← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

قال الخطيب البغدادي (١): وقد كان إبراهيم بن المهدي وافرَ الفَضْل، غزيرَ الأدبِ، واسعَ النفس، سخيَّ الكف، وكان معروفًا بصنعة الغناء، حاذقًا بها. وذكر الخطيب (٢) أنَّه قلَّ المال على إبراهيم بن المهدي في أيام خلافته ببغداد، فألحَّ الأعرابُ عليه في أخذ أعطياتهم، فجعل يُسَوف بهم، فخرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مالَ عنده اليومَ، فقال بعضهم: فَلْيَخرج الخليفةُ إلينا فَلْيُغَنِّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، وللجانب الآخر ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دِعْبِلُ بن عليٍّ شاعرُ المأمون يذمُّ إبراهيمَ بن المهدي في ذلك (٣): يا مَعْشَرَ الأعرابِ لا تغلَطوا … خُذُوا عَطاياكُمْ ولا تَسْخَطُوا فَسَوْفَ يُعطيكُمْ حُنَيْنِيَّةْ (٤) … لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُ والمَعْبدِيَّاتُ لِقُوَّادكُمْ … وما بهذا أحدٌ يُغبَطُ (٥) فهكذا يَرْزُقُ أصحابَهُ … خَليفَةٌ مُصْحَفُه البَرْبَطُ (٦) وكتب إبراهيم بن المهدي إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: وليُّ الثَّأْرِ مُحَكَمٌ في القصاص، والعفو أقربُ للتقوى، وقد جعل اللَّهُ أميرَ المؤمنين فوقَ كُل ذي عفوٍ، كما جَعَلَ كلَّ ذي ذنْبٍ دونه، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقِّه (٧). فوقَّع المأمون في جواب ذلك: القدرةُ تُذهِبُ الحفيظةَ، وكفَى بالنَّدم إنابةً، وعفو اللَّهِ أوسَعُ من كُلِّ شيءٍ (٨). ولمَّا دخل إبراهيم عليه، أنشأ يقولُ (٩): إن أكن مُذْنِبًا فحظِّيَ أخطأ … تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبِ قلْ كما قالَ يُوسف لِبَني يَعْـ … ـقُوبَ لمَّا أتَوْهُ: لا تَثْرِيب فقال المأمون: لا تثريب.

стр. 5147

وروى الخطيب (١) البغدادي: أنَّ إبراهيم بن المهديّ لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرَعَ يؤنِّبُه على ما فعل، فقال: يا أمير المؤمنين، حضرْتُ أبي، وهو جدُّك، وقد أُتي برجل ذنبُه أعظمُ من ذنبي، فأمر بقتله، فقال مُبَارك بن فَضَالة (٢): يا أميرَ المؤمنين، إنْ رأيتَ أن تؤخّرَ قَتْلَ هذا الرجل حتى أحدِّثك حديثًا، فقال: قل. قال: حدثني الحسن البصريُّ، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة نادَى منادٍ من بُطْنَانِ (٣) العَرْشِ: ألا لِيَقُم العافون من الخُلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا" (٤). فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله، وعفَوْتُ عنكَ يا عم. وقد ذكرنا في سنة أربع ومئتين زيادة على هذا. وقد كانت له أشعار جيدة بليغة، سامحه اللَّه. وقد ساق من ذلك الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أشياء حسنة كثيرة (٥). كان مولد إبراهيم بن المهدي في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومئة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من رمضان من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة، ﵀. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا: سعيد بن أبي مَريم المصريّ (٦). وسليمان بن حرب (٧). وأبو مَعْمَر المُقْعَد (٨).

стр. 5148

وعليّ بن محمد المَدَائنيّ الأخباري (١)، أحد أئمة هذا الشأن في زمانه. وعمرو بن مَرزُوق، شيخ البخاري (٢)، وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأةٍ. وأبو عبيد القاسم بن سلَّام البغدادي (٣): أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقراءات والأخبار وأيام الناس. وله المصنَّفات المشهورة المنتشرة بين العلماء، حتى يقال: إن الإمام أحمد كتب كتابه في "الغريب" بيده، ولمَّا وقف عليه عبدُ اللَّه بن طاهر رتَّب له في كُل شهر خمسمئة درهم، وأجراها على ذريته من بعده (٤). وذكر ابن خلكان أن ابن طاهر (٥) استحسنه، وقال: ما ينبغي لعقل بعثَ (٦) صاحبه على تصنيف هذا الكتاب، حقيق ألا يُحْوَج صاحبه إلى طلبِ المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر (٧). وقال محمد بن وهب المسعري: سمعت أبا عبيد يقول مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة (٨). وقال هِلال بنُ العلاء الرَّقِّي: مَن اللَّه على المسلمين بهؤلاء الأربعة: بالشَّافعي، تفقَّه في الحديث؛ وبأحمد بن حنبل، ثَبَت في المحنة؛ وبيحيى بن مَعين. نَفَى الكَذِبَ عن الحديث؛ وبأبي عُبَيد، فسَّرَ غريبَ الحديث. ولولا ذلك لاقتحم الناسُ في الخطأ (٩).

стр. 5149

وذكر ابن خلكان أنَّه ولي القضاءَ بطَرَسُوسَ ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئًا كثيرًا (١). وقد روى العربية عن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عُبَيدة [مَعْمَر بن المثنى] (٢)، وابن الأعرابي، والفرَّاء والكسائي وغيرهم (٣). وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا (٤). وقدم بغداد وسمع الناس منه، من تصانيفه (٥). وقال إبراهيم الحَرْبيُّ: كان كأنه جبلٌ نُفخ فيه روحٌ، يُحسِنُ كُلَّ شيء (٦). وقال أحمدُ بن كامل القاضي: كان أبو عُبَيد فاضلًا، ديِّنًا، رَبَّانيًا، متقنًا في أصناف علوم الإسلام: من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حَسَنَ الروايةِ، صَحيح النَّقْلِ، لا أعلمُ أحدًا طَعَنَ عليه في شيءٍ من علمه وكتبة (٧). وله: كتاب "الأموال"، وكتاب "فضائل القرآن" و"معانيه" وغير ذلك من الكتب المنتفع بها، ﵀ (٨). توفي في هذه السنة قاله البخاري (٩). وقيل: في التي قبلها بمكة وقيل: بالمدينة، وله سبع وستون سنة (١٠)، ﵀. وقيل: جاوز السبعين، واللَّه أعلم. محمد بن عثمان أبو الجُماهر الدمشقي الكَفْرسُوسي (١١)، أحد مشايخ الحديث (١٢).

стр. 5150

ومحمد بن الفضل، أبو النُّعمان السَّدُوسي، الملقب بعارِم، شيخ البخاري (١). ومحمد بن عيسى بن الطبَّاع (٢). ويزيد بن عَبد رَبّه الجُرْجُسيّ الحمصيّ، شيخها في زمانه (٣). ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئتين فيها: دخل بُغا الكبير ومعه مَنكجور قد أعْطَى الطاعةَ بالأمان. وفيها: عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وتغضَّبَ (٤) عليه وولَّى على اليمن إيتاخ. وفيها: وجَّه عبد اللَّه بن طاهر بالمازيار، فدخل بغداد على بغلٍ بإكاف (٥) لخمس خلون من ذي القعدة؛ فضربه المعتصم بين يديه أربعمئة وخمسين سوطًا، ثم سُقيَ الماء حتى مات (٦). وأمر بصلبه إلى جانب بابَك الخُرَّميّ، وأقرَّ في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسِّنُ له خَلْعَ الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبني له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمَّى لؤلؤة، إنَّما يسع مكانه فقط. وذلك حين تحقق الخليفةُ أنه كان يريد مخالفته والخروجَ عليه، وأنه يعزِمُ على الذهاب إلى بلاد الخَزَر (٧) ليستجيش بهم على المسلمين، فعاجلَه الخليفةُ بالقبض عليه قبل ذلك كلَّه، وعقد له المعتصم مجلسًا فيه قاضيه أحمد بن دُوَاد (٨) المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيَّات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فاتّهم الأفشين في هذا المجلس بأشياءَ تدلُّ على أنَّه باقٍ على دين أجداده من الفرس؛ وذلك أنَّه غيرُ مختون، فاعتذر بأنه يخافُ من ألم ذلك، فقال له الوزير، وهو الذي كان يتولَّى مناظرته من بين القوم: فأنت تطاعنُ بالرماح في الحروب ولا تخاف من وقعها، وأنت تزعم أنك تخاف من قطع قلفة

стр. 5151

ببدنك؟! وأنه ضرب رجلين؛ إمامًا ومؤذنًا، كلّ واحدٍ ألفَ سوطٍ؛ لكونهما هدما بيتَ أصنامٍ، فاتخذاه مسجدًا. وأنَّه عنده كتاب "كليلة ودمنة"، وفيه الكفر، وهو محلّى بالجواهر والذهب، فاعتذر بأنه ورثه من أبيه. واتُّهم بأنَّ الأعاجم يكاتبونه (١) فتقول: إلى إله الآلهة من عبيده، وأنَّه يقرُّهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه إنما أجراهم على ما كانوا يكاتبون به آباءه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتَّضع عندهم. فقال له الوزير: ويحك! فإذا أبقيتَ لفرعون (٢) حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرجَ عن الطاعة وأنه حئقه حتى ينصر دينَ المجوس الذي كان قديمًا، ويظهره على العرب والمغاربة والأتراك، وأنه كان يستطيب المخنوقة على المذبوحة، وأنه كان في كلّ يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين، ويمشي بينهما، ثم يأكلهما. فعند ذلك كُلِّه أمر المعتصم بُغا الكبير فسحبه (٣) إلى سجنه مهانًا ذليلًا، فجعل يقول: أما (٤) كنتُ أتوقع منكم ذلك. وفي هذه السنة حمل عبد اللَّه بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أُتُرجَّة بنت أشناس إلى سامرَّاء. وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفي من الأعيان: أصْبَغُ بن الفَرَج (٥). وسَعْدُويَه (٦). ومحمد بن سَلام البيكَنْديّ (٧).

стр. 5152

وأبو عُمَر الجَرْمي (١). [وأبو عمر الحَوْضيّ] (٢). [وأبو دُلَف العِجْلي التّميميّ، الأميرُ، أحدُ الأجواد] (٣). وسعيد بن مَسْعَدَة (٤): أبو الحسن الأخْفَش الأوسط البلخيُّ، ثم البصريّ النَّحويُّ، أخذ النحو عن سِيبويه، وصنَّف كتبًا كثيرة؛ منها كتاب في "معاني القرآن"، وكتاب "الأوسط" في النحو، وغير ذلك. وله كتاب في العَروض زاد فيه بحرَ "الخَبب" على الخليل (٥). وسُمِّيَ "الأخفش" لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضًا أجْلَعَ، وهو الذي لا يضم (٦) شفتيه على أسنانه، وكان أولًا يقال له: "الأخفش الصغير" بالنسبة إلى الأخفش الكبير، أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهَجري، شيخ سيبويه وأبي عبيدة، فلمَّا ظهر عليُّ بنُ سليمان ولُقِّب بالأخفش أيضًا، صار سعيدُ بن مَسْعَدَة هو الأوسط، والهَجري الأكبر، وعليُّ بن سليمان الأصغر. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين ومئتين (٧). الجَرْفي النَّحويّ (٨): هو صالحُ بن إسحاق البَصْريّ، قدِمَ بغداد وناظر بها الفرَّاء (٩). وكان قد أخذ النَّحو عن أبي عُبَيدة، وأبي زيدٍ، والأصمعي (١٠). وصنف كتبًا منها: "الفرخ"،

стр. 5153

يعني فرخ كتاب سيبويه، وكان فقيهًا، فاضلًا، نحويًا، بارعًا، عالمًا باللغة، حافظًا لها، دينًا ورعًا حسَنَ المذهب، صحيحَ الاعتقاد، روى الحديث. قاله كلَّه ابنُ خلكان (١). وروى عنه المبرّد (٢). وذكره أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٣). ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئتين في شعبان منها توفي الأفشين في الحبس، فأمر به المعتصم فصُلِبَ، ثم أحرق وذُرِّي رماده في دجلة، واحتيط على أمواله وحواصله، فَوُجِدَ (٤) فيها أصنام مكللة بذهبٍ وجواهر، وكتب عن دين المجوس، وأشياء كثيرة مما يتَّهم بها، ويتحقَّق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس، لعنهم اللَّه. وفيها توفي: محمد بن عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين. وحجَّ بالناس محمد بن داود. وفيها توفي من سادات المحدّثين: إسحاق الفَرْوي (٥). وإسماعيل بن أبي أُوَيْس (٦). وسُنَيد بن داود، صاحبُ التفسير (٧).

стр. 5154

وغسان بن الرّبيع (١). ويحيى بن يحيى التَّمِيميّ، شيخُ مسلم بن الحجاج (٢). أبو دُلَف العِجْلِيّ (٣): القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزّى (٤) بن دُلَف بن جشم بن قيس بن سعد بن عِجْل بن لجيم، الأمير، أبو دُلَف العِجْلِي. أحدُ قواد المأمون والمعتصم، وإليه يُنسب الأميرُ أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب "الإكمال". وكان القاضي جلال الدين القزويني [خطيب دمشق] (٥) يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه. وكان أبو دُلَف هذا كريمًا جوادًا ممدّحًا، قصده الشعراء من كُلِّ أوب، وكان أبو تمام الطائيّ من جملة من يَغشاه ويستمنحُ نداه، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنَّف كتبًا منها "سياسة الملوك"، ومنها في الصيد والبزاة، وفي السلاح، وغير ذلك. وما أحسَنَ ما قال فيه يَكْر بن النَّطَّاح (٦) الشاعر: يا طالبًا لِلْكِيمياءَ وعِلْمِهِ … مَدْحُ ابنِ عيسى الكيمياءُ الأعْظَمُ لو لم يكُنْ في الأرضِ إلا دِرهَمٌ … ومدحْتَهُ لأتَاكَ ذاكَ الدِّرْهَمُ فيقال: إنَّه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم. وكان شجاعًا فاتكًا، ومعطاءً لا يملُّ من العطاء، ويستدين على ذمته ويعطي، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكَرَج (٧) فمات ولم يتمها، فأتمها أبو دُلَف هذا. وكان فيه تشيّعٌ، وكان يقول: من لم يكن مغاليًا في التشيّع فهو ولد زِنَى. فقال له ابنه دُلَف:

стр. 5155

لست على مذهبك يا أبت! فقال له: واللَّه لقد وطئت أمَّك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك (١). فذكر القاضي ابنُ خلكان (٢): أنَّ ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيًا أتاه، فقال: أجب الأمير! قال: فقمت معه، فأدخلني دارًا وَحْشَةً، وَعْرَةً، سوداءَ الحيطان، مغلَّقة السقوف والأبواب، وأصعدني في درجٍ منها، ثم أدخلني غرفة، في حيطانها أثرُ النيران، وفي أرضها أثرُ الزماد، وإذا بأبي فيها وهو عُرْيان، واضعٌ رأسَه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دُلَف؟ فقلت: دُلَف. فأنشأ يقول: أبْلِغَنْ أهْلَنا ولا تُخْفِ عَنْهُمْ … ما لَقِينا في البَرْزَخِ الخَنّاقِ قد سُئِلْنا عن كلِّ ما قدْ فَعَلْنا … فارْحَمُوا وَحْشَتي وَمَا قَدْ ألاقِي ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم! فأنشَدَ: فَلَوْ أنَّا إذا متنا تُرِكْنَا … لَكَانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ ولكنَّا إذا متْنا بُعِثْنا … ونُسْألُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيِّ ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وانتبهت. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئتين فيها: خرَج رجلٌ من أهل الغَور بالشام يقال له: أبو حَزب المُبَرْقَع اليَماني، فخلع الطاعة، ودعا إلى نفسه، [وسُمِّي السفياني] (٣). وكان سبب خروجه أن رجلًا من الجند أراد أن ينزلَ في منزله، وذلك في غيبة أبي حَرْب، فمانَعَتْه المرأة، فضربَها الجنديّ في يدها، فأثَّرت الضربة في معصمها. فلمَّا جاء بعلها أخبرته، فذهب إلى الجندي وهو غافل فضربه، فقتله، ثم تحصَّن في رؤوس الجبال وهو مُبَرْقَعٌ، فإذا جاء أحدٌ دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذمُّ من السلطان، فاتبعه خلق كثير من الحرَّاثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السُّفياني المذكور أنه يملك الشامَ، واستفحل أمره جدًا، واتبعه نحو من مئة ألف مقاتل، فنفذ إليه الخليفةُ المعتصم وهو في مرض موته جيشًا نحوًا من ألفِ مقاتل. فلمَّا قدم الأميرُ وجَدَ أمَّة كثيرةً قد اجتمعوا حوله، فخشي أن يناجزه والحالة هذه، فانتظر حتى جاء وقت حَرْث الأراضي فتصرَّم محنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شِرْذمةٍ قليلة من أصحابه، فناهضه فأسره

стр. 5156

جيش الخليفة، وتفرَّق عنه أصحابه، وحمله أمير السرية، وهو رَجَاء بنُ أيُّوبَ، حتَّى قدِمَ به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخُّره، فاعتذر بأنَّه كان معه مئة ألف أو يزيدون، فلم يزل يطاوله حتى أمكنه ذلك منه، فشكره على ذلك (١). [وقد ذكر قصته مبسوطة الحافظ ابن عساكر في ترجمته من الكنى] (٢). ذكر وفاة المعتصم وفي يوم الخميس لساعتين مضتا منه، الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة، كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور. وهذه ترجمة الخليفة المعتصم (٣): هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن أمير المؤمنين هارون الرشيد بن أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر عبد اللَّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس، ويقال له: المثمَّن؛ لوجوهٍ، منها: أنه ثامن ولد العباس؛ ومنها: أنه ثامن الخلفاء من ذريته؛ ومنها: أنه فتح ثمان فتوحات؛ [بلاد بابك، على يدي الأفشين، وعَمُّوريَّة بنفسه، والزُّطّ بعُجَيف، وبَحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشارك، وفتح مصر بعد عصيانها. وقيل: ثمانية أعداء؛ بابك، ومازيار، وياطى الرومي، والأفشين، ورئيس الزنادقة، وعُجَيف، وقارن، وقائد الرافضة] (٤): ومنها: أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وقيل: ويومين؛ وأنه ولد سنة ثمانين ومئة في شعبان، وهو الشهر الثامن؛ ومنها: أنه توفي وله من العمر ثمانية (٥) وأربعون سنة؛ ومنها: أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات؛ ومنها: أنه دخل بغداد من الشام وهو خليفة في مستهل رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين، بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة، بعد موت أخيه المأمون بطَرَطُوس، كما تقدَّم. قالوا: وكان أُمِّيًا لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتَّاب غلامٌ، فمات، فقال لأبيه: مات فلان واستراح من الكتّاب، فقال له أبوه الرشيد: لا تذهب إلى الكتَّاب

стр. 5157

بعدها، فتركوه فكان أميًّا. وقيل: بل كان يكتب كتابةً ضعيفةً (١). وقد أسند الخطيب (٢) البغداديّ من طريقه عن آبائه حديثين منكرين؛ أحدهما: في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء. والثاني: في النهي عن الحِجامة يومَ الخميس. وذكر بسنده (٣) عن المعتصم: أنَّ ملك الروم كتب إليه كتابًا يتهدَّدُه فيه، فقال للكاتب: اكْتُبْ: "قد قرأتُ كتابَك وسمعت خطابَكَ، والجوابُ ما تَرى لا ما تسمَعُ ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] ". قال الخطيب (٤): غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، فأنْكَى نكايةً عظيمة في العدوِّ، ونصب على عَمُّوريّة المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها، فقتل فيها: ثلاثين ألفًا، وسبَى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقًا، وطرح النار في عَمُّوريَّة من سائر نواحيها، فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق، وهو باقٍ حتى الآن، منصوب على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر. وروى عن أحمد بن أبي دُواد القاضي أنه قال: ربَّما أخرج المعتصمُ ساعدَه إليَّ، وقال لي: عضَّ يا أبا عبد اللَّه بكل ما تقدر عليه، فأقول: إنه لا تطيبُ نفسي يا أميرَ المؤمنين! فيقول: إنه لا يضرُّني. فأكْدِم (٥) بكلِّ ما أقدرُ عليه فلا يؤثِّر ذلك في يده (٦). وقال: مَرَّ يومًا في خلافة أخيه بمخيَّم الجندِ، فإذا امرأة تقول: ابني ابني فقال: ما شأنُكِ؟ فقالت: أخذه صاحبُ هذه الخيمة، فجاء إليه المعتصم، فقال له: أطلق هذا الصبي! فامتنع عليه، فقبض على

стр. 5158

جسده بيده، فسُمع صوتُ عظامه من تحت يده، ثم أرسلَه، فسقَطَ ميتًا، وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمة (١). ولمَّا ولي الخلافة كان شَهْمًا في أيامه، له همة عالية، ومهابة عظيمة جدًا. وقال بعضهم: إنما كانت همته [في الإنفاق] (٢) في الحرب لا في البناء ولا في غيره. وقال القاضي أحمد بن أبي دُواد: تصدَّقَ المعتصم على يديَّ، وهب ما قيمته مئة ألف ألف درهم (٣). وقال غيره: كان المعتصم إذا غضبَ لا يبالي مَنْ قَتَل ولا ما فعل (٤). وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلتُ يومًا على المعتصم وعنده قَيْنةٌ له تغنيه، فقال لي: كيف تراها؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أراها تقهَرُه بحِذْقٍ، وتختله برِفقٍ، ولا تخرُجُ من شيء إلا إلى أحسنَ منه، وفي صوتها قطع شُذُور أحسنُ من نظم الدُّرِّ على النُّحور. فقال: واللَّه لَصِفَتُكَ لها أحسنُ منها ومن غنائها، ثم قال لابنه هارون الواثق وليّ عهده من بعده: اسمع هذا الكلام (٥). وقد استخدم من الأتراك خَلْقًا عظيمًا، كان له من المماليك قريبٌ من عشرين ألفًا. وتمَّ له من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره. ولمَّا حضرته الوفاةُ جعل يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال: لو علمت أن عمري قصيرٌ ما فعلْتُ ما فعلْتُ. وقال: إني أوخذ من بين هذا الخلق. وجعل يقول: ذهبَت الحيل، فليست حيلة. ورُوي عنه أنه قال في مرض موته: اللَّهُمَّ إني أخافُكَ مِنْ قِبَلى ولا أخافُكَ مِن قِبَلِك، وأرجوك من قِبَلِك، ولا أرجُوكَ مِن قِبَلِي (٦). وكانت وفاته "بسرَّ مَنْ رأى" في يوم الخميس ضحّى لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، وكان مولده يوم الإثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومئة، وولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومئتين.

стр. 5159

وكان المعتصم أبيضَ، أصهبَ (١) اللحية طويلها، مربوعًا، مُشْرَبَ اللون. أمُّه أمُّ ولد اسمُها مارِدة. وهو أحدُ أولاد ستةٍ من أولاد الرشيد، كلٌّ منهم اسمُه محمد، وهم: أبو إسحاق المعتصم، وأبو العباس الأمين، وأبو عيسى، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب؛ قاله هشام بن الكلبي (٢). وقد قام بالخلافة بعدَه ولدُه هارون الواثق. ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه، فقال (٣): قَد قُلْتُ إذْ غَيَّبُوكَ واصطَفَقَتْ … عَلَيْكَ أيدي (٤) التُّراب والطِّينِ اذهَبْ فنِعمَ الحفيظُ كنْتَ على الـ … ـدُّنْيا ونِعْمَ الظهيرُ للدِّينِ لا جَبَرَ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ … مِثلَكَ إلا بمِثْلِ هارُونِ وقال مَرْوان بن أبي الجنوب، وهو ابن أخي مروان ابن أبي حَفْصة (٥): أبو إسحاقَ ماتَ ضُحًى فمِتْنا … وأمْسَيْنا بهارُونٍ حَيينا لئنْ جاءَ الخميسُ بما كرهنا … لقَدْ جَاءَ الخميسُ بما هَوِينا خلافة هارون الواثق باللَّه بن المعتصم بُويع له بالخلافة قبل أن يموت أبوه المعتصم يوم الأربعاء لثمانٍ خلَوْن من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين ومئتين. ويكنى بأبي جعفر، وأُمُّه أمُّ ولدٍ رُوميَّة، يقال لها: قراطيس، وقد خرجَتْ في هذه السنة قاصدةً الحجَّ، فماتت بالحيرة، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خَلَوْن من ذي القعدة من هذه السنة (٦). وكان الذي أقام للناس الحجَّ في هذه السنة جعفر بن المعتصم (٧).

стр. 5160

وممن توفي في هذه السنة من المشاهير: ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكانت مدَّة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكَتْ بعده امرأته تدورة، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرًا (١). وفيها توفي: بِشْر الحافِي الزاهد المشهور (٢): وهو بِشْر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد اللَّه المَرْوَزيّ، أبو نَصْر الزاهد، المعروف بالحَافي، نزيلُ بغداد. قال ابن خلكان (٣): وكان اسمُ جدِّه عبد اللَّه الغيور، أسلم على يدي عليّ بن أبي طالب. قلت: وكان مولدُه ببغداد سنة خمسين ومئة، وسمع بها شيئًا كثيرًا من حمَّاد بن زيد، وعبد اللَّه بن المُبَارك، وابن مهدِيّ، ومالكٍ، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم. وعنه جماعة، منهم: أبو خَيْثمة زهير بن حرب، وسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتِم. قال محمد بن سعد (٤): سمع كثيرًا، ثم اشتغل بالعبادة، واعتزل الناس، ولم يُحدِّثْ. وأثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشُّفه. قال [الإمام أحمد يوم بلغه موتُه: لم يكن له نظيرٌ إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوَّج لكان قد تمَّ أمرُه (٥). وقال إبراهيم الحربيُّ: ما أخرجَتْ بغدادُ أتمَّ عقلًا، ولا أحفَظَ للسانه منه، ما عُرِفَ له غِيبةٌ لمسلمٍ، وكان في كل شعرة (٦) منه عقل. ولو قُسم عقلُه على أهل بغدادَ لصاروا عقلاءَ وما نقص من عقله شيء (٧).

стр. 5161

وذُكِر عن غير واحدٍ أنَّه كان شاطرًا (١) في بدء أمره، وأنَّ سبب توبته أنه وجد رُقْعَة فيها اسمُ اللَّه في أتُونِ حمَّامٍ، فرفعها، ورفعَ طَرْفَه إلى السّماء، وقال: سيّدي! اسمُك هاهنا ملقًى! ثم ذَهَبَ إلى عطّار فاشترى بدرهم غاليه (٢) وضمَّخ تلك الرُّقْعَة منها، ووضعها حيث لا تُنال، فأحْيَى اللَّهُ قلبَه، وألهمه رشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة (٣). ومن كلامه: مَنْ أحبَّ الدنيا فليتهيَّأ للذُّلِّ. وكان يأكلُ الخبزَ وحدَهُ، فقيل له: بماذا تأتدم؟ فقال: أذكر العافيةَ فأجعلها أدْمًا. وكان لا يلبَسُ نعلًا بل يمشي حافيًا، طرق يومًا بابًا، فقيل: من؟ فقال: بِشر الحافي. فقالت جارية أما وجَدَ دانقين (٤) يشتري له بها نعلًا ويستريح من هذا الاسم؟ قالوا: وكان سببُ تركه النعلَ: أنَّه جاء إلى حَذَّاء فطلب منه شِراكًا (٥) لنعله، فقال له: ما أكثرَ كلفتكم (٦) على الناس؟ فطرح النَّعلَ من يده، وخَلَعَ الأخرى من رجله، وحلَفَ لا يلبَسُ نعلًا أبدًا (٧). قال ابن خلكان (٨): وكانت وفاته يومَ عاشوراء، وقيل: في رمضان ببغداد، وقيل: بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل: في سنة ستٍّ وعشرين، والأول أصحُّ، واللَّه أعلم. وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد على (٩) بَكْرَةِ أبيهم، فأُخرج من بعد صلاة الفجر، فلم يستقرَّ في قبره إلا بعدَ العَتَمَةِ؛ وكان عليّ بن المدينيّ وغيرُه من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا واللَّه شرفُ الدنيا قبل شَرَفِ الآخرة (١٠). ورُوي: أنَّ الجِنَّ كانت تنوحُ عليه في بيته الذي كان يسكن فيه. وأنَّه رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكلِّ من شهد جنازتي، ولكل مَن أحبَّني إلى يوم القيامة (١١).

стр. 5162

وذكر الخطيبُ البغداديّ (١) أنه كان له أخواثٌ ثلاثٌ، وهنَّ: مُخَّة، ومُضْغة، وزُبْدة؛ وكلهنَّ عابدة زاهدة مثله، وأشدّ ورعًا أيضًا؛ ذهبت إحداهن فاستأذنَتْ على أحمد بن حنبل ﵀، فقالت: إنِّي ربَّما طُفئ السّراج عليَّ وأنا أغزِلُ، فإذا كان ضوء قمرٍ غزلْتُ فيه، فعليَّ عند البيع أن أميزَ بين هذا وهذا؟ فقال لها: إنْ كان بينهما فرقٌ فأعلمي به المشتري. وقالت (٢) له: مرَّ الحرَسُ ليلة بمشعلٍ، فغَزَلْتُ في ضوئه طاقات، فخلّصني من ذلك. فأمرَها أن تتصدَّق بذلك الغَزْلِ كلِّه لِما اشْتبه عليه معرفةُ [عين] ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض: أفيه شكْوَى؟ قال: لا، إنَّما هو شكوى إلى اللَّه . ثم خرجت، فقال [لابنه عبد اللَّه] (٣): يا بني، اذهبْ فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ قال عبدُ اللَّه: فذهبتُ وراءها، فإذا هي قد دخلَتْ دارَ بِشْر الحافي، وإذا هي أخته، وفي رواية: مُخَّة. وروى الخطيب (٤) البغدادي عن زُبْدَة، قالت: جاء ليلة أخي بِشْر، فدخل برجلِه في الدار، وبقيت الأخرَى من خارج، فاستمرَّ كذلك ليلَته حتَّى أصبَحَ، فقيل له: فيمَ تفكَّرْتَ ليلتَكَ؟ قال: تفكَّرْتُ في بِشْر النصرانيّ، وبِشْر اليهوديّ، وبِشر المجوسيّ، وفي نفسي، واسمي بِشْرٌ، فقلْتُ في نفسي: ما الذي سبَقَ منك [إليه] حتى خصَّكَ بالإسلام من بينهم؟ فتفكَّرْتُ في تَفضُّلِه عليَّ، وحمِدْتُه على أن جعلني من خاصته، وألبَسَني لباسَ أحبابه. وقد ترجمه ابنُ عساكر (٥) فأطنب، وأطيب، وأطال من غير مَلال. وقد ذكر ابن عساكر أشعارًا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات (٦): تعافُ القَذَى في الماءَ لا تستطيعُهُ … وتكرَعُ في حَوْضِ الذنوب فتشربُ وتؤثرُ من أكلِ الطَّعامِ ألَذَّهُ … ولا تذكرُ المختارَ من أينَ يُكسبُ (٧) وترقُدُ يا مسكين فوقَ نَمَارقي (٨) … وفي حشوها نارٌ عليك تَلَهَّبُ فحتى متى لا تَستفِيقُ جهالةً … وأنتَ ابنُ سبعينَ بدينكَ تلعَبُ

стр. 5163

وممن توفي فيها: أحمد بن يونُس اليَربوعيّ (١). وإسماعيل بن عَمرو البَجَليّ (٢). وسعيد بن منصور، صاحب "السُّنن" المشهورة التي لا يشاركه في مثلها إلا القليل (٣). ومحمد بن الصَّبَّاح الدُّولابي، وله "سُنن" أيضًا (٤). وأبو الوليد الطَّيالسيّ (٥). وأبو الهُذَيل العلاف، المتكلِّم المعتزليّ (٦). ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئتين في رمضانها خلَعَ الخليفة الواثق على أشناس الأمير، وتوجَّه، وألبَسَهُ وِشاحَين من جوهرٍ. وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود الأمير. وغَلا السعر على الناس في طريق مكة جدًا، وأصابهم حرٌّ شديد وهم بعرفة، ثم برد شديد ومطر عظيم في ساعةٍ واحدةٍ، ونزل عليهم وهم بمِنًى مطرٌ لم يُرَ مثله، وسقطت قطعةٌ من الجبل عند جمرة العقبة فقتلَتْ جماعةً من الحجَّاج.

стр. 5164

قال ابنُ جرير (١): وفيها مات أبو الحسن المدائنيّ في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وحَبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر. قلت: أمَّا أبو الحسن، عليّ بن محمد المدائنيّ، أحدُ أئمة هذا الشأن، وإمام الأخباريين في زمانه، فتقدَّم (٢) ذكرُ وفاته قبل هذه السنة، واللَّه أعلم. وأمَّا أبو تمَّام الطائي الشاعر (٣): صاحبُ الحماسة التي جمعها في فصل الشتاء بهَمَذان، في دار وزيرها، فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشَج بن يحيى بن مرينا بن سهم بن خلجان بن مروان بن دُفافة بن مرّ بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عَدي بن عمرو بن الحارث بن طيِّئ، وهو جُلْهُمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان (٤)، أبو تمَّام الطائي الشاعر الأديب المشهور. ونقل الخطيب (٥) عن محمد بن يحيى الصولي: أنه حكي عن بعض الناس أنهم قالوا: أبو تمَّام حبيب بن تدوس النصراني، فسماه أبو تمام (٦) أوس بدل تدوس. قال ابن خلكان (٧): وأصله من قرية جاسم من عمل الجَيْدور بالقرب من طَبَريَّةَ. وكان بدمشق يعمل عند حائك. ثم صار (٨) إلى مصر في شبيبته. وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ الحافظ ابن عساكر (٩)، وقد ترجم أبا تمام ترجمة حسنة. وقال الخطيب (١٠) البغدادي: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء فأخذ عنهم، وتعلَّم منهم. وكان فطنًا فهمًا، وكان يحبُّ الشعر، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره، فحمله إليه، وهو بسرَّ مَن رأى، فعمل فيه قصائدَ، فأجازه المعتصم، وقدَّمه على شعراء وقته، فقدم بغدادَ فجالس الأدباءَ،

стр. 5165

وعاشر العلماء، وكان موصوفًا بالظَّرْف، وحسن الأخلاق، وكرم النفس. وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارًا مسندة. قال القاضي ابن خلكان (١): كان يحفظ أربعة (٢) عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك. وكان يقال: في طيِّئ ثلاثة: حاتِمٌ في كرمه، وداود الطائيُّ (٣) في زهده، وأبو تمَّام في شعره. قلْتُ: وقد كان الشعراء في زمانه جماعةً، فمن مشاهيرهم: أبو الشِّيص (٤)، ودِعْبِل بن علي، وابن أبي فنن (٥)، وقد كان أبو تمام من خيارهم دينًا وأدبًا وأخلاقًا. ومن رقيق شعر (٦): ياحَليفَ النَّدى ويا مَعدِنَ (٧) الجُو … دِ ويا خَيْرَ مَن حَويتَ (٨) القَريضا ليتَ حُمَّاكَ بي وكانَ لكَ الأجْـ … ـرُ فلا تشتكي وكنتُ المريضا وقد ذكر الخطيب (٩) عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: أنَّ أبا تمام توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، وكذا قال ابن جرير (١٠). وحكي عن بعضهم أنه قال: توفي في سنة إحدى وثلاثين (١١). وقيل: سنة ثنتين وثلاثين (١٢) ومئتين، اللَّه أعلم.

стр. 5166

وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة. وحكى الصولي عن الوزير محمد بن عبد الملك بن الزتات أنّه قال يرثيه (١): نَبَأٌ أتَى مِن أعظم الأنباءِ … لمَّا ألَمَّ مُقَلْقِل الأحْشَاءِ قَالُوا حَبيبٌ قَدْ ثَوَى فأَجَبْتُهم … نَاشَدْتُكُم لا تَجْعَلُوهُ الطَّائي وقال غيره (٢): فُجِعَ القَريضُ بخَاتَمِ الشُّعَراءِ … وَغَديرِ رَوْضتِها حَبيبِ الطائي مَاتا مَعًا فَتَجاوَرا في حُفْرَةٍ … وكذاكَ كانا قَبْل في الأحْياءِ وقد جمع الصُّولي شعرَ أبي تمام على حروف المعجم. قال القاضي ابن خلكان (٣): وقد امتدح أحمدَ بن المعتصم، ويقال: أيَّنَ المأمون، بقصيدته التي يقول فيها: إقْدامُ عَمْرٍو في سَمَاحَةِ حَاتِمٍ … في حِلْمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إياسِ فقال له بعضُ الحاضرين (٤): أتقول هذا للأمير وهو أكبرُ قدرًا من هؤلاء (٥)؟ فأطرق ساعةً، ثم قال: لا تُنْكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ … مَثلًا شَرُودًا في النَّدى والبَاسِ فاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ … مَثلًا مِنَ المِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ فلَّما أخذوا منه القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنَّما قالهما ارتجالًا. فقال [بعضهم]: لا يعيش هذا بعد هذا إلا قليلًا، فكان كذلك. قال القاضي ابن خلكان (٦): وقد زعم بعضهم أنَّ هذه القصيدة امتدح بها بعضَ الخلفاء، فأقطعه الموصل، فأقام بها أربعين يومًا، وليس هذا بصحيح، ولا أصلَ له، وإن كان قد لهِج به بعضُ الناس، كالزمخشري وغيره.

стр. 5167

وقد أورد له الحافظ ابن عساكر (١) أشياء مستظرفة من شعره الرائق ونظمه الفائق، فمن ذلك قوله (٢): ولَوْ كانَتِ الأرْزَاقُ تُجْرَى على الحِجَا … هَلَكْنَ إذًا من جَهْلِهنَّ البَهَائِمُ ولَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وغَرْبٌ لِقَاصِدٍ … ولا المَجْدُ في كفِّ امرئٍ والدَّراهِمُ ومنه قوله (٣): وما أنا بالعراقِ مِن دُونِ عُرْسِه (٤) … إذا أنا لم أُصْبعْ غَيُورًا على العِلْمِ طَبيبُ فؤادي مُذْ ثلاثون حجَّةً (٥) … ومُذهِبُ همِّي والمُفَرِّجُ للغَمَ (٦) وممن توفي فيها من الأعيان: أبو نَصر التَّمَّار (٧). والعَيْشي (٨). وأبو الجَهْم (٩). ومُسَدَّد (١٠). وداودُ بن عَمرو الضَّبِّي (١١).

стр. 5168

ويحيى بن عبد الحَميد الحِمَّانيّ (١). ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئتين في هذه السنة أمر الواثق باللَّه بضرب الدَّوَاوين (٢) واستخلاص الأموال منهم (٣)، فمنهم مَن ضُرب ألف سوط، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك. وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشُّرَط بالعَداوة، فكُشفوا وحُبسوا ولقوا جهدًا عظيمًا. وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس، وافتضحوا فضيحة بليغة. وكان سببُ ذلك أنَّ الواثق جلس ليلةً في دار الخلافة يُسمَر عنده، فقال: هل منكم أحدٌ يعلم سبب عقوبة جدّي الرشيد للبرامكة؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أميرَ المؤمنين! كان سبب ذلك: أنَّ الرشيد عُرضت عليه جارية، فأعجبه جمالُها، فساوم سيدَها فيها، فقال: يا أميرَ ألمؤمنين! إني أقسمت [بكل يمين] (٤) ألا أبيعَها بأقلَّ من مئة ألف دينار، فاشتراها منه بها، وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث بها إليه من بيت المال، فاعتلَّ بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد يؤنِّبُه، ويقولُ: أليس في بيت مالي مئة ألف دينار؟ وألحَّ في طلبها، فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهِمَ ليستكثر ذلك، ولعلَّه يردُّ الجارية، فبعثوا بمئة ألف دينار دراهمَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك، وأمرَ بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبَه جمعُ المال في حواصله. ثم شَرَعَ في تتبُّع أموال بيت المال، فإذا البرامكة قد استهلكوه، فجعل يهمُّ بأخذهم تارة، ويحجم أخرى، حتى كان في بعض الليالي سمر عنده رجلٌ يقال له: أبو العود، فأطلق له ثلاثين ألف درهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك، فماطله بها مدة طويلة. فلمَّا كان في بعض الليالي عرض أبو العود ذلك للرشيد بقول عمر بن أبي ربيعة (٥): وَعَدَتْ هِنْدٌ وما كانتْ تَعِدْ … لَيْتَ هِنْدًا أنْجَزَتْنا ما تَعِدْ واسْتَبَدَّتْ مَرَّة واحِدَةً … إنَّما العاجِزُ مَن لا يَسْتَبِدّ

стр. 5169

فجعل الرشيدُ يكرِّر قولَه: إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ، ويعجبُه ذلك. فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيدُ هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بنُ خالد وخافَ وسأل عمن أنشد ذلك للرشيد؟ فقيل له: أبو العود. فبعث إليه فأنجز له الثلاثين ألفًا، وأعطاه من عنده عشرين ألفًا، وكذلك ولداه الفضل وجعفر، فما كان عن قريبٍ حتى أخذ الرشيدُ البرامكة، وكان من أمره وأمرهم ما كان. فلمَّا سمِعَ ذلك كلّه الواثقُ أعجبه ذلك وجعلَ يكرِّر قولَ الشاعر: إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ، ثم بطش بالكتَّاب على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالًا عظيمة جدًا (١). وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير الحجيج في السنين الماضية. وممن توفي فيها من الأعيان: خلف بن هشام البزَّار، أحد مشاهير القرَّاء (٢). وعبد اللَّه بن محمد المُسْنَديّ (٣) ونُعَيْم بن حمَّاد الخُزاعيّ، أحد أئمة السُّنَّة بعدَ أن كان من أكابر الجَهْمية، وله المصنَّفات المشهورة في الفتن وغيرها (٤). وممن توفي في هذه السنة دينار بن عبد اللَّه (٥)، المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الإسناد إليه، ولكنها موضوعة.

стр. 5170

سنة ثلاثين ومئتين في جمادى (١) منها خرجت بنو سُليم حول المدينة النبوية، فعاثوا في الأرض فَسَادًا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهلُ المدينة، فهزموا أهلَها، واستحوذوا على ما بين المدينة ومكّة وتلك المناهل والقُرى. فبعث إليهم الواثقُ بُغا الكبيرَ أبا موسى التركيّ في جيشٍ، فقاتلهم في شعبان، فقتَلَ منهم خمسين فارسًا، وأسر مثلهم، وانهزم بقيتُهم، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أميرِ المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلقٌ كثيرٌ، فدخل بهم المدينة، وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية. وخرج إلى الحجِّ في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعب نائبُ العراق. وحجَّ بالناس محمد بن داود الأمير. وفي هذه السنة توفي: عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين (٢): نائبُ خراسان وما والاها من البلدان. وكان خراج ما تحت يده ثمانية وأربعين ألفَ ألف درهم، فولَّى الخليفةُ ابنه طاهرًا مكانه. وكانت وفاة عبد اللَّه بن طاهر الأمير بعد موت أشناس التركي بتسعة أيام، وذلك يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة. وقد حكى القاضي ابن خلكان (٣): أنه توفي سنة ثمان وعشرين بمَرْو، وقيل: بنيسابور. وكان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له شعر حسنٌ، أورد له منه. قال (٤): وقد ولي نيابة مصرَ بعد العشرين ومئتين. وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي: أن البطيخ العَبْدَلاوي الذي بمصرَ منسوبٌ إلى عبد اللَّه بن طاهر هذا. قال القاضي ابن خلكان (٥): إما أنه كان يستطيبه، أو لأنَّه أوَّلُ مَن زرعه هناك، واللَّه أعلم. ومن شعره (٦): اغتفِرْ زَلَّتي لِتُحْرِزَ فَضْلَ الشُّـ … ــكْرِ مِنَّي ولا يفوتَكَ أجْرِي

стр. 5171

لا تَكِلْنِي إلى التَّوسُّلِ بالعُذْ … رِ لَعَلّي ألَّا أقُوم (١) بِعُذْرِي ومن شعره أيضًا (٢): نحنُ قومٌ تُلِينُنا الحَدَقُ النُّجْـ … ــلُ علَى أنَّا نُلينُ الحَدِيدا طَوعَ أيدي الظِّبا تَصَيَّدنا (٣) العِيـ … ـــنُ ونقتادُ بالطِّعانِ الأسودا (٤) نملكُ الصَّيدَ ثم تملِكُنا البيـ … ـــضُ المضيئات (٥) أعيُنًا وخُدودا تتَّقي سُخْطنا الأسودُ ونخشى … سَخَطَ الخِشْفِ (٦) حين تُبدي الصُّدودا فترانا يومَ الكريهةِ أحرا … رًا وفي السِّلم للغواني عَبيدا قال ابن خلكان (٧): وكان خُزاعيًا من موالي طَلْحة الطَّلَحات الخُزَاعيّ (٨)، وقد كان أبو تمام يمدحه، فرحل مرةً إليه، فأضافه الثلج بهَمَذَان، فصنَّف كتاب "الحماسة" عند بعض رؤسائها. وروى الحافظ ابن عساكر (٩) أنَّه لمَّا ولاه المأمونُ نيابة بلاد الشام وديار مصر، سار إليها، وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرَّقها كلَّها في مجلس واحد. وأنه لمَّا واجه مصرَ نظرَ إليها فاحتقَرَها، وقال: قبَّحَ اللَّهُ فرعون! ما كان أخسَّه وأضعفَ همَّته حين مَلَكَ هذه القريةَ، وقال: أنا ربُّكُم الأعْلَى! [ثم قال عبد اللَّه بن طاهر: واللَّه لا أدخلها (١٠)] (١١). وممن توفي فيها: عليُّ بن الجَعْد الجوهريُّ (١٢).

стр. 5172

ومحمد بن سعد (١)، كاتبُ الواقديّ، وله كتاب "الطبقات" وغيرها من المصنفات. وسعيد بن محمد الجَرْميّ (٢). ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئتين فيها: وقعت مفاداةٌ لجماعةٍ من المسلمين كانوا بأيدي الروم، على يدي الأمير خاقان الخادم، وذلك في المحرّم من هذه السنة، وكان عدة الأسارى الذين استُنقذوا من أيدي الكفار أربعة آلاف وثلاثمئة واثنين وستين أسيرًا، وللَّه الحمد والمنة. وفيها كان مقتل: أحمد بن نَصْر الخُزَاعي (٣): ﵀ وأكرم مثواه. وكان سبب ذلك أنَّ هذا الرجلَ، وهو أحمد بن نَصْر بن مالك بن الهَيْثم الخُزَاعيّ؛ وجدُّه مالك بن الهَيْثم من أكبر الدعاة في الناس إلى دولة بني العبّاس (٤)، وكانت له وجاهة ورياسة؛ وكان أبوه نَصْر بن مالك يَغْشاه أهلُ الحديث، وقد بايعه العامّة في سنة إحدى ومئتين على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين كثرت الدُّعّار والشُّطّار (٥) في أرجاء بغداد في زمان غيبة المأمون عن بغداد، كما قدَّمنا بسط ذلك، وبه تُعرف سُوَيْقَهُ (٦) نَصْرٍ ببغداد. وكان أحمد هذا من أهل العلم والديانة والعمل والاجتهاد في الخير، ومن أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلامُ اللَّه، منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ،

стр. 5173

وكان الواثقُ هارون من أشدّ الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، اعتمادًا على ما كان عليه أبوه المعتصم وعمه المأمون في ذلك، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن (١). فاجتمع على هذا الرجل أحمد بن نصر جماعة من أهل بغداد، والتفَّ عليه من الألوف أعدادٌ. وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نَصْر هذا رجلان، وهما أبو هارون السرَّاج يدعو أهل الجانب الشرقيّ، وطالب (٢) يدعو أهلَ الجانب الغربي. ولمَّا كان شعبان من هذه السنة انتظمَت البيعةُ لأحمدَ بن نَصْر الخُزاعيّ في السرّ على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان، لِبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن (٣). . فتواعدوا على أنَّه في الليلة الثالثة من شعبان، وهي ليلة الجمعة، يُضْرَبُ طبلٌ في الليل، فيجتمع الناس الذين بايعوا في مكانٍ اتفقوا عليه، وأنفَقَ طالبٌ وأبو هارون في أصحابه دينارًا دينارًا، فكان في جملة مَن أعطوه رجلان من بني أشْرس، وكانا يتعاطيان الشرابَ، فلمَّا كانت ليلة الخميس شرِبا في قومٍ من أصحابهم، واعتقدا أنَّ تلك الليلة هي ليلةُ الوعْدِ، وكان ذلك قبلَه بليلةٍ، فقاما يضربان على طبلٍ في الليل؛ ليجتمعَ إليهما الناسُ، فلم يجيءْ أحدٌ، وانخرَمَ النّظام، وسمِعَ الحرسُ في الليل، فأعلموا نائبَ السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، نائب أخيه إسحاق بن إبراهيم؛ لغيبته عن بغدادَ، فأصبح الناس متخبِّطينَ، واجتهد نائبُ السلطنة على إحضار ذينك الرجلين، فعاقبهما، فأقرَّا عليه في الحال، فتطلب أحمد بن نصر، وأخذ خادمًا له فاستقرّه فأقرَّ بما أفرَّ به الرجلان، فجمع جماعةً من رؤوس أصحاب أحمد بن نَصْر معه، وأرسَلَ بهم إلى الخليفة بسُرَّ مَن رأى، وذلك في آخر [يوم من] (٤) شعبان من هذه السنة. فأحضر له جماعة من الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دواد المعتزليّ، ولم يظهر منه على أحمد بن نَصْر عتب. فلمَّا أوقف أحمد بن نَصْر بين يدي الخليفة الواثق فلم يعاتبْه على شيء ممَّا كان منه في أمر مبايعة العامة له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعرض عن ذلك، وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلامُ اللَّه. قال: أمخلوقٌ هو؟ قال: هو كلامُ اللَّه. وكان أحمد بن نصر قد استقبل (٥) وحضر، وقد تحنَّط وتنوَّرَ (٦) فقال له الواثق: فما تقولُ في ربِّك، أتَراه يوم القيامة؟ فقال: يا أميرَ

стр. 5174

المؤمنين (١)! جاءت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "تَرَوْنَ ربَّكُم يومَ القيامة كما تَرَوْنَ هذا القمرَ لا تُضامُّون في رؤيته" (٢)؛ فنحن على الخبر. زاد الخطيبُ (٣) في إيراده؛ فقال الواثق: وَيْحَك! أيُرَى كما يُرى المحدودُ المتجسّم؟ ويحويه مكان ويحصُره الناظرُ؟ أنا أكفُرُ بربٍّ هذه صفته. قلت: وهذا الذي قاله الخليفة الواثق لا يرد، ولا يلزم، ولا يرد به مثل هذا الخبر الصحيح، واللَّه أعلم. ثم قال أحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ للواثق: وحدثني سفيان بحديثٍ يرفعه: "إن قلب ابن آدم بين إصبعَين من أصابع اللَّه يقلِّبُه كيف يشاء". وكان النبيُّ يقول: "يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك" (٤) فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك! انظر ما تقول؟ فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك، وقال: أنا أمرتك بذلك؟! قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصَحَ له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا؟ فأكثروا القولَ فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربي فعزِلَ، وكان موادًّا لأحمد بن نَصْر قبل ذلك: يا أميرَ المؤمنين، هو حلالُ الدّم! وقال أبو عبد اللَّه الأرمنيّ، صاحبُ أحمد بن أبي دواد: اسقني دمَه يا أمير المؤمنين! فقال الواثق: تأتي (٥) على ما تريد. وقال القاضي أحمد بن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، هو كافر يُستتاب، لعلَّ به عاهةً أو نقصَ عقل! فقال الواثق: إذا رأيتموني قمْت إليه فلا يقومَنَّ أحدٌ معي، فإنِّي أحتسب خُطاي. ثم نهض إليه بالصَّمصامة -وقد كانت سيفًا لعمرو بن معديكرب الزّبيدي، أُهديت لموسى الهادي في أيام خلافته،

стр. 5175

وكانت صفيحة موصولة في أسفلها مسمورة بثلاثة (١) مسامير- فلمَّا انتهى إليه ضربه بها على عاتقه، وهو مربوطٌ بحبْلٍ قد أوقف على نطعٍ، ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم طعنَه بالصَّمصامة في بطنه، فسقط ﵀ صريعًا على النّطع ميتًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. ثم انْتَضَى سِيمَا الدّمشقي سيفَه فضرب عنقَه، وحزَّ رأسه، وحُمل معترضًا حتى أُتِيَ [به] الحظيرة التي فيها بابَك الخُزَّميّ، فصلب فيها، وفي رجليه زَوْج قُيود، وعليه سَرَاويل وقميص، وحُمل رأسُه إلى بغدادَ، فنُصبَ في الجانب الشرقيّ أيامًا، وفي الجانب الغربيّ أيامًا، وعنده الحرسُ في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوبٌ فيها: هذا رأسُ الكافر المشرك الضّال أحمد بن نَصْر، ممن قُتل على يدي عبدِ اللَّه هارون الإمام الواثق باللَّه أميرِ المؤمنين، بعد أن أقام عليه الحجّة في خَلْق الفرآن، ونفي التشبيه، وعَرَضَ عليه التوبةَ، ومكَّنه من الرجوع إلى الحق، فأبَى إلَّا المعاندة والتصريح، فالحمدُ للَّه الذي عجَّله إلى ناره وأليم عقابه بالكُفْر، فاستحلَّ بذلك أميرُ المؤمنين دَمَهُ، ولعْنَه. ثم أمر الخليفة بتتبع رؤوس أصحابه، فأخذ منهم نحوًا من سبعة وعشرين رجلًا، فأودعوا في السجون، وسُمُّوا الظلمة، ومُنعوا أن يزورَهم أحد، وقيّدوا بالحديد، ولم يُجرَ عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين، وهذا ظلمٌ عظيمٌ. [هذا ملخص ما أورده ابن جرير، ﵀] (٢) وقد كان أحمد بن نَصْر هذا ﵀ من أكابر العلماء العاملين، وممن كان قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع الحديث من حمّاد بن زيد، وسفيان بن عُيينة، وهُشَيم بن بشير، وكانت عندَه مصنَّفاته كلُّها، وسمع من الإمام مالك بن أنس أحاديثَ جيدة، ولم يحدِّث بكثير من حديثه. وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ، وأخوه يعقوب بن إبراهيم، ويحيى بن مَعين؛ وذكره يومًا فترحَّم عليه، وقال: قد خَتَم اللَّهُ له بالشهادة، وقد كان لا يحدِّث؛ يقول: إني لست أهلَ ذاك. وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه (٣). وذكره الإمام أحمد بن حنبل يومًا، فقال: ﵀! ما كان أسخاه! لقد جاد بنفسه للَّه (٤).

стр. 5176

وقال جعفر بن محمد الصائغ: بَصَرُ عينيَّ وإلا فعَميتا، وسَمْعُ أذنيَّ وإلا فصمَّتا، أحمدُ بن نَصْر الخُزَاعيُّ حين ضُرِبَتْ عنقُهُ يقولُ رأسُه: لا إله إلا اللَّه (١). وقد سمعه بعضُ الناس ورأسُه مصلوبٌ على الجِذْع يقرأ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، قال: فاقشعرَّ جلدي (٢). ورآه بعضُهم في النوم فقال له: ما فعلَ بك ربُّك؟ فقال: ما كانت إلا غفْوةً حتَّى لقيتُ اللَّه ، فضحك إليَّ. ورأى بعض الناس في المنام رسولَ اللَّه ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، وقد مرُّوا على الجِذْع الذي عليه رأس أحمد بن نَصْر، فلما جاوزه أعرضَ رسولُ اللَّه ﷺ بوجهه الكريم عنه، فقيل له: يا رسولَ اللَّه! ما لك أعرضتَ عن أحمدَ بن نَصْر؟ فقال: استحياءً منه حين قتله رجلٌ من أهل بيتي (٣). ولم يزل رأس أحمد بن نَصْر منصوبًا ببغداد من يوم الخميس الثامن (٤) والعشرين من شعبان من هذه السنة، أعني سنة إحدى وثلاثين ومئتين، إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومئتين، فجُمع بين رأسه وجثته، ودُفِنَ بالجانب الشرقيّ من بغداد، بالمقبرة المعروفة بالمالكية (٥)، ﵀. وذلك بأمر المتوكل على اللَّه الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق باللَّه. وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني (٦)، صاحب كتاب الحَيْدة، على أمير المؤمنين المتوكل على اللَّه، وكان من خيار الخلفاء، وأحسن صنيعًا إلى أهل السُّنَّة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمِّه المأمون (٧). وكان يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكرامًا زائدًا جدًا، كما سيأتي بيانه في موضعه. والمقصود أنَّ عبد العزيز الكِناني قال للمتوكل: يا أميرَ المؤمنين! ما رُئيَ أعجَب من أمر الواثق، قَتَلَ أحمد بن نَصْر وكان لسانُهُ يقرأ القرآن إلى أن دُفِنَ. فوجد المتوكل من ذلك وساءَه ما سمع في أخيه الواثق، فلمَّا دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيات، قال له: في قلبي شيء من قَتْل أحمد بن

стр. 5177

نَصْر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أحْرَقني اللَّه بالنار، إنْ قَتَلَه أميرُ المؤمنين الواثق إلا كافرًا! ودخل عليه هَرْثَمَة، فقال له في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، قطعني اللَّه إرْبًا إرْبًا، إنْ قَتَلَهُ الواثق إلا كافرًا! ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دواد، فقال له مثل ذلك، فقال: ضربني اللَّه بالفالج، إنْ قَتَله الواثق إلا كافرًا! قال المتوِكِّلُ: فأمَّا ابنُ الزَّيَّات فأنا أحرقْتُه بالنَّار. وأمَّا هَرْثَمة فإنَّه هرب وتَبَدَّى، فاجتاز بقبيلة خُزَاعَةَ، فعرفه رجلٌ من الحيِّ، فقال: يا معشَرَ خُزَاعَةَ، هذا الذي قتل ابنَ عمِّكم أحمد بن نَصْر، فقَطَّعُوه إرْبًا إرْبًا. وأمَّا ابنُ أبي دواد، فقد سَجَنه اللَّهُ في جِلْدِه، يعني بالفالج، ضَرَبهُ اللَّهُ به قبل مَوْتِه بأربع سنين، وصُودر من صلب ماله بمال جزيل جدًا كما سيأتي بيان ذلك في موضعه (١). وروى أبو داود في كتاب "المسائل" عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيِّ، عن أحمد بن نَصْر، قال: سألتُ سفيانَ بن عُيَينَةَ: "القلوبُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ" (٢)، و"إنَّ اللَّه يضحَكُ مِمَّن يذكرُه في الأسواق" (٣). فقال: ارووها كما جاءت بلا كيف (٤). وفي هذه كان الواثق قد عزم على الحج، واستعدَّ لذلك، فذُكر له أنَّ الماء بالطريق قليلٌ، فترك الحجَّ عامئذ. وفيها: تولَّى (٥) جعفر بن دينار (٦) نيابة اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس. وفيها: عدا قوم من العامّة على بيت المال، فأخذوا منه شيئًا من الذهب والفضة، فأُخِذُوا وسُجنوا. وفيها: ظهر خارجيٌّ ببلاد ربيعة، فقاتلَهُ نائبُ المَوْصِل فكسره، وانْهَزَم بقيَّةُ أصحابه.

стр. 5178

وفيها: قدم وصيف الخادم بجماعةٍ من الأكراد نحو من خمسمئة في القيود، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها، فأطلق الخليفةُ لوصيف خمسةً وسبعينَ ألفَ دينار، وخلع عليه. وفي هذه السنة قدم خاقان الخادمُ من بلاد الروم، وقد تمَّ الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رؤوس أهل الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم في القول بخَلْق القرآن، وأنَّ اللَّه لا يُرى في الآخرة، فأجابوا، إلَّا أربعةً، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بمثل ما أجاب به بقيتهم. وأمر الواثق أيضًا بامتحان الأسارى المسلمين الذين فودي عنهم بذلك، فمن أجاب إلى القول بخَلْقِ القرآن وأنَّ اللَّه لا يُرى في الآخرة فُودِيَ، وإلا تُرِكَ في أيدي الكُفَّار. وهذه بِدْعَة صَلْعاء (١)، شَنعاء، عَمياء، صمَّاء، لا مستند لها من كتاب ولا سنَّة، ولا عقلٍ صحيح، [ولا نقلٍ صريح] (٢)، بل الكتابُ والسُّنَّةُ والعقلُ الصَّحيحُ بخلافها، كما هو مقرَّرٌ في موضعه، وباللَّه المستعان. وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له: اللامِس، عند سَلُوقيَة بالقرب من طَرَسُوسَ، بدل كل مسلمٍ أو مسلمة في أيدي الروم، أو ذميّ أو ذميّة كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم، فنصبوا جسرين على النهر، فإذا أرسَلَ الروم رجلًا أو امرأةً في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبَّر وكبَّر المسلمون، ويرسل المسلمون أسيرًا من الروم على جسرهم، فإذا انتهى إليهم تكلَّم بكلام يشبه التكبير أيضًا. ولم يزالوا كذلك مدَّة أربعة أيامٍ بدل كلّ نفس نفس، ثم بقي مع خاقان جماعة من الأسارى فأطلقهم للروم حتَّى يكونَ له الفضلُ عليهم. قال ابنُ جرير (٣): وفي هذه السنة مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين بطَبرِستان في شهر رمضان. وفيها: مات الخطاب بن وجه الفُلْس. وفيها: مات أبو عبد اللَّه ابن الأعرابي (٤) الراويةُ، يوم الأربعاء لثلاثَ عشرة خلَتْ من شعبان، وهو ابن ثمانين سنة. وفيها: ماتت (٥) أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرّضا.

стр. 5179

وفيها: مات مُخَارق المغنِّي (١). وأبو نصر أحمد بن حاتم، راوية الأصمعي (٢). وعمرو بن أبي عمرو الشيباني (٣). ومحمد بن سَعْدان النَّحوي (٤). قلت: وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا: أحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ، كما تقدَّم. وإبراهيم بن محمّد بن عَرْعَرَة (٥). وأُميَّة بن بِسْطَام (٦). وأبو تمام الطائي الشاعر، في قولٍ، والمشهور ما تقدَّم (٧). وكاملُ بنُ طلحة (٨). ومحمّد بن سَلام الجُمحيّ (٩). وأخوه عبد الرحمن (١٠).

стр. 5180

ومحمَّد بن مِنهال الضَّرير (١). ومحمد بن مِنهال، أخو حجَّاج (٢). وهارون بن معروف (٣). والبُوَيْطيّ (٤)، صاحب الشافعي، مات في السجن مقيّدًا حتى يقولَ بخلْق القرآن، فامتنع من ذلك، ﵀. ويحيى بن بُكَيرْ (٥)، راوي "الموطّأ" عن مالك. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومئتين فيها: عاثت قبيلة يقال لهم: بنو نُمَيْر باليمامة في الأرض فسادًا، فكتب الواثق إلى بُغا الكبير وهو مقيمٌ بأرض الحجاز، فحاربَهم فقتَل منهم جماعةً، وأسرَ منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بني تميم وهو في ألف (٦) فارس وهم في ثلاثة آلاف، فكانت بينهم حروب طويلة، ثم كان الظفَر له عليهم آخرًا، وذلك في النصف من جمادى الآخرة. ثم عاد بعد ذلك كله إلى بغداد ومعه من أعيان رؤوس العرب في الأسر والقيود، وقد قتل من أشرافهم في الوقائع المتقدم ذكرها ما ينيف على (٧) ألفي رجل من بني سليم، ونُمَير، وكِلاب، ومُرَّة، وفَزارة، وثَعلبة، وطّيئ، وتميم وغيرهم.

стр. 5181

وفي هذه السنة أصاب الحجيج في الرجوع عطشٌ شديد حتى بيعت الشَّرْبةُ بالدَّنانير الكثيرة، ومات خَلْق كثير من العطش، ﵏. وفيها: أمر الواثق بترْك جباية أعشار سفن البحر. وفاة الخليفة أبي جعفر هارون الواثق بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه ذي البينات بن محمد الإمام بن علي السجَّاد بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي. كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دواد الإياديّ المعتزليّ. وكانت وفاته لست بقين من الشهر، وذلك أنه قوي به الاستسقاء، فأُقعِدَ في تنّور قد أُحمي له بحيث يمكن إجلاسه فيه ليسكنَ وجعُه، فلان عليه أمره بعض الشيء، فلمَّا كان من الغد أمر بأن يُحمى أكثر من العادة، فأُجلس فيه، ثم أُخرج فوضع في مِحَفَّةٍ، فحُمِلَ فيها وحولَه أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، [فمات وهو محمول، فما شعروا حتى سقط جبينُه على المِحَفَّة] (١) وهو ميت، فغمَّضَ القاضي عينيه بعد ذلك، وهو الذي ولي غسلَه والصَّلاةَ عليه ودفنه في القصر الهاروني. وكان أبيضَ اللون، مشربًا حُمرةً، جَميلًا رَبْعَةً، حسنَ الجسم، قائمَ العين اليسرى، فيها نُكتة بياض. وكان مولده سنة ست وتسعين ومئة بطريق مكة، فمات وهو ابن ستٍّ وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، وقيل: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة (٢). وقد كان جمع أصحابَ النُّجوم [في زمانه] (٣) حين اشتدَّتْ علَّته (٤)، لينظروا في مولده، وما تقتضيه صناعةُ النجوم كم تدوم أيامُ دولته، فاجتمَعَ عنده من رؤوسهم جماعة؛ منهم: الحسن بن سهل، والفضلُ بن إسحاق الهاشميّ، وإسماعيل بن نُوبَخت، ومحمد بن موسى الخُوارزميّ والمجوسيّ القُطْرُبُّليّ، وسند صاحب محمد بن الهيثم، وعامَّة مَنْ ينظر في النجوم. فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم (٥)، ثم أجمَعُوا على أنه يعيش دهرًا طويلًا، وقدَّروا له خمسين سنة مستقبلة، فلم

стр. 5182

يلبث بعد قولهم إلا عشرة أيام حتى مات. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (١)، ﵀. قال ابن جرير (٢): وذكر الحسين بن الضحَّاك أنَّه شهد الواثقَ بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلسًا كان أوَّل مجلس قعده. وكان أوّل من تغنَّى في ذلك المجلس أن تغنَّت (٣) شارية جارية إبراهيم بن المهديّ: ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا … نَعْشَهُ للثَّراءِ أمْ للِّقاءِ (٤) فلْيقُلْ فيكَ باكِياتُكَ ما شِئْـ … ـــــنَ صَباحًا وعندَ كُلِّ مَسَاءِ قال: فبكى وبكينا حتَّى شَغَلَنا البكاء عن جميع ما كنَّا فيه. ثم اندفع بعضهم يغنِّي (٥): وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ … وَهَلْ تُطيقُ وَدَاعا أيُّها الرَّجُلُ! فازداد واللَّه بكاؤه، وقال: ما سمعْتُ كاليوم قطّ تعزية باب ونعيّ نفس، ثم ارفضَّ ذلك المجلس. وروى الخطيب (٦) البغدادي: أنَّ دِعْبِلَ بنَ عليّ الشاعر لمَّا تولَّى الواثقُ عَمَدَ إلى طُومَارٍ (٧) فكتب فيه أبياتَ شعرٍ، ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه، وقال: أقرئ أميرَ المؤمنين السلام، وقل: هذه أبيات امتدَحَكَ بها دِعْبِل، فلمَّا فضَّها الواثق إذا فيها (٨): الحَمْدُ للَّهِ لا صَبْرٌ ولا جَلَدٌ … ولا رُقَادٌ إذا أهلُ الهَوَى رَقَدُوا (٩) خليفةٌ ماتَ لم يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ … وآخرٌ قامَ لم يَفْرَحْ بهِ أحَدُ فَمَرَّ هذا ومَرَّ الشُّؤْمُ يَتبعُهُ … وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنَّكَدُ قال: فتطلَّبه الخليفة بكلِّ ما يمكنه، فلم يقدر عليه حتى مات الواثق. وروى (١٠) أيضًا: أنَّه لمَّا استخلَفَ الواثق ابنَ أبي دوادَ على الصَّلاة في يوم العيد فرجع إليه، فقال:

стр. 5183

كيف كان عيدكُم يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: كنَّا في نهارٍ لا شمسَ فيه. فضحك، وقال: يا أبا عبد اللَّه، أنا مؤيَّد بك. قال الخطيب (١): وكان ابن أبي دواد قد اسْتَولى على الواثق، وحمَلَه على التشديد في المِحنة، ودعا النَّاسَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن. قال: ويقال: إنَّ الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبيد اللَّه بن أبي الفتح، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدّثني حامد بن العباس، عن رجل، عن المهدي، أنَّ الواثق مات وقد تاب عن القول بخَلْق القرآن. وروى (٢) أن الواثق دخل عليه يومًا مؤدِّبُه فأكرمه إكرامًا كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال: هذا أوَّلُ من فتق لساني بذكر اللَّه، وأدناني من رحمة اللَّه. وكتب إليه بعض الشعراء (٣): جَذَبْتُ دَوَاعي النَّفْسِ عن طَلَبِ الغِنَى … وقلْتُ لها عفّي عنِ الطَّلبِ النَّزْرِ فإنَّ أميرَ المؤمنينَ بكفِّهِ … مَدَارُ رَحَى الأرْزَاقِ دائبة تجري فوقَّع له في رُقْعَته: جَذَبَتْكَ نفسُك عن امْتِهانها، ودَعَتْكَ إلى صَوْبِها، فخُذْ ما طلبته هيِّنًا، وأجْزَلَ له العطاء. ومن شعره قوله (٤): هَيَ المقاديرُ تَجْرِي في أعِنَّتِها … فاصْبِرْ فليسَ لها صَبْرٌ عَلَى حَالِ ومن شعر الواثق [قوله] (٥): تنحَّ عنِ القَبيحِ ولا تُرِدهُ … ومَنْ أوْلَيْتَهُ حُسنًا فَزِدْهُ ستُكْفَى من عدوِّك كلَّ كيدٍ … إذا كادَ العَدُوُّ ولَمْ تَكِدْهُ وقال القاضي يحيى بنُ أكثم (٦): ما أحسَنَ أحدٌ من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسَنَ إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقيرٌ.

стр. 5184

ولما احتُضِرَ الواثق جعلَ يردِّد هذين البيتين (١): المَوْتُ فيهِ جَميعُ الخَلْقِ مشترِكٌ … لا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى ولا مَلِكُ ما ضَرَّ أهلَ قليلٍ في تفاقُرِهمْ … وليسَ يُغني عن الأمْلاكِ ما مَلَكُوا ثم أمر بالبُسُطِ فطُويت، ثم ألْصَقَ خدَّهُ بالأرض، وجعل يقول: يا مَن لا يَزُول ملكُه، ارْحَمْ مَن قد زالَ مُلْكُهُ. وقال بعضهِم: لما احتُضِرَ الواثق ونحن حولَه، غشي عليه، فقال بعضُنا لبعض: انظروا هل قضى نحبه؟ قال: فدنَوْتُ من بينهم إليه لأنظرَ هَلْ هدأ نَفَسُه، فأفاق فَلَحَظَ إليَّ بعينه، فرجعْتُ القَهْقَرى خوفًا منه، فتعلَّقَتْ قائمة سيفي بشيء، فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات، وأُغلِقَ عليه الباب الذي هو فيه، وبقي فيه وحدَه، واشتغَلُوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلسْتُ أنا أحرُسُ البابَ، فسمعْتُ حركةً من داخل البيت، فدخلْتُ، فإذا جُرَذٌ قد أكل عينَه التي لَحَظَ إليَّ بها، وما كان بين الحالين إلا اليسير (٢). وكانت وفاته بسرَّ مَن رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة -أعني سنة ثنتين وثلاثين ومئتين- عن ست وثلاثين سنة، وقيل: عن ثنتين وثلاثين سنة. وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعةَ أشهرٍ، وخمسة أيام. وقيل: خمس سنين، وشهران، وأحد وعشرون يومًا، وصلَّى عليه أخوه جعفر المتوكِّل. خلافة المتوكِّل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه بُويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق هارون، وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستًا وعشرين سنة، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دواد القاضي، وهو أوَّلُ من سلَّم عليه بالخلافة، وبايعه الخاصّة ثمّ العامّة. وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر إلى صبيحة يوم الجمعة، فقال أحمد بن أبي دواد: رأيت أن يلقَّبَ أمير المؤمنين بالمتوكِّل على اللَّه، فاتفقوا على ذلك، وكتب به إلى الآفاق، وأمر بإعطاء الشاكريّة من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور، ولغيرهم ثلاثة شهور، واستبشر الناس به.

стр. 5185

وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه الواثق كأنَّ شيئًا نزل (١) عليه من السماء مكتوب فيه "جعفر المتوكِّل على اللَّه"، فعبَّرها، فقيل له: هي الخلافة، فبلَّغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينًا ثم أرسله (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود، أمير مكّة، شرَّفها اللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: الحَكَمُ بن موسى (٣). وعمرو بن محمد النَّاقد (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئتين في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكِّلُ على اللَّه بالقبض على محمد بن عبد الملك بن الزيات، وزير الواثق، وكان المتوكِّلُ يبغضه لأمورٍ، منها أنَّ أخاه الواثق تغَضَّبَ عليه في بعض الأوقات، وكان ابنُ الزَّيَّات يزيد الواثق غضَبًا على أخيه، فبقي ذلك في نفسه منه، ثم كان الذي استرضى الواثقَ عليه أحمد بن أبي دواد، فحظي بذلك عنده في أيام مُلْكه؛ ومن ذلك أنَّ ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولَفَّ عليه الناس، وجعفر المتوكِّل في جنب دار الخلافة، فلم يتمّ الأمر إلا لجعفر المتوكل، على رغم أنف ابن الزيات. فلهذا أمر بالقبض عليه سريعًا، فطلبه (٥) فركب بعد غدائه يظنُّ أن الخليفة بعث إليه، فأتت به الرسل إلى دار إيتاخ أمير الشرطة، فاحتيط عليه، وقُيِّد، وبعثوا في الحال إلى داره فأُخِذَ جميعُ ما كان فيها من الأموال والجواري والجواهر والحواصل والأثاث، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشراب. وبعث الخليفة إلى حواصله وضياعه بسائر الأماكن فاحتيط عليها، وأمر به أن يعذَّبَ؛ فمنع من
следующие страницы →