← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

الهاشمية، العباسية. امرأة هارون الرشيد، وأحبُّ الناس إليه في زمانها، مع ما كان معها من الحظايا والزوجات، كما ذكرنا في ترجمته (١). وإنما لقِّبت بزُبَيْدَة؛ لأنَّ جدَّها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها، ويرقصها وهي صغيرة، ويقول لها: إنما أنت زُبْدَ زُبَيْدَة، فغلب ذلك عليها، فلا تعرف إلا به. وأصلُ اسمها أمة العزيز. وكانت من الجمال والمال والخير والديانة على جانب، ولها من الصدقات والأوقاف ووجوه القربات شيء كثير جدًا. وروى الخطيب البغدادي: أنها حجَّت فبلَغت نفقتُها في ستين يومًا أربعةً وخمسين ألف ألف درهم (٢). وأنَّها لمَّا هنَّأت المأمون بالخلافة حين دخل بغداد قالت له: لقد هنّأت نفسي بها عنك (٣) قبلَ أن أراك، ولئن كنتُ فقدْتُ ابنًا خليفةً، لقد عُوِّضت ابنًا خليفةً لم ألده، وما خسِرَ من اعْتَاضَ مثلك، ولا ثُكلت أمٌّ ملأت يدَها منك، وأنا أسأل اللَّه أجرًا على ما أخَذ، وإمتاعًا بما عوَّض (٤). وذكر (٥) أنّها تُوفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومئتين. ثم قال الخطيب: حدّثني الحسن (٦) بن محمد الخلال لفظًا، قال: وجدت (٧) بخط أبي الفتح القواس، [قال]: حدثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه الواسطي، قال: قال عبدُ اللَّه بن المبارك: رأيت زُبَيْدَة في المنام، فقلت: ما فعل اللَّه بكِ؟ فقالت: غفَر لي في أوَّل معْوَلٍ ضربت في طريق مكة. قلت: فما هذه الصُّفرة؟ قالت: دُفن بين ظهرانينا رجلٌ يقال له: بِشْر المَرِيسي (٨) زفَرت عليه جهنّم زفرة، فاقشعرَّ لها جسدي، فهذه الصُّفْرة من تلك الزَّفرة (٩). وذكر القاضي ابن خلكان أنه كان لها مئة جارية، كلهن يحفظْن القرآن العظيم، وَوِرْدُ كُلِّ واحدةٍ عُشْرُ القرآن، وكان يُسمَعُ لهنَّ في القصر دويٌّ كدويّ النحل (١٠).

стр. 5112

ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئتين في المحرم منها دخل المأمونُ الديار المصرية، ظفر بعَبْدُوس الفِهْري، فأمر فضربتْ عنقه. ثم كرَّ المأمون راجعًا إلى الشام. وفي هذه السنة ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضًا، فحاصر لؤلؤة (١) مئةَ يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عُجَيفًا، فخدعته الروم، فأسروه، فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت من أيديهم، واستمر محاصِرًا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحسَّ توفيل بقدومه انصرف هاربًا من وجهه، وبعث إليه الوزير، الذي يقال له: الصنفل، فسأله الأمان والمصالحة والمهادنة، لكنه بدأ بنفسه في كتابه إلى المأمون، فردَّ عليه المأمون كتابًا بليغًا، مضمونُه التقريعُ والتوبيخ، وإني إنَّما أقبلُ منك الدخول في الحنيفيّة، وإلا فالسيفُ والقتل. والسلام على من اتبع الهدى (٢). وحجَّ بالناس فيها سليمان بن عبد اللَّه بن سليمان بن علي. وممن توفي فيها من الأعيان: حَجَّاج بن مِنْهال (٣). وسُرَيْج بن النُّعمان (٤). وموسى بن داود الضَّبِّيّ (٥).

стр. 5113

ثم دخلت سنة ثمان (١) عشرة ومئتين في أول يوم من جمادى الأولى منها وجَّه المأمونُ ابنَه العبَّاسَ إلى بلاد الروم لبناء الطُّوانة، وتجديد عمارتها. وبعث إلى سائر الأقاليم والآفاق في تجهيز الفَعَلَةِ (٢) من كلّ بلدٍ إليها، من مصر والشام والعراق وغير ذلك، فاجتمع خلقٌ كثير لا يعلمهم إلا اللَّه . وأمره أن يجعلها ميلًا في ميلٍ، وأن يجعل سورَها ثلاثة فراسِخَ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب، عند كُلِّ بابٍ حِصْنٌ. ذكر أوَّل المحنة (٣): في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدّثين بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرّقة. ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه مطولة، قد سردها ابنُ جرير (٤)؛ ومضمونها الاحتجاجُ على أنَّ القرآن محدث وليس بقديم، وعنده أن كلَّ محدث فهو مخلوق، وهذا أمرٌ لا يوافقه عليه كثيرٌ من المتكلمين ولا المحدثين، فإنَّ القائلين بأنه تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية، لا يقولون بأنَّ فعله تعالى القائم بذاته المقدسه (٥) بعد أن لم يكن مخلوقًا (٦)، بل يقولون: هو محدَثٌ وليس بمخلوق، بل هو كلام اللَّه تعالى القائم بذاته المقدسة، وما كان قائمًا بالذات لا يكون مخلوقًا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] (٧). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]. فالأمر منه بالسجود صدرَ منه تعالى بعد خلقه آدم، فالكلام القائم بالذات ليس بمخلوق، وهذا له موضع آخر. وقد صنف البخاريُّ كتابًا في هذا المعنى سمَّاه "خلق أفعال العباد". والمقصود أن الكتاب (٨) لمَّا ورد بغداد قُرئ على الناس. وقد عيَّن المأمونُ جماعةً من المحدّثين

стр. 5114

ليحضرهم إليه؛ وهم: محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون (١)، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدّورقيّ (٢). فبعث بهم إلى المأمون، إلى الرقة، فامتحنهم بالقول بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقتَه وهم كارهون. فردَّهم إلى بغداد، وأمرَ بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك. وأحضر خلقًا من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم، فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدّثين في ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك. ووقعت بين الناس فتنةٌ عظيمةٌ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. ثم كتب المأمون كتابًا ثانيًا إلى إسحاق بن إبراهيم يستدلّ فيه على القول بخلق القرآن بشُبهِ من الدلائل لا تحقيق فيها، ولا حاصلَ لها، بل هي من المتشابهات، وأورد من القرآن آياتٍ هي حجة عليه لا له؛ أورده ابنُ جرير (٣) بطوله. وأمر (٤) أن يقرأ ذلك على أناس وأن يدعوهم إليه والقول به. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعةً من الأئمة، وهم: أحمد بن حنبل، وقُتَيْبة، وأبو حسّان الزِّياديُّ، وبشر بن الوليد الكِندي، وعليّ بن أبي مُقاتل، وسَعْدُويه الواسطيّ، وعليّ بن الجَعْد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهِرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن (٥) العمري، وشيخ آخر من سلالة عمر، كان قاضيًا على الرقة، وأبو نَصر التَّمَّار، وأبو مَعْمَر القَطيعيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفَرُّخان، [والنَّضْر بن شميل، وأبو علي بن عاصم، وأبو العوام الجزَّار (٦)، وابن شجاع] (٧)، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة (٨). فلمَّا دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون، فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه. قال: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك أهو مخلوقٌ؟ قال:

стр. 5115

ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أُحسن غيرَ هذا. وصمَّم على ذلك. فقال: أتشهد أن لا إلَه إلا اللَّه أحدًا فردًا، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب. ثم امتحنهم رجلًا رجلًا، فأكثرُهم امتنَعَ من القول بخلق القرآن، وإذا مانع الرجل منهم يمتحنه بالرقعة (١) التي وافق عليها بِشْرُ بن الوليد الكِنديّ؛ من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنًى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه، فيقول: نعم، كما قال [بِشر]. ولما انتهت النوبةُ إلى امتحان أحمد بن حنبل، قال له: أتقولُ إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلامُ اللَّه، لا أزيد على هذا. قال: فما تقول في هذه الرقعة؟ فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقال رجلٌ من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأُذن، بصير بعين. فقال له [إسحاق]: ما أردْتَ بقولك: سميع بصيرٌ؟ فقال: أردت منها ما أرادَه اللَّهُ منها، وهو كما وَصَفَ نفسَه، ولا أزيدُ على ذلك. فكُتبتْ جواباتُ القوم، رجل (٢) رجل، وبعث بها إلى المأمون. فصل قد تقدَّم: أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لمَّا امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن، ونفي التشبيه، فأجابوا كلُّهم إلى نفي المماثلة. وأما القولُ بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك، وقالوا كلهم: القرآن كلام اللَّه. قال الإمام أحمد: ولا أزيدُ على هذا حَرْفًا أبدًا، وقرأ في نفي المماثلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فقالوا: ما أردْتَ بقولك: السَّميع البصير؟ فقال: أردْتُ منها ما أراد اللَّه منها. وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مُصانعة مكرهًا؛ لأنَّهم كانوا يعزِلون مَن لا يجيبُ عن وظائفه، وإن كان له رِزْقٌ على بيت المال قُطِعَ، وإن كان مفتيًا مُنع من الإفتاء، وإن كان شيخَ حديثٍ، رُدِعَ عن الإسماع والأداء. ووقعت فتنة صمَّاء، ومحنة شنعاء، وداهية دهياء، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العلي العظيم، العزيز الحكيم. وأمر النائبُ إسحاق بن إبراهيم للكاتب فكتب عن كُلِّ واحدٍ منهم جوابه بعينه، وبعث به إلى

стр. 5116

المأمون، فجاء الجواب يمدح النائب على ما فعل، والرد على كل فردٍ فردٍ فيما قال. وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضًا، فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيَّدًا محتفظًا به حتَّى يصل إلى أمير المؤمنين، فيرى به رأيه، ومن مذهبه (١) أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن. فعقد الأميرُ ببغداد مجلسًا آخر، وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهديّ، وكان صاحبًا لبشر بن الوليد الكِنديّ، وقد نصَّ المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلمَّا امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانيًا بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأوِّلين قولَه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، إلَّا أربعةً، [وهم]: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حمّاد سَجَّادة، وعُبَيد اللَّه بن عمر القَوَاريري. فقيَّدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى الخليفة، ثم استدعَى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم، فأجاب سَجَّادة إلى القول بخلق القرآن، فأطلق قيده وأطلقه. ثم امتحنهم في اليوم الثالث، فأجاب القَواريريُّ إلى ذلك أيضًا فأطلق قيدَه أيضًا وأطلقه. وأصرَّ أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري على الامتناع من ذلك، فأكَّد قيودَهما، وجمعهما في الحديد، وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطَرَسُوسَ، وكتب معهما كتابًا بإرسالهما إليه فسارا مقيَّدين في محارة على جمل متعادلين، ﵄. وجعل الإمام أحمد يدعو اللَّه ألا يجمعَ بينهم (٢) وبين المأمون، وألا يرياه ولا يراهما. وجاء كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم، وفيه: أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرَهين متأولين قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقد أخطؤوا في ذلك خطأً كبيرًا، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين. فاستدعاهم إسحاق بن إبراهيم، وألزمهم بالمسير إلى طَرَسُوس، فساروا إليها، فلمَّا كانوا ببعض الطريق بلغهم وفاة المأمون، فرُدُّوا إلى الرّقَّة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد. وكان أحمد بن حنبل، وصاحبه محمد بن نوح قد سبقا الناس، ولكن لم يجتمعا به حتى مات، واستجاب اللَّه من عبده ووليه أحمد بن حنبل، ﵀، فلم يجتمعوا بالمأمون، ورُدُّوا إلى بغداد. وسيأتي تمام ما وقع من الأمر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد، وتمام الكلام فيها في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين، وباللَّه المستعان.

стр. 5117

وهذه ترجمة المأمون (١): هو عبد اللَّه المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس القرشي الهاشمي العباسي، أبو جعفر أمير المؤمنين [المأمون] (٢)، وأمُّه أمُّ ولدٍ اسمها: مَراجل الباذغيسيّة (٣)، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومئة ليلةَ توفي عمُّه الهادي، وولي أبوه هارون الرشيد، وكان ذلك ليلة جمعة كما تقدَّم. قال ابن عساكر (٤): رَوَى الحديث عن أبيه، وهُشَيم بن بشير، وأبي مُعاوية الضَّرير، ويوسف بن عطيّة، وعبَّاد بن العوام، وإسماعيل بن عُلية، وحجاج بن محمد الأعور. وروى عنه: أبو حذيفة إسحاق بن بشر -وهو أسن منه- ويحيى بن أكثم القاضي، وابنه الفضل بن المأمون، ومعمر بن شبيب، وأبو يوسف القاضي، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وأحمد بن الحارث الشيعي، واليزيدي، وعمرو بن مسعدة، وعبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السُّلَميّ، ودِعْبِل بن عليّ الخُزَاعيُّ. قال (٥): وقدِمَ دمشقَ دفعات، وأقام بها مدة. ثم روى [ابنُ عساكر] (٦) من طريق أبي القاسم البَغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: سمعت المأمون في الشَّمَّاسِيَّة (٧) وقد أجرى الحَلْبة (٨)، فجعل ينظر إلى كثرة الناس، فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ ﷺ قال: "الخَلْقُ كلُّهم عيال اللَّه فأحبُّهم إليه (٩) أنفعُهم لعياله" (١٠).

стр. 5118

ومن حديث أبي بكر المَيَانَجِيّ (١) عن الحسين بن أحمد المالكي، عن يحيى بن أكثم القاضي، عن المأمون، عن هُشَيم، عن منصور عن الحسن، عن أبي بكرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الحياء من الإيمان" (٢). ومن حديث جعفر [بن محمد] بن أبي عثمان الطيالسي، أنه صلَّى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة، فلمَّا سلَّم كبَّر النَّاسُ، فجعل يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غدًا سنة أبي القاسم ﷺ . فلما كان الغدُ صعِدَ المنبرَ، فكبَّر. ثم قال: أنبأ هُشَيم بن بشير، حدَّثنا ابن شُبْرُمة، عن الشَّعبيّ، عن البَراء بن عازب، عنِ أبي بُرْدَة بن نيار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ ذَبَح قَبْلَ أنْ يُصَلِّي فإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ومَنْ ذبَح بعد أن يُصَلِّي الغداة فقد أصاب السُّنَّة" (٣). اللَّه أكبر كبيرًا. والحمد للَّه كَثيرًا، وسبحان اللَّه بُكرةً وأصيلًا، اللهم أصلحني واسْتَصْلِحني، وأصلحْ على يديّ. وكان مولد المأمون ليلة مات عمه الهادي، وولي أبوه الرشيد، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومئة، وولي الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومئة، واستمرَّ في الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر. وقد كان فيه تشيع واعتزالٌ وجهلٌ بالسُّنَّة الصحيحة، وقد بايع في سنة إحدى ومئتين بولاية العهد من

стр. 5119

بعده لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد البافر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، وخلّع السّوادَ ولبس الخُضْرَةَ كما قدَّمنا (١)، فأعظَمَ ذلك العبّاسيون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون وولَّوا عليهم إبراهيم بن المهدي، كما تقدَّم، ثم ظفر المأمون بهم واستقام أمره في الخلافة، وذلك بعد موت عليّ الرِّضا بطُوس، وعفا عن عمِّه إبراهيم بن المهدي، كما تقدّم بسطُ ذلك في موضعه (٢). وأمَّا كونه على مذهب الاعتزال فإنَّه اجتمع بجماعة؛ منهم: بِشْرُ بن غياث المَريسي، فأخذ عنهم هذا المذهب الباطل. وكان يحبُّ العلم، ولم يكن له بصيرةٌ نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخلُ، وراج عنده الباطلُ؛ ودعا إليه وحَمَل الناس قهرًا عليه؛ وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان المأمون أبيضَ ربعةً، حسنَ الوجه، قد وخَطَهُ الشَّيبُ، تعلُوه صُفْرَةٌ، أعينَ، طويلَ اللّحية، رقيقَها، ضيِّقَ الجَبينِ، على خَدِّه خالٌ؛ أمُّه أمُّ ولدٍ يقالُ لها: مَراجل (٣). وروى الخطيب البغدادي عن القاسم بن محمد بن عباد، قال: لم يحفظ القرآنَ أحدٌ مِن الخلفاء غيرُ عثمانَ بن عفان والمأمون (٤)؛ وهذا غريبٌ جدًّا (٥). قالوا: وكان يتلو في شهر رمضان ثلاثًا وثلاثين ختمةً، وجلس يومًا لإملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي ابن أكثم وجماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثًا. وكانت له بصيرة بعلوم متعددة، من فقهٍ، وطبٍّ، وشعرٍ، وفرائضَ، وكلامٍ، ونحوٍ، وعربية، وغريبٍ، وعلم النجوم؛ وإليه يُنسب الزِّيج (٦) المأموني. وقد اختبر مقدار الدرجة في وطأة سنجار، فاختلف عملُه وعمل الأوائل من القدماء. وروى ابن عساكر (٧) أنَّ المأمون جلس يومًا للناس، وفي مجلسه الأمراء والعلماء، فجاءت امرأة تتظلَّم إليه، فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمئة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقُّكِ، كأن أخاك قد ترك بنتين (٨)، وأمَّا، وزوجة، واثني عشر أخًا، وأختًا

стр. 5120

واحدة وهي أنت؟ قالت: نعم يا أميرَ المؤمنين. فقال: للبنتين الثلثان أربعمئة دينار، وللأم السدسُ مئةُ دينار، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارًا، ويبقى خمسة وعشرون دينارًا، لكلّ أخٍ ديناران [ديناران] (١)، ولك دينار واحدٌ. فعجب الناس من فطنته [وِحدَّةِ ذِهنه] (٢) وسرعة جوابه. وقد رُويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب. ودخل بعضُ الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتًا يراه عظيمًا، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعًا طائلًا، فخرج من عنده، فلقيه شاعر آخر فقال: ألا أعجبك؟ أنشدْتُ المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسًا. فقال: وما هو؟ قال: قلت في (٣): أضحى إمامُ الهُدَى المأمونُ مُشْتَغلًا … بالدِّينِ والنَّاسُ بالدنيا مَشَاغِيلُ فقال له ذلك الشاعر: ما زِدْتَ على أن جعلْتَه عجوزًا في محرابها. فهلا قلت كما قال جريرٌ في عبد العزيز بن الوليد (٤): فَلا هُوَ في الدَّنيا مُضيعٌ نَصِيبَهُ … ولا عَرَضُ الدُّنيا عن الدِّينِ شاغِلُهْ وقال المأمون يومًا لبعض جلسائه: بيتان لاثنين ما لحقهما أحدٌ، قولُ أبي نواس (٥): إذا اختبَرَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ … لَهُ عن عَدوٍّ في ثيابِ صديقِ وقولُ شريح (٦): تهونُ على الدُّنيا الملامةُ إنَّهُ … حريصٌ على اسْتِصْلاحها مَنْ يَلُومُها قال [المأمون] (٧): وقد ألجأني الزّحام يومًا وأنا في الموكب حتى خالطت السوق (٨) فرأيت رجلًا

стр. 5121

في دكان عليه أثواب خَلقة (١)، فنظر إليَّ نظرَ مَن يرحمُني أو يتعجَّبُ من أمري، فقال (٢): أرَى كلَّ مَغْرُورٍ تُمَنِّيهِ نفسُهُ … إذا ما مَضَى عامٌ سلامةَ قابِلِ وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس؛ حمد اللَّه وأثنى عليه، وصلَّى على رسول اللَّه ﷺ ثم قال: عبادَ اللَّه! عظم أمرُ الدارين، وارتفع جزاءُ العاملين، وطالت مدَّة الفريقين، فواللَّه إنه للجِدُّ لا اللعبُ، وإنَّه للحَق لا الكذِب، وما هو إلَّا الموت، والبعث، والحساب، والفَصْل، والصّراط، ثم العقاب، والثواب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هَوَى يومئذ فقد خاب. الخيرُ كُلُّه في الجنة، والشرُّ كلُّه في النار (٣). وروى ابن عساكر (٤) من طريق النَّضْر بن شُميل، قال: دخلْتُ على المأمون، فقال: كيف أصبحْتَ يا نَضْر؟! قلت: بخير يا أمير المؤمنين! فقال: ما الإرجاء (٥)؟ فقلْتُ: دين يوافق الملوكَ؛ يصيبون به من دنياهم وينقصون من دينهم. قال: صدقْتَ. ثم قال: يا نَضْر! أثدري ما قلْتُ في صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لم أعلم الغيب. فقال: قلت (٦): أصْبَحَ ديني الَّذي أدِينُ بهِ … وَلَسْتُ منهُ الغَدَاةَ مُعْتَذِرا حبُّ عليٍّ بعدَ النَّبيِّ ولا … أشتِمُ صِدِّيقنا ولا عُمَرا ثم ابن عفَّان في الجِنَانِ مَعَ الـ … أبْرارِ ذاكَ القتيلُ مُصْطَبِرا لا، لا، ولا أشتمُ الزُّبيرَ ولا … طلحةَ إنْ قالَ قائلٌ غدرَا وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتِمُها … مَن يَفْتَرِيها فنَحْنُ منهُ برا وهذا المذهب ثاني مراتب التشيّع، وفيه (٧) تفضيل عليٍّ على عثمان (٨). وقد قال بعضُ السَّلف والدارقطني: مَن فضَّل عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار -يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على تقديم عثمان على علي بعد مقتل عُمَرَ، ﵃ وبعد ذلك ستَّ عشرةَ مرتبةً في التشيّع، على ما ذكره صاحبُ كتاب "البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم"، ينتهي إلى أكفر الكفر.

стр. 5122

وقد روَينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: لا أُوتى بأحدٍ فضَّلني على أبي بكرٍ وعُمَر إلا جَلَدتُه جَلْدَ المُفْتَري. وتواتر عنه أنه قال: خيرُ الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (١). فقد خالف المأمون بن الرشيد في مذهبه الصحابة كلَّهم حتى علي بن أبي طالب، ﵃. وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار، وخالفهم في ذلك، البدعةَ الأخرى والطَّامة العظمى، وهي القولُ بِخَلْقِ القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكِر وغير ذلك من الأفعال التي يعذر فيها المنكِر. ولكن كان فيه شهامة عظيمة، وقوة جسيمة، وله همة في القتال، وحصار الأعداء، ومصابرة الروم وحصرهم في بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريهم وولدانهم. وكان يقول: [معاوية] بعَمْرِه، وعبد الملك بحجَّاجِهِ، وأنا بنفسي (٢). وكان يقصد العدل، ويتوَّلى بنفسه بين الناس الفصلَ؛ جاءته امرأة ضعيفة فتظلَّمت على ابنه العباسِ وهو واقف على رأسه، فأمرَ الحاجبَ فأخذ بيده فأجلَسَه معها بين يديه، فادَّعَتْ عليه أنه أخذ ضيعةً لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعةً فجعل صوتُها يعلو على صوته، فزجرها بعضُ الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت، فإنَّ الحقَّ أنطقها والباطلَ أسكته، ثم حكم لها بحقها، وأغرم لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم (٣). وكتب إلى بحض الأمراء: ليس من المروءة أن تكون آنيتك من ذهب وفضَّة، وغريمك عارٍ، وجارك طاوٍ (٤). ووقف رجلٌ بين يدي المأمون، فقال له المأمون: واللَّه لأقتلنَّك! فقال: يا أميرَ المؤمنين، تأنَّ عَليَّ، فإنَّ الرِّفْقَ نِصفُ العَفْو، فقال: ويحك! وقد حلفت لأقتلنَّكَ! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأنْ تلقى اللَّه حانِثًا خيرٌ لك من أن تلقاه قاتلًا. فعفا عنه (٥). وكان يقول: ليت أهلَ الجرائم يعرفون مذهبي في العفو حتى يذهبَ الخوفُ عنهم، ويدخلَ السُّرورُ إلى قلوبهم (٦).

стр. 5123

وركبَ يومًا في حرَّاقة، فسمع ملاحًا يقول: أترون هذا المأمونَ ينبُلُ في عيني، وقد قتلَ أخاه الأمين؟ وهو لا يشعر بمكان الخليفة، فجعَلَ المأمون يتبَّسم ويقولُ: كيف ترون الحيلةَ حتَّى أنبُلَ في عينِ هذا الرجل الجَلِيل (١)؟ وحضر عنده هُدْبَةُ بن خالد يومًا، فتغدَّى عنده، فلمَّا رُفعت المائدة جعلَ هُدَبَةُ يلتقطُ ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعْتَ يا شيخُ؟! فقال: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بنُ سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أكَلَ ما تحتَ مائدتِهِ أمِنَ منَ الفقر" (٢) قال: فأمر له المأمون بألف دينارٍ (٣). وروى ابن عساكر (٤) أن المأمون قال يومًا لمحمد بن عبَّاد بن المهلب: يا أبا عبد اللَّه! قد أعطيتُكَ ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وإنَّ عليك دينًا! فقال: يا أميرَ المؤمنين: إنَّ منع الموجود سوءُ ظَنٍّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد اللَّه! أعطوه ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ. ولمَّا أراد المأمون أن يدخلَ ببوران (٥) بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتزُّ به رجلٌ من الأدباء؛ فأهدى إليه مِزْوَدًا (٦) فيه ملح طيب، ومِزْودًا فيه أشنان (٧) جيد، وكتب إليه: إني كرهت أن تُطوى صحيفة أهل البِرّ ولا أذكر فيها، فوجَّهت إليك بالمبتدأ به لِيُمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. وكتب إليه (٨):

стр. 5124

بِضاعتي تقصُرُ عن هِمَّتي … وهِمَّتي تقصُرُ عن مالي فالمِلْحُ والأشْنَانُ يا سيدي … أحسَنُ ما يُهديهِ أمثالي قال: فدخل بهما الحسنُ بن سهل على المأمون فأعجبَهُ ذلك، وأمر بالمِزْوَدَين ففرّغا وملئا دنانيرَ، وبعث بهما إلى ذلك الأديب. وولد للمأمون ابنُه جعفر، فدخل الناس عليه يهنئونه بصنوفِ التهاني، ودخل بعضُ الشعراء (١)، فقال: يهنِّيه بولده: مدَّ لكَ اللَّهُ الحياةَ مَدًّا … حتى ترى ابنَكَ هذا جَدَّا ثمَّ يُفْدَى مثلَ ما تُفَدَّى … كأنَّهُ أنتَ إذا تَبَدَّى أشبهُ منكَ قامةً وقَدًّا … مؤزَّرًا بمجدِه مُردَّا (٢) قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقدِمَ عليه وهو بدمشق مالٌ جزيل بعدما كان قد أفْلَسَ، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورد عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهمٍ، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال، ومعه يحيى بن أكثم القاضي، فلما دخلت البلد قال: ليس من المروءة أن نحوزَ نحن هذا كلَّه والناسُ ينظرون، ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألفِ درهم، ورِجلُه في الركاب لم ينزل عن فرسه (٣). ومن لطيف شعره قوله (٤): لِساني كَتُومٌ لأسرارِكمْ … ودمعِي ثمومٌ لِسرِّي مُذِيعُ فلولا دُموعي كَتَمْتُ الهوَى … ولولا الهوى لَمْ يمُنْ لي دُموعُ وقد بَعث خادمًا ليلة من الليالي ليأتيه بجارية، فأطال [الخادم] (٥) عندها المُكْث، وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها الخليفة بنفسه، فأنشأ المأمون يقولُ (٦):

стр. 5125

بعثتكَ مُشْتاقًا ففُزْتَ بنَظْرةٍ … وأغفَلْتَني حتَّى أسأْتُ بكَ الظَّنَّا وناجيْتَ مَنْ أهْوَى فَكُنْتَ مُقَرَّبًا … فياليتَ شعري عن دُنوِّك ما أغْنَى وردَّدْتَ طَرفًا في محاسِنِ وجْهها … ومَتَعْتَ باستمتاع نغْمَتِها أذْنا أرى أثرًا في صحن خدِّك لم يكن (١) … لقد سرقَتْ عيناكَ من حُسْنِها حُسْنا ولما ابتدَعَ المأمونُ ما ابتدع من التشيُّع والاعتزال، فرح بذلك بِشْر المَرِيسي (٢) -وكان شيخَ المأمون ذلك- فأنشأ المَرِيِسيّ يقول (٣): قد قالَ مأمُونُنا وسيِّدُنا … قَولًا له في الكتابِ تَصديقُ إنَّ عليًّا أعني أبا حَسَنٍ … أفضلُ من أرقلَتْ به النُّوقٌ (٤) بَعْدَ نبيِّ الهُدَى وإنَّ لنا … أعمالَنا، والقرانُ مخلوقُ فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السنة فقال (٥): يا أيُّها النَّاسُ لا قولٌ ولا عملٌ … لِمَنْ يقولُ: كلامُ اللَّه مخلوقُ ما قالَ ذاكَ أبو بكرٍ ولا عُمَرٌ … ولا النبيُّ ولم يذكرْهُ صِدّيقُ ولم يقلْ ذاكَ إلا كُلُّ مبتدِعٍ … على الإله وعندَ اللَّه زنديقُ عَمْدًا أرادَ بهِ إمحاقَ دينكمُ … لأنَّ دينهُم واللَّهِ ممحوقُ أصبَحَ يا قوم عقلًا من خليفتكمْ … يُمسي ويُصبح في الأغلالِ موثوقٌ (٦) وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائلَ هذا فيؤدِّبه على ذلك، فقال: ويحك! لو كان فقيهًا لأدَّبته، ولكنه شاعر فلست أعرِضُ له. ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طَرَسُوسَ، استَدْعَى بجاريةٍ كان يحبُّها وقد

стр. 5126

اشتراها في آخر عمره، فضمَّها إليه، فبكت الجارية وقالت: قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين بسفرك! ثم أنشأتْ تقول (١): سأدعو دَعْوَةَ المضطر ربًّا … يُثيبُ على الدُّعاءَ ويستجيبُ لعلَّ اللَّهَ أن يكفيكَ حَرْبا … ويَجْمَعَنا كما تهوى القُلوبُ فضَّمها إليه وأنشا يقول: متمثِّلًا (٢): فيا حُسْنَها إذ يغسِل الدَّمْعُ كُحْلَها … وإذ هي تَذْري الدمعَ منها الأناملُ صبيحةَ قالت في العتابِ قتلْتَني … وقتلي بما قالتْ هناكَ تحاوِلُ ثم أمر الخادم مسرورًا بالإحسان إليها، والاحتفاظ عليها حتَّى يرجعَ، ثم قال: نحنُ كما قال الأخطلُ (٣): قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهم … دُونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ ثم ودَّعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه، ومات المأمون أيضًا، فلمَّا جاء نعيُه إليها تنفَّست الصُّعَداء وحضرتها الوفاة، وأنشأت تقول وهي (٤) في السِّياق (٥): إنَّ الزَّمانَ سقانا مِنْ مَرارَتِهِ … بعدَ الحلاوةِ أنفاسًا فأروانا أبدَى لنا تارةً منه فأضحكنا … ثمَّ انثنى تارةً أُخرى فأبْكانا إنَّا إلى اللَّه فيما لا يزالُ لنا … من القضاءِ ومن تلوينِ ديانا دنيا نراها تُرينا مِنْ تصرُّفها … ما لا يدومُ مصافاةً وأحزانا ونحنُ فيها كأنَّا لا يُزايلنا … للعيشِ أحياؤنا (٦) يبكونَ موتانا كانت وفاة المأمون بطَرَسُوس في يوم الخميس وقتَ الظهر، وقيل: بعد العصر، لثلاث عشرة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين، وله نحو من ثمان وأربعين سنة. وكانت مدَّة خلافته (٧) عشرين سنة وأشهرًا، وصلَّى عليه أخوه المعتصم وهو وليُّ العهد من بعده، ودُفن بطَرَسُوس في دار خاقان

стр. 5127

الخادم. وقيل: كانت وفاته يوم الثلاثاء. وقيل: يوم الأربعاء، لثمان بقين من رجب من هذه السنة. وقيل: إنه مات خارج طَرَسُوسَ بأربع مراحل، فحُمِلَ إليها حتى دُفن بها. وقيل: إنه نُقِلَ بعد ذلك في رمضان إلى أذَنَة، فدفن بها، واللَّه أعلم. وقد قال أبو سعيد المخزومي (١): ما رأيتُ (٢) النُّجومَ أغنَتْ عن المأْ … مونِ في عزِّ مُلْكِه (٣) المأسُوسِ خَلَّفوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوسٍ … مثلما خلَّفوا أباهُ بطُوسِ وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم، وكتبَ وصيتَه بحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والأمراء والوزراء والكُتَّاب. وفيها القولُ بخلق القرآن، ولم يتبْ من ذلك حتَّى أدركه أجلُه، وانقضى عَملُه، وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتبْ منه. وأوْصَى أن يكبِّر عليه الذي يصلِّي عليه خمسًا. وأوْصَى أخاه أبا إسحاق المعتصم بتقوى اللَّه والرِّفقِ بالرعيَّة، وأن يعتقدَ ما كان يعتقده أخوه في القرآن، والدعاء إلى ذلك. وأوصاه بعبد اللَّه بن طاهر، وإسحاق (٤) بن إبراهيم، وأحمد بن أبي دواد (٥)، قال: شاوره في أمورك ولا تفارقه، وحذَّره من يحيى بن أكثم، ونهاه عنه وذمَّه، وقال: خانني ونفَّر النَّاسَ عنِّي، ففارقته غيرَ راضٍ عنه. ثم أوصاه بالعلويين خيرًا؛ أن يقبلَ من محسنهم، ويتجاوزَ عن مسيئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة. وقد ذكر ابن جرير (٦) للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها الحافظ ابن عساكر مع كثرة ما يورده، وفوق كل ذي علم عليم.

стр. 5128

خلافة المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد: بُويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطَرَسُوس يوم الخميس الثاني عشر من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين، وكان إذ ذاك مريضًا، وهو الذي صلَّى على أخيه المأمون، وقد شغب بعض الجند، فأرادوا أن يولّوا العباس بن المأمون، فخرج عليهم العباس بن المأمون، فقال لهم: ما هذا الحبّ البارد؟ أنا قد بايعتُ عمَّي المعتصم، فسكن الناس، وخمدت الفتن وركبت البرد بالبيعة إلى الآفاق، وبالتعزية بالمأمون، وولاية المعتصم. فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طُوَانة، وأمر بإبطال ذلك، ونقل ما كان حوِّل إليها من السلاح وغير ذلك، وأذن للفعول (١) بالانصراف إلى بلدانهم وأقاليمهم، ثم ركب المعتصم في الجنود قاصدًا بغداد وصحبتُه العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبَّهة عظيمة وتجمّل تام. وفي هذه السنة دخل خلق كثير من أهل هَمَذان، وأصْبَهَان، وماسَبَذان، ومِهْرِجَان في دين الخُرَّمية، فتجمَّع منهم بشر كثير، فجهز إليهم المعتصمُ جيوشًا كثيرة، آخر من جهَّز إليهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب في جيش عظيم، وعقد له على الجبال، فخرج من بغداد في ذي القعدة، وقرئ كتابه بالفتح يوم التَّروية، وأنَّه قهر الخرَّمية، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم، وللَّه الحمد والمنَّة. وعلى يديه (٢) جرت فتنة الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، وضُرب بين يديه، كما سيأتي بسطُ ذلك في ترجمة أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين. وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان: [بِشْر المَرِيسيّ] (٣): [وهو] بِشْرُ بن غِياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِيسيّ المتكلم، شيخُ المعتزلة، وأحدُ مَن أضَلَّ المأمون. وقد كان هذا الرجل نظَرَ في شيء من الفقه، وأخذ عن القاضي أبي يوسُف، ورَوَى الحديث عنه، وعن حمَّاد بن سَلَمة، وسُفيان بن عُيينة، وغيرهم.

стр. 5129

ثم غَلَبَ عليه علمُ الكلام، وقد نهاه الشافعيُّ عن تعاطي ذلك فلم يقبل منه، وقال الشافعيُّ: لأن يلقى اللَّهَ العبدُ بكل ذنبٍ ما عدا الشرك أحبُّ إليَّ (١) من أن يلقاه بعلم الكلام. وقد اجتمع بِشْرٌ بالشافعي عندما قدِمَ الشافعيُّ بغداد. قال القاضي ابن خلكان (٢): جرَّد القَوْلَ بخلق القرآن، وحُكي عنه أقوالٌ شنيعة، وكان مرجئًا، وإليه تُنْسب الطائفة المَرِيسيَّةُ من المرجئة، وكان يقول: إنَّ السُّجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنَّما هو علامة الكفر، وكان يناظر الإمام الشافعي، وكان لا يحسن النَّحو، وكان يَلحنُ لحنًا فاحشًا. قال (٣): ويقال: إنَّ أباه كان يهوديًا صبّاغًا بالكوفة، وكان يسكن درب المَرِيس (٤) ببغداد. والمَريسُ عندهم هو الخبزُ الرّقاق يُمرس بالسمن والتمر. قال: ومَرِيس (٥) ناحية ببلاد النوبة تأتي من نحوها في الشتاء ريحٌ باردة. قلت (٦): ثم راج بِشْر المَرِيسيّ عند المأمون، وحظي عنده، وقدّم في حضرته، ونفق سوقه الكاسد، واستجيد ذهنه البارد. ولمّا توفي في ذي الحجة من هذا العام، أو الذي قبله في قولٍ (٧)، صلَّى عليه رجلٌ من المحدّثين يقال له: عبيد الشُّونيزي، فلامه بعضُ المحدّثين، فقال لهم: ألا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي عليه؛ قلت: اللهم، إنَّ عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر، اللهم! فأذقه من عذاب القبر؛ وكان ينكر شفاعة نبيّك، فلا تجعله من أهلها؛ وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة، فاحجبْ وجهك الكريمَ عنه. فقالوا له: أصبت. وهذا الذي نطق به بعض السَّلف، حيث قالوا: من كذَّب بكرامة لم ينلها. وتوفي في هذا العام: عبدُ اللَّه بن يوسُف التَّنِّيسيّ (٨).

стр. 5130

وأبو مُسْهِر عبدُ الأعلى بن مُسْهِر الغسَّاني الدمشقيّ (١). ويحيى بن عبد اللَّه البَابْلُتِّي (٢). وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحِمْيَري المَعَافِريّ (٣): راوي السِّيرة عن زياد بن عبد اللَّه البَكَّائي، عن محمد بن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال: "سيرة ابن هشام"؛ لأنه هذَّبها وزاد فيها ونقص منها، وحرَّر أماكن واستدرك أشياء. وقد كان إمامًا في اللغة والنحو والعربية. وكان مقيمًا بديار مصر، واجتمع به الشافعيُّ حين وردها، وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة. وكانت وفاته بمصر لثلاثَ عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة؛ قاله ابن يونُس في "تاريخ مصر" (٤). وزعم السُّهَيلي (٥) أنه توفي في سنة ثلاث عشرة، واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئتين فيها: ظهر محمد بن القاسم بن عليّ (٦) بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطَّالَقان (٧) من خراسان، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد، واجتمَعَ عليه خلقٌ كثير، وقاتلَه قوَّادُ عبد اللَّه بن طاهر مرات متعددة، ثم ظهروا عليه وهرب، فأُخذ ثم بعث به إلى عبد اللَّه بن طاهر، فبعثه إلى المعتصم، فدخل عليه في المنتصف من ربيع الآخر [من هذه السنة] (٨) فأمر به فحُبِس في مكان

стр. 5131

ضيق، طولُه (١) ثلاثة أذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثًا، ثم حُوِّلَ إلى أوسَعَ منه، وأجري عليه رزقٌ، ومن يخدمُه، فلم يَزَلْ محبوسًا هنالك إلى ليلة عيد الفطر، فاشتغل الناسُ بالعيد، فدُلِّيَ له حبلٌ من كُوَّة كان يأتيه الضّوء منها، فذهَبَ فلم يدر كيف ذهب، ولا إلى أين صار من الأرض (٢). وفي يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلَتْ من جمادى الأولى دخل إسحاق بن إبراهيمَ إلى بغداد راجعًا من قتال الخُرَّميَّة، ومعه الأسْرى منهم، وقد قتل في حربه هذا من الخرَّميَّة مئة ألف مقاتل منهم (٣)، وللَّه الحمد والمنَّة. وفيها: بعث المعتصم عُجَيْفًا في جيشٍ كثيفٍ لقتال الزُّطّ الذين عاثوا في بلاد البصرة، وقطعوا الطريق، ونهبُوا الغلات، فمكث في قتالهم تسعةَ أشهرٍ، فقهرهم، وقمعَ شرَّهم، وأباد خضراءهم. وكان القائم بأمرهم رجلٌ يقال له: محمد بن عثمان، ومعه إنسان يقال له: سملق، هو داهيتهم وشيطانهم، فأراح اللَّه المسلمين منهم ومن شرهم (٤). وفيها توفي من الأعيان: سليمان بن داود الهاشميّ (٥)، شيخ الإمام أحمد. وعبد اللَّه بن الزُّبير الحُمَيديّ (٦)، صاحب "المسند" (٧)، وتلميذ الشافعيّ. وعلي بن عَيَّاش (٨). وأبو نُعَيْم الفضلُ بن دُكَيْن، شيخ البخاري (٩).

стр. 5132

وأبو غسَّان النَّهْدِي (١). [ثم دخلت (٢) سنة عشرين ومئتين من الهجرة في يوم عاشوراء دخل عُجَيْف في السُّفن إلى بغدادَ ومعه من الزُّطّ سبعة وعشرون ألفًا قد جاؤوا بالأمان إلى الخليفة، فأُنزلوا في الجانب الشرقي، ثم نفاهم الخليفة إلى عَين زَرْبة (٣)، فأغارت الرّوم فاجتاحوهم عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحدٌ، وكان آخر العهد بهم (٤). وفيها: عقد المعتصمُ للأفشين، واسمُه: حَيْدر بن كاوس، على جيشٍ عظيمٍ؛ لقتال بابَك الخُرَّمي، لعنه اللَّه. وكان قد استفحَلَ أمره جدًا، وقويت شوكته، وانتشرت أتباعه في بلاد أذْرَبيجان وما والاها، وكان أوَّل ظهوره في سنة إحدى ومئتين، وكان زنديقًا كبيرًا، وشيطانًا رَجيمًا (٥). فسار الأفشين، وأحكم صناعة الحرب في الأرصاد، وعمارة الحصون، واتصال (٦) المَدَدِ. وأرسل إليه المعصتم مع بُغا الكبير أموالًا جزيلة نفقةً لمن معه من الجند والأتباع، وقد التقى هو وبابَك في هذه السنة، فاقتتلا قتالًا عظيمًا، فقتل الأفشين من أصحاب بَابك خلقًا كثيرًا أزيدً (٧) من ألف، وانهزم هو إلى مدينته، فأوى إليها مكسورًا، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابَك، لعنه اللَّه. وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرها وبسطها، وقد استقصاها الإمام أبو جعفر بن جرير (٨)، ﵀. وفي هذه السنة خرج المعتصم من بغداد، فنزل القَاطُولَ فأقام بها. وفيها: غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة، وعزله عن الوزارة وحبسَه وأخذ أمواله، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك الزيّات.

стр. 5133

وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن عباس (١) بن محمد أمير السنة الماضية. وفيها: توفي من الأعيان: آدم بن أبي إياس (٢). وعبد اللَّه بن رَجاء (٣). وعَفَّان بن مُسلم (٤). وقَالُون (٥)، أحد مشاهير القرّاء. وأبو حُذَيفة النَّهْدِيّ (٦). ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومئتين فيها: كانت وقعة هائلة بين بُغا الكبير وبابَك الخُرَّميّ، فهزم بَابَك بُغَا، وقَتَلَ خَلْقًا من أصحابه، فإنَّا للَّه وإنَّا إليه راجعون. ثم اقتتل الأفشين وبابَك فهزَمَه أفشين وقَتَل خَلْقًا من أصحابه بعدَ حروبٍ طويلةٍ قد استقصاها ابنُ جرير (٧) في "تاريخه". وحجَّ بالناس نائبُ مكَّة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

стр. 5134

وفيها توفي من الأعيان: عاصم بن عليّ (١). وعبد اللَّه بن مَسْلَمَة (٢) القَعْنَبِيّ. وعَبْدَان (٣). وهشام بن عُبيد اللَّه الرازيّ (٤). ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئتين فيها: وجَّه المعتصم جيشًا كثيفًا مددًا للأفشين على محاربة الخُرَّميّة، وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقةً للجند والأتباع. وفيها: اقتتل الأفشين والخرَّميَّة قتالًا عظيمًا، وافتتح الأفشين البَذّ (٥)، مدينة بابَك، واستباحَ ما فيها، وللَّه الحمد. وذلك يوم الجمعة لعشرٍ بقين من رمضان. وذلك بعد محاصرةٍ عظيمة، وحروبٍ هائلة، وقتالِ شديد، وجهدٍ جهيد، وقد أطال أبو جعفر (٦) بسطه جدًا. وحاصلُ الأمر أنه افتتح البلد، وأخذ جميع ما احتوى عليه من الأموال. ذكرُ مسك بابَك الخُرَّميّ وأَسْره وقتله لما احتوى المسلمون على بلده المُسمَّى بالبَذّ، وهي دارُ ملكه، ومَقرُّ سلطانه هَرَبَ بمن معه من أهله وولده، ومعه أمُّه وامرأته، فانفرد في شِرْذِمَةٍ قليلة من خدمِهِ، ولم يبقَ معهم طعام، فاجتاز بحَرَّاثٍ،

стр. 5135

فبعث غلامَه إليه ومعه ذهب، فقال: أعطِه الذهب، وخذ ما معه من الخبز، [فجاء إليه، فدفع إليه الدنانير، وناوله الحَرَّاث ما معه من الخبز] (١)، فنظر شَريكُ الحَرَّاث إليه من بعيد وهو يأخذ من الخبز، فظنَّ أنه قد اغتصبه منه، فذهب إلى حصنٍ هناك فيه نائبٌ للخليفة يقال له: سهل بن سنباط، ليستعدي على ذلك الغلام، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام، فقال: ما خبرُك؟ فقال: لا شيء، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه هذا الخبز. فقال: ومن أنت؟ فأراد أن يعمِّي عليه الخبر، فألَحَّ عليه، فقال: من غلمان بابَك، فقال: وأين هو؟ فقال: ها هو ذا جالس يريد الغداء. فسار إليه سهل بن سنباط، فلمَّا رآه ترجَّل وجاءه فقبَّل يده، وقال: يا سيديّ أين تريد؟ قال: أريدُ أن أدخلَ بلاد الروم، فقال: إلى عند مَن تذهب أحرز من حصني وأنا غلامُك وفي خدمتك؟ وما زال به حتى خدَعه وأخذه معه إلى الحصن، فأنزله عنده، وأجرى عليه النفقاتِ الكثيرةَ والتّحفَ وغير ذلك، وكتب إلى الأفشين يعلمه بذلك، فأرسل إليه أميرين لقبضه، فنزلا قريبًا من الحصن، وكتبا إلى ابن سنباط، فقال: أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمري. وقال لبابك: إنَّك قد حصل لك غمّ وضِيق من هذا الحصن، وقد عزمْتُ على الخروج اليومَ إلى الصَّيد ومعنا بُزاةٌ وكلاب، فإنْ أحببت أن تخرج معنا لتنشرح؟ قال: نعم! فخرجوا وبعثَ ابنُ سنباط إلى الأميرين: أن كونا بمكان كذا وكذا، في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانوا بذلك الموضع أقبلَ الأميران بِمَنْ معهما من الجنود، فأحاطوا ببابَك (٢) وبابن سنباط، فلما رأوه جاؤوا إليه فقالوا: ترجَّلْ عن دابتك، فقال: ومن أنتما؟ فذكرا له أنهما من عند الأفشين، فترجَّل حينئذ عن دابته وعليه دُرَّاعة بيضاء، وعمامة بيضاء (٣)، وخُفّ قصير، وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط، وقال: قبَّحك اللَّه! فهلا طلبْتَ منِّي من المال فكنت أعطيتك أكثرَ ممَّا يعطيك هؤلاء! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الأفشين، فلما اقتربوا من بلد الأفشين فرح (٤)، فتلقاه وأمَر الناس أن يصطفُّوا صفين، وأن يترجّل بَابَك: فيدخل بين الناس وهو ماشٍ، ففعل ذلك، وكان يومًا مشهودًا جدًا. وكان ذلك في شوال من هذه السنة، ثم احتفظ به وهو في السجن عنده. ثم كتب الأفشين إلى المعتصم يخبره بأنَّ بابَك في أسره، وقد استحضره وأخاه عبد اللَّه أيضًا. فكتب إليه المعتصم يأمره أن يقدم بهما عليه إلى بغداد، فتجهَّز بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة. وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود المتقدِّم ذكره.

стр. 5136

وفيها توفي: أبو اليَمَان، الحَكَمُ بن نافع (١). وعُمَر بن حَفْص بن غِياث (٢). ومُسلم بن إبراهيم (٣). ويحيى بن صالح الوُحَاظيّ (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئتين في يوم الخميس ثالث صفر من هذه السنة دخل الأفشين على المعتصم سامَرّاء، ومعه بابَك الخُرَّميّ وأخوه عبد اللَّه، في تجمّل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنَه هارون الواثق أن يتلقَّى الأفشين، وكانت أخباره تَفِدُ إلى المعتصم في كلِّ يومٍ من شدَّة اعتناء المعتصم بأمر بابَك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابَك بيومين على البريد حتَّى دخل إلى بابَك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهَّب المعتصم، واصطفَّ الناس سِماطين (٥)، وأمر ببابَك أن يركبَ على فيل ليشهر أمره وسرفوه، وعليه قَبَاء ديباج وقَلَنْسَوة سمّور مدوَّرة، وقد هيئ الفيل، وخضّبت أطرافه، وألبس من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئًا كثيرًا، وقد قال فيه بعضُهم (٦): قد خُضِبَ الفيلُ كعاداتِهِ … يَحمِلُ شَيْطانَ خُراسانِ والفيلُ لا تُخْضَبُ أعضاؤه … إلا لذِي شأْنٍ مِنَ الشان ولما أحضر بين يدي الخليفة أمر بقطع يديه ورجليه، وحزّ رأسه، وشقّ بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى

стр. 5137

خراسان، وصلب جثته على خشبة بسامَرّا. وكان بابَك -لعنه اللَّه- قد شرب الخمر في ليلة أسفَرَ صباحها عن قتله، وذلك ليلة الخميس لثلاث عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة. وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره، لعنه اللَّه -وهي عشرون سنة- مئتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمئة [إنسان] (١)؛ قاله ابنُ جرير (٢)، وأسَرَ خَلْقًا لا يُحصوا (٣) كثرةً، وكان من جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحو من سبعة آلاف وستمئة إنسان، وأسر من أولاده سبعةَ عشَرَ رجلًا، ومن حلائله وحلائل أبنائه ثلاثًا وعشرين امرأة من الخواتين (٤). وقد كان أصلُ بابَك -لعنه اللَّه- ابن جارية زريّة الشكل جدًّا، فآل به الحالُ إلى هذه الحال، ثم أراح اللَّه المسلمين من شرِّه بعدما افتَتَن به خَلْقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ من الطَّغام (٥). ولما قتله المعتصم (٦) توَّج الأفشين وقلَّده وِشاحين من جوهر، وأطلَق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السِّند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلد بابَك التي يقال لها البَذّ، وتركه إياها يبابا (٧) خرابًا. فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائيّ، وقد أورد قصيدته بتمامها الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في "تاريخه" (٨)، وهي قوله: بَذَّ الجِلادُ البَذَّ (٩) وهي (١٠) قَطِينُ … ما إنْ بها (١١) إلا الوُحُوشَ دَفينُ (١٢) لم يُقْرَ هذا السيفُ هَذا الصَّبرَ في … هَيْجَاءَ إلا عَزَّ هذا الدِّينُ

стр. 5138

قد كان عُذْرَةَ سُوددٍ فافْتَضَّها … بالسّيفِ فَحْلُ المَشْرِقِ الأفشِينُ (١) فأعادَها تَعْوِي الثَّعَالِبُ وسْطَها … ولَقَدْ تُرى بالأمس وَهْيَ عَرِينُ هَطَلَتْ عليها من جَمَاجِمِ أهلِها (٢) … دِيَمٌ أمَارَتُها طُلًى وشُؤونُ كَانتْ مِنَ الهَيْجاء قبلُ مفازة (٣) … عشرًا فأضحَتْ وهي منهُ مَعينُ وفي هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين ومئتين، أوقَعَ ملك الروم توفيل بن ميخائيل -لعنه اللَّه- بأهل مَلَطْيَة (٤) من المسلمين وما والاها ملحمةً عظيمةً، قتل فيها منهم خلقًا كثيرًا، وأسر ما لا يحصون كثرةً، وكان من جملة من أسر ألفُ امرأة من المسلمات. ومثَّل بمن وقَعَ في أسره من المسلمين، فقطع آذانهم وآنافهم، وسَمَلَ أعينهم، قبَّحه اللَّه (٥). وكان سبب ذلك أن بَابَك -لعنه اللَّه- لمَّا أحيط به في مدينة البَذّ، واستوسقت الجنود حوله، كتب إلى ملك الروم يقولُ له: إنَّ ملك العرب قد جهَّز إليَّ جمهور جيثه، ولم يبقَ في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنتَ تريدُ الغنيمة فانهَضْ سريعًا إلى ما حولك من بلاده فخذها، فإنَّك لا تجد أحدًا يمانعك عنها (٦). فركب توفيل -لعنه اللَّه- في مئة ألف، وانضافَ إليه المحمّرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال، وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فلم يقدر عليهم، وتحصَّنوا بتلك الجبال، فلمَّا قدِمَ ملك الروم صاروا معه على المسلمين، فوصلوا إلى زِبَطْرَة، فقتلوا من رجالها خلقًا، وأسروا من حريمها أمَّةً كثيرة، فبلغ ذلك المعتصم فانزعج لذلك جدًّا، وصرخ في قصره بالنفير، ونهض من فوره فأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى بالقاضي والعدول، فأشهدهم أن ما يملكه من الضّياع ثلثه للَّه (٧)، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه (٨). وخرج من بغداد، فعسكر غربيّ دجلة يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجَّه بين يديه عُجَيْفًا وطائفةً من الأمراء، ومعهم (٩) خَلْق من الجيش إعانةً لأهل زِبَطْرَة. فأسرعوا السيرَ، فوجدوا ملك

стр. 5139

الروم قد فَعَلَ ما فَعَلَ، وانْشَمَر (١) راجعًا إلى بلاده، وتفارطَ الحالُ ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لإعلامه بما وقع من الأمر، فقال للأمراء: أيُّ بلاد الروم أمنعُ؟ قالوا: عَمّورية، لم يعرِض لها أحدٌ منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية (٢). ذكر فتح عَمُّوريَّة على يَدِ المعتصم لما تفرَّغ المعتصم من شأن بابَك، لعنه اللَّه، وقتَلَه، وأخَذَ بلادَه، استدعى بالجيوش إلى بين يديه، وتجهَّز جَهازًا لم يتجهَّزهُ أحدٌ كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقِرَبِ والدّوابّ والنفط والخيل والبغال شيئًا لم يُسمع بمثله، وسار إليها (٣) في جحافلَ كالجبال، وبعث الأفشينَ حيدرَ بن كاوس (٤) من ناحية سَرُوج، وعَبَّى الخليفة جيشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدَّم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب وخبرته، فانتهى في سيره إلى نهر اللس (٥)، وهو قريب من طرَسوس، وذلك في رجب من هذه السنة المباركة. وقد ركب ملك الروم في جيشه، فقصد نحو المعتصم، فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى [فجاء من وراء ملك الروم] (٦) فحار في أمره، وضاق ذرعه بسبب ذلك، إن هو ناجز الخليفةَ جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن سار إلى أحدهما وترك الآخر أخذه من ورائه. ثم اقترب منه الأفشين فسار (٧) في شِرْذِمَةٍ من الجيش إليه، واستخلف على بقيته قريبًا له، فالتقى هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة، فثبت الأفشين في ثاني الحال وقَتَل من الروم خلقًا وجرح آخرين، وتغلب فيه (٨) ملك الروم، وبلغه أن بقيَّة الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه، فأسرع الأوبةَ فإذا نظام الجيش قد انحلَّ، فغضب على قرابته وضرب عنقه. وجاءت الأخبار بذلك كلِّه إلى المعتصم فسرَّه ذلك جدًا، فركب من فوره وجاء إلى أنقرة، ووافاه الأفشين بمن معه إلى هنالك، فوجدوا أهلها قد هربوا منها وتفرَّقوا عنها، فتقوّوا منها بطعام وعلوفةٍ

стр. 5140

كثيرةٍ. ثم فرَّق المعتصم جيشَه ثلاث فرق؛ فالميمنة عليها الأفشين، والميسرة عليها أشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كلَّ أميرٍ من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنةً وميسرةً وقلبًا ومقدِّمة وساقة، وأنهم مهما مرُّوا عليه من القُرى حرقوا وخرَّبوا وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدًا إلى عمُّوريَّة، وكان بينها وبين أنقرة سبعُ مراحلَ، فأوَّل من وصل إليها من الجيوش أشناس أمير الميسرة ضَحْوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دَوْرَةً، ثم نزل على ميلين منها. ثم جاء المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعدَه، فدار حولَها دَوْرَة، ثم نزل قريبًا منها. ثم قدم الأفشين يوم السبت، فدار حولها دَوْرَة، ثم نزل قريبًا منها. وقد تحصَّن أهلها وملؤوا أبراجها بالرجال والسّلاح، وهي مدينة عظيمة جدًّا، ذاتُ سور منيعٍ وأبراجٍ عالية كبيرةٍ. وقسَّم المعتصم الأبراج على الأمراء، فنزل كلُّ أميرٍ تجاه الموضع الذي أقطعه وعيَّنه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعضُ مَن كان فيها من المسلمين الأسراء، وكان قد تنصَّر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أميرَ المؤمنين، والمسلمين معه، رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلَم وأعلَمه بمكانٍ في السور كان قد هدمه السيلُ، وبُني بناءً فاسدًا بلا أساس، فنصب المعتصمُ المجانيقَ حول عَمُّوريَّة، فكان أوّل موضع انهدَم [من سورها] (١) ذلك الموضع الذي نصح فيه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدّوه بالخشب الكبار المتلاصقة، فألحَّ عليها المنجنيق فكسرها، فجعلوا فوقها البراذع (٢) ليردَّوا حدَّة الحجر. فلمَّا ألحَّ عليها المنجنيق لم تغنِ شيئًا، وانهدَمَ السّور من ذلك الجانب وتفسَّخ فكتب نائب البَلَد (٣) إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم، فلمَّا اجتازوا بالجيش في طريقهم أنكروا (٤) أمرهما، فسألوهما: من أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان؛ لرجل من المسلمين، فحملا إلى المعتصم، فقررهما فإذا معهما كتابُ ياطس نائب عَمُّوريَّة إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنَّه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتةً، فيناجز المسلمين بمن معه، كائنًا في ذلك (٥) ما كان. فلما وقف المعتصم على ذلك أمَرَ بالغلامين فخُلع عليهما، وأن يُعطى كلُّ واحدٍ منهما بَدْرَةً (٦)،

стр. 5141

فأسلما من فورهما، فأمر بهما الخليفة أن يطاف بهما حول البَلَد وعليهما الخِلَعُ، وأن يوقفا تحت الحِصن الذي فيه ياطس (١) فينثرَ عليهما الدراهم والخِلَع، ومعهما الكتاب الذي كتب به ياطس إلى ملك الروم، فجعلت الروم تلعنهما وتسبُّهما. وأمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتفاظ فيه من خروج الروم بغتةً، فضاقت الروم ذَرْعًا بذلك، وألحَّ عليهم المسلمون في الحصار، وقد أعد المعتصم عليها المجانيق الكثيرة والدبابات وغير ذلك من الآلات الحربية. ولمَّا رأى المعتصم عمقَ خندقها وارتفاع سورها، عمل المجانيق في مقاومة سورها، وكان قد غنم من الطريق غَنَمًا كثيرًا جدًّا، ففرقها في الناس، وقال: ليأكل الرجل الرأس وليجيء بملء جلده ترابًا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك، فتساوى الخندقُ بوجه الأرض من كثرة ما طُرح فيه من جلود الأغنام، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقًا ممهدًا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج اللَّهُ إلى ذلك. وبينما الناس في الجسر [المردوم] (٢) إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب من السور، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدَّةً عظيمة، فظنَّها من لم يرها أنَّ الروم قد خرجوا على الناس بغتةً، فبعث المعتصم من ينادي في الناس: إنما ذلك سقوطُ السور. ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، لكن لم يتسع أن يدخل منه الجيش لضيقه عنهم، فأمر المعتصم بالمجانيق المتفرقة، فجمعت هنالك ونصب حول ذلك الموضع الذي سقط؛ ليضرب بها ما حوله؛ ليتسع لدخول الخيل والرجال. وقوي الحصار هنالك، وقد وكلت الروم بكل برجٍ من أبراج السور أميرًا يحفظه، واتفق أن ذلك الأمير الذي انهدم ما عنده من السور، ضعف عن مقاومة ما يلقاه من المسلمين، فذهب إلى ياطس فسأله النجدة فامتنع أحدٌ من الروم أن ينجده، وقالوا: لا نترك ما نحن بصدده من حفظ أماكننا التي قد عيِّنت لنا. فلمَّا يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به، فلمَّا وصل إليه، أمر الخليفة المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد انهدمت وخلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها، فجعلت الروم يشيرون إليهم؛ لا يجيؤون، ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرًا، وتتابع المسلمون إليها يكبِّرون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها فجعلوا (٣) يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وأين ثقفوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلةٍ ففتحوها قَسْرًا، وقتلوا من

стр. 5142

فيها، وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضعٌ محصَّن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو ياطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه ياطس فناداه المنادي: ويحك يا ياطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك. فقال: ليس ياطس هاهنا، مرتين. فغضب المعتصم من ذلك وولى، فنادى (١) ياطس: هذا ياطس، هذا ياطس! فرجع الخليفة ونصبَ السلالم على الحصن، وطلعت الرسل إليه، فقالوا له: ويحك! انزل على حكم أمير المؤمنين. فتمنَّع، ثم نزل متقلِّدًا سيفًا، فوضع السيف من عنقه، ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضرب (٢) بالسوط على رأسه، ثم أمر به أن يمشي إلى مِضْرَب الخليفة، فمشى مهانًا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك. وأخذ المسلمون من عَمُّوريَّة أموالًا عظيمة وغنائم لا تحدُّ ولا تُوصف، فحملوا ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب، لئلا يتقوَّى بها الروم على شيء من حرب المسلمين. وانصرف [المعتصم] (٣) راجعًا إلى ناحية طَرَسوس في آخر شوال من هذه السنة. وكانت إقامته على عَمُّوريَّة خمسة (٤) وخمسين يومًا (٥). ذكر مقتل العباس بن المأمون كان العباس بن المأمون مع عمِّه المعتصم في غَزاة عَمُّوريَّة، وكان عُجَيف بن عَنبسة قد ندَّمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون حين مات بطَرَسُوس، ولامه على مبايعته عمه المعتصم، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه المعتصم وأخذ البيعة من الأمراء له، وجهَّز رجلًا يقال له: الحارث السمرقندي، كان نديمًا للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن، واستوثق منهم، وتقدَّم إليهم أنَّه متى (٦) ما فتك بعمِّه فليقتل كلُّ واحد منهم من يقدر عليه من رؤوس أصحاب المعتصم، كالأفشين وأشناس وغيرهم من الكبار. فلمَّا كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقرة ومنها إلى عَمُّوريَّة، أشار عُجَيْف على العباس أن يقتلَ عمَّه في هذا المضيق ويأخذَ له البيعة ويرجعَ إلى بغداد، فقال العباس: إنِّي أكره أن أعطِّل على الناس هذه الغزوةَ، فلمَّا فتحوا عَمُّوريَّة، واشتغل الناس بالمغانم، أشار عليه أن يفتك

стр. 5143

به، فوعده مضِيق الدّرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر، فأمر بالاحتفاظ وقوَّةِ الحرس، وأخذ بالحزم، واجتهد في العزم، واستدعى بالحارث السمرقنديّ فاستقره فأقرَّ له بجليَّة الأمر، وأنَّه أخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعةٍ من الأمراء سمَّاهم له، فاستكثرهم المعتصم، واستدعى بابن أخيه العباس بن المأمون فقيَّده وغضب عليه وأهانه، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه، فأرسلَه من القيد وأطلق سراحه، فلمَّا كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلسِ شرابه واستخلاه حتَّى سقاه، واستحكاه عن الذي كان قد دبَّره من الأمر، فشرح له القضية، وأنهى له القصة، فإذا الأمرُ كما ذَكَرَ الحارثُ السمرقنديّ. فلمَّا أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيًا، فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال له: ويحك! إنِّي كنت حريصًا على ذلك، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا بصدقك إياي في هذه القصة. ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسُلِّم إلى الأفشين، وأمر بعُجَيْف وبقيّة من ذكر من الأمراء فاحتيط عليهم، فأحيط بهم، ثم أخذ في أنواع النقمات يقترحها لهم، فقتل كلَّ إنسانٍ منهم بنوعٍ من القتلات، ومات العباس بن المأمون بمَنْبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه جاع جوعًا شديدًا، ثم جيء بأكل كثير فأكل، وطلب الماء، فمنع منه حتى مات. وأمر المعتصم بلعنه على المنابر وسمَّاه اللعين. وقتل جماعةً من ولد المأمون أيضًا (١). وفتحت فيها عَمُّوريَّة كما تقدَّم. وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود. وممن توفي فيها من الأعيان: بابَك الخُرَّمي، قُتِلَ وصُلِبَ كما قدَّمنا ذلك مبسوطًا. وخالد بن خِدَاش (٢). وعبد اللَّه بن صالح، كاتب الليث [بن سعد] (٣).

стр. 5144

ومحمد بن سِنان العَوَقِيّ (١). وموسى بن إسماعيل (٢). ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئتين فيها: خرج رجل بآمُل (٣) طَبَرِستان يقال له: مازيار بن قارن بن وندا هُرْمُز، وكان لا يرضى أن يرفع الحمل (٤) إلى نائب خراسان عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد فيقبضه منه، ثم يدفعه إلى عبد اللَّه بن طاهر، ثم وثب (٥) على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم. وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابَك الخُرَّمِيّ ويعِدُه بالنصر. ويقال: إن الذي قوَّى رأس المازيار هو الأفشين، ليعجز عبدُ اللَّه بن طاهر فيولِّيه المعتصم بلادَ خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، أخا إسحاق بن إبراهيم، في جيشٍ كثيف، فجرَتْ بينهم حرولب طويلة استقصاها ابن جرير (٦)، وكان آخر ذلك أسر المازيار، وحمل إلى عبد اللَّه بن طاهر، فاستقرَّه عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقرَّ بها، فأرسله نحو أمير المؤمنين ومعه من أمواله التي اصطفيت أشياء كثيرة جدًا؛ من الذهب والجواهر والثياب. فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسّياط حتَّى مات، وصلب إلى جانب بابَك الخُزَميّ على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه. وفي هذه السنة تزوَّج الحسن بن الأفشين بأتْرُجَّة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرّاء في جمادى، وكان عرسًا عظيمًا، وليه أمير المؤمنين المعتصم بنفسه، حتى قيل: إنهم كانوا يخضِبُون لحى العامة بالغالية (٧).

стр. 5145

وفيها خرج مَنكجور قرابة الأفشين بأرض أذْرَبيجان، وخلع الطاعة، وذلك أنه كان الأفشين قد استنابه على بلاد أذْرَبيجان حين فَرَغَ من أمر بابَك، فظفر مَنكجور بمالٍ عظيم مخزون لبابَك في بعض البلدان، فاحتجبه لنفسه وأخفاه عن الخليفة، وظهر على ذلك رجلٌ يقال له: عبد اللَّه بن عبد الرحمن، فكاتب الخليفة بذلك، فكتب مَنكجور يكذِّبه في ذلك، وهمَّ به ليقتله فامتنع منه أهل أرْدَبيل. فلمَّا تحقَّق الخليفة كذب مَنكجور بعث إليه بُغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة. وفي هذه السنة مات ياطس الرومي الذي كان نائبًا على عَمُّوريَّة حين فتحها المعتصم، ونزل من حصنه على حكم المعتصم، فأخذه معه أسيرًا فاعتقله بسامرّاء حتى توفي في هذا العام. وفي رمضان منها توفي: إبراهيم بن المهديّ بن المنصور: عم الخليفة، ويعرف بابن شَكْلَة (١)، وكان أسودَ اللون ضخمًا فصيحًا فاضلًا، قال ابن ماكولا (٢): وكان يقال له: التِّنِّين، يعني لسواده، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٣) ترجمة حافلةً، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن أخيه الرشيد مدة سنتين، ثم عزل عنها ثم أعيد إليها الثانية فأقام بها أربع سنين. وذكر من عدله وصرامته أشياءً حسنةً، وأنَّه أقام للناس الحجَّ سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، وكان قد بايعه أهل بغداد في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومئتين كما ذكرنا، وقد قاتله الحسن بن سهل نائبُ بغداد، فهزمه إبراهيمُ هذا، فقصده حُمَيد الطُّوسيّ فهزم إبراهيم، واختفى إبراهيمُ ببغداد حين قدمها المأمون مدة طويلة، ثم ظفر به المأمون سنة عشر فعفا عنه وأكرمه. وكانت مدة ولايته على بغداد ومعاملتها سنة وأحَدَ عشرَ شهرًا واثني عشر يومًا [وقيل: وخمسة أيّام] (٤). وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومئتين، وكانت مدة اختفائه ست سنين وأربعة أشهر وعشرًا، وكان الظفر به في ثالث عشر ربيع الأول من سنة عشر ومئتين. وقد جرت له في اختفائه هذا أمور عجيبة يطول بسطها.

стр. 5146

قال الخطيب البغدادي (١): وقد كان إبراهيم بن المهدي وافرَ الفَضْل، غزيرَ الأدبِ، واسعَ النفس، سخيَّ الكف، وكان معروفًا بصنعة الغناء، حاذقًا بها. وذكر الخطيب (٢) أنَّه قلَّ المال على إبراهيم بن المهدي في أيام خلافته ببغداد، فألحَّ الأعرابُ عليه في أخذ أعطياتهم، فجعل يُسَوف بهم، فخرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مالَ عنده اليومَ، فقال بعضهم: فَلْيَخرج الخليفةُ إلينا فَلْيُغَنِّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، وللجانب الآخر ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دِعْبِلُ بن عليٍّ شاعرُ المأمون يذمُّ إبراهيمَ بن المهدي في ذلك (٣): يا مَعْشَرَ الأعرابِ لا تغلَطوا … خُذُوا عَطاياكُمْ ولا تَسْخَطُوا فَسَوْفَ يُعطيكُمْ حُنَيْنِيَّةْ (٤) … لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُ والمَعْبدِيَّاتُ لِقُوَّادكُمْ … وما بهذا أحدٌ يُغبَطُ (٥) فهكذا يَرْزُقُ أصحابَهُ … خَليفَةٌ مُصْحَفُه البَرْبَطُ (٦) وكتب إبراهيم بن المهدي إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: وليُّ الثَّأْرِ مُحَكَمٌ في القصاص، والعفو أقربُ للتقوى، وقد جعل اللَّهُ أميرَ المؤمنين فوقَ كُل ذي عفوٍ، كما جَعَلَ كلَّ ذي ذنْبٍ دونه، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقِّه (٧). فوقَّع المأمون في جواب ذلك: القدرةُ تُذهِبُ الحفيظةَ، وكفَى بالنَّدم إنابةً، وعفو اللَّهِ أوسَعُ من كُلِّ شيءٍ (٨). ولمَّا دخل إبراهيم عليه، أنشأ يقولُ (٩): إن أكن مُذْنِبًا فحظِّيَ أخطأ … تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبِ قلْ كما قالَ يُوسف لِبَني يَعْـ … ـقُوبَ لمَّا أتَوْهُ: لا تَثْرِيب فقال المأمون: لا تثريب.

стр. 5147

وروى الخطيب (١) البغدادي: أنَّ إبراهيم بن المهديّ لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرَعَ يؤنِّبُه على ما فعل، فقال: يا أمير المؤمنين، حضرْتُ أبي، وهو جدُّك، وقد أُتي برجل ذنبُه أعظمُ من ذنبي، فأمر بقتله، فقال مُبَارك بن فَضَالة (٢): يا أميرَ المؤمنين، إنْ رأيتَ أن تؤخّرَ قَتْلَ هذا الرجل حتى أحدِّثك حديثًا، فقال: قل. قال: حدثني الحسن البصريُّ، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة نادَى منادٍ من بُطْنَانِ (٣) العَرْشِ: ألا لِيَقُم العافون من الخُلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا" (٤). فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله، وعفَوْتُ عنكَ يا عم. وقد ذكرنا في سنة أربع ومئتين زيادة على هذا. وقد كانت له أشعار جيدة بليغة، سامحه اللَّه. وقد ساق من ذلك الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أشياء حسنة كثيرة (٥). كان مولد إبراهيم بن المهدي في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومئة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من رمضان من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة، ﵀. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا: سعيد بن أبي مَريم المصريّ (٦). وسليمان بن حرب (٧). وأبو مَعْمَر المُقْعَد (٨).

стр. 5148

وعليّ بن محمد المَدَائنيّ الأخباري (١)، أحد أئمة هذا الشأن في زمانه. وعمرو بن مَرزُوق، شيخ البخاري (٢)، وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأةٍ. وأبو عبيد القاسم بن سلَّام البغدادي (٣): أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقراءات والأخبار وأيام الناس. وله المصنَّفات المشهورة المنتشرة بين العلماء، حتى يقال: إن الإمام أحمد كتب كتابه في "الغريب" بيده، ولمَّا وقف عليه عبدُ اللَّه بن طاهر رتَّب له في كُل شهر خمسمئة درهم، وأجراها على ذريته من بعده (٤). وذكر ابن خلكان أن ابن طاهر (٥) استحسنه، وقال: ما ينبغي لعقل بعثَ (٦) صاحبه على تصنيف هذا الكتاب، حقيق ألا يُحْوَج صاحبه إلى طلبِ المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر (٧). وقال محمد بن وهب المسعري: سمعت أبا عبيد يقول مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة (٨). وقال هِلال بنُ العلاء الرَّقِّي: مَن اللَّه على المسلمين بهؤلاء الأربعة: بالشَّافعي، تفقَّه في الحديث؛ وبأحمد بن حنبل، ثَبَت في المحنة؛ وبيحيى بن مَعين. نَفَى الكَذِبَ عن الحديث؛ وبأبي عُبَيد، فسَّرَ غريبَ الحديث. ولولا ذلك لاقتحم الناسُ في الخطأ (٩).

стр. 5149

وذكر ابن خلكان أنَّه ولي القضاءَ بطَرَسُوسَ ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئًا كثيرًا (١). وقد روى العربية عن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عُبَيدة [مَعْمَر بن المثنى] (٢)، وابن الأعرابي، والفرَّاء والكسائي وغيرهم (٣). وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا (٤). وقدم بغداد وسمع الناس منه، من تصانيفه (٥). وقال إبراهيم الحَرْبيُّ: كان كأنه جبلٌ نُفخ فيه روحٌ، يُحسِنُ كُلَّ شيء (٦). وقال أحمدُ بن كامل القاضي: كان أبو عُبَيد فاضلًا، ديِّنًا، رَبَّانيًا، متقنًا في أصناف علوم الإسلام: من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حَسَنَ الروايةِ، صَحيح النَّقْلِ، لا أعلمُ أحدًا طَعَنَ عليه في شيءٍ من علمه وكتبة (٧). وله: كتاب "الأموال"، وكتاب "فضائل القرآن" و"معانيه" وغير ذلك من الكتب المنتفع بها، ﵀ (٨). توفي في هذه السنة قاله البخاري (٩). وقيل: في التي قبلها بمكة وقيل: بالمدينة، وله سبع وستون سنة (١٠)، ﵀. وقيل: جاوز السبعين، واللَّه أعلم. محمد بن عثمان أبو الجُماهر الدمشقي الكَفْرسُوسي (١١)، أحد مشايخ الحديث (١٢).

стр. 5150

ومحمد بن الفضل، أبو النُّعمان السَّدُوسي، الملقب بعارِم، شيخ البخاري (١). ومحمد بن عيسى بن الطبَّاع (٢). ويزيد بن عَبد رَبّه الجُرْجُسيّ الحمصيّ، شيخها في زمانه (٣). ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئتين فيها: دخل بُغا الكبير ومعه مَنكجور قد أعْطَى الطاعةَ بالأمان. وفيها: عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وتغضَّبَ (٤) عليه وولَّى على اليمن إيتاخ. وفيها: وجَّه عبد اللَّه بن طاهر بالمازيار، فدخل بغداد على بغلٍ بإكاف (٥) لخمس خلون من ذي القعدة؛ فضربه المعتصم بين يديه أربعمئة وخمسين سوطًا، ثم سُقيَ الماء حتى مات (٦). وأمر بصلبه إلى جانب بابَك الخُرَّميّ، وأقرَّ في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسِّنُ له خَلْعَ الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبني له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمَّى لؤلؤة، إنَّما يسع مكانه فقط. وذلك حين تحقق الخليفةُ أنه كان يريد مخالفته والخروجَ عليه، وأنه يعزِمُ على الذهاب إلى بلاد الخَزَر (٧) ليستجيش بهم على المسلمين، فعاجلَه الخليفةُ بالقبض عليه قبل ذلك كلَّه، وعقد له المعتصم مجلسًا فيه قاضيه أحمد بن دُوَاد (٨) المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيَّات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فاتّهم الأفشين في هذا المجلس بأشياءَ تدلُّ على أنَّه باقٍ على دين أجداده من الفرس؛ وذلك أنَّه غيرُ مختون، فاعتذر بأنه يخافُ من ألم ذلك، فقال له الوزير، وهو الذي كان يتولَّى مناظرته من بين القوم: فأنت تطاعنُ بالرماح في الحروب ولا تخاف من وقعها، وأنت تزعم أنك تخاف من قطع قلفة
следующие страницы →