِ الديار إنْ لم يحمِلْها في يومِه ذلك؛ فدخل على يحيى بنِ خالد، وذكرَ أمرَه، فاطلقَ له خمسةَ آلافِ ألف، واستطلق له من ابنِهِ الفضل ألفَيْ ألف، وقال لابنه: يا بُني، بلغَني أنك تُريدُ أن تشتريَ بها ضَيْعةً، وهذه ضيعةٌ تَغُلُّ الشكرَ وتبقى مدَى الدَّهر. وأخذ له من ابنِهِ جعفر ألفَ ألف، ومن جاريته دنانير عِقْدًا مُشتراه مئةُ ألف دينار، وعشرون ألف دينار، وقال للمترسّم عليه: قد حسبناهُ عليك بألفَيْ ألف. فلما عُرضتِ الأموالُ على الرشيد رَدَّ العِقْد، وكان قد وهبَهُ لجاريةِ يحيى، فلم يعدْ فيه بعدَ إذْ وَهَبه لها. وقال له بعضُ بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبتِ، بعدَ الأمرِ والنَّهْي والنِّعْمة صِرْنا إلى هذا الحال؟! فقال: يا بُني، دعوةُ مظلومٍ سرَتْ بلَيلٍ ونحن عنها غافلون، ولم يغفلِ اللَّه عنها. ثم أنشأ يقول: رُبَّ قومٍ قد غدَوْا في نعمةٍ … زمنًا والدَّهْرُ ريَّانٌ غَدَقْ

стр. 4999

سكَتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ … ثم أبكاهُمْ دمًا حين نَطَقْ (١) وقد كان يحيى بن خالد هذا يُجري على سفيانَ بن عُيينة كل شهرِ ألفَ درهم، وكان سفيانُ يدعو له في سجودِهِ يقول: اللهمَّ إنه قد كفاني المؤنة، وفرَّغني للعبادة، فاكفِهِ أمرَ آخرتِه. فلما مات يحيى رآه بعضُ أصحابِه في المنام فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفَرَ لي بدُعاءِ سفيان. وقد كانتْ وفاةُ يحيى بنِ خالد ﵀ في الحبس في الرَّافِقَة، لثلاثٍ خلَوْنَ من المحرَّم من هذه السنة، عن سبعين سنة، وصلَّى عليه ابنُه الفَضْل، ودُفن على شطَّ الفُرَات؛ وقد وُجد في جَيبه رُقْعةٌ مكتوبٌ فيها بخَطِّه: قد تقدَّمَ الخَصْم والمدَّعَى عليه بالأثر، والحاكمُ الحكَمُ العَدْلُ الذي لا يَجُور، ولا يحتاجُ إلى بَيِّنة. فحُملتْ إلى الرشيد، فلما قرَأها بكَى يومَه ذلك، وبقي أيامًا يتبيَّنُ الأسى في وَجْهِه. وقد قال بعضُ الشعراء في يحيى بن خالد: سألتُ النَّدى: هل أنتَ حُرٌّ؟ فقال: لا … ولكنَني عبدٌ ليَحيى بنِ خالدِ فقلتُ: شِراءً؟ قال: لا بلْ وِرَاثةً … توارَثَ رِقِّي والدٌ بعدَ والِدِ ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومئة فيها خرج رجلٌ بسوادِ العراق يُقال له ثَرْوان بن سيف، وجعل يتنقَّلُ فيها من بلدٍ إلى بلد، فوجَّه إليه الرشيدُ طَوْق بن مالك فهزمَه، وجرح ثروانَ وقتلَ عامَّة أصحابِه، وكتب بالفتحِ إلى الرشيد. وفيها خرج بالشام أبو النِّداء، فوجَّه إليه الرشيدُ يحيى بنَ معاذ، واستنابه على الشام. وفيها وقع الثلجُ ببغداد. وفيها غزا بلادَ الروم يزيدُ بن مخلد الهُبَيْري في عشرةِ آلاف، فأخذتْ عليه الرومُ المضيق، فقتلوه في خمسين من أصحابه، على مرحلتين من طَرَسُوس، وانهزم الباقون. وولَّى الرشيدُ غزوَ الصائفة لِهَرْثَمةَ بنِ أعْين، وضمَّ إليه ثلاثين ألفًا فيهم مسرورٌ الخادم، وإليه النفقات. وخرج الرشيد إلى الحَدَث (٢) ليكونَ قريبًا منهم. وأمر الرشيدُ بِهَدْمِ الكنائسِ والدُّيُور، وألزَمَ أهلَ الذِّمَّة بتمييزِ لباسِهم وهيئاتِهم في بغدادَ وغيرِها من البلاد.

стр. 5000

وفيها عزل الرشيدُ عليَّ بن موسى عن إمرة خُراسان، وولَّاها هَرْثَمةَ بن أعْيَن. وفيها فتح الرشيدُ هِرَقْلةَ في شوال، وخَرَّبَها، وسَبَى أهلَها، وبثَّ الجيوشَ والسَّرايا بأرضِ الرُّوم إلى عينِ زُرْبَة، والكنيسة السوداء، وكان دَخْلُ (١) هِرَقْلةَ في كلِّ يومٍ مئةَ ألف، وخمسةً وثلاثين ألفَ مُرْتَزق. ووُلِّيَ حُميد بن مَعْيُوف سواحلَ الشام إلى مصر؛ ودخل جزيرةَ قُبْرُص، فسَبَى أهلَها، وحمَلهم حتى باعَهُم بالرافِقَة؛ فبلغ ثَمَنُ الأسْقُفِّ ألفَيْ دينار، باعهم أبو البَخْتَري القاضي. وفيها أسلم الفضل بن سَهْل على يدَي المأمون. وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن عباس بن محمد بن علي العباسي، وكان واليَ مكة. ولم يكن للناس بعدَ هذه السنة صائفة إلى سنة خمسَ عشرةَ ومئتين. وفيها تُوفي من الأعيان: سَلَمةُ بن الفضل الأبرش. وعبدُ الرحمن بن القاسم (٢): الفقيه الراوي عن مالك، الذي هو العمدةُ في مذهب مالك فيما يرويه عن الإمام مالك. وكان من كبار الصالحين. وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق (٣): قدم على الرشيد، فأمر له بمالٍ جَزيل نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يقبَلْه. والفضل بن موسى السِّيناني. ومحمد بن سلمة. ومَخْلَد بن الحسين المِصِّيصِي (٤): أحدُ الزهَّاد الثقات. قال: لم أتكلَّمْ بكلمةٍ أحتاجُ إلى الاعتذارِ منها منذُ خمسين سنة.

стр. 5001

وفيها توفي معمَر الرقِّي. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومئة فيها دخل هَرْثَمةُ بن أعْيَن إلى خراسان نائبًا عليها، وقبض على علي بن عيسى، فأخذ أموالَهُ وحواصِلَه، وأركبه على بعير، وَجْهُه لِذَنَبه، ونادَى عليه ببلادِ خراسان، وكتب إلى الرشيدِ بذلك. فشكره على ذلك، ثم أرسله إلى الرشيد بعدَ ذلك، فحُبس بدارِهِ ببغداد. وفيها ولَّى الرشيدُ ثابتَ بنَ نصرِ بن مالك نيابةَ الثغور، فدخلَ بلادَ الروم، وفتح مطمور (١). وفيها كان الصُّلح بين المسلمين والرُّوم على يد ثابت بن نصر. وفيها خرجتِ الخُرَّمِيَّةُ بالجبل وبلادِ أذْرِبيجَان؛ فوخه الرشيدُ إليهم عبدَ اللَّه بن مالك بن الهيثم الخزاعي في عشرةِ آلافِ فارس؛ فقتل منهم خلقًا، وأسر وسَبَى ذَرَاريَّهُمْ، وقَدِم بهم بغدادَ، فأمَرَ له الرشيد بقتلِ الرجالِ منهم، وبالذُّرِّيَّةِ فبيعوا فيها، وكان قد غزاهم قبلَ ذلك خُزيمةُ بن خازِم. وفي ربيع الأول منها قدم الرشيدُ من الرقة إلى بغداد في السُّفُن، ومْد استخلف على الرَّقَّةِ ابنَهُ القاسم، وبين يديه خُزيمة بن خازم، ومن نِيَّةِ الرشيد الذهابُ إلى خراسان لغَزْوِ رافع بن ليث الذي كان قد خلَعَ الطاعةَ واستحوذَ على بلادٍ كثيرةٍ من بلادِ سَمَرْقَنْدَ وغيرِها. ثم خرج الرشيدُ في شعبانَ قاصدًا خراسان، واستخلف على بغدادَ ابنَه محمدًا الأمين، وسأل المأمونُ من أبيه أنْ يخرجَ معه خوفًا من غَدْرِ أخيه الأمين، فأذِنَ له، فسار معه وقد شكا الرشيدُ في أثناءَ الطريق إلى بعضِ أمرائه جفاء بَنِيهِ الثلاثة الذين جعلهم ولاة للعَهْدِ من بعدِه؛ وأراهُ داء في جسَدِه وقال: إنَّ لِكُل واحدٍ من الأمين والمأمون والقاسم عندي عَيْنًا عليّ، وهم يَعُدُّونَ أنفاسي، ويتمنَّوْنَ انقضاءَ أيَّامي، وذلك شَرٌّ لهم لو كانوا يعلمون. فدعا له ذلك الأمير؛ ثم أمر له الرشيدُ بالإنصرافِ إلى عمَلِهِ وودَّعَه، وكان آخِرَ العَهْدِ به. وفيها تحرَّك ثَرْوانُ الحَرُوريّ وقتل عاملَ السلطان بِطَفِّ البصرة (٢).

стр. 5002

وفيها قتل الرشيدُ الهَيْصَمَ اليماني. ومات عيسى بنُ جعفر وهو يريدُ اللَّحَاقَ بالرشيد، فمات في الطريق. وفيها حجَّ بالناس العباسُ بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي: إسماعيلُ بن جامع (١) بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن المطلب بن أبي وَدَاعة أبو القاسم، أحدُ المشاهيرِ بالغناء. كان مِمَّنْ يُضرب به المثَل. وقد كان أولًا يَحفَظُ القرآن، ثم صار إلى صناعةِ الغناء، وترك القرآن. وذكر عنه أبو الفرج بن علي بن الحسين صاحب الأغاني حكاياتٍ غريبة (٢)، من ذلك أنه قال: كنتُ يومًا مشرفًا من غُرْفةٍ بحرَّان (٣)، إذ أقبلَتْ جاريةٌ سوداء، معها قِرْبةٌ تستقي الماء، فجلسَتْ ووضَعَتْ قِربتَها واندفعتْ تُغنِّي: إلى اللَّه أشكو بُخْلَها وسماحتي … لها عَسَلٌ منِّي وتَبْذُلُ عَلْقَما فرُدِّي مُصَابَ القلبِ أنتِ قتلتِهِ … ولا تترُكِيهِ هائمَ القلبِ مُغْرَما قال: فسمعتُ ما لا صَبْرَ لي عنه، ورجَوْتُ أنْ تُعيدَه؛ فقامَتْ وانصرفَتْ، فنَزَلْتُ وانطلقتُ وراءها، وسألتُها أن تعيدَه، فقالت: إنَّ عليَّ خراجًا كلَّ يومٍ درهمَيْن، فأعطيتُها درهمين، فأعادَتْهُ، فحَفِظْتُهُ وسلكته يومي ذلك، فلما أصبحتُ أنسيتُه، فأقبلتِ السوداءُ فسألتُها أنْ تعيدَه، فلم تفعَلْ إلَّا بدرهمين، ثم قالت: كأنكَ تستكثرُ أربعةَ دراهم! كأنِّي بكَ وقد أخذتَ عليه أربعةَ آلافِ دينار. قال ابنُ جامع: فغنَّيتُهُ ليلةً للرشيد، فأعطاني ألفَ دينار، ثم استعادَنِيهِ ثلاثَ مرَّاتٍ أخرى، وأعطاني ثلاثةَ آلافِ دينار؛ فتبسَّمتُ، فقال: ممَّ تبسَّمتَ؟ فذكرتُ له القصة، فضَحِك وألقى إليَّ كيسًا آخرَ فيه ألفُ دينارٍ، وقال: لا أكذبُ السوداء. وحكى عنه أيضًا قال (٤): أصبحتُ يومًا بالمدينةِ وليس معي إلا ثلاثةُ دراهم، فإذا جاريةٌ على رقبتِها جرَّةٌ تُريدُ الرَّكِيّ، وهي تسعَى وتترنَّمُ بصوتٍ شَجِيّ: شكَوْنا إلى أحبابنا طولَ ليلِنا … فقالوا لنا ما أقصَرَ الليلَ عندَنا وذاكَ لأنَّ النَّومَ يَغْشَى عيونَهم … سريعًا ولا يَغْشَى لنا النَّومُ أعْيُنَا

стр. 5003

إذا ما دنا الليلُ المُضِرُّ بذي الهوَى … جَزِعْنا وهم يَستبشرون إذا دَنَا فلو أنَّهم كانوا يُلاقُونَ مثلَ ما … نُلاقي لكانوا في المضاجِعِ مِثْلَنا قال: فاستعدتُهُ منها وأعطيتُها الدراهمَ الثلاثة، فقالت: لتأخُذَنَّ بدَلَها ألفَ دينار، وألفَ دينار، وألفَ دينار. فأعطاني الرشيدُ ثلاثَة آلافِ دينارٍ في ليلةٍ على ذلك الصوت. وفيها توفي: بكر بن النَّطَّاح أبو وائل الحَنَفِي (١): الشاعر المشهور، نزل بغداد في زمنِ الرشيد، وكان يخالطُ أبا العتاهية. قال أبو هَفَّان (٢): أشعَرُ أهلِ العَدْل من المحدَثين أربعة: أوَّلُهم بكر بن النَّطَّاح. وقال المبرِّد: سمعتُ الحسنَ بن رجاء يقول: اجتمع جماعةٌ من الشعراء ومعهم بكرُ بن النطَّاح يتناشدون؛ فلما فرَغوا من طُوَالِهم أنشد بكر بن النَّطاح لنفسه: ما ضرَّها لو كتبَتْ بالرِّضا … فجفَّ جَفْنُ العينِ أو أُغمضا شفاعةٌ مردودةٌ عندَها … في عاشقٍ يَوَدُّ لو قد قَضَى يا نفسُ صبرًا واعلمي أنَّ ما … نأمَلُ منها مثلَما قد مَضَى لم تمرضِ الأجفانُ من قاتلٍ … بلحظهِ إلَّا لأنْ أمْرَضَا قال: فابتدروهُ يُقبِّلون رأسَه (٣). ولما مات رثاهُ أبو العتاهية فقال: ماتَ ابنُ نطَّاحٍ أبو وائلٍ … بَكْرٌ وأمسى الشعرُ قد بانا (٤) وفيها تُوفي: بُهلول المجنون، كان يأتي إلى مقابرِ الكوفة، وكان يتكلَّمُ بكلماتٍ حسَنة. وقد وعَظ الرشيد وغيرَهُ كما تقدَّم (٥).

стр. 5004

وعبدُ اللَّه بن إدريس الأوْدِي الكوفي (١): سمع الأعمش، وابن جُريج، وشعبة، ومالكًا، وخلقًا سواهم. وروى عنه جماعاتٌ من الأئمة. وقد استدعاهُ الرشيد ليولِّيهُ القضاء، فقال: لا أصلح. وامتنع أشدَّ الامتناع، وكان قد سأل قبلَهُ وكيعًا فامتنع أيضًا، فطلب حفصَ بن غياث فقَبِل، وأطلق لكلِّ واحدٍ خمسةَ آلافٍ عِوَضًا عن كُلفتِه التي تكلَّفها في السفر فلم يقبَلْ وكيعٌ ولا ابنُ إدريس، وقبل ذلك حفص؛ فحلف ابنُ إدريس لا يكلِّمُه أبدًا. وحجَّ الرشيدُ في بعض السنين، فاجتاز بالكوفةِ ومعه القاضي أبو يوسف، والأمين، والمأمون، فأمر الرشيد أنْ يجتمعَ شيوخُ الحديث ليُسمِعوا ولدَيْه. فاجتمعوا إلا ابنَ إدريس هذا، وعيسى بنَ يونس، فركب الأمينُ والمأمونُ بعد فراغِهما من سماعِهما على مَنِ اجتمع من المشايخِ إلى ابنِ إدريس، فاسمعَهما مئةَ حديث، فقال له المأمون: يا عم، إنْ أردتَ أعدتُها من حِفْظي، فأذِنَ له، فأعادَها من حفظِه كما سَمِعَها، فتعجَّبَ لحفظِه. ثم أمر له المأمون بمال، فلم يقبَلْ منه شيئًا. ثم سارا إلى عيسى بنِ يونس، فسمعا عليه، ثم أمر له المأمونُ بعشرةِ آلاف، فلم يقبَلْها، فظن أنه استقلَّها، فأضعفَها فقال: واللَّه لو ملأتَ لي المسجدَ مالكٌ إلى سقفِه ما قَبِلْتُ منه شيئًا على حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ . ولما احتُضر ابنُ إدريس بكَتِ ابنتُه، فقال: علامَ تبكي؟ فقد ختمتُ في هذا البيت أربعةَ آلافِ ختمة. صَعْصَعةُ بن سلام (٢) ويقال ابن عبد اللَّه، أبو عبد اللَّه الدمشقي، ثم تحوَّل إلى الأندلس، فاستوطنها في زمنِ عبد الرحمن بن معاوية (٣)، وابنِهِ هاشم. وهو أولُ من أدخل علمَ الحديث ومذهبَ الأوزاعي إلى بلاد الأندلس (٤). ووَلِيَ الصلاةَ بِقُرْطُبَة. وفي أيامه غُرست الأشجارُ بالمسجدِ الجامعِ هناك، كما يراهُ الأوزاعي والشاميُّون، ويَكْرَهُهُ مالكٌ وأصحابُه. وقد روى عن مالك، والأوزاعي، وسعيدِ بن عبد العزيز. وروى عنه جماعةٌ منهم عبدُ الملك بن حَبِيب الفقيه، وذكرَهُ في كتاب "الفقهاء" وذكره ابنُ يونس في تاريخِه تاريخِ مصر، والحُميدي في تاريخ الأندلس. وحرَّرَ وفاتَه في هذه السنة. وحكَى عن شيخِهِ ابنِ حَزْم أنَّ صعصعةَ هذا أولُ من أدخلَ مذهبَ الأوزاعي إلى الأندلس. وقال ابن يونس: أول من أدخل علمَ الحديث إليها. وذكر أنه تُوفي قريبًا من سنةِ ثمانين ومئة. والذي حرَّرَهُ الحُميدي في هذه السنة أثبت.

стр. 5005

علي بن ظَبْيَان (١) أبو الحسن العَبْسي، قاضي الشرقيَّة من بغداد، ولَّاهُ الرشيدُ ذلك، كان ثقةً عالمًا، من أصحابِ أبي حنيفة، ثم ولَّاهُ الرشيد قضاءَ القُضاة، وكان الرشيدُ يخرجُ معه إذا خرج من عندِه. مات بقَرْمِيسينَ في هذه السنة (٢). العباس بن الأحنف (٣) بن الأسود بن طلحة، الشاعرُ المشهور، كان من عرَبِ خُراسان، ونشأ ببغداد، وكان لطيفًا ظَريفًا مقبولًا، حسَنَ الشعر. قال أبو العباس: قال عبدُ اللَّه بن المعتز: لو قيل لي: منْ أحسنُ الناسِ شعرًا تعرفُه؟ لقلت: العباس. قد سَحَّبَ الناسُ أذيالَ الظُّنونِ بنا … وفرَّقَ الناسُ فينا قولَهم فِرَقَا فكاذبٌ قد رَمَى بالظنِّ غيرَكم … وصادقٌ ليس يَدْري أنَّهُ صَدَقا (٤) وقد طلَبَهُ الرشيدُ ذاتَ ليلةٍ في أثناءِ الليل، فانزعج لذلك، وخاف نساؤه؛ فلما وقف بين يدَي الرشيد قال له: ويحك، إنه قد عنَّ لي بيتٌ في جاريةٍ لي فاحببتُ أن تشفَعَهُ بمثلِه. فقال: يا أمير المؤمنين، ما خفتُ أعظمَ من هذه الليلة. فقال: ولِمَ؟ فذكر له دخولَ الحرسِ عليه في الليل، ثم جلس حتى سكَنَ رُوعُه، ثم قال: ما قلتَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: حنانٌ قد رأيناها … فلم نَرَ مثلها بَشَرا فقال العباس: يَزيدُكَ وَجْهُها حُسْنًا … إذا ما زِدْتَهُ نَظَرا

стр. 5006

فقال الرشيد: زِدْ. فقال: إذا ما الليل مالَ علَيْـ … ــكَ بالإظْلامِ واعْتَكَرا ودَجَّ فلم تَرَى فَجْرًا … فأبْرِزْها تَرَى قَمَرًا (١) فقال: إنَّا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرةِ آلافِ درهم. ومن شعرِهِ الذي أقرَّ له فيه بشارُ بنُ بُرْد، وأثبته في سِلْك الشعراء بسببِه قولُه: أبكي الذين أذاقوني مَوَدَّتَهُمْ … حتى إذا أيقظوني للهوَى رَقَدوا واستنهضوني فلمَّا قمتُ مُنتصبًا … بِثقْلِ ما حَمَّلوني منهمُ قَعَدوا (٢) وله أيضًا: وحدَّثتَنِي يا سعدُ عنها فِزِدْتَني … جنونًا فزِدْني من حديثِكَ يا سَعْدُ هواها هوى لم يعرِفِ القلبُ غيرَهُ … فليس له قَبْلٌ وليس لَهُ بَعْدُ (٣) قال الأصمعي: دخلتُ على العباسِ بنِ الأحنف بالبصرةِ وهو طَريحٌ على فراشِه، يَجُودُ بنفسِهِ وهو يقول: يا بعيدَ الدارِ عن وطنِهْ … مُفردًا يبكي على شَجَنِهْ كلَّما جدَّ النحيبُ بهِ … زادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ ثم أُغمي عليه، ثم انتبه بصوتِ طائرٍ على شجرةٍ فقال: ولقد زاد الفؤادَ شجًا … هاتفٌ يبكي على فَنَنِهْ شاقَهُ ما شاقَني فبَكَى … كُلُّنا يبكي على سَكَنِه (٤) قال: ثم أُغمي عليه أخرى، فحرَّكْتُهُ فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانتْ وفاتُه في هذه السنة. وقال القاضي ابن خلِّكان إنه تُوفي بعدَها، وقيل قبلَها، في سنةِ ثمانٍ وثمانين ومئة. فاللَّه أعلم. وقال عمر بن شبَّة: سنة ثمان وثمانين. وزعم بعضُ المؤرِّخين أنه بَقي بعدَ الرشيد.

стр. 5007

عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زُبيدة كان نائبًا على البصرة في أيام الرَّشيد، فمات في أثناء هذه السنة. وفيها توفي: الفَضْلُ بن يحيى (١) بن خالد بن بَرْمَك، أخو جعفر وإخوته، كان هو والرشيد يتراضَعان، أرضعَتِ الخَيْزُرانُ فضلًا، وأرضعَتْ أمُّ الفضلِ -وهي زُبيدةُ بنتُ منين بن بويه (٢) - هارونَ الرشيد، وكانت زُبيدة هذه من مولَّدات المدينه (٣). وقد قال في ذلك بعضُ الشعراء (٤): كفَى لك فضلًا أنَّ أفضلَ حُرَّةٍ … غذَتْكَ بِثَدْيٍ والخليفةَ واحدِ لقد زِنْتَ يحيى في المشاهدِ كلها … كما زانَ يحيى خالدًا في المشاهدِ قالوا: وكان الفضلُ أكرمَ من أخيه جعفر، ولكنْ كان فيه كِبْرٌ شديد، وكان عبوسًا؛ وكان جعفر أحسنَ بشرًا منه، وأطلَقَ وجهًا، وأقلَّ عطاءً؛ وكان الناسُ إليه أمْيَل، ولكن خَصْلَةَ الكرَمِ تُغَطي جميعَ القبائح، فهي تسترُ تلك الخَصْلَة التي كانتْ في الفضل. وقد وهبَ الفضلُ لطبَّاخِهِ مئةَ ألفِ درهم، فعابَهُ أبوهُ على ذلك، فقال: يا أبتِ إنَّ هذا كان يَصْحَبُني في العُسْرِ واليُسر، والعيشِ الخَشِن، واستمرَّ معي في هذا الحالِ فأحسَنَ صُحبتي، وقد قال بعضُ الشعراء (٥): إنَّ الكرامَ إذا ما أيْسَروا ذكروا … منْ كانَ يَعْتادُهُمْ في المَنْزِلِ الخَشِنِ ووَهَبَ يومًا لبعضِ الأدباءِ عشرةَ آلافِ دينار، فبكى الرجل، فقال له: ممَّ تبكي؟ أستَقْلَلْتَها؟ قال: لا واللَّه ولكنِّي أبكي أنَّ الأرض تأكُلُ مثلَكَ أو تُواري مثلَك. وقال عليُّ بن الجَهْم عن أبيه: أصبحتُ يومًا لا أملكُ شيئًا، حتى ولا علَفَ الدابَّة، فقصدتُ الفضلَ بن يحيى، فإذا هو قد أقبلَ من دارِ الخلافةِ في موكبٍ من الناس، فلما رآني رحَّبَ بي وقال:

стр. 5008

هَلُمَّ. فسرتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريق سمع غلامًا يدعو جارية من دار، وإذا هو يدعوها باسم جاريةٍ له يُحبُّها. فانزعج لذلك، وشكا إليَّ ما لَقِيَ من ذلك؛ فقلت: أصابك ما أصابَ أخا بني عامرٍ حيثُ يقول (١): وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخَيفِ منْ منًى … فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ ولا يَدْري دَعا باسمِ ليلى غيرَها وكأنَّما … أطارَ بليلى طائرًا كانَ في صدري فقال اكتبْ لي هذَيْنِ البيتين. قال: فذهبتُ إلى بقَّالٍ فرَهَنْتُ عنهُ خاتمي على ثَمَنِ ورَقَة، وكتبتُهما له، فأخذهما وقال: انطلِقْ راشدًا. فرجعتُ إلى مَنْزلي، فقال لي غُلامي: هاتِ خاتمكَ حتى نَرْهنهُ على طعامٍ لنا وعَلَفِ للدابَّة. فقلت: إني رَهَنْتُه. فما أمسَيْنا حتى أرسلَ إليَّ الفضلُ بثلاثين ألفًا من الذهب، وعشرةِ آلافٍ من الوَرِق، أجراهُ عليَّ كلَّ شهر، وأسلَفَني شهرًا. ودخل على الفضل يومًا بعض الأكابر، فأكرمَهُ الفضلُ وأجلسَهُ معه على السرير؛ فشكا إليه الرجلُ دَيْنًا عليه، وسأله أنْ يُكَلِّمَ في ذلك أميرَ المؤمنين. فقال: نعَمْ، وكم دَيْنُك؟ قال: ثلاثُ مئةِ ألف درهم. فخرج من عندِه وهو مَهْمومٌ لضعفِ رَدِّهِ عليه؛ ثم مال إلى بعضِ إخوانه، فاستراحَ عندَه، ثم رجع إلى مَنْزِله، فإذا المالُ قد سبَقَهُ إلى دارِه. وما أحسنَ ما قال فيه بعضُ الشعراء: لك الفضلُ يا فَضْلُ بنَ يحيى بنِ خالدٍ … وما كُلُّ منْ يُدْعى بفضلٍ لَهُ فَضْلُ رأى اللَّهُ فَضْلًا منكَ في الناسِ واسِعًا … فسمَّاكَ فَضْلًا فالتقى الإِسمُ والفِعْلُ وقد كان الفضلُ أكبرَ رتبةَ عندَ الرشيد من جعفر، وكان جعفرٌ أحْظَى عند الرشيد منه وأخَصّ. وقد ولَّى الفضلَ أعمالًا كبارًا، منها نيَابَةُ خراسانَ وغيرِها، ولما قتَل الرشيدُ البرامكةَ وحَبَسهم، جلَدَ الفضلَ هذا مئةَ سَوْط، وخَلَّدَهُ في الحبس حتى ماتَ في هذه السنة، قبلَ الرشيد بشهورٍ خمسة في الرقَّة. وصلَّى عليه بالقصرِ الذي ماتَ فيه أصحابُه. ثم أُخرجت جنازَتُه، فصلَّى عليها الناس، ودُفن هناك، وله خمسٌ وأربعون سنة. وكان سببَ موتِهِ ثِقَلٌ أصابَهُ في لسانِه، اشتدَّ بهِ يومَ الخميس ويومَ الجُمعة. وتُوفي قبلَ أذانِ الغداةِ من يوم السبت. قال ابنُ جرير (٢): وذلك في المحرَّم من سنةِ ثلاثِ وتسعين ومئة. وقال ابنُ الجوزي (٣): في سنةِ ثنتَيْنِ وتسعين. فاللَّه أعلم. وقد أطال ابنُ خلِّكان ترجمتة (٤)، وذكر طَرَفًا صالحًا من محاسنِه ومكارمِه، من ذلك أنه ورَدَ بَلْخَ

стр. 5009

حين كان نائبًا على خراسان، وكان بها بيتُ النار التي كانتْ تعبدُها المجوس، وقد كان جدُّه بَرْمَك من خُدَّامِها، فهَدَمَ بعضَه ولم يتمكَنْ من هَدْمِهِ كُلَّه، لِقُوَّة إحكامه. وبَنَى مكانَهُ مسجدًا للَّه تعالى، وذكر أنه كان يتمثل في السِّجْنِ بهذه الأبيات ويبكي: إلى اللَّه فيما نالنا نَرْفَعُ الشَّكْوَى … ففي يَدِهِ كَشْفُ المضَرَّةِ والبَلْوَى خرَجْنا من الدُّنيا ونحنُ مِنَ أهْلِها … فلا نحنُ في الأمواتِ فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السَّجَّانُ يومًا لحاجةٍ … عَجِبنا وقُلْنا جاءَ هذا من الدُّنيا ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب (١): وهو من بيتٍ كلُّهم شعراء أُدَباء، وقد اختلَطَ أشعارُ بعضِهم في بعض. وله شعرٌ رائق، ومَديحٌ فائق. ومنصور بن الزِّبْرِقان (٢) بن سَلَمة، أبو الفَضْل النُّمَيري الشاعر، امتدَحَ الرشيد؛ وأصلُهُ من الجزيرة، وأقام ببغداد، ويُقال لِجَدِّهِ مُطْعِمُ الكبْشَ الرَّخَمَ، وذلك أنه أضافَ قومًا، فجعلت الرَّخَمُ تَحُومُ حولَهم، فأمرَ بكبشٍ يُذبَحُ للرَّخَم، حتى لا يتأذَّى بها ضيفانُه، ففُعل له ذلك، فقال الشاعر فيه: أبوكَ زعيمُ بني قاسِطٍ … وخالُكَ ذو الكَبْشِ يَقْري الرَّخَمْ وله أشعارٌ حسَنة، وكان يَرْويْ عن كُلْثومِ بن عمرو، وكان شيخَهُ الذي أخذ عنه الغِنَاء. يوسف بن القاضي أبي يوسف (٣): سمع الحديثَ من السَّرِيِّ بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق. ونظر في الرَّأْي، وتفقَّه ووُلي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياةِ أبيه أبي يوسف. وصلَّى بالناسِ الجُمعةَ بجامعِ المنصور عن أمرِ الرشيد. تُوفي في رجب من هذه السنة، وهو قاضٍ ببغداد. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئة قال ابنُ جرير (٤): في المحرَّم منها تُوفي الفضلُ بن يحيى. وقد أرَّخ ابنُ الجوزي وفاتَهُ في سنة ثنتين وتسعين كما تقدَّم (٥). وما قاله ابنُ جرير أقرب. قال: وفيها تُوفي سعيدٌ الجَوْهَري.

стр. 5010

قال: وقيها وافى الرشيدُ جُرْجَان، وانتهتْ إليه خزائنُ عليِّ بن عيسى، تُحملُ على ألفٍ وخمسِ مئةِ بعير؛ وذلك في صَفَر منها. ثم تحول منها إلى طُوس وهو عَلِيل، فلم يزَلْ بها حتى كانتْ وفاتُه فيها. وفيها تَوَاقَعَ هَرْثَمةُ نائبُ العراق هو ورافِع بن اللَّيث، فكسَرَه هَرْثَمةُ وافتَتح بُخارى، وأسَرَ أخاه بشير بن اللَّيث، فبعثَهُ إلى الرشيد وهو بطُوس، قد ثَمُّل عن السَّيْر، فلما وقف بين يديْه شَرَعَ يترقَّقُ له، فلم يقبَلْ منه، بل قال: واللَّه لو لم يبقَ من عُمري إلَّا أنْ أُحَركَ شَفَتيَّ بقَتْلِك لَقتلتُك. ثم دعا بقصَّاب، فجزَّأه بين يديه أربعةَ عشرَ عُضوًا. ثم رفع الرشيدُ يدَيْهِ إلى السماء يَدْعو اللَّه أنْ يُمكَنَهُ من أخيهِ كما مكَّنَهُ من أخيه بشير. وفاةُ الرَّشِيد كان قد رأى وهو بالرَّقَّة (١) رؤيا أفزَعَتْه، وغَمَّهُ ذلك، فدخل عليه جبريلُ بنُ بَخْتَيْشُوع فقال: ما لَكَ يا أميرَ المؤمنين. فقال: رأيتُ كفًّا فيها تُربة حمراء، خرجَتْ من تحتِ سَريري هذا، وقائلًا يقول: هذه تُربةُ هارون. فهَوَّنَ عليه جبريلُ أمرَها وقال: هذه من أضغاثِ الأحلام، من حديثِ النفس، فتناسَهَا يا أميرَ المؤمنين. فلما سارَ يُريدُ خراسان، ومرَّ بِطُوس، واعتقَلَتْهُ العِلَّة بها، ذكَرَ رؤياهُ، فهالَهُ ذلك وانزعَجَ جدًّا؛ فدخلَ الناسُ عليه، فقال لِجبريل: ويحك! أما تذكرُ ما قَصَصْتُهُ عليكَ من الرؤيا؟ فقال: بلَى يا أمير المؤمنين، فكان ماذا؟ فدَعَا مسرورًا الخادمَ وقال: ائتِني بشيءٍ من تُربةِ هذه الأرض في يدِك. فجاءه بتربةٍ حمراءَ في يدِه، فلمَّا رآها قال: واللَّهِ هذه الكفُّ التي رأيتُ والتربةُ التي كانتْ فيها. قال جبريل: فواللَّه ما أتَتْ عليهِ ثلاثٌ حتى تُوفِّي؛ وقد أمَرَ بحَفْرِ قبرِهِ قبلَ موتِهِ في الدارِ التي كان فيها؛ وهي دارُ حُميد بن أبي غانم الطائي، فجعل ينظُرُ إلى قبرِهِ وهو يقول: يا ابنَ آدَم، تصيرُ إلى هذا. ثم أمَرَ أن يقرؤوا القرآنَ في قبره؛ فقرؤوهُ حتى ختموه، وهو في مِحَفَّةٍ على شَفِيرِ القبر؛ ولما حضرَتْهُ الوفاةُ احْتَبَى بِمُلاءَةٍ وجلَسَ يُقاسي سكراتِ الموت، فقال له بعضُ منْ حضَره: لو اضطجَعْتَ كان أهونَ عليك. فضَحِكَ ضحكًا صحيحًا ثم قال: أمَا سمعتَ قولَ الشاعر: وإنيَ من قومٍ كرامٍ يَزِيدُهُمْ … شِمَاسًا وصَبْرًا شِدَّةُ الحَدَثانِ وكانتْ وفاتُهُ ليلةَ السبت، وقيل: ليلةَ الأحد مستهل جُمادَى الآخرة، سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، عن خمسٍ -وقيل: سبع- وأربعينَ سنةً؛ وكان مُلْكُه ثلاثًا وعشرين سنةً. وهذه ترجمتُه، هو:
следующие страницы →