← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

فقال الرشيد: زِدْ. فقال: إذا ما الليل مالَ علَيْـ … ــكَ بالإظْلامِ واعْتَكَرا ودَجَّ فلم تَرَى فَجْرًا … فأبْرِزْها تَرَى قَمَرًا (١) فقال: إنَّا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرةِ آلافِ درهم. ومن شعرِهِ الذي أقرَّ له فيه بشارُ بنُ بُرْد، وأثبته في سِلْك الشعراء بسببِه قولُه: أبكي الذين أذاقوني مَوَدَّتَهُمْ … حتى إذا أيقظوني للهوَى رَقَدوا واستنهضوني فلمَّا قمتُ مُنتصبًا … بِثقْلِ ما حَمَّلوني منهمُ قَعَدوا (٢) وله أيضًا: وحدَّثتَنِي يا سعدُ عنها فِزِدْتَني … جنونًا فزِدْني من حديثِكَ يا سَعْدُ هواها هوى لم يعرِفِ القلبُ غيرَهُ … فليس له قَبْلٌ وليس لَهُ بَعْدُ (٣) قال الأصمعي: دخلتُ على العباسِ بنِ الأحنف بالبصرةِ وهو طَريحٌ على فراشِه، يَجُودُ بنفسِهِ وهو يقول: يا بعيدَ الدارِ عن وطنِهْ … مُفردًا يبكي على شَجَنِهْ كلَّما جدَّ النحيبُ بهِ … زادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ ثم أُغمي عليه، ثم انتبه بصوتِ طائرٍ على شجرةٍ فقال: ولقد زاد الفؤادَ شجًا … هاتفٌ يبكي على فَنَنِهْ شاقَهُ ما شاقَني فبَكَى … كُلُّنا يبكي على سَكَنِه (٤) قال: ثم أُغمي عليه أخرى، فحرَّكْتُهُ فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانتْ وفاتُه في هذه السنة. وقال القاضي ابن خلِّكان إنه تُوفي بعدَها، وقيل قبلَها، في سنةِ ثمانٍ وثمانين ومئة. فاللَّه أعلم. وقال عمر بن شبَّة: سنة ثمان وثمانين. وزعم بعضُ المؤرِّخين أنه بَقي بعدَ الرشيد.

стр. 5007

عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زُبيدة كان نائبًا على البصرة في أيام الرَّشيد، فمات في أثناء هذه السنة. وفيها توفي: الفَضْلُ بن يحيى (١) بن خالد بن بَرْمَك، أخو جعفر وإخوته، كان هو والرشيد يتراضَعان، أرضعَتِ الخَيْزُرانُ فضلًا، وأرضعَتْ أمُّ الفضلِ -وهي زُبيدةُ بنتُ منين بن بويه (٢) - هارونَ الرشيد، وكانت زُبيدة هذه من مولَّدات المدينه (٣). وقد قال في ذلك بعضُ الشعراء (٤): كفَى لك فضلًا أنَّ أفضلَ حُرَّةٍ … غذَتْكَ بِثَدْيٍ والخليفةَ واحدِ لقد زِنْتَ يحيى في المشاهدِ كلها … كما زانَ يحيى خالدًا في المشاهدِ قالوا: وكان الفضلُ أكرمَ من أخيه جعفر، ولكنْ كان فيه كِبْرٌ شديد، وكان عبوسًا؛ وكان جعفر أحسنَ بشرًا منه، وأطلَقَ وجهًا، وأقلَّ عطاءً؛ وكان الناسُ إليه أمْيَل، ولكن خَصْلَةَ الكرَمِ تُغَطي جميعَ القبائح، فهي تسترُ تلك الخَصْلَة التي كانتْ في الفضل. وقد وهبَ الفضلُ لطبَّاخِهِ مئةَ ألفِ درهم، فعابَهُ أبوهُ على ذلك، فقال: يا أبتِ إنَّ هذا كان يَصْحَبُني في العُسْرِ واليُسر، والعيشِ الخَشِن، واستمرَّ معي في هذا الحالِ فأحسَنَ صُحبتي، وقد قال بعضُ الشعراء (٥): إنَّ الكرامَ إذا ما أيْسَروا ذكروا … منْ كانَ يَعْتادُهُمْ في المَنْزِلِ الخَشِنِ ووَهَبَ يومًا لبعضِ الأدباءِ عشرةَ آلافِ دينار، فبكى الرجل، فقال له: ممَّ تبكي؟ أستَقْلَلْتَها؟ قال: لا واللَّه ولكنِّي أبكي أنَّ الأرض تأكُلُ مثلَكَ أو تُواري مثلَك. وقال عليُّ بن الجَهْم عن أبيه: أصبحتُ يومًا لا أملكُ شيئًا، حتى ولا علَفَ الدابَّة، فقصدتُ الفضلَ بن يحيى، فإذا هو قد أقبلَ من دارِ الخلافةِ في موكبٍ من الناس، فلما رآني رحَّبَ بي وقال:

стр. 5008

هَلُمَّ. فسرتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريق سمع غلامًا يدعو جارية من دار، وإذا هو يدعوها باسم جاريةٍ له يُحبُّها. فانزعج لذلك، وشكا إليَّ ما لَقِيَ من ذلك؛ فقلت: أصابك ما أصابَ أخا بني عامرٍ حيثُ يقول (١): وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخَيفِ منْ منًى … فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ ولا يَدْري دَعا باسمِ ليلى غيرَها وكأنَّما … أطارَ بليلى طائرًا كانَ في صدري فقال اكتبْ لي هذَيْنِ البيتين. قال: فذهبتُ إلى بقَّالٍ فرَهَنْتُ عنهُ خاتمي على ثَمَنِ ورَقَة، وكتبتُهما له، فأخذهما وقال: انطلِقْ راشدًا. فرجعتُ إلى مَنْزلي، فقال لي غُلامي: هاتِ خاتمكَ حتى نَرْهنهُ على طعامٍ لنا وعَلَفِ للدابَّة. فقلت: إني رَهَنْتُه. فما أمسَيْنا حتى أرسلَ إليَّ الفضلُ بثلاثين ألفًا من الذهب، وعشرةِ آلافٍ من الوَرِق، أجراهُ عليَّ كلَّ شهر، وأسلَفَني شهرًا. ودخل على الفضل يومًا بعض الأكابر، فأكرمَهُ الفضلُ وأجلسَهُ معه على السرير؛ فشكا إليه الرجلُ دَيْنًا عليه، وسأله أنْ يُكَلِّمَ في ذلك أميرَ المؤمنين. فقال: نعَمْ، وكم دَيْنُك؟ قال: ثلاثُ مئةِ ألف درهم. فخرج من عندِه وهو مَهْمومٌ لضعفِ رَدِّهِ عليه؛ ثم مال إلى بعضِ إخوانه، فاستراحَ عندَه، ثم رجع إلى مَنْزِله، فإذا المالُ قد سبَقَهُ إلى دارِه. وما أحسنَ ما قال فيه بعضُ الشعراء: لك الفضلُ يا فَضْلُ بنَ يحيى بنِ خالدٍ … وما كُلُّ منْ يُدْعى بفضلٍ لَهُ فَضْلُ رأى اللَّهُ فَضْلًا منكَ في الناسِ واسِعًا … فسمَّاكَ فَضْلًا فالتقى الإِسمُ والفِعْلُ وقد كان الفضلُ أكبرَ رتبةَ عندَ الرشيد من جعفر، وكان جعفرٌ أحْظَى عند الرشيد منه وأخَصّ. وقد ولَّى الفضلَ أعمالًا كبارًا، منها نيَابَةُ خراسانَ وغيرِها، ولما قتَل الرشيدُ البرامكةَ وحَبَسهم، جلَدَ الفضلَ هذا مئةَ سَوْط، وخَلَّدَهُ في الحبس حتى ماتَ في هذه السنة، قبلَ الرشيد بشهورٍ خمسة في الرقَّة. وصلَّى عليه بالقصرِ الذي ماتَ فيه أصحابُه. ثم أُخرجت جنازَتُه، فصلَّى عليها الناس، ودُفن هناك، وله خمسٌ وأربعون سنة. وكان سببَ موتِهِ ثِقَلٌ أصابَهُ في لسانِه، اشتدَّ بهِ يومَ الخميس ويومَ الجُمعة. وتُوفي قبلَ أذانِ الغداةِ من يوم السبت. قال ابنُ جرير (٢): وذلك في المحرَّم من سنةِ ثلاثِ وتسعين ومئة. وقال ابنُ الجوزي (٣): في سنةِ ثنتَيْنِ وتسعين. فاللَّه أعلم. وقد أطال ابنُ خلِّكان ترجمتة (٤)، وذكر طَرَفًا صالحًا من محاسنِه ومكارمِه، من ذلك أنه ورَدَ بَلْخَ

стр. 5009

حين كان نائبًا على خراسان، وكان بها بيتُ النار التي كانتْ تعبدُها المجوس، وقد كان جدُّه بَرْمَك من خُدَّامِها، فهَدَمَ بعضَه ولم يتمكَنْ من هَدْمِهِ كُلَّه، لِقُوَّة إحكامه. وبَنَى مكانَهُ مسجدًا للَّه تعالى، وذكر أنه كان يتمثل في السِّجْنِ بهذه الأبيات ويبكي: إلى اللَّه فيما نالنا نَرْفَعُ الشَّكْوَى … ففي يَدِهِ كَشْفُ المضَرَّةِ والبَلْوَى خرَجْنا من الدُّنيا ونحنُ مِنَ أهْلِها … فلا نحنُ في الأمواتِ فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السَّجَّانُ يومًا لحاجةٍ … عَجِبنا وقُلْنا جاءَ هذا من الدُّنيا ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب (١): وهو من بيتٍ كلُّهم شعراء أُدَباء، وقد اختلَطَ أشعارُ بعضِهم في بعض. وله شعرٌ رائق، ومَديحٌ فائق. ومنصور بن الزِّبْرِقان (٢) بن سَلَمة، أبو الفَضْل النُّمَيري الشاعر، امتدَحَ الرشيد؛ وأصلُهُ من الجزيرة، وأقام ببغداد، ويُقال لِجَدِّهِ مُطْعِمُ الكبْشَ الرَّخَمَ، وذلك أنه أضافَ قومًا، فجعلت الرَّخَمُ تَحُومُ حولَهم، فأمرَ بكبشٍ يُذبَحُ للرَّخَم، حتى لا يتأذَّى بها ضيفانُه، ففُعل له ذلك، فقال الشاعر فيه: أبوكَ زعيمُ بني قاسِطٍ … وخالُكَ ذو الكَبْشِ يَقْري الرَّخَمْ وله أشعارٌ حسَنة، وكان يَرْويْ عن كُلْثومِ بن عمرو، وكان شيخَهُ الذي أخذ عنه الغِنَاء. يوسف بن القاضي أبي يوسف (٣): سمع الحديثَ من السَّرِيِّ بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق. ونظر في الرَّأْي، وتفقَّه ووُلي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياةِ أبيه أبي يوسف. وصلَّى بالناسِ الجُمعةَ بجامعِ المنصور عن أمرِ الرشيد. تُوفي في رجب من هذه السنة، وهو قاضٍ ببغداد. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئة قال ابنُ جرير (٤): في المحرَّم منها تُوفي الفضلُ بن يحيى. وقد أرَّخ ابنُ الجوزي وفاتَهُ في سنة ثنتين وتسعين كما تقدَّم (٥). وما قاله ابنُ جرير أقرب. قال: وفيها تُوفي سعيدٌ الجَوْهَري.

стр. 5010

قال: وقيها وافى الرشيدُ جُرْجَان، وانتهتْ إليه خزائنُ عليِّ بن عيسى، تُحملُ على ألفٍ وخمسِ مئةِ بعير؛ وذلك في صَفَر منها. ثم تحول منها إلى طُوس وهو عَلِيل، فلم يزَلْ بها حتى كانتْ وفاتُه فيها. وفيها تَوَاقَعَ هَرْثَمةُ نائبُ العراق هو ورافِع بن اللَّيث، فكسَرَه هَرْثَمةُ وافتَتح بُخارى، وأسَرَ أخاه بشير بن اللَّيث، فبعثَهُ إلى الرشيد وهو بطُوس، قد ثَمُّل عن السَّيْر، فلما وقف بين يديْه شَرَعَ يترقَّقُ له، فلم يقبَلْ منه، بل قال: واللَّه لو لم يبقَ من عُمري إلَّا أنْ أُحَركَ شَفَتيَّ بقَتْلِك لَقتلتُك. ثم دعا بقصَّاب، فجزَّأه بين يديه أربعةَ عشرَ عُضوًا. ثم رفع الرشيدُ يدَيْهِ إلى السماء يَدْعو اللَّه أنْ يُمكَنَهُ من أخيهِ كما مكَّنَهُ من أخيه بشير. وفاةُ الرَّشِيد كان قد رأى وهو بالرَّقَّة (١) رؤيا أفزَعَتْه، وغَمَّهُ ذلك، فدخل عليه جبريلُ بنُ بَخْتَيْشُوع فقال: ما لَكَ يا أميرَ المؤمنين. فقال: رأيتُ كفًّا فيها تُربة حمراء، خرجَتْ من تحتِ سَريري هذا، وقائلًا يقول: هذه تُربةُ هارون. فهَوَّنَ عليه جبريلُ أمرَها وقال: هذه من أضغاثِ الأحلام، من حديثِ النفس، فتناسَهَا يا أميرَ المؤمنين. فلما سارَ يُريدُ خراسان، ومرَّ بِطُوس، واعتقَلَتْهُ العِلَّة بها، ذكَرَ رؤياهُ، فهالَهُ ذلك وانزعَجَ جدًّا؛ فدخلَ الناسُ عليه، فقال لِجبريل: ويحك! أما تذكرُ ما قَصَصْتُهُ عليكَ من الرؤيا؟ فقال: بلَى يا أمير المؤمنين، فكان ماذا؟ فدَعَا مسرورًا الخادمَ وقال: ائتِني بشيءٍ من تُربةِ هذه الأرض في يدِك. فجاءه بتربةٍ حمراءَ في يدِه، فلمَّا رآها قال: واللَّهِ هذه الكفُّ التي رأيتُ والتربةُ التي كانتْ فيها. قال جبريل: فواللَّه ما أتَتْ عليهِ ثلاثٌ حتى تُوفِّي؛ وقد أمَرَ بحَفْرِ قبرِهِ قبلَ موتِهِ في الدارِ التي كان فيها؛ وهي دارُ حُميد بن أبي غانم الطائي، فجعل ينظُرُ إلى قبرِهِ وهو يقول: يا ابنَ آدَم، تصيرُ إلى هذا. ثم أمَرَ أن يقرؤوا القرآنَ في قبره؛ فقرؤوهُ حتى ختموه، وهو في مِحَفَّةٍ على شَفِيرِ القبر؛ ولما حضرَتْهُ الوفاةُ احْتَبَى بِمُلاءَةٍ وجلَسَ يُقاسي سكراتِ الموت، فقال له بعضُ منْ حضَره: لو اضطجَعْتَ كان أهونَ عليك. فضَحِكَ ضحكًا صحيحًا ثم قال: أمَا سمعتَ قولَ الشاعر: وإنيَ من قومٍ كرامٍ يَزِيدُهُمْ … شِمَاسًا وصَبْرًا شِدَّةُ الحَدَثانِ وكانتْ وفاتُهُ ليلةَ السبت، وقيل: ليلةَ الأحد مستهل جُمادَى الآخرة، سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، عن خمسٍ -وقيل: سبع- وأربعينَ سنةً؛ وكان مُلْكُه ثلاثًا وعشرين سنةً. وهذه ترجمتُه، هو:

стр. 5011

هارونُ الرَّشِيد (١) أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبدِ اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، القرشيُّ الهاشميّ، أبو محمد، ويقال: أبو جعفر. وأمُّهُ الخَيْزُران أمُّ وَلَد. كان مَوْلدُه في شوال سنةَ ستّ، وقيل: سبع. وقيل: ثمانٍ وأربعين ومئة. وقيل: إنه وُلد سنةَ خمسين ومئة، وبُويع له بالخِلافة بعدَ موتِ أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنةَ سبعين ومئة، بعهدِ من أبيه المَهْدي. روى الحديثَ عن أبيهِ وجدِّه، وحدث عن المبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرَة" (٢). أوْرَدَهُ وهو على المِنْبَر وهو يخطُبُ الناس. وقد حدث عنه ابنُه، وسيلمانُ الهاشمي والدُ إسحاق، ونُباتة بن عمرو. وكان الرشيدُ أبيضَ طويلًا جميلًا، وقد غزا الصائفةَ في حياةِ أبيهِ المهدي مِرارًا، وعقَدَ الهُدْنَةَ بين المسلمينَ والروم بعدَ محاصرته القُسْطَنْطِينيَّة؛ وقد لقي المسلمون من ذلك جهدًا جَهيدًا، وخوفًا شديدًا، وكان الصلحُ مع امرأةِ ليون، وهي الملقبة بأعطشة (٣) على حمل كثيرٍ تبذلُه للمسلمينَ في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا الذي حدا أباه على البيعةِ له بعد أخيه في سنة ستٍّ وستين ومئة. ثم لما أفضَتْ إليه الخلافةُ في سنةِ سبعين ومئة كان من أحسَنِ الناسِ سيرةً وأكثرِهمْ غزوًا وحجًّا؛ ولهذا قال فيه أبو السعلي: فمنْ يطلُبْ لقاءَك او يُرِدْهُ … فبالحرمَيْنِ أو أقَصَى الثُّغُورِ ففي أرضِ العدو على طِمِرٍّ … وفي أرضِ البَنِيَّة (٤) فوقَ كُورِ وما حاز الثغورَ سواكَ خَلْقٌ … من المُتَخلِّفينَ على الأمورِ وكان يتصدَّقُ من صُلْبِ مالِهِ في كلِّ يومِ بألفِ درهم. وإذا حجَّ أحَجَّ معه مئة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يَحُجَّ أحَجَّ ثلاثَ مئةٍ بالنفَقَةِ السابغة، والكسْوة التامَّة، كان يُحبُّ التشبُّه بجَدِّهِ أبي جعفر

стр. 5012

المنصور، إلَّا في العطاء، فإنه كان سريعَ العطاءِ جَزِيلَه. وكان يُحبُّ الفقهاءَ والشعراء، ويُعطيهم، ولا يَضيعُ لدَيْهِ برٌّ ومعروف. وكان نقشُ خاتمِهِ لا إله إلا اللَّه. وكان يُصلِّي في كلِّ يومٍ مئةَ ركعةٍ تطوُّعًا إلى أنْ فارق الدنيا، إلَّا أنْ تَعْرِضَ له عِلَّة. وكان ابنُ أبي مريم هو الذي يُضحكُه. وكان عنده فضيلةٌ بأخبارِ الحجازِ وغيرِها. وكان الرشيد قد أنزلَهُ في قَصْره، وخلَطَهُ بأهله؛ نَبَّههُ الرشيدُ يومًا إلى صلاة الصُّبح، فقام فتوضَّأ ثم أدرك الرشيدَ وهو يقرأ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، فقال ابنُ أبي مريم: لا أدري واللَّه. فضَحِك الرشيدُ وقطع الصلاة؛ ثم أقبل عليه وقال: ويحك! اجتَنِبِ الصلاةَ والقرآن، وقُلْ فيما عدا ذلك. ودخل يومًا العباسُ بن محمد على الرشيد ومعه بَرْنِيَّةٌ (١) من فِضة فيها غاليةٌ من أحسَنِ الطيب؛ فجعل يمدَحُها ويزيدُ في شكرها، وسأل من الرشيد أنْ يقبلَها منه، فقبِلَها، فاستوهبها منه ابنُ أبي مريم، فوهَبَها له؛ فقال له العباس: ويحك! جئتُ بشيءٍ منعتُه نفسي وأهلي وآثرتُ به أمير المؤمنين سيدي فأخذتَه؟ فحلَفَ ابنُ أبي مريمَ لَيُطَيِّبَن به استه؛ ثم أخذ منه شيئًا فطلَى به استَه ودهَنَ جوارِحَهُ كلَّها والرشيدُ لا يتمالكُ نفسَهُ من الضحك. ثم قال لخادِمٍ قائمٍ عندَهم يُقال له خاقان: اطلب لي غلامي. فقال الرشيدُ: ادْعُ له غلامَه. فقال له: خُذْ هذهِ الغاليةَ واذهبْ بها إلى ستِّكَ (٢) فَمُرْها فَلْتُطَيِّبْ منها استَها حتى أرجعَ إليها فأنيكها. فذهب الضَّحِكُ بالرشيدِ كلَّ مذهب. ثم أقبل ابنُ أبي مريم على العباس بن محمد فقال له: جئتَ بهذه الغالية تمدَحُها عندَ أميرِ المؤمنين الذي ما تُمطرُ السماءُ شيئًا ولا تُنبت الأرضُ شيئًا إلَّا وهو تحت تصرُّفِه وفىِ يدِه! وأعجَبُ من هذا أنْ لو قيل لِمَلَكِ الموت: مهما أمَرَك به هذا فأنفِذْه. وأنتَ تمدَحُ هذه الغاليةَ عندَهُ كأنه بقَّالٌ أو خبَّازٌ أو طبَّاخٌ أو تَمَّار! فكادَ الرشيدُ يَهْلِكُ من شدَّةِ الضَّحِك. ثم أمَرَ لابنِ أبي مريمَ بمئةِ ألفِ درهم. وقد شرب الرشيدُ يومًا دواءً، فسأله ابنُ أبي مريمَ أن يَلِيَ الحِجَابةَ في هذا اليوم ومهما حَصَلَ له كان بينه وبين أمير المؤمنين. فولَّاه الحِجَابة، فجاءتِ الرسُلُ بالهدايا من كلِّ جانبٍ؛ من عندِ زُبيدَةَ والبرامكةِ وكبارِ الأمراء؛ وكان حاصلُهُ في هذا اليوم ستين ألفَ دينار، فسأله الرشيدُ في اليوم الثاني عمَّا تحصَّل، فأخبره بذلك، فقال له: فأين نَصِيبي؟ فقال ابنُ أبي مريم: قد صالَحْتُكَ عليه بعشرةِ آلافِ تُفَّاحة. وقد استدعَى إليه أبا معاوية الضرير محمدَ بن خازم ليسمعَ منه الحديث؛ قال أبو معاوية: ما ذكرتُ عندَهُ حديثًا إلا قال: صلَّى اللَّه وسلَّم على سيِّدي محمد. وإذا سمع حديثًا فيه موعظةٌ بكى حتى يبلَّ

стр. 5013

الثَّرَى؛ وأكلتُ عنده يومًا ثم قمتُ لأغسلَ يدي، فصبَّ الماء عليَّ وأنا لا أراه. ثم قال: يا أبا معاوية، أتدري منْ يصبُّ عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصبُّ عليك أميرُ المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعَوْتُ له، فقال: إنما أردتُ تعظيمَ العِلْم. وحدَّثه أبو معاويةَ يومًا عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ بحديثِ احتجاجِ آدَمَ وموسى، فقال عمُّ الرشيد: أين التقَيَا يا أبا معاوية؟ فغَضِب الرشيدُ من ذلك غضبًا شديدًا وقال: أتعترضُ على الحديث؟ عليَّ بالنِّطْعِ والسيف. فأُحضر ذلك، فقام الناسُ إليه يشفعونَ فيه، فقال الرشيد: هذه زَنْدَقة. ثم أمَرَ بسَجْنِه، وأقسم أنْ لا يَخرُجَ حتى يُخبرني من ألقى إليه هذا. فأقسم عمُّه بالأيمانِ المغلَّظةِ ما قال هذا له أحد، وإنما كانتْ هذه الكلمة بادرةً منِّي، وأنا أستغفرُ اللَّه وأتوبُ إليه منها. فأطلقه. وقال بعضُهم: دخلتُ على الرشيد وبين يديه رجلٌ مَضروبُ العُنق، والسيَّافُ يمسَحُ سيفَهُ في قَفَا الرجل المقتول؛ فقال الرشيد: قتلتُهُ لأنه قال القرآنُ مخلوق. فقتلَه على ذلك قُربةً إلى اللَّه . وقال بعضُ أهلِ العلم: يا أميرَ المؤمنين، انظُرْ هؤلاء الذين يُحبُّون أبا بكرٍ وعمر ويقدِّمونَهما، فأكرِمْهُم بعزِّ سُلطانك. فقال الرشيد: أو لستُ كذلك؟ أنا واللَّه كذلك. أُحبُّهما وأُحبُّ مَنْ يُحبُّهما، وأُعاقبُ مَنْ يُبغِضُهما. وقال له ابنُ السمَّاك: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ اللَّه لم يجعلْ أحدًا من هؤلاءَ فوقَك، فينبغي (١) أن لا يكونَ فيهم أحدٌ أطوَعَ إلى اللَّه منك. فقال: لئن كنتَ أقصرتَ في الكلام لقد أبلَغْتَ في الموعظة. وقال له الفُضيل بن عِياض -أو غيره-: إن اللَّه لم يجعَلْ أحدًا من هؤلاء فوقَك في الدُّنيا، فاجهِدْ نفسَك أنْ لا يكونَ أحدٌ منهم فوقَك في الآخرة؛ فاكدَحْ لنفسِك، وأعمِلْها في طاعةِ ربِّك. ودخل عليه ابنُ السمَّاك يومًا فاستسقى الرشيدُ، فأُتي بِقُلَّةٍ فيها ماءٌ مُبَرَّد، فقال لابنِ السمَّاك: عِظْني. فقال: يا أمير المؤمنين، بِكَم كنتَ مشتريًا هذه الشَّرْبَةَ لو مُنعتَها؟ فقال: بنِصْفِ مُلْكي. فقال: اشرَبْ هنيئًا. فلما شرب قال: أرأيتَ لو مُنعتَ خُروجَها من بدَنِك، بكَمْ كنتَ تشتري ذلك؟ قال: بنصف مُلْكي الآخَر. فقال: إنَّ مُلْكًا قيمةُ نصفِهِ شَرْبةُ ماء، وقيمةُ نصفِهِ الآخَرِ بَوْلة، لخَليقٌ أنْ لا يُتَنافس فيه. فبكى هارون. وقال ابنُ قُتيبة: حدَّثنا الرَّيَاشي، سمعتُ الأصمعيَّ يقول: دخلتُ على الرشيد وهو يُقَلِّمُ أظفارَهُ يومَ الجمعة، فقلتُ له في ذلك، فقال: أخْذُ الأظفارِ يومَ الخميسِ من السُّنَّة، وبلَغَني أن أخْذَها يوم الجمعةِ يَنْفي الفقر. فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أوَ تَخْشَى الفقر؟ فقال: يا أصمعى، وهل أحدٌ أخْشَى للفقرِ منِّي؟.

стр. 5014

وروى ابنُ عساكر (١)، عن إبراهيم المهدي قال: كنتُ يومًا عند الرَّشيد، فدعا طبَّاخَهُ فقال: أعندَك في الطعام لَحمُ جَزُور؟ قال: نعم، ألوانٌ منه. فقال: أحضِرْهُ مع الطعام. فلما وُضع بين يديه أخَذَ لقمةً منه فوضَعَها في فيه، فضَحِك جعفرٌ البرمكي، فترك الرشيدُ مضْغَ اللُّقمةِ وأقبل عليه فقال: ممَّ تضحك؟ قال: لا شيء يا أميرَ المؤمنين، ذكرتُ كلامًا بيني وبين جاريتي البارحة. فقال له: بِحَقِّي عليكَ لَمَّا أخبرتني به. قال: حتى تأكُلَ هذه اللُّقمة. فألقاها من فيه وقال: واللَّه لتخبرَنِّي. فقال: يا أمير المؤمنين، بكم تقولُ إنَّ هذا الطعام من لحم الجزور يقومُ عليك؟ قال: بأربعةِ دراهم. قال: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، بل بأربعِ مئةِ ألفِ درهم. قال: وكيف ذلك؟ قال: إنك طلبتَ من طبَّاخِك لحمَ جزورٍ قبلَ هذا اليوم بمدَّةٍ طويلة، فلم يوجدْ عندَه، فقلت: لا يخلوَنَّ المطبخُ من لحمِ جزور. فنحنُ نَنْحَرُ كلَّ يومٍ جَزورًا لأجلِ مطبخ أميرِ المؤمنين، لأنَّا لا نشتري من السوق لحمَ جزور، فصُرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا أَربعُ مئة ألف درهم، ولم يطلُبْ أميرُ المؤمنين لحمَ جَزورٍ إلَّا هذا اليوم. قال جعفر: فضحكتُ، لأنَّ أميرَ المؤمنين إنما نالَهُ من ذلك هذه اللُّقمة، فهي على أمير المؤمنين بأربع مئة ألف. قال: فبكى هارونُ الرشيد بكاءٍ شديدًا، وأمَرَ برَفْعِ السِّمَاطِ من بين يديه، وأقبل على نفسِهِ يُوبِّخُها ويقول: هلكت واللَّه يا هارون، ولم يزَلْ يبكي حتى آذنَهُ المؤذِّنون بصلاةِ الظُهر، فخرج فصلَّى بالناسِ ثم رجَعَ يبكي حتى آذنَهُ المؤذِّنون بصلاةِ العصر. وقد أمرَ بألفَيْ ألفٍ تُصرف إلى فقراءَ الحرمَيْن، في كل حَرَمٍ ألفُ ألف صدَقة؛ وأمر بألفَيْ ألفٍ يُتصدَّق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألفِ ألفٍ يُتصدَّق بها على فقراء الكوفةِ والبصرة. ثم خرج إلى صلاةِ العصر، ثم رجع يبكي حتى صلَّى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنُكَ يا أميرَ المؤمنين باكيًا في هذا اليوم؟ فذكر أمرَهُ وما صرَفَ من المال الجزيلِ لأجلِ شهوتِه، وإنما نالَهُ منها لقمة. فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تَذْبحونَهُ من الجزور يَفْسُدُ أو يأكلُهُ الناس؟ قال: بل يأكلُهُ الناس. فقال: أبشِرْ يا أميرَ المؤمنين بثوابِ اللَّه فيما صرَفْتَهُ من المالِ الذي أكلَهُ المسلمون في الأيامِ الماضية، وبمَا يسَّرَهُ اللَّه عليك من الصدقة، وبما رزقك اللَّه من خشيتِه وخَوْفِه في هذا اليوم، وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. فأمَرَ له الرشيد بأربعِ مئةِ ألف. ثم استدعَى بطعام، فأكل منه فكان غَدَاؤه في هذا اليوم عشاءً. وقال عمرو بنُ بحر الجاحظ: اجتمع للرَّشيدِ من الجِدِّ والهَزْلِ ما لم يجتمعْ لغيرِه من بعدِه؛ كان أبو يوسف قاضيَه، والبرامكةُ وزراءَه، وحاجبُه الفضلُ بن الربيع، أنْبَهُ الناسِ وأشدُهم تعاظُمًا؛ ونَديمه عمُّه

стр. 5015

العباس بن محمد صاحب العباسيَّة، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ومُغنِّيه إبراهيم الموصلي واحد عَصْرِهِ في صناعِته، ومُضْحِكه ابن أبي مريم، وزامره بَرْصُوما، وزوجته أم جعفر -يعني زُبيدة- وكانتْ أرغبَ الناس في كلِّ خير، وأسرعَهُمْ إلى كلِّ بِرٍّ ومعروف، أدخلتِ الماءَ الحرَم بعد امتناعِه من ذلك. إلى أشياء من المعروف أجراها اللَّه على يدِها (١). وروى الخطيبُ البغدادي (٢)، أنَّ الرشيد كان يقول: إنَّا من قومٍ عَظمُتْ رَزِيَّتُهم، وحَسُنتْ بَقِيَّتُهم (٣)، وَرِثْنا رسولَ اللَّه ﷺ ، وبقيت فينا خلافةُ اللَّه. وبينما الرشيدُ يطوفُ يومًا بالبيت إذْ عَرضَ له رجلٌ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إني أريدُ أنْ أُكلِّمكَ بكلامٍ فيه غِلْظة. فقال: لا، ولا نعْمَةَ عَيْن (٤)، قد بعث اللَّه منْ هو خير منكَ إلى منْ هو شرٌّ منِّي، فأمرَهُ أن يقولَ له: ﴿قَوْلًا لَّيِنًا﴾ [طه: ٤٤]. وعن شُعيب بن حَرْب قال: رأيتُ الرشيدَ في طريق مكة، فقلتُ في نفسي: قد وجَبَ عليك الأمرُ بالمعروف والنَّهْي عن المنكر، فخوَّفَتْني فقالت: إنه الآن يضربُ عُنقَك. فقلت: لابدَّ من ذلك. فنادَيْتُهُ فقلت: يا هارون، قد أتعبتَ الأمَّة والبهائم. فقال: خذوه. فأُدخلتُ عليه وفي يَدِهِ لُتٌّ من حديد (٥) يلعبُ به، وهو جالسٌ على كُرسيّ، فقال: ممَّنِ الرجل؟ فقلت: رجلٌ من المسلمين. فقال: ثَكِلَتْكَ أمُّك؟ ممَّنْ أنت؟ فقلت: من الأنبار. فقال: ما حمَلك على أنْ دعوتَني باسمي؟ قال: فخطر ببالي شيءٌ لم يخطُرْ قبلَ ذلك. فقلت: أنا أدعو اللَّهَ باسمه يا اللَّه، أفلا أدعوكَ باسمك؟ وهذا اللَّه سبحانه قد دعا أحبَّ خلقِهِ إليه باسمه محمد (٦)، وكنَّى أبغضَ خَلْقِهِ إليه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. فقال الرشيد: أخرجُوه، أخرِجُوه. وقال له ابن السَّماكِ يومًا: إنك تموتُ وحدَك، وتدخُلُ القبرَ وحدَك، وتُبعثُ منه وحدَك، فاحذَرِ

стр. 5016

المقامَ بين يدي الجبَّار (١)، والوقوفَ بين الجنةِ والنار، حين يُؤخَذُ بالكَظَم (٢)، وتَزِلُّ القدَم، ويَقَعُ النَّدَم؛ فلا توبةٌ تُقبل، ولا عَثْرَةٌ تُقال، ولا يُقبل فداءٌ بمال. فجعل الرشيدُ يبكي حتى عَلا صوتُه. فقال يحيى بن خالد له: يا بنَ السمَّاك، لقد شقَقْتَ على أميرِ المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عندِه وهو يبكي. وقال له الفُضيل بن عِياض -في كلامٍ كثير ليلةَ وعظِه بمكة-: يا صَبيحَ الوَجْه، إنك مسؤول عن هؤلاء كلِّهم؛ وقد قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأْسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]. قال: حدَّثنا ليث، عن مجاهد، قال: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى حتى جعل يَشْهَق. وقال الفُضَيل: استدعاني الرشيدُ يومًا وقد زخرَفَ منازلَه، وأكثرَ الطعامَ والشرابَ واللذاتِ فيها، ثم استدعَى أبا العتاهيةِ فقال له: صِفْ لنا ما نحنُ فيهِ من العيشِ والنَّعيم. فقال: عِشْ ما بَدَا لك سالِمًا … في ظلِّ شاهقةِ القُصُورِ تَسْعَى عليك بما اشتهَيْـ … ــتَ لَدَى الرواحِ إلى البُكُورِ فإذا النفوسُ تقَعْقَعَتْ … عن ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ فهناكَ تعلَمُ مُوقنًا … ما كنتَ إلَّا في غُرورِ (٣) قال: فبكى الرشيدُ بكاءً كثيرًا شديدًا. فقال له الفضلُ بن يحيى: دعاكَ أميرُ المؤمنين لِتَسُرَّهُ فأحزَنْتَهُ! فقال له الرشيد: دَعْهُ، فإنَّهُ رآنا في عَمَى. فكره أن يزيدَنا عَمى. ومن وجهٍ آخر، أنَّ الرشيد قال لأبي العتاهية: عِظْني بأبياتٍ من الشعرِ وأوجِزْ. فقال: لا تأمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسِ … ولو تَمنَّعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ واعلَمْ بأنَّ سهامَ الموتِ صائبةٌ … لكلِّ مُدَّرعٍ منها ومُتَّرِسِ تَرْجو النجاةَ ولم تَسْلُكَ مسالِكَها … إنَّ السفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ (٤) قال: فخرَّ الرشيدُ مَغْشيًّا عليه. وقد حَبَسَ الرشيدُ مرَّة أبا العَتاهية، وأرصَدَ عليه منْ يأتيهِ بما يقول: فكتبَ مرَّةً على جدارِ الحبس:

стр. 5017

أما واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ شُومُ … وما زال المُسيءُ هو الظَّلُومُ إلى دَيَّانِ يومِ الدِّينِ نَمْضي … وعندَ اللَّه تَجتمعُ الخُصومُ (١) قال: فاستَدعاهُ واستجعله في حِلّ، ووهبَهُ ألفَ دينارٍ وأطلقَه. وقال الحسين بن الفهم (٢): حدَّثنا محمد بن عباد، عن سفيان بن عُيينة قال: دخلتُ على الرشيد فقال: ما خبَرُك؟ فقلت: بعينِ اللَّه ما تُخْفي البيوتُ … فقد طال التَّحمُّل والسكوتُ فقال: يا فلان، مئة ألفٍ لابنِ عُيينة تُغْنيه وتُغْني عَقِبَه، ولا تضُرُّ الرشيدَ شيئًا (٣). وقال الأصمعي: كنتُ مع الرشيدِ في الحج، فمرَرْنا بوادٍ، فإذا على شفيرِهِ امرأةٌ صَبيَّةٌ حسناء، بين يدَيْها قصعة، وهي تأكلُ منها وهي تقول: طَحْطَحَتْنا طَحَاطِحُ الأعوامِ … ورَمَتْنا حوادثُ الأيَّامِ فأتيناكُمُ نَمُدُّ أكُفًّا … نائلات لِزادِكُمْ والطَّعَامِ فاطلُبوا الأجْرَ والمثوبَةَ فينا … أيُّها الزائرونَ بيتَ الحرامِ مَنْ رآني فقد رآني ورَحْلي … فارْحَمُوا غُرْبَتي وذُلَّ مَقَامِي قال الأصمعي: فذهبتُ إلى الرشيد، فأخبرتُهُ بأمرِها، فجاء بنفسِهِ حتى وقف عليها، فسمعَها، فرَحِمَها وبكى، وأمَرَ مسرورًا الخادمَ أنْ يَملأ قصعتهَا ذهبًا، فملأها حتى جعلَتْ تَفِيضُ يَمينًا وشِمالًا (٤). وسمع مرَّة الرشيدُ أعرابيًا يَحْدو إبلَهُ في طريق الحج: أيها المُجمِعُ هَمًّا لا تُهَمّ … إنك إنْ تُقْضى لكَ الحُمَّى تُحَمْ كيف توَقِّيكَ وقد جَفَّ القلَمْ … حُطتِ الصِّحَّةُ منكَ والسَّقَم (٥)

стр. 5018

فقال الرشيدُ لبعض خدَمِه: ما معَك؟ قال: أربعُ مئة دينار. فقال: ادفَعْها إلى هذا الأعرابي. فلما قبضَها ضرَبَ رفيقُهُ بيدِهِ على كتفه وقال متمثلًا: وكنتَ جليسَ قعقاعِ بن عمروٍ … ولا يَشْقَى بقعقاعٍ جليسُ فأمر الرشيدُ بعضَ الخدم أن يُعْطَى المتمثِّلُ ما معه من الذهب، فإذا معه مئتا دينار. قال أبو عُبيد: إن أصلَ هذا المثل، أنَّ معاويةَ بنَ أبي سفيان أُهديَتْ له هديَّة، جاماتٌ من ذهَب، ففرَّقَها على جُلسائه، وإلى جانبِهِ قعقاعُ بن عمرو، وإلى جانبِ القعقاعِ أعرابيٌّ لم يَفْضُلْ له منها شيء، فأطرق الأعرابيُّ حياءً. فدفَعَ إليه القعقاعُ الجامَ الذي حصلَ له، فنهض الأعرابيُّ وهو يقول: وكنتَ جليسَ قعقاعِ بن عمروٍ … ولا يَشْقَى بقعقاعٍ جليسُ وخرج الرشيدُ يومًا من عندِ زُبيدةَ ابنةِ عمِّه وهو يضحك، فقيل له: مِمَّ تضحكُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: دخلتُ اليومَ إلى هذه المرأة -يعني زوجتَه زُبيدة- فأكلتُ عندَها ونِمت، فما استيقظتُ إلَّا على صوْتِ ذهبٍ يُصَبّ، فقلتُ: ما هذا؟ قالوا: هذه ثلاثُ مئةِ ألفِ دينار قدِمَتْ من مِصر. فقالتْ زُبيدة: هَبْها لي يا ابنَ عَمّ. فقلت: هي لكِ. ثم ما خرَجْتُ حتى عَرْبَدَتْ عليَّ وقالت: أيّ خيرٍ رأيتُه منك؟!. وقال الرشيدُ مرَّةً للمُفَضَّل الضَّبِّيّ: ما أحسَنُ ما قيل في الذئب؟ ولك هذا الخاتم، وشراؤه ألفٌ وست مئِة دينار. فأنشد قولَ الشاعر (١): ينامُ بإحدَى مُقلتَيْهِ ويَتَّقِي … بأخرى الرَّزَايا فهو يقظانُ هاجِعٌ (٢) فقال: ما قلتَ هذا إلا لتَسْلُبَنا الخاتم. ثم ألْقاهُ إليه، فبعثَتْ زُبيدة فاشترَتْهُ منه بألفٍ وست مئةِ دينار، وبعثَتْ به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتُكَ مُعجَبًا به، فرَدَّهُ إلى المفضل والدنانير، وقال: ما كنَّا لِنَهَبَ شيئًا ونرجعَ فيه. وقال الرشيدُ يومًا للعباسِ بن الأحنف: أيُّ بيتٍ قالتِ العَربُ أرقّ؟ فقال: قولُ جميل في بُثَينة: ألا ليتَني أعمَى أصَمُّ تقودُني … بثينَةُ لا يَخْفَى عليَّ كلامُها فقال له الرشيد: أرَقُّ منه قولُكَ في مثلِ هذا:

стр. 5019

طاف الهوَى في عبادِ اللَّه كلِّهم … حتى إذا مرَّ بي من بينهم وَقَفا فقال له العباس: فقولك يا أميرَ المؤمنين أرَقُّ من هذا كُلِّه: أما يَكْفيكِ أنّكِ تَمْلِكيني … وأنَّ النَّاسَ كلَّهُمُ عَبِيدي وأنك لو قطعتِ يَدِي ورِجْلي … لقلتُ من الهوى أحسنتِ زِيدي قال: فضحك الرشيد وأعجبه ذلك. ومن شعر الرشيد في ثلاثِ حظِيَّاتٍ كُنَّ عندَهُ من الخواصّ قولُه: مَلَكَ الثلاثُ الناشئاتُ عِنَاني … وحَلَلْنَ من قلبي بكلِّ مَكَانِ مالي تطاوِعُني البريَّةُ كلُّها … وأُطيعُهنَّ وهُنَّ في عِصْيَاني ما ذاك إلَّا أنَّ سلطانَ الهوَى … وبِهِ قَوِينَ أعَزُّ مِنْ سُلْطاني وما أورد له صاحبُ "العِقْد" في كتابه (١): تُبْدِي الصدودَ وتُخْفي الحبَّ عاشقةٌ … فالنفسُ راضيةٌ والطَّرْفُ غَضْبَانُ وذكر ابنُ جرير وغيرُه أنه كان في دارِ الرشيد من الجواري والحظايا وخدَمِهِنَّ وخدَم زوجتِه وأخَوَاتِه أربعةُ آلافِ جارية، وأنَّهنَّ حضَرْنَ يومًا بين يديه، فغنَّتْهُ المطرِباتُ منهنّ، فطَرِبَ جدًّا، وأمَرَ بمالٍ فنُثِر عليهن. وكان مبلَغُ ما حصل لكلِّ واحدةٍ منهن ثلاثةَ آلافِ درهم في ذلك اليوم. رواه ابن عساكر أيضًا (٢). ورَوَى (٣) أنه اشترى جاريةً من المدينة فأُعجب بِها جدًّا، فأمَرَ بإحضار مواليها ومَنْ يَلُوذُ بها ليقضي حوائجَهم. فقَدِموا عليه بثمانينَ نفسًا، فأمر الحاجبَ -وهو الفضل بن الربيع- أن يتلقَّاهم ويكتبَ حوائجَهم. فكان فيهم رجلٌ، قد أقام بالمدينة لأنه كان يَهْوَى تلك الجارية، فبعثَتْ إليه، فأتى به، فقال له الفضل: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن يُجلِسَني أميرُ المؤمنين مع فلانة، فأشربَ ثلاثةَ أرطالٍ من خمرٍ. وتُغَنِّيني ثلاثةَ أصوات. فقال: أمجنونٌ أنت؟! فقال: لا، ولكن اعْرِضْ حاجتي هذه على أميرِ المؤمنين. فذكر للرشيد ذلك، فأمر بإحضارِه، وأنْ تَجلِسَ معه الجاريةُ بحيثُ ينظرُ إليهما ولا يَرَيَانِه. فجلسَتْ على كُرسي، والخُدَّامُ بين يدَيْها، وأُجلس على كُرسي، فشَرِبَ رِطْلًا وقال لها: غَنِّي: خليليَّ عُوجَا بارك اللَّه فيكما … وإنْ لم تكُنْ هندٌ بأرضِكُما قَصْدا

стр. 5020

وقُولا لها ليس الضَّلالُ أجازَنا … ولكنَّنا جُزْنا لنلقاكُمُ عَمْدا غدًا يكثُرُ الباكُونَ (١) منَّا ومنكُمُ … وتَزْدادُ داري من ديارِكُمُ بُعْدا (٢) قال: فغنَّتْهُ. ثم استعجَلَهُ الخدَم، فشَرِبَ رِطْلًا آخر، وقال: غَنَي جُعلتُ فداك: تكلَّمَ منَّا في الوجوهِ عيوننا … فنحنُ سكوتٌ والهَوىَ يتكلَّمُ ونَغْضَبُ أحيانًا ونَرْضَى بطَرْفِنا … وذلك فيما بيننا ليس يُعْلَمُ (٣) قال: فغنَّتْهُ، ثم شرب رطلًا ثالثًا وقال: غنِّي جعلَني اللَّه فداك: أحسَن ما كنَا تفرُّقُنا … وخاننا الدَّهْرُ وما خُنَّا فليتَ ذا الدهرَ لنا مرَّةً … عادَ لنا يومًا كما كُنَّا قال: ثم قام الشابُّ إلى درجةٍ هناك، ثم ألقَى نفسَهُ من أعلاها على أمِّ رأسِهِ فمات. فقال الرشيد: عَجِلَ الفتى، واللَّه لو لم يَعْجَلْ لوهَبْتُها له (٤). وفضائل الرشيد ومكارِمهُ كثيرةٌ جدًّا، فقد ذكر الأئمةُ من ذلك شيئًا كثيرًا، فذكَرْنا منه أُنموذجًا صالحًا. وقد كان الفُضيل بن عياض يقول: ليس موتُ أحدٍ أعزَّ علينا من موتِ الرشيد، لِمَا أتخوَّفُ بعدَهُ من الحوادث، وإني لأدعو اللَّهَ أن يزيدَ في عمرِهِ من عُمري. قالوا: فلما مات الرشيدُ وظهرَت الفِتَنُ والحوادثُ والاختلافات، وظهر القولُ بِخَلْقِ القرآن، فعرَفْنا ما كان تخوَّفَهُ الفُضيلُ من ذلك. وقد تقدَّمَتْ رؤياه لذلك الكفّ، وتلك التربةِ الحمراء، وقائلٍ يقول: هذه تربةُ أميرِ المؤمنين. فكان موتُهُ بِطُوس. وقد روَى ابنُ عساكر (٥) أنَّ الرشيدَ رأى في مَنَامِهِ قائلًا يقول: كأنِّي بِهذا القصرِ قد بادَ أهلُه … . . . . . . . . . . . . . الشعر إلى آخرهِ. وقد تقدَّم أنَّ ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي، وأبوه محمد المهدي، فاللَّه أعلم (٦).

стр. 5021

وقدَّمْنا أنه أمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ في حياتهِ، وأنْ تُقرأ فيه ختمةٌ تامَّة (١). وحُمل حتى نظر إليه. فجعل يقول: إلى هنا تَصِيرُ يا بنَ آدم! ويبكي، وأمر أن يُوَسَّعَ عندَ صَدْرِه، وأنْ يُمَدَّ من عندِ رِجْلَيْه، ثم جعل يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]، ويبكي (٢). وقيل: إنه لما احتُضر قال: اللهمَّ انفَعْنا بالإحسان، واغفِرْ لنا الإساءة، يا مَنْ لا يَموتُ، ارْحَمْ من يموت. وكان مرَضُهُ بالدَّم، وقيل: بالسل. وجبريل الطبيبُ يكتُمُ ما بهِ من العِلَّة، فأمر الرشيدُ رجلًا أنْ يأخُذَ ماءه في قارورة. ويذهبَ به إلى جبريل، فيريَهُ إيَّاه، ولا يذكرَ له بَوْلَ مَنْ هو، فإنْ سألَهُ قال: هو بولُ مريضٍ عندَنا، فلمّا رآه جبريلُ قال لرجلٍ عندَه: هذا مثلُ ماءِ ذلك الرَّجُل. ففَهِمَ صاحبُ القارورةِ مَنْ عَنَى به، فقال له: باللَّه عليكَ أخبِرْني عن حالِ صاحبِ هذا الماء، فإنَّ لي عليه مالكٌ، فإنْ كان به رجاء، وإلَّا أخذتُ مالي منه. فقال: اذَهبْ فتخلَّصْ منه، فإنَّهُ لا يعيشُ إلا أيامًا. فلما جاء وأخبرَ الرشيدَ بعث إلى جبريل. فتغَّيبَ حتى مات الرشيد. وقد قال الرشيدُ وهو في هذه الحال: إنِّي بِطُوسٍ مُقِيمُ … مالي بِطُوسٍ حَمِيم أرجو إلهي لِمَا بي … فإنه بي رَحِيم لقد أتى بِيَ طُوسًا … قضاؤه المحتومُ وليس إلَّا رِضَائي … والصَّبْرُ والتَّسْلِيمُ مات بطُوسَ يومَ السبت، لثلاثٍ من جُمادَى الآخرة، سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة. وقيل: إنه توفي في جُمادَى الأولى، وقيل: في ربيعٍ الأوَّل، ولَهُ من العمرِ خمسٌ -وقيل سبعٌ، وقيل ثمانٌ- وأربعونَ سنةً، ومُدَّةُ خلافتِه ثلاثٌ وعشرون سنة، وشهرٌ وثمانيةَ عشرَ يومًا. وقيل: ثلاثة أشهر. وصلَّى عليه ابنُهُ صالِح، ودُفن بقريةٍ من قُرى طُوس، يُقالُ لها سَنَاباد (٣). وقال بعضُهم: قرأتُ على خيامِ الرشيد بسَناباذَ والناسُ منصَرِفون من طُوس، من بعد مَوْتِه: منازلُ العَسْكَرِ مَعْمُورَةٌ … والمَنْزِلُ الأعظمُ مَهْجُورُ خليفةُ اللَّهِ بدارِ البِلَى … تسْفِي على أجداثِهِ المُورُ (٤) أقبلتِ العِيرُ تُبَاهي بِهِ … وانصرفَتْ تَنْدُبُهُ العِيرُ (٥)

стр. 5022

وقد رثاه أبو الشِّيص فقال: غرَبَتْ في الشرقِ شمسٌ … فلها العَيْنانِ تَدْمَعْ ما رأينا قَطُ شمسًا … غرَبَتْ من حيثُ تَطْلُعْ (١) وقد رثاهُ الشعراء بقصائد. قال ابنُ الجوزي في المنتظم (٢): قد ترَكَ الرشيدُ من الميراث ما لم يُخَلِّفْهُ أحدٌ من الخلفاء، وخلَّفَ من الجواهرِ والأثاثِ والأمتعةِ سوى الضياعِ والدُّور ما قيمتُه مئةُ ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألفَ ألفِ دينار. قال ابنُ جرير (٣): وكان في بيتِ المال تسعُمئةِ ألف ألف ونَيِّف. ذكر زوجاته وبنيه وبناته تزوَّج أمَّ جعفر زُبيدةَ بنت عمِّه جعفر بن أبي جعفر المنصور، تزوَّجها في سنةِ خمسٍ وستين ومئة في حياةِ أبيه المهدي، فولدَتْ له محمدًا الأمين. وماتَتْ زُبيدة في سنةِ ستَّ عشرةَ ومئتين كما سيأتي. وتزوَّجَ أمَةَ العزيز، أُمَّ وَلَد، كانتْ لأخيه موسى الهادي، فولَدَتْ له عليَّ بنَ الرشيد. وتزوَّجَ أمَّ محمد بنتَ صالح المسكين، والعبَّاسة بنت عمِّه سليمان بن أبي جعفر، فزُفَّتا إليه في ليلةٍ واحدة، سنةَ سبعٍ وثمانين ومئة بالرَّقَّة. وتزوَّجَ عزيزةَ بنتَ الغِطْرِيف، وهي بنتُ خالِه أخي أُمِّهِ الخَيْزُرَان. وتزوَّجَ ابنةَ عبدِ اللَّه بن محمد بن عبدِ اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية، ويُقال لها الجُرَشِية لأنها وُلدَتْ بِجُرَش باليمن. وتُوفِّي عن أربع: زُبيدة، وعبَّاسة، وابنة صالح، والعثمانية هذه. وأمَّا الحظايا من الجوار [ي] فكثيرٌ جدًّا، حتى قال بعضُهم: إنه كان في دارِهِ أربعة آلاف جاريةٍ سرارِيّ حسان. وأما أولادُه الذكور فمحمد الأمين ابن زُبيدة، وعبدُ اللَّه المأمون من جاريةٍ اسمُها مراجل، ومحمد أبو إسحاق المعتصِم من أُمِّ وَلَدٍ يُقالُ لها ماردة، والقاسمُ المؤتمن من جاريةٍ يُقال لها قصف، وعليّ أُمُّه أمَةُ العزيز، وصالح من جاريةٍ اسمُها رئم، ومحمد أبو يعقوب، ومحمد أبو عيسى، ومحمد أبو العباس، ومحمد أبو علي، كلُّ هؤلاءِ من أُمهات أولاد.

стр. 5023

وكان من الإناث سُكينة من قصف، وأمُّ حبيب من ماردة، وأرْوَى، وأمُّ الحسين، وأم محمد وهي حَمْدونة، وفاطمة وأمُّها غصص، وأم سَلَمة، وخَدِيجة، وأمُّ القاسم رَمْلَة. وأم علي، وأُمُّ الغالِيَة، ورَيْطَة، كلُّهنَّ من أمهاتِ أولاد. خلافة محمد الأمين لما تُوفي الرشيد بِطُوس في جُمادَى الآخرة من هذه السنة - أعني سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، كتب صالِحُ بن الرشيد إلى أخيه وفي العَهْد من بعدِ أبيه محمدٍ الأمين بن زُبيدة وهو ببغداد، يُعلِمُه بوفاةِ أبيه، ويُعَزِّيه فيه، فوصل الكتابُ صحبةَ رجاءٍ الخادم، ومعه الخاتمُ والقَضِيبُ والبُرْدَة يوم الخميس الرابع عشر من جُمادَى الآخرة. فركب الأمينُ من قصرهِ الخُلْد إلى قصر أبي جعفر المنصور -وهو قصرُ الذهَب- على شَطِّ بغداد، فصلَّى بالناس، ثم صَعِدَ المنبر، فخطَبَهم وعزَّاهم في الرشيد، وبسَطَ آمالَ الناس، ووعَدَهم الخير، فبايَعَه الخواصُّ من قومه، ووجوهُ بني هاشم، والأمراء، وأمرَ بصَرْفِ أُعطياتِ الجُند عن سنتَيْن، ثم نزَل. وأمَرَ عمَّهُ سُليمان بن جعفر أنْ يأخذَ له البيعةَ من بقيةِ الناس، فلما انتظم أمرُ الأمين، واستقام حالُه، حسَدَهُ أخوه المأمون، ووقَعَ الخُلْفُ بينهما على ما سنذكرهُ إنْ شاء اللَّه تعالى. اختلاف الأمين والمأمون كان السببُ في ذلك أنَّ الرشيد لمَّا وصل إلى أولِ بلادِ خُراسان وَهَبَ جميعَ ما فيها من الحواصِلِ والدوابِّ والسلاح لولدِهِ المأمون، وجدَّدَ له البيعة، وكان الأمين قد بعثَ بكرَ بنَ المعتمر بكتبٍ في خُفيَةٍ ليوصِلَها إلى الأمراء إذا مات الرشيد، فلما تُوفي الرشيد نفذتِ الكتبُ إلى الأمراء وإلى صالح بن الرشيد، وفيها كتابٌ إلى المأمون، يأمرهُ بالسمع والطاعة، فأخذ صالِحٌ البيعةَ من الناسِ إلى الأمين، وارتحل الفضلُ بن الربيع بالجيشِ إلى بغداد، وقد بقي في نفوسِهم تحرُّجٌ من البيعةِ التي أُخذَتْ للمأمون، وكتب إليهمُ المأمونُ يدعوهمْ إلى بيعَتِه فلم يُجيبوه، فوقعتِ الوَحْشَةُ بين الأخوَيْن، ولكنْ تحوَّل عامَّةُ الجيش إلى الأمين، فعند ذلك كتب المأمونُ إلى أخيه الأمين بالسَّمْع والطاعةِ والتعظيم، وبعَثَ إليه من هدايا خُراسان وتُحَفِها من الدوابِّ والمِسك، وغيرِ ذلك، وهو نائبُهُ عليها. وقد أمرَ الأمينُ في صبيحةِ يوم السبت بعدَ أخذِ البيعةِ يومَ الجمعة ببناء ميدانَيْن للصَّيد، فقال في ذلك بعضُ الشعراء: بَنَى أمينُ اللَّه مَيْدانا … وصَيَّرَ الساحةَ بُسْتانا وكانتِ الغزلانُ فيه بانا … يهدى إليه فيه غِزْلانا (١)

стр. 5024

وفي شعبان من هذه السنة قَدِمَتْ زُبَيدَةُ من الرَّقَة بالخزائن، وما كان عندَها من التُّحَفِ والقماش من الرشيد، فتلقَّاها ولَدُها الأمينُ إلى الأنبار، ومعه وجوهُ الناس، وأقرَّ الأمينُ أخاهُ المأمونَ على ما تحتَ يدِهِ من بلادِ خُراسانَ والرَّيّ وغيرِ ذلك، وأقرَّ أخاه القاسمَ على الجزيرةِ والثُّغور، وأقرَّ عمَّالَ أبيه على البلادِ إلَّا القليلَ منهم. وفيها مات نقْفُور ملكُ الرُّوم قتَلَهُ البُرْجان (١)، وكان ملكُه تسعَ سنين، وأقام بعدَهُ ولدُه استبراق شهرَيْن فمات، فملَكهُم ميخائيلُ زوجُ أختِ نقْفور، لعنهم اللَّه. وفيها تواقع هَرْثَمةُ بن أعْيَن نائبُ خراسان ورافع بن اللَّيث، فاستجاشَ رافعٌ بالتُّرك (٢) ثم هربوا، وبَقِيَ رافعٌ وحدَه، فضَعُفَ أمرُه. وحَجَّ بالناسِ في هذه السنة نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. وفيها توفي من الأعيان: إسماعيلُ بن عُلَيَّة (٣): وهو من أئمةِ العلماء، والمحدِّثين الرُّفَعاء. روى عنه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وقد وُلِّيَ المظالِمَ ببغداد، وكان ناظرَ الصدقاتِ بالبصرة، وكان ثقة نبيلًا جليلًا كبيرًا. وكان قليلَ التَّبَسُّم. وكان يَتَّجِرُ في البَزّ، ويُنفق على عيالِهِ منه، ويحجُّ منه، وَيبَرُّ أصحابَهُ منه، مثل السفيانَيْن وغيرِهما. وقد ولَّاهُ الرشيدُ القضاء، فلما بلغ ابنَ المبارك أنه تولَّى القضاء كتب إليهِ يَلُومُه نظمًا ونثرًا، فاستعفى ابنُ عُلَيَّةَ من القضاء، فأعفاه، وكانتْ وفاتُه في ذي القَعْدَةِ من هذه السنة، ودُفن في مقابِرِ عبدِ اللَّه بن مالك.

стр. 5025

وفيها مات: محمد بن جعفر (١) الملقَّب بِغُنْدَر: روى عن شعبة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وعن خلقٍ كثير. وعنه جماعةٌ، منهم أحمد بن حنبل. وكان ثقةً جليلًا حافظًا مُتقِنًا، وقد ذُكر عنه حكاياتٌ تدلُّ على تغفيله في أمورِ الدنيا. كانت وفاتُه بالبصرة في هذه السنة، وقيل في التي قبلَها، وقيل في التي بعدَها. وقد لُقِّب بهذا اللقب جماعةٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين. وفيها توفي هارون أمير المؤمنين، وقد تقدَّمت ترجمته قريبًا. وأبو بكر بن عياش (٢): أحد الأئمة، سمع أبا إسحاق السَّبِيعي، والأعمش، وهشام بن عروة (٣)، وجماعة. وحدث عنه خلق، منهم أحمد بن حنبل. وقال يزيد بن هارون: كان خَيِّرًا فاضلًا، لم يضَعْ جَنْبَهُ إلى الأرض أربعين سنة. قالوا: ومكث ستين سنةً يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ خَتْمَةً كاملة. وصام ثمانين رمضانًا، وتُوفي وله ستٌّ وتسعون سنة. ولما احتُضر بكى عليه ابنُه، فقال: يا بُني علامَ تبكي؟! واللَّه ما أتَى أبوك فاحشةً قط. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومئة فيها خلَعَ أهلُ حمصَ نائبَهم، فعزَلَهُ عنهم الأمين، وولَّى عليهم عبدَ اللَّه بن سعيد الحَرَشي، فقتل طائفةً من وجوهِ أهلِها، وحرَّق نواحِيهَا، فسألوه الأمانَ فأمَّنَهم، ثم هاجوا فضرب أعناقَ كثيرٍ منهم أيضًا.

стр. 5026

وفيها عزل الأمينُ أخاه القاسمَ عن الجزيرةِ والثُّغور وولَّى على ذلك خُزيمة بن خازم، وأمَّرَ أخاه بالمقام عندَهُ ببغداد. وفيها أمرَ الأمينُ بالدعاءِ لولده موسى على المنابر في سائرِ الأمصار، وبالإمْرَةِ من بعدِه، وسَمَّاهُ الناطِقَ بالحقّ. ثم يُدعَى من بعدِهِ لأخيه المأمون، ثم لأخيه القاسم. وكان من نِيَّةِ الأمين الوفاءُ لأخوَيْهِ بِما شرَطَ لهما، فلم يزَلْ بهِ الفضلُ بن الربيع حتى غيَّرَ نيَّتَه في أخوَيْه، وحسَّنَ له خَلْعَ المأمونِ والقاسم، وصغَّرَ عندَهُ شأنَ المأمون. وإنما حمَلَهُ على ذلك خوفُهُ من المأمون إنْ أفضَتْ إليه الخلافةُ أن يخلَعَهُ من الحجابة (١)، فوافقه الأمينُ على ذلك، وأمر بالدُّعاءَ لولدِهِ موسى، وبولايةِ العَهْدِ من بعدِه. وذلك في ربيع الأول من هذه السنة؛ فلما بلَغَ المأمونَ قَطَعَ البريدَ عنه، وتَرَكَ ضَرْبَ اسمِهِ على السِّكَّة والطراز، وتنكَّر للأمين، وبعث رافعَ بن اللَّيث إلى المأمون يسألُ منه الأمان، فأمَّنه فسار إليه بمَنْ معه، فأكرمه المأمونُ وعظَّمَه، وجاء هَرْثَمةُ على إثْرِه، فتلقَّاه المأمونُ ووجوهُ الناس، وولَّاهُ الحرَس. فلما بلَغَ الأمينَ أن الجنودَ التفَّتْ على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكرَه؛ وكتب إلى المأمون كتابًا، وأرسل إليه رُسُلًا ثلاثةً من أكابرِ الأمراء، سألَهُ أن يُجيبَهُ إلى تقديمِ ولَدِهِ عليه، وأنه قد سَمَّاهُ الناطِقَ بالحق. فأظهر المأمونُ الامتناع، فشرَعَ الأمراءُ في مُطَايَبَتِه ومُلايَنَتِه، وأن يُجيبَهُم إلى ذلك، فأبَى كلَّ الإباء، فقال له العباسُ بن موسى بن عيسى: فقد خلَعَ أبي نفسَه فماذا كان؟ فقال المأمون: إنَّ أباكَ كان امرأً مكرهًا. ثم لم يزل المأمونُ يَعِدُ العبَّاسَ ويُمنِّيه حتى بايَعَهُ بالخلافة. ثم لما رجع إلى بغداد كان يُراسِلُه بما كان من أمرِ الأمينِ ويُناصِحُه؛ ولما رجع الرسُلُ إلى الأمين أخبروه بما كان من قولِ أخيه، فعند ذلك صَمَّمَ الفضلُ بن الربيع على الأمين في خَلْعِ المأمون، فخلَعهُ وأمرَ بالدعاءِ لولده في سائرِ البلاد. وأقاموا منْ يتكلَّمُ في المأمون، ويذكرُ مساويه، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتابَ الذي كتبه الرشيد، وأودَعَهُ في الكعبة، فمزَّقَهُ الأمين، وأكَّدَ البيعةَ إلى ولدِهِ الناطقِ بالحق على ما ولّاهُ من الأعمال. وجرَتْ بين الأمينِ والمأمونِ مكاتباتٌ ورُسُلٌ يطولُ بَسْطُها؛ وقد استقصاها ابنُ جرير في تاريخِه (٢)، ثم آلَ بهما الأمرُ إلى أنِ احتفظ كلٌّ منهما على بلادِه وحِصْنِها، وهيأ الجيوشَ والجنود، وتألَّفَ الرعايا. وفيها عدَتِ الرُّومُ على مَلِكِهم ميخائيل (٣)، فراموا خلعَه وقتلَه، فترَكَ الملكَ وترَهَّب، وولَّوْا عليهم أليون.

стр. 5027

وحجَّ بالناسِ فيها نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى، وقيل: علي بن الرشيد. وفيها توفي من الأعيان: سَلْم بن سالم أبو بَحْر البَلْخِيّ (١): قدم بغداد وحدَّث بها عن إبراهيم بن طَهْمَان، والثَّوري. وعنه الحسنُ بن عَرَفة. وكان عابدًا زاهدًا مكَثَ أربعين سنة لم يُفرَشْ له فِراش، وصامها كلَّها إلَّا يومي العيد. ولم يرفَعْ رأسَهُ إلى السماء. وكان داعيةَ الإرجاء، ضعيفَ الحديث، إلَّا أنه كان رأسًا في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيدِ وشنَّع عليه، فحبَسَه وقيَّدَه باثني عشرَ قيدًا؛ فلم يزَلْ أبو معاوية يشفعُ فيه حتى جعلوه في أربعةِ قيود. ثم كان يدعو اللَّه أن يردَّهُ إلى أهلِه؛ فلما تُوفي الرشيد أطلقَتْهُ زُبيدة، فرجع. وكانوا بمكة فد جاؤوا حُجَّاجًا، فمرض بمكة، واشتهى يومًا بَرَدًا، فسقط في ذلك الوَقْتِ بَرَدٌ جمن اشتهاه، فأكل منه. مات في ذي الحجة من هذه السنة. وعبدُ الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (٢): كانتْ غَلَّتُهُ في السنةِ قريبًا من خمسين ألفًا، يُنفِقها كلَّها على أهل الحديث. توفي عن أربعٍ وثمانين. وأبو النصر الجهني المصاب (٣): كان مقيمًا بالمدينة النَّبويَّة بالصُّفَّةِ من المسجدِ في الحائطِ الشماليِّ منه وكان طويلَ السكوت، فإذا سئل أجاب بجوابٍ حسَن، يتكلم بكلماتٍ مفيدة تُؤثر عنه وتكتب، وكان يخرجُ يومَ الجمعة قبلَ الصلاة، فيقفُ على مجامِع الناسِ فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، و ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. ثم ينتقلُ إلى جماعةٍ أخرى، ثم إلى أخرى،

стр. 5028

حتى يدخلَ المسجد، فيُصَلِّي فيه الجمعة ثم لا يَخْرُجُ منه حتى يُصَلِّي العشاءَ الآخرة. وقد وعَظَ مرَّةً هارونَ الرشيد بكلامٍ حسن، فقال: اعلَمْ أنَّ اللَّه سائلُكَ عن أُمَّةِ نبيِّه، فأعِدَّ لذلك جوابًا، وقد قال عمرُ بن الخطَّاب: لو ماتتْ سخلةٌ بالعراق ضَيَاعًا لَخَشيت أنْ يسألَني اللَّه عنها. فقال الرشيد: إني لستُ كعمر، وإنَّ دَهْري ليس كَدَهْرِه. فقال: ما هذا بِمُغْنٍ عنك شيئًا. فأمر له بثلاثِ مئةِ دينار. فقال: أنا رجلٌ من أهلِ الصُّفَّة، فمُرْ بها فَلْتُقْسم عليهم، وأنا واحدٌ منهم. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومئة فيها في صَفَر منها أمَرَ الأمينُ النَّاسَ أنْ لا يتعاملوا بالدراهمِ والدنانيرِ التي عليها اسمُ المأمون. ونَهَى أنْ يُدعَى له على المنابر، وأنْ يُدعَى له ولولَدِهِ من بعدِه. وفيها تَسَمَّى المأمونُ بإمامِ الهدى؛ وفي ربيع الآخر فيها عَقَدَ الأمينُ لعليِّ بن عيسى بن ماهان الإمارةَ على الجبَل وهمَذان وأصْبَهان وقُمّ، وتلكَ البلاد، وأمَرَهُ بِحَرْبِ المأمون، وجهَّزَ معهُ جيشًا كثيرًا؛ وأنفَقَ فيهم نفقاتٍ عظيمة؛ وأعطاهُ مئتي ألف دينار، ولولده خمسين ألفَ دينار، وألفَيْ سيف مُحلّى، وستة آلاف ثوبٍ للخِلَع. فخرج عليُّ بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألفَ مقاتلٍ فارس؛ ومعه قَيْدٌ من فِضَّة ليأتي فيه بالمأمون. وخرج الأمينُ معه مشيِّعًا، فسار حتى وصلَ الرَّيّ، فتلقَّاهُ الأميرُ طاهرٌ في أربعةِ آلاف، فجرَتْ بينهم أمورٌ آلَ الحالُ فيها أنِ اقتَتَلوا؛ فقُتل عليُّ بن عيسى؛ وانهزم أصحابُه، وحُمل رأسُه وجُثَّتُهُ إلى الأمير طاهِر. فكتب بذلك إلى وزيرِ المأمون ذي الرِّيَاستَيْن وكان الذي قَتَل عليَّ بن عيسى رجلٌ يُقال له طاهر الصغير. فسُمِّي ذا التيمِينَيْن، لأنه أخذ السيفَ بيدَيْه الثِّنْتَيْن، فذبح به عليَّ بن عيسى بن ماهان، ففَرِحَ بذلك المأمونُ وذووه، وانتهى الخَبرُ إلى الأمين وهو يَصيدُ السمَكَ من بركة القصر؛ فقال: وَيْحَك! دَعْني من هذا، فإنَّ كَوْثرًا قد صاد سمكَتَيْن ولم أصِدْ بعدُ شيئًا. وأرْجَفَ الناسُ ببغداد، وخافوا غائلةَ هذا الأمر. ونَدِمَ محمدٌ الأمين على ما كان منه من نَكْثِ العَهْد، وخَلْعِ المأمون، وما وقع من الأمر الفَظيع. وكان رجوعُ الخبَرِ إليه في شوال من هذه السنة. ثم جهَّزَ عبدَ الرحمن بن جَبَلة الأبْنَاويَّ في عشرين ألفًا من المقاتِلَة إلى هَمَذانَ ليقاتلوا طاهرَ بن الحسين بن مُصعب ومنْ مَعَهُ من الخراسانيَّة؛ فلما اقتربوا منهم تواجهوا فتقاتلوا قتالًا شديدًا، حتى كثرتِ القتلى بينهم، ثم انهزم أصحابُ عبد الرحمن بنِ جَبَلة، فلجؤوا إلى هَمَذان، فحاصرَهم بها طاهرٌ حتى اضطرَّهم إلى أنْ دَعَوْا إلى الصُّلح، فصالحهم وأمَّنَهم، ووَفَى لهم؛ وانصرف عبدُ الرحمن بن جبلة على أن يكونَ راجعًا إلى بغداد، ثم غدَروا بأصحابِ طاهر، وحملوا عليهم وهم غافلون، فقَتَلوا منهم خلقًا،

стр. 5029

وصبَرَ لهم أصحابُ طاهر، ثم نهضوا إليهم وحملوا عليهم فهزموهم. وقُتل أميرُهم عبد الرحمن بن جَبَلة، وفرَّ أصحابُهُ خائبين. فلما رجعوا إلى بغداد اضطربتِ الأمور، وكثرتِ الأراجيف، وكان ذلك في ذي الحجَّة من هذه السنة، وطرَدَ طاهرٌ عُمَّالَ الأمين عن قَزْوينَ وتلك النواحي، وقَوِيَ أمرُ المأمون جدًّا بتلك البلاد. وفي ذي الحجَّة من هذه السنة ظهر أمرُ السُّفْيَانيِّ بالشام، واسمه علي بن عبد اللَّه بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فعزَلَ نائبَ الشامِ عنها، ودَعَا إلى نفسِه؛ فبعث إليه الأمينُ جيشًا فلم يقدموا عليه، بل أقاموا بالرَّقَّة. ثم كان من أمرِه ما سنذكرُه. وحجَّ بالناسِ فيها نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى. وفيها كانتْ وفاةُ جماعةٍ من الأعيان، منهم: إسحاق بن يوسف الأزرق (١): أحد أئمة الحديث. روى عنه أحمد وغيره. ومنهم: بَكَّار بن عبد اللَّه (٢) بن مصعب بن ثابت بن عبدِ اللَّه بن الزُّبير. كان نائبَ المدينةِ للرشيد ثنتَيْ عشرةَ سنةً وشهرًا؛ وقد أطلق الرشيدُ على يدَيْهِ لأهلِها ألفَ ألفِ دينار ومئتي ألفِ دينار. وكان شريفًا جوادًا معظَّمًا. وفيها توفي: أبو نُوَاسر الشاعر (٣): واسمهُ الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد اللَّه بن الجرَّاح بن هِنب بن ددة بن غَنْم بن سُليم بن حَكَم بن سعد العشيرة بن مالك بن عمرو بن الغَوْث بن طَيِّئ بن أُدَد بن شبيب بن [عمر بن] سبيع بن الحارث بن زيد بن عدي بن عوف بن زيد بن هميسع بن عمرو بن يَشْحُب بن عَرِيب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان بن عابِر بن شالخ بن أرْفَخْشَذ بن سام بن

стр. 5030

نوح. كذا نسَبَهُ عبدُ اللَّه بن [أبي] سعد الورَّاق (١)، نسَبَه إلى ولاءِ الجرَّاح بن عبد اللَّه الحَكَمي. ويقال له أبو نُوَاس البَصْري، كان أبوهُ من أهل دمشق، من جُندِ مروانَ بنِ محمد، ثم صار إلى الأهواز، وتزوَّج امرأةً يُقال لها جلبان، فولَدَتْ له أبا نُوَاس وابنًا آخر يُقال له أبو مُعاذ. ثم صار أبو نواس إلى البصرة، فتأدَّبَ بها على أبي زيد وأبي عُبيدة. وقرأ كتابَ سِيبَوَيْه، ولزم خَلَفًا الأحمر؛ وصحب يونُسَ بن حَبيب الجَرْميَّ النَّحْوي. وقد قال القاضي ابنُ خَلِّكان (٢): صحب أبا أسامة والبةَ بن الحُبَاب الكوفي. ورَوَى الحديث عن أزهرَ بنِ سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطَّان. وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي. وحدث عنه جماعةٌ منهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، وغُنْدَر، ومشاهيرُ العلماء. ومن مشاهيرِ حديثِهِ ما رواه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي، [عن الحسن بن هانئ]، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يموتنَ أحدُكم إلَّا وهو يُحسنُ الظنَّ باللَّه، فإنَّ حُسْنَ الظَّنِّ باللَّه ثَمَنُ الجنَّة" (٣). وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت، فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي، أنت اليومَ في آخرِ يوم من أيام الدنيا، وأولِ يومٍ من أيامِ الآخرة، وبينك وبين اللَّه هَنَاتٌ (٤)، فتُبْ إلى اللَّه من عَمِلك. فقال: إيَّاي تُخَوِّفَ باللَّه؟! أسنِدُوني. قال: فأسندناه. فقال: حدثني حماد بن سَلَمة، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لِكُلّ نبيٍّ شفاعةٌ، وإني اختبأتُ شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمتي يومَ القيامة" (٥). ثم قال: أفلا تراني منهم؟.

стр. 5031

وقال أبو نُوَاس: ما قلتُ الشعر حتى رَوَيتُ عن ستين امرأةً، منهنَّ خنساء، وليلى، فما ظنُّكَ بالرجال؟. وقال يعقوب بن السِّكِّيت: إذا رويتَ الشعرَ عن امرئ القيس والأعشى من أهلِ الجاهلية، ومن الإسلاميِّين جريرٍ والفرزدق، ومن المُحدَثين عن أبي نُواس فحسبُك. وقد أثنى عليه غيرُ واحد، منهم الأصمعيّ، والجاحظ، والنَّظَّام. قال أبو عمرو الشيباني: لولا أنَّ أبا نواس أفسَدَ شعرَهُ بما وَضَعَ فيه من الأقذار لاحتَجَجْنا به. يعني شعرَه الذي قاله في الخمريَّات والمُرْدَان -وقد كان يَميلُ إليهم- ونحو ذلك مما هو معروفٌ في شعرِه. واجتمع طائفةٌ من الشعراء عند المأمون، فقيل لهم: أيُّكم القائل: فلمّا تَحَسَّاها وقَفْنا كأنَّنا … نرَى قمرًا في الأرضِ يبلُغُ كوكبا (١)؟ قالوا: أبو نواس. قال: فأيُّكم القائل: إذا نزلَتْ دون اللَّهَاةِ من الفتى … دعَا هَمّهُ عن قلبِهِ برَحِيلِ (٢)؟ قالوا: أبو نواس. قال: فأيُّكم القائل: فتمشَّتْ في مَفَاصِلِهم … كتمَشِّي البُرْءَ في السَّقَمِ (٣)؟ قالوا: أبو نواس. قال: فهو أشعَرُكم. وقال سفيانُ بن عُيينةَ لابن مناذِر: ما أشعرَ ظريفَكُمْ أبا نُوَاسٍ في قوله: يا قمرًا أبصرتُ في مَأتَمٍ … ينْدُبُ شَجْوًا بينَ أترابِ أبْرَزَهُ المأتَمُ لي كارهًا … برَغْمِ ذي بابٍ وحُجَّاب يَبْكي فيَذْري الدُّرَّ من عينه … ويَلْطِمُ الوَرْدَ بِعُنَّابِ

стр. 5032

لا زالَ مَوْتًا دَأْبُ أحبابِهِ … ولم تَزَلْ رُؤْيَتُهُ دابي (١) قال ابنُ الأعرابي: أشعَرُ الناسِ أبو نُوَاس في قوله: تغَطَّيْتُ من دَهْري بظِلِّ جناحِهِ … فعيني تَرَى دهري وليس يَرَاني فلو تسألُ الأيامَ عنِّىَ ما دَرَتْ … وأين مكاني ما عَرَفْنَ مكاني (٢) وقال أبو العتاهية: قلتُ في الزُّهْد عشرينَ ألفَ بيت، وَدِدْتُ أنَّ لي مكانَها الأبياتَ الثلاثةَ التي قالها أبو نُوَاس، وهي هذه، وكانتْ مكتوبةً على قبرِه: يا نُوَاسِيُّ تَوَقَّرْ … أو تَغَيَّرْ أو تَصَبَّرْ إنْ يَكُنْ ساءَكَ دَهرٌ … فلَمَا سَرَّكَ أكْثَرْ يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللَّهِ … من ذَنْبِكَ أَكْبَرْ (٣) ومن شعرِ أبي نُوَاس يَمدَحُ بعضَ الأمراء: أوجَدَهُ اللَّهُ فما مِثْلُهُ … لطالِبِ ذاكَ ولا ناشِدِ وليس للَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحِدِ (٤) وأنشدوا لسفيانَ بنِ عُيينة قولَ أبي نواس: ما هَوَى إلَّا له سَبَبُ … يبْتَدي منهُ ويَنْشَعِبُ فتَنَتْ قلبي مُحجَّبَة … وجْهُها بالحُسْنِ مُنْتَقِبُ حَلِيَتْ والحُسْنُ تأخذُهُ … تنْتَقي منه وتَنْتَخِبُ فاكتسَتْ منهُ طرائفَهُ … واسترَدَّتْ بعضَ ما تَهَبُ فَهْيَ لو صَيَّرْتُ فيه لَهَا … عوْدةً لم يَثْنِها أرَبُ صار جِدًّا ما مَزَحْتُ بِهِ … ربَّ جِدٍّ جَرَّهُ اللَّعِبُ (٥) فقال ابنُ عُيينة: آمنتُ بالذي خلَقَها.

стр. 5033

وقال ابنُ دُريد: قال أبو حاتم: لو أنَّ العامَّةَ بدَّلَتْ هذَيْنِ البيتين لكتبتُهما بماءَ الذهب (١): ولو أني استزَدْتُكَ فوقَ ما بي … من البَلْوَى لأعْوَزَكَ المزيدُ ولو عُرِضَتْ على الموتى حياتي … بعيشٍ مثل عيشي لم يُريدوا وقد سمع أبو نُواس حديثَ سُهيل، عن أبي صالح (٢)، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "القلوبُ جُنودٌ مُجنَّدة، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَنَاكَرَ منها اختلف" (٣). فنظم ذلك في قصيدةٍ له فقال: إنَّ القلوبَ لأجنادٌ مُجَنَّدةٌ … للَّه في الأرضِ بالأهواءِ تعترِفُ فما تناكَرَ منها فهو مختلفٌ … وما تعارَفَ منها فهو مؤتلفُ (٤) ودخل يومًا أبو نواس مع جماعةٍ من المحدِّثين على عبدِ الواحد بن زياد فقال لهم عبدُ الواحد: لِيَخْتَرْ كل واحدٍ منكم عشرةَ أحاديث أُحدِّثُه بها. فاختار كلُّ واحدٍ عشرةً إلَّا أبا نُواسَ، فقال له: ما لَكَ لا تختارُ كما اختاروا فأنشأ يقول: ولقد كُنَّا رَوَيْنا … عن سعيدٍ عن قَتَادهْ عن سعيدِ بنِ المُسَيّـ … ـبِ ثم ابنِ عُبَادَة (٥) وعن الشعبيِّ والشَّعـ … ـبِيُّ شيخٌ ذو جَلادَهْ وعن الأخيارِ نَحْكيـ … ـهِ وعَنْ أهْلِ الإفادَهْ أنَّ مَنْ ماتَ مُحِبًّا … فلَهُ أجْرُ شَهَادَهْ (٦)

стр. 5034

فقال له عبدُ الواحد: قُمْ عَنِّي يا فاجر، لا حدَّثْتُكَ ولا حدَّثْتُ أحدًا من هؤلاءِ من أجلِك. فبلغ ذلك مالكَ بنَ أنس وإبراهيمَ بن أبي يحيى، فقالا: كان ينبغي أن يُحدِّثَه، لعلَّ اللَّه أن يُصْلِحَه. قلت: وهذا الذي أنشَدَهُ أبو نُواس في شعره قد رواهُ ابنُ عديٍّ في كامِلِه عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا "منْ عَشِقَ فعَفَّ فكتَمَ فماتَ ماتَ شهيدًا" (١). ومعناه: أنَّ منِ ابتُلي بالعِشْقِ من غيرِ اختيارٍ منه فصَبَرَ، وعَفَّ عن الفاحشة، ولم يُفشِ ذلك، فماتَ بسبب ذلك حَصَل له أجرٌ كثير. فإنْ صَحَّ هذا كان ذلك له نوع شهادة. واللَّه أعلم. وروى الخطيبُ أيضًا (٢)، أنَّ شُعبة لَقِيَ أبا نواس فقال له: حدِّثْنا من طُرَفِك. فقال مرتجلًا (٣): حدثنا الخفَّافُ عن وائلٍ … وخالدُ الحذَّاءُ عن جابِرِ ومِسْعرٌ عن بعضِ أصحابِه … يرفعُهُ الشيخُ إلى عامِرِ قالوا جميعًا: أيُّما طَفْلَةٍ (٤) … عُلِّقَها ذو خُلُقٍ طاهرِ فواصلَتْهُ ثم دامَتْ لهُ … على وِصَالِ الحافِظِ الذاكرِ كانت له الجنة مفتوحةً … يَرْتعُ في مرتَعِها الزاهرِ وأيُّ مَعْشوقٍ جَفَا عاشقًا … بعدَ وِصَالٍ دائمٍ ناضِرِ ففي عذابِ اللَّه بُعدًا له … نَعَمْ وسُحقٍ دائمٍ داخِرِ فقال له شعبة: إنك لجميل الأخلاق، وإني لأرجو لك. وأنشد أبو نُواس أيضًا: يا ساحرَ المُقْلَتَيْنِ والجيدِ … وقاتِلي منكَ بالمواعيدِ تُوعِدُني الوَصْلَ ثم تُخْلِفُني … فلا تَفي منه لي بمَوْعُودي (٥)

стр. 5035

حدَّثني الأزْرَقُ المحدِّثُ عن … شِمْرٍ وعَوْفٍ عن ابنِ مسعودِ (١) ما يُخْلِفُ الوَعْدَ غيرُ كافرةٍ … وكافِرٍ في الجحيمِ مَصْفُودِ فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الأزرق فقال: كذَبَ عدوُّ اللَّه عليَّ وعلى التابعين، وعلى أصحابِ محمدٍ ﷺ . وعن سُليم بن منصور بن عمار، قال: رأيتُ أبا نُوَاس في مجلس أبي يبكي بكاءً شديدًا، فقلت: إني لأرجو أنْ لا يُعذِّبَكَ اللَّه بعدَ هذا البكاء. فأنشأ يقول: لم أبكِ في مجلسِ مَنْصُورِ … شَوْقًا إلى الجنَّةِ والحُورِ ولا مِنَ القَبْرِ وأهوالِهِ … ولا من النَّفْخَةِ في الصُّورِ ولا منَ النارِ وأغلالِها … ولا مِنَ الخِذْلانِ والجَوْرِ لكنْ بُكائي لبُكا شادنٍ … تَقيه نفسي كلَّ مَحْذورِ (٢) ثم قال: إنما بكيتُ لبكاء هذا الأمردِ الذي إلى جانبِ أبيك. وكان صبيًّا حسنَ الصورة، يسمعُ الوَعْظَ فيبكي خوفًا من اللَّه . قال أبو نواس: دعاني يومًا بعضُ الحاكَةِ وألحَّ عليَّ ليُضِيفني في مَنْزِلِه، ولم يزلْ بي حتى أجبتُه؛ فسار إلى مَنْزله وسرتُ معه، فإذا مَنْزلٌ لا بأسَ به، وقد احتفَلَ الحائكُ في الطعام، وجمع جمعًا من الحُيَّاك، فأكلنا وشربنا، ثم قال: يا شيدي أشتهي أنْ تقولَ في جاريتي شيئًا من الشعر -وكان مُغرَمًا بجاريةٍ له- قال: فقلت: أرنيها حتى أنظمَ على شكلِها وحُسْنِها. فكشف عنها فإذا هي أسْمجُ خَلْقِ اللَّهِ وأوحَشُهم، سوداء، شَمْطاء، ديدانيَّة (٣)، يسيلُ لُعابُها على صدرها، فقلت لسيدها: ما اسمُها؟ فقال: تسنيم. فأنشأتُ أقول: أسهَرَ ليلي حُبُّ تَسْنِيمِ … جاريةٍ في الحُسْنِ كالبُومِ كأنَّما نَكْهَتُها كامخٌ … أو حُزمةٌ من حُزَمِ الثُّومِ ضرَطَتْ من حُبِّي لها ضَرْطَةً … أفزَعَتْ منها مَلِكَ الرُّومِ

стр. 5036

قال: فقام الحائكُ يرقُصُ ويصفِّقُ سائرَ يومِه، ويفرَحُ ويقول: إنه شبَّهها واللَّه بمَلِك الرُّوم. ومن شعرِهِ أيضًا: أبْرَمني الناسُ يقولونَ تُبْ … بزَعْمِهِمْ كَثَّرْتُ أوْزَارِيَه (١) إنْ كنتُ في النارِ وفي جنَّةٍ … ماذا عليكم يا بني الزَّانِيَهْ وبالجملة، فقد ذكروا له أمورًا كثيرة ومجونًا وأشعارًا مُنكرة؛ وله في الخمريات والقاذورات والتشبيب بالمُرْدانِ والنِّسوان أشياءُ بشعةٌ شَنيعة. فمن الناس منْ يُفَسِّقُه ويَرْميهِ بالفاحشة؛ ومنهم من يرميه بالزَّنْدَقة؛ ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه. والأول أظهر، لمَا في أشعارِهِ. فأمَّا الزندقةُ فبعيدةٌ عنه، ولكنْ كان فيه مُجون وخلاعةٌ كثيرة. وقد عزَوْا إليه في صِغَرِه وكِبَرِه أشياء مُنكرَة، اللَّه أعلمُ بصِحَّتِها. والعامَّةُ تنقلُ عنه أشياء كثيرةً لا حقيقةَ لها. وفي صحنِ جامعِ دمشق قُبَّةٌ يَفُورُ منها الماء، يقولُ الدماشقة: قبة أبي نُواس، وهي مبنيَّةٌ بعدَ موتِهِ بأزيَدَ من مئةٍ وخمسين سنة؛ فما أدْري لأيِّ شيءٍ نُسبَتْ إليه، فاللَّه أعلمُ بِهذا. وقال محمد بن أبي عمير: سمعتُ أبا نُواسٍ يقول: واللَّه ما فتحتُ سراويلي لِحَرامٍ قَطّ. وقال له محمدٌ الأمينُ بنُ الرشيد: أنتَ زِنْديق. فقال: يا أمير المؤمنين، لستُ بِزْنديق، وأنا أقول: أُصلِّي الصلاةَ الخمسَ في حينِ وقتِها … وأشهدُ بالتوحيدِ للَّهِ خاضعا وأُحسنُ غُسْلي إنْ ركبتُ جَنَابةً … وإنْ جاءني المسكينُ لم أكُ مانعا وإِنِّي إنْ حانتْ من الكاسِ دعوةٌ … إلى بيعةِ الساقي أجبتُ مسارعا وأشْرَبُها صِرْفًا على جَنْبِ ماعزٍ … وجَدْيٍ كثيرِ الشَّحْمِ أصبح راضعا وجُوذابِ حُوَّارَى ولَوْزٍ وسُكَّرٍ … وما زال للخمَّارِ ذلك نافعا وأجعَلُ تَخْليطَ الروافِضِ كلّهم … لِفَقْحةِ بَخْتَيْشُوعَ في النار طائعا فقال له الأمين: ويحك! وما الذي ألجأك إلى فَقْحةِ بَخْتَيشُوع؟ فقال: به تَمَّتِ القافية. فأمَرَ له بجائزة. وبَخْتَيشوعُ الذي ذكرَهُ هو طبيبُ الخلفاء. وقال الجاحظ: لا أعرفُ في كلام الشعراءِ أرَقَّ لا أحسَنَ من قولِ أبي نُواس حيث يقول: أيَّةُ نار قَدَحَ القادِحُ … وأيُّ جدٍّ بلَغَ المازحُ

стр. 5037

للَّهِ دَرُّ الشَيْب من واعِظٍ … وناصِحٍ لو حَذِرَ (١) الناصحُ يأبَى الفتى إلَّا اتباعَ الهوَى … ومَنْهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ فاسْمُ بعَيْنَيْكَ إلى نِسْوَةٍ … مُهورُهُنَّ العمَلُ الصَّالِحُ لا يَجْتَلي الحوراءَ في خِدْرِها … إلَّا امرؤٌ ميزانُهُ راجِحُ مَنِ اتَّقَى اللَّه فذاك الذي … سِيقَ إليه المَتْجرُ الرابحُ فاغْدُ فما في الدِّين أُغْلوطةٌ … ورُحْ لما أنتَ لَهُ رائحُ (٢) وقد استنشَدَهُ أبو هَفَّان قصيدَتَهُ التي في أوَّلِها: "لا تنس ليلى ولا تطرب إلى هند" (٣). فلما فرَغَ منها سجَد له أبو هَفَّان، فقال له أبو نُوَاس: واللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ مُدَّة. قال: فغَمَّني ذلك، فلما أردتُ الانصراف قال: متى أراك؟ فقلت: ألم تُقسِمْ؟ فقال: الدهرُ أقصرُ من أنْ يكونَ معه هَجْر. ومن مُستجادِ شعرِه قولُه: ألا رُبَّ وَجْه في التُّرابِ عَتِيقِ … ويا رُبَّ حُسْنٍ في التُّرابِ رَقيقِ ويا رُبَّ حَزْمٍ في التُّرابِ ونَجْدَةٍ … ويا رُبَّ رأي في التُّرابِ وَثيقِ فقُلْ لِقَريبِ الدارِ إنك ظاعِنٌ … إلى سَفَرٍ نائي المَحلِّ سَحِيقِ أرى كل حَيٍّ هالكًا وابنَ هالكٍ … وذا نَسَبٍ في الهالكينَ عَريقِ إذا امتَحَنَ الدنيا لَبيبٌ تكشَّفَتْ … له عن عدوٍّ في لباسِ صَدِيقِ (٤) وقوله: لا تشرَهَنَّ فإنَّ الذُّلَّ في الشَّرَهِ … والعِزُّ في الحِلْمِ لا في الطَّيْشِ والسَّفَهِ وقلْ لِمُغْتَبِط في التِّيهِ من حُمُقٍ … لو كنتَ تعلَمُ ما في التِّيهِ لم تَتِهِ التِّيهُ مَفْسَدةٌ للدِّينِ مَنْقَصَةٌ … للعقلِ مَهْلَكةٌ للعِرْضِ فانتَبِهِ (٥) وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دُكَّانِ ورَّاق، فكتب على ظهر دفترٍ هذه الأبيات: أيا عجبًا كيف يُعْصَى الإلـ … ـهُ أمْ كيف يَجْحَدُهُ الجاحِدُ

стр. 5038

وفي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ وللَّهِ في كلِّ تَسْكِينةٍ … وتَحْرِيكةٍ أبدًا له شاهدُ (١) ثم جاء أبو نُواس فقرأها، فقال: أحسَنَ قاتَلَهُ اللَّه، واللَّه لوَدِدْتُ أنَّها لي بجميع شيءٍ قلتُه؛ لِمَنْ هذه؟ قيل له: لأبي العثاهية. فأخذ الدفترَ فكتَبَ في جانبِها: سبحانَ منْ خَلَقَ الخَلْـ … ـقَ مِنْ ضَعيفٍ مَهين يَسوقُهُ من قَرَارٍ … إلى قرارٍ مَكِينِ يَحُورُ شيئًا فشيئًا … في الحُجْبِ دون العيونِ حتى بَدَتْ حَرَكاتٌ … مَخْلوقَةٌ من سُكُونِ (٢) ومن شعرِهِ المستجاد قولُه: انقضَتْ شِرَّتي فعِفْتُ الملاهي … إذْ رَمَى الشَّيبُ مَفْرِقي بالدَّوَاهي ونَهَتْني النُّهَى فمِلْتُ إلى العَدْ … لِ وأشْفَقْتُ من مَقالةِ ناهي أيها الغافِلُ المُقِرُّ على السَّهْـ … ـــو لا عُذْرَ في المعادِ لِسَاهي لا بأعمالِنا نُطيقُ خلاصًا … يومَ تَبْدو السماءُ فوقَ الجِبَاهِ غيرَ أنَّا على الإساءةِ والتَّفْـ … ـريطِ نرجو من حُسْنِ عَفْوِ الإلهِ (٣) وقوله: نموتُ ونَبْلَى غيرَ أنَّ ذنوبَنا … إذا نحن مِتنا لا تموتُ ولا تَبْلَى ألا رُبَّ ذي عينَيْنِ لا تنفعانِهِ … وما تنفَعُ العينانِ مَنْ قلبه أعمَى (٤) وقوله: لو أنَّ عينًا أوْهَمَتْها نفسُها … يومَ الحسابِ ممثَّلًا لم تَطْرِفِ سبحانَ ذي الملَكُوتِ أيَّةُ ليلةٍ … مخضَتْ صبيحتها بيومِ المَوْقِفِ كتب الفناءَ على البريَّةِ ربُّها … فالناسُ بين مقَدَّمٍ ومُخلَّفِ (٥) وذُكر أنَّ أبا نُواس لَمَّا أراد الإحرامَ بالحجِّ قال:

стр. 5039

إلهنا ما أعْدَلَكْ … مَليكَ كُلِّ منْ ملَكْ لَبَّيْكَ قد لَبَّيْتُ لك لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ عبدُكَ قدْ أهَلَّ لَكْ … ما خَابَ عبدٌ سألَكْ أنتَ لَهُ حيثُ سَلَكْ … لولاك يا ربُّ هَلَكْ لَبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … وَالمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ واللَّيْلُ لَمَّا أنْ حَلَكْ … والسابحاتُ في الفَلَكْ على مَجَاري المُنْسَلَكْ … كلُّ نبيٍّ ومَلَكْ وكُلُّ منْ أهَلَّ لكْ … سَبَّحَ أو صَلَّى فَلَكْ لبَّيْكَ إنَّ الحمد لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ يا مُخْطئًا ما أغْفَلَكْ … عَصَيْتَ رَبًّا عَدَلَكْ وأقدرَكْ وأمْهَلَكْ … عَجِّلْ وبادِرْ أمَلَكْ واختِمْ بخيرٍ عَمَلَكْ لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ (١) وقال المعافَى بنُ زكريَّا الجَريريّ، حدّثنا محمد بن العباس بن الوليد، سمعتُ أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلتُ على أحمد بنِ حنبل، فرأيتُ رجلًا تَهُمُّه نفسُه، لا يُحبُّ أنْ يُكثر عليه، كأنَّ النيرانَ قد سُعرَتْ بين يديه، فما زلتُ أترفَّقُ به، وتوسَّلتُ إليه أني من موالي شيبان، حتى كلَّمني فقال: في أيِّ شيءٍ نظَرْتَ من العلوم؟ فقلت في اللُّغةِ والشِّعر. قال: رأيتُ بالبصرةِ جماعةً يكتبونَ عن رجلٍ الشعر، قيل لي: هذا أبو نُوَاس فتخلَّلْتُ النَّاسَ ورائي، فلما جلستُ إليه أمْلَى علينا: إذا ما خلَوْتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خلَوْتُ ولكنْ في الخلاءِ رقيبُ ولا تحسبنَّ اللَّه يغفُلُ ساعةً … ولا أنَّ ما يَخْفَى عليه يَغيبُ لَهَوْنا لَعَمْرُ اللَّهِ حتى تتابَعَتْ … ذُنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبُ فيا لَيْتَ أن اللَّه يَغفِرُ ما مَضَى … ويأذنُ في تَوْباتِنا فنَتُوبُ (٢)

стр. 5040

وزاد بعضُهم (١) في روايةٍ عن أبي نُواس بعدَ هذه الأبيات: أقولُ إذا ضاقَتْ عليَّ مذاهبي … وحلَّتْ بقلبي للهُمومِ نُدُوبُ لِطُولِ جِنَاياتي وعُظْمِ خَطِيئتي … هَلَكْتُ ومالي في المتابِ نَصيبُ وأغرَقُ في بَحرِ المخافَةِ آيسًا … وتَرْجِعُ نفسي تارةً فتتوبُ وتذكُرُ عفوًا للكريم عن الورَى … فأحْيَا وأرجو عَفْوَهُ فأُنيبُ وأخضَعُ في قولي وأرغَبُ سائلًا … عَسَى كاشفُ البَلْوَى عليَّ يتوبُ قال ابنُ طَرَارا (٢) الجَرِيري: وقد روَيْتُ هذه الأبيات لِمَنْ قبلَ أبي نُواس، وهي في زُهْدِيَّاتِه؛ وقد استشهَدَ بها النُّحَاة في أماكنَ كثيرة قد ذكَرْناها. وقال حسنُ بن الدايَة: دخلتُ على أبي نواس وهو في مرَضِ الموت فقلت: عِظْني. فأنشأ يقول: فكَثِّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك لاقيًا رَبًّا غفورا ستبصِرُ إنْ وردتَ عليه عَفْوًا … وتَلْقَى سيدًا مَلِكًا قديرا تعضُّ ندامَة كفَّيْكَ مِمَّا … تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرورا (٣) فقلت: ويحك، وبمثلِ هذا الحالِ تَعِظُني بهذه الموعظة!، قال: اسكُتْ. حدّثنا حمادُ بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال ﷺ : "ادَّخَرْتُ شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِنْ أُمَّتي" (٤). وقد تقدَّمَ له بهذا الإسناد عنه: "لا يموتَنَّ أحدُكم إلَّا وهو يُحسنُ الظنَّ باللَّه" (٥). وقال الربيع وغيرُه، عن الشافعيِّ قال: دخَلْنا على أبي نُوَاس في اليوم الذي مات فيه وهو يَجودُ بنفسِهِ، فقلنا: ما أعدَدْتَ لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول: تَعاظَمَني ذَنبي فلمَّا قَرَنْتُهُ … بعَفْوِكَ ربي كان عَفْوكَ أعظَما وما زلتَ ذا عَفْوٍ عن الذنبٍ لم تزَلْ … تَجودُ وتعفو مِنَّةٌ وتكرُّما ولولاك لم يَغْوَ بإبليس عابدٌ … وكيف وقد أغْوَى صَفِيَّكَ آدَما

стр. 5041

رواه ابنُ عساكر (١). وروى (٢) أنهم وجدوا عند رأسِهِ رُقعةً مكتوبًا فيها بخطِّهِ: يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ أدعوكَ رَبِّ كما أمَرْتَ تضرُّعًا … فإذا ردَدْتَ يدي فمنْ ذا يَرْحمُ إنْ كان لا يرجوكَ إلَّا مُحْسنٌ … فمَنِ الذي يَرْجو المسيءُ المُجْرِمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلَّا الرجا … وجميلُ عَفْوِكَ ثم أنِّي مُسْلِمُ (٣) وقال يوسف بن الداية: دخلتُ عليه وهو في السِّيَاق، فقلت: كيف تَجِدُك؟ فأطرَقَ مَلِيًّا، ثم رفع رأسه فقال: دَبَّ فيَّ الفناءُ سُفْلًا وعُلْوًا … وأُراني أموتُ عُضْوًا فعُضْوَا ليس تأتي من ساعةٍ بِيَ إلَّا … نَقَصَتْني بمرِّها بِيَ جُزْوَا ذهبَتْ جِدَّتي بِلَذَّةِ عَيْشي … وتذكَّرْتُ طاعةَ اللَّهِ نِضْوَا (٤) قد أسأنا كُلَّ الإساءةِ فاللَّـ … ـهُمَّ صَفْحًا عنَا وغَفْرًا وعَفْوَا (٥) ثم ماتَ من ساعتِه. سامَحَنا اللَّه وإياه آمين. وقد كان نقشُ خاتمِهِ: لا إله إلا اللَّه مُخلِصًا. فأوصَى أنْ يُجعَلَ في فَمِه إذا غَسَّلوه؛ ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثِمئةِ درهم، وثيابِه وأثاثِه. وفد كانتْ وفاتُه في هذه السنةِ ببغداد، ودُفن في مقابرِ الشُّونِيزيّ، في تلِّ اليهود، وله خمسون سنة، وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة. وقد رآه بعضُ أصحابِه في المنامِ فقال له: ما فعلَ اللَّه بك؟ فقال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها في النَّرْجِس: تفكَّرْ في نباتِ الأرضِ وانظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المَليكُ عيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٌ … بأبصارٍ هي الذهَبُ السَّبيكُ على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ … بأنَّ اللَّه ليس له شَريكُ (٦)

стр. 5042

وفي روايةٍ عنه أنه قال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها وهي تحت وسادتي. فجاؤوا، فوجدوها برُقْعةٍ في خَطِّه: يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ الأبيات وقد تقدَّمَت (١). وفي روايةٍ لابنِ عساكر (٢): قال بعضُهم: رأيتُه في المنام في هيئةٍ حسنة، ونعمةٍ عظيمة، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفَرَ لي. قلت: بماذا وقد كنتَ مُخَلِّطًا على نفسِك؟ فقال: جاء ذاتَ ليلةٍ رجلٌ صالِحٌ إلى المقابر، فبسط رداءه وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما ألفَيْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم أهدى ثوابَ ذلك لأهلِ تلك المقابر، فدخلتُ أنا في جُملتِهم، فغفر اللَّه لي. وقال ابنُ خَلِّكان (٣): أولُ شعير قاله أبو نُواس لما صحب أبا أُسامة والِبَة بنَ الحُبَاب: حاملُ الهوَى تعِبُ … يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ إنْ بكَى يحِقُّ لَهُ … ليس ما بِهِ لَعِبُ تضحكين لاهِيَةً … والْمُحبُّ يَنْتَحبُ تعجبينَ من سَقَمي … صِحَّتي هي العَجَبُ (٤) وقال المأمون: ما أحسنَ قولَه: وما الناسُ إلا هالِكٌ وابنُ هالِكٍ … وذو نَسَبٍ في الهالِكينَ عَريقِ إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ … له عن عدوٍّ في لباسِ صديقِ (٥) قال ابن خَلِّكان (٦): وما أشدَّ رجاءه بربِّه حيثُ يقول: تكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك لاقيًا رَبّا غفورا ستبصرُ إنْ وردتَ عليه عَفْوًا … وتَلْقَى سيِّدًا مَلِكًا كبيرا تعَضُّ ندامةً كفَّيْكَ مِمَّا … تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرورا (٧)

стр. 5043

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئة فيها تُوفي أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، أحد مشايخِ الحديث الثقاتِ الرُّفَعاءَ المشهورين. والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذُ الأوزاعي. وفيها حَبَس محمدٌ الأمينُ أسَد بن يزيد لأجلِ أنه نَقَم على الأمينِ لَعِبَهُ وَتَهاوُنَه في أمرِ الرعيَّة، وارتكابَهُ للصيد وغيرِهِ في هذا الوقت. وفيها وجَّهَ الأمينُ عمَّهُ أحمد بن مزيد، وعبدَ اللَّه بن حُميد بن قَحْطَبة، في أربعين ألفًا، مع كلِّ واحدٍ منهما عشرون ألفًا إلى حُلْوان لقتالِ طاهرِ بنِ الحُسين أمير الحرب من جهةِ المأمون؛ فلما وصلوا إلى قريبٍ من حُلْوان خندقَ طاهرٌ على جيشِه خندقًا، وجعل يُعملُ الحيلةَ في إيقاعِ الفتنة بين الأميرَيْن، فاختلفا، فرجعَا ولم يقاتلاه، ودخل طاهرٌ إلى حُلْوان؛ وجاءه كتابُ المأمون بتسليمِ ما تحتَ يدِهِ إلى هَرْثمةَ بنِ أعيَن، وأن يتوجَّهَ هو إلى الأهواز؛ ففعل ذلك. وفيها رفع المأمون وزيرَهُ الفضلَ بن سَهْل وولَّاهُ أعمالًا كبارًا، وسمَّاهُ ذا الرِّيَاسَتَيْن. وفيها ولَّى الأمينُ نيابةَ الشام لعبدِ الملك بن صالح بن علي، وقد كان أخرجه من سجنِ الرشيد، وأمرَهُ أنْ يبعثَ له رجالًا وجنودًا لقتالِ طاهرٍ وهَرْثمة؛ فلمَّا وصلَ عبدُ الملك بن صالح إلى الرقَّة أقامَ بها، وكتبَ إلى رؤساء الشام، يتألَّفُهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقَدِمَ عليه منهم خلقٌ كثير، ثم وقعَتْ حروبٌ كان مَبْدَؤها من أهلِ حمص؛ وتفاقم الأمر، وطال القتالُ بين الناس، ومات عبدُ الملك بن صالح هنالك؛ فرجع الجيشُ إلى بغداد صحبةَ الحسين بن علي بن ماهان، فتلقَّاهُ أهلُ بغدادَ بالإكرام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة؛ فلما وصل إليها جاء رسولُ الأمين يطلُبُه، فقال: واللَّهِ ما أنا بمُسامِرٍ ولا مُضحِك، ولا وَليتُ له عملًا، ولا جاء له (١) على يدي مال، فلماذا يطلُبني في هذه الليلة؟. سبب خلع الأمين بن زُبيدة وكيف أفضَتِ الخلافةُ إلى أخيه المأمون لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهبْ إلى الأمين لمَّا طلبه، وذلك بعد مَقْدَمهِ بالجيش من الشام قام في الناس خطيبًا وألَّبَهم على الأمين، وذكر لَعِبه وما يتعاطاهُ من اللَّهْو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلُحُ الخلافةُ لمنْ هذا حالُه، وأنه يُريد أنْ يُوقع البأسَ بين الناس، ثم حثَّهم على القيامِ عليه، والنهوض إليه، ونَدَبهم لذلك؛ فالتفَّ عليه خلقٌ كثير، وجمٌّ غفير، وبعث محمدٌ الأمين إليه خيلًا فاقتتلوا مَلِيًّا من النهار، فأمر الحسينُ أصحابَهُ بالترجُّل إلى الأرض، وأنْ يُقاتلوا بالسيفِ والرِّماح، فانهزم

стр. 5044

جيشُ الأمين؛ وخلَعَه، وأخذَ البيعةَ لعبدِ اللَّه المأمون، وذلك يوم الأحد الحادي عشرَ من شهرِ رجب من هذه السنة. ولما كان يومُ الثلاثاء نقل الأمين من قصرِهِ إلى قصرِ أبي جعفر وسطَ بغداد، وضيَّق عليه وقيَّده واضطهده، وأمر العباسُ بن عيسى بن موسى أمَّه زُبيدة أن تنتقلَ إلى هناك، فامتنَعَتْ، فضربَها (١) بالسَّوْط، وقهرَها على الانتقال، فانتقلت مع أولادِها، فلما أصبح الناسُ يومَ الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أُعطيَاتِهم، واختلفوا عليه، وصار أهلُ بغدادَ فِرْقَتَيْن؛ فِرقةٌ مع الأمين، وفرقةٌ عليه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فغلب حِزْبُ الخليفةِ أولئك، وأسَروا الحسينَ بن عليّ بن عيسى بن ماهان، وقيَّدوه، ودخلوا به على الخليفة، ففكُّوا عنه قيودَه، وأجلسوهُ على سريرِه؛ فعند ذلك أمَرَ الخليفةُ منْ لم يكنْ معه سلاحٌ من العامَّة أنْ يُعْطى سلاحًا من الخزائن، فانتهبَ الناسُ الخزائنَ التي فيها السلاحُ بسببِ ذلك؛ وأمر الأمينُ، فأُتي بالحسين بنِ عليِّ بن عيسى، فلامَهُ على ما صدَرَ منه، فاعتذر إليه بأنَّ عفوَ الخليفةِ حَمله على ذلك. فعَفا عنه وخلَعَ عليه واستوزَرَه وأعطاه الخاتم، وولَّاهُ ما وراءَ بابه، وولَّاهُ الحَرْب، وسَيَّرَهُ إلى حُلوان. فلمّا وصل إلى الجسر هرب في حاشيتِهِ وخدَمِه، فبعث إليه الأمينُ منْ يَرُدُّه. فركبتِ الخيولُ وراءَه، فأدركوه، فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه، لمنتصف رجب، وجاؤوا برأسِهِ إلى الأمين، وجدَّد الناسُ البيعةَ للأمين يومَ الجمعة. ولما قُتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضلُ بن الربيع الحاجب، واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثرِ البلاد للمأمون، واستنابَ بها النُّوَّاب، وخلعَ أكثرُ أهلِ الأقاليم الأمينَ وبايعوا المأمون، ودنا طاهرٌ إلى المدائن، فأخذها مع واسطَ وأعمالِها، واستناب من جهتِهِ على الحجازِ واليمنِ والجزيرةِ والموصل، وغير ذلك، ولم يبقَ مع الأمينِ من البلادِ إلا القليل. وفي شعبانَ منها عقَدَ الأمينُ أربعَمئةِ لواء، مع كلِّ لواءٍ أمير، وبعثَهُم لقتالِ هَرْثَمة بن أعين، فالتقَوْا في شهر رمضان، فكسَرَهم هَرْثَمة، وأسر مقدَّمَهم عليَّ بن محمد بن عيسى بن نَهيك، وبعث به إلى المأمون. وهرب جماعةٌ من جُند طاهر، فساروا إلى الأمين، فأعطاهم أموالًا كثيرة وأكرمهم، وغلَّفَ لِحاهُمْ بالغالِيَة (٢)، فسُمُّوا جيشَ الغالية، ثم ندَبَهم الأمين، وأرسل معهم جيشًا كثيفًا لقتالِ طاهر، فهزمهم طاهرٌ وفرَّق شملَهم، وأخذ ما كان معهم، واقترب طاهرٌ من بغداد فحاصرها، وبعث القُصَّاد والجواسيس، يُلْقون الفِتْنة بين الجُند، حتى تفرَّقوا شِيَعًا، ثم وقع (٣) بين الجيش، وسعَتِ (٤)

стр. 5045

الأصاغرُ على الأكابر، واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحِجَّة، فقال بعضُ البغادِدَة: قُلْ لأمينِ اللَّهِ في نفسِهِ … ما شتَّتَ الجندَ سوى الغالِيَهْ وطاهرٌ نفسي فدا طاهرٍ … برُسْلِهِ والعدَّة الكافيهْ أضْحَى زمامُ الملكِ في كفِّهِ … مقاتلًا للفئةِ الباغِيَهْ يا ناكثًا أسلَمهُ نَكْثُهُ … عيوبُهُ في خُبْثِهِ فاشِيَهْ قد جاءك اللَّيْثُ بشدَّاتِهِ … مُسْتكلِبًا في أُسُدٍ ضارِيَهْ فاهْرُبْ ولا مَهْرَبَ من مثلِهِ … إلَّا إلى النارِ أوِ الهاوِيَهْ فتفرَّق على الأمين شملُه، وحار في أمرِه، وجاء ابنُ الحسين بجيوشِه، فنَزَل على بابِ الأنبارِ يومَ الثلاثاء، لثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ من ذي الحجَّة. واشتدَّ الحالُ على أهلِ البلد، وأخافَ الدُّعَّارُ والشُّطَّارُ أهلَ الصلاح، وخَربتِ الديار، وثارتِ الفتنةُ بين الناس، حتى قاتلَ الأخُ أخاهُ للأهواء المختلفة، والابنُ أباه، وجرَتْ شرورٌ عَظيمة، واختلفتِ الأهواء، وكَثُرَ الفسادُ والقتلُ داخلَ البلد. وحجَّ بالناس فيها العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشميّ من قِبَلِ طاهر، ودعا للمأمونِ بالخِلافة بمكَّةَ والمدينة، وهو أولُ مَوْسمٍ دُعي فيه للمأمون. وفيها تُوفي: بَقِيَّةُ بن الوليد الحِمصي (١): إمامُ أهل حِمصَ وفقيهُها ومُحدِّثُها. وحَفْصُ بن غِيَاث القاضي (٢): عاش فوق التسعين، ولما احتُضر بكَى بعضُ أصحابه فقال له: لا تبكِ، واللَّه ما حللتُ سراويلي على حرامٍ قَطّ، ولا جلس بين يديَّ خصمان فبالَيْتُ على منْ وقع الحُكم عليه منهما، قريبًا كان أو بعيدًا، مَلِكًا أو سُوقَةً.
следующие страницы →