← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وفي هذه السنة أصاب الحجيج في الرجوع عطشٌ شديد حتى بيعت الشَّرْبةُ بالدَّنانير الكثيرة، ومات خَلْق كثير من العطش، ﵏. وفيها: أمر الواثق بترْك جباية أعشار سفن البحر. وفاة الخليفة أبي جعفر هارون الواثق بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه ذي البينات بن محمد الإمام بن علي السجَّاد بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي. كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دواد الإياديّ المعتزليّ. وكانت وفاته لست بقين من الشهر، وذلك أنه قوي به الاستسقاء، فأُقعِدَ في تنّور قد أُحمي له بحيث يمكن إجلاسه فيه ليسكنَ وجعُه، فلان عليه أمره بعض الشيء، فلمَّا كان من الغد أمر بأن يُحمى أكثر من العادة، فأُجلس فيه، ثم أُخرج فوضع في مِحَفَّةٍ، فحُمِلَ فيها وحولَه أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، [فمات وهو محمول، فما شعروا حتى سقط جبينُه على المِحَفَّة] (١) وهو ميت، فغمَّضَ القاضي عينيه بعد ذلك، وهو الذي ولي غسلَه والصَّلاةَ عليه ودفنه في القصر الهاروني. وكان أبيضَ اللون، مشربًا حُمرةً، جَميلًا رَبْعَةً، حسنَ الجسم، قائمَ العين اليسرى، فيها نُكتة بياض. وكان مولده سنة ست وتسعين ومئة بطريق مكة، فمات وهو ابن ستٍّ وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، وقيل: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة (٢). وقد كان جمع أصحابَ النُّجوم [في زمانه] (٣) حين اشتدَّتْ علَّته (٤)، لينظروا في مولده، وما تقتضيه صناعةُ النجوم كم تدوم أيامُ دولته، فاجتمَعَ عنده من رؤوسهم جماعة؛ منهم: الحسن بن سهل، والفضلُ بن إسحاق الهاشميّ، وإسماعيل بن نُوبَخت، ومحمد بن موسى الخُوارزميّ والمجوسيّ القُطْرُبُّليّ، وسند صاحب محمد بن الهيثم، وعامَّة مَنْ ينظر في النجوم. فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم (٥)، ثم أجمَعُوا على أنه يعيش دهرًا طويلًا، وقدَّروا له خمسين سنة مستقبلة، فلم

стр. 5182

يلبث بعد قولهم إلا عشرة أيام حتى مات. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (١)، ﵀. قال ابن جرير (٢): وذكر الحسين بن الضحَّاك أنَّه شهد الواثقَ بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلسًا كان أوَّل مجلس قعده. وكان أوّل من تغنَّى في ذلك المجلس أن تغنَّت (٣) شارية جارية إبراهيم بن المهديّ: ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا … نَعْشَهُ للثَّراءِ أمْ للِّقاءِ (٤) فلْيقُلْ فيكَ باكِياتُكَ ما شِئْـ … ـــــنَ صَباحًا وعندَ كُلِّ مَسَاءِ قال: فبكى وبكينا حتَّى شَغَلَنا البكاء عن جميع ما كنَّا فيه. ثم اندفع بعضهم يغنِّي (٥): وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ … وَهَلْ تُطيقُ وَدَاعا أيُّها الرَّجُلُ! فازداد واللَّه بكاؤه، وقال: ما سمعْتُ كاليوم قطّ تعزية باب ونعيّ نفس، ثم ارفضَّ ذلك المجلس. وروى الخطيب (٦) البغدادي: أنَّ دِعْبِلَ بنَ عليّ الشاعر لمَّا تولَّى الواثقُ عَمَدَ إلى طُومَارٍ (٧) فكتب فيه أبياتَ شعرٍ، ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه، وقال: أقرئ أميرَ المؤمنين السلام، وقل: هذه أبيات امتدَحَكَ بها دِعْبِل، فلمَّا فضَّها الواثق إذا فيها (٨): الحَمْدُ للَّهِ لا صَبْرٌ ولا جَلَدٌ … ولا رُقَادٌ إذا أهلُ الهَوَى رَقَدُوا (٩) خليفةٌ ماتَ لم يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ … وآخرٌ قامَ لم يَفْرَحْ بهِ أحَدُ فَمَرَّ هذا ومَرَّ الشُّؤْمُ يَتبعُهُ … وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنَّكَدُ قال: فتطلَّبه الخليفة بكلِّ ما يمكنه، فلم يقدر عليه حتى مات الواثق. وروى (١٠) أيضًا: أنَّه لمَّا استخلَفَ الواثق ابنَ أبي دوادَ على الصَّلاة في يوم العيد فرجع إليه، فقال:

стр. 5183

كيف كان عيدكُم يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: كنَّا في نهارٍ لا شمسَ فيه. فضحك، وقال: يا أبا عبد اللَّه، أنا مؤيَّد بك. قال الخطيب (١): وكان ابن أبي دواد قد اسْتَولى على الواثق، وحمَلَه على التشديد في المِحنة، ودعا النَّاسَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن. قال: ويقال: إنَّ الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبيد اللَّه بن أبي الفتح، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدّثني حامد بن العباس، عن رجل، عن المهدي، أنَّ الواثق مات وقد تاب عن القول بخَلْق القرآن. وروى (٢) أن الواثق دخل عليه يومًا مؤدِّبُه فأكرمه إكرامًا كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال: هذا أوَّلُ من فتق لساني بذكر اللَّه، وأدناني من رحمة اللَّه. وكتب إليه بعض الشعراء (٣): جَذَبْتُ دَوَاعي النَّفْسِ عن طَلَبِ الغِنَى … وقلْتُ لها عفّي عنِ الطَّلبِ النَّزْرِ فإنَّ أميرَ المؤمنينَ بكفِّهِ … مَدَارُ رَحَى الأرْزَاقِ دائبة تجري فوقَّع له في رُقْعَته: جَذَبَتْكَ نفسُك عن امْتِهانها، ودَعَتْكَ إلى صَوْبِها، فخُذْ ما طلبته هيِّنًا، وأجْزَلَ له العطاء. ومن شعره قوله (٤): هَيَ المقاديرُ تَجْرِي في أعِنَّتِها … فاصْبِرْ فليسَ لها صَبْرٌ عَلَى حَالِ ومن شعر الواثق [قوله] (٥): تنحَّ عنِ القَبيحِ ولا تُرِدهُ … ومَنْ أوْلَيْتَهُ حُسنًا فَزِدْهُ ستُكْفَى من عدوِّك كلَّ كيدٍ … إذا كادَ العَدُوُّ ولَمْ تَكِدْهُ وقال القاضي يحيى بنُ أكثم (٦): ما أحسَنَ أحدٌ من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسَنَ إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقيرٌ.

стр. 5184

ولما احتُضِرَ الواثق جعلَ يردِّد هذين البيتين (١): المَوْتُ فيهِ جَميعُ الخَلْقِ مشترِكٌ … لا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى ولا مَلِكُ ما ضَرَّ أهلَ قليلٍ في تفاقُرِهمْ … وليسَ يُغني عن الأمْلاكِ ما مَلَكُوا ثم أمر بالبُسُطِ فطُويت، ثم ألْصَقَ خدَّهُ بالأرض، وجعل يقول: يا مَن لا يَزُول ملكُه، ارْحَمْ مَن قد زالَ مُلْكُهُ. وقال بعضهِم: لما احتُضِرَ الواثق ونحن حولَه، غشي عليه، فقال بعضُنا لبعض: انظروا هل قضى نحبه؟ قال: فدنَوْتُ من بينهم إليه لأنظرَ هَلْ هدأ نَفَسُه، فأفاق فَلَحَظَ إليَّ بعينه، فرجعْتُ القَهْقَرى خوفًا منه، فتعلَّقَتْ قائمة سيفي بشيء، فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات، وأُغلِقَ عليه الباب الذي هو فيه، وبقي فيه وحدَه، واشتغَلُوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلسْتُ أنا أحرُسُ البابَ، فسمعْتُ حركةً من داخل البيت، فدخلْتُ، فإذا جُرَذٌ قد أكل عينَه التي لَحَظَ إليَّ بها، وما كان بين الحالين إلا اليسير (٢). وكانت وفاته بسرَّ مَن رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة -أعني سنة ثنتين وثلاثين ومئتين- عن ست وثلاثين سنة، وقيل: عن ثنتين وثلاثين سنة. وكانت مدة خلافته خمسَ سنين، وتسعةَ أشهرٍ، وخمسة أيام. وقيل: خمس سنين، وشهران، وأحد وعشرون يومًا، وصلَّى عليه أخوه جعفر المتوكِّل. خلافة المتوكِّل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه بُويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق هارون، وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستًا وعشرين سنة، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دواد القاضي، وهو أوَّلُ من سلَّم عليه بالخلافة، وبايعه الخاصّة ثمّ العامّة. وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر إلى صبيحة يوم الجمعة، فقال أحمد بن أبي دواد: رأيت أن يلقَّبَ أمير المؤمنين بالمتوكِّل على اللَّه، فاتفقوا على ذلك، وكتب به إلى الآفاق، وأمر بإعطاء الشاكريّة من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور، ولغيرهم ثلاثة شهور، واستبشر الناس به.

стр. 5185

وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه الواثق كأنَّ شيئًا نزل (١) عليه من السماء مكتوب فيه "جعفر المتوكِّل على اللَّه"، فعبَّرها، فقيل له: هي الخلافة، فبلَّغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينًا ثم أرسله (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود، أمير مكّة، شرَّفها اللَّه. وممن توفي فيها من الأعيان: الحَكَمُ بن موسى (٣). وعمرو بن محمد النَّاقد (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئتين في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكِّلُ على اللَّه بالقبض على محمد بن عبد الملك بن الزيات، وزير الواثق، وكان المتوكِّلُ يبغضه لأمورٍ، منها أنَّ أخاه الواثق تغَضَّبَ عليه في بعض الأوقات، وكان ابنُ الزَّيَّات يزيد الواثق غضَبًا على أخيه، فبقي ذلك في نفسه منه، ثم كان الذي استرضى الواثقَ عليه أحمد بن أبي دواد، فحظي بذلك عنده في أيام مُلْكه؛ ومن ذلك أنَّ ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولَفَّ عليه الناس، وجعفر المتوكِّل في جنب دار الخلافة، فلم يتمّ الأمر إلا لجعفر المتوكل، على رغم أنف ابن الزيات. فلهذا أمر بالقبض عليه سريعًا، فطلبه (٥) فركب بعد غدائه يظنُّ أن الخليفة بعث إليه، فأتت به الرسل إلى دار إيتاخ أمير الشرطة، فاحتيط عليه، وقُيِّد، وبعثوا في الحال إلى داره فأُخِذَ جميعُ ما كان فيها من الأموال والجواري والجواهر والحواصل والأثاث، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشراب. وبعث الخليفة إلى حواصله وضياعه بسائر الأماكن فاحتيط عليها، وأمر به أن يعذَّبَ؛ فمنع من

стр. 5186

الكلام (١)، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرُّقاد نُخِسَ بالحديد، ثم وُضِعَ بعد ذلك كلّه في تنّور من خشب فيه مساميرُ قائمة في أسفله، فأقيمَ عليها، ووكِّلَ به من يمنعه من الرُّقاد، فمكث كذلك أيامًا حتى مات وهو كذلك. ويقال: إنه أخرج من التنوّر وفيه رَمَقٌ، فضُرِبَ على بطنه، ثم على ظهره حتى مات وهو تحت الضرْبِ. ويقال: إنه أُحرِق، ثم دُفعت جثته إلى أولاده فدفنوه، فنبشت عليه الكلاب، فأكلت لحمه وجلده، سامحه اللَّه. وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها. وكان قيمة ما وُجد له من الحواصل نحوًا من تسعين ألف ألف دينار، وقد قدَّمنا أنَّ المتوكِّلَ سأله عن قتل أخيه الواثق أحمد بن نَصْر، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، أحرقني اللَّه بالنار إن كان الواثق قتله يوم قتلَه إلا وهو كافر. وفي جمادى الأولى منها فُلِجَ أحمدُ بن أبي دواد القاضي المعتزلي، فلم يزل كذلك حتى مات بعد أربع سنين وهو كذلك، كما دعا على نفسه كما تقدَّم. ثم غضبَ المتوكِّلُ على جماعة من الكتّاب والعمّال، وأخذ منهم أموالًا جزيلة جدًا. وفيها: ولَّى [المتوكلُ] (٢) ابنه محمدًا المنتصر الحجاز واليمن، وعقَدَ له على ذلك كلِّه في رمضان منها. وفيها: عَمَدَ ملكُ الروم ميخائيل بن توفيل إلى أمِّه تدُورَةَ فأقامها في الشمس (٣)، وألزمها الدّير، وقتل الرجل الذي اتَّهمها به، وكان ملْكُها ستَّ سنين. وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير مكّة، حرسها اللَّه تعالى وشرَّفها. وفيها توفي: إبراهيم بن الحجّاج السَّامي (٤).

стр. 5187

وحِبَّان بن موسى العربي (١). وسُليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ (٢). وسهل بن عثمان العسكريّ (٣). ومحمد بن سَماعة القاضي (٤). ومحمّد بن عائذ الدِّمشقيُّ، صاحبُ المغازي (٥). ويحيى المَقابريّ (٦). ويحيى بن مَعين (٧)، أحد أئمة الجرح والتعديل، وأستاذ أهل صناعة الحديث في زمانه. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئتين فيها: خرج محمّد بن البعِيث بن الجليس (٨) عن الطاعة في بلاده، في أذْربيجان، وأظهر أنَّ المتوكِّلَ مات، والتفَّ عليه جماعة من أهل تلك الرَّسَاتيق (٩)، ولجأ إلى مدينة مَرَنْد (١٠) فحصَّنها،

стр. 5188

وجاءته البعوثُ من كلِّ جانب، وأرسل إليه المتوكِّلُ جيوشًا يتبَعُ بعضُها بعضًا، فنصَبُوا على بلده المجانيق من كلِّ جانب، وحاصروه محاصرةً عظيمة جدًّا، وقاتلهم مقاتلة هائلة، وصبَرَ هو وأصحابُه صَبرًا بليغًا. وقدِمَ بُغا الشرابيّ لمحاصرته، فلم يزل به حتى أسره (١) واستباح أموالَه وحرمَه، وقتل خلْقًا من رؤوس أصحابه، وأسر سائرهم، وانحسمت مادة ابن البعيث، وللَّه الحمد. وفي هذه السنة في جمادى الأولى منها خرج المتوكِّل على اللَّه إلى المدائن. وفيها: حجَّ إيتاخ أحدُ الأمراء الكبار، وهو والي مكة والمدينة والموسم، ودُعي له على المنابر. وقد كان إيتاخ هذا غلامًا خَزَريًّا طبَّاخًا، وكان لرجلٍ يقال له: سلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسعٍ وتسعين ومئة، فرفع منزلته وحظي عنده، وكذلك الواثقُ من بعد أبيه، ضمَّ إليه أعمالًا كثيرة، وكذلك عامله المتوكِّل على اللَّه أيضًا، وذلك لرُجْلة (٢) إيتاخ وشهامته ونهضته. ولمَّا كان في هذه السنة شرب ليلةً مع المتوكِّل، فعربَدَ عليه المتوكِّلُ، فهمَّ إيتاخ بقتله، فلمَّا كان الصباح اعتذر المتوكِّلُ إليه، وقال: أنتَ أبي، وأنت ربَّيتني، ثم دسَّ إليه من يُشير عليه بأنْ يستأذن للحجِّ، فاستأذن، فأذن له، وأمَّره على كل بلْدة يحلُّ بها، وخرج القوَّادُ في خدمته إلى طريق الحجِّ حين خرج، وولَّى المتوكِّلُ الحِجابة لوصيف الخادم عوضًا عن إيتاخ. وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود أميرُ مكة، وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة. وفيها توفي من الأعيان: أبو خَيثَمة، زُهَيْر بن حَرْب (٣). وسليمان بن داود الشَّاذَكوني، أحدُ الحفاظ (٤). وعبد اللَّه بن محمد النُّفَيْليّ (٥).

стр. 5189

وأبو الرَّبيع الزَّهْرَانيُّ (١). وعليُّ بن عبد اللَّه بن جعفر المَدِينيّ (٢)، شيخ البخاري في صناعة الحديث. ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمَيْر (٣). ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي (٤). والمُعَافَى الرَّسْعَنِي (٥). ويحيى بن يحيى الليثي، راوي "الموطَّأ" للمغاربة عن الإمام مالك بن أنس (٦). ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئتن في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن، وذلك أنَّه رجع من الحجّ فتلقته هدايا الخليفة، ولمَّا اقترب يريد دخول سامرّا التي فيها أمير المؤمنين، بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائبَ بغداد عن أمر الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه بني هاشم، فدخلها في أُبّهة عظيمة، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم، وعلى ابنيه مظفر ومنصور، وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني، فأسلم تحت العقوبة، وكان هلاكه بالعطش، وذلك أنه أكل شيئًا كثيرًا بعد جوعٍ شديدٍ، ثم استسقى الماء فلم يُسق، فمات ليلة الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها، ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكِّل، فلمَّا ولي المنتصر ولدُه أخرجهما.

стр. 5190

وفي شوال منها قدم بُغا سامُرَّاء ومعه محمد بن البعيث، وأخواه صقْر وخالد، ونائبه العلاء، ومعه من رؤوس أصحابه نحو من مئة وثمانين إنسانًا، فأدخلوا على الجِمال ليراهم الناس، فلمَّا أوقف ابن البعيث بين يدي المتوكِّل أمر بضرب عنقه، فأحضر السيف والنطع، وجاء السيَّافون فوقفوا حوله، فقال له المتوكل: ويلك! ما دعاك إلى ما صنعتَ؟ فقال: الشِّقْوة، يا أمير المؤمنين! وأنتَ الحَبْلُ الممدودُ بين اللَّه وبين خلْقه، وإنَّ لي فيك لَظَنَّيْن؛ أسبقهما إلى قلبي، أوْلاهما بك، وهو العفو. ثم اندفع يقولُ [فيه] بديهة (١): أبَى النَّاسُ إلا أنَّك اليومَ قاتِلي … إمامَ الهُدَى والصَّفحُ بالمرء أجمَلُ وهَلْ أنا إلا جُبْلةٌ من خَطيئيةٍ … وعَفوُك من نُورِ النُّبُوَّةِ يُجْبَلُ فإنَّك خيرُ السَّابقين إلى العُلا … ولا شَكَّ أنْ خَيْرَ الفِعَالَيْنِ تَفْعَلُ فقال المتوكِّلُ: إنَّ معه لأدبًا، ثم عفا عنه. ويقال: بل شَفَعَ فيه المعتزُّ بنُ المتوكِّل فشفَّعه فيه، ويقال: بل أودع في السجن في قيود ثقيلةٍ (٢)، فلم يزل فيه حتَّى هرب بعد ذلك، وقد قال حين هرب (٣): كَمْ قد قضيْتُ أمورًا كانَ أهمَلَها … غَيرِي وقد أخَذَ الإفلاسُ بالكرم (٤) لا تَعْذُلِينيَ فيما ليسَ يَنْفَعُنِي … إليكِ عني جَرَى المِقدارُ بالقَلَمِ سأتلِفُ المَالَ في عُسْرٍ وفي يُسْيرٍ … إنَّ الجَوادَ الَّذي يُعطِي عَلى العَدَمِ وفي هذه السنة أمر المتوكل على اللَّه أهلَ الذِّمَّة بأن يتميَّزوا عن المسلمين في لباسهم، في عمائمهم وثيابهم، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقِلْي (٥)، وأن يكون على غلمانهم رِقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم وبين أيديهم، وأن يلزموا بالزَّنانير الخاصرة ثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم، وأن يحملوا في رقابهم كُراتٍ، من خشب كثيرة، وألا يركبوا خيلًا، ولتكن رُكبهم من خشبٍ، إلى غير ذلك من الأمور الفظيعة (٦) لهم، قبَّحهم اللَّه، وألا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكمٌ على مسلم؛ وأمَر بتخريب كنائسهم المحدثة، وبتضييق منازلهم المتسعة، فيؤخذ منها العشر، وأن يعمل ما كان من

стр. 5191

ذلك متسعًا كبيرًا مسجدًا، وأمَر بتسوية قبورهم بالأرض، وكَتَبَ بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق، وإلى كل بلد ورُسْتاق (١). وفيها: خرج رجل يقال له: محمود بن الفرج النيسابوريّ، ممن كان يتردد إلى جِذْع (٢) بابَك (٣) فيقعد قريبًا منه، وذلك بقرب دار الخلافة بسرَّ مَن رأى، فادَّعى أنه نبيّ، وأنه ذو القرنين، وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه في هذه الجهالة جماعة أقلُّون (٤)، وهم سبعة (٥) وعشرون رجلًا، وقد نَظَم لهم كلامًا في مصحف له، قبَّحه اللَّه؛ زعم -لعنه اللَّه- أنَّ جبريل ﵇ جاءه به من اللَّه، فأُخِذَ، فرُفع أمره إلى المتوكِّل فأمر به فضُرِبَ بين يديه بالسِّياط، فاعترف بما نُسب إليه وما هو معوّل عليه، وأظهر التوبة من ذلك، والرجوع عن ذلك، فأمر الخليفة كلَّ واحدٍ من أتباعه بصفعه (٦) عشر صفعات، فعليه وعليهم لعنة ربِّ الأرض والسماوات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْن من ذي الحجة من هذه السنة. وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة المباركة، أخذ الخليفة المتوكِّل على اللَّه العهدَ لأولاده الثلاثة من بعده، وهم: محمد المنتصر، ثم أبو عبد اللَّه المعتز باللَّه، واسمه محمد، وقيل: الزّبير، ثم لإبراهيم، وسمَّاه المؤيَّد باللَّه، ولم ينل هذا الخلافة. وأعطى كلَّ واحد منهم طائفةً من البلاد يكون نائبًا عليها، ونوابه (٧) فيها، ويضرب له السكّة بها. وقد عيَّن ابنُ جرير (٨) ما لكل واحد منهم من البلدان والأقاليم والرساتيق، وعقد لكل واحد منهم لواءَين، لواءً أسودَ للعهد، ولواءً أبيض للعمالة. وكُتب بينهم كتاب بالرِّضا منهم وبمبايعة الأمراء والكبراء لهم على ذلك، وكان يومًا مشهودًا. وفي شهر ذي الحجة تغيَّر ماءُ دجلةَ إلى الصُّفْرة ثلاثة أيام، ثم صار في لون ماء المدود، ففزع (٩) الناس لذلك. وفي هذه السنة أُتي المتوكِّل بيحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب

стр. 5192

من بعض النواحي، وكان قد اجتمع إليه قوم من الشيعة، فأمر بضربه فضُرب ثماني عشرة مِقْرَعةً، ثم حبس في المطبَق. وحجَّ بالناس محمد بن داود. قال ابن جرير (١): وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم، صاحبُ الجسر، يعني نائب بغداد، في يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وصيِّر ابنُه محمد مكانه، وخلع عليه خمسَ خلع، وقلَّده سيفًا. قلت: وقد كان له في نيابة بغداد والعراق من زمن المأمون، وهو من [أكبر] (٢) الدعاة تبعًا لسادته وكبرائه إلى القول بخَلْق القرآن (٣). وفيها توفي: إسحاق بن إبراهيم بن ماهان (٤): الموصليّ النديم الأديب ابن الأديب النادر الشكل في وقته، المجموع الفضائل من كلِّ فن يعرفه أبناء عصره؛ في الفقه والحديث والجدل والكلام واللغة والشعر، وإنما اشتهر بالغناء لأنَّه لم يكن له في الدنيا نظيرٌ فيه. قال المعتصم: كان إسحاق إذا غنَّاني تخيَّل إليَّ أنَّه قد زيد في ملكي (٥). وقال المأمون: لولا اشتهارُه بالغناء لولَّيته القضاءَ، لما أعلَمُ من عفَّته ونزاهته وأمانته. وله شعر حسن وديوان كبير، وكانت عنده كتبٌ كثيرة (٦). وتوفي في هذه السنة، قال ابن خلكان (٧): وقيل: في التي قبلها، [وقيل: في التي بعدها] (٨)، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر (٩) ترجمة حافلة، وذكر عنه أشياء حسنة، وأشعارًا بديعة، رائقة،

стр. 5193

وحكايات مدهشة يطول استقصاؤها، فمن غريب ذلك: أنَّه غنَّى يومًا ليحيى بن خالد بن بَرمك فوقَّع له بألف ألفٍ، ووقَّع له ابنُه جعفر بمثلها، والفضل بمثلها، في حكاية طويلة. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضًا: سُرَيْج بن يُونس (١). وشَيْبان بن فَرُّوخ (٢). وعبيد اللَّه بن عمر القواريرِيّ (٣). وأبو بكر بن أبي شيبة (٤)، أحد الأعلام وأئمة الإسلام، وصاحبُ "المصنف" الذي لم يصنِّف أحدٌ مثلَه قطُّ لا قبلَه ولا بعدَه. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئتين فيها: أمر المتوكل بهدْم قبر الحسين بن عليّ، وما حوله من المنازل والدّور، ونودي في الناس: من وُجِدَ هاهنا بعد ثلاثة أيام [رفع] إلى المطبَق؛ فلم يبقَ هناك بشرٌ، واتُّخِذ ذلك الموضع مزرعةً تُحرث وتستغل. وفيها: حجَّ بالناس محمد المنتصر (٥) بن المتوكل. وفيها: توفي محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، سمَّه ابنُ أخيه محمد بن إسحاق بن إبراهيم، وكان محمد بن إبراهيم هذا من الأمراء الكبار.

стр. 5194

وفيها: توفي الحسن بن سهل الوزير والد بوران زوجة المأمون التي تقدَّم ذكرها، وكان من سادات (١) الناس ورؤسائهم. ويقال: إن إسحاق بن إبراهيم توفي في هذه السنة، واللَّه أعلم. وفيها: توفي أبو سعيد محمد بن يوسف المروزيّ فجأة، فولَّى ابنَه يوسفَ مكانه على نيابة أرمينية. وفيها: توفي إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ (٢). ومُصْعَب بن عبد اللَّه الزبيريّ (٣). وهُدْبَةُ بن خالد القَيْسيّ (٤). وأبو الصَّلت الهرويّ، أحد الضعفاء (٥). ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئتين فيها: قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينيّة على البطريق الكبير بها، وبعثه إلى نائب الخليفة، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلجٌ عظيم على تلك البلاد، فتحزَّب أهلُ ذلك البطريق، وجاؤوا فحاصروا البلدة التي فيها يوسف بن محمد، فخرج إليهم ليقاتلهم، فقتلوه وطائفةً كثيرةً من المسلمين الذين معه، وهلك كثير من الناس في الثلج من شدّة البرد. ولمَّا بلغ المتوكّلَ ما وقع من هذا الأمر الفظيع أرسل إلى أهل تلك الناحية بُغا الكبير في جيش كثيف جدًا، فقتل بُغا من أهل تلك الناحية ممن حاصر المدينة (٦) وقتل الأمير نحوًا من ثلاثين (٧) ألفًا، وأسر منهم طائفة كثيرة، ثم سار إلى بلاد الباق من كُور البسفرجان (٨)، وسلك إلى مدن كثيرة كبار، ومهَّد الممالك، ووطد البلادَ والنَّواحي.

стр. 5195

وفي صفر من هذه السنة غضبَ المتوكِّلُ على أحمد بن أبي دواد القاضي، وكان على المظالم، فعزله عنها، واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة، والمظالم أيضًا. وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبي دواد، وأخذ ابنَه أبا الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد، فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر، وأمر بمصادرته فحمل مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر النفيسة ما يقاوم عشرين ألف دينار، ثم صُولح على ستةَ عشرَ ألف ألف درهم. وكان ابن أبي دواد قد أصابه الفالج كما ذكرنا، ثم نفي أهله من سامرّاء إلى بغداد مهانين. قال ابنُ جرير (١): فقال في ذلك أبو العتاهية: لو كنتَ في الرأي منسُوبًا إلى رَشَدٍ … وكان عَزْمُكَ عَزْمًا فيه توفيقُ لكانَ في الفقهِ شغلٌ لو قَنِعْتَ به … عنْ أنْ تَقُولَ: كتابُ اللَّهِ مَخْلُوقُ ماذا عليكَ وأصْلُ الدَّينِ يجمَعُهُمْ … ما كانَ في الفرعِ لولا الجهلُ والمُوقُ (٢) وفي عيد الفطر أمر المتوكِّلُ بإنزال رأس (٣) أحمد بن نَصْر الخُزاعيِّ، والجمع بينه وبين جسده، وأن يسلّم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك، واجتمع من العامة خلق كثير في جنازته، وجعلوا يتمسَّحون بأعواده للبركة، وبالجذْع الذي كان مصلوبًا فوقه، وأرهج (٤) العامة في ذلك، فكتب [المتوكل] (٥) إلى النائب يأمره بردعهم عن تعاطي مثل ذلك، وكتب به إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكفّ عن القول بخلْق القرآن (٦). وأظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه، فاجتمع به وأكرمه، وأمر له بجائزة سنيَّة فلم يقبل منها شيئًا، وخلع عليه خلعة سنيةً من ملابسه، فاستحيا منه كثيرًا فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلًا فيه، ثم نزعها نزعًا عنيفًا وهو يبكي، ﵀. وجعل [المتوكل] (٧) في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص، يظنُّ أنه يأكل منه. وكان الإمام

стр. 5196

أحمد لا يأكل لهم طعامًا، بل كان صائمًا مواصلًا يطوي تلك الأيام كلها؛ لأنه لا يتيسّر له شيء يرضى أكله، ولكن كان ابنه (١) صالح وعبد اللَّه يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك. [قال صالح] (٢): فلولا أسرعنا الأوبة إلى بغداد لخشيت أن يموت الشيخ من الجوع (٣). وارتفعت السُّنَّة جدًا في أيام المتوكل، وكان لا يولّي أحدًا إلا بعد مشورة الإمام أحمد بن حنبل؛ وكانت ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة (٤) عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السُّنَّة، وعلماء الناس، ومن المعظّمين للكتاب والسنّة وللفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولَّى من جهته حيّان بن بشر قضاء الشرقية، وسَوَّار بن عبد اللَّه العنبري قضاءَ الجانب الغربيّ (٥)، كلاهما كان أعور، فقال في ذلك بعض أصحاب ابن أبي دواد (٦): رَأيتُ مِنَ الكبائرِ قَاضِيَيْنِ … هما أُحْدُوثَةٌ في الخافِقَيْنِ هُمَا اقْتَسَما العَمَى نِصْفَينِ قَدًّا … كما اقْتَسَما قَضاءَ الجانِبَيْنِ وتَحسَبُ منهما مَنْ هزَّ رأسًا … ليَنظرَ في مَواريثٍ ودَيْنِ كأنَّكَ قد وضَعْتَ عليه دَنًّا … فَتَحْتَ بُزَالَهُ (٧) من فَرْدِ عَيْنِ هما فَألُ الزَّمانِ بهُلْكِ يحيى … إذ افْتَتَحَ القضاءَ بأعْوَرَيْنِ وغزا الصائفةَ في هذه السنة عليُّ بن يحيى الأرمنيّ. وحجَّ بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، أمير الحجاز. وفيها توفي: حاتِم الأصمُّ (٨).

стр. 5197

وعبد الأعلى بن حمَّاد (١). وعُبيد اللَّه بن معاذ العَنبريّ (٢). وأبو كامل، الفضيل بن الحسين الجَحْدَريّ (٣). ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئتين في ربيع الأول منها حاصر بُغا مدينة تَفْلِيس (٤) وعلى مقدمته زيرك التركي، فخرج صاحبُ تَفْليس إسحاق بن إسماعيل فقاتله فأسر إسحاق، فأمر بُغا بضرب عنقه وصلبه، وأمر بإلقاء النار في النفط إلى نحو المدينة، وكان أكثر بنائها من خشب الصَّنَوْبَر، فأحرق أكثَرها، وأحرَق من أهلها نحوًا من خمسين ألف إنسانٍ، وطفئت النار بعد يومين؛ لأنَّ نار الصنوبر لا بقاءَ لها. ودخل الجند فأسروا من بقي من أهلها واستلبوهم، حتى استلبوا الموتى (٥). ثم سار بُغا إلى مدن أخرى ممن كان يمالئ أهلها مع من قتل نائب أرمينية يوسف بن محمد بن يوسف، آخذًا بثاره وعقوبة لمن تجرَّأ عليه. وفي هذه السنة جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمئة مركب قاصدين ديار مصر من ناحية دمياط، فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا، وحرقوا المسجد الجامع والمنبرَ، وأسروا من النساء نحوًا من ستمئة امرأة؛ من المسلمات مئة وخمس وعشرون امرأة، والباقيات من نساء القِبْط، وأخذوا من الأمتعة والأسلحة والمغانم شيئًا كثيرًا جدًا، وفرَّ الناس منهم في كل جهة، فكان من غرِقَ في بحيرة تِنِّيس أكثرَ ممن أسروه، ثم رجعوا على حَمِيَّةٍ (٦)، ولم يعرض لهم أحد حتى عادوا إلى بلادهم، لعنهم اللَّه وقبّحهم. وفي هذه السنة غزا الصائفة عليّ بن يحيى الأرمنيّ.

стр. 5198

وحجَّ بالناس أمير السنة التي قبلها. وفيها توفي الإمام إسحاق بن رَاهَوَيه (١)، أحدُ الأعلام وعلماء الإسلام، والمجتهدين من الأنام. وبشر بن الوليد، الفقيه الحنفي (٢). وطالوت بن عبَّاد (٣). ومحمد بن بكار بن الريان (٤). ومحمد بن البُرْجُلانيّ (٥). ومحمّد بن أبي السّريّ العسقلانيّ (٦). ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئتين في المحرم منها زاد المتوكِّلُ في التغليظ على أهل الذِّمَّة في التمييز في اللباس عن المسلمين، وأكَّد الأمر بتخريب الكنائس المُحدَثة في الإسلام. وفيها: نَفَى المتوكِّلُ عليَّ بن الجهم إلى خراسان. وفيها: اتفق شعانين النَّصارى والنَّوروز (٧) في يوم واحد، وذلك يوم الأحد، العشرين من ذي

стр. 5199

القَعْدَة، وزعمت النَّصارى أنَّ هذا شيء لم يتفق مثلُه في الإسلام إلا في هذا العام. وغزا الصائفة عليُّ بن يحيى المذكور (١). وحجَّ بالناس عبدُ اللَّه بن محمّد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وهو والي مكّة. قال ابنُ جرير (٢): وفيها توفي أبو الوليد محمد بن القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي المعتزليّ. قلت: وممن توفي فيها من الأعيان: داود بن رُشَيد (٣). وَصَفْوان بن صالح (٤) مؤذن أهل دمشق. وعبد الملك بن حَبيب (٥)، الفقيه المالكي، أحد المشاهير. وعثمان بن أبي شيبة، صاحب "التفسير" و"المسند" المشهور (٦). ومحمد بن مِهْران الرازي (٧). ومحمود بن غَيْلان (٨). ووَهْب بن بَقيَّة (٩).

стр. 5200

أحمد بن عاصم الأنطاكيّ (١): أبو علي الواعظ الزاهد أحد العبَّاد، له كلام حسنٌ في الزُّهد ومعاملات القلوب، قال أبو عبد الرحمن السلميّ، كان من طبقة الحارث المحاسبي، وبِشر الحافي. وكان أبو سليمان الدارانيّ يسميه جاسوسَ القلوب، لحدَّة فِراسته. روى عن أبي معاوية الضَّرير وطبقته. وعنه: أحمد بن أبي الحَواري، ومحمود بن خالد، وأبو زُرْعَة الدِّمشقيّ، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن أبي الحَواري، عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، قال: مررت بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر، فقلت: يا أبا سعيد، مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني قد توضأت، فأردتها (٢) أن تقوم فتصلي، فأبت عليَّ، وأرادتني (٣) على أن تنام فأبَيْتُ عليها. ومن مستجاد كلامه: إذا أردتَ صلاح قلبك فاستعِنْ عليه بحفظ لسانك (٤). وقال: من الغنيمة الباردة أن تصلحَ ما بقي من عمرك فيغفرَ لك ما مضى منه. وقال أيضًا: يَسيرُ اليقين يُخرج الشَّكَّ كلَّه من القلب، ويَسيرُ الشَّكِّ يُخرجُ اليقين كلَّه منه. وقال: من كان باللَّه أعرفَ كان منه أخْوَفَ. وقال: خيرُ صاحبٍ لك في دنياك الهمُّ، يقطعُكَ عن الدُّنيا ويُوصلك إلى الآخرة (٥). ومن شعره (٦) ﵀: هَمَمْتُ ولَمْ أعزِمْ ولو كنتُ صَادقًا … عَزَمْتُ ولكنَّ الفِطَامَ شَديدُ ولو كانَ لي عَقْلٌ وايقانُ مُوقنٍ … لَمَا كَنْتُ عَنْ قَصْدِ الطَّريقِ أحِيدُ ولا كانَ في شَكِّ اليقينِ (٧) مَطَامِعي … ولكنْ عنِ الأقدارِ كيفَ أحِيدُ ومن شعره أيضًا:

стр. 5201

داعياتُ الهَوَى تخفُّ علينا … وخلافُ الهوَى عَلْينا ثَقِيلُ فُقِدَ الصِّدْقُ (١) في الأماكنِ حتَّى … وَصْفُه اليَوْمَ ما عليه دَليلُ لا نَرَى خائِفًا (٢) فيلزمُنا الخَوْ … فُ ولا صَادِقًا بما قد يقولُ فَبَقيْنا مُذَبْذَبين حَيارَى … نطلبُ الصِّدْقَ ما إليه وُصُولُ (٣) وله أيضًا: هَوِّنْ عليْكَ فكُلُّ الأمْرِ يَنْقَطِعُ … وخَلِّ عنْكَ عِنانَ (٤) الهَمِّ يندَفِعُ فَكُلُّ همٍّ له مِنْ بعده فَرَجٌ … وكلُّ كَرْبٍ إذا ما ضَاقَ يتَّسِعُ إنَّ البَلاءَ وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ … الْمَوْتُ يقْطَعُهُ أوْ سَوْفَ يَنْقَطِعُ وقد أطال الحافظ ابنُ عساكر (٥) ترجمته ولم يؤرِّخْ وفاته، وإنما ذكرته هاهنا تقريبًا، واللَّه أعلم. سنة أربعين ومئتين من الهجرة النبوية فيها: عدا أهلُ حمصَ على عاملهم أبي المُغِيث (٦) موسى بن إبراهيم الرَّافقي (٧)، وكان قد قتل رجلًا من أشرافهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المتوكِّل أميرًا عليهم، وقال للسفير معه: إن قبلوه (٨) وإلا فأعلمني، فقبلوه، فعمل فيهم الأعاجيبَ، وأهانهم غاية الإهانة. وفيها: عزل المتوكِّلُ القاضي يحيى بن أكثم عن قضاء القضاة (٩)، وصادره بما مبلغه ثمانون ألفَ دينار، وأخذ منه أراضيَ كثيرةً في أرض البصرة، وولَّى مكانه جعفرَ بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي على قضاء القضاة (١٠).

стр. 5202

قال ابن جرير (١): وفي المحرّم منها توفي أحمد بن أبي دواد بعد ابنه بعشرين يومًا. وهذه ترجمة أحمد بن أبي دُوَاد القاضي (٢): أحمد بن أبي دُواد -واسمه الفرج، وقيل: دُعْمَيّ، والصحيح أن اسمه كنيته- بن جرير القاضي، أبو عبد اللَّه الإياديّ المعتزليّ. قال ابن خلكان (٣) في نسبه: هو أبو عبد اللَّه أحمد بن أبي دُوَاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد اللَّه بن عَبَّاد بن سَلام [بن مالك] بن عبد هند بن عبد لَخْم بن مالك بن قَنَص بن مَنَعة بن برجان بن دَوْس بن الدُّئِل (٤) بن أُميَّة بن حذافة بن زُهر بن إياد بن نِزار بن معدّ بن عدنان. قال الخطيب (٥) البغدادي: ولي ابنُ أبي دُوَاد قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق، وكان موصوفًا بالجود والسَّخاء، وحسن الخلق، ووفور الأدب، غير أنَّه أعلن بمذهب الجَهْميّة، وحمل السلطان (٦) على امتحان الناس بخلْق القرآن (٧). قال الصّولي (٨): لم يكن بعد البرامكة أكرم منه، فلولا ما وضع من نفسه من محبة المِحْنة لاجتمعت عليه الألسن. قالوا: وكان مولده في سنة ستين ومئة، وكان أسنَّ من يحيى بن أكثم بعشرين (٩) سنة. قال ابن خلكان (١٠): وأصله من بلاد قِنَّسْرين (١١)، وكان أبوه تاجرًا يفدُ إلى الشام، ثم أخذ ولدَه معه

стр. 5203

إلى العراق، فاشتغل بالعلم، وصحب هَيّاج بن العلاء السّلمي، أحد أصحاب واصل بن عطاء، فأخذ عنه الاعتزال. وذكر (١) أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم. ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب الوفيات (٢). وقد امتدحه بعض الشعراء فقال (٣): رَسُولُ (٤) اللَّهِ والخلفاءُ مِنَّا … ومنَّا أحمَدُ بنُ أبي دُوَادِ فردَّ عليه بعضُ الشعراء (٥) فقال: فَقُلْ للفاخرينَ على نِزارٍ … وَهُمْ في الأرضِ ساداتُ العِبادِ رَسُولُ اللَّهِ والخلفاءُ مِنَّا … ونَبْرَأ من دَعِيّ بني إيادِ وما مِنَّا إيادٌ إذ أقرَّتْ … بدَعْوَةِ أحمَدَ بنِ أبي دُوَادِ فلمَّا بلغ ذلك أحمد بن أبي دُوَاد، قال: لولا أني أكره العقوبة لعاقبْتُ هذا الشاعر عقوبةً ما فعلَها أحدٌ، وعفا عنه. قال الخطيب (٦): حدثني الأزهري، حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك، حدثني جرير بن أحمد أبو مالك، قال: كان أبي -يعني أحمد بن أبي دُوَاد- إذا صلَّى رفَعَ يديه (٧) إلى السَّماء وخاطَبَ ربَّه، وأنشأ يقولُ (٨): ما أنتَ بالسَّبَبِ الضَّعِيفِ وإنَّما … نُجْحُ الأمورِ بقوَّةِ الأسبابِ واليومَ حاجَتُنا إليكَ وإنَّما … يُدْعَى الطَّبيبُ لِسَاعَةِ الأوصابِ (٩)

стр. 5204

ثم روى الخطيب (١): أنَّ أبا تمام دخل يومًا على ابن أبي دُوَاد، فقال له: أحسبك عاتبًا [يا أبا تمام] (٢)؟ فقال: إنَّما يُعْتَبُ على واحدٍ وأنتَ النَّاسُ جميعًا. فقال له: أنَّى لك هذه؟ فقال: من (٣) قول أبي نواس: وليسَ للَّه (٤) بِمُسْتَنْكَرٍ … أن يَجْمَعَ العالَم في واحدِ وامتدَحه أبو تمام يومًا فقال (٥): لقد أنْسَتْ مَسَاوِئَ كُلِّ دَهْرٍ … مَحَاسِنُ أحمَدَ بنِ أبي دُوَاد وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا … وَمِنْ جَدْوَاكَ راحِلَتي وَزَادِي يُقيمُ الظَنُّ عِنْدَكَ والأمانِي … وإنْ قَلِقَتْ رِكابي في البلادِ فقال له: هذا المعنى تفردت به أو أخذتَه من غيرك؟ فقال: هو لي، غير أني ألممت (٦) بقول أبي نواس (٧): وإنْ جَرَتِ الألْفَاظُ يَوْمًا بمدْحةٍ … لِغَيْرِكَ إنسانًا فأنْتَ الَّذي نَعْنِي وقال محمد بن يحيى الصولي: ومن مختار مديح أبي تمام لأحمدَ بن أبي دُوَاد قولُه (٨): أأحْمَدُ إنَّ الحاسِدينَ كَثيرُ … ومَا لَكَ إنْ عُدَّ الكِرامُ نَظيرُ حَلَلْتَ مَحَلًّا فاضِلًا (٩) متقادمًا (١٠) … مِنَ المَجدِ، والفَخْرُ القديمُ فَخُورُ (١١)

стр. 5205

فَكُلُّ غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ فإنَّهُ (١) … إليكَ وإنْ نالَ السَّماءَ فَقِيرُ إليكَ تَنَاهَى المَجْدُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ … يَصيرُ فما يَعْدُوكَ حَيْثُ يَصِيرُ (٢) وبَدْرُ إيادٍ أنْتَ لا يُنْكِرُونَهُ … كذاكَ إيادٌ للأنامِ بُدورُ تَجَّنَبْتَ أنْ تُدْعَى الأمِيرَ تَوَاضُعًا … وأنْتَ لِمَنْ يُدْعَى الأميرَ أمِيرُ (٣) فَمَا مِنْ نَدًى إلا إليْكَ مَحَلُّهُ … وما رِفْعَةٌ إلا إليكَ تَشيرُ (٤) قلت: وقد أخطأ الشاعر في هذا خطأ كبيرًا، وأفحَشَ في المبالغة كثيرًا (٥). وقال أحمد بن أبي دُوَاد يومًا لبعضهم: لِم لا تسألني؟ فقال له: لأني لو سألتك أعطيتُك ثمن (٦) ما تعطيني، فقال له: صدقْتَ، وأرسَلَ إليه بخمسة آلاف درهم (٧). وقال ابنُ الأعرابي: سأل رجلٌ من [أصحاب] (٨) ابن أبي دُوَاد أن يحمله على عَيْر (٩)، فقال: يا غلام، أعطه عيْرًا وبَغْلًا وبِرْذَونًا (١٠) وفرسًا وجاريةً، ثم قال له: لو أعلم مركوبًا غيرَ هذا لأعطيتك (١١). ثم أورد الخطيبُ (١٢) بأسانيده عن جماعة من الناس في أخبارٍ تدُلُّ على كرمه، وفصاحته، وأدبه، وحلمه، ومبادرته إلى قضاء الحاجات، وعظم (١٣) منزلته عند الخلفاء. وذكر (١٤) عن محمد المهتدي بن الواثق: أنَّ شيخًا دخل يومًا على الواثق، فسلَّم، فلم يردَّ عليه الخليفة، بل قال: لا سلَّمَ اللَّهُ عليك. فقال: يا أميرَ المؤمنين! بئس ما أدَّبك معلِّمُك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فلا حيَّيتني بأحسَنَ منها ولا رددتَّها. فقال

стр. 5206

القاضي أحمد بن أبي دُوَاد: يا أميرَ المؤمنين، الرجلُ متكلِّم. فقال: ناظره. فقال له القاضي: ما تقولُ يا شيخُ في القرآن، أمخلوق هو؟ فقال له الشيخ: لم (١) تنصفني، المسألة لي. فقال: قل. فقال: هذا الذي تقوله علمَه رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو ما علموه؟ فقال: لم يعلموه. قال: فأنتَ علمت ما لَمْ يعلَموا؟ فخجل وسكت. ثم قال: أقلني، بل علموه، قال: فلم لا دعوا إليه النَّاسَ كما دعوتهم أنتَ، أمَا وسعَكَ ما وسعهم؟ فسكت ابن أبي دُوَاد. وأمر الواثق له بجائزة نحو من أربعمئة دينار. قال المهتدي: فدخل أبي المنزل واستلقى على قفاه (٢)، وجعل يكرِّرُ قولَ الشيخ على نفسه، ويقول: أمَا وسِعَكَ ما وسعهم؟ ثم أطلق (٣) الرجلَ وأعطاه أربعمئة دينار، وردَّه إلى بلاده، وسقط من عينه أحمد بنُ أبي دُوَاد، ولم يمتحن بعدَه أحدًا. رواه الخطيب (٤) البغدادي في "تاريخه" بإسنادٍ فيه بعضُ من لا أعرفه، وساقها مطوَّلةً وفيها نكارة. وقد أنشد ثعلبٌ عن أبي الحجَّاج الأعرابي، أنَّه قال في ابن أبي دُوَاد: نَكَسْتَ الدِّينَ يا بْنَ أبي دُوَاد … فأصْبَحَ مَنْ أطَاعَكَ في ارْتِدَادِ زَعَمْتَ كلامَ ربِّكَ كان خَلْقًا … أمَا لَكَ عندَ ربِّكَ مِنْ مَعادِ كلامُ اللَّهِ أنزلَهُ بعلمٍ … وأنزَلَهُ على خَيْرِ العبادِ ومَنْ أمْسَى ببابِكَ مستَضيفًا … كَمَنْ حَلَّ الفَلاةَ بغيرِ زَادِ لقدْ أطرفْتَ يا بْنَ أبي دُوادٍ … بقَوْلِكَ إنَّني رَجُلٌ إيادِي ثم قال الخطيب (٥): أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللَّه الطبري، قال: أنشدنا المعافَى بن زكريا الجريري، عن محمد بن يحيى الصّولي لبعضهم، يهجو أحمد بن أبي دُوَاد: لو كُنْتَ في الرأي منسُوبًا إلى رَشَدِ … وكَان عَزْمُكَ عَزْمًا فيه توفيقُ لكان في الفقه شغلٌ لو قَنِعْتَ به … عن أن تقولَ: كتابُ اللَّه مخلُوقُ ماذا عَلَيْكَ وأصلُ الدِّين يجمَعُهُمْ … ما كان في الفرع، لولا الجهلُ والمُوقُ وقد تقدمت (٦) هذه الأبيات.

стр. 5207

وروى الخطيب (١) عن يحيى الجلاء أو أحمد بن الموفَّق أنه قال: ناظَرني رجلٌ من الواقِفيّة (٢) في خَلْق القرآن، فنالني منه ما أكرَه، فلما أمْسَيْتُ أتيْتُ امرأتي، فوضعَتْ ليَ العشاء فلم أقدرْ أن أنالَ منه شيئًا. ونمت فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ في المسجد الجامع، وهناك حَلْقة فيها أحمدُ بن حنبل وأصحابه، [وحَلْقَة فيها أحمد بن أبي دُوَاد وأصحابه] (٣)، فجعل رسولُ اللَّه ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ ويشير إلى حلقة ابن أبي دُوَاد، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه، ﵏. وقال بعضهم: رأيت في المنام [ليلة مات أحمد بن أبي دُوَاد] (٤)، كأنَّ قائلًا يقول: هَلَكَ الليلةَ أحمدُ بن أبي دُوَاد. فقلت: وما سببُ هلاكه؟ فقال: أغضَبَ اللَّهَ عليه فغضِبَ عليه من فوق سبع سماوات. وقال بعضهم: رأيت في تلك الليلة كأنَّ النَّار زفرت زفرةً عظيمةً فخرج منها اللهب، فقلت: ما هذا؟ فقيل: هذه أُعِدَّت لابن أبي دُوَاد. وقد كان موته في يوم السبت لسبع (٥) بقيت من المحرم من هذه السنة، وصلَّى عليه ابنه العباس، ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة. وكان قد فلج، قبل موته بأربع سنين، وبقي طريحًا في فراشه لا يقدر أن يحرِّكَ شيئًا من جسده (٦). وقد دخل عليه بعضهم فقال له: واللَّه ما جئتك عائدًا، ولكن جئتك لأحمدَ اللَّه على أن سجنك في جسدك (٧). وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدًا (٨)، كما تقدَّم (٩) بيانه. قال ابن خلكان (١٠): وقد كان مولده في سنة ستين ومئة.

стр. 5208

قلت: فعلى هذا يكونُ أسنَّ من أحمد بن حنبل، ومن يحيى بن أكثم الذي ذكر ابنُ خلكان أنّه كان سبب اتصاله بالمأمون على يديه، فحظي عنده بحيث إنه أوصَى به إلى أخيه المعتصم، فولاه المعتصم القضاء، وعزل ابن أكثم. وكان لا يقطع أمرًا دونه، فكان عنده خصيصًا، ولاه القضاء والمظالم. وكان ابنُ الزيات الوزيرُ يبغضه، وبينهما منافسات وهجو (١) كما تقدَّم. وقد بالغ ابن خلكان (٢) في ترجمته ومدحه وقرَّظه وذكره من مآثره ومحاسنه، فأطنَبَ وأكثر، وما أطيب. ولم يذكر شيئًا من مساوئه، بل ذكر امتحانه للإمام أحمد بن حنبل ذِكرًا موجزًا بأطراف الأنامل؛ وهي المحنة التي هي أسُّ (٣) ما بعدها من المحن، والفتنة التي فتحت على الناس أبواب الفتن. وذكر [ابن خلكان] (٤) ما ضُرب به من الفالج، وما صُودِرَ به من المال، وأن ابنَه أبا الوليد محمدًا صُودِرَ بألف ألف دينارٍ ومئتي ألف دينار، وأنَّه مات قبل أبيه بشهر. وأما الحافظ ابنُ عساكر (٥) فإنَّه بسَطَ القول في ترجمته وشرحها شرحًا مليحًا. وقد كان الرجل أديبًا فصيحًا كريمًا جوادًا ممدَّحًا، يؤثر العطاء على المنع، والتفرقة على الجمع، وقد روى [ابن عساكر] (٦) بإسناده: أنَّه جلس يومًا مع أصحابه ينتظرون خروجَ الواثق، فقال (٧) القاضي: إنَّه ليعجبني هذان البيتان: ولي نَظْرَةٌ لَوْ كانَ يُحْبِلُ نَاظِرٌ … بِنَظْرَتِهِ أنْثَى لَقَدْ حَبِلَتْ مِنِّي فإنْ وَلَدَتْ ما بَيْنَ (٨) تِسْعَةِ أشْهُرٍ … إلى نَظَري إبْنًا فإنَّ ابنَها مِنِّي (٩) وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أبو ثور، إبراهيم بن خالد الكلبيّ (١٠)، أحدُ الفقهاء المشاهير؛ قال الإمام أحمد: هو عندنا في

стр. 5209

مِسْلاخ (١) الثوريّ. وخليفةُ بنُ خَيَّاط، أحدُ أئمة التاريخ (٢). وسُوَيد بنُ سعيد الحَدَثانيّ (٣). وسُوَيد بنُ نَصْر (٤). وعبد السلام بن سعيد، الملقب بسُحْنُون، أحدُ فقهاء المالكية المشهورين. وعبد الواحد بن غِياث (٥). وقتيبة بن سعيد، شيخ الأئمة الستة (٦). وأبو العَمَيْثَل (٧): عبد اللَّه بن خُلَيْد (٨)، كاتب عبد اللَّه بن طاهر وشاعره، كان عالمًا باللغة وله فيها مصنفات عديدة أورد منها القاضي ابن خلكان جملة. ومن شعره يمدَحُ عبدَ اللَّه بن طاهر (٩): يا مَنْ يُحاوِلُ أنْ تَكُونَ صِفاتُهُ … كصفاتِ عبدِ اللَّهِ أنصِتْ واسْمَعِ فلأنْصَحَنَّكَ في خِصالٍ والَّذي … حَجَّ الحَجيجُ إليه فاسْمَعْ أو دَعِ

стр. 5210

أصْدُقْ وَعِفَّ وبرَّ واصْبِرْ واحْتَمِلْ … واصْفَحْ وكافِ ودارِ (١) واحْلُمْ واشجعِ والْطُفْ ولِنْ وتأنَّ وارْفُقْ وائتِدْ (٢) … واحْزُمْ وجدّ وحَامِ واحمِلْ وادْفَعِ فلقد محضْتُكَ إن قبلْتَ نَصِيحَتي … وهُديتَ للنَّهجِ الأسَدِّ المَهْيَعِ (٣) سُحْنُون المالكي صاحبُ المُدَوَّنة (٤): هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التَّنُوخيّ، أصلُه من مدينة حمص، فدخل به أبوه مع جندها بلادَ المغرب فأقام هنالك، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك هنالك. وكان قد تفقَّه على ابن القاسم، وسببه أنَّه قدم أسدُ بنُ الفرات المالكيُّ من بلاد العراق إلى بلاد مصر، فسأل عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك عن أسئلة كثيرة فأجابه عنها، فعَقَلَها عنه، ودخل فيها بلادَ المغرب فانتسخها منه سُحْنون، ثم قدمَ على ابن القاسم مصرَ فأعاد سُؤْلَه عنها، فزاد فيها ونقص، ورجع عن أشياء منها، ورتَّبها سُحْنون، ورجع بها إلى بلاد المغرب، وكتب معه ابنُ القاسم إلى أسَد بن الفرات أن يعرض نسخته (٥) على نسخة سُحْنون ويصلحَها بها فلم يقبَلْ، فدعا (٦) عليه ابنُ القاسم، فلم ينتفع به ولا بكتابه، وصارت الرحلة إلى سُحْنون، وانتشرت عنه "المُدوَّنةُ"، وساد أهلَ ذلك الزمان؛ وتولَّى القضاء بالقيروان إلى أن توفي في هذه السنة عن ثمانين عامًا، ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئتين في جمادى الآخرة من هذه السنة وثبَ أهلُ حمصَ أيضًا على عاملهم محمد بن عبدَوَيْه، فأرادوا قتله، وساعدهم نصارى أهلِه أيضًا عليه، فكتب إلى الخليفة يُعلمه بذلك، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وكتب إلى متولّي دمشق أن يمدَّه بجيشٍ من عنده؛ ليساعده على أهل حِمْصَ، وكتب إليه أن يضربَ ثلاثةً منهم معروفين بالشرِّ بالسّياط حتى يموتوا، ثم يصلُبهم على أبواب البلد، وأن يضربَ

стр. 5211

عشرين آخرين منهم، كلّ واحدٍ منهم ثلاثمئة ثلاثمئة، وأن يرسلهم إلى سامرّا مقيَّدين في الحديد، وأن يخرج كل نصرانيٍّ بها، وأن يهدمَ كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع، ويضيفها إليه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وللأمراء الذين ساعدوه بصِلات سنيَّة، فامتثل ما أمره به الخليفةُ في أهل حمصَ. وفي هذه السنة ضُرب رجلٌ ببغداد يقال له: عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم (١)، ضربًا شديدًا مبرِّحًا، يقال: إنه ضرب ألف سوط حتى مات، وذلك لأنه شهدَ عليه سبعةَ عشرَ رجلًا عند قاضي الشرقية أبي حسّان الزيادي أنه يشتم (٢) أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، ﵃ أجمعين. فرفع أمره إلى الخليفة، فجاء كتابُ الخليفة إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضرب هذا الرجل بين الناس حدَّ السّب، ويضرب بالسّياط حتَّى يموت، ويلقى في دجلة ولا يصلّى عليه، ليرتدع بذلك أهلُ الإلحاد والمعاندة، ففعل معه ذلك، قبَّحه اللَّه ولعنه. ومثل هذا يكفّر إن كان قد قذف عائشة أمّ المؤمنين بالإجماع، ومن (٣) قذف من سواها من أمهات المؤمنين قولان، والصحيح أنَّه يكفّر أيضًا، لأنهن أزواج رسول اللَّه ﷺ . قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة. قال (٥): وفيها: مُطِر الناس في آب مطرًا (٦) شديدًا جدًا. قال (٧): وفيها مات شيء كثير من الدّواب والبقر. قال (٨): وفيها أغارت الرّوم على عَين زَرْبى (٩) فأسَروا مَنْ بها من الزّطّ، وأخذوا نساءهم وذراريّهم ودوابهم.

стр. 5212

قال (١): وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وكان ذلك ببلاد طَرَسُوسَ بحضرة قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد، عن إذن الخليفة له في ذلك، واستنابته ابن أبي الشوارب. فكان عدة الأسرى من المسلمين سبعمئة وخمسة وثمانين رجلًا، ومن النساء مئة وخمسًا وعشرين امرأة، وقد كانت أم الملك تَدُورة -لعنها اللَّه- عرضت النصرانية على من كان في يدها من الأسرى، وكانوا نحوًا من عشرين ألفًا، فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته، فقتلت اثني عشر ألفًا وتنصَّر بعضهم، وبقي منهم هؤلاء الذين ذكرناهم، وهم قريبٌ من التسعمئة رجالًا ونساءً. وفيها: أغارت البُجَة على حرسٍ من أرض مصر، وقد كانت البُجَة لا يغزون المسلمين قبل هذا، لهدنة كانت لهم من المسلمين. فنقضوا الهدنة وصارحوا بالمخالفة. والبُجَة طائفة من سودان بلاد المغرب، وكذا النوبة والفرويّة وثنيون وزعرير وبكسوم، وأمم كثيرون لا يعلمهم إلا الذي خلقهم. وفي بلاد هؤلاء معادن الذهب والجوهر، وكان عليهم حمل في كلِّ سنة إلى ديار مصر من هذه المعادن. فلما كانت دولة المتوكِّل امتنعوا من أداء ما عليهم سنين متعددة، فكتب نائب مصر -وهو يعقوب بن إبراهيم الباذغيسيّ مولى الهادي، وهو المعروف بقوصرة- بذلك كله إلى المتوكِّل، فغضب الخليفة من ذلك غضبًا شديدًا، وشاور في أمر البُجَة، فقيل له: يا أمير المؤمنين! إنهم قوم أهل إبلٍ وبادية، وإنَّ بلادهم بعيدة ومعطشة، ويحتاج الجيش الذاهبون إليها أن يتزوَّدوا لمقامهم بها طعامًا وماءً؛ فصدَّه ذلك عن البعث إليهم. ثم بلغه أنهم يغيرون على أطراف الصعيد، وخشيَ أهلُ مصرَ على أنفسهم منهم، فجهَّز لحربهم محمد بن عبد اللَّه القُمِّيّ، وجعل إليه نيابة تلك البلاد كلّها المتاخمة لأرضهم، وكتب إلى عمال مصر أن يعينوه بجميع ما يحتاج إليه من الطعام وغير ذلك، فتخلص معه من الجيوش الذين انضافوا إليه من تلك البلاد حتى دخل بلادهم في عشرين ألفَ فارسٍ وراجلٍ، وحمل معه الطعام والإدام في مراكبَ سبعةٍ، وأمر الذين هم بها أن يلجُّوا بها في البحر، ثم يوافوه بها إذا توسط بلاد البُجَة، ثم سار حتَّى دخل بلادهم، وجاوز معادنهم، وأقبل إليه ملك البُجَى -واسمه علي بابا- في جمع عظيم أضعاف مَن مع محمد بن عبد اللَّه القُمِّيّ، وهم قوم مشركون يعبدون الأصنام، فجعل الملك يطاول المسلمين في القتال، لعله تنفَدُ أزوادُهم فيأخذونهم بالأيدي، فلمَّا نفِدَ ما عند المسلمين، وطمع فيهم السودان يسَّر اللَّه وله الحمد بوصول تلك المراكب، وفيها من الطعام والتمر والزيت وغير ذلك ممَّا يحتاجون إليه شيء كثير جدًا، فقسَّمه الأمير بين المسلمين بحسب حاجاتهم، فيئس السودان من هلاك المسلمين بالجوع،

стр. 5213

فشرعوا في التأهُّب لقتال المسلمين، وكانوا يركبون على إبل شبيهة بالهُجُنِ، زَعِرة (١) جدًا، كثيرة النِّفار، لا تكاد ترى شيئًا [ولا تسمع شيئًا] (٢) إلا جفلت منه. فلما كان يوم الحرب عمد الأميرُ إلى جميعِ الأجراس التي معهم في الجيش فجعلَها في رقاب الخيل، فلمَّا كانت الوقعة حمل المسلمون حملةَ رجلٍ واحدٍ (٣)، ونفرت إبلهم من أصوات تلك الأجراس في كلِّ وجهٍ، وتفرَّقوا شذَر مذَرَ، وأتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا، لا يمتنع منهم أحد، فلا يعلم عدد من قتلوا منهم إلا اللَّه . ثم أصبحوا وقد اجتمعوا رجَّالة فكبسهم القُمِّيّ من حيث لا يشعرون، فقتل عامَّة مَن بقي، وأخذ الملِكَ بالأمان، وأدَّى ما كان عليه من الحمل، وأخذه معه أسيرًا إلى الخليفة. وكانت هذه الوقعة في أوَّل يوم من هذه السنة، وكان وصوله إلى الخليفة في أواخر هذه السنة، فولاه الخليفة على بلاده كما كان، وجعل إلى ابن القُمِّيّ أمْرَ تلك الناحية، والنَّظَر في أمرها، وللَّه الحمدُ والمنة. قال ابن جرير (٤): ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرَة في جمادى الآخرة. قلت: وهذا الرجل كان نائبًا على الديار المصرية من جهة المتوكل على اللَّه. قال (٥): وحجَّ بالناس في هذه السنة عبد اللَّه بن محمد بن داود، وحجَّ جعفر بن دينار فيها، وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم. ولم يتعرَّض ابنُ جرير لوفاةِ أحدٍ من المحدّثين في هذه السنة. وقد توفي فيها من الأعيان: الإمام أحمد بن حنبل. وجُبَارة بن المُغَلِّس الحِمَّانيّ (٦). وأبو تَوْبَة الحَلبي (٧).

стр. 5214

والحسن (١) بن حمَّاد سَجَّادَة. ويعقوب بن حُميد بن كاسِب (٢). ولنذكر شيئًا من أخبار: الإمام أحمد بن حنبل (٣) ﵀ [فضائله، ومناقبه، ومآثره، على سبيل الاختصار] (٤): فنقول وباللَّه المستعان: أحمد بن محمد بن حَنْبَل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللَّه بن حَيَّان بن عبد اللَّه بن أنس بن عَوْف بن قاسِط بن مازن بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط به هِنْب بن أفْصَى بن دُعْمِيّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أُدِّ بن أُدَد بن الهَمَيْسَعَ (٥) بن النبت (٦) بن قَيْذار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل [﵉] (٧)، أبو عبد اللَّه الشيباني المروزيّ ثم البغدادي، هكذا ساق نسبه الحافظُ الكبير أبو بكر البيهقي، ﵀ في الكتاب الذي جمعه في مناقب الإمام أحمد عن شيخه الحافظ أبي عبد اللَّه الحاكم، صاحب "المستدرك" (٨).

стр. 5215

وروي عن صالح ابن الإمام أحمد قال: رأى أبي هذا النسب في كتاب لي، فقال: وما يصنع بهذا؟ ولم يُنكر النسب (١). قالوا: وقدم به أبوه من مَرْو وهو حَمْل، فوضعته أمُّه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومئة، وتوفي أبوه وهو ابنُ ثلاث سنين، فكفلته أمُّه. قال صالح عن أبيه: فثقبَثْ أذنيّ وجعلَتْ فيها (٢) لؤلؤتين، فلمَّا كبِرْتُ دفعتهما إليَّ فبعتهما بثلاثين درهمًا. وتوفي أبو عبد اللَّه أحمد بن حَنْبل في يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين (٣)، وله من العمر سبع وسبعون سنة، ﵀. وقد كان في حداثته (٤) يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبلَ على سماع الحديث، فكان أوّل طلبه الحديث وأوّل سماعه من مشايخه في سنة تسع وسبعين ومئة، وله من العمر ست عشرة [سنة]، وحجَّ أوّل حجة حجَّها في سنة سبع وثمانين ومئة، ثم في سنة إحدى وتسعين؛ وفيها حجَّ الوليد بن مُسلم، ثم في سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبعِ وتسعين، ثم حجَّ في سنة ثمان وتسعين وجاور إلى سنة تسع وتسعين عند عبد الرزاق باليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين. وإسحاق بن رَاهَوَيْه. قال الإمام أحمد (٥): حججت خمس حجج، منها ثلاث راجلًا، أنفقتُ في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا. قال: وقد ضللْتُ في بعض هذه الحجج عن الطريق وأنا ماشٍ، فجعلت أقول: يا عبادَ اللَّه دلّونا على الطريق، فلم أزل أقولُ ذلك حتى وقفت (٦) على الطريق. قال: وخرجْتُ إلى الكوفة، فكنتُ في بيتٍ تحت رأسي لَبِنةٌ، ولو كان عندي خمسون (٧) درهمًا

стр. 5216

كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الريّ، وخرج بعضُ أصحابنا ولم يُمكنِّي الخروج؛ لأنَّه لم يكن عندي. وقال ابن ابن حاتم، عن أبيه، عن حَرْمَلة، قال: سمعت الشافعي يقول: وعدني أحمدُ بن حَنْبل أن يقدمَ على مصر. قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خِفَّةُ ذاتِ اليد حالت بينه وبين الوفاء بالعدة. وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلُّونه، ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخُنا فى "تهذيبه" (١) أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد: وقد أكثر أحمد بن حنبل في "المسند" وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة (٢). قلت: قد أفرد ما رواه الإمام أحمد عن الشافعيّ، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا؛ ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد (٣)، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزُّهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نَسَمَةُ المُؤمِنِ طائرٌ يَعْلُق في شجر الجنَّة حتى يرجعَه اللَّه إلى جَسَدِه يوم يَبْعَثُهُ" (٤). وقد قال له الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة تسعين ومئة، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة؛ قال له: يا أبا عبد اللَّه، إذا صحَّ عندكم الحديثُ فأعلِمْني أذهب إليه، حجازيًا كان، أو شاميًا أو عراقيًا، أو يمنيًّا. يعني أنه لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين، ويُنزلون أحاديث مَن سواهم منزلةَ أحاديث أهل الكتاب. وقول الشافعيّ له هذه المقالة تعظيمٌ لأحمدَ وإجلالٌ له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضعَّف يرجع إليه في ذلك. وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، واعترافهم له

стр. 5217

بعلوّ المكانة وارتفاع المنزلة في العلم، ﵏. وقد بعُد صيتُه في زمانه، واشتهر اسمُه في شبيبته في الآفاق. ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الإيمان وأنه قول وعمل يزيد وينقص، وكلامه في أنَّ القرآن كلامُ اللَّه غيرُ مخلوق، وإنكاره على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيها (١) حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أنبأ (٢) أحمد شيخنا السراج عن أحمد أنه قال: اللفظ محدَث، واستدلَّ بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيف ما تصرف غيرُ مخلوق، وأمَّا أفعالنا فهي مخلوقة. قلت: وقد قرر البخاريُّ هذا المعنى في "أفعال العباد" وذكره أيضًا في الصحيح، واستدل بقوله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (٣)، ولهذا قال غيرُ واحد من الأئمة: الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري. وقد قرر البيهقيّ ذلك أيضًا (٤). ثم ذكر البيهقيُّ كلامَ الإمام أحمد في إثبات رؤية اللَّه في الدَّار الآخرة، واحتجَّ بحديث صُهيب الرومي في الرؤية (٥) وهي الزيادة، وكلامه في نفي التشبيه، وترك الخَوْض في الكلام، والتمسّك بما ورد في الكتاب والسنة من الآثار عن النبي ﷺ وأصحابه.

стр. 5218

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدَّثنا عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ (١). وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر، ﵁، إسناد صحيح (٢). قلت: وهذا الأثر فيه حكاية إجماعٍ عن الصحابة في تقديم الصِّدِّيق، ﵁. والأمر كما قاله ابنُ مسعود، ﵁، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة. قال الإمام أحمد بن حنبل حين اجتاز بحمصَ، وقد حُمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي، فقال له: ما تقولُ في الخلافة؟ فقال الإمام أحمد: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن قدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى، لأنهم قدَّموا عثمان ﵁ (٣). فصل في ورعه وزهده وتقشفه ﵀ ورضي عنه روى البيهقي من طريق المُزني، عن الشافعي، أنه قال للرشيد: إن اليمن تحتاج إلى قاضٍ، فقال له: اختَرْ من نولِّه إياه. وأنَّ الشافعي قال لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه (٤)، فامتنع من ذلك شديدًا، وقال: إنِّي إنَّما أختلِفُ إليك للعلم، أفتأمرني أن أليَ القضاء؟ فاستحيا الشافعي (٥). وروى أنه كان لا يصلي خلفَ عمِّه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه، ولا يكلِّمهم أيضًا؛ لأنَّهم أخذوا جائزة السلطان. ومكث مرة ثلاثة أيام لم يحصل له ما يأكله، حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقًا، فعرف أهله حاجته إلى الطعام، فعجَّلوا وعجنوا وخبزوا له سريعًا، فقال: ما هذه العجلة! كيف خبزتم سريعًا؟ فقالوا: وجدنا تنُّور بيتِ صالح (٦) مسجورًا، فخبزنا لك فيه. فقال: ارفعوا، ولم يأكل، وأمر بسدّ بابه إلى دار صالح.

стр. 5219

قال البيهقي: لأن صالحًا أخذ جائزة المتوكل على اللَّه. وقال عبد اللَّه: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا لم يأكل فيها إلا ربع مدّ سويقًا، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سُفة (١) منه حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، رأيت موقيه دخلا (٢) في حدقتيه. قال البيهقي: وقد كان الخليفة يبعث من مائدته (٣) شيئًا كثيرًا، وكان أحمد لا يتناول من طعامه شيئًا. وبعث الخليفة المأمون مرة ذهبًا ليقسم على أصحاب الحديث، فما بقي منهم أحدٌ إلا أحمدَ بن حنبل، فإنَّه أبَى. وقال سُلَيمان الشَّاذَكوني: حضرت أحمد وقد رهن سطلًا له عند فامِيٍّ (٤) باليمن، فلمَّا جاءه بفكاكه أخرج إليه سطلين، فقال: خذ متاعك، فاشتبه عليه أيُّهما الذي له، فقال له: أنت في حِلٍّ منه ومن الفِكاك، وتركه (٥). وحكى عبد اللَّه، قال: كنا في زمن الواثق في ضِيقٍ شديد، فكتب رجل إلى أبي: إنَّ عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها مني؟ فامتنع من ذلك، وكرَّر عليه فأبَى، فلمَّا كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت (٦). وعرض عليه بعضُ التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلَها باسمه، فأبَى عن أن يقبلها، وقال: نحن في كفايةٍ، وجزاكَ اللَّهُ عن قَصْدِك خيرًا. وعرض عليه تاجر آخرُ ثلاثة آلاف دينار، فامتنع من قبولها، وقام وتركه. ونفِدَتْ نفقة أحمدَ وهو في اليمن فعرض عليه شيخُه عبدُ الرَّزَّاق ملءَ كفِّه دنانير، فقال: نحن في كفاية، ولم يقبلْها. وسُرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته، ورَدَّ عليه الباب، وفقده أصحابه فجاؤوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهبًا فلم يقبلْه ولم يأخذ منهم إلا دينارًا واحدًا؛ ليكتبَ لهم به، فكَتَبَ لهم بالأجر، ﵀.

стр. 5220

وقال أبو داود: كانت مجالس (١) أحمدَ مجالسَ الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قطّ. وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه سئل عن التوكّل، فقال: هو قطعُ الاستشرافِ باليأس من الناس، فقيل: هل من حجَّةِ على هذا؟ قال: نعم! إن إبراهيم لمَّا رُمِيَ (٢) به من المنجنيق عَرَضَ له جبريل، فقال: هل لكَ من حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا (٣)، قال: فَسَلْ من لك إليه الحاجة؛ قال: أحَبُّ الأمْرَيْنِ إليَّ أحبُّهما إليه (٤). وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفَّار، قال: كنَّا مع أحمد بن حنبل بِسُرَّ مَن رأى، فقلنا: ادعُ اللَّه لنا، فقال: اللهم، إنَّك تعلم أنَّا نعلم أنك لنا على أكثر مما نحبُّ، فاجعلنا على ما تحبُّ دائمًا، ثم سكت. فقلنا: زِدْنا، فقال: اللهم، إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. اللهم، وفقنا لمرضاتك، اللهم، إنَّا نعوذُ بكَ من الفقر إلا إليك، ونعوذُ بك من الذلِّ إلا لك، اللهم، لا تكثر فنطغَى ولا تقلّ علينا فننسَى، وهَبْ لنا من رحمتك وسَعَةِ رزقك ما يكونُ بلاغًا في دنياك (٥)، وغنًى من فضلك. قال البيهقي: وفي حكاية أبي الفضل التَّميميّ، عن أحمد: وكان دعاؤه في السجود: اللهم، من كان من هذه الأئمة على غير الحقِّ وهو يظنُ أنَّه على الحقِّ فَرُدَّه إلى الحقِّ؛ ليكون من أهل الحقِّ. وكان يقول: اللهم، إن قبلت من عصاة أمَّةِ محمّدٍ ﷺ فداءً، فاجعلني فداءً لهم. وقال صالح بن الإمام أحمد: كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدَّلْو ملًا (٦)، قال: الحمدُ للَّه. فقلْتُ: يا أبة، ما الفائدةُ في ذلك؟ فقال: يا بنيَّ، أمَا سمعْتَ قولَ اللَّهِ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدًا. وقد صنف أحمد في الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحدٌ فيه. والمظنون،
следующие страницы →