← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الريّ، وخرج بعضُ أصحابنا ولم يُمكنِّي الخروج؛ لأنَّه لم يكن عندي. وقال ابن ابن حاتم، عن أبيه، عن حَرْمَلة، قال: سمعت الشافعي يقول: وعدني أحمدُ بن حَنْبل أن يقدمَ على مصر. قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خِفَّةُ ذاتِ اليد حالت بينه وبين الوفاء بالعدة. وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلُّونه، ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخُنا فى "تهذيبه" (١) أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد: وقد أكثر أحمد بن حنبل في "المسند" وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة (٢). قلت: قد أفرد ما رواه الإمام أحمد عن الشافعيّ، وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثًا؛ ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد (٣)، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزُّهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نَسَمَةُ المُؤمِنِ طائرٌ يَعْلُق في شجر الجنَّة حتى يرجعَه اللَّه إلى جَسَدِه يوم يَبْعَثُهُ" (٤). وقد قال له الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة تسعين ومئة، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة؛ قال له: يا أبا عبد اللَّه، إذا صحَّ عندكم الحديثُ فأعلِمْني أذهب إليه، حجازيًا كان، أو شاميًا أو عراقيًا، أو يمنيًّا. يعني أنه لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين، ويُنزلون أحاديث مَن سواهم منزلةَ أحاديث أهل الكتاب. وقول الشافعيّ له هذه المقالة تعظيمٌ لأحمدَ وإجلالٌ له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضعَّف يرجع إليه في ذلك. وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، واعترافهم له

стр. 5217

بعلوّ المكانة وارتفاع المنزلة في العلم، ﵏. وقد بعُد صيتُه في زمانه، واشتهر اسمُه في شبيبته في الآفاق. ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الإيمان وأنه قول وعمل يزيد وينقص، وكلامه في أنَّ القرآن كلامُ اللَّه غيرُ مخلوق، وإنكاره على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيها (١) حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أنبأ (٢) أحمد شيخنا السراج عن أحمد أنه قال: اللفظ محدَث، واستدلَّ بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيف ما تصرف غيرُ مخلوق، وأمَّا أفعالنا فهي مخلوقة. قلت: وقد قرر البخاريُّ هذا المعنى في "أفعال العباد" وذكره أيضًا في الصحيح، واستدل بقوله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (٣)، ولهذا قال غيرُ واحد من الأئمة: الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري. وقد قرر البيهقيّ ذلك أيضًا (٤). ثم ذكر البيهقيُّ كلامَ الإمام أحمد في إثبات رؤية اللَّه في الدَّار الآخرة، واحتجَّ بحديث صُهيب الرومي في الرؤية (٥) وهي الزيادة، وكلامه في نفي التشبيه، وترك الخَوْض في الكلام، والتمسّك بما ورد في الكتاب والسنة من الآثار عن النبي ﷺ وأصحابه.

стр. 5218

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدَّثنا عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ (١). وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر، ﵁، إسناد صحيح (٢). قلت: وهذا الأثر فيه حكاية إجماعٍ عن الصحابة في تقديم الصِّدِّيق، ﵁. والأمر كما قاله ابنُ مسعود، ﵁، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة. قال الإمام أحمد بن حنبل حين اجتاز بحمصَ، وقد حُمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي، فقال له: ما تقولُ في الخلافة؟ فقال الإمام أحمد: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن قدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى، لأنهم قدَّموا عثمان ﵁ (٣). فصل في ورعه وزهده وتقشفه ﵀ ورضي عنه روى البيهقي من طريق المُزني، عن الشافعي، أنه قال للرشيد: إن اليمن تحتاج إلى قاضٍ، فقال له: اختَرْ من نولِّه إياه. وأنَّ الشافعي قال لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه (٤)، فامتنع من ذلك شديدًا، وقال: إنِّي إنَّما أختلِفُ إليك للعلم، أفتأمرني أن أليَ القضاء؟ فاستحيا الشافعي (٥). وروى أنه كان لا يصلي خلفَ عمِّه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه، ولا يكلِّمهم أيضًا؛ لأنَّهم أخذوا جائزة السلطان. ومكث مرة ثلاثة أيام لم يحصل له ما يأكله، حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقًا، فعرف أهله حاجته إلى الطعام، فعجَّلوا وعجنوا وخبزوا له سريعًا، فقال: ما هذه العجلة! كيف خبزتم سريعًا؟ فقالوا: وجدنا تنُّور بيتِ صالح (٦) مسجورًا، فخبزنا لك فيه. فقال: ارفعوا، ولم يأكل، وأمر بسدّ بابه إلى دار صالح.

стр. 5219

قال البيهقي: لأن صالحًا أخذ جائزة المتوكل على اللَّه. وقال عبد اللَّه: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا لم يأكل فيها إلا ربع مدّ سويقًا، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سُفة (١) منه حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، رأيت موقيه دخلا (٢) في حدقتيه. قال البيهقي: وقد كان الخليفة يبعث من مائدته (٣) شيئًا كثيرًا، وكان أحمد لا يتناول من طعامه شيئًا. وبعث الخليفة المأمون مرة ذهبًا ليقسم على أصحاب الحديث، فما بقي منهم أحدٌ إلا أحمدَ بن حنبل، فإنَّه أبَى. وقال سُلَيمان الشَّاذَكوني: حضرت أحمد وقد رهن سطلًا له عند فامِيٍّ (٤) باليمن، فلمَّا جاءه بفكاكه أخرج إليه سطلين، فقال: خذ متاعك، فاشتبه عليه أيُّهما الذي له، فقال له: أنت في حِلٍّ منه ومن الفِكاك، وتركه (٥). وحكى عبد اللَّه، قال: كنا في زمن الواثق في ضِيقٍ شديد، فكتب رجل إلى أبي: إنَّ عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها مني؟ فامتنع من ذلك، وكرَّر عليه فأبَى، فلمَّا كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت (٦). وعرض عليه بعضُ التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلَها باسمه، فأبَى عن أن يقبلها، وقال: نحن في كفايةٍ، وجزاكَ اللَّهُ عن قَصْدِك خيرًا. وعرض عليه تاجر آخرُ ثلاثة آلاف دينار، فامتنع من قبولها، وقام وتركه. ونفِدَتْ نفقة أحمدَ وهو في اليمن فعرض عليه شيخُه عبدُ الرَّزَّاق ملءَ كفِّه دنانير، فقال: نحن في كفاية، ولم يقبلْها. وسُرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته، ورَدَّ عليه الباب، وفقده أصحابه فجاؤوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهبًا فلم يقبلْه ولم يأخذ منهم إلا دينارًا واحدًا؛ ليكتبَ لهم به، فكَتَبَ لهم بالأجر، ﵀.

стр. 5220

وقال أبو داود: كانت مجالس (١) أحمدَ مجالسَ الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قطّ. وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه سئل عن التوكّل، فقال: هو قطعُ الاستشرافِ باليأس من الناس، فقيل: هل من حجَّةِ على هذا؟ قال: نعم! إن إبراهيم لمَّا رُمِيَ (٢) به من المنجنيق عَرَضَ له جبريل، فقال: هل لكَ من حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا (٣)، قال: فَسَلْ من لك إليه الحاجة؛ قال: أحَبُّ الأمْرَيْنِ إليَّ أحبُّهما إليه (٤). وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفَّار، قال: كنَّا مع أحمد بن حنبل بِسُرَّ مَن رأى، فقلنا: ادعُ اللَّه لنا، فقال: اللهم، إنَّك تعلم أنَّا نعلم أنك لنا على أكثر مما نحبُّ، فاجعلنا على ما تحبُّ دائمًا، ثم سكت. فقلنا: زِدْنا، فقال: اللهم، إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. اللهم، وفقنا لمرضاتك، اللهم، إنَّا نعوذُ بكَ من الفقر إلا إليك، ونعوذُ بك من الذلِّ إلا لك، اللهم، لا تكثر فنطغَى ولا تقلّ علينا فننسَى، وهَبْ لنا من رحمتك وسَعَةِ رزقك ما يكونُ بلاغًا في دنياك (٥)، وغنًى من فضلك. قال البيهقي: وفي حكاية أبي الفضل التَّميميّ، عن أحمد: وكان دعاؤه في السجود: اللهم، من كان من هذه الأئمة على غير الحقِّ وهو يظنُ أنَّه على الحقِّ فَرُدَّه إلى الحقِّ؛ ليكون من أهل الحقِّ. وكان يقول: اللهم، إن قبلت من عصاة أمَّةِ محمّدٍ ﷺ فداءً، فاجعلني فداءً لهم. وقال صالح بن الإمام أحمد: كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدَّلْو ملًا (٦)، قال: الحمدُ للَّه. فقلْتُ: يا أبة، ما الفائدةُ في ذلك؟ فقال: يا بنيَّ، أمَا سمعْتَ قولَ اللَّهِ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدًا. وقد صنف أحمد في الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحدٌ فيه. والمظنون،

стр. 5221

بل المقطوعُ به: أنَّه يأخذ بما أمكنه من ذلك ﵀، وأكرم مثواه، وجعل جئات الفردوس منقلبه ومأواه. وقال إسماعيل بن إسحاق السرّاج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المُحَاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث، فقلت له: إني أحبُّ أن تحضر الليلة أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير فاحضرْ لهم التمر والكُسْب (١). فلما كان بين العشاءين جاؤوا، وكان الإمام أحمد قد سبقهم، فجلس في غرفةٍ (٢)، فلمَّا صلَّوا العشاء لم يصلُّوا بعدها شيئًا، حتَّى جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتًا (٣) كأنَّما على رؤوسهم الطير، حتى كان قريبًا (٤) من نصف الليل، ثم سأله رجل عن مسألةٍ، فشرع الحارث يتكلم فيما يتعلَّق بالزهد والوعظ، فجعل هذا يبكي، وهذا يئنُّ، وهذا يَزْعَقُ. قال: فصعِدت الغرفة، فإذا الإمام أحمد بن حنبل يبكي، حتَّى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتَّى الصباح. فلمَّا أراد الانصراف قلتُ: كيف رأيْتَ هؤلاء يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: ما رأيت أحدًا يتكلَّمُ في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثلَ هؤلاء، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمعَ بهم. قال البيهقي: يحتمل أنه كره له صحبتهم؛ لأن الحارث بن أسد، وإن كان زاهدًا، لكنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك. أو لعله كره له أن يصحبهم ولا يدرك شأوهم، واللَّه أعلم. قلت: بل إنَّما كره ذلك لأن في كلام بعض هؤلاء من التقشُّف الذي لم يرد به الشرعُ والتدقيق والتنقير (٥) والمحاسبة البليغة ما لم يأت به أمرٌ، ولهذا لمَّا وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث بن أسد المسقَى بـ "الرعاية"، قال: هذا بِدعة، ثم قال للرجل الذي جاء به: عليك بما كان عليه مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيّ والليث بن سعد، وَدَعْ هذا، فإنَّه بِدْعَةٌ. وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد يقول: إن أحببت أن يدومَ اللَّه لك على ما تححب فدُمْ له على ما يحبُّ. كان يقول: الصَّبرُ على الفقر مرتبةٌ لا ينالها إلا الأكابر. وكان يقول: الفقر أشرفُ من الغنى، فإنَّ الصبر عليه أعظم مرارةً، وانزعاجه أعظمُ حالًا من الشكر (٦).

стр. 5222

وكان يقول: على العبد أن يقبلَ الرِّزقَ بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدَّمه طمع (١). وكان يحب التقلُّل طلبًا (٢) لخفَّة الحساب. وقال إبراهيم: قال رجل لأحمد: هذا العلم تعلَّمْتَه للَّه؟ فقال: هذا شرطٌ شديدٌ، ولكن حُبِّبَ إليَّ شيءٌ فجمعته (٣). وروى البيهقيُّ: أنَّ رجلًا جاء إلى أحمد، فقال: إنَّ أُمِّيَ زَمِنَةٌ (٤) مُقْعَدَةٌ منذ عشرين سنة، وقد بعثتني إليك لتدعو اللَّهَ لها. فكأنَّه غضب من ذلك، وقال: نحن أحوجُ أن تدعوَ هي لنا، ثم دعا اللَّه لها. فرجع الرجل إلى أمِّه فدق الباب فخرجت إليه على رجليها، وقالت: قد وهبني اللَّهُ العافية (٥). وروى: أن سائلًا سأل، فأعطاه الإمام أحمدُ قطعةً، فقام رجلٌ إلى السائل، فقال: هَبني هذه القطعةَ حتَّى أعطيك عِوَضَها، ما يساوي درهمًا، فأبَى، فرقَّاه إلى خمسين، وهو يأْبَى، وقال: إنِّي أرجو من بركتها ما ترجوه أنتَ من بركتها (٦). قال البيهقي ﵀: باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، ﵀ في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن، وما أصابَه من الحبس الطويل، والضَّرْب الشَّديد، والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم من ذلك إليه، وصبره عليه، وتمسّكه بما كان عليه من الدِّين القويم والصراط المستقيم، وكان ﵀ قد سمع ما ورد في مثل حاله من الآيات المتلوَّة، والآثار (٧) المأثورة، وبلغه ما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلَّم إيمانًا واحتسابًا، وفاز بخير الدُّنيا ونعيم الآخرة، هنَّاه اللَّه بما آتاه من ذلك ببلوغ أعلى منازل أهل البلاء في اللَّه من أولياء اللَّه، وألحق به محبيه فيما نال من كرامة اللَّه تعالى إن شاء اللَّهُ من غير بلية، وباللَّه التوفيق والعِصْمة.

стр. 5223

قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. وقال اللَّه تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. في آي سواها في معنى ما كتبنا. وقد روى الإمام أحمد الممتحَنُ في "مسنده" (١) قائلًا فيه: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عاصم بن بَهْدَلة [قال]: سمعْتُ مُصْعَب بن سعد يحدِّثُ عن سعد، قال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ : أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبتلَى الرَّجُلُ على حسب دينه، فإنْ كان رقيقَ الدِّين ابتُلِي على حسب ذلك، وإن كان صُلْبَ الدِّين ابْتُلِيَ على حسب ذلك، وما يزال البلاءُ بالرَّجل حتى يمشيَ على الأرض وما عليه خطيئة". وقد رواه مسلم في "صحيحه" (٢). وقال (٣): حدثنا عبد الوهَّاب الثَّقفيّ، حدَّثنا أيُّوب، عن أبي قِلابَة، عن أنس، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فقد وَجَدَ حلاوَةَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسُولُه أحبَّ إليه مِمَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا للَّه، وأن يقذف في النار أحبُّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذَه اللَّه منه". وأخرجاه في الصحيحين (٤). وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبو المُغيرة، حدَّثنا صفوان بن عمرو السَّكْسَكِيّ، حدَّثنا عمرو بن قيس السَّكُوني، حدَّثنا عاصم بن حميد، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: "إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاءً وفتنةً، ولن يزداد الأمر إلا شِدَّة، [ولا الأنفس إلا شحًا] (٥) ".

стр. 5224

وبه قال معاذ: "لن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمرًا يهولكم (١) ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشدُّ منه". قال البغوي: سمعت أحمد يقول: اللهم رضينا [يمدُّ بها صوته] (٢). وروى البيهقىّ، عن الربيع، قال: بعثني الشافعيُّ بكتاب من مصرَ إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب، فقال: أقرأته؟ فقلت: لا! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، وما فيه؟ فقال: يَذكرُ أنَّه رأى رسولَ اللَّه ﷺ في المنام، فقال [له]: اكتب إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل واقرأ عليه منِّي السلام، ويقول: إنَّك ستمتَحَنُ، وتُدْعَى إلى القول بخلْق القرآن، فلا تجبهم، فسيرفع اللَّه لك علمًا إلى يوم القيامة. قال الرَّبيع: فقلت: البشارة. فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه، فلمَّا رجعت إلى الشافعيّ أخبرته، فقال: إني لست أفجعك فيه، ولكن بلَّه بالماء وأعطنيه حتى أتبرَّك به. ذكر ملخص الفتنة والمحنة مجموعًا من كلام أئمة السُّنَّة ﵏ وأثابهم الجنة قد ذكرنا فيما تقدَّم: أن المأمون كان قد اجتمع به واستحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحقِّ إلى الباطل، وزيَّنوا له القولَ بخلْق القرآن ونفي الصِّفات عن اللَّه . قال الحافظ البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله؛ لا من بني أمية ولا من بني العباس خليفةٌ إلا على منهج السَّلف، حتى وَلِيَ هو الخلافة، فاجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك. قالوا: واتفق خروجُه إلى طَرَسُوسَ لغزو بلاد الروم، فعنَّ له أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب يأمره أن يدعوَ النَّاس إلى القول بخلق القرآن، واتفق ذلك في آخر عمره، قبل موته بشهورٍ، من سنة ثماني عشرة ومئتين. فلمَّا وصل الكتاب -كما ذكرنا- استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهدَّدهم بالضَّرْب وقَطْعِ الأرزاق، فأجاب أكثرُهم مكرهين. واستمرَّ على الامتناع في ذلك أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجُنْدَيْسابوريّ، فحُملا على بعير وسيَّرهما (٣) إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما

стр. 5225

مقيَّدان متعادلان في محمل على بعيرٍ واحدٍ، فلمَّا كانوا ببلاد الرَّحْبَة (١) جاء رجلٌ من الأعراب من عبّادهم، يقال له: جابر بن عامر، فسلَّم على الإمام أحمد، وقال له: يا هذا، إنَّك وافدُ النَّاسِ، فلا تكن مَشْؤُومًا عليهم، وإنَّك رأسُ الناس اليومَ، فإياك أن تجيبَ (٢) فيجيبوا، وإن كنت تحبُّ اللَّه فاصبر على ما أنت فيه، فإنَّما بينك وبين الجنة أن تقتَلَ، وإنَّك إنْ لم تقتلْ تمت، وإنْ عِشْتَ عِشْتَ حَميدًا. قال الإمام أحمد: فكان ذلك مما قوَّى عَزْمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك. فلمَّا اقتربوا من جيش المأمون، ونزلوا دونه بمرحلةٍ، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف قِبائه، وهو يقول: يعزُّ عليَّ يا أبا عبد اللَّه أنَّ المأمون قد سلَّ سيفًا لم يسلَّه قبل ذلك (٣)، وأنه يُقسِمُ بقرابته من رسول اللَّه ﷺ لئن لم تجبْه إلى القول بخلْق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف. قال: فجثَى الإمام أحمد على ركبتيه، ورَمَقَ بطَرْفه إلى السَّماء، ثم قال: سيدي! غرَّ هذا الفاجرَ حِلْمُك حتى تجرَّأ (٤) على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآنُ كلامك غيرَ مخلوقٍ فاكْفنا مؤونته. قال: فجاءهم الصَّريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال الإمام أحمد: ففرحت بذلك، ثم جاء الخبر بأنَّ المعتصم قد ولِيَ الخلافة، وقد انضمَّ إليه أحمد بن أبي دُواد، وأنَّ الأمر شديدٌ، فردُّونا إلى بغداد في سفينةٍ مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذًى كثير، وكان في رجليه القيودُ، ومات صاحبُه محمد بن نوح في الطريق، وصلَّى عليه أحمد، فلمَّا رجع أحمد إلى بغداد دخلها وهو مريض، وذلك في رمضان، فأودع السجنَ نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة. وقد كان الإمام أحمد هو الذي يصلي في أهل السجن وعليه قيوده في رجليه. ذكرُ ضَرْبه ﵁ بين يدي المعتصم لمَّا أحضره المعتصمُ من السجن زيد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشيَ بها، فربطتها في التِّكَّة وحملتها بيدي، ثم جاؤوني بدابَّة فحُمِلْتُ عليها، فكدت أن أسقطَ على وجهي من ثِقَلِ القيود، وليس معي أحدٌ يمسكني، فسلَّم اللَّهُ حتَّى جئنا دار الخلافة، فأدْخِلت في بيتٍ وأغْلِق عليَّ وليس عندي سراجٌ، فأردت الوضوء، فمددْتُ يدي فإذا إناءٌ فيه ماء فتوضأْتُ منه، ثم قمت ولا أعرف القِبلة، فلمَّا أصبحت إذا أنا على القِبلة، وللَّه الحمد.

стр. 5226

قال: ثم دعيتُ فأدخلت على المعتصِم، فلمَّا نظر إليَّ وعنده ابن أبي دُوَاد، قال: أليس قد زعمتم أنَّه حدَثُ السنِّ وهذا شيخٌ مكتهل؟ فلمَّا دَنوْتُ منه وسلَّمْتُ، قال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني حتَّى قَرُبْتُ منه، ثم قال: اجلس! فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثْتُ ساعةً، ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين! إلام دَعَا إليه ابنُ عمِّكَ رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلْتُ: فإنِّي أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه. قال: ثم ذكرت له حديثَ ابن عباس في وَفْدِ عبد القيس (١)، ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسولُ اللَّه ﷺ . قال: ثم تكلَّم ابنُ أبي دُوَاد بكلامٍ لم أفهمه، وذلك لأني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يدِ مَنْ كان قبلي لم أعرض لك، ثم قال: يا عبدَ الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال: فقلت: اللَّه أكبرُ، هذا فرجٌ للمسلمين. ثم قال: ناظروه، يا عبدَ الرحمن، كلمْه. فقال لي عبد الرحمن: ما تقولُ في الفرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبْه، فقلت: ما تقولُ في العلم؟ فسكت، فقلْتُ: القرآن من علم اللَّه، ومَنْ زَعَمَ أنَّ علم اللَّه مخلوقٌ فقد كفر باللَّه، فسكت، فقالوا فيما بينهم: يا أميرَ المؤمنين، أكْفَرك وأكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان اللَّهُ ولا قرآنَ، فقلْتُ: أكان اللَّهُ ولا علمَ؟ فسكت. فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا، فقلْتُ: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ حتى أقولَ به. فقال ابنُ أبي دُوَاد: وأنتَ لا تقولُ إلا بهذا وهذا؟ فقلْتُ: وهل يقوم الإسلام إلا بهما. وجرت بينهما مناظراتٌ طويلة، واحتجوا عليه بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وبقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]. وأجاب (٢) بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. فقال ابن أبي دُوَاد: هو واللَّه يا أمير المؤمنين ضالٌّ مضلٌّ مبتدعٌ، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون فيه؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دُوَاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني، فناظروه أيضًا، ثم في اليوم الثالث فناظروه أيضًا، وفي ذلك كله يعلُو صوتُه وحجته عليهم. قال: فإذا سكتوا فتحَ الكلامَ عليهم ابنُ أبي دُوَاد، وكان من أجهل الناس بالعلم والكلام، وقد تنوَّعت بهم المسائل (٣) في المجادلة، ولا علمَ لهم بالنقل، فجعلوا يُنكرون الآثارَ ويَرُدُّون الاحتجاجَ بها.

стр. 5227

قال أحمد: وسمعت منهم مقالاتٍ لم أكن أظنُّ أنَّ أحدًا يقولها. وقد تكلَّم معي برغوث (١) بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيرَه بما لا فائدة فيه، فقلْتُ: لا أدري ما تقولُ، إلا أني أعلم أن اللَّه أحدٌ صمَدٌ، ليس كمثله شيء، فسكت عنه. وقد أوردت لهم حديث الرؤية (٢) في الدَّار الآخرة، فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفِّقوا عن بعض المحدِّثين كلامًا يتسلَّقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٣) [سبأ: ٥٢]، وفي غُبُون (٤) ذلك كلِّه يتلطَّفُ به الخليفة، ويقولُ: يا أحمد، أجبْني إلى هذا حتَّى أجعلَكَ من خاصَّتي وممن يطأ بساطي. فأقولُ: يا أميرَ المؤمنين، يأتوني (٥) بآية من كتاب اللَّه أو سنَّةٍ عن رسول اللَّه ﷺ حتَّى أجيبهم إليها. واحتجَّ أحمد عليهم حين أنكروا الاحتجاج بالآثار، بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وبقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وبقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وبقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] إلى غير ذلك من الآيات. فلمَّا لم يقمْ لهم معه حجة، عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة في ذلك، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، هذا كافرٌ ضالٌّ مضِلٌّ. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائبُ بغداد: يا أميرَ المؤمنين! ليس من تدبير الخلافة أن تخلِّيَ سبيله ويغلبَ خليفتين، فعند ذلك حَمِيَ [الخليفة] (٦) واشتدَّ غضبُه، وكان ألينَهم عريكةً، وهو يظنُّ أنَّهم على شيء. قال أحمد: فعند ذلك قال لي: لَعنَكَ اللَّه! طمعتُ فيك أن تجيبني. ثم قال: خذوه، خلِّعوه، اسحبوه. قال: فأُخْذْتُ وسُحِبْتُ وجيء بالعُقابين (٧) والسياط وأنا أنظر. وكان معي شَعْر من شَعْر النبي ﷺ مصرورٌ في ثوبي، فجرَّدوني منه وصرْتُ بين العُقَابين، فقلْتُ:

стр. 5228

يا أميرَ المؤمنين، اللَّه اللَّه، إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرئٍ مسلمٍ يشهَدُ أنْ لا إله إلا اللَّه إلا بإحدى ثلاث" وتَلَوْتُ الحديثَ (١)، وأنَّ رسول اللَّه ﷺ ، قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم" (٢). ففِيمَ تستحلُّ دَمِي ولم آت شيئًا من هذا؟ يا أميرَ المؤمنين، اذكرْ وقوفَكَ بين يدي اللَّه تعالى كوقوفي بين يديك؛ فكأنه أمسَكَ. ثم لم يزالوا يقولون له: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضالٌّ مضِلٌّ كافرٌ، فأمر بي فأقمْتُ بين العُقَابين، وجيء بالضرَّابين ومعهم السِّياط، فجعَلَ أحدُهم يضربني سوطين ويقول له: شُدَّ، قطَعَ اللَّه يديك! ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطًا، فأغمي عليَّ، وذهب عقلي مرارًا، فإذا سكَنَ الضَّرْبُ يعود عليَّ عقلي، وقام المعتصم إليَّ يدعوني إلى قولهم، فلم أجبْهُ، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفةُ على رأسك، فلم أقبل، وأعادوا الضرب، ثم عاد إليّ فلم أجبْهُ، فأعاد الضرب، ثم جاء إليَّ الثالثة، فدعاني فلم أعقِلْ ما قال من شدَّة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس به، وأرعبه ذلك من أمري، وأمَرَ بي فأطلقت، ولم أشعر إلَّا وأنا في بيت من حجرة، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخاص والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومئتين. ثم أمر الخليفةُ بإطلاقه إلى أهله. وكان جملة ما ضُرب نيفًا وثلاثين سوطًا، وقيل: ثمانين سوطًا، لكن كان ضربًا مبرحًا شديدًا جدًا. وقد كان الإمام أحمد رجلًا طوالًا رقيقًا، أسمرَ اللون، كثيرَ التواضع، ﵀ ورضي عنه وأكرم مثواه. ولمَّا حُمِلَ من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائمٌ، أتوه بسَويق وماءً ليفطر من الضعف، فامتنع من ذلك وأتمَّ صومَه، وحين حضرت صلاةُ الظهر صلَّى معهم، فقال له ابنُ سَمَاعَةَ القاضي: صليتَ في دمك! فقال له أحمد: قد صلَّى عمرُ وجُرْحُه يَثْعَبُ دَمًا (٣)، فسكتَ.

стр. 5229

ويُروى أنَّه لمَّا أقيم ليضربَ انقطعت تِكَّةُ سَراويله، فخشي أن تسقط فتتكشَّف عورتُه، فحرَّك شفتيه بدعاءٍ، فعاد سراويله كما كان. ويُروى أنه قال: يا غياثَ المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنتَ تعلم أنِّي قائمٌ لك بحقٍّ فلا تهتِكْ لي عورةٌ (١). ولمَّا رجع إلى منزله جاءه الجرائحيُّ (٢) فقطع لحمًا ميتًا من جسده، وجعلَ يداويه، والنائبُ [يبعث كثيرًا] (٣) في كلِّ وقتٍ يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندِمَ على ما كان منه إلى أحمد نَدَمًا كثيرًا، وجعل يسأل النائبَ عنه، والنائب يستعلم خبرَه، فلمَّا عُوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك. ولمَّا شفاه اللَّه بالعافية بقي مدّةً وإبهاماه يؤذيهما البرْدُ، وجعلَ كلَّ من سَعَى في أمره في حِلٍّ إلا أهل البِدْعة، وكان يتلو في ذلك قولَه تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. ويقول: ماذا ينفعك أن يعذَّب أخوك المسلمُ بسببك؟ وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤) [الشورى: ٤٠]. وينادي يوم القيامة: ليقم مَنْ أجرُه على اللَّه فلا يقومُ إلَّا مَنْ عَفَا. وفي صحيح مسلم (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وما زادَ اللَّهُ عبدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، ومَنْ تَوَاضَعَ للَّه رفعَهُ اللَّهُ".

стр. 5230

وكان الذين ثبتوا على المحنة فلم يُجيبوا بالكلِّيّة أربعة (١): أحمد بن حنبل، وهو رئيسهم ومقدَّمهم. ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوريّ، ومات في الطريق حين ذهب هو وأحمد إلى المأمون. ونُعَيم بن حمَّاد الخُزَاعي، وقد مات في السجن. وكذلك أبو يعقوب البُوَيْطيّ، مات في سجن الواثق على القول بخَلْق القرآن، لم يجبْهم إليه، وكان مثقلًا بالحديد، وأوْصَى أن يدفن فيها. وأحمد بن نَصْر الخُزَاعيّ وقد ذكرنا كيفية مقتله (٢) ﵀ في أيام الواثق. ذكر ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل (٣) قال البُخاريّ: لمَّا ضُرب أحمدُ بن حنبل كنَّا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة. وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان عجبًا. وقال المزنيُّ: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يومَ الرِّدَّة، وعُمَرُ يومَ السَّقيفة، وعثمانُ يومَ الدَّار، وعليٌّ يومَ صفّين. وقال حَرْمَلَةُ: سمعت الشافعيَّ يقولُ: خرجت من العراق فما رأيت (٤) بها رجلًا أفضلَ ولا أعلمَ ولا أورعَ ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال شيخه يحيى بن سعيد القطَّان: ما قدِمَ عليَّ من بغداد أحدٌ أحبُّ إليَّ من أحمد بن حنبل. وقال قتيبة: مات سفيات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السُّنَنُ، ويموتُ أحمدُ بن حنبل وتظهر البِدَعُ. وفي رواية: قال قتيبة: إنَّ أحمد بن حنبل قام في الأمَّة مقام النُّبوَّة. قال البيهقي: يعني في صبره على ما أصابَه من الأذى في ذات اللَّه .

стр. 5231

وقال أبو عمر بن النحاس وذكر أحمد يومًا، فقال: ﵀، في الدِّين ما كان أصبره (١)، وبالصالحين ما [كان] ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال بشر بن الحارث الحافي بعدما ضُرب أحمد بن حنبل: أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمرَ. وقال الميموني: قال لي عليّ بن المديني بعدما امتحن أحمد وقبل أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبْتُ إلى أبي عُبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالةَ عليّ بن المديني، فقل: صدَقَ، إنَّ أبا بكر الصِّدّيق وجَدَ يومَ الرِّدَّة أنصارًا وأعوانًا، وإنَّ أحمد بن حنبل لم يجدْ أعوانًا ولا أنصارًا. ثم أخذ أبو عبيد يُطري أحمد، ويقول: لستُ أعلمُ في الإسلام مثلَه. وقال إسحاق بن رَاهَوَيْه: أحمد بن حنبل حجَّةٌ بين اللَّه وبين عبيده في أرضه. وقال عليُّ بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمدُ بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربِّي كيفَ كانَ. وقال علي أيضًا: اتخذت أحمدَ حجَّةً فيما بيني وبين اللَّه . ثم قال: ومن يَقْوَى على ما يقوى عليه أبو عبد اللَّه؟. وقال يحيى بن مَعين: كان في أحمدَ بن حنبل خصالٌ ما رأيتها في عالم قطّ، كان محدِّثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورِعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا. وقال يحيى بن مَعين أيضًا: أراد النَّاس منَّا أن نكونَ مثلَ أحمد بن حنبل، واللَّه ما نقوى أن نكونَ مثلَ أحمد، ولا في طريق أحمد. وقال [محمد بن يحيى] (٢) الذهليّ: اتخذت أحمد بن حنبل حجَّة فيما بيني وبين اللَّه . وقال هلال بن الملك الرقى (٣): مَنَّ اللَّهُ على هذه الأمة بأربعة: بالشافعيِّ؛ فهم الأحاديثَ وفسَّرها للناس، وبيَّن المجمل من المفسَّر (٤)، والخاصّ والعامّ، والناسخ من المنسوخ؛ وبأبي عُبَيد عرف الغريب وفسَّر؛ وبيحيى بن مَعين، نَفَى الكذِبَ من الأحاديث؛ وبأحمد بن حنبل، ثبت في المحنة؛ لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس. وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدَّم على كُلِّ من حمل بيده قلمًا ومحبرة، يعني: في عصره.

стр. 5232

وقال أبو بكر محمد بن رجاء (١): ما رأيتُ مثلَ أحمد بن حنبل، ولا رأيتُ من رأى مثله. وقال أبو زرعة الرازيُّ: ما أعرف في أصحابنا أسودَ الرأس أفقه منه. وروى البيهقيُّ عن الحاكم، عن يحيى بن محمد العنبريّ، قال: أنشدنا أبو عبد اللَّه البوشنجيّ في أحمدَ بن حنبل ﵀ (٢): إن ابنَ حَنْبَلَ إنْ سألْتَ إمامُنا … وبهِ الأئمةُ في الأنامِ تمسَّكُوا خلَفَ النَّبيَّ محمّدًا بَعْدَ الألى … كانوا الخلائفَ بعدَهُ واستهلكوا حَذْوَ الشِّراكِ (٣) على الشِّراكِ وإنَّما … يَحذو المثالَ مثالُهُ المتمسَّكُ وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ : أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا من خالَفَهُم، حتَّى يأتيَ أمْرُ اللَّه وهم كذلك" (٤). قال عبد اللَّه بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: هم أهل الحديث. وروى البيهقيُّ، عن أبي سعد المالينيّ (٥)، عن ابن عديٍّ، عن أبي القاسم البَغويّ، عن أبي الرَّبيع الزهرانيّ، عن حمَّاد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي: وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معان، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذريّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يحمل هذا العلم من كُل خلف عُدُولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانْتِحَالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين" (٦).

стр. 5233

وهذا الحديث مرسلٌ وإسنادُه فيه ضعف. والعجب أنَّ ابن عبد البر صحَّحه واحتجَّ به على عدالة كُلِّ مَن نسب إلى حَمْل العلم، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم، ﵀ وأكرمَ مثواه. ذكر ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المِحْنة حين خرج من دار الخلافة بعد الضرب صار إلى منزله فَدُووي حتى برأ، وللَّه الحمد والمنّة، ولزم منزلَه فلا يخرج منه، لا إلى جماعة ولا جمعة، وامتنع من التحديث، كانت غلّتُه مِن ملْكٍ له في كلِّ شهر سبعة عشر درهمًا ينفقها على عياله ويتقنّع (١) بذلك ﵀ صابرًا محتسبًا. ولم يزَلْ كذلك مدَّة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما وليَ المتوكِّلُ على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه استبشر الناس بولايته، فإنَّه كان محبًّا للسُّنَّة وأهلها، ورفع المِحْنَة عن الناس، وكتب إلى الآفاق ألا يتكلَّمَ أحدٌ في القَوْل بخلْق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد، وهو إسحاق بن إبراهيم، أن يبعثَ بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى بالإمام إليه فأكرمه إسحاق وعظّمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن، فقال له الإمام أحمد: سؤال تعنّت أو استرشاد؟ فقال: بل سؤال استرشاد. [فقال: هو كلام اللَّه منزلٌ غير مخلوق] (٢)، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهَّزه إلى الخليفة بِسُرَّ مَن رأى، وسبقه إليه. وبلغه أن أحمد بن حنبل اجتاز بابنه (٣) محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلِّم عليه، فغضب إسحاقُ بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة، فقال المتوكِّلُ: يُرَدُّ وإنْ كان قد وطِيء بساطي، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد. وقد كان الإمام أحمد متكرّهًا لذلك؛ ولكن لم يهنْ ذلك على كثيرٍ من الناس؛ وإنَّما كان رجوعُه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه. ثم إن رجلًا من المبتدعة، يقال له: ابن الثَّلْجِيّ (٤)، وشَى إلى الخليفة شيئًا، وهو أنَّه يزعم

стр. 5234

أنَّ رجلًا من العلويين قد ضَوَى (١) إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن. فأمر الخليفة نائبَ بغداد أن يكبس منزل الإمام أحمد من الليل، فلم يشعروا إلا بالمشاعل قد أحاطَتْ بالدار من كُلِّ مكان حتَّى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالسًا في داره مع عياله، فسألوه عمَّا ذُكر عنه، فقال: ليس عندي من هذا علمٌ، وليس من هذا شيء، وإنِّي لأرَى طاعة أمير المؤمنين في السِّرِّ والعلانية، وفي عُسْري ويُسْري، ومَنْشَطي (٢) ومَكْرَهي، وأثَرةٍ عليَّ، وإنِّي لأدعو اللَّه له بالتَّسْديد والتَّوفيق؛ في الليل والنهار، في كلام كثير. قال: ففتَّشوا منزله، حتَّى مكان الكتب، وبيوت النساء، والأسطحة، فلم يروا شيئًا (٣). فلمَّا بلغ المتوكِّلَ ذلك، وعلم براءته مما نُسب إليه، علم أنهم يكذبون عليه كثيرًا، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرة -وهو أحد الحجبة- بعشرة آلاف درهم من الخليفة، وقال: هو يقرأ عليك السلام، ويقول: انتفق (٤) هذه، فامتنع من قبولها. فقال: يا أبا عبد اللَّه، إنِّي أخشى من رَدِّك إياها أن يقعَ وَحْشَةٌ بينك وبينه، والمصلحةُ لك قبولها، فوضَعَها عنده ثم ذهب، فلمَّا كان من آخر الليل استدعى الإمام أحمد أهلَه وبني عمه وعياله، وقال: لم أنَمْ هذه الليلة، فجلسوه وكتبوا أسماءَ جماعةٍ من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرَّقها في الناس ما بين الخمسين إلى المئة والمئتين، فلم يُبق منها درهمًا، وأعطى منها لأبي كُرَيْب (٥)، وأبي سعيد الأشج، وتصدَّق بالكيس الذي (٦) كانت فيه، ولم يُعطِ منها لأهله شيئًا وهم في غاية الفقر والحاجة، وجاء بني ابنه، فقال: أعطني درهمًا. فنظر أحمد إلى ابنه صالح، فتناول صالح قطعةً فأعطاها الصبيَّ، فسكت أحمدُ، ﵀. وبلغ الخليفةَ أنه تصدَّق بالجائزة كلِّها حتى لم يبق منها شيئًا، وأنه قد تصدَّق بكيسها، فقال عليّ بن الجَهْم: يا أميرَ المؤمنين، إنه قد قبلها منك وتصدَّق بها عنك، وماذا يصنع أحمدُ بالمال؟ إنما يكفيه رغيفٌ. فقال: صدقْتَ. فلمَّا مات إسحاق بن إبراهيم وابنُه محمد، ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولَّى نيابةَ بغدادَ عبدُ اللَّه بن إسحاق، كتبَ المتوكِّلُ إليه أن يحمل إليه الإمامَ أحمدَ، فقال لأحمد في ذلك، فقال: إني شيخٌ كبيرٌ

стр. 5235

وضعيف، فردَّ الجوابَ على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لَيأتيَنَّ، وكتب إلى أحمد يقول له: إنِّي أحبّ أن آنس بقربك (١)، ويحصلَ لي بركةُ دعائك. فسار الإمام أحمد -وهو عليلٌ- في (٢) بنيه وبعض أهله، فلمَّا قارب العسكر تلقَّاه وصيف الخادم في موكبٍ عظيمٍ، فسلَّم على الإمام أحمد فردَّ السَّلام، ثم قال له وصيف: قد أمكنك اللَّه من عدوِّك ابن أبي دُوَاد، فلم يردَّ عليه جوابًا، وجعل ابنه يدعو اللَّه للخليفة ولوصيف. فلمَّا وصلوا إلى العسكر بسُرَّ من رأى، أنزل في دار إيتاخ، فلمَّا علم بذلك ارتحلَ منها، وأمر أن يُستكرى له دار غيرها. وكانت رؤوس الأمراء في كلِّ يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السَّلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعوا (٣) ما عليهم من الزينة والسلاح. وبعث إليه الخليفةُ بالمفارش الطرية وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيمَ هناك ليحدِّث الناس عوضًا عمَّا فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدَها من السنين المتطاولة وهو محجوب في داره لا يخرج إلى جماعة، ولا جمعة أيضًا، فاعتذر إليهم بأنَّه عليل، وأسنانُه تتحرَّك وهو ضعيفٌ. ويبعث إليه الخليفة في كُلِّ يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج، ما يقاوم مئة وعشرين درهمًا في كُلِّ يوم، والخليفة يحسب أنَّ أحمد يأكلُ من ذلك، ولم يكن أحمدُ يطعم من ذلك شيئًا بالكلية، بل كان صائمًا يطوي، فمكث ثماينة أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو عليلٌ. ثم أقسم عليه ولده حتَّى شرب قليلًا من السَّويق بعد ثمانية أيام. وجاءه عُبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان بمالٍ جزيل من الخليفة جائزةً له، فامتنع من قبولها، فألحَّ عليه الأميرُ فلم يقبل. فأخذَها الأميرُ ففرَّقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن أن تُرَدَّ على الخليفة جائزته. وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كلِّ شهر بأربعة آلاف درهم، فمانَع أبو عبد اللَّه في ذلك، فقال الخليفة: لا بُدَّ من ذلك، وما هذا إلا لولدك. فأمسك أبو عبد اللَّه، ثم أخذ يلوم أهله وبني عمه، وقال: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا وقد نزل بنا الموت؛ فإمَّا إلى جنة وإمَّا إلى نارٍ (٤)؛ في كلام طويل يعظهم به. فاحتجُّوا عليه بالحديث الصحيح: "مَن جاءَهُ من هذا المالِ شيء وهو غير سائلٍ ولا مستشرفٍ فليقبله" (٥). وبأن ابنَ عمر وابنَ عباس قبلا جوائز السلطان. فقال: ما هذا

стр. 5236

وذاك سواء، ولو أعلم أنَّ هذا المال أخذ من حقِّه وليس فيه ظلم ولا جور لم أبالِ (١). ولما استمر ضعف أبي عبد اللَّه جعل المتوكِّل يبعث إليه ابن ماسَوَيْه المتطبِّب لينظرَ في مرضه، فرجع إليه فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل ليس به عِلَّةٌ في بدنه، إنَّما علته من قلّة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل. ثم سألت أمُّ الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد بن حنبل، فبعث المتوكّلُ إليه يسأله أن يجتمعَ بابنه المعتز ويدعُوَ له، ويكون في حجره. فتمنَّع من ذلك، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجِّل (٢) برجوعه إلى أهله ببغداد. وبعث الخليفة إليه بخِلْعَة سنيَّةٍ، ومَرْكُوب (٣) من مراكبه، فامتنع من ركوبه لكون عليه مِيثَرَة (٤) نُمُورٍ. فجاء ببغل لبعض التجار، فركبه، وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمُّه في ناحية من ذلك المجلس، من وراء سِتر رقيق. فلمَّا جاء أحمد، قال: السَّلامُ عليكم، وجَلَس، ولم يسلِّم عليه بالإمْرَةِ، فقالت أمُّ الخليفة: اللَّه اللَّه يا بني في هذا الرجل، تردُّه إلى أهله، فإنَّ هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه. وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه: يا أمَّه، قد أنارت الدار. وجاء الخادم ومعه خِلْعة سنِيَّة مبطَّنة وثوبٌ وقَلَنْسُوة وطَيْلَسان، فألبسَها الإمام أحمدَ بيده، وأحمدُ لا يتحرَّك بالكلية. قال الإمام أحمد: لمَّا جلست إلى المعتزِّ قال مؤدِّبُه: أصلَحَ اللَّه الأمير! هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدِّبك. فقال: إنْ عَلَّمَني شيئًا تعلَّمْتُه. قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره. ثم خرج أحمد وهو يستغفرُ اللَّه (٥)، ثم بعد أيام أذن له الخليفة في الانصراف، وهَيَّأ له حَرَّاقة (٦) فلم يفعلْ أن ينحدرَ فيها، بل ركب في زورقٍ، ودخل بغداد مختفيًا، وأمَر أن تباع تلك الخِلْعَةُ وأن يُتصدَّقَ بثمنها على الفقراء والمساكين. وجعل يتألَّم من اجتماعه بهم، ويقول: سَلِمْتُ منهم طولَ عمري، ثم ابتُليت بهم في آخره، وكاد يهلك من الجوع.

стр. 5237

وقد قال بعضُ الأمراء للمتوكّل على اللَّه الخليفة: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل لا يأكلُ لك طعامًا، ولا يشرب لك شرابًا، ولا يجلس على فرشكَ، ويحرِّم ما تشربه. فقال لهم: واللَّه لو نُشر المعتصم وكلَّمني في أحمد لم أقبَلْ منه. وجعلت رسلُ المتوكّل تفدُ إليه في كُلِّ يوم تستعلم عن أخباره وكيف حاله. وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي دُواد ولا يجيب بشيء. ثم أحدر ابن أبي دُوَاد من سامَرّاء إلى بغداد بعدما أشهدَ على نفسه ببيع ضياعه، وأخذت أمواله كلّها. قال عبد اللَّه: وحين رجع أبي من سامَرّاء إلى بغداد دخلت عيناه في موقيه، وما رجعت إليه نفسُه إلا بعد ستة أشهر، وامتنع (١) من أن يستقرّ ببيت قرابته، أو ينتفعَ بشيءٍ ممَّا هم فيه، لأجل قبولهم أموال السلطان (٢). وكان مسيرُ أحمدَ إلى المتوكّل في سنة سبع وثلاثين ومئتين، ثم مكث إلى سنة وفاته، قَلَّ يومٌ إلا ورسالة المتوكّل تفدُ إليه في أمورٍ يشاوره فيها، ويستشيره. ولمَّا قدم المتوكِّل بغدادَ بعثَ إليه ابنَ خاقان ومعه ألفُ دينار ليفرِّقها على مَنْ يرى، فامتنع من قبولها، وقال: إنَّ أميرَ المؤمنين قد أعفاني ممَّا أكره، فردَّها. وكتب رجلٌ رُقْعَةً إلى المتوكّل، يقولُ فيها: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ أحمد بن حنبل يشتم آباءَكَ ويرميهم بالزَّندقة. فكتبَ فيها المتوكّلُ: أمَّا المأمون فإنَّه خلَطَ، فسلَّطَ الناس على نفسه؛ وأمَّا أبي المعتصم فإنَّه كان رجلَ حربٍ ولم يكن له بَصَرٌ بالكلام؛ وأمَّا أخي الواثق فإنه استحقَّ ما قيل فيه. ثم أمر أن يضرب هذا الرجل الرافع (٣) الرُّقْعَةَ مئتي سوط، فأخذه عبد اللَّه بن إسحاق بن إبراهيم فضَرَبه خمسمئة سوط، فقال له الخليفة: لِمَ ضربته خمسمئة سوط؟ فقال: مئتين لطاعتك، ومئتين لطاعةِ اللَّه ورسوله، ومئة لكونه قذف هذا الشيخَ، الرّجلَ الصالح أحمدَ بن حنبل. وقد كتب الخليفةُ إلى الإمام أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤالَ استرشاد لا تعنّت ولا امتحان ولا عناد. فكتب إليه أحمدُ ﵀ رسالةَ حسنة فيها آثارٌ عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة. وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه، ونقلها غير واحد من الحفَّاظ.

стр. 5238

ذكر وفاة الإمام أحمد ﵀ قال ابنُه صالح: كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين، دخلتُ عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصُّعَداء، وهو ضعيف، فقلت: يا أبت، ما كان غداؤك؟ فقال: ماء الباقلا. ثم ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته، وكثرة جزع (١) الناس عليه، وكان معه خُرَيْقة فيها قُطَيعات يُنفق على نفسه منها، وقد أمر ولدَه عبدَ اللَّه أن يطالب سكان ملكه، وأن يكفرِّ عنه كفَّارة يمين. فأخذ شيئًا من الأجرة فاشترى تمرًا، وكفَّر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة (٢) دراهم. وكتب الإمام أحمد وصيَّته: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به (٣) أحمد بن محمد بن حنبل؛ أوصى أنَّه يشهدُ أنْ لا إلَه إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون. وأوصى مَنْ أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا اللَّه في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين. وأوصى أني قد رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ نبيًا. وأوصى أنَّ لعبد اللَّه بن محمد المعروف بفوران (٤) عليَّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مُصَدَّق (٥) فيما قال، فيُقْضى ماله عليّ من غلّة الدَّار، إن شاء اللَّه. فإذا استوفَى أعطِيَ ولدُ (٦) صالح، كُلُّ ذكرٍ وأنثى عشرة دراهم، عشرة دراهم. ثم استدعى بالصبيان من ورثته (٧)، فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صَبيّ قبلَ موته بخمسين يومًا، فسمَّاه سعيدًا، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض الإمام أحمد، فدعاه فالتزمه وقبَّله، ثم قال: ما كنت أصنعُ بالولد على كبر السنّ؟ فقيل له: ذرية تكون بعدك يدعون لك، قال: وذاك، وجعل يحمَدُ اللَّه .

стр. 5239

وقد بلغه في مرضه (١) عن طاووس أنه كره الأنين في المرض، فترك الأنينَ، فلم يئنّ حتّى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها، وكانت ليلة الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأنَّ حين اشتد عليه الوجع. وقد رُوِيَ عن ابنه عبد اللَّه، ويُروى عن صالح أيضًا، أنه قال: لمَّا احتُضر بي ﵀ جعل يكثر أن يقولَ: لا، بعدُ، لا، بعدُ، فقلْتُ: يا أبة، ما هذه اللفظة التي لهجت بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بنيّ، إنَّ إبليسَ واقفٌ في زاوية البيت، وهو عاضّ على أصبعه، وهو يقول: فُتَّنِي يا أحمد؟ فأقولُ: لا، بعدُ، لا، بعد. يعني لا يفوته حتَّى تخرجَ روحه من جسده على التوحيد. كما جاء في بعض الأحاديث، قال إبليس: يا ربّ، وعزَّتِك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحُهم في أجسادهم. فقال: وعزَّتي وجَلالي، ولا أزال أغفِرُ لهم ما استغفروني (٢). وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضِّئوه، فجعلوا يوضئونه وهو يُشيرُ إليهم أن خلِّلوا أصابعي وهو يذكر اللَّه في جميع ذلك، فلمَّا أكملوا الوضوء توفي، ﵀، ورضي عنه. وقد كانت وفاة الإمام أحمد ﵀ صبيحة يوم الجمعة، حين مضى نحو من ساعتين من النهار. فاجتمع الناس في الشوارع، وبعث محمد بن عبد اللَّه بن طاهر حاجبَه ومعه غلمان يحملون مناديل فيها أكفان، وأرسل يقولُ: هذا نيابة عن الخليفة، فإنَّه لو كان حاضرًا لبعث بهذا. فأرسل أولاده يقولون: إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره، وهذا مما يكرهه، وأبوا أن يكفّنوه في تلك الأثواب، وأتَوا بثوب كان قد غزلته جاريته فكفَّنوه فيه، واشتروا معه عَوَز لُفافة وحَنُوطًا، واشتروا له راوية ماءٍ، وامتنعوا أن يغسلوه بماء من بيوتهم؛ لأنَّه كان قد هجَر بيوتهم، فلا يأكل منها، ولا يستعير من أمتعتهم، وكان لا يزال متغضِّبًا عليهم، لكونهم كانوا يتناولون ما رُتِّب لهم على بيت المال؛ في كُلِّ شهر أربعةُ آلاف درهم. وكانوا عالةً (٣) وفقراء. وحضر غسله نحو مئة من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحَّمون عليه، [ويترضَّون عنه] (٤). وخرج الناس بنعشه، والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لا يعلم عددهم إلا اللَّه، ونائب البلدة

стр. 5240

محمد بن عبد اللَّه بن طاهر واقفٌ في الناس، وتقدَّم خطوات فعزَّى أولاد الإمام أحمد فيه، وكان هو الذي أمَّ الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة من الناس الصلاة على القبر بعد الدفن من أجل ذلك، ولم يستقرَّ في قبره ﵀ إلا بعد صلاة العصر، وذلك لكثرة الخلق. وقد روى البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ: أنَّ الأمير محمد بن عبد اللَّه بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألفَ ألفٍ وثلثمئة ألف، وفي رواية: وسبعمئة [ألف] إنسان، سوى من كان في السُّفُن (١). وأقل ما قيل: سبعمئة ألف. وقال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبا زُرْعة، يقول: بلغني أنَّ المتوكِّل أمَرَ أنْ يُمْسَحَ الموضعُ الذي وقفَ الناس عليه حيث صُلِّي على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألفٍ وخمسمئة ألف (٢). وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ عن الحاكم: سمعْتُ أبا بكر أحمد بن كامل القاضي، يقول: سمعت محمد بن يحيى الزنجاني سمعت عبد الوهاب الورَّاق، يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية والإسلام كان أكثر من الجمع على جنازة أبي عبد اللَّه. وقال أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثني محمد بن العبَّاس المكيّ، سمعت الوَرْكاني، جارَ أحمد بن حنبل، قال: أسلم يوم مات أحمدُ عشرون ألفًا من اليهود، والنصارى، والمجوس. [ووقع المأتم في المسلمين واليهود والنصارى والمجوس] (٣). وفي بعض النسخ: أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفًا، واللَّه أعلم (٤). وقال الدَّارَقُطني: سمعتُ أبا سهل بن زياد، يقول: سمعت عبد اللَّه بن أحمد، يقول: سمعت أبي، يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. وقد صدَّق اللَّه قوله في هذا، فإنه ﵀ كان إمامَ السُّنَّة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دُوَاد القاضي (٥) لم يحتفل أحدٌ بموته، ولا شيَّعه من الناس إلا القليل. وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي، مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه

стр. 5241

في خطراته وحركاته، لم يصلِّ عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس (١). فلله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ. وقد روى البيهقيُّ، عن حجاج بن محمد الشاعر: أنه قال: ما كنتُ أحبُّ أن أقتَلَ في سبيل اللَّه ولم أصلِّ على الإمام أحمد. وروى عن رجل من أهل العلم: أنه قال يوم دُفِنَ أحمد: دُفِنَ اليومَ سادسُ خمسةٍ، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، ﵏. وكان عمره يوم توفي ﵀ سبعًا وسبعين سنة وأيامًا أقلّ من شهر. ذكر ما رُئي من المنامات الصالحة التي رآها الإمام أحمد ورئيت له وقد صحَّ في الحديث: "لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلا المُبَشِّرات" (٢) [وفي رواية: "إلا الرؤيا الصالحة] (٣) يراها المؤمن أو تُرَى له". وروى البيهقيُّ عن الحاكم، سمعتُ علي بن حَمْشاذ، سمعت جعفر بن محمد بن الحسين، سمعتُ سلمة بن شبيب، يقول: كنَّا عند أحمد بن حنبل، وجاءه شيخ ومعه عُكَّازة فسلَّم وجَلَسَ، فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فقال أحمد: أنا، ما حاجتك؟ قال: ضربْتُ (٤) إليك من أربع مئة فرسخٍ، أريت الخضِرَ في المنام، فقال: سر (٥) إلى أحمد بن حنبل، وسَلْ عنه، وقل له: إنَّ ساكن العرش والملائكة راضون عنك بما صبرت نفسك للَّه (٦). وعن أبي عبد اللَّه محمد بن خزيمة الإسكندراني، قال: لمَّا مات أحمد اغتممْتُ غمًّا شديدًا، فرأيته في المنام وهو يَتَبَخْتَرُ في مشيته، فقلْتُ له: يا أبا عبد اللَّه، أيُّ مشيةٍ هذه؟ فقال: مِشْيَةُ الخُدَّام في دار

стр. 5242

السلام، فقلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ قال: غَفَرَ لي، وتوَّجني، وألْبَسَني نعلَيْن مِنْ ذَهبٍ، وقال لي: يا أحمدُ، هذا بقولك: القرآنُ كلامي، ثم قال: يا أحمدُ، ادعُني بتلك الدَّعَوات التي بَلَغَتْكَ عن سفيان الثَّوْري، كنتَ تدعو بهنَّ في دار الدنيا. قال: قلت: يا ربِّ كلِّ شيءٍ، بقدرتك على كلِّ شيءٍ، اغفرْ لي كُلَّ شيءٍ، حتَّى لا تسألني عن شيء. فقال لي: يا أحمدُ، هذه الجنة قُم ادخلْ إليها، فدخلْتُ فإذا أنا بسفيان الثوريّ وله جناحان أخضران، يطيرُ بهما من نخلةٍ إلى نخلةٍ، وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. قال: فقلت له: ما فَعَلَ بِشْرٌ الحافيّ؟ فقال: بَخٍ بَخٍ! ومَنْ مثلُ بِشْر؟! تركته بين يدي الجليل، وبين يديه مائدةٌ من الطَّعام، والجليلُ مقْبِلٌ عليه، وهو يقول: كُلْ يا مَنْ (١) لم يأكل، اشربْ يا مَن لم يشرب، وانْعَمْ يا مَنْ لم ينعَمْ، أو كَما قال (٢). وقال أبو محمد بن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم بن وَارة، قال: لمَّا مات أبو زُرعة رأيته في المنام، فقلت: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: قال لي الجبَّار: ألحقوه بأبي عبد اللَّه، وأبي عبد اللَّه، وأبي عبد اللَّه؛ مالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال عثمان (٣) بن خُرَّزاد الأنطاكي: رأيت في المنام كأنَّ القيامة قد قامت وقد برز الربُّ لفصل القضاء، وكأنَّ مناديًا ينادي من تحت بطنان العرش: أدخلوا أبا عبد اللَّه، وأبا عبد اللَّه، وأبا عبد اللَّه، [وأبا عبد اللَّه] (٤) الجنّة. قال: فقلْتُ لفلك إلى جانبي: من هؤلاء؟ فقال: مالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن أيّوب المقدسيّ، قال: رأيت رسولَ اللَّه في النوم وهو نائمٌ وعليه ثوب مغطى، وأحمد بن حنبل ويحيى بن مَعين يذبَّان عنه. وقد تقدَّم (٥) في ترجمة أحمد بن أبي دُواد عن يحيى الجلاء، أنه رأى كأنَّ أحمد بن حنبل في حَلْقةٍ بالمسجد الجامع وأحمد بن أبي دُوَاد في حَلْقةٍ أخرى، وكأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ واقفٌ بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] ويشير إلى حَلْقة ابن

стр. 5243

أبي دُوَاد وأصحابه، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، ويُشير إلى أحمدَ بن حنبل وأصحابِه. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومئتين فيها: كانت زلازلُ هائلة في البلاد؛ فمن ذلك ما كان بمدينة قُوْمِس (١)، تهدَّم منها دورٌ كثيرةٌ، ومات من أهلها نحو من خمسة وأربعين ألفًا وستة وتسعين (٢) نفسًا. وكانت باليمن وخراسان وفارس والشام وغيرها من البلاد زلازلُ منكرةٌ. وفيها: أغارت الروم على بلاد الجزيرة، فانتهبوا شيئًا كثيرًا، وأسروا نحوًا من عشرة آلاف من الذراري؛ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وحجَّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عليّ، نائب مكة. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن عليّ بن الجَعْد، قاضي مدينة المنصور (٣). وأبو حسَّان الزِّياديّ (٤): قاضي الشرقيّة، واسمه (٥) الحسن بن عثمان بن حمَّاد بن حسَّان بن عبد الرحمن بن يزيد البغدادي. سمع الوليد بن مسلم، ووكيع بن الجرَّاح، والواقديّ، وخلْقًا سواهم. وعنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، وعليّ بن عبد اللَّه الفَرْغَاني الحافظ المعروف بطفك، وجماعة. ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٦) قال: وليس هو من سلالة زياب بن أبيه، إنَّما تزوج بعضُ أجداده بأمِّ وَلَدٍ لزيادٍ، فقيل له: الزِّياديّ.

стр. 5244

ثم أورد من حديثه بسنده عن جابرٍ: "الحلالُ بيِّن، والحَرَامُ بيِّنٌ" (١). . . الحديث. وروي عن الخطيب (٢) أنه قال: كان من العلماء الأفاضل، من أهل المعرفة والثقة والأمانة، وليَ قضاءَ الشّرقية في خلافة المتوكل؛ وله تاريخٌ على السنين، وله حديثٌ كثير. وقال غيره (٣): كان صالحًا دينًا قد عمل الكتب، وكانت له معرفة جيدة بأيَّام الناس، وله تاريخٌ حسن، وكان كريمًا مفضالًا. وقد ذكر ابن عساكر (٤) عنه أشياء حسنة؛ منها: أنَّه أنفَذَ إليه بعضُ أصحابه يذكر أنَّه قد أصابته ضائقة في عيدٍ من الأعياد، ولم يكنْ عنده غيرُ مئة دينار، فأرسلها بصُرّتها إليه، ثم سأل ذلك الرجلَ صاحبٌ له أيضًا يشكو مثل تلك الحال، فأرسل بها إليه، وكتب أبو حسَّان إلى ذلك الرجل الذي أخذ المئة يستقرضُ منه شيئًا وهو لا يشعر بالأمر، فأرسل إليه بالمئة في صرّتها، فلمَّا رآها تعجَّبَ مِنْ أمرها، وركبَ إليه يسأله عن ذلك، فذكر أنَّ فلانًا أرسلها إليه؛ فاجتمع الثلاثة، واقتسموا المئة دينار؛ ﵏ وجزاهم عن مروءتهم خيرًا. وفيها توفي أبو مُصْعَب الزُّهريّ، أحدُ رواة "الموطَّأ" عن مالك (٥). وعبد اللَّه بن ذَكْوان، أحد القرَّاء المشاهير (٦).

стр. 5245

ومحمد بن أسْلَم الطّوسيّ (١). ومحمّد بن رُمْح (٢). ومحمد بن عبد اللَّه بن عمَّار الموصليّ، أحد أئمة الجرح والتعديل (٣). والقاضي يحيى بن أكْثَم (٤). ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئتين في ذي القعدة منها توجَّه المتوكِّلُ على اللَّه من العراق قاصدًا مدينة دمشق، ليجعلَها دارَ إقامته، ومحل إمامته، فأدركه عيدُ الأضحى وهو بمدينة بَلَد، فضحَّى بها، وتأسَّفَ أهلُ العراق على ذلك، فقال في ذلك يزيد بن محمد المهلّبيُّ (٥): أظنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بالعِراقِ … إذا عَزَمَ الإِمامُ على انْطِلاقِ فإنْ تَدَعِ العِراقَ وساكِنيها … فقدْ تُبْلى المليحةُ بالطَّلاق وحجَّ بالناس عبد الصمد، المذكور في التي قبلَها، وهو نائب مكّة. وممن توفي فيها من الأعيان: قال ابنُ جرير: وفيها توفي: إبراهيم بن العبَّاس (٦): متولِّي (٧) ديوان الضِّياع. قلت: إبراهيم بن العبَّاس بن محمد بن صُول تكين

стр. 5246

الصُّوليّ، الشاعر الكاتب، وهو عمّ محمّد بن يحيى الصُّولي (١). وكان جدُّه صُول تكين ملك جُرْجان، وكان أصله منها، ثم تمجّس، ثم أسلَمَ على يدي يزيدَ بن المهلّب بن أبي صُفْرة. ولإبراهيم هذا ديوان شعرٍ ذكره ابنُ خلكان واستجادَ من شعره أشياء؛ منها قولُه (٢): وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بها (٣) الفَتَى … ذَرْعًا وعِنْدَ اللَّهِ منها مَخْرَجُ كَمَلَتْ (٤) فلمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُها … فُرِجَتْ وكُنْتُ أظُنُّها لا تُفْرَجُ ومنها قوله (٥): كُنْتَ السَّوادَ لِمُقْلَتي … فَبَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ … فعلَيْكَ كُنْتُ أحاذِرُ ومن ذلك ما كَتَبَ به إلى الوزير المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات (٦): وَكُنْتَ أخِي بإخاءَ الزَّمانِ … فلمَّا نَبَا (٧) صِرْتَ حَرْبًا عَوَانَا وَكُنْتُ أذُمُّ إليكَ الزَّمَانَ … فأصْبَحْتُ منكَ أذُمُّ الزَّمَانَا وَكُنْتُ أعِدُّكَ لِلنَّائباتِ … فَهَا أنا أطْلُبُ مِنْكَ الأمَانَا وله أيضًا (٨): لا يَمْنَعَتكَ خَفْضُ العَيْشِ في دَعَةٍ … نُزُوعُ نَفْسٍ إلى أهْلٍ وأوطانِ تَلْقَى بِكُلِّ بِلادٍ إنْ حَلَلْتَ بِهَا … أهْلًا بأهْلٍ (٩) وجيرانًا بجِيرانِ (١٠) وكانت وفاته بمنتصف شعبان من هذه السنة بِسُرَّ مَن رأى؛ ﵀.

стр. 5247

[والحسن بن مَخْلَد بن الجرَّاح، خليفة إبراهيم، في شعبان] (١). قال (٢): ومات هاشم بن بَنجور في ذي الحجّة. قلت أنا: وتوفي فيها: أحمد بن سعيد الرِّباطيُّ (٣). والحارث بن أسد المُحَاسبيٌّ (٤)، أحد أئمة الصّوفية. وحَرْمَلة بن يحيى التُّجِيبيُّ (٥)، صاحب الشافعيّ. وعبد اللَّه بن معاوية الجُمَحيُّ (٦). ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني (٧). وهارون بن عبد اللَّه الحمَّال (٨).

стр. 5248

وهنَّاد بن السَّرِيّ (١). ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئتين في صفر منها دخل الخليفة المتوكّلُ إلى مدينة دمشق في أُبَّهَةِ الخلافة، وكان يومًا مشهودًا، فعزم على الإقامة بها، وأمَر بنقل دواوين الملك إليها، وأمر ببناء القصور بها، وهي التي بطريق داريًّا، ثم إنَّه استوخَمها، ورأى أنَّ هواءها باردٌ نَدِيّ، وماءها ثقيلٌ بالنسبة إلى هواء العراق ومائه، ورأى الهواء يتحرَّك من بعد الزوال في زمن الصيف، فلا يزالُ في اشْتِداد وغبارٍ إلى قريبٍ من ثلث الليل، ورأى كثرة البراغيث بها. ودخل عليه فصلُ الشتاء، فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمرًا عجيبًا، وغلَت الأسعار وهو بها، وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الشتاء والثلوج، فضجر منها. فجهَّز بُغا إلى بلاد الروم، ثم رجع من آخر السَّنة إلى سامُرّاء بعدما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام، واللَّه أعلم. وفي هذه السنة أتي المتوكل بالحربة التي كانت تُحمل بين يدي رسول اللَّه ﷺ يوم العيد وغيره، وقد كانت للنجاشيّ، فوهبها للزُّبير بن العوّام، فوهبها الزُّبيرُ من النَّبيّ ﷺ (٢)، فلمَّا صارت للمتوكل على اللَّه، فرح بها فرحًا شديدًا، وأمَر صاحبَ الشرطة أن يحملَها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي رسول اللَّه ﷺ . وفيها: غضبَ المتوكّلُ على الطبيب بَخْتَيشُوع (٣) ونفاه، وأخذ ماله. وحجَّ بالناس فيها عبدُ الصمد المذكور قبلها. واتفق في هذه السنة يومُ عيد الأضحى وعيد الفطير (٤) لليهود، وشعانين النصارى، وهذا عجيب (٥) غريب.

стр. 5249

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن مَنِيع (١). وإسحاق بن موسى الخَطْمي (٢). وحميد بن مَسْعَدَة (٣). وعبد الحميد بن بيان (٤). وعلَيّ بن حُجْر (٥). والوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيَّات (٦). ويعقوب بن السكيت (٧)، صاحب "إصلاح المنطق".

стр. 5250

ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئتين فيها: أمر المتوكّلُ ببناء مدينة الماحُوزَة وحفر نهرٍ لها، فيقال: إنه أنفق على بنائها وبناء قصر الخلافة فيها الذي يقال له: "اللؤلؤة" ألفي ألف دينار. وفي هذه السنة وقعت زلازل كثيرة ببلاد شتّى؛ فمن ذلك بمدينة أنطاكية، سقط فيها ألف وخمسمئة دار، وانهدَمَ من سورها نيّفٌ وتسعون بُرْجًا، وسُمعت من كُوى دورها أصواتٌ مزعجة جدًّا، فخرجوا من منازلهم سراعًا يهرعون، وسقط الجبل الذي إلى جانبها الذي يقال له "الأقرع"، فساخ في البحر، فهاجَ البحرُ عند ذلك، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار نهر على فرسخ منها، فلا يُدْرَى أين ذهب بالكلية. أورده الإمام أبو جعفر (١) بن جرير. قال (٢): وسمُع بتِنيِّس صيحة دائمة طويلة، مات منها خلق كثير. قال (٣): وزلزلت فيها السِّن (٤) والرَّقَّة وحَرَّان ورأسُ العين وحمص ودمشق والرُّها وطَرَسُوس والمصِّيصة وأذنة وسواحل الشام، ورجفت اللاذقية، فما بقي منها منزل، ولا بقي من أهلها إلا اليَسير، وذهبت جَبَلَة بأهلها. وفيها: غارت مُشاش -عين مكة- حتَّى بلغ ثمن القربة بمكّة درهمًا (٥)، حتى بعث المتوكّلُ فانفقَ عليها. قال (٦): وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل (٧)، وسوّار بن عبد اللَّه القاضى (٨)، وهلال الرَّأْي (٩).

стр. 5251

وفيها هلك: نجاح بن سلمة: وكان على ديوان التوقيع، وقد كان حظيًّا عند المتوكِّل، ثمَّ جرَتْ له كائنة اقتضت أنْ يأمر المتوكِّلُ بأخذ أمواله وأملاكه وحواصله، وقد أورد قصَّته مطوّلة أبو جعفر بن جرير (١)، ﵀. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيّ (٢). وأبو الحسن القَوَّاس، مقرئ مكة (٣). وأحمد بن نَصْر النَّيسابوريّ (٤). وإسحاق بن أبي إسرائيل (٥). وإسماعيل بن موسى، ابن بنت السُّدِّيّ (٦). وذو النُّون المِصريّ (٧). وسوّار القاضي (٨). وعبد الرحمن بن إبراهيم، دُحَيْم (٩).

стр. 5252

ومحمّد بن رافع (١). وهشام بن عمَّار (٢). وأبو تراب النَّخْشَبيُّ (٣). وابن الرَّاوَنْدي (٤): الزِّنديق، أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الرَّاوَنْدِي، نسبة إلى قرية ببلاد قاشان، كان ببغداد يصنف كتبًا في الزَّنْدَقة، وكانت لديه فَضيلةٌ، لكنَّه استعملها فيما يضرُّه في الدّنيا والآخرة. وقد ذكرنا له ترجمةً مطوَّلة حسب ما اذكرها ابنُ الجَوزي (٥) [في سنة ثمان وتسعين ومئتين] (٦)، وإنما ذكرناه هاهنا لأنَّ القاضي ابنَ خلكان (٧) ذكر أنه توفي في هذه السنة. وقد تلبَّس عليه، ولم يجرِّحْه بشيء أصلًا، بل مدحه، فقال: أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرَّاونديُّ، العالم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وكان من الفُضلاء في عصره، وله من الكتب المصنَّفة نحو من مئة وأربعة عشر كتابًا؛ منها كتاب "فضيحة المعتزلة"، وكتاب "التاج"، وكتاب "الزُّمُرُّدَة" (٨)، وكتاب "القصب" (٩) وغير ذلك. وله محاسن (١٠) ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم. توفي سنة خمس وأربعين ومئتين، برحبة مالك بن طَوْق التَّغلِبيّ، وقيل: ببغداد، [وتقدير عمره

стр. 5253

أربعون سنة. وذكره في البستان أنه توفي سنة خمسين، فاللَّه أعلم. هذا لفظه] (١) بحروفه. وإنَّما أرَّخَ ابنُ الجَوزيّ وفاته في سنة ثمان وتسعين ومئتين، وسيأتي. ذو النُّون المِصْريّ (٢): ثَوبان بن إبراهيم، وقيل: ابن الفيض بن إبراهيم، أبو الفيض المِصريّ، أحدُ المشايخ المشهورين، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في "الوفيات"، وذكر شيئًا من فضائله وأحواله، وأرَّخ وفاته في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين، واللَّه أعلم. وهو معدودٌ في جملة من رَوى "الموطأ" عن مالك. وذكره ابنُ يونس في "تاريخ مصر"، وقال: كان أبوه نُوبيًا، وقيل: إنه كان من أهل إخْمِيم. وكان حليمًا فصيحًا. قال (٣): وسئل عن سبب توبته، فذكر أنَّه رأى قُنْبَرَة (٤) عمياءَ نزلت من وَكْرِها، فانشقَّت لها الأرض عن سُكُرُّجَتَيْن (٥) من ذهب وفضةٍ، في إحداهما سِمْسِم، وفي الأخرى ماء، [فأكلَتْ من هذه وشربَتْ من هذه] (٦). وقد شُكي مرةً إلى المتوكّل، فأحضره (٧)، فلمَّا دخل عليه وعظه، فأبكاه، فرَدَّه مكرَّمًا إلى بلده. فكان إذا ذكر عنده يثني (٨) عليه. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئتين في يوم عاشوراء منها دخل المتوكِّلُ إلى الماحوزة، فنزل بقصر الخلافة منها، واستدعى بالقرّاء، ثم بالمطربين، وأعطَى وأطلَقَ، وكان يومًا مشهودًا.

стр. 5254

وفي صفر منها وقَعَ الفداءُ بين المسلمين والروم، ففودي من المسلمين نحو من أربعة (١) آلاف أسير. وفي شعبان منا مُطرت بغداد مطرًا عظيمًا استمر نحوًا من أحدٍ وعشرين يومًا. ووقع بأرض بَلْخ مطرٌ، إنَّما هو دمٌ عَبيط (٢). وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ. وحجَّ فيها من الأعيان مجمد بن عبد اللَّه بن طاهر، وولي هو أمرَ المَوْسِم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ (٣). والحسين بن الحسن المروزيّ (٤). وأبو عمر الدُّوريّ (٥)، أحد القراء المشاهير. ومحمد بن مُصَفَّى الحِمْصيُّ (٦). ودِعْبِل بن عليّ (٧): ابن رَزِين بن سليمان الخُزَاعيُّ، مولاهم، الشاعر الماجن، البليغُ في المدح، وفي الهجاء أكثر. قال: حضر يومًا عند سهل بن هارون الكاتب، وكان بخيلًا، فاسْتَدْعَى بغدائه، فإذا ديكٌ في قصعة، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين، ولا يعمل فيه ضِرْسٌ. ففقد الرأس، فقال للطباخ: ويلك! ماذا صنعت به؟، قال: حسبت أنَّك لا تأكله، فألقيتُه، فقال: ويحك! واللَّه لأعيبُ على من يُلقي الرِّجْلَيْن، فكيف بالرأس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصوّت وبه فضل، وعيناه، وبهما يُضْرَبُ المثلُ، وعُرْفُه وله يتبرّك، وعظمُه أهشّ العظام؛ فإن كنتَ رغبتَ عن أكله

стр. 5255

فأحضِرْه. فقال: لا أدري أين هو؟ فقال: بل أنا أدري، هو في بطنك، قاتلك اللَّه (١)! أحمد بن أبي الحواري (٢): واسمه (٣) عبد اللَّه بن مَيْمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبيّ الغَطَفانيُّ، أحد الزهَّاد المشهورين، والعبَّاد المذكورين، والأبرار المشكورين (٤)، ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات الصادقة، أصلُه من الكوفة، وسكن دمشق، وتَلْمَذَ للشيخ أبي سليمان الدَّارانيِّ، رحمهما اللَّه. وروى الحديث عن سُفيان بن عُيَيْنَةَ، ووكيع، وأبي أسامة، وخلقٍ. وعنه: أبو داود، وابنُ ماجه، وأبو حاتِم، وأبو زُرْعَةَ الدِّمشقي، وأبو زُرْعَة (٥) الرَّازيُّ، وخلق كثيرون. ذكره أبو حاتم، فأثنى عليه. وقال يحيى بن معين: إني لأظنُّ أنَّ اللَّه يَسقي أهلَ الشَّام به. وكان الجُنَيْد بن محمد يقولُ: هو رَيْحَانةُ الشَّامِ. وقد روى الحافظ ابن عساكر (٦) أنَّه كان قد عاهد أبا سليمان الدَّارانيَّ ألا يغضبَه [ولا يخالفه] (٧)، فجاءه يومًا وهو يحدِّث الناس، فقال: يا سيدي، هذا قد سجروا التنور فماذا تأمُرُ؟ فلم يردَّ عليه أبو سليمان؛ لشغله بالناس، ثم أعادها أحمدُ ثانية، وثالثة، فقال له في الثالثة: اذهبْ فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان بحديث الناس، ثم استفالتى، فقال لمن حَضَره: إنِّي قلتُ لأحمد: اذهب فاقعدْ في التَّنُور، وإني أخشى أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه. فذهبوا فوجدوه جالسًا في التَّنُور ولم يحترِقْ منه شعرةٌ واحدة. وروي (٨): أن أحمد بن أبي الحَواريّ أصبحَ ذاتَ يومٍ وقد وُلدَ له ولدٌ ولا يملك شيئًا يصلح به الولد، فقال لخادمه: اذهبْ فاستدن لنا وزنةً من دقيق، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمئتي درهم، فوضعها
следующие страницы →