← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

رواه ابنُ عساكر (١). وروى (٢) أنهم وجدوا عند رأسِهِ رُقعةً مكتوبًا فيها بخطِّهِ: يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ أدعوكَ رَبِّ كما أمَرْتَ تضرُّعًا … فإذا ردَدْتَ يدي فمنْ ذا يَرْحمُ إنْ كان لا يرجوكَ إلَّا مُحْسنٌ … فمَنِ الذي يَرْجو المسيءُ المُجْرِمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلَّا الرجا … وجميلُ عَفْوِكَ ثم أنِّي مُسْلِمُ (٣) وقال يوسف بن الداية: دخلتُ عليه وهو في السِّيَاق، فقلت: كيف تَجِدُك؟ فأطرَقَ مَلِيًّا، ثم رفع رأسه فقال: دَبَّ فيَّ الفناءُ سُفْلًا وعُلْوًا … وأُراني أموتُ عُضْوًا فعُضْوَا ليس تأتي من ساعةٍ بِيَ إلَّا … نَقَصَتْني بمرِّها بِيَ جُزْوَا ذهبَتْ جِدَّتي بِلَذَّةِ عَيْشي … وتذكَّرْتُ طاعةَ اللَّهِ نِضْوَا (٤) قد أسأنا كُلَّ الإساءةِ فاللَّـ … ـهُمَّ صَفْحًا عنَا وغَفْرًا وعَفْوَا (٥) ثم ماتَ من ساعتِه. سامَحَنا اللَّه وإياه آمين. وقد كان نقشُ خاتمِهِ: لا إله إلا اللَّه مُخلِصًا. فأوصَى أنْ يُجعَلَ في فَمِه إذا غَسَّلوه؛ ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثِمئةِ درهم، وثيابِه وأثاثِه. وفد كانتْ وفاتُه في هذه السنةِ ببغداد، ودُفن في مقابرِ الشُّونِيزيّ، في تلِّ اليهود، وله خمسون سنة، وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة. وقد رآه بعضُ أصحابِه في المنامِ فقال له: ما فعلَ اللَّه بك؟ فقال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها في النَّرْجِس: تفكَّرْ في نباتِ الأرضِ وانظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المَليكُ عيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٌ … بأبصارٍ هي الذهَبُ السَّبيكُ على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ … بأنَّ اللَّه ليس له شَريكُ (٦)

стр. 5042

وفي روايةٍ عنه أنه قال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها وهي تحت وسادتي. فجاؤوا، فوجدوها برُقْعةٍ في خَطِّه: يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ الأبيات وقد تقدَّمَت (١). وفي روايةٍ لابنِ عساكر (٢): قال بعضُهم: رأيتُه في المنام في هيئةٍ حسنة، ونعمةٍ عظيمة، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفَرَ لي. قلت: بماذا وقد كنتَ مُخَلِّطًا على نفسِك؟ فقال: جاء ذاتَ ليلةٍ رجلٌ صالِحٌ إلى المقابر، فبسط رداءه وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما ألفَيْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم أهدى ثوابَ ذلك لأهلِ تلك المقابر، فدخلتُ أنا في جُملتِهم، فغفر اللَّه لي. وقال ابنُ خَلِّكان (٣): أولُ شعير قاله أبو نُواس لما صحب أبا أُسامة والِبَة بنَ الحُبَاب: حاملُ الهوَى تعِبُ … يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ إنْ بكَى يحِقُّ لَهُ … ليس ما بِهِ لَعِبُ تضحكين لاهِيَةً … والْمُحبُّ يَنْتَحبُ تعجبينَ من سَقَمي … صِحَّتي هي العَجَبُ (٤) وقال المأمون: ما أحسنَ قولَه: وما الناسُ إلا هالِكٌ وابنُ هالِكٍ … وذو نَسَبٍ في الهالِكينَ عَريقِ إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ … له عن عدوٍّ في لباسِ صديقِ (٥) قال ابن خَلِّكان (٦): وما أشدَّ رجاءه بربِّه حيثُ يقول: تكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك لاقيًا رَبّا غفورا ستبصرُ إنْ وردتَ عليه عَفْوًا … وتَلْقَى سيِّدًا مَلِكًا كبيرا تعَضُّ ندامةً كفَّيْكَ مِمَّا … تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرورا (٧)

стр. 5043

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئة فيها تُوفي أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، أحد مشايخِ الحديث الثقاتِ الرُّفَعاءَ المشهورين. والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذُ الأوزاعي. وفيها حَبَس محمدٌ الأمينُ أسَد بن يزيد لأجلِ أنه نَقَم على الأمينِ لَعِبَهُ وَتَهاوُنَه في أمرِ الرعيَّة، وارتكابَهُ للصيد وغيرِهِ في هذا الوقت. وفيها وجَّهَ الأمينُ عمَّهُ أحمد بن مزيد، وعبدَ اللَّه بن حُميد بن قَحْطَبة، في أربعين ألفًا، مع كلِّ واحدٍ منهما عشرون ألفًا إلى حُلْوان لقتالِ طاهرِ بنِ الحُسين أمير الحرب من جهةِ المأمون؛ فلما وصلوا إلى قريبٍ من حُلْوان خندقَ طاهرٌ على جيشِه خندقًا، وجعل يُعملُ الحيلةَ في إيقاعِ الفتنة بين الأميرَيْن، فاختلفا، فرجعَا ولم يقاتلاه، ودخل طاهرٌ إلى حُلْوان؛ وجاءه كتابُ المأمون بتسليمِ ما تحتَ يدِهِ إلى هَرْثمةَ بنِ أعيَن، وأن يتوجَّهَ هو إلى الأهواز؛ ففعل ذلك. وفيها رفع المأمون وزيرَهُ الفضلَ بن سَهْل وولَّاهُ أعمالًا كبارًا، وسمَّاهُ ذا الرِّيَاسَتَيْن. وفيها ولَّى الأمينُ نيابةَ الشام لعبدِ الملك بن صالح بن علي، وقد كان أخرجه من سجنِ الرشيد، وأمرَهُ أنْ يبعثَ له رجالًا وجنودًا لقتالِ طاهرٍ وهَرْثمة؛ فلمَّا وصلَ عبدُ الملك بن صالح إلى الرقَّة أقامَ بها، وكتبَ إلى رؤساء الشام، يتألَّفُهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقَدِمَ عليه منهم خلقٌ كثير، ثم وقعَتْ حروبٌ كان مَبْدَؤها من أهلِ حمص؛ وتفاقم الأمر، وطال القتالُ بين الناس، ومات عبدُ الملك بن صالح هنالك؛ فرجع الجيشُ إلى بغداد صحبةَ الحسين بن علي بن ماهان، فتلقَّاهُ أهلُ بغدادَ بالإكرام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة؛ فلما وصل إليها جاء رسولُ الأمين يطلُبُه، فقال: واللَّهِ ما أنا بمُسامِرٍ ولا مُضحِك، ولا وَليتُ له عملًا، ولا جاء له (١) على يدي مال، فلماذا يطلُبني في هذه الليلة؟. سبب خلع الأمين بن زُبيدة وكيف أفضَتِ الخلافةُ إلى أخيه المأمون لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهبْ إلى الأمين لمَّا طلبه، وذلك بعد مَقْدَمهِ بالجيش من الشام قام في الناس خطيبًا وألَّبَهم على الأمين، وذكر لَعِبه وما يتعاطاهُ من اللَّهْو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلُحُ الخلافةُ لمنْ هذا حالُه، وأنه يُريد أنْ يُوقع البأسَ بين الناس، ثم حثَّهم على القيامِ عليه، والنهوض إليه، ونَدَبهم لذلك؛ فالتفَّ عليه خلقٌ كثير، وجمٌّ غفير، وبعث محمدٌ الأمين إليه خيلًا فاقتتلوا مَلِيًّا من النهار، فأمر الحسينُ أصحابَهُ بالترجُّل إلى الأرض، وأنْ يُقاتلوا بالسيفِ والرِّماح، فانهزم

стр. 5044

جيشُ الأمين؛ وخلَعَه، وأخذَ البيعةَ لعبدِ اللَّه المأمون، وذلك يوم الأحد الحادي عشرَ من شهرِ رجب من هذه السنة. ولما كان يومُ الثلاثاء نقل الأمين من قصرِهِ إلى قصرِ أبي جعفر وسطَ بغداد، وضيَّق عليه وقيَّده واضطهده، وأمر العباسُ بن عيسى بن موسى أمَّه زُبيدة أن تنتقلَ إلى هناك، فامتنَعَتْ، فضربَها (١) بالسَّوْط، وقهرَها على الانتقال، فانتقلت مع أولادِها، فلما أصبح الناسُ يومَ الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أُعطيَاتِهم، واختلفوا عليه، وصار أهلُ بغدادَ فِرْقَتَيْن؛ فِرقةٌ مع الأمين، وفرقةٌ عليه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فغلب حِزْبُ الخليفةِ أولئك، وأسَروا الحسينَ بن عليّ بن عيسى بن ماهان، وقيَّدوه، ودخلوا به على الخليفة، ففكُّوا عنه قيودَه، وأجلسوهُ على سريرِه؛ فعند ذلك أمَرَ الخليفةُ منْ لم يكنْ معه سلاحٌ من العامَّة أنْ يُعْطى سلاحًا من الخزائن، فانتهبَ الناسُ الخزائنَ التي فيها السلاحُ بسببِ ذلك؛ وأمر الأمينُ، فأُتي بالحسين بنِ عليِّ بن عيسى، فلامَهُ على ما صدَرَ منه، فاعتذر إليه بأنَّ عفوَ الخليفةِ حَمله على ذلك. فعَفا عنه وخلَعَ عليه واستوزَرَه وأعطاه الخاتم، وولَّاهُ ما وراءَ بابه، وولَّاهُ الحَرْب، وسَيَّرَهُ إلى حُلوان. فلمّا وصل إلى الجسر هرب في حاشيتِهِ وخدَمِه، فبعث إليه الأمينُ منْ يَرُدُّه. فركبتِ الخيولُ وراءَه، فأدركوه، فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه، لمنتصف رجب، وجاؤوا برأسِهِ إلى الأمين، وجدَّد الناسُ البيعةَ للأمين يومَ الجمعة. ولما قُتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضلُ بن الربيع الحاجب، واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثرِ البلاد للمأمون، واستنابَ بها النُّوَّاب، وخلعَ أكثرُ أهلِ الأقاليم الأمينَ وبايعوا المأمون، ودنا طاهرٌ إلى المدائن، فأخذها مع واسطَ وأعمالِها، واستناب من جهتِهِ على الحجازِ واليمنِ والجزيرةِ والموصل، وغير ذلك، ولم يبقَ مع الأمينِ من البلادِ إلا القليل. وفي شعبانَ منها عقَدَ الأمينُ أربعَمئةِ لواء، مع كلِّ لواءٍ أمير، وبعثَهُم لقتالِ هَرْثَمة بن أعين، فالتقَوْا في شهر رمضان، فكسَرَهم هَرْثَمة، وأسر مقدَّمَهم عليَّ بن محمد بن عيسى بن نَهيك، وبعث به إلى المأمون. وهرب جماعةٌ من جُند طاهر، فساروا إلى الأمين، فأعطاهم أموالًا كثيرة وأكرمهم، وغلَّفَ لِحاهُمْ بالغالِيَة (٢)، فسُمُّوا جيشَ الغالية، ثم ندَبَهم الأمين، وأرسل معهم جيشًا كثيفًا لقتالِ طاهر، فهزمهم طاهرٌ وفرَّق شملَهم، وأخذ ما كان معهم، واقترب طاهرٌ من بغداد فحاصرها، وبعث القُصَّاد والجواسيس، يُلْقون الفِتْنة بين الجُند، حتى تفرَّقوا شِيَعًا، ثم وقع (٣) بين الجيش، وسعَتِ (٤)

стр. 5045

الأصاغرُ على الأكابر، واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحِجَّة، فقال بعضُ البغادِدَة: قُلْ لأمينِ اللَّهِ في نفسِهِ … ما شتَّتَ الجندَ سوى الغالِيَهْ وطاهرٌ نفسي فدا طاهرٍ … برُسْلِهِ والعدَّة الكافيهْ أضْحَى زمامُ الملكِ في كفِّهِ … مقاتلًا للفئةِ الباغِيَهْ يا ناكثًا أسلَمهُ نَكْثُهُ … عيوبُهُ في خُبْثِهِ فاشِيَهْ قد جاءك اللَّيْثُ بشدَّاتِهِ … مُسْتكلِبًا في أُسُدٍ ضارِيَهْ فاهْرُبْ ولا مَهْرَبَ من مثلِهِ … إلَّا إلى النارِ أوِ الهاوِيَهْ فتفرَّق على الأمين شملُه، وحار في أمرِه، وجاء ابنُ الحسين بجيوشِه، فنَزَل على بابِ الأنبارِ يومَ الثلاثاء، لثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ من ذي الحجَّة. واشتدَّ الحالُ على أهلِ البلد، وأخافَ الدُّعَّارُ والشُّطَّارُ أهلَ الصلاح، وخَربتِ الديار، وثارتِ الفتنةُ بين الناس، حتى قاتلَ الأخُ أخاهُ للأهواء المختلفة، والابنُ أباه، وجرَتْ شرورٌ عَظيمة، واختلفتِ الأهواء، وكَثُرَ الفسادُ والقتلُ داخلَ البلد. وحجَّ بالناس فيها العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشميّ من قِبَلِ طاهر، ودعا للمأمونِ بالخِلافة بمكَّةَ والمدينة، وهو أولُ مَوْسمٍ دُعي فيه للمأمون. وفيها تُوفي: بَقِيَّةُ بن الوليد الحِمصي (١): إمامُ أهل حِمصَ وفقيهُها ومُحدِّثُها. وحَفْصُ بن غِيَاث القاضي (٢): عاش فوق التسعين، ولما احتُضر بكَى بعضُ أصحابه فقال له: لا تبكِ، واللَّه ما حللتُ سراويلي على حرامٍ قَطّ، ولا جلس بين يديَّ خصمان فبالَيْتُ على منْ وقع الحُكم عليه منهما، قريبًا كان أو بعيدًا، مَلِكًا أو سُوقَةً.

стр. 5046

وعبد اللَّه بن مَرْزوق (١) أبو محمد الزاهد، كان وزيرًا للرشيد فترك ذلك كلَّه، وتزَهَّدَ وأوْصَى عندَ موتِهِ أن يُطرحَ قبلَ مَوْتِهِ على مَزْبلة، لعلَّ اللَّه أن يرحَمَه. أبو الشِّيص الشاعر (٢) محمد بن رَزِين بن سليمان (٣). كان إنشادُ الشعر (٤) وإنشاؤه ونظمُه أسهلَ عليه من شُرب الماء. كذا قال ابنُ خَلِّكان وغيرُه (٥). وكان هو ومسلم بن الوليد الملقَّب صَريع الغَوَاني، وأبو نُواس، ودِعْبِل، يجتمعونَ ويتناشدون. وقد عَمِيَ أبو الشِّيص في آخرِ عُمرِه. ومن جَيِّد شعرِه قولُه: وقَفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي … متأخَّرٌ عنه ولا مُتقدَّمُ أجدُ الملامَةَ في هواكِ لذيذةً … حُبًّا لِذِكرِكِ فَلْيَلُمْني اللُّوَّمُ أشبَهْتِ أعدائي فصِرتُ أُحبُّهمْ … إذْ كانَ حظِّي منكِ حَظِّي منهمُ وأهَنْتني فأهنتُ نفسي صاغرًا … ما مَنْ يَهُونُ عليكِ ممَّن يُكْرَم (٦) ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومئة استُهلَّتْ هذه السنةُ وقد ألحَّ طاهرُ بن الحسين وهَرْثمةُ بن أعْيَن ومنْ معَهما في حصارِ بغداد، والتضييقِ على الأمين، وهرَبَ القاسمُ بن الرَّشيد، وعمُّه منصورُ بن المهدي إلى المأمون، فأكرَمَهما، وولَّى أخاهُ القاسمَ جُرْجان؛ واشتدَّ حصارُ بغداد، ونُصبَ عليها المَجَانيقُ والعَرَّادات، وضاقَ الأمينُ بهم ذَرْعًا، ولم يبقَ معه ما يُنفق في الجُنْد، فاضطُرَّ إلى ضَرْب آنيةِ الفِضَّة والذَّهَبِ دراهمَ ودنانير؛ وهرَبَ كثيرٌ من جُنده إلى طاهر، وقُتل من أهلِ البلدِ خلقٌ كثير، وأُخذتْ أموالٌ كثيرةٌ من التجّار، وبعث الأمينُ إلى قُصورٍ كثيرة، ودورٍ شهيرةٍ مزخرفة، وأماكنَ ومَحالَّ كثيرة فحرَّقَها بالنار، لمَّا رأى في ذلك من

стр. 5047

المصلحة، فعَلَ كلَّ هذا فِرارًا من الموت، ولتدومَ الخلافةُ له فلم تَدُمْ، وقُتل، وخُرِّبَتْ ديارُه كما سيأتي قريبًا، وفعَلَ طاهرٌ مثلَ ما فَعَلَ الأمين، حتى كادتْ بغدادُ تخربُ بكمالِها؛ فقال بعضُهم في ذلك: منْ ذا أصابَكِ يا بغدادُ بالعَيْنِ … ألم تكوني زمانًا قُرَّةَ العَيْنِ ألم يكنْ فيكِ قومٌ كان مسكنُهم … وكان قُرْبُهمُ زَيْنًا من الزَّيْنِ صاحَ الغُرابُ بهم بالبَيْنِ فافترقوا … ماذا لَقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْنِ أستودِعُ اللَّه قومًا ما ذكرْتُهُمُ … إلَّا تحدَّرَ ماءُ العَيْنِ من عَيْني كانوا ففَرَّقهم دَهْرٌ وصدَّعَهُمْ … والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بين الفَريقيْن (١) وقد أكثر الشعراءُ في ذلك، وقد أورد ابنُ جَرير من ذلك طَرَفًا صالحًا، وأورد في ذلك قصيدةً طويلةً جذًا، فيها بَسْطُ ما وَقَعَ، وهي هَوْلٌ من الأهوال، اختصرناها بالكلية (٢). واستحوذ طاهرٌ على ما في الضياع من الغَلَّاتِ والحواصلِ للأمراءِ وغيرِهم، ودعاهم إلى الأمانِ والبيعةِ للمأمون، فاستجاب له جماعة؛ منهم عبدُ اللَّه بن حُميد بن قَحْطَبة ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطوسي، وكاتَبَهُ خلقٌ من الهاشميِّين والأمراء، وصارتْ قلوبُهم معَه، واتفق في بعضِ الأيامِ أنْ ظَفِرَ أصحابُ الأمينِ ببعضِ أصحابِ طاهِر، فقتلوا منهم طائفةً عند قَصْرِ صالح، فلما سمع الأمينُ بذلك بَطِرَ وأشِر، وأقبل على اللَّهْو والشُّرب واللَّعِب، ووكَّل الأمورَ وتدبيرَها إلى محمد بن عيسى بن نَهيك، ثم قَوِيتْ شوكةُ أصحابِ طاهر، وضَعُفَ جانبُ الأمين جدًّا، وانحاز الناسُ إلى جيشِ طاهر، وكان جانبُهُ آمِنًا جدًّا، لا يخافُ أحدٌ فيه من سَرِقةٍ ولا نَهْبٍ، ولا غيرَ ذلك، وقد أخذ طاهرٌ أكثرَ مَحالِّ بغدادَ وأرباضِها ومَنَع الملَّاحينَ أن يحملوا طعامًا إلى منْ خالَفَه لِيُضيِّقَ عليهم، فغلَتِ الأسعارُ جدًّا عند منْ خالفَه، ونَدِم منْ لم يكنْ خرج من بغدادَ قبل ذلك؛ ومُنعت التجارُ من القدومِ إلى بغدادَ بشيءٍ من البضائع أو الدقيق، وصُرفتِ السُّفُن إلى البصرةِ وغيرِها وجرَتْ بين الفريقَيْن حروبٌ كثيرة، فمن ذلك وقعةُ دَرْبِ الحجارة، كانتْ لأصحاب الأمين، قُتل فيها خلقٌ من أصحابِ طاهر، كان الرجلُ من العيَّارين والحَرَافشة من البغادِدة، يأتي عُرْيانا ومعه بارِيَّةٌ مُقَيَّرَةَ (٣)، وتحت كَتِفه مِخلاةٌ فيه حجارة، فإذا ضربه الفارسُ من بعيدٍ بالسهم اتَّقاه بباريَّتِهِ فلا يؤذيه، وإذا اقترَبَ منه رماهُ بحجرٍ في المِقْلاع أصابه؛ فهزموهم بذلك. ووَقْعةُ الشَّمَّاسيَّة، أُسر فيها هَرْثَمة بن أعْيَن، فشَقَّ ذلك على طاهر، وأمر بعَقْدِ جسرٍ على دِجْلة فوق الشمَّاسيَّة، وعَبَر طاهرٌ بنفسه ومنْ معه إلى الجانبِ الآخر، فقاتلهم بنفسِه أشدَّ القتال،

стр. 5048

حتى أزالَهم عن مواضعهم، واستردَّ منهم هرثمةَ وجماعةً ممن كانوا أسروهم من أصحابه؛ فشقَّ ذلك على محمدٍ الأمين وقال في ذلك: مُنيتُ بأشجَعِ الثقلَيْنِ قلبًا … إذا ما طال ليس كما يطولُ له معَ كُلِّ ذي بدَنٍ رقيبٌ … يُشاهدُهُ ويعلمُ ما يقولُ فليس بمُغْفلٍ أمرًا عِنادًا … إذا ما الأمرُ ضَيَّعهُ الغفولُ (١) وضعف أمرُ الأمينِ جدًّا ولم يبقَ عنده مالٌ يُنفقهُ على جُنده، ولا على نفسِه، وتفرَّق أكثرُ أصحابِه عنه، وبقي مضطهَدًا ذليلًا. ثم انقضَتْ هذه السنةُ بكمالِها والناسُ في بغدادَ في قلاقلَ وزلازل وأهوِيَةٍ مختلفة، وقتالٍ وحريق وسرقات. فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وساءت بغدادُ فلم يبقَ فيها أحدٌ يردُّ عن أحد، كما هي عادةُ الفتنة. وحجَّ بالناس فيها العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشمي، ودعا للمأمون. وفيها تُوفي من السادةِ الأعيان: شُعيب بن حَرْب أحدُ الزّهَّاد، وعبدُ اللَّه بن وَهْب إمامُ أهلِ الديارِ المصرية، وعبدُ الرحمن بن مُسْهِر، أخو عليِّ بن مُسْهِر، وعثمان بن سعيد الملقب بوَرْش أحدُ القرَّاء المشهورين الرواةِ عن نافع بن أبي نُعيم. ووَكيع بن الجرَّاح الرُّؤَاسي أحدُ أعلامِ المحدِّثين. مات عن ستٍّ وستين سنة. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومئة فيها خامَرَ خُزيمة بن خازم على محمدٍ الأمين، وأخذ الأمانَ من طاهر، ودخل هَرْثمةُ بن أعْيَن من الجانب الشرقي. وفي يوم الأربعاء لثمانٍ خلَوْنَ من المحرَّم وثَبَ خُزيمةُ بن خازم ومحمدُ بن علي بن عيسى على جسرِ بغداد فقطَعاه ونصَبَا رايتَهما عليه؛ ودعَوْا إلى بيعةِ عبدِ اللَّه المأمون، وخَلْعِ محمدٍ الأمين. ودخل طاهرٌ يومَ الخميس إلى الجانب الشَّرْقي، فباشر القتالَ بنفسِه، ونادَى بالأمانِ لمنْ لزم مَنْزَله. وجرَتْ عند دارِ الرقيقِ والكَرْخ وغيرِهما وقعات؛ وأحاطوا بمدينةِ أبي جعفر والخُلْد، وقصرِ زُبيدة، ونصَبَ المجانيق حولَ السُّور وحذاءَ قصرِ زُبيدة، ورماهُ بالمنجنيق، فخرج الأمينُ بأُمِّهِ وولَدِه إلى

стр. 5049

مدينةِ أبي جعفر، وتفرَّق عنه عامَّة الناس في الطريق، لا يَلْوي أحدٌ على أحد، حتى دخل قصرَ أبي جعفر، وانتقل من الخُلْد لكثرةِ ما يأتيه فيه من رَمْي المنجنيق، وأمَرَ بتحريقِ ما كان فيه من الأثاث، والبُسطِ والأمتعة، وغيرِ ذلك. ثم حُصر حَصْرًا شديدًا، ومع هذه الشَّدَّة والضِّيق، وإشرافِهِ على الهلاك خرج ذاتَ ليلةٍ في ضوءِ القمر إلى شاطئ دِجْلة، واستدعى بنبيذٍ وجارية، فغنَّتْه، فلم ينطلق لسانُها إلَّا بالفرَاقيَّاتِ وذكرِ الموت، وهو يقول: غيرَ هذا. وتذكر نظيرَه حتى غنَّته آخرَ ما غنَّتْه: أما ورَبِّ السُّكونِ والحَرَكِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا … دارَتْ نجومُ السماءِ في الفَلَكِ إلَّا لِنَقْلِ السلطانِ من مَلِكٍ … غاوٍ يُحبُّ الدُّنيا إلى مَلِكِ (١) ومُلكُ ذي العرشِ دائم أبدًا … ليس بفانٍ ولا بمُشْتَركِ (٢) قال فسبَّها وأقامَها من عندِه، فعثَرَتْ في قَدحٍ كان له بِلَّوْر فكسرتْه فتطيَّرَ بذلك. ولما ذهبتِ الجاريةُ سمع صارخًا يقول: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. فقال لجليسِه: ويحك ألا تسمع؟ فتسمَّع، فلم يسمع شيئًا، ثم عادَ الصوتُ بذلك، فما كان إلَّا ليلةٌ أو ليلتان، حتى قُتل في رابعِ صفر، يوم الأحد، وقد حصل له من الجهد والضِّيق في حَصْرِه شيئًا كثيرًا، بحيثُ إنه لم يبقَ له طعامٌ يأكلُه، ولا شراب، فجاع ليلةً فما أُتي برغيفٍ ودجاجة إلَّا بعد شدَّة عظيمة، ثم طلب ماءً فلم يوجدْ له. فبات عطشانًا (٣)، فلما أصبح قُتل قبلَ أن يشرَبَ الماء. كيفيةُ مَقْتَلِه لما اشتدَّ به الأمر اجتمع عندَهُ مَنْ بَقِيَ من الأمراء والخدَم والجُند، فشاورهم في أمرِه، فقالتْ طائفة: تذهَبُ بمنْ بَقِيَ معك إلى الجزيرةِ أو الشام، فتتقوَّى بالأموال، وتستخدمُ الرجال. وقال بعضُهم: تخرُح إلى طاهر، وتأخذُ منه أمانًا وتُبايعُ لأخيك، فإذا فعلتَ ذلك فإنَّ أخاكَ سيأمُرُ لك بما يكفيكَ ويكفي أهلَكَ من أمرِ الدنيا، وغايةُ مرادِك الدَّعَةُ والرَّاحة، وذلك يحصُل لك تامًّا. وقال بعضُهم: بل هَرْثمة أولى بأنْ يأخذَ لك منه الأمان، فإنَّه مولاكم، وهو أحْنَى عليك. فمالَ إلى ذلك؛ فلما كانتْ ليلةُ الأحد الرابع من صفر بعدَ عشاء الآخِرة واعَدَ هرثمةَ أنْ يخرجَ إليه، ثم لبس ثيابَ الخلافةِ

стр. 5050

وطَيْلسانًا، واستدعَى بولدَيْه فشمَّهما وضمَّهما إليه وقال: أستودِعُكما اللَّه. ومسح دموعَه بطرَفِ كُمِّه، ثم ركب على فرسٍ سوداء، وبين يديه شمعة، فلما انتهَى إلى هَرْثمة، أكرَمَهُ وعظَّمه، وركبا في حرَّاقةٍ في دِجلة. وبلغ ذلك طاهرًا، فغَضِبَ من ذلك وقال: أنا الذي فعلتُ هذا كلَّه ويذهبُ إلى غيرِي، ويُنسب هذا كلُّهُ إلى هرثمة؟ فلَحِقهما وهما في الحرَّاقة، فأمالهَا أصحابُهُ فغَرِقَ منْ فيها؛ غيرَ أنَّ محمدًا الأمين سبَحَ إلى الجانبِ الآخر، وأسرَهُ بعضُ الجُند، وجاء فأعلَمَ طاهرًا؛ فبعث إليه جُندًا من العجم، فجاؤوا إلى البيت الذي أوى إليه، وعندَهُ بعضُ أصحابِهِ وهو يقول له: ادْنُ منِّي، فإني أجدُ وحشةً شديدة. وجعل يلتفُّ في ثيابه شديدًا، وقلبُهُ يخفقُ خفقانًا عظيمًا كادَ يخرُجُ من صدرِه، فلما دخل عليه أولئك قال: إنَّا للَّه وإنا إليه راجعون. ثم دَنَا منه أحَدُهم فضرَبَهُ بالسيف على مَفْرِقِ رأسِه، فجعل يقول: وَيْحَكم أنا ابنُ عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، أنا ابنُ هارون، وأنا أخو المأمون، اللَّهَ اللَّهَ في دمي. فلم يلتفتُوا إلى شيءٍ من ذلك، بل تكاثروا عليه وذَبَحوهُ من قفاه، وهو مكبوبٌ على وجهِه، وذهبوا برأسِه إلى طاهر، وتركوا جُثَّتَه، ثم جاؤوا بُكْرَةً إليها، فلقوها في جُلِّ فَرَس، وذهبوا بها، وذلك ليلةَ الأحد، لأربعِ ليالٍ خلَتْ من صفر من هذهِ السنة. شيءٌ من ترجمته (١) هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد اللَّه، ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمُّه أمُّ جعفر زُبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور. كان مولدُه بالرُّصافة سنةَ سبعين ومئة. قال أبو بكر بنُ أبي الدنيا: حدّثنا عباس (٢) بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بنُ هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومئة. وأتته الخلافةُ بمدينة السلام بغداد لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيتْ من جُمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وتسعين، وقيل: ليلةَ الأحد لخمسٍ بَقِينَ من المحرَّم، وقُتل سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة، قتله قريش الدَّنْدَاني، وحمل رأسَهُ إلى طاهرِ بن الحسين، فنصبه على رمح، وتلا هذه الآية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكانت ولايتُهُ أربعَ سنين وسبعةَ أشهر وثمانيةَ أيام. وكان طويلًا سمينًا أبيض، أقْنَى الأنف، صغيرَ العينَيْن، عظيمَ الكراديس، بعيدَ ما بينَ المَنْكِبَيْن، وقد رماه بعضُهم بكثرةِ

стр. 5051

اللعب والشُّرب، وقِلَّةِ الصلاة. وقد ذكر ابنُ جرير طرفًا من سيرته (١) في إكثاره من اقتناء السُّودان والخِصْيَان، وإعطائه الأموالَ والجواهر، وأمْرِهِ بإحضارِ الملاهي والمغنِّين من سائر البلاد، وأنه أمَرَ بعمَلِ خمسِ حرَّاقاتٍ على صورةِ الفيلِ والأسدِ والعُقاب، والحيَّةِ والفرس، وأنفق على ذلك أموالًا جزيلةً جدًّا، وقد امتدَحَهُ أبو نواس بشعرٍ أقبحَ في معناه من صنيعِ الأمين، فإنه قال في أوله: سخَّرَ اللَّه للأمينِ مطايا … لم تُسَخَّرْ لصاحبِ المحرابِ فإذا ما رِكابُهُ سِرْنَ بَرًّا … سار في الماء راكبًا ليثَ غابِ (٢) ثم وصف كلًّا من تلك الحرَّاقات، واعتنى الأمين ببنايات هائلة، للنُّزْهَة وغيرِها، وأنفق في ذلك أموالًا كثيرةً جدًّا، فكثُرَ النَّكيرُ عليه بسببِ ذلك. وذكر ابنُ جرير (٣) أنَّه جلس يومًا في مجلس أنفق عليه مالًا جزيلًا في الخُلد، وقد فُرش له بأنواع الحرير، ونُضِّد بآنيةِ الذهبِ والفضة، وأحضر نُدَماءه، وأمر القَهْرَمانةَ أنْ تُهيِّئ له مئةَ جاريةٍ حسناء، وأمرها أن تبعثَهن إليه عشرًا بعد عشرٍ يُغَنِّينَه، فلما جاءتِ العشرُ الأُوَل اندفَعْنَ يُغَنينَ بصوتٍ واحد: همو قتلوهُ كي يكونوا مكانَهُ … كما غدرَتْ يومًا بكِسْرى مَرَازِبُهْ فغضب من ذلكَ وتبَرَّم، وضرب رأسَها بالكأس، وأمر بالقَهْرمانة أنْ تُلقَى إلى الأسد فأكلها. ثم استدعى بعشرةٍ فاندفَعْنَ يُغَنِّين: منْ كان مسرورًا بمقتلِ مالكٍ … فليأتِ نسوتَنا بوَجْهِ نَهارِ يجدِ النساء حواسرًا يَنْدُبْنَهُ … يَلْطِمْنَ قبلَ تَبَلُّجِ الأسحارِ فطردَهُنَّ واستدعى بعشرٍ غيرِهنّ، فلما حضَرْنَ اندفَعْنَ يُغَنينَ بصوتٍ واحد: كُليبٌ لعَمْرِي كان أكثرَ ناصرًا … وأيسَرَ ذنبًا منكَ ضُرِّجَ بالدَّمِ فطرَدَهنَّ وقام من فورِه، وأمر بتخريبِ ذلك المجلس، وتحريقِ ما فيه. وذكر (٤) أنه كان كثيرَ الأدب، فصيحًا يقولُ الشعر، ويُعطي عليه الجوائزَ الكثيرة، وكان شاعرُه أبا نواس، وقد قال فيه أبو نُوَاس مدائحَ حسانًا، وقد وجدَهُ مسجونًا في حبسِ الرشيدِ مع الزنادقة، فأحضرَهُ وأطلقه، وأطلق له مالًا وجعلَهُ من ندمائه. ثم حبسه مرَّةً أخرى في شُرب الخمر، وأطال

стр. 5052

حبسَه، ثم أطلقَهُ وأخذ عليه العهدَ أن لا يشربَ الخمر، ولا يأتي الذُّكور من المُرْدان، فامتثل ذلك، وكان لا يفعلُ شيئًا من ذلك بعدَ ما استتابه الأمين. وقد تأدَّب على الكِسَائي، وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيبُ من طريقِه (١) حديثًا أورده عنه لَمَّا عُزِّي في غلامٍ له تُوفي بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبدِ اللَّه، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ ماتَ مُحْرِمًا حُشِرَ مُلَبِّيًا" (٢). وقد قدَّمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفُرقة حتى أفضى ذلك إلى خَلْعِه وعَزْله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حُصر في آخر أمرِه حتى احتاج إلى مُصانعةِ هَرْثَمة، وأنه أُلقي في حرَّاقة ثم أُلقي منها فسبَح إلى الشطِّ الآخر، فدخل دارَ بعضِ العامَّة، وهو في غايةِ الخوف والدَّهَشِ والجوعِ والعُرْي، فجعل الرجلُ يُلقِّنه الصبرَ والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعةً من الليل، ثم جاء الطلَبُ وراءه من جهةِ طاهرِ بن الحسين بن مُصْعب، فدخلوا عليه وكان البابُ ضيقًا، فتدافعوا عليه، وقام إليهم فجعَلَ يُدافعُهم عن نفسِه بِمخدَّةٍ في يدِه، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، وضربوا رأسَه أو خاصرتَهُ بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسَه وجُثَّته، فأتَوْا بهما طاهرًا، ففَرِح بذلك فرحًا شديدًا، وأمر بنَصْبِ الرأسِ فوقَ رُمْحٍ هناك، حتى أصبح الناسُ فنظروا إليه فوق الرمح عند بابِ الأنبار. وكثر عددُ الناس ينظرون إليه، ثم بعث طاهرٌ برأسِ الأمينِ مع ابنِ عمِّه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبُرْدَةِ والقضيبِ والنَّعْل، وكان من خُوصٍ مُبَطَّن، فسلَّمَهُ إلى ذي الرِّيَاستَيْن، فدخل به على المأمون على تُرْس، فلما رآه سجد، وأمر لمن جاء به بألفِ ألفِ درهم. وقد قال ذو الرياستَيْن حين قدم الرأس يُؤلِّب على طاهر: أمرناه بأن يأتيَ به أسيرًا، فأرسل به إلينا عَقِيرًا! فقال المأمون: مضى ما مضى، وكتب طاهرٌ إلى المأمون كتابًا ذكرَ فيه صورةَ ما وقع حتى آلَ الحالُ إلى ما آلَ إليه. ولما قُتل الأمين هدَأتِ الفِتَن، وخمدتِ الشرور، وأمن الناس، وطابتِ النفس، ودخل طاهر بغدادَ يومَ الجمعة، وخطبهم خُطبةً بليغة، ذكر فيها آيات كثيرةً من القرآن، وأنَّ اللَّه يفعَلُ ما يشاء، ويحكُمُ ما يُريد، وأمرهم فيها بالجماعةِ والسمعِ والطاعة، ثم خرج إلى معسكرهِ فأقام به، وأمر بتحويلِ زُبيدةَ من قصرِ أبي جعفر إلى قصر الخُلد، فخرجتْ يومَ الجمعةِ الثاني عشر من ربيعِ الأول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبدِ اللَّه ابنَي الأمين إلى عمّهما المأمون بخراسان، وكان ذلك رأيًا سديدًا. وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعدَ خمسةِ أيام من مقتلِ الأمين، وطلبوا منه أرزاقَهم، فلم يكنْ عندَهُ إذْ ذاك مال، فتحزَّبوا واجتمعوا، ونَهبوا بعضَ متاعِه، ونادَوا: يا موسى، يا منصور، واعتقدوا أنَّ موسى بن الأمين الملقَّب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيَّرَهُ إلى عمِّه. وانحاز طاهرٌ بِمَنْ معه من القوَّاد ناحيةً، وعزَمَ على قتالِهم بِمَنْ معه. ثم رجعوا إليه واعتذروا ونَدِموا. فأمر لهم برِزْقِ أربعة

стр. 5053

أشهر بعشرينَ ألفَ دينار، اقترَضَها من بعضِ الناس، فطابتِ الخواطر. ثم إنَّ إبراهيم بن المهدي قد أسِفَ على قَتْل محمدٍ الأمينِ بن زُبيدة، ورثاهُ بأبيات، فبلغ ذلك المأمون، فبعث إليه يُعنِّفُه ويَلُومُه على ذلك. وقد ذكر ابنُ جرير مراثِيَ كثيرةً للناس في الأمين (١)، وذكر من أشعارِ الذين هجَوْه طرَفًا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله: ملكتَ النَّاسَ قَسْرًا واقتِدارا … وقَتَّلْتَ الجبابرةَ الكِبَارا ووجَّهْتَ الخلافةَ نحوَ مَرْوٍ … إلى المأمونِ تبتدرُ ابتِدَارا خلافة عبد اللَّه المأمون بن الرشيد هارون لما قُتل أخوه محمد في رابعِ صفر من سنةِ ثمان وتسعين ومئة، وقيل في المحرم استَوْسَقَتِ البيعةُ شرقًا وغربًا للمأمون عبد اللَّه بن الرشيد، فولَّى الحسنَ بن سهل نيابةَ العِراق وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعثَ نُوَّابَهُ إلى هذه الأقاليم، وكتب إلى طاهرِ بن الحسين وهو ببغداد أنْ ينصرفَ إلى الرَّقَّة لِحَرْب نَصْر بن شَبَث، وولَّاه نيابةَ الجزيرةِ والشام والموصل والمغرب، وكتب إلى هَرْثَمة بنِ أعْيَن بِنيَابِة خُراسان. وفيها حَجَّ بالناس العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشمي. وفيها تُوفي: سفيان بن عُيينة. وعبدُ الرحمن بن مهدي. ويحيى بن سعيد القطَّان. فهؤلاء الثلاثة سادةُ العلماءِ في الحديثِ والفِقْه وأسماءِ الرجال. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومئة فيها قَدِم الحسنُ بن سهل بغدادَ نائبًا عليها من جهةِ المأمون، ووجَّه نُوَّابَهُ إلى بقيةِ أعمالِه. وتوجَّه طاهرٌ إلى نيابَةِ الجزيرةِ والشام وبلاد المغرب. وسار هَرْثَمةُ إلى خراسانَ نائبًا عليها. كان قد خرج في أواخرِ السنة الماضية في ذي الحِجَّة منها الحسن بن الهرش (٢) يدعو إلى الرِّضَا من آلِ محمد، فجَبَى

стр. 5054

الأموال، وانتهَبَ الأنعام، وعاث في البلادِ فسادًا، فبعث إليه المأمونُ جيشًا فقتلوهُ في المحرَّم من هذهِ السنة. وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يومَ الخميس لعشرٍ خلَوْنَ من جُمادَى الآخرة، يدعو إلى الرِّضا من آلِ محمد، والعمل بالكتابِ والسُّنَّة، وهو الذي يُقال له ابن طَبَاطَبَا، وكان القائمَ بأمرِه، وتدبيرِ الحرب بين يدَيه أبو السرايا السَّرِيُ بن منصور الشيباني، وقد اتفق أهلُ الكوفة على موافقتِه، واجتمعوا عليه من كلِّ فَجٍّ عميق، ووَفَدَتْ إليه الأعرابُ من نواحي الكوفة، وكان النائبَ عليها من جهةِ الحسن بن سهل سليمانُ بنُ أبي جعفر المنصور، فبعث الحسنُ بن سهل يلومه ويؤنِّبُه على ذلك، وأرسل إليه بعشرةِ آلافِ فارس صُحْبةَ زاهرِ بن زُهير بن المُسَيَّب، فتقاتلوا خارجَ الكوفة، فهزموا زاهرًا واستباحوا جيشَه، ونَهبوا ما كان عليه، وذلك يوم الأربعاء سَلْخَ جُمادَى الآخرة، فلما كان الغَدُ من الوَقْعة تُوفي ابنُ طَبَاطَبَا أميرُ الشيعةِ فجأة، يُقال: إنَّ أبا السرايا سَمَّه وأقامَ مكانَهُ غُلامًا أمْرَد، يُقال له محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وانعزل زاهرٌ بِمَنْ بقي معه من أصحابِه إلى قصرِ ابنِ هُبيرة، وأرسل الحسنُ بن سهل مع عَبْدوس بن محمد أربعةَ آلاف فارس، صورةَ مدَدٍ لِزاهر، فالتقَوْا هُمْ وأبو السرايا فهزَمَهم أبو السرايا، ولم يُفلتْ من أصحابِ عَبدوس أحد. وانتشر الطالبيُّون في تلك البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهمَ والدنانيرَ في الكوفةِ، ونقَشَ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] الآية، ثم بعث أبو السرايا جيوشَهُ إلى البصرةِ وواسِط والمدائن، فهزموا مَنْ فيها من النُّوَّاب، ودخلوها قَهْرًا، وقَويَتْ شوكتُهم، فأهمَّ ذلك الحسنَ بنَ سهل، وكتب إلى هرثمة يستدعيه لِحَرْبِ أبي السرايا فتمَنَّع، ثم قدم عليه، فخرح إلى أبي السرايا، فهزم أبا السرايا غَيرَ مرَّة، وطرَدَه حتى ردَّهُ إلى الكوفة. ووثب الطالبيُّون على دُور بني العباس بالكوفة فنهبوها، وخربوا ضياعَهم، وفعلوا أفعالًا قبيحة، وبعث أبو السرايا إلى المدائن، فاستجابوا وبعث إلى أهل مكة حُسين بن حسن الأفطس لِيُقيم لهم الموسم، فخافَ أن يدخلَها جَهْرةً، ولما سمع نائبُ مكة وهو داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد اللَّه بن عباس هرب من مكة طالبًا أرضَ العراق. وبقي الناسُ بلا إمام، فسئل مؤذِّنُها أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي أنْ يُصلِّيَ بِهم فأبى، فقيل لقاضيها محمد بن عبد الرحمن المخزومي فامتنعَ وقال: لِمَنْ أدعو وقد هرَبَ نُوَّابُ البلاد؟ فقدَّم الناسُ رجلًا منهم فصلَّى بِهمُ الظهرَ والعصر، وبلغ الخبرُ إلى حسين الأفطس، فدخل مكةَ في عشرةِ أنفُسٍ قبلَ الغروب، فطافَ بالبيت ثم وقف بعرَفَةَ ليلًا، وصلى بالناس الفجرَ بِمُزْدَلِفَة، وأقام بقيَّةَ المناسِك في أيامِ منَى، فدَفَع الناسُ من عرَفَةَ بغيرِ إمام. فيها تُوفي: إسحاق بن سليمان.

стр. 5055

وابنُ نُمر. وابنُ سابور. وعمرو العَنْبري. وأبو مُطيع البَلْخى (١) ويونس بن بُكير. ثم دخلت سنة مئتين من الهجرة في أول يومٍ منها جلس حُسين بن حسن الأفطس على طِنْفِسَةٍ مثلَّثةٍ خلفَ المقام، وأمرَ بتجريدِ الكعبة مِمَّا عليها من كساوَى بني العباس وقال: نُطَهِّرُها من كساويهم. وكساها مُلاءتَيْن صفراوَيْن، عليهما اسمُ أبي السرايا، ثم أخذ ما في كَنْز الكعبةِ من الأموال، وتتبَّع ودائعَ بني العباس فأخذها، حتى إنه أخذَ مالَ ذوي المال، ويزعُم أنه للمسوِّدة، وهرب منه الناسُ إلى الجبالِ وسبَكَ ما على رؤوس الأساطينِ من الذهب، وكان يَنْزِلُ مِقدارٌ يسيرٌ بعد جهد، وقلعوا ما في المسجِد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبَخْس، وأساؤوا السِّيرة جدًّا، فلما بلغَهُ مقتل أبي السرايا كتَمَ ذلك، وأمَّرَ رجلًا من الطالبيِّين شيخًا كبيرًا، واستمرَّ على سوء السيرة، ثم هرب في سادس عشر المحرَّم منها وذلك لما قهر هرثمةُ أبا السرايا، وهزم جيشَه وأخرجه ومَنْ معَهُ من الطالبيِّين من الكوفة، ودخلها هرثمةُ ومنصور بن المهدي، فأمَّنوا أهلَها ولم يتعرَّضوا لأحد. وسار أبو السرايا بِمَنْ معه إلى القادسيَّة، ثم سار منها فاعترضهم بعضُ جيوشِ المأمون فهزمهم أيضًا وجُرح أبو السرايا جِراحةً مُنكرة جدًّا، وهربوا يريدون الجزيرة إلى مَنْزل أبي السرايا برأس العَين، فاعترضهم بعضُ الجيوش أيضًا، فأسروهم وأتَوْا بهم الحسَن بن سهل وهو بالنَّهْرَوَان، حين طردَتْهُ الحربيَّة، فأمر بضرْبِ عُنق أبي السرايا، فجَزِع من ذلك جزَعًا شديدًا جدًّا، وطِيف برأسه، وأمر بجسده أن يقطَّع اثنتين، وينصب على جسري بغداد. فكان بين خروجه وقتلِه عشرةُ أشهر. فبعث الحسنُ بن سهل محمدَ بن محمد إلى المأمون مع رأسِ أبي السرايا، وقال بعض الشعراء: ألم تَرَ ضَرْبَةَ الحسنِ بن سَهْلٍ … بسيفِكَ يا أميرَ المؤمنينا

стр. 5056

أدارَتْ مَرْو رأسَ أبي السَّرَايا … وأثبتَ عِبْرَةً للعالمينا (١) وكان الذي في يدِه البصرةُ من الطالبيّين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له زيد النار لكثرِة ما حرَّق من البيوت التي للمسوِّدة، فأسرَهُ عليُّ بن سعيد، وأمَّنه وبعث به وبِمَنْ معه من القوَّاد إلى اليمن لِقتالِ مَنْ هناك من الطالبيِّين. وفيها خرج باليمن إبراهيمُ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له الجزار لكثرةِ مَنْ قتَلَ من أهلِ اليمن، وأخذ من أموالِهم، وهو الذي كان بمكةَ وفعَلَ فيها ما فعَلَ كما تقدَّم. فلمَّا بلغَهُ قتلُ أبي السرايا هرب إلى اليمن، فلما بلغ نائبَ اليمنِ خبَرهُ ترك اليمنَ وسار إلى خُراسان. واجتاز بمكة، وأخذ أُمَّه منها، واستحوذ إبراهيمُ هذا على بلادِ اليمن، وجرَتْ حروبٌ كثيرةٌ يطولُ ذكرُها. ورجع محمد بن جعفر العلوي عمَّا كان يزعُمه، وكان قد ادَّعى الخلافةَ بمكة، وقال: كنتُ أظنُّ أن المأمونَ قد مات، وقد تحقَّقتْ حياتُه وأنا أستغفرُ اللَّه وأتوبُ إليه مِمَّا كنتُ ادَّعَيتُ من ذلك، وقد رجعتُ إلى الطاعة، وأنا رجلٌ من المسلمين. ولما هُزم هرثمةُ راسلَ ابا السرايا، وهو الذي أمرَهُ بالظهور، فاستدعاه المأمونُ إلى مَرْو، فأمر به فضُرب بين يديه، ووُطِئ بطنُه، ثم رُفع إلى الحبس، ثم قُتل بعدَ ذلك بأيام. وانطوَى خبَرُه بالكليَّة. ولما وصل خبَرُ قتلِهِ إلى بغداد عبثَتِ العامَّةُ والحربيَّةُ بالحسن بن سهل نائبِ العراق وقالوا: لا نَرْضَى به ولا بعُمَّالِه ببلادِنا. وأقاموا إسحاقَ بن موسى المهدي نائبًا. واجتمع أهلُ الجانبَيْنِ على ذلك، والتفَّتْ على الحسنِ بن سهل جماعةٌ من الأمراءِ والأجناد، وأرسل مَنْ وافق العامَّةَ على ذلك من الأمراء يحرِّضُهم على القتال، وجرت الحروبُ بينهم ثلاثةَ أيام في شعبانَ من هذهِ السنة، ثم اتفق الحالُ على أن يُعطيَهم شيئًا من أرزاقهم يُنفقونَها في شهرِ رمضان، فما زال يَمطُلُهم إلى ذي القعدة حتى يدرِكَ الزرع، فخرج في ذي القَعْدة زيدُ بن موسى الذي يُقال له زيد النار، وهو أخو أبي السرايا، وقد كان خروجُه هذه المرة بناحيةِ الأنْبَار، فبعث إليه عليُّ بن هشام نائبُ بغداد عن الحسنِ بن سهل، والحسن بالمدائن إذْ ذاك، فأُخِذ وأُتِيَ به إلى عليِّ بن هشام، وأطفأ اللَّه نائِرَتَه (٢). وبعث المأمونُ في هذه السنةِ يطلبُ مَنْ بَقِيَ من العباسيين، وأحصى كم العباسيُّون؟ فبلغوا ثلاثةً وثلاثين ألفًا ما بين ذكورٍ وإناث. وفيها قتَلَتِ الرومُ مَلِكَهم أليون، وقد ملَكَهم سبعَ سنين، وملَّكوا عليهم ميخائيل نائبَه.

стр. 5057

وفيها قتل المأمونُ يحيى بن عامر بن إسماعِل لأنه قال للمأمون: يا أميرَ الكافرين. فقُتل صبرًا بين يديه. وفيها حجَّ بالناسِ محمدُ بن المعتصِم بن هارون الرشيد. وفيها تُوفي من الأعيان: أسباطُ بن محمد. وأبو ضَمْرَة أنس بن عياض. وسَلْم (١) بن قتيبة. وعمر بن عبد الواحد. وابن أبي فديك. ومُبشِّر بن إسماعيل. ومحمد بن حمير (٢). ومعاذ بن هشام. * * *

стр. 5058

البداية والنهاية «٢٠١ هـ - ٣٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه ياسين محمد السواس راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الحادي عشر

стр. 5059

ثم دخلت سنة إحدى ومئتين فيها: راود أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على أن يكون نائبًا للمأمون يدعو له في الخطبة، فأجابهم إلى ذلك، وذلك بعد إخراج أهل بغداد عليَّ بن هشام نائب الحسن بن سهل من بين أظهرهم، فجرت حروب كثيرة بسبب ذلك. وفي هذه السنة عمَّ البلاء بالعيّارين، والشطّار والفسّاق ببغداد وما حولها من القرى، فكانوا يأتون الرجل يسألونه مالًا يقرضهم أو يصلهم به، فيمتنع عليهم فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرَّضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الأنعام والمواشي، ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، وانتهبوا أهلَ قُطْرُبُّلَ (١) ولم يَدعوا لهم شيئًا أصلًا، فانتُدِب رجلٌ يقال له: خالد الدريوش، وآخر يقال له: سهل بن سلامة، أبو حاتم الأنصاري، من أهل خراسان. والتفَّ عليهما جماعة من العامة (٢) فردُّوا شرهم وقاتلوهم وقووا عليهم ومنعوهم من العيث في الأرض فسادًا، واستقرَّت الأمور كما كانت، وذلك في شعبان ورمضان، وللَّه الحمد والمنَّة (٣). وفي هذه السنة في شوال منها رجَعَ الحسنُ بن سهل إلى بغداد وصالَحَ الجندَ، وانفصل منصور بن المهدي ومن التفَّ معه من الأمراء. وفي هذه السنة بايع المأمون لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون وليَّ العهد من بعده، وسمَّاه الرِّضا من آل محمد ﷺ ، وطَرَحَ لبسَ السواد ولبِسَ الخُضْرَةَ، وألزم جنده بذلك، وكت به إلى الآفاق والأقاليم. وكانت مبايعتُه له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة إحدى ومئتين، وذلك أن المأمون رأى أنَّ عليًا الرِّضا خيرُ أهلِ البيتِ، وليس في بني العباس مثلُه في علمه (٤) ودينه، فجعله وليَّ عهدِهِ من بعده.

стр. 5060

بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي لما جاء الخبر إلى بغداد: أنَّ المأمون بايع لعلي الرِّضا بن موسى بولاية العهد من بعده اختلفوا فيما بينهم؛ فمن مجيبٍ، ومن مانعٍ، وجمهور العباسيين على الامتناع. وكان الباعث لهم والقائم في ذلك إبراهيم ومنصور ابنا المهدي. فلما كان يوم الثلاثاء لخمسٍ بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي ولقبوه: المبارك -وكان أسود اللون- ومِن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون. فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لإبراهيم فقالت العامة: لا نرضى إلا بإبراهيم فقط، واختلف الناس واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلّوا الجمعةَ، وصلَّى الناس فُرَادى أربع ركعات (١). وفي هذه السنة افتتح نائبُ طَبَرِسْتان جبالَها وبلادَ اللارز (٢) والشَّيزر. وذكر ابن جرير (٣): أن سَلْمًا الخاسِرَ قال في ذلك شعرًا. وقد ذكر ابنُ الجوزي وغيرُه أن سَلْمًا (٤) توفي قبل ذلك بسنين (٥)، فاللَّه أعلم. وفي هذه السنة أصاب أهلَ خراسان والرَّيِّ وأصبهان مجاعةٌ شديدة، وعزَّ الطعام جدًّا. وفي هذه السنة تحرَّك بابَكُ الخُرَّمِيُ واتَّبعه طوائفُ من السّفَلة والجهلة، وكان يقول بالتناسخ قبَّحه اللَّه ولعنه. وسيأتي (٦) ما آل أمره إليه.

стр. 5061

وفيها: حجَّ بالناس إسحاقُ بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وفيها توفي من الأعيان: أبو أسامة حمّاد بن أسامة (١). وحمّاد بن مَسْعَدة (٢). وحَرَميّ بن عُمارة (٣). وعلي بن عاصم (٤). ومحمد بن محمد صاحب أبي السَّرايا، الذي كان قد بايعه أهلُ الكوفة بعد ابن طباطبا (٥). ثم دخلت سنة ثنتين ومئتين في أوَّل يوم منها بُويع لإبراهيمَ بن المهديّ بالخلافة ببغداد وخُلع المأمون، فلمَّا كان يوم الجمعة خامسُ المحرم صعِدَ إبراهيمُ بن المهدي المنبرَ فبايعه الناسُ ولُقِّب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السَّواد، وطلب منه الجندُ أرزاقهم فماطلهم، ثم أعطاهم مئتي درهم لكل واحدٍ، وكتب لهم بتعويضٍ من أرض السَّواد، فخرجوا لا يمرُّون بشيء إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب إبراهيمُ على الجانب الشرقيِّ العبَّاسَ بن موسى الهادي، وعلى [الجانب] (٦) الغربيِّ إسحاقَ بن موسى الهادي. [وفيها] (٧): خرج خارجيٌّ يقال له: مَهدي بن عُلوان، فبعث إليه إبراهيمُ جيشًا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد في جماعة من القُوَّاد، فكسره وردَّ كيده، وللَّه الحمد.

стр. 5062

وفي هذه السنة خرج (١) أخو أبي السَّرايا بالكوفة، فبيّض (٢)، فأرسل إليه إبراهيمُ بن المهدي مَن قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم. ولما كان ليلة أربعَ عشرةَ من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حُمرةٌ ثم ذهبت، وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل. وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا. وعلى أصحاب إبراهيمَ السَّوادُ، وعلى أصحاب المأمون الخُضْرَةُ، واستمرَّ القتالُ بينهم إلى أواخر رجب. وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطَّوّعي فسجنه، وذلك لأنه التف عليه جماعةٌ من الناس يقومون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن [كانوا] (٣) قد جاوزوا الحدَّ، وأنكروا على السلطان، ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار بابُ داره كأنَّه بابُ سلطان، عليه السلاح والرجال وغيرُ ذلك من أُبَّهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه، فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة، ثم اختفى في بعض الدروب، فأُخذ وجِيء به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة. وفي هذه السنة أقبل المأمون من خراسان قاصدًا العراق، وذلك أنَّ عليَّ بن موسى بن جعفر العلوي أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وأنَّ الهاشميين يتهمون المأمون بأنه مسحور ومجنون (٤)، وأنهم قد ينقمون عليك ببيعتك إليَّ من بعدك، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وقراباته (٥) فسألهم عما أخبر (٦) به علي الرِّضا، فصدَقوه الأمرَ بعد أخذهم الأمان منه، وقالوا له: إنَّ الفضل بن سهل حسَّن لك قتل هَرْثَمَة (٧)، وقد كان ناصحًا لك، فعاجله بقتله، وإن طاهرَ بن الحسين مهَّد لك الأمور حتى قاد لك

стр. 5063

الخلافة بزمامها فطردْتَه إلى الرقة، وقعد لا عَمَل له ولا تستنهضه في أمرٍ، وإنَّ الأرض قد تفتَّقت من أقطارها، وكثرت الفتن، وانثشرت الشرور بين الناس. فلما تحقَّق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطِنَ الفضلُ بن سهل بما تمالأ عليه أولئك الناصحون للمأمون، فضرب قومًا ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون، فلمَّا كان بسَرَخْس (١) عدا قومٌ على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام بالسيوف فقتلوه، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان وله ستون سنة (٢). فبعث المأمون في آثارهم فجيء بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزِّيه فيه، وولاه مكانه الوزارة، وارتحل المأمون من سَرَخْس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيمُ بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون. وفي هذه السنة تزوج المأمون بُوران (٣) بنتَ الحسن بن سهل، وزوَّج عليَّ بن موسى الرِّضا بابنته أُمِّ حبيب، وزوَّج ابنه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بابنته الأخرى أمِّ الفضل. وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيمُ بن موسى بن جعفر أخو علي الرِّضا، ودعا لأخيه بعد المأمون. ثم انصرف من بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب عليها حَمْدَوَيْه بن علي بن موسى بن ماهان (٤). وفيها توفي من الأعيان: أيّوبُ بن سُوَيد (٥). وضَمْرَة (٦). وعمر بن حبيب (٧).

стр. 5064

والفضلُ بن سهل الوزير (١). وأبو يحيى الحِمّاني (٢). ثم دخلت سنة ثلاث ومئتين فيها: وصل المأمون في سيره من خراسان إلى العراق إلى مدينة طُوس (٣)، فأقام [بها] (٤) عند قبر أبيه أيامًا من شهر صفر. فلما كان في أواخر الشهر أكل عليُّ بنُ موسى الرِّضا عنبًا فمات فجأة، فصلَّى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفًا كبيرًا فيما ظهر، واللَّه أعلم. وكتب إلى الحسن بن سهل يعزِّيه في عليِّ الرِّضا ويخبره بما حصل له من الحزن عليه، وكتب إلى بني العباس ببغداد يقول لهم: إنَّكم إنما نقَمْتُم عليَّ بسبب توليتي العهدَ مِن بعدي لعليٍّ الرِّضا، وها هو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة. فأجابوه بأغلظِ جوابٍ كُتب به إلى أحدٍ. وفي هذه السنة غلبت السوداءُ (٥) على الحسن بن سهل حتى قُيِّد بالحديد وأُودع في بيتٍ، فكتب الأمراء بذلك إلى المأمون، فكتب إليهم: إنِّي واصلٌ على إثر كتابي هذا. ثم جرت حروب كثيرة بين إبراهيم وأهل بغداد، وتنكَّروا عليه وأبغضوه. وظهرت الفتنُ والشطَّار والفسّاق ببغداد، وتفاقم الحال، وصلَّوا يومَ الجمعة ظهرًا، أمَّهم المؤذنون من غير خطبة، بأربع ركعات، واشتدَّ الأمرُ، واختلف الناسُ فيما بينهم في إبراهيمَ والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم. ذكر خلع أهل بغداد إبراهيم [بن المهدي] (٦) ودعائهم للمأمون لمَّا كان يومُ الجمعة المقبلة دعا الناس للمأمون وخلعوا إبراهيم، وأقبل حُمَيد بن عبد الحميد في

стр. 5065

جيشٍ من جهة المأمون فحاصر بغداد، وأطمع (١) جندها في العطاء فطاوعوه على السمع والطاعة [للمأمون] (٢). وقد قاتل عيسى بن محمد بن أبي خالد في جماعة من جهة إبراهيمَ بن المهدي، ثم احتال عيسى حتى صار في أيدي المأمونية أسيرًا، ثم آل الحال إلى أن اختفى إبراهيمُ بنُ المهدي في آخر هذه السنة. وكانت أيامه سنةً وأحدَ عشرَ شهرًا واثني عشرَ يومًا. وقد وصل في هذا الوقت المأمون إلى همذان، وجيوشُه قد استعادوا بغداد إلى طاعته. وحجَّ بالناس في هذه السنة سليمانُ بنُ عبد الملك بن سليمان بن علي. وممن توفي فيها من الأعيان: عليّ بن موسى (٣): ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي العلوي، الملقب بالرِّضَا، كان المأمون قد همَّ أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله وليَّ العهد من بعده كما قدمنا ذلك، فتوفي في صفر من هذه السنة بطوس. وقد رَوى الحديثَ عن أبيه وغيره. وعنه: جماعةٌ، منهم المأمون، وأبو الصلت الهرويّ، وأبو عثمان المازني النحوي. قد (٤) سمعته يقول: اللَّهُ أعدلُ من أن يكلِّف العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون. ومن شعره: كُلُّنا يأمُلُ مدًّا في الأجَلْ (٥) … والمنايا هى (٦) آفاتُ الأملْ لا تغرّنْكَ أباطيلُ المُنى … والزَمِ القَصْدَ ودَعْ عنكَ العلل (٧) إنَّما الدُّنيا كظلٍّ زائلٍ … حَلَّ فيهِ راكبٌ ثمَّ ارْتَحَلْ

стр. 5066

ثم دخلت سنة أربع ومئتين فيها: كان قدومُ المأمون أرضَ العراق، وذلك أنه مرَّ بجرجان فأقام بها شهرًا، ثم سار منها [وكان] (١) ينزل في المنزلة يومًا أو يومين، ثم جاء إلى النّهروان فأقام بها ثمانية أيام، وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقّة أن يوافيه إلى النهروان، فوافاه بها، وتلقاه رؤوس أهل بيته والقُوَّادُ وجمهورُ الجيشِ، فلما كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاعَ النهار لأربعَ عشرة ليلةً بقيت من صفر، في أُبّهة عظيمةٍ، وجيشٍ عظيمٍ، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانهم وجميع لباسهم الخُضْرَةُ، فلبس أهلُ بغداد وبنو هاشم أجمعون الخُضْرَةَ. ونزل المأمون بالرَّصافة، ثم تحوَّل إلى قصره على دجلة، وجعل الأمراءُ ووجوه الدولة يترددون إلى داره على العادة، وقد تحوَّل لباسُ البغاددة إلى الخُضْرَة، وجعلوا يحرقون كلَّ ما يجدونه من السواد، فمكث بذلك ثمانية أيام. ثم استعرض حوائجَ طاهر بن الحسين فكان أوَّل حاجةٍ سألها أن يرجع إلى لباس السَّواد، فإنَّه لباسُ آبائه من دولةِ ورثة الأنبياء. فلما كان السبت الآخر، وهو الثالث والعشرون من صفر، جلس المأمون للناس وعليه الخُضْرَةُ، ثم إنَّه أمر بخِلْعةٍ (٢) سوداء وَألبسها طاهر بن الحسين، ثم ألبس (٣) بعده جماعةً من الأمراء السواد، فلبس الناسُ السواد وعادوا إلى ذلك، بعدما علم منهم الطاعة والموافقة. وقد قيل: إنَّ المأمون مكث يلبَسُ الخُضْرة بعد قدومه بغداد تسعًا وعشرين ليلة، واللَّه أعلم. ولما جاء إليه عمُّه إبراهيمُ بنُ المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورًا، قال له المأمون: أنت الخليفةُ الأسود، فأخذ في الاعتذار والاستغفار، وقال له: أنا الذي مننتَ عليه بالعفو، وأنشد المأمونَ عند ذلك: ليسَ يُزْري السَّوادُ بالرَّجُلِ الشَّهْـ … ـم ولا بالفتى الأديبِ الأريبِ إن يكنْ للسَّوادِ منكَ نصيبٌ (٤) … فبياضُ الأخلاقِ منكَ نصيبي قال القاضي ابن خلكان (٥): وقد نظم هذا المعنى بعضُ المتأخرين وهو نصر اللَّه (٦) بن قلاقس الإسكندري فقال:

стр. 5067

ربَّ سوداءَ وهي بيضاءُ فِعْلٍ … حَسَدَ المسكَ عندها الكافُورُ مثلُ حبِّ العيونِ يحسَبُهُ النَّا … سُ سَوادًا وإنَّما هُوَ نورُ وكان المأمون قد شاور في قتل عمه إبراهيم بن المهدي، فقال له أحمد بن أبي خالد، الوزير الأحول: يا أمير المؤمنين، إنْ قتلْتَه فَلَكَ نُظراء، وإنْ عفوْتَ عنه فما لَكَ نظيرٌ. ثمَّ شرع المأمون في بناء قصورٍ على دجلة إلى جانب قصره بها، وسكنت الفتن وانزاحت الشرور، وأمر بمقاسمة أهل سواد العراق على الخُمسين، وكانوا يقاسَمون على النصف. واتخذ القفيز (١) الملحم، وهو عشرة مكاكي بالمَكُّوك (٢) الهاروني، ووضَعَ شيئًا كثيرًا من خَراجات بلاد شتى، ورفق بالناس في مواضعَ كثيرةٍ، وولَّى أخاه أبا عيسى بنَ الرشيد الكوفةَ، وولَّى أخاه صالحًا البصرةَ، وولَّى عبيد اللَّه بنَ الحسن بن عُبيد اللَّه (٣) بن العباس بن علي بن أبي طالب نيابةَ الحرَمين، وهو الذي حجَّ بالناس في هذه السنة. وفيها: واقع يحيى بن معاذ بابَك الخُرَّمي فلم يظفر به. فيها: توفي جماعة من الأعيان، منهم: أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي (٤): وقد أفردنا له ترجمةً مطولة في أوَّل كتابنا "طبقات الشافعيين"، ولنذكر هاهنا ملخصًا من ذلك، وباللَّه المستعان. هو الإمام العالم أبو عبد اللَّه بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السَّائب بن عُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المُطَّلب بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ، القرشي المطلبي، والسَّائب بن يزيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السَّائب من صغار الصحابة، وأمُّه أزدية. وقد رأت حين حملت بالشافعي كأنَّ المشتري خرج من فرجها حتى انقضَّ بمصر، ثم وقع في كل بلدٍ [منه] (٥) شَظِيَّةٌ.

стр. 5068

وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل: بعَسْقَلان، وقيل: باليمن سنة خمسين ومئة، ومات أبوه وهو صغير، فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبُه، فنشأ بها، وقرأ القرآن وهو ابنُ سبع [سنين] (١)، وحفظ "الموطأ" وهو ابنُ عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، أذِنَ له شيخهُ مسلم بن خالد الزَّنجيُّ (٢)، وعُني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوًا من عشر سنين، وقيل: عشرين سنة، فتعلَّم منهم لغاتِ العربِ وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والأئمة، وقرأ بنفسه "الموطَّأ" على مالك من حفظه، وأعجبته قراءته وهِمَّته، [وأخذ عنه علم الحجاز من بعد أخذه عن مسلم بن خالد] (٣). وأخذ عنه خلقٌ كثيرٌ قد ذكرنا (٤) أسماءهم مرتبين على حروف المعجم. وقرأ القرآن على إسماعيل بن قُسْطَنطين، عن شِبْلٍ، عن ابن كثير، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاس، عن أُبَيّ بن كعبٍ، عن رسول اللَّه ﷺ ، عن جبريلَ، عن اللَّه . وأخذ الشافعيُّ الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما، عن جماعة من الصحابة؛ منهم: عمر وعلي (٥) وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وكلُّهم عن رسول اللَّه ﷺ . وتفقَّه أيضًا على مالك عن مشايخه. وتفقَّه به جماعةٌ قد ذكرناهم ومَن بعدهم إلى زماننا في تصنيفٍ مفردٍ، وللَّه الحمد والمنَّة. وقد روى ابنُ أبي حاتم، عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس ورَّاقِ الحُميدي، عن الحُميدي، عن الشافعيِّ: أنَّه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصَّبوا عليه ووشَوْا به إلى الرشيد هارون أنه يَرُومُ الخلافة، فحُمِلَ على بغلٍ في قيدٍ إلى بغداد، فدخلها في سنة أربعٍ وثمانين وعمرُه ثلاثون سنةً، فاجتمع بالرشيد، فتناظر هو ومحمد بن الحسن (٦) بين يديه، وأحسن القولَ فيه محمد بن

стр. 5069

الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نُسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده. وكان أبو يوسف (١) قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل: بسنتين. وأكرمه (٢) محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعيُّ وِقْرَ بعيرٍ، ثم أطلق له الرشيدُ ألفي دينارٍ، وقيل: خمسة آلاف دينار. وعاد الشافعيُّ إلى مكَّةَ، ففرَّق عامة ما حصل له في أهله وذوي رَحِمِهِ من بني عمِّه. ثم عاد الشافعيُّ إلى بغداد في سنة خمس وتسعين ومئة، فاجتمع به جماعةٌ من العلماء هذه المرة، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور (٣)، والحسين بن علي الكَرابيسي، والحارث بن سُريج النَّقَّال (٤)، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزَّعفراني، وغيرهم. ثم رجع إلى مكة، ورجع إلى بغداد أيضًا، سنة ثمان وتسعين ومئة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في سنة أربع ومئتين، كما سيأتي. وصنف بها كتابه "الأم" فهو من كتبه الجديدة؛ لأنَّها من رواية الرَّبيع بن سليمان، وهو مصري. وقد زعم إمام الحرمين (٥) وغيرُه أنَّها من القديم، وهذا بعيدٌ وعجيب من مثله، واللَّه أعلم. وقد أثنى على الشافعي غيرُ واحدٍ من كبار الأئمة، منهم: عبدُ الرحمن بن مهدي (٦)، وسأله أن يكتب له كتابًا في الأصول فكتب له "الرسالة" (٧)، فكان يدعو له في صلاته دائمًا، وشيخُه مالك بن

стр. 5070

أنس، وقتيبةُ بن سعيد (١)؛ وقال: هو إمام [سنّة] (٢)، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وكان يدعو له في صلاته، وأبو عُبَيد (٣)؛ وقال: ما رأيت أفصحَ ولا أعقلَ، ولا أورَعَ من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن رَاهَوَيه، ومحمد بن الحسن، وغيرُ واحد ممن يطولُ ذِكرهم وشرح أقوالهم (٤). وكان أحمدُ بن حنبل يدعو له في صلاته نحوًا من أربعين سنة، وكان أحمدُ يقولُ في الحديث الذي رواه أبو داود (٥) من طريق عبد اللَّه بن وَهْب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أِبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لهذه الأُمَّةِ على رأسِ كُلِّ مئة سَنَةٍ من يُجدِّدُ لها أمْرَ دِينِها" (٦). قال: فعُمَرُ بنُ عبد العزيز على رأسِ المئة، والشافعيُّ على رأس المئتين. وقال أبو داود الطيالسيُّ (٧): حدثنا جعفرُ بن سليمان، عن النَّضر بن معبد (٨) الكندي -أو العبدي- عن الجارود (٩)، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تَسُبُّوا قُريشًا، فإنَّ عالِمَها يملأ الأرضَ علمًا، اللهم إنَّك أذقْتَ أوَّلَهَا عَذَابًا، أو وبالًا، فأذِقْ آخرَها نَوالًا". هذا غريبٌ من هذا الوجه (١٠).

стр. 5071

وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (١). قال أبو نُعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعيِّ؛ حكاه الخطيب. وقال يحيى بن مُعين: صدوقٌ لا بأس به (٢). وقال مرَّةً: لو كان الكذبُ له مطلقًا لكانت مروءته تمنعه من أن يكذبَ (٣). وقال (٤) ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: الشافعيُّ فقيه البدن، صدوقُ اللسان. وحكى بعضُهم عن أبي زُرْعَة، أنَّه قال: ما عندَ الشافعيِّ حديثٌ غَلِطَ فيه (٥). وحُكي عن أبي داود نحوه (٦). وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزَيمة -وقد سئل: هل سنة لم تبلغ الشافعيَّ؟ - فقال لا (٧). ومعنى هذا: أنها تبلغه تارة بسندها، وتارة مرسلةً، وتارة منقطعةً، كما هو الموجود في كتبه، واللَّه أعلم. وقال حَرْمَلةُ: سمعتُ الشافعيَّ يقول: سُمِّيتُ ببغداد ناصِرَ السنة (٨).

стр. 5072

وقال أبو ثَوْرٍ: ما رأينا مثلَ الشافعيِّ، ولا رأى هو مثلَ نفسِهِ (١). وكذا قال الزَّعْفَرَانيُّ وغيرُ واحد. وقال داود بن علي الظاهريُّ (٢) في كتابٍ جَمعه في فضائل الشافعي: للشافعيِّ من الفضائل ما لم يجتمع لغيره؛ من شرفِ نسبِهِ، وصحة دِينه ومعتقده (٣)، وسخاوةِ نفسِه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظِه الكتابَ والسنَّةَ وسيرةَ الخلفاءِ، وحسنِ التصنيف، وجودةِ الأصحابِ والتلامذة، مثلِ أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة. ثم سَرَد أعيانَ أصحابه من البغاددة والمصريين. وكذا عدَّ أبو داود في جملة تلامذته في الفقه: أحمد بن حنبل. وقد كان الشافعيُّ ﵀ من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشدِّ النَّاس انتزاعًا للدلائل منهما. وكان من أحسن النَّاس قصدًا وإخلاصًا، كان يقولُ: وددْتُ: أنَّ النَّاس تعلموا هذا العلمَ ولا يُنسبُ إليَّ منه شيءٌ أبدًا، فأُوْجَرُ عليه ولا يَحمدوني (٤). وقد قال غيرُ واحدٍ عنه: إذا صحَّ عندكم الحديثُ عن رسول اللَّه ﷺ فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقولُ به، وإن لم تسمعوه منِّي (٥). وفي رواية: فلا تقلِّدُوني. وفي رواية: فلا تلتفتوا إلى قولي. [وفي رواية: فاضْرِبُوا بقولي عُرْضَ الحائطِ، فلا قولَ لي مع رسول اللَّه ﷺ ] (٦). وقال: لأنْ يَلقى اللَّهَ المرْءُ (٧) بكل ذنبٍ ما خلا الشرك باللَّهِ، خيرٌ له من أن يَلْقَاه بشيءٍ من الأهواء. وفي رواية: خيرٌ له من أن يلقاه بعلمِ الكلام. وقال: لو علِمَ النَّاس ما في الكلام من الأهواء لفرُّوا منه كما يُفَرُّ مِنَ الأسدِ.

стр. 5073

وقال أيضًا: حكمي في أهلِ الكلام أن [يُضربوا بالجَريد] (١)، ويُطافَ بهم في القبائل، ويُنادى عليهم: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنة، وأقبلَ على الكلام. وقال البُوَيْطيُّ: سمعت الشافعيَّ يقولُ: عليكم بأصحاب الحديث فإنَّهم أكثرُ الناس صوابًا. وكان يقول: إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب الحديث فكأنَّما رأيتُ رجلًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجزاهم اللَّه خيرًا، حفظوا لنا الأصلَ، فلهم علينا الفضل (٢). ومن شعره في هذا المعنى قولُه (٣): كُلُّ العُلومِ سِوَى القرآنِ مَشغلةٌ … إلا الحديثَ وإلا الفقهَ في الدِّينِ العلمُ ما كانَ فيهِ قالَ حدَّثنا … وما سِوى ذاكَ وَسواسُ الشَّياطينِ وكان يقول: القرآنُ كلامُ اللَّه غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال مخلوقٌ فهو كافر (٤). وقد روى عنه الربيعُ وغيرُ واحدٍ من رؤوس أصحابه ما يدُلُّ على أنه كان يُمرُّ آياتِ الصِّفات وأحاديثَها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، على طريقة السَّلف. وقال ابنُ خُزيمة: أنشدني المُزنيُّ، قال: أنشدنا الشافعيُّ لنفسه (٥): فما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ … وما شئتُ إنْ لم تَشَأْ لم يكنْ خَلَقْتَ العِبادَ على ما علمْتَ … ففي العلم يجري الفَتَى والمُسِنّ فمنهم شقيٌّ ومنهمْ سعيدٌ … ومنهم قبيحٌ ومنهمْ حَسَنْ على ذا مَنَنْتَ وهذا خذَلْتَ … وهذا أعنْتَ وذا لم تُعِنْ وقال الربيعُ: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: أفضلُ الناس بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وعن الربيع، قال: أنشدنا الشافعيُّ (٦): قد نفَّرَ (٧) الناس حتَّى أحدثوا بِدَعًا … في الدِّينِ بالرأي لم تُبعَث بها الرُّسُلُ

стр. 5074

حتَّى استخَفَّ بحقِّ اللَّهِ أكثرُهمْ … وفي الذي حُمِّلُوا من حقِّهِ شُغُلُ وقد ذكرنا من شعره في السُّنّة وكلامه فيها وفي الحِكم والمواعظ طرفًا صالحًا في الذي كتبناه في أول "طبقات الشافعية". وقد كانت وفاتُه بمصرَ يومَ الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يومٍ من رجبَ سنة أربعٍ ومئتين، عن أربع وخمسين سنة. وكان أبيضَ جميلًا، طويلًا، مَهيبًا، يخضِبُ بالحِنَّاء، مخالفًا للشيعة، ﵀، وأكرَمَ مثواه (١). وممن توفي فيها أيضًا: إسحاق بن الفُرات (٢). وأشْهَبُ بن عبد العزيز المصريُّ المالكيُّ (٣). والحسنُ بن زياد اللؤلؤي الكوفي الحنفي (٤). وأبو داود سليمان بن داود الطَّيالسي صاحبُ المسند (٥)، أحد الحفاظ. وأبو بدر شُجاع بن الوليد (٦). وأبو بكر الحنفي، عبدُ الكبير (٧).

стр. 5075

وعبد الوهَّاب بن عطاء الخفَّاف (١). والنَّضْر بن شُمَيل، أحدُ أئمة اللغة (٢). وهشامُ بن محمد بن السَّائب الكلبي، أحدُ علماء التاريخ (٣). ثم دخلت سنة خمس ومئتين فيها: ولَّى المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب نيابةَ بغداد والعراق وخراسان إلى أقصى عملِ المشرق، ورضي عنه، ورفَعَ منزلته جدًا، وذلك لمرض الحسن بن سهل بالسَّوداء. وولَّى المأمون مكان طاهر على الرقة والجزيرة يحيى بن معاذ. فقد عبدُ اللَّه (٤) بن طاهر بن الحسين إلى بغداد في هذه السنة، وكان أبوه قد استخلفه على الرقة وأمره بمقاتلة نَصْر بن شَبَث (٥). وولَّى عيسى بن محمد بن أبي خالد أذربيجان وأرمينية، وأمره بمحاربة بابَك الخرّمي. وولَّى عيسى بن يزيد الجُلوديَّ مقاتلة الزُّطّ. ومات نائبُ مصر السَّريُّ بن الحكم بها، ونائبُ السند داودُ بن يزيد، فولَّى مكانه بشرَ بن داود، على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم.

стр. 5076

وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيدُ اللَّه بن الحسن (١)، نائب الحرمين الشريفين. وتوفي فيها من الأعيان: إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ (٢). وَبِشْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ (٣). وأبو عامر العَقَديّ (٤). ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ (٥). ويعقوب الحضرميُّ (٦). وأبو سليمان الدَّاراني (٧): عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل: عبد الرحمن بن عَطِيَّة، وقيل: عبد الرحمن بن عَسْكَر، أبو سليمان الدَّارانيُّ، أحدُ أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط، وسكن قرية غربي دمشق يُقال لها: داريَّا. وقد سمع الحديثَ من سفيان الثوريِّ وغيره، ورَوى عنه أحمدُ بن أبي الحواري وجماعة. وأسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريقه، قال: سمعت عليَّ بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد، يقول: سمعت إبراهيمَ بنَ أدهم، يقول: سمعت ابنَ عجلانَ يذكُرُ عن القَعْقَاع بن حكيم، [عن أبي صالح] (٨)

стр. 5077

عن أنسِ بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صلَّى قبلَ الظهر أربعًا غُفِرَت ذنوبُه يومَه ذلكَ" (١). وقال أبو القاسم القشيريُّ: حُكي عن أبي سليمان الداراني، قال: اختلفْتُ إلى مجلسِ قاصٍّ، فأثَّر كلامُه في قلبي، فلمَّا قمتُ لم يبقَ في قلبي شيءٌ، فعدت إليه ثانيةً، فأثَّر كلامُه في قلبي بعدما قُمْتُ وفي الطريق؛ ثم عُدْت ثالثةً، فبقي أثرُ كلامِه في قلبي حتَّى رجعت إلى منزلي، فكسرْتُ آلات المخالفات، ولزمت الطريق (٢). فحُكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ، فقال: عصفورٌ اصطادَ كُرْكِيًّا (٣)، يعني بالعصفور: القاصَّ، وبالكُرْكيِّ: أبا سليمان الداراني (٤). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: ليس لمن أُلهمَ شيئًا من الخير أن يعملَ به حتى يسمَعَهُ من الأثَرَ، فإذا سمعه من الأثر عمِل به، وحمدَ اللَّهَ حين وافق ما في قلبه (٥). وقال الجُنَيْد: قال أبو سليمان الدّارانيُّ: ربَّما يَقَعُ في قلبي النُّكْتةُ مِن نُكَتِ القومِ أيامًا، فلا أقْبَلُ منه إلا بشاهدين عَدْلين: الكتابِ والسُّنَّة (٦). قال: وقال أبو سليمان: أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النَّفْس (٧). وقال: لِكُلِّ شيء عَلَمٌ، وَعَلَمُ الخِذْلانِ تركُ البكاء (٨). وقال: لِكُلِّ شيء صَدَأٌ، وصَدَأ نورِ القلب شِبَعُ البَطْنِ (٩).

стр. 5078

وقال: كُلُّ ما شَغَلَكَ عن اللَّه من أهلٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، فهو عليك مشؤومٌ (١). وقال: كنتُ ليلةً في المحراب أدعو ويداي ممدودتان، فغلبني البَرْدُ، فضممْتُ إحداهما ولقيت الأخرى مبسوطةً أدعو بها، وغلبتْني عيني فنمت، فَهَثفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان: قد وضَعْنا في هذه ما أصَابَها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليْتُ على نفسي ألا أدعوَ إلا ويداي خارجتان، حَرًّا كان أو بردًا (٢). وقال أبو سليمان: نمت ليلةً عن وِرْدِي، فإذا أنا بحوراءَ تقولُ لي: تنام وأنا أُرَبَّى لكَ في الخُدورِ منذ خمسمئة عام (٣)؟ وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: إنَّ في الجنة أنهارًا على شاطئيها خيامٌ فيهن الحُور، ينشئ اللَّه خلق إحداهن (٤) إنشاءً فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيامَ، جالسة (٥) على كرسي ميل في ميل، قد خرج (٦) عَجيزتُها من جوانب الكرسيّ، فيجيء أهلُ الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، ثم يخلو كلُّ رجلٍ منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكونُ في الدنيا حالُ منْ يُريد يفتضُّ (٧) الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة (٨)؟. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ربَّما مكثت خمس ليالٍ لا أقرأ بعد الفاتحة إلا بآيةٍ واحدةٍ أتفكَّر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان مَن يردُّه بعدُ (٩). وسمعته يقول: أصلُ كُلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من اللَّه ، ومفتاحُ الدنيا الشِّبَعُ، ومفتاحُ الآخرة الجوعُ (١٠).

стр. 5079

وقال لي يومًا: يا أحمدُ، جوعٌ قليلٌ، وذلٌّ قليلٌ، وعُرْيٌ قليلٌ، وفقرٌ قليلٌ، وصبرٌ قليلٌ، وقد انقضت عنك أيامُ الدنيا (١). قال: واشتهى يومًا (٢) رغيفًا حارًّا بملحٍ. قال: فجئته به، فعضَّ منه عضَّةً ثم طرَحَه، وأقبل يبكي، ويقولُ: يا ربّ، عجّلتَ لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشِقْوتي، وأنا تائب [فاقبل توبتي] (٣). فلم يذق الملح حتَّى لحق باللَّه (٤). قال: وسمعته يقول: ما رضيتُ عن نفسي طرفة عينن، ولو أنَّ أهلَ الأرض اجتمعوا على أن يَضَعوني كاتِّضاعي (٥) عند نفسي ما أحسنوا (٦). وسمعته يقول: مَن رأى لنفسه قيمةً لم يَذُقْ حلاوةَ الخِدْمة (٧). [وسمعته يقول: إذا تكلَّفَ المتعبِّدون ألا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم] (٨). [وسمعته يقول: مَنْ حَسُنَ ظنُّه باللَّه ثم لا يخافُ، فهو مَخْدوعٌ (٩). وقال: ينبغي للخوف أن يكونَ أغلبَ من الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فَسَدَ القلب (١٠). وقال لي يومًا: هل فوقَ الصبر منزلة؟ فقلت: نعم -يعني: الرضا- فصرخ صرخةً غشي عليه، ثم أفاق، فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالأخرى (١١)، وهم الذين رضي عنهم. وقال أبو سليمان: ما يسرّني أن لي الدنيا من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البِرِّ، وأنِّي أغفلُ عن اللَّه طرفة عين (١٢).

стр. 5080

وقال أبو سليمان: قال زاهدٌ لزاهدٍ: أوْصِني، فقال: لا يراكَ اللَّهُ حيثُ نهاكَ، ولا يفقِدُكَ حيث أمرَكَ. فقال: زِدْني. فقال: ما عندي زيادة (١). وقال أيضًا: مَنْ أحسَنَ في نهاره كوفئ في ليله، ومَنْ أحسَنَ في ليله كوفئ في نهاره، ومَنْ صَدَقَ في ترك شَهْوةٍ ذَهب (٢) اللَّهُ بها من قلبه، واللَّه أكرمُ من أن يعذِّب قلبًا في (٣) شهوةٍ تُركت له (٤). وقال: إذا سكنت الدنيا القلبَ ترحَّلَتْ منه الآخرة (٥). وقال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تَزْحَمُها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تَزْحَمْها الآخرة؛ إنَّ الآخرة كريمةٌ، والدنيا لئيمةٌ (٦). وقال أحمد بن أبي الحواري: بِتُّ ليلةً عند أبي سليمان، فسمعته يقول: وعزَّتِك وجلالِك، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنَّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بسخائك، ولئن أمرتَ بي إلى النار لأخبرنَّهم أنِّي كنت أحبُّك (٧). وكان أبو سليمان يقول: لو شكَّ النَّاسُ كلُّهم في الحق ما شككتُ فيه وحدي (٨). وكان يقول: ما خَلق اللَّهُ خَلْقًا أهونَ عليَّ (٩) من إبليس، ولولا أنَّ اللَّه أمرني أن أتعوَّذ منه ما تعوذت منه أبدًا، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحةَ وجهه (١٠). وكان يقول: إنَّ اللص لا يجيء إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء، وإنما يجيء إلى بيت معمورٍ، وكذلك إبليسُ لا يجيء إلا إلى كُلِّ قلبٍ عامر ليستنزله (١١) عن شيءٍ (١٢).
следующие страницы →