← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيدُ اللَّه بن الحسن (١)، نائب الحرمين الشريفين. وتوفي فيها من الأعيان: إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ (٢). وَبِشْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ (٣). وأبو عامر العَقَديّ (٤). ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ (٥). ويعقوب الحضرميُّ (٦). وأبو سليمان الدَّاراني (٧): عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل: عبد الرحمن بن عَطِيَّة، وقيل: عبد الرحمن بن عَسْكَر، أبو سليمان الدَّارانيُّ، أحدُ أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط، وسكن قرية غربي دمشق يُقال لها: داريَّا. وقد سمع الحديثَ من سفيان الثوريِّ وغيره، ورَوى عنه أحمدُ بن أبي الحواري وجماعة. وأسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريقه، قال: سمعت عليَّ بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد، يقول: سمعت إبراهيمَ بنَ أدهم، يقول: سمعت ابنَ عجلانَ يذكُرُ عن القَعْقَاع بن حكيم، [عن أبي صالح] (٨)

стр. 5077

عن أنسِ بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صلَّى قبلَ الظهر أربعًا غُفِرَت ذنوبُه يومَه ذلكَ" (١). وقال أبو القاسم القشيريُّ: حُكي عن أبي سليمان الداراني، قال: اختلفْتُ إلى مجلسِ قاصٍّ، فأثَّر كلامُه في قلبي، فلمَّا قمتُ لم يبقَ في قلبي شيءٌ، فعدت إليه ثانيةً، فأثَّر كلامُه في قلبي بعدما قُمْتُ وفي الطريق؛ ثم عُدْت ثالثةً، فبقي أثرُ كلامِه في قلبي حتَّى رجعت إلى منزلي، فكسرْتُ آلات المخالفات، ولزمت الطريق (٢). فحُكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ، فقال: عصفورٌ اصطادَ كُرْكِيًّا (٣)، يعني بالعصفور: القاصَّ، وبالكُرْكيِّ: أبا سليمان الداراني (٤). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: ليس لمن أُلهمَ شيئًا من الخير أن يعملَ به حتى يسمَعَهُ من الأثَرَ، فإذا سمعه من الأثر عمِل به، وحمدَ اللَّهَ حين وافق ما في قلبه (٥). وقال الجُنَيْد: قال أبو سليمان الدّارانيُّ: ربَّما يَقَعُ في قلبي النُّكْتةُ مِن نُكَتِ القومِ أيامًا، فلا أقْبَلُ منه إلا بشاهدين عَدْلين: الكتابِ والسُّنَّة (٦). قال: وقال أبو سليمان: أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النَّفْس (٧). وقال: لِكُلِّ شيء عَلَمٌ، وَعَلَمُ الخِذْلانِ تركُ البكاء (٨). وقال: لِكُلِّ شيء صَدَأٌ، وصَدَأ نورِ القلب شِبَعُ البَطْنِ (٩).

стр. 5078

وقال: كُلُّ ما شَغَلَكَ عن اللَّه من أهلٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، فهو عليك مشؤومٌ (١). وقال: كنتُ ليلةً في المحراب أدعو ويداي ممدودتان، فغلبني البَرْدُ، فضممْتُ إحداهما ولقيت الأخرى مبسوطةً أدعو بها، وغلبتْني عيني فنمت، فَهَثفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان: قد وضَعْنا في هذه ما أصَابَها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليْتُ على نفسي ألا أدعوَ إلا ويداي خارجتان، حَرًّا كان أو بردًا (٢). وقال أبو سليمان: نمت ليلةً عن وِرْدِي، فإذا أنا بحوراءَ تقولُ لي: تنام وأنا أُرَبَّى لكَ في الخُدورِ منذ خمسمئة عام (٣)؟ وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: إنَّ في الجنة أنهارًا على شاطئيها خيامٌ فيهن الحُور، ينشئ اللَّه خلق إحداهن (٤) إنشاءً فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيامَ، جالسة (٥) على كرسي ميل في ميل، قد خرج (٦) عَجيزتُها من جوانب الكرسيّ، فيجيء أهلُ الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، ثم يخلو كلُّ رجلٍ منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكونُ في الدنيا حالُ منْ يُريد يفتضُّ (٧) الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة (٨)؟. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ربَّما مكثت خمس ليالٍ لا أقرأ بعد الفاتحة إلا بآيةٍ واحدةٍ أتفكَّر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان مَن يردُّه بعدُ (٩). وسمعته يقول: أصلُ كُلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من اللَّه ، ومفتاحُ الدنيا الشِّبَعُ، ومفتاحُ الآخرة الجوعُ (١٠).

стр. 5079

وقال لي يومًا: يا أحمدُ، جوعٌ قليلٌ، وذلٌّ قليلٌ، وعُرْيٌ قليلٌ، وفقرٌ قليلٌ، وصبرٌ قليلٌ، وقد انقضت عنك أيامُ الدنيا (١). قال: واشتهى يومًا (٢) رغيفًا حارًّا بملحٍ. قال: فجئته به، فعضَّ منه عضَّةً ثم طرَحَه، وأقبل يبكي، ويقولُ: يا ربّ، عجّلتَ لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشِقْوتي، وأنا تائب [فاقبل توبتي] (٣). فلم يذق الملح حتَّى لحق باللَّه (٤). قال: وسمعته يقول: ما رضيتُ عن نفسي طرفة عينن، ولو أنَّ أهلَ الأرض اجتمعوا على أن يَضَعوني كاتِّضاعي (٥) عند نفسي ما أحسنوا (٦). وسمعته يقول: مَن رأى لنفسه قيمةً لم يَذُقْ حلاوةَ الخِدْمة (٧). [وسمعته يقول: إذا تكلَّفَ المتعبِّدون ألا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم] (٨). [وسمعته يقول: مَنْ حَسُنَ ظنُّه باللَّه ثم لا يخافُ، فهو مَخْدوعٌ (٩). وقال: ينبغي للخوف أن يكونَ أغلبَ من الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فَسَدَ القلب (١٠). وقال لي يومًا: هل فوقَ الصبر منزلة؟ فقلت: نعم -يعني: الرضا- فصرخ صرخةً غشي عليه، ثم أفاق، فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالأخرى (١١)، وهم الذين رضي عنهم. وقال أبو سليمان: ما يسرّني أن لي الدنيا من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البِرِّ، وأنِّي أغفلُ عن اللَّه طرفة عين (١٢).

стр. 5080

وقال أبو سليمان: قال زاهدٌ لزاهدٍ: أوْصِني، فقال: لا يراكَ اللَّهُ حيثُ نهاكَ، ولا يفقِدُكَ حيث أمرَكَ. فقال: زِدْني. فقال: ما عندي زيادة (١). وقال أيضًا: مَنْ أحسَنَ في نهاره كوفئ في ليله، ومَنْ أحسَنَ في ليله كوفئ في نهاره، ومَنْ صَدَقَ في ترك شَهْوةٍ ذَهب (٢) اللَّهُ بها من قلبه، واللَّه أكرمُ من أن يعذِّب قلبًا في (٣) شهوةٍ تُركت له (٤). وقال: إذا سكنت الدنيا القلبَ ترحَّلَتْ منه الآخرة (٥). وقال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تَزْحَمُها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تَزْحَمْها الآخرة؛ إنَّ الآخرة كريمةٌ، والدنيا لئيمةٌ (٦). وقال أحمد بن أبي الحواري: بِتُّ ليلةً عند أبي سليمان، فسمعته يقول: وعزَّتِك وجلالِك، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنَّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بسخائك، ولئن أمرتَ بي إلى النار لأخبرنَّهم أنِّي كنت أحبُّك (٧). وكان أبو سليمان يقول: لو شكَّ النَّاسُ كلُّهم في الحق ما شككتُ فيه وحدي (٨). وكان يقول: ما خَلق اللَّهُ خَلْقًا أهونَ عليَّ (٩) من إبليس، ولولا أنَّ اللَّه أمرني أن أتعوَّذ منه ما تعوذت منه أبدًا، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحةَ وجهه (١٠). وكان يقول: إنَّ اللص لا يجيء إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء، وإنما يجيء إلى بيت معمورٍ، وكذلك إبليسُ لا يجيء إلا إلى كُلِّ قلبٍ عامر ليستنزله (١١) عن شيءٍ (١٢).

стр. 5081

وكان يقول: إذا أخلص العبدُ انقطع عنه كثرةُ الوسواس والرّياء، أو الرؤيا (١). قال: ومكثت عشرين سنةً لم أحتلم، فدخلْتُ مكة ففاتتني صلاةُ العشاء في جماعة، فاحتلمت تلك الليلة (٢). وقال: إن من خلق اللَّه قومًا لا يَشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يُشغلون بالدنيا (٣)؟. وقال: الدنيا عند اللَّهِ أقلُّ من جناح بعوضةٍ، فما الزهد فيها، إنَّما الزهد في الجنان والحور العين، حتَّى لا يرى اللَّهُ في قلبكَ غيرَه (٤). وقال الجُنيد: شيء يُروى عن أبي سليمان أنا استحسنْتُه كثيرًا، قوله: من اشثغل بنفسه شُغل عن الناس، ومن اشتغل بربِّه شُغل عن نفسه وعن الناس (٥). وقال غيره: كان أبو سليمان يقول: خيرُ السَّخاء ما وافق الحاجة (٦). وقال أبو سليمان: من طلب الدنيا حلالًا واستعفافًا عن المسألة، واستغناءً عن الناس، لقي اللَّه يومَ يلقاه ووجهُهُ كالقمر ليلةَ البدر، ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثِرًا مفاخرًا لقي اللَّه يوم يلقاه وهو عليه غضبان (٧). وقال أبو سليمان: إنَّ قومًا طلبوا الغنى فحسبوا أنَّه في جمع المال، ألا وإنَّما الغنى في القناعة. وطلبوا الراحة في الكَثْرة، ألا وإنَّما الراحةُ في القِلَّة. وطلبوا الكرامة من الخلق، ألا وإنَّما هي في التقوى. وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين، وفي طعامٍ طيبٍ، والنعمة في الإسلام والسِّترِ والعافيةِ (٨). وكان يقول: لولا قيامُ الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وما أحبُّ البقاء لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار (٩).

стр. 5082

وقال: أهلُ الطاعة في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم، وربَّما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربَّما رأيت القلْبَ يضحك ضحكًا (١). وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: بينا أنا ساجد إذ ذَهب بي النَّوْم (٢)، فإذا أنا بها -يعني: الحوراء- قد ركَضَتْني برجلها، فقالت: حبيبي، أترقدُ عيناك والمَلِكُ يَقْظَان ينظر إلى المتهجّدين في تهجُّدِهم؟ بؤسًا لعين آثرت لَذَّةَ نومةٍ على لَذَّةِ مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضُهم بعضًا، فما هذا الرُّقاد؟! حبيبي وقرَّةَ عيني، أترقدُ عيناك وأنا أُربَّى لك في الخُدور منذ كذا وكذا؟ فوثبْتُ فزِعًا وقد عَرِقْتُ استحياءً من توبيخها إيَّاي، وإنَّ حلاوة منطِقها لفي سمعي وقلبي (٣). وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: زُجِرْتُ البارحةَ في منامي. قلت: ما الذي حلَّ بك (٤)؟ قال: بينا أنا قد غفوت في محرابي إذ وقفْتُ على جاريةٍ تفوق الدنيا حسنًا، وبيدها ورفة، وهي تقول: أتنام يا شيخ؟ فقلت: من غلبثه عينُه نام. فقالت: كلا، إنَّ طالب الجنة لا ينام، فقالت: أتقرأ؟ فأخذت الورقة من يدها، فإذا فيها مكتوب (٥): لَهَتْ بكَ لَذَّةٌ عنْ حسنِ عيشٍ … معَ الخيراتِ في غُرفِ الجنانِ تعيشُ مخلّدًا لا موتَ فيها … وتنعمُ في الجنانِ معَ الحسانِ تيقَّظْ من منامِكَ إنَّ خيرًا … منَ النومِ التهجّد بالقرانِ وقال أبو سليمان: أما يستحي أحدهم أن يلبَسَ عباءةً بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم (٦)؟! وقال أيضًا: لا يجوز لأحدٍ أن يُظهر للناس الزهدَ والشهواتُ في قلبه، فإذا لم يبقَ في قلبه شيءٌ من شهواتِ الدنيا جاز له أن يظهر للناس الزُّهدَ بلبس العَبَاء (٧)، فإنَّها عَلَمٌ من أعلام الزُّهاد، ولو لبس ثوبين أبيضين ليسترَ بها أبصار الناس عنه كان أسلم لزهده (٨).

стр. 5083

وكان يقول: إذا رأيتَ الصوفيَّ يتنوَّق (١) في الصوف فليس بصوفيٍّ (٢). وخيارُ هذه الأمة أصحابُ القُطنِ؛ أبو بكر الصدِّيق وأصحابة (٣). وقال أبو سليمان: إنَّما الأخ الذي يعظك برؤيته قبلَ كلامِهِ، وقد كنتُ أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فأنتفع (٤) برؤيته شهرًا. وقال أبو سليمان: قال اللَّه تعالى: عبدي، إنك ما استحييتَ مني أنسيْتُ النَّاسَ عيوبَكَ، وأنسيْتُ بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوْتُ زلاتِك من أُمِّ الكتاب، ولا أناقشك في الحساب يومَ القيامة (٥). وقال أحمد بن أبي الحواري: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: واللَّه إنَّك لا تقدرُ عليه في الذي تحبُّ، فكيفَ فيما تكره (٦)؟. وقال أحمد: تنهدْتُ عنده يومًا، فقال: إنَّك مسؤولٌ عنها يوم القيامة، فإنْ كانت على ذنبٍ سَلَفَ فطُوبى لك، وإن كانت على الدنيا فويلٌ لك (٧). وقال: إنَّما رَجَعَ مَن رَجَع من الطريق قبلَ الوصول، ولو وصلوا إلى اللَّه ما رَجَعوا (٨). وقال: إنَّما عَصَى اللَّهَ من عصاه لهوانهم عليه، ولو كرموا [عليه] (٩) لحجزهم عن معاصيه (١٠). وقال: جُلَسَاءُ الرحمن يومَ القيامة مَنْ جعل فيهم خصالًا: الكرَم، والحلم، والحكمة، والرَّحمة، والرِّقَّة، والفضل، والصفح، والإحسان، والبرَّ، والعفو، واللطف (١١). وذكر أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ في كثاب "محن المشايخ": أنَّ أبا سليمان الدارانيَّ أُخرج من

стр. 5084

دمشق، وقالوا: إنه يزعم أنَّه يرى الملائكة ويكلّمونه، فخرج إلى بعض الثغور، فرأى بعضُ أهل دمشق: أنه إن لم يرجع إليكم هلكتم. فخرجوا في طلبه وتشفَّعُوا إليه حتَّى ردُّوه (١). وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال، فقيل: سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة خمس ومئتين، وقيل: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة خمس وثلاثين، واللَّه أعلم. وقد قال مروان الطَّاطَريُّ (٢) يوم مات أبو سليمان: لقد أصيبَ به أهلُ الإسلام كلُّهم (٣). قلت: وقد دفن في قرية دارَيَّا، وقبره بها مشهور وعليه بناءٌ، وقبلته مسجد بناه الأمير ناهض الدين عمر المهراني، ووقف على المقيمين عنده وقفًا يدخل عليهم منه غلة، وقد جُدد مزارُه في زماننا هذا، ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لموضع دفنه بالكلية، وهذا عجيب منه. وروى ابنُ عساكر، عن أحمد بن أبي الحواري، قال: كنت أشتهي ان أرى أبا سليمان في المنام، فرأيتُه بعد سنة، فقلت: ما فعلَ اللَّهُ بك يا معلّم؟ فقال: يا أحمدُ، دخلت يومًا من باب الصَّغير فرأيت حِمْلَ شِيحٍ (٤)، فأخذتُ منه عودًا، فما أدري تخلَّلتُ به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن (٥). وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحوٍ من سنتين، رحمهما اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة ست ومئتين فيها: ولَّى المأمون داودَ بن ماسجور بلاد البصرة، وكُور (٦) دِجْلَة، واليمامة، والبحرين، وأمره بمحاربة الزُّطّ. وفيها: جاء مدٌّ كثير فغرق بلاد أرض السواد، وأهلك للناس شيئًا كثيرًا. وفيها: ولَّى المأمون عبدَ اللَّه بن طاهر بن الحسين الرَّقَّة، وأمره بمحاربة نَصْر بن شَبَثٍ، وذلك أن

стр. 5085

نائبها يحيى بن معاذ مات، وقد كان استخلَفَ مكانه ابنَه أحمد، فلم يمض ذلك المأمون، واستناب عليها عبدَ اللَّه بن طاهر، لشهامته وبصَرِه بالأمور، وحثَّه على قتال نَصْر بن شَبَث، وقد كَتَبَ إليه أبوه من خراسان بكتابٍ فيه الأمر له بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع الكتاب والسنة. وقد ذكره ابنُ جرير (١) بطوله، وقد تداوله الناسُ بينهم واستحسنوه وتهادَوه بينهم، حتى بلغ أمرُه إلى المأمون، فأمر فقرئ بين يديه، فاستجاده جدًا، وأمر أن يكتب به نسخٌ إلى سائر العمال في الأقاليم. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيد اللَّه بن الحسن نائب الحرمين. وفيها توفي من الأعيان: إسحاق بن بشر الكاهلي أبو حذيفة صاحب كتاب "المبتدأ" (٢). وحجَّاج بن محمد الأعور (٣). وداود بن المُحَبَّر الذي وضع "كتاب العقل" (٤). وشَبَابة بن سَوَّار (٥). ومحاضر بن المُوَرِّع (٦). وقُطْرُب صاحب "المثلَّث" في اللغة (٧).

стр. 5086

ووَهْب بن جَرير (١). ويزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد (٢). ثم دخلت سنة سبع ومئتين فيها خَرَجَ عبدُ الرحمن بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ببلاد عَكّ، في اليمن، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد ﷺ . وذلك أنَّ العمال باليمن أساؤوا السيرة إلى الرعايا، فلما ظهر عبد الرحمن هذا بايعه الناس، فلمَّا بلغ أمره إلى المأمون بعث إليه دينارَ بنَ عبد اللَّه في جيشٍ كثيفٍ، ومعه كتابُ أمانٍ لعبد الرحمن إن هو سمعَ وأطاع، فحضروا الموسمَ، ثمَّ ساروا إلى اليمن، فلمَّا انتهَوا إلى عبد الرحمن بعث إليه دينار بكتاب الأمان، فقبله وسمع وأطاع، وجاء حتَّى وَضَعَ يدَه في يد دينار، فسار معه إلى بغداد ولَبِسَ السَّوادَ. وفيها: توفي طاهر بن الحسين بن مصعب نائب العراق بكمالها وخراسان، وُجد في فراشه ميتًا بعدَما صلَّى عشاءَ الآخرة، والتفَّ في الفراش، فاستبطأ أهلُه خروجَه لصلاة الفجر، فدخل عليه أخوه وعمُّه فوجداه ميتًا، فلمَّا بلغ موتُه المأمونَ قال: لليدين وللفم، [الحمدُ اللَّه الذي قدَّمه وأخَّرنا] (٣). وذلك أنَّه بلَغه أنَّه خطب يومًا فلم يدعُ له فوق المنبر، ومع هذا ولَّى ولدَه عبدَ اللَّه مكانَه، مع إضافة الجزيرة والشام إلى نيابته، فاستخلف عبدُ اللَّه على خراسان أخاه طلحة بن طاهر سبعَ سنين، ثم توفي طلحة فاستقلَّ عبدُ اللَّه بجميع تلك البلاد. وكان نائب عبد اللَّه بن طاهر على بغداد إسحاق بن إبراهيم. وقد كان طاهر بن الحسين هذا هو الذي انتزع بغداد وأرض العراق بكمالها من يد الأمين بن الرشيد وقتله أيضًا. واستوسق الأمر للمأمون كما ذكرنا في سنة خمس وتسعين، وقد دخل يومًا طاهر هذا على المأمون فسأله حاجة فقضاها له، ثم نظر إليه المأمونُ واغرورقت عيناه، فقال له: ما يبكيك يا أميرَ المؤمنين؟! فلم يخبره، فأعطَى طاهرٌ حسينًا الخادمَ مئتي ألف درهم حتَّى استعلَم له ما كان خبر بكائه، فقال له: لا تخبر به أحدًا، أقتلك، ذكرت مقتل أخي وما ناله من الإهانة على يدي طاهر، وواللَّه لا يفوته مني ما يكره.

стр. 5087

فلما تحقق طاهر ذلك سعَى في النقلة من بين يديه، ولم يزل حتَّى ولاه المأمون خراسان، وأطلق له خادمًا من خدامه، وعهد إلى الخادم إن رأى منه شيئًا يريبه أن يسمَّه (١). فلما خطب يوم الجمعة ولم يَدْعُ للمأمون سمَّه الخادمُ في كامَخٍ (٢) فمات من ليلته. وقد كان طاهرٌ هذا يقال له: ذو اليمينين، وكان بفرد عين. فقال فيه عمرو بن بانة (٣). يا ذا اليمينينِ وعَينٍ واحِدَهْ … نُقْصَانُ عَيْنٍ ويَمينٌ زائدَهْ واختلف في معنى كونه ذا اليمينين، فقيل: لأنه ضَرَبَ رجلًا بشماله فقدَّه نصفين، ويحتمل أنَّه لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه وُلِّي العراقَ وخراسانَ. وقد كان كريمًا ممدّحًا، يحبُّ الشعر (٤) ويجزي عليهْ الجزيلَ؛ ركب يومًا في حرَّاقةٍ، فقال فيه شاعرٌ (٥): عجبتُ لحرَّاقةِ (٦) ابنِ الحسينِ … لا غرقَتْ كيفَ لا تَغْرَقُ وبَحْرانِ من فوقها واحدٌ … وآخَرُ مِن تحتِها مُطبِقُ وأعجبُ مِن ذاك أعْوادُها … وقد مسَّها كيفَ لا تُورِقُ فأجازَهُ بثلاثة آلاف دينار. وقال: إن زدتنا زدناك. قال ابن خلّكان (٧): وما أحسَنَ ما قاله بعضُ الشعراء في بعضِ الرؤساء وقد ركب البحرَ: ولمَّا امْتَطَى البَحْرَ ابْتَهَلْتُ تضرُّعًا … إلى اللَّهِ يا مُجرِي الرِّياحِ بلطفِهِ جعلْتَ النَّدَى مِنْ كفِّهِ مثلَ مَوْجِهِ … فسلِّمْه واجْعَلْ مَوْجَهُ مثلَ كَفِّهِ

стр. 5088

قال القاضي ابن خلكان: مات طاهر بن الحسين هذا يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع (١) ومئتين، وكان مولده سنة تسع (٢) وخمسين ومئة. وكان الذي سار إلى عبد اللَّه بن طاهر وهو بأرض الرقّة يعزِّيه في أبيه ويهنِّئه بولاية تلك البلاد، القاضي يحيى بن أكثم عن أمر المأمون. وفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والكوفة والبصرة، حتَّى بلغ سعرُ القفيز من الحنطة أربعين درهمًا (٣). وحجَّ بالناس في هذه السنة أبو علي (٤) بن الرشيد هارون أخو المأمون. وفيها توفي من الأعيان: بِشْر بن عمر الزهرانيُّ (٥). وجعفر بن عَوْن (٦). وعبد الصَّمد بن عبد الوارث (٧). وقُرَاد أبو نوح (٨). وكثير بن هشام (٩). ومحمد بن كُنَاسَة (١٠).

стр. 5089

ومحمد بن عمر الواقِديّ قاضي بغداد وصاحبُ السير والمغازي (١). وأبو النَّضْر هاشم بن القاسم (٢). والهيثم بن عَديّ صاحب التصانيف (٣). ويحيى بن زياد بن عبد اللَّه بن منظور (٤): أبو زكريا الكوفيُّ، نزيل بغداد، مولى بني سعد المشهور بالفرَّاء، شيخُ النحاة واللغويين والقرَّاء، وكان يقال له: أميرُ المؤمنين في النحو. روى الحديث عن خازم بن الحسين (٥) البصري، عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، قال: "قرأ رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر وعثمان: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] بالألف" (٦). رواه الخطيبُ، قال وكان ثقةً إمامًا. وذكر (٧) أنَّ المأمون أمره بوضع كتابٍ في النحو، فأملاه، وكتبَهُ الناسُ عنه، وأمر المأمونُ بكَتْبه في الخزائن. وأنَّه كان يؤدِّبُ ولديه وليي العهد، فقام يومًا، فابتدراه أيُّهما يقدِّم نعليه، فتنازعا في ذلك، ثم اصطلحا على أن يقدِّمَ كلُّ واحدٍ نعلًا، فأطلق لهما أبوهما عشرين ألفَ دينارٍ، وللفرَّاء عشرةَ آلافِ درهم. وقال له: لا أعزَّ منك إذ يقدِّم نعليك وليَّا العهدِ (٨). ورُوي أنَّ بِشرًا المَرِيسيَّ، أو محمد بن الحسن، سألَ الفرَّاء عن رجلٍ سَهَا في سجدتي السهو، فقال: لا شيءَ عليه. قال: ولم؟ قال: لأنَّ أصحابنا قالوا: المصغَّر لا يُصغَّر. فقال: ما ظننتُ أنَّ

стр. 5090

امراةً تلِدُ مثلَك (١). والمشهور: أنَّ محمدًا [هو الذي] (٢) سأله عن ذلك، كان ابنَ خالة الفرَّاء (٣). وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصُّوليُّ: توفي الفرَّاءُ سنة سبع ومئتين (٤). قال الخطيب (٥): وكانت وفاته ببغداد، وقيل: بطريق مكة، وقد امتدحوه وأثنوا عليه في مصنّفاته. ثم دخلت سنة ثمان ومئتين فيها: ذَهَبَ الحسنُ بن الحسين بن مُصْعَب أخو طاهرٍ فارًّا من خُراسان إلى كَرْمان، فعصَى بها، فسار إليه أحمدُ بن أبي خالد، فحاصره حتَّى نزَل قهرًا، فذهب به إلى المأمون فعفا عنه، فاستحسن ذلك منه (٦). وفيها: استعفَى محمد بن سَماعَة من القضاء، فأعفاه المأمونُ وولَّى مكانه إسماعيلَ بنَ حَمَّاد بن أبي حنيفة (٧). وفيها: ولَّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزوميَّ القضاءَ بعسكر المهدي في شهر المحرم، ثم عزله عن قريب، وولَّى مكانه بِشرَ بن الوليد (٨) الكنديّ في شهر ربيع الأول منها (٩). فقال المخزوميُّ في ذلك (١٠): يا أيُّها (١١) الملِكُ المُوحِّدُ رَبَّهُ … قَاضِيكَ بِشْرُ بنُ الوليدِ حِمارُ يَنفي شَهَادَةَ مَنْ يَدينُ بما بِهِ … نَطَقَ الكِتابُ وجاءَتِ الآثار (١٢)

стр. 5091

ويَعُدُّ عَدْلًا مَنْ يَقُولُ بأنَّهُ … شيخٌ تحيطُ بجسمِهِ الأقطارُ وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن هارون الرشيد عن أمر أخيه المأمون. وتوفي فيها من الأعيان: الأسود بن عامر (١). وسعيد بن عامر (٢). وعبد اللَّه بن بكر أحد مشايخ الحديث (٣). والفضل بن الربيع الحاجب (٤). ومحمد بن مُصْعَب (٥). وموسى بن محمد الأمين، الذي كان قد ولَّاه العهدَ من بعده، ولقَّبه بالناطق بالحقِّ، ولم يتمّ له أمره حتَّى قتل أبوه وكان ما كان. ويحيى بن أبي بُكَيْر (٦). ويحيى بن حَسَّان (٧). ويعقوب بن إبراهيم الزُّهريّ (٨).

стр. 5092

ويونس بن محمد المؤدِّب (١). وفاة السيدة نَفيسَة (٢): فيها: كانت وفاة السيّدة نَفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، القرشية الهاشمية، كان أبوها نائبًا للمنصور على المدينة النبويّة خمس سنين، ثم غضب أبو جعفر المنصور [عليه] فعزله عنها، وأخذ منه كُلَّ ما كان جمعه منها، وأودَعَه السّجنَ ببغداد. فلم يزل به حتَّى توفي المنصور، فأطلقه المهديُّ، وأطلَقَ له كُلَّ ما كان أُخذ منه، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومئة، فلمَّا كان بالحاجِر (٣) توفي الحسن بن زيد عن خمس وثمانين سنة. وقد روى له النسائي حديثًا عن عِكْرمة، عن ابن عباس: "أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ احتجَمَ وهو مُحرِمٌ" (٤). وقد ضعَّفَه ابنُ معين وابن عدي، ووثَّقه ابنُ حبان. وذكره الزبيرُ بنُ بكار وأثنى عليه في رِياسته وشهامته (٥). والمقصود أنَّ ابنته الست نَفيسةَ دخلت إلى الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر [الصادق] (٦)، فأقامت بها، وكانت ذاتَ مالٍ وإحسان إلى الجذمى (٧) والزَّمْنى (٨) والمَرْضَى وعمومِ الناس، وكانت عابدةً زاهدةً كثيرةَ الخير. ولمَّا وَرَدَ الشافعيُّ الدّيار المصريّة كانت تحسن إليه، وربَّما صلَّى بها في شهر رمضان. وحين توفي أمرت بجنازته فأُدخلت إلها المنزلَ فصلّت عليه.

стр. 5093

ولمَّا توفيت عزم زوجُها إسحاق بن جعفر أن ينقلَها إلى المدينة النبويّة، فمنعه أهلُ مصر من ذلك، وسألوه أن يتركها (١) عندهم، فدُفنت في المنزل الذي كانت تسكنه في محلةٍ كانت تُعرف قديمًا بدَرْبِ السّباع، بين مصر والقاهرة اليوم، وقد بادت تلك المحلة فلم يبق هناك سوى قبرها. وكانت وفاتُها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره القاضي شمس الدين ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (٢). قال: ولأهل مصر فيها اعتقاد، وإلى الآن، وقد بالغ العامة في أمرها كثيرًا جدًا، ويطلقون فيها عبارات فيها مجازفة وألفاظ كثيرة ينبغي أن يعرفوا بأنَّها لا يجوز إطلاقها في مثل أمرها. وربَّما نسبَها بعضُهم إلى زَيْن العابدين (٣)، وليست من سلالته. والذي ينبغي أن يعتقد فيها من الصلاح ما يليق بأمثالها من النساء الصالحات (٤)، رحمها اللَّه وأكرمها، وجعل الجنَّة منزلها. الفَضْلُ بنُ الرَّبيع (٥): ابن يونس بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة كيسان، ولي عثمان بن عفان، الذي كان زوال دولة البرامكة على يديه، وقد وُزِّر [بعدهم] (٦) للرشيد، وقد كان متمكِّنًا من الرشيد، وكان شديدَ التشبُّه بالبرامكة، وكانوا يتشبَّهون (٧) به، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدَّم (٨). وذكر القاضي ابنُ خلكان (٩) أنَّه دخل يومًا على يحيى بن خَالدٍ وابنُهُ جعفر يوقِّعُ بين يديه، ومع الفضل بن الربيع عَشرُ قِصَصٍ، فلم يقضِ له [منها] (١٠) واحدة، بل يتعلل عليه في كلِّ واحدةٍ منها، فجمعهنَّ الفضلُ بن الرَّبيع، وقال: ارجِعْنَ خائباتٍ خاسئات، ثم نهض وهو يقول:

стр. 5094

عَسَى وعَسَى يَثني الزمانُ عِنانَهُ … بتصريفِ حالٍ والزمانُ عَثُورُ فتُقضَى لُبانَاتٌ وتشفى حسائفٌ (١) … وتَحدُثُ مِن بعدِ الأمورِ أمورُ فسمعه الوزير يحيى بن خالد، فقال له: أقسمْتُ عليك لمَا رجعتَ، وأخذ من يده القِصَص فوقَّع عليها. ثم لم يزل يحفِرُ خلفهم حتَّى تمكَّن منهم، وتولَّى الوزارةَ بعدهم، وفي ذلك يقول أبو نواس (٢): ما رعَى الدّهرُ آلَ بَرْمَكَ لمَّا … أنْ رَمَى مُلكَهُمْ بأمرٍ فظيعِ إنَّ دهرًا لم يَرْعَ عهدًا لِيحيى … غيرُ راعٍ ذِمَامَ آلِ الرَّبيعِ ثم وُزِّر من بعد الرشيد لابنه الأمين، فلمَّا دخل المأمونُ بغدادَ اخْتَفَى، فأرسل له ذِمامًا (٣). فخرج، ولم يزل خاملًا حتَّى مات في هذه السنة، وله ثمان وستون سنة، ﵀. ثم دخلت سنة تسع ومئتين فيها: حصر عبدُ اللَّه بن طاهر نَصْرَ بنَ شَبَث (٤) بعدما حاربَه خمسَ سنين، فلمَّا حصره في هذه السنة، ضيَّق عليه جدًا حتى ألجأه إلى أن طلب من عبد اللَّه بن طاهر الأمانَ، فكتبَ ابنُ طاهر إلى المأمون يعلمه بذلك، فبعث إليه المأمون يأمره بكتابة أمانٍ لنَصْر بن شَبَثَ عن أمير المؤمنين. فكتب له عبد اللَّه بن طاهر كتابَ أمانٍ، فنزل فأمر عبدُ اللَّه بتخريب المدينة التي كان متحصّنًا بها، وذَهَبَ شرُّه. وفيها: جرت حروبٌ مع بَابَكَ الخُرَّمِي فأسرَ بابك بعضَ أمراء الإسلام، أحد مقدَّمي العساكر، فكان ذلك شديدًا على المسلمين. وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس وهو والي مكة. وفيها توفي ملك الروم ميخائيل بن نقفور (جورجيس) وكان له عليهم تسع سنين، فملَّكوا عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل.

стр. 5095

وفيها توفي من مشايخ الحديث: الحىت بن موسى الأشْيَبُ (١). وأبو علي الحنفيّ (٢). وحفص بن عبد اللَّه، قاضي نيسابور (٣). وعثمان بن عُمر بن فارس (٤). ويَعْلى بن عُبَيد الطَّنافِسي (٥). [ثم دخلت] سنة عشر ومئتين في صفر منها دخل نَصْر بن شَبَث إلى بغداد، بعثه عبد اللَّه بن طاهر من الرقة، فدخلها ولم يتلقَّاه أحدٌ من الجند، بل دخل وحدَه، فأنزل في مدينة أبي جعفر، ثم حوِّل إلى موضعٍ آخر. وفي هذا الشهر ظفر المأمونُ بجماعةٍ من كبراء مَن كان بايع إبراهيمَ بنَ المهدِيّ، فعاقبهم وحبسهم في المطبق. ظهور ايراهيم بن المهدي بعد اختفائه: لمَّا كان ليلة الأحد لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر منها، اجتاز إبراهيم بن المهديّ -وله مدّة ست سنين وشهور مختفٍ من المأمون، وهو متنقِّبٌ في زي امرأة، ومعه امرأتان- في بعض الدروب في أثناء الليل، فقام الحارسُ، فقال: إلى أين هذه الساعة؟ ومن أين؟ ثم أراد أن يمسكهنَّ، فأعطاه إبراهيمُ خاتمًا كان في يده من ياقوت، فلمَّا نظر إليه الحارس استراب، وقال: إنّما هذا خاتم رجلٍ كبير الشأن، فذهب بهنَّ إلى متولي الليل، فأمرهُنَّ أن يُسفرن عن وجوههن، فتمنَّع إبراهيمُ، فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو، فعرفه، فذهب به إلى صاحب الجسر، فسلَّمه إليه،

стр. 5096

فرفعه الآخر إلى نائب (١) المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابُه على رأسه، والمِلْحَفَةُ (٢) في صدره، ليراه الناسُ، وليعلموا كيفَ أُخِذ. فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراسِ عليه مدَّةً، ثم أطلقه ورضي عنه (٣). هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه، لكنَّهم أرادوا الفَتْكَ بالموكّلين بالسجن، ويهربون منه، فصلَبَ منهم أربعةً. وقد ذكروا: أنَّ إبراهيم بن المهدي لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرع في تأنيبه، فترقَّق له عمُّه إبراهيمُ كثيرًا، وقال: يا أميرَ المؤمنين! إنْ تعاقبْ فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلِكَ. فقال: بل أعفو يا إبراهيمُ! إنَّ القدرة تذهب بالحفيظة (٤)، والندم توبة، وبينهما عفو اللَّه ، وهو أكبر ما تسأله، فكبَّر إبراهيمُ وسجَدَ شكرًا للَّه . وقد امتدح إبراهيمُ بنُ المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالَغَ فيها، فلمَّا سمعها المأمونُ، قال: أقولُ كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]. وذكر الحافظ ابنُ عساكر (٥): أنَّ المأمون لمَّا عفا عنه أَمَرَه أن يغنّيه شيئًا، فقال: إنِّي تركته. فأَمَرَه، فأخَذَ العُودَ في حجره، وقال: هذا مقام مشرَّدٍ … خربَتْ منازلُهُ ودورُهْ نمَّتْ عليه عداتُهُ … كذِبًا فعاقَبَهُ أميرُهْ ثم عاد فقال (٦): ذهبْتُ مِن الدُّنيا وقد ذهبَتْ منِّي … لَوى الدَّهْرُ بي عنها ووَلَّى بها عَنِّي فإنْ أبكِ نفسِي أبْكِ نَفسًا عَزِيزةَ … وإنْ أحتقِرْها أحتقِرْها على رَصْنِ (٧)

стр. 5097

وإنِّي وإنْ كنتُ المسيءَ (١) بِعَيْنِهِ … فإنِّي بربِّي مُوقنٌ حَسَنُ الظنِّ (٢) عَدَوْتُ على نفسي فعادَ بعفوِهِ … عليَّ فعادَ العفوُ مَنًّا على مَنِّ فقال المأمون: أحسنتَ يا أميرَ المؤمنين حقًّا. فرمَى العودَ من حجره ووثَبَ قائمًا فزعًا من هذا الكلام، فقال له المأمون: اقعد واسكن، مرحبًا بك، لم يكن ذلك لشيءٍ تتوهّمه، وواللَّه لا رأيتَ (٣) طولَ أيامي شيئًا تكرهه وتغتمُّ به. ثم أمر له بردِّ جميع ما كان له من الأموال والضياع والدُّور، فردَّت إليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وخلَع عليه، وخرج من عنده مكرَّمًا معظّمًا. عرس بُوران (٤): وفي رمضان منها بنى المأمونُ ببوران بنت الحسن بن سهل، وقيل: إنه خرج من بغداد في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفَم الصِّلْح (٥)، وكان [الحسن] قد عوفي من مرضه ذلك، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم، فدخل ببوران في شوَّال من هذه السنة في ليلةٍ عظيمة، وقد أُشعلت بين يديه شموع العنبر، ونُثر على رأسه الدرُّ والجوهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر. وقد كان عددُ الجوهر منه ألفَ درّةٍ، فأمر به فجمع في صينيته التي كان فيها من الذهب، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّما نثرناه لتلتقطه الجواري، فقال: لا أنا أعوّض من ذلك، فجمع ذلك كله. فلمَّا جاءت العروسُ ومعها جَدّتها (٦)، وزُبيدة أمّ الأمين -من جملة من جاء معها- فأُجلست إلى جانبه، فصبَّ في حِجْرها ذلك الجوهرَ، وقال: هذا نِحْلةٌ منّي لك، وسلي حاجتك، فأطرقت حياءً. فقالت جدَّتُها: تكلمي وسلي من سيدك ما أمرك به. فقالت: يا أمير المؤمنين، أسألك أنْ ترضَى عن عمِّك إبراهيمَ بنِ المهدي. وأن تردَّه إلى منزلته التي كان فيها قبل ذلك. فقال: نعم! قالت: وأمّ جَعفر -تعني: زُبيدة- تأذن لها في الحجّ. قال: نعم! فخلعت عليها زبيدة بذلتها (٧) الأميرية، وأطلقت لها قرية مقوَّرة. وأمَّا والدُ العروس الحسنُ بن سهل فإنَّه كتب أسماء قُراه (٨) وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على

стр. 5098

الأمراء ووجوه الناس، فمن وقعت في يده منها رقعة بعث إلى القرية التي فيها نوابه، فتسلَّمها (١) ملكًا خالصًا. وأنفق على المأمون، ومن معه من الجيشِ في مدة مقامه عنده سبعة عشر يومًا ما يعادل خمسين ألفَ ألفِ درهمٍ. ولمَّا أراد المأمونُ الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه البلده التي هو نازل بها، وهو إقليم فم الصِّلْح، مضافًا إلى ما بيده من الإقطاعات. ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال من هذه السنة. وفي هذه السنة ركبَ عبدُ اللَّه بن طاهر إلى الديار المصرية فاستنقذها بأمر المأمون من يدي عُبَيْد (٢) اللَّه بن السَّرِي بن الحكم المتغلب بها (٣)، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها (٤). وفيها: توفي من الأعيان: أبو عمرو الشَّيْباني اللغوي، واسمُه إسحاق بن مِرار (٥). ومَروان بن محمد الطَّاطَريُّ (٦). ويحيى بن إسحاق (٧). ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئتين وفيها توفي من الأعيان: أبو الجوَّاب (٨).

стр. 5099

وطَلْقُ بنُ غَنَّام (١). وعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني صاحب "المصنّف" و"المسند" (٢). وعبد اللَّه بن صالح العِجليّ (٣). وأبو العتاهية الشاهر المُفْلِق المشهور (٤): واسمه إسماعيل بن القاسم بن سُويد بن كيسان، أصلُه من الحجاز، وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار أولًا، ثم حظي عند الخلفاء (٥)، لا سيما المهدي. وقد كان مع هذا يتعشّق جارية للمهدي اسمها عُتْبةُ، وقد طلبها من الخليفة غير مرة، فإذا سمح بها لا تريده الجاريةُ، وتقول للخليفة: أتعطيني لرجل دميم الخلق كان يبيع الجِرار؟ فكان يُكثر التغزّل فيها، وشاع أمره واشتهر بها، وكان المهديُّ يفهم ذلك. وقد اتفق في بعض الأحيان أن استدعى الخليفة المهدي الشعراء إلى مجلسه فاجتمعوا، وكان فيهم بشار بن برد الأعمى، فسمع صوتَ أبي العتاهية، فقال لجليسه: أثَمَّ هاهنا أبو العتاهية؟ [قال: نعم] (٦). فانطلق ينشده قصيدته فيها التي أولها (٧): ألا ما لِسَيِّدَتي ما لَها … أدَلَّتْ فأحْمِلَ إدْلالَها فقال بشار لجليسه: ما رأيتُ أجسَرَ من هذا، حتى انتهى أبو العتاهية إلى قوله: أتَتْهُ الخِلافَةُ مُنْقَادَةً … إليهِ تُجَرِّرُ أذْيَالَها فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إلا لَهُ … وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إلا لَها ولو رامَها أحَدٌ غَيْرُهُ … لَزُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَها وَلَوْ لَمْ تُطِعْهُ بَناتُ القُلُوبِ … لَما قَبِلَ اللَّهُ أعمْالَها فقال بشارٌ لجليسه: انظر ويحك! أطارَ الخليفةُ عن فراشه؟ قال: فواللَّه ما خَرَجَ أحدٌ من الشعراء يومئذٍ بجائزةٍ غيره.

стр. 5100

قال ابنُ خلكان (١): اجتمع أبو العتاهية بأبي نواس -وكان في طبقته وطبقةِ بشار بن برد- فقال أبو العتاهية لأبي نواس: كم تعملُ في اليوم من الشعر؟ قال: بيتًا أو بيتين. فقال: لكنّي أعمَلُ المئة والمئتين. فقال أبو نواس: لأنك تعملُ (٢) مثلَ قولك (٣): يا عُتْبُ مالي ولَكِ … يا لَيْتَنِي لَمْ أرَكِ ولو أردْتُ مثلَ هذا الألفَ والألفين لقدرتُ عليه وأنا أعمل مثل قولي (٤): من كفِّ ذاتِ حِرٍ في زيِّ ذي ذَكَرٍ … لها مُحِبَّانِ: لوطيٌّ وَزَنَّاءُ ولو أردْتَ مثلَ هذا لأعجزكَ الدَّهْرَ. قال ابنُ خلكان (٥): ومن لطيف شعر أبي العتاهية (٦): وَلَقَدْ (٧) صَبَوْتُ إليكِ حتّى … صارَ مِن فَرْطِ التَّصابي يَجِدُ الجَلِيسُ إذا دَنا … رِيحَ التَّصابي في ثِيابي قال ابن خلكان (٨): وأشعاره كثيرة ومولده سنة ثلاثين ومئة. وتوفي يوم الإثنين ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة ثلاثَ عشرة [ومئتين]، وأوصى أن يكتب على قبره ببغداد (٩): إنَّ عَيْشًا يكونُ آخرَهُ المَوْ … تُ لَعَيْشٌ مُعَجَّلُ التَّنْغِيصِ ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومئتين فيها: وجَّه المأمونُ محمد بن حُميد الطوسيَّ على طريق الموصل لمحارلة بابك الخُرّميّ في أرض أذْرَبيجان، فأخذ جماعة من المتغلبين فيها، فبعث بهم إلى المأمون أسراء إلى بغداد. وفي ربيع الأول من هذه السنة أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أطَمُّ من الأخرى،

стр. 5101

وهي: القولُ بخلق القرآن، والأخرى: تفضيل عليّ بن أبي طالب على الناس بعد رسولِ اللَّه ﷺ . وقد أخطأ في كلٍّ من هذين المذهبين خطأ كبيرًا، وأثم إثمًا عظيمًا، [ومن العلماء من يكفّر من يقول بخلق القرآن، كما سيأتي ذلك في موضعه] (١). وحجَّ بالناس عبدُ اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس. وفيها توفي من الأعيان: أسد بن موسى، الذي يقال له أسدُ السُّنَّة (٢). والحسين بن حَفص (٣). وأبو عاصم النَّبيل، الضَّحَّاك بن مَخْلَد (٤). وأبو المُغيرة، عبدُ القدُّوس بن الحجَّاج الشامي الحمصي (٥). ومحمد بن يوسف (٦) الفِريابيّ، شيخ البخاري. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئتين فيها: ثار رجلان بمصر، وهما: عبدُ السلام، وابن جَليس، فخلعا المأمون واستحوذا على الديار المصرية، وتابعها طائفة من القيسيّة واليمانية، فولَّى المأمون أخاه أبا إسحاق نيابة الشام [ومصر] (٧)،

стр. 5102

وولَّى ابنَه العبَّاس نيابةَ الجزيرة والثغور والعواصم، وأطلق لكلِّ منهما ولعبد اللَّه بن طاهر في ذلك اليوم خمسمئة ألف دينار. فلم يُرَ يومٌ أكثر إطلاقًا منه، أطلق فيه لهؤلاء الأمراء الثلاثة ألفَ ألف دينارٍ وخمسمئة ألف دينار. وفيها: ولَّى السند غسّان بن عباد. وحجَّ بالناس فيها أميرُ السنة الماضية. وفيها توفي من الأعيان: عبد اللَّه بن داود الخُرَيبي (١). وعبدُ اللَّه بن يزيد المُقرئ البصريّ (٢). وعُبيد اللَّه بن موسى العَبْسيّ (٣). وعمرو بن أبي سَلَمة الدِّمشقي (٤). وحكى ابنُ خلكان (٥) في "الوفيات" عن بعضهم: أنَّ في هذه السنة توفي إبراهيم بن مَاهان المَوْصِلي النَّديم (٦). وأبو العتاهية (٧). وأبو عمرو الشيباني النحوي (٨)، في يوم واحدٍ ببغداد، ولكنه صحَّح أن إبراهيم النَّديم توفي سنة ثمان وثمانين ومئة. قال السُّهيلي: وفي هذه السنة تُوفي عبدُ الملك بن هشام راوي السيرة، حكاه ابن خلِّكان (٩) عنه.

стр. 5103

والصحيح أنَّه توفي في سنة ثماني عشرة، كما نص عليه أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر" (١). والعَكَوَّك الشاعر (٢): أبو الحسن علي بن جبلة بن المسلم بن عبد الرحمن، الخراساني، ويلقَّب بالعَكَوَّك؛ لقصره وسمنه، وكان من الموالي، وولد أعمى، وقيل: بل أصابَه جدري وهو ابنُ سبع سنين، فعمي، وكان أسودَ أبرصَ، وكان شاعرًا مطبقًا فصيحًا بليغًا، وقد أئنى عليه في الشعر الجاحظُ فمن بعده. قال الجاحظُ: ما رأيت بدويًا ولا حضريًا أحسنَ إنشادًا منه (٣). فمن ذلك قوله (٤): بأبي مَنْ زارَني مُتَكتِّمًا … خائفًا مِنْ كُلِّ شيءٍ جَزِعا زَائرٌ ثَمَّ عليهِ حُسْنُهُ … كَيْفَ يُخفي اللَّيْلُ بَدْرًا طَلَعا رَصَدَ الغَفْلَةَ حتَّى أمكَنَتْ … وَرَعَى السَّامرَ حتَّى هَجَعا (٥) رَكِبَ الأهوالَ في زَوْرَتِه … ثمَّ ما سَلَّم حتَّى وَدَّعا وهو القائلُ في أبي دُلف الفاسم بن عيسى العجلي يمتدحه (٦): إنَّما الدُّنيا أبُو دُلَفٍ … بَيْنَ مَغْزَاهُ وَمُحْتَضَرِهْ فإذا وَلَّى أبُو دُلَفٍ … وَلَّتِ الدُّنيا عَلَى أثَرِهْ كلُّ مَنْ في الأرض من عَرَبٍ … بين بَادِيهِ إلى حَضَرِهْ مستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةً … يَلْبَسُها (٧) يَوْمَ مُفْتَخَرِهْ ولما بلغت المأمون هذه الأبياتُ -وهي في قصيدة طويلةٍ عارض فيها أبا نواس (٨) الحسنَ بن هانئ- فتطلَّبه المأمونُ فهَرب منه كلَّ مهرب، ثم أحضر بين يديه، فقال له: ويحك! فضَّلْت القاسمَ بن عيسى

стр. 5104

علينا. فقال: يا أمير المؤمنين، أنتم أهلُ بيتٍ اصطفاكم اللَّهُ من بين عباده، وآتاكم ملكًا عظيمًا، وإنَّما مدحته (١) على أشكاله وأقرانه. فقال: واللَّه ما أبقيت أحدًا ولا تركت، وقد أدخلتنا في الكلّ، حيث تقول: كلُّ منْ في الأرضِ مِنْ عَرَبٍ … . . . . . . . . . البيتين ومع هذا فلا أستحِلُّ قتلك بهذا، ولكن بكُفْرِكَ وشِرْكِكَ، حيثُ تقولُ في عبدٍ ذليل: أنْتَ الذي تُنْزلُ الأيَّامَ مَنْزِلَها … وَتَنْقُلُ الدَّهْرَ مِنْ حَالٍ إلى حالِ وَمَا مَدَدْتُ مَدَى طَرْفٍ إلى أحَدٍ … إلا قَضَيْتَ بأرْزَاقٍ وآجالِ ذاك اللَّهُ يفعلُه، أخرجوا لِسانَه مِنْ قَفاه. فأخرَجُوا لسانه مِن قفاه، فمات في هذه السنة، سامحه اللَّه (٢). ومن قوله يمتدح حُمَيْدَ بن عبد الحميد الطُّوسيَّ (٣): إنَّما الدُّنيا حُمَيدٌ … وأيادِيهِ الجسام (٤) فإذا وَلَّى حُمَيدٌ … فعلَى الدُّنيا السَّلامُ وقوله (٥): تكفَّلَ ساكِني الدُّنيا حُمَيد … فقد أضحَوْا له فيها عِيالا كأن أباه آدمَ كان أوْصَى … إليه أن يَعُولَهُمُ فَعَالا ولما مات حُمَيْد هذا في سنة عشر مع المأمون، بِفَم الصِّلح، قال العَكَوَّك يرثيه، قصيدة، منها قوله (٦): فأدَّبَنا ما أدَّب النَّاسَ قبلنا … ولكنَّه لم يَبْقَ للصَّبر موضِعُ

стр. 5105

وقال أبو العتاهية يرثي حُميدًا هذا (١): أبا غانِم أمَّا ذراكَ فَواسِعٌ … وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوَانِبِ مُحْكَمُ وما يَنْفَعُ المَقْبُورَ عُمْرانُ قَبْرِهِ … إذا كانَ فيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ وقد أورد ابنُ خلكان (٢) لِعَكَوَّك هذا أشعارًا جيدة تركناها اختصارًا. ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئتين في يوم السبت لخمسٍ بفين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حُمَيد وبابَك الخُرّمي، لعنه اللَّه، فقَتَلَ الخُرَّمِيُّ خلقًا كثيرًا من جيشه، وقتلَه أيضًا، وانهزم بقيَّةُ أصحاب ابنِ حُمَيْد، فإنَّا للَّه وإنا إليه راجعون. فبعث المأمون إسحاق بنَ إبراهيمَ ويحيى بن أكثم إلى عبد اللَّه بن طاهر، يخيّرانه بين خراسان، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية؛ لمحاربة (٣) بابك الخُرّمي، فاختار الإقامة بخراسان، لكثرة احتياجها إلى الضبط، وللخوف من ظهور الخوارج بها. وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الدِّيارَ المصرية، فافتتحها، واستعادها إلى السمع والطاعة، وظفر بعبد السلام، وبابن جليس فقتلهما. وفيها: خرج رجلٌ يقال له: بلال الضَّبابيّ الشّاري، فبعث إليه المأمون ابنَه العبَّاسَ في جماعةٍ من الأمراء، فقتلوا بلالًا وعادوا سالمين. وفيها: ولَّى المأمون عليَّ بن هشام الجَبَل، وقُمَّ، وأصبهان، وأذربيجان. وفيها: حجَّ بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمدُ بن خالد الوَهْبيُّ (٤). وأحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح (٥): أبو جعفر الكاتب، وَلي ديوان الرسائل للمأمون.

стр. 5106

ترجمه ابنُ عساكر وأورد من شعره قوله (١): قد يُرْزَقُ المرءُ لا مِن حسن (٢) حيلتِهِ … ويُصْرَفُ الرِّزْقُ عن ذي الحيلةِ الدَّاهي ما مَسَّني مِن غنى يومًا ولا عدمٍ … إلا وقولي عليهِ الحمدُ للَّهِ وله (٣): إذا قلتَ في شيءٍ نَعَمْ فأتمَّهُ … فإنَّ نَعَمْ دَيْنٌ على الحرِّ واجبُ وإلا فَقُلْ: لا، فاسْتَرِحْ وأرحْ بها … لئلا يَقُولَ النَّاسُ إنَّكَ كاذِبُ وله (٤): إذا المرءُ أفْشَى سِرَّهُ بلسانِهِ … فَلامَ عَلَيْهِ غيرَهُ فهوَ أحْمَقُ إذا ضَاقَ صَدْرُ المرءِ عن سِرِّ نَفسِهِ … فَصَدْرُ الَّذي اسْتَوْدَعْتَهُ السَرَّ أضْيَق وحسين (٥) بن محمد المرُّوذيّ، شيخُ الإمام أحمد. وعبدُ اللَّه بن عبد الحكم المصريّ (٦). ومعاوية بن عمرو (٧). أبو محمد عبد اللَّه بن [عبد الحكم بن] (٨) أعْيَن بن لَيْث بن رافع المصريّ (٩): أحدُ من قرأ "الموطأ" على الإمام مالك، وتفقَّه لمذهبه، وكان معظَّمًا ببلاد مصرَ، له بها ثَروةٌ وأموالٌ وافرةٌ. وحين قدِمَ الشافعيُّ مصرَ أعطاه ألفَ دينار، وجمع له من أصحابه ألفي دينارٍ أخرى.

стр. 5107

وهو والد محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، الذي صحبَ الشافعيَّ. ولمَّا توفي في هذه السنة دُفِن إلى جانب قبر الشافعي. وحين تُوفي ابنُه عبدُ الرحمن دُفِنَ إلى جانب أبيه من القبلة (١). قال ابنُ خلكان (٢): فهي ثلاثةُ أقبرٍ؛ الشافعيُّ شاميها، وهما قبلتُه، ﵏. ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئتين في أواخر المحرم من هذه السنة ركب المأمونُ في العساكر من بغدادَ قاصدًا بلاد الروم لغزوهم. واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلمَّا كان بتَكريتَ تلقَّاه محمدُ بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية، فأذِنَ له المأمونُ في الدخول على ابنته أمِّ الفضل بنت المأمون؛ وكان معقودَ العقد عليها في حياة أبيه [علي بن موسى] (٣)، فدخل بها، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز. وتلقَّاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل. وسار المأمون في جحافل كثيرةٍ إلى بلاد طَرَسُوسَ في جمادى الأولى منها، وفتح حصنًا (٤) هناك عَنْوَةً، وأمر بهدمِهِ. ثم رجع المأمون من بلاد الروم إلى دمشق، فنزلها، وعمَّر دَير مُرَّان (٥) بسفح قاسيون، وأقام بها مدَّة. وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ اللَّه بنُ عبيد اللَّه بن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو زيد الأنصاريّ. ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ (٦)

стр. 5108

ومحمد بن المبارك الصُّوريُّ (١). وقَبيصَةُ بنُ عُقْبَة (٢). وعليُّ بن الحسن بن شقيق (٣). ومكِّيّ بن إبراهيم (٤). فأمَّا أبو زيد الأنصاري (٥): فهو سعيدُ بنُ أوس بن ثابت البصريُّ اللغويُّ، أحدُ الثِّقات الأثبات، ويقال: إنه كان يَرَى ليلة القَدْر. قال أبو عثمان المازنيُّ: رأيت الأصمعيَّ جاء إلى مجلس أبي زَيْد الأنصاريِّ، فقبَّلَ رأسَه، وجلَس بين يديه، وقال: رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة (٦). قال القاضي ابنُ خلكان (٧): وله مصنفات كثيرة؛ منها: "خلق الإنسان"، و"كتاب الإبل"، و"كتاب المياه"، وكتاب "القوس والترس"، وغير ذلك. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في التي قبلها أو التي بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل: إنه قارب المئة (٨).

стр. 5109

ثم دخلت سنة ست عشرة ومئتين في هذه السنة عدا ملك الروم، وهو توفيل بن ميخائيل، فقتل جماعة من المسلمين في أرض طَرَسُوس نحوًا من ألف وستمئة إنسان. ويقال: إنه كتب أيضًا إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلمَّا قرأ المأمون ذلك نهض من فوره، فركب في الجيوش إلى بلاد الروم عَودًا على بدءٍ، وصحبته أخوه أبو إسحاق بن الرشيد نائب الشام ومصر، فافتتح بلدانًا كثيرة، صلحًا وعَنْوَةً، وافتتح أخوه ثلاثين حصنًا، وبعث المأمون يحيى بن أكثم في سَرِيَّة إلى طُوانة (١) فافتتح بلادًا كثيرة، وأسر خلقًا من الذراري وغيرهم. وقتل خلقًا من الروم، وحَرَق حصونًا عدة، ثم عاد سالمًا مؤيدًا منصورًا إلى العسكر. وأقام المأمون ببلاد الروم من منتصف جمادى الآخرة إلى النصف من شعبان، ثم عاد إلى دمشق. وقد وثب رجلٌ يقال له: عَبْدُوس الفِهريّ في شعبان من هذه السنة ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد، وقويت شوكته، واتَّبَعه خلقٌ كثيرٌ منهم، فركب المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة منها إلى الديار المصرية، فكان من أمره بها ما سنذكره. وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد وما والاها من البلاد، يأمره أن يأمرَ النَّاسَ بالتكبير عقب الصّلوات، فكان أول شيء بُدئ به في جامع المدينة والرّصافة يوم الجمعة لأربعَ عشرَة ليلة خلت من شهر رمضان من هذه السنة، أنهم لمَّا قضوا الصَّلاةَ قام الناس قيامًا، فكبَّروا ثلاث تكبيراتٍ، ثم استمروا على ذلك بقيةَ الصّلوات. وهذه بِدْعَة أحدثها المأمونُ بلا مستندٍ ولا دليلٍ، ولا معتمدٍ، فإنَّ هذا لم يفعله من قبله أحدٌ. ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنَّ رَفْعَ الصَّوت بالذكرِ كان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، حين ينصرفُ الناسُ من المكتوبة (٢)، وقد استحبَّ هذا طائفةٌ من العلماء، كابن حزم وغيره. وقال أبو الحسن بن بَطَّال (٣): المذاهبُ الأربعة وغيرهم على عدم استحباب ذلك.

стр. 5110

قال النووي: وقد رُوي عن الشافعي أنَّه قال: إنما كان ذلك ليعلَم النَّاسُ أن الذِّكرَ بعد الصَّلوات مشروعٌ، فلمَّا عُلم ذلك لم يبقَ للجهر معنًى. وهذا كما رُوي عن ابن عباس أنه كان يجهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، ليعلم الناس أنها سنة، ولهذا نظائر، واللَّه أعلم. [وأما هذه البِدْعَةُ التي أمر بها المأمونُ فإنَّها بِدْعَةٌ محدثة لم يعملْ بها أحدٌ من السَّلف. وفيها: وَقَعَ بَرْدٌ شديدٌ جدًا. وفيها: حجَّ بالناس الذي حَجَّ بهم في العام الماضي، وقيل: غيرُه، واللَّه أعلم] (١). وممن توفي فيها من الأعيان: حَبَّان بن هِلال (٢). وعبد الملك بن قُرَيب الأصْمَعي، صاحبُ اللغة والنحو والشعر وغير ذلك (٣). ومحمد بن بكَّار بن هلال (٤). وهَوْذَة بنُ خَلِيفة (٥). وَزُبَيْدَة امرأة هارون الرشيد وابنةُ عمّه (٦): وهي أم جَعْفَر أمَةُ العزيز، الملقَّبة زُبَيْدَة بنت جَعْفَر بن المنصور، أبي جعفر، عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، القرشية

стр. 5111

الهاشمية، العباسية. امرأة هارون الرشيد، وأحبُّ الناس إليه في زمانها، مع ما كان معها من الحظايا والزوجات، كما ذكرنا في ترجمته (١). وإنما لقِّبت بزُبَيْدَة؛ لأنَّ جدَّها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها، ويرقصها وهي صغيرة، ويقول لها: إنما أنت زُبْدَ زُبَيْدَة، فغلب ذلك عليها، فلا تعرف إلا به. وأصلُ اسمها أمة العزيز. وكانت من الجمال والمال والخير والديانة على جانب، ولها من الصدقات والأوقاف ووجوه القربات شيء كثير جدًا. وروى الخطيب البغدادي: أنها حجَّت فبلَغت نفقتُها في ستين يومًا أربعةً وخمسين ألف ألف درهم (٢). وأنَّها لمَّا هنَّأت المأمون بالخلافة حين دخل بغداد قالت له: لقد هنّأت نفسي بها عنك (٣) قبلَ أن أراك، ولئن كنتُ فقدْتُ ابنًا خليفةً، لقد عُوِّضت ابنًا خليفةً لم ألده، وما خسِرَ من اعْتَاضَ مثلك، ولا ثُكلت أمٌّ ملأت يدَها منك، وأنا أسأل اللَّه أجرًا على ما أخَذ، وإمتاعًا بما عوَّض (٤). وذكر (٥) أنّها تُوفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومئتين. ثم قال الخطيب: حدّثني الحسن (٦) بن محمد الخلال لفظًا، قال: وجدت (٧) بخط أبي الفتح القواس، [قال]: حدثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه الواسطي، قال: قال عبدُ اللَّه بن المبارك: رأيت زُبَيْدَة في المنام، فقلت: ما فعل اللَّه بكِ؟ فقالت: غفَر لي في أوَّل معْوَلٍ ضربت في طريق مكة. قلت: فما هذه الصُّفرة؟ قالت: دُفن بين ظهرانينا رجلٌ يقال له: بِشْر المَرِيسي (٨) زفَرت عليه جهنّم زفرة، فاقشعرَّ لها جسدي، فهذه الصُّفْرة من تلك الزَّفرة (٩). وذكر القاضي ابن خلكان أنه كان لها مئة جارية، كلهن يحفظْن القرآن العظيم، وَوِرْدُ كُلِّ واحدةٍ عُشْرُ القرآن، وكان يُسمَعُ لهنَّ في القصر دويٌّ كدويّ النحل (١٠).

стр. 5112

ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئتين في المحرم منها دخل المأمونُ الديار المصرية، ظفر بعَبْدُوس الفِهْري، فأمر فضربتْ عنقه. ثم كرَّ المأمون راجعًا إلى الشام. وفي هذه السنة ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضًا، فحاصر لؤلؤة (١) مئةَ يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عُجَيفًا، فخدعته الروم، فأسروه، فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت من أيديهم، واستمر محاصِرًا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحسَّ توفيل بقدومه انصرف هاربًا من وجهه، وبعث إليه الوزير، الذي يقال له: الصنفل، فسأله الأمان والمصالحة والمهادنة، لكنه بدأ بنفسه في كتابه إلى المأمون، فردَّ عليه المأمون كتابًا بليغًا، مضمونُه التقريعُ والتوبيخ، وإني إنَّما أقبلُ منك الدخول في الحنيفيّة، وإلا فالسيفُ والقتل. والسلام على من اتبع الهدى (٢). وحجَّ بالناس فيها سليمان بن عبد اللَّه بن سليمان بن علي. وممن توفي فيها من الأعيان: حَجَّاج بن مِنْهال (٣). وسُرَيْج بن النُّعمان (٤). وموسى بن داود الضَّبِّيّ (٥).

стр. 5113

ثم دخلت سنة ثمان (١) عشرة ومئتين في أول يوم من جمادى الأولى منها وجَّه المأمونُ ابنَه العبَّاسَ إلى بلاد الروم لبناء الطُّوانة، وتجديد عمارتها. وبعث إلى سائر الأقاليم والآفاق في تجهيز الفَعَلَةِ (٢) من كلّ بلدٍ إليها، من مصر والشام والعراق وغير ذلك، فاجتمع خلقٌ كثير لا يعلمهم إلا اللَّه . وأمره أن يجعلها ميلًا في ميلٍ، وأن يجعل سورَها ثلاثة فراسِخَ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب، عند كُلِّ بابٍ حِصْنٌ. ذكر أوَّل المحنة (٣): في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدّثين بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرّقة. ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه مطولة، قد سردها ابنُ جرير (٤)؛ ومضمونها الاحتجاجُ على أنَّ القرآن محدث وليس بقديم، وعنده أن كلَّ محدث فهو مخلوق، وهذا أمرٌ لا يوافقه عليه كثيرٌ من المتكلمين ولا المحدثين، فإنَّ القائلين بأنه تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية، لا يقولون بأنَّ فعله تعالى القائم بذاته المقدسه (٥) بعد أن لم يكن مخلوقًا (٦)، بل يقولون: هو محدَثٌ وليس بمخلوق، بل هو كلام اللَّه تعالى القائم بذاته المقدسة، وما كان قائمًا بالذات لا يكون مخلوقًا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] (٧). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]. فالأمر منه بالسجود صدرَ منه تعالى بعد خلقه آدم، فالكلام القائم بالذات ليس بمخلوق، وهذا له موضع آخر. وقد صنف البخاريُّ كتابًا في هذا المعنى سمَّاه "خلق أفعال العباد". والمقصود أن الكتاب (٨) لمَّا ورد بغداد قُرئ على الناس. وقد عيَّن المأمونُ جماعةً من المحدّثين

стр. 5114

ليحضرهم إليه؛ وهم: محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون (١)، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدّورقيّ (٢). فبعث بهم إلى المأمون، إلى الرقة، فامتحنهم بالقول بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقتَه وهم كارهون. فردَّهم إلى بغداد، وأمرَ بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك. وأحضر خلقًا من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم، فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدّثين في ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك. ووقعت بين الناس فتنةٌ عظيمةٌ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. ثم كتب المأمون كتابًا ثانيًا إلى إسحاق بن إبراهيم يستدلّ فيه على القول بخلق القرآن بشُبهِ من الدلائل لا تحقيق فيها، ولا حاصلَ لها، بل هي من المتشابهات، وأورد من القرآن آياتٍ هي حجة عليه لا له؛ أورده ابنُ جرير (٣) بطوله. وأمر (٤) أن يقرأ ذلك على أناس وأن يدعوهم إليه والقول به. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعةً من الأئمة، وهم: أحمد بن حنبل، وقُتَيْبة، وأبو حسّان الزِّياديُّ، وبشر بن الوليد الكِندي، وعليّ بن أبي مُقاتل، وسَعْدُويه الواسطيّ، وعليّ بن الجَعْد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهِرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن (٥) العمري، وشيخ آخر من سلالة عمر، كان قاضيًا على الرقة، وأبو نَصر التَّمَّار، وأبو مَعْمَر القَطيعيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفَرُّخان، [والنَّضْر بن شميل، وأبو علي بن عاصم، وأبو العوام الجزَّار (٦)، وابن شجاع] (٧)، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة (٨). فلمَّا دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون، فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه. قال: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك أهو مخلوقٌ؟ قال:

стр. 5115

ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أُحسن غيرَ هذا. وصمَّم على ذلك. فقال: أتشهد أن لا إلَه إلا اللَّه أحدًا فردًا، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب. ثم امتحنهم رجلًا رجلًا، فأكثرُهم امتنَعَ من القول بخلق القرآن، وإذا مانع الرجل منهم يمتحنه بالرقعة (١) التي وافق عليها بِشْرُ بن الوليد الكِنديّ؛ من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنًى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه، فيقول: نعم، كما قال [بِشر]. ولما انتهت النوبةُ إلى امتحان أحمد بن حنبل، قال له: أتقولُ إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلامُ اللَّه، لا أزيد على هذا. قال: فما تقول في هذه الرقعة؟ فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقال رجلٌ من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأُذن، بصير بعين. فقال له [إسحاق]: ما أردْتَ بقولك: سميع بصيرٌ؟ فقال: أردت منها ما أرادَه اللَّهُ منها، وهو كما وَصَفَ نفسَه، ولا أزيدُ على ذلك. فكُتبتْ جواباتُ القوم، رجل (٢) رجل، وبعث بها إلى المأمون. فصل قد تقدَّم: أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لمَّا امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن، ونفي التشبيه، فأجابوا كلُّهم إلى نفي المماثلة. وأما القولُ بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك، وقالوا كلهم: القرآن كلام اللَّه. قال الإمام أحمد: ولا أزيدُ على هذا حَرْفًا أبدًا، وقرأ في نفي المماثلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فقالوا: ما أردْتَ بقولك: السَّميع البصير؟ فقال: أردْتُ منها ما أراد اللَّه منها. وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مُصانعة مكرهًا؛ لأنَّهم كانوا يعزِلون مَن لا يجيبُ عن وظائفه، وإن كان له رِزْقٌ على بيت المال قُطِعَ، وإن كان مفتيًا مُنع من الإفتاء، وإن كان شيخَ حديثٍ، رُدِعَ عن الإسماع والأداء. ووقعت فتنة صمَّاء، ومحنة شنعاء، وداهية دهياء، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العلي العظيم، العزيز الحكيم. وأمر النائبُ إسحاق بن إبراهيم للكاتب فكتب عن كُلِّ واحدٍ منهم جوابه بعينه، وبعث به إلى
следующие страницы →