← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وفيها هلك: نجاح بن سلمة: وكان على ديوان التوقيع، وقد كان حظيًّا عند المتوكِّل، ثمَّ جرَتْ له كائنة اقتضت أنْ يأمر المتوكِّلُ بأخذ أمواله وأملاكه وحواصله، وقد أورد قصَّته مطوّلة أبو جعفر بن جرير (١)، ﵀. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيّ (٢). وأبو الحسن القَوَّاس، مقرئ مكة (٣). وأحمد بن نَصْر النَّيسابوريّ (٤). وإسحاق بن أبي إسرائيل (٥). وإسماعيل بن موسى، ابن بنت السُّدِّيّ (٦). وذو النُّون المِصريّ (٧). وسوّار القاضي (٨). وعبد الرحمن بن إبراهيم، دُحَيْم (٩).

стр. 5252

ومحمّد بن رافع (١). وهشام بن عمَّار (٢). وأبو تراب النَّخْشَبيُّ (٣). وابن الرَّاوَنْدي (٤): الزِّنديق، أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الرَّاوَنْدِي، نسبة إلى قرية ببلاد قاشان، كان ببغداد يصنف كتبًا في الزَّنْدَقة، وكانت لديه فَضيلةٌ، لكنَّه استعملها فيما يضرُّه في الدّنيا والآخرة. وقد ذكرنا له ترجمةً مطوَّلة حسب ما اذكرها ابنُ الجَوزي (٥) [في سنة ثمان وتسعين ومئتين] (٦)، وإنما ذكرناه هاهنا لأنَّ القاضي ابنَ خلكان (٧) ذكر أنه توفي في هذه السنة. وقد تلبَّس عليه، ولم يجرِّحْه بشيء أصلًا، بل مدحه، فقال: أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرَّاونديُّ، العالم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وكان من الفُضلاء في عصره، وله من الكتب المصنَّفة نحو من مئة وأربعة عشر كتابًا؛ منها كتاب "فضيحة المعتزلة"، وكتاب "التاج"، وكتاب "الزُّمُرُّدَة" (٨)، وكتاب "القصب" (٩) وغير ذلك. وله محاسن (١٠) ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم. توفي سنة خمس وأربعين ومئتين، برحبة مالك بن طَوْق التَّغلِبيّ، وقيل: ببغداد، [وتقدير عمره

стр. 5253

أربعون سنة. وذكره في البستان أنه توفي سنة خمسين، فاللَّه أعلم. هذا لفظه] (١) بحروفه. وإنَّما أرَّخَ ابنُ الجَوزيّ وفاته في سنة ثمان وتسعين ومئتين، وسيأتي. ذو النُّون المِصْريّ (٢): ثَوبان بن إبراهيم، وقيل: ابن الفيض بن إبراهيم، أبو الفيض المِصريّ، أحدُ المشايخ المشهورين، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في "الوفيات"، وذكر شيئًا من فضائله وأحواله، وأرَّخ وفاته في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين، واللَّه أعلم. وهو معدودٌ في جملة من رَوى "الموطأ" عن مالك. وذكره ابنُ يونس في "تاريخ مصر"، وقال: كان أبوه نُوبيًا، وقيل: إنه كان من أهل إخْمِيم. وكان حليمًا فصيحًا. قال (٣): وسئل عن سبب توبته، فذكر أنَّه رأى قُنْبَرَة (٤) عمياءَ نزلت من وَكْرِها، فانشقَّت لها الأرض عن سُكُرُّجَتَيْن (٥) من ذهب وفضةٍ، في إحداهما سِمْسِم، وفي الأخرى ماء، [فأكلَتْ من هذه وشربَتْ من هذه] (٦). وقد شُكي مرةً إلى المتوكّل، فأحضره (٧)، فلمَّا دخل عليه وعظه، فأبكاه، فرَدَّه مكرَّمًا إلى بلده. فكان إذا ذكر عنده يثني (٨) عليه. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئتين في يوم عاشوراء منها دخل المتوكِّلُ إلى الماحوزة، فنزل بقصر الخلافة منها، واستدعى بالقرّاء، ثم بالمطربين، وأعطَى وأطلَقَ، وكان يومًا مشهودًا.

стр. 5254

وفي صفر منها وقَعَ الفداءُ بين المسلمين والروم، ففودي من المسلمين نحو من أربعة (١) آلاف أسير. وفي شعبان منا مُطرت بغداد مطرًا عظيمًا استمر نحوًا من أحدٍ وعشرين يومًا. ووقع بأرض بَلْخ مطرٌ، إنَّما هو دمٌ عَبيط (٢). وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ. وحجَّ فيها من الأعيان مجمد بن عبد اللَّه بن طاهر، وولي هو أمرَ المَوْسِم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ (٣). والحسين بن الحسن المروزيّ (٤). وأبو عمر الدُّوريّ (٥)، أحد القراء المشاهير. ومحمد بن مُصَفَّى الحِمْصيُّ (٦). ودِعْبِل بن عليّ (٧): ابن رَزِين بن سليمان الخُزَاعيُّ، مولاهم، الشاعر الماجن، البليغُ في المدح، وفي الهجاء أكثر. قال: حضر يومًا عند سهل بن هارون الكاتب، وكان بخيلًا، فاسْتَدْعَى بغدائه، فإذا ديكٌ في قصعة، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين، ولا يعمل فيه ضِرْسٌ. ففقد الرأس، فقال للطباخ: ويلك! ماذا صنعت به؟، قال: حسبت أنَّك لا تأكله، فألقيتُه، فقال: ويحك! واللَّه لأعيبُ على من يُلقي الرِّجْلَيْن، فكيف بالرأس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصوّت وبه فضل، وعيناه، وبهما يُضْرَبُ المثلُ، وعُرْفُه وله يتبرّك، وعظمُه أهشّ العظام؛ فإن كنتَ رغبتَ عن أكله

стр. 5255

فأحضِرْه. فقال: لا أدري أين هو؟ فقال: بل أنا أدري، هو في بطنك، قاتلك اللَّه (١)! أحمد بن أبي الحواري (٢): واسمه (٣) عبد اللَّه بن مَيْمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبيّ الغَطَفانيُّ، أحد الزهَّاد المشهورين، والعبَّاد المذكورين، والأبرار المشكورين (٤)، ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات الصادقة، أصلُه من الكوفة، وسكن دمشق، وتَلْمَذَ للشيخ أبي سليمان الدَّارانيِّ، رحمهما اللَّه. وروى الحديث عن سُفيان بن عُيَيْنَةَ، ووكيع، وأبي أسامة، وخلقٍ. وعنه: أبو داود، وابنُ ماجه، وأبو حاتِم، وأبو زُرْعَةَ الدِّمشقي، وأبو زُرْعَة (٥) الرَّازيُّ، وخلق كثيرون. ذكره أبو حاتم، فأثنى عليه. وقال يحيى بن معين: إني لأظنُّ أنَّ اللَّه يَسقي أهلَ الشَّام به. وكان الجُنَيْد بن محمد يقولُ: هو رَيْحَانةُ الشَّامِ. وقد روى الحافظ ابن عساكر (٦) أنَّه كان قد عاهد أبا سليمان الدَّارانيَّ ألا يغضبَه [ولا يخالفه] (٧)، فجاءه يومًا وهو يحدِّث الناس، فقال: يا سيدي، هذا قد سجروا التنور فماذا تأمُرُ؟ فلم يردَّ عليه أبو سليمان؛ لشغله بالناس، ثم أعادها أحمدُ ثانية، وثالثة، فقال له في الثالثة: اذهبْ فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان بحديث الناس، ثم استفالتى، فقال لمن حَضَره: إنِّي قلتُ لأحمد: اذهب فاقعدْ في التَّنُور، وإني أخشى أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه. فذهبوا فوجدوه جالسًا في التَّنُور ولم يحترِقْ منه شعرةٌ واحدة. وروي (٨): أن أحمد بن أبي الحَواريّ أصبحَ ذاتَ يومٍ وقد وُلدَ له ولدٌ ولا يملك شيئًا يصلح به الولد، فقال لخادمه: اذهبْ فاستدن لنا وزنةً من دقيق، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمئتي درهم، فوضعها

стр. 5256

بين يديه، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال: يا أحمد، إنه قد وُلِدَ لي الليلةَ ولدٌ ولا أملك شيئًا، فرفع أحمد طرفه إلى السماء، وقال: يا مولاي، هكذا بالعجلة، وقال للرجل: خُذْ هذه الدراهم لك، فلم يُبق له منها درهمًا، واستدان لأهله دقيقًا. وروي (١) عنه خادمُه: أنه خرج إلى الثغر للرباط (٢)، فمازالت الهدايا تفد (٣) إليه من بُكْرَة النَّهار إلى الزوال، ثم فرَّقها إلى الغروب، ثم قال لي: كُنْ هكذا لا تردَّ على اللَّه شيئًا، ولا تدَّخر عنه شيئًا. ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق، وعيّن فيها أحمد بن أبي الحَواريّ، وهشام بن عمَّار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن ذَكْوان؛ فكلُّهم أجابوا إلا أحمد بن أبي الحَواريّ، فحبس بدار الحِجارة، ثم هُدِّد فأجاب توريةً مكرَهًا، ثم أطلق، ﵀. وقد قام ليلة بالثَّغْر يُكرِّر هذه الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، حتَّى أصبح. وقد ألقى كتبَه في البحر، وقال: نعم (٤) الكتب دليل إلى اللَّه ، ولكن الاشتغال بالدليل بعدَ الوصول إليه محالٌ (٥). ومن كلامه: لا دليلَ على اللَّه سواه، وإنَّما يُطلب العلم لآداب الخدمة (٦). وقال: من عَرَف الدُّنيا زَهِدَ فيها، ومن عَرَفَ الآخرة رغِبَ فيها، ومن عرَفَ اللَّهَ آثر رضاه (٧). وقال: مَنْ نَظَر إلى الدنيا نظر إرادة وحُبٍّ لها، أخرَجَ اللَّهُ نورَ اليقين والزُّهْدِ من قلبه (٨). وقال أيضًا: قلت لأبي سليمان الدَّارانيّ في ابتداء أمري: أوصني. فقال: أمستوصٍ أنت؟ قلت: نعم، إن شاء اللَّه تعالى. فقال: خالف نفسك في كُلِّ مراداتها، فإنَّها الأمَّارة بالسوء، وإياك أن تحقر (٩) أحدًا من المسلمين، واجْعَلْ طاعة اللَّهِ دثارًا، والخوفَ منه شعارًا، والإخلاصَ زادًا، والصِّدْقَ جُنَّةً، واقْبَلْ منِّي هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفُل عنها: إنَّه من استحيا من اللَّه في كُلِّ أوقاته وأحواله

стр. 5257

وأفعاله، بلغه إلى مقام الأولياء من عباده. قال: فجعلْتُ هذه الكلمات أمامي، ففي كُلِّ وقتٍ أذكرها وأطالبُ نفسي بها (١). والصحيح أنَّه توفي في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاثين ومئتين، وقيل غير ذلك. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومئتين في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكِّلِ على اللَّه على يدي ولده المنتصِر، وكان سبب ذلك أنَّه أمر ابنه أبا عبد اللَّه المعتز، الذي هو وليُّ العهد من بعده، أن يخطبَ بالناس في يوم جمعةٍ، فأدَّاها أداءً عظيمًا بليغًا، فبلغ ذلك من المنتصر كلَّ مبلغ، وحنِقَ على أبيه وأخيه، ثم اتفق أن أحضره أبوه بين يديه فأهانه، وأمر بضربه في رأسه وصَفَعَه، وصرَّح بعزله عن ولاية العهد، فاشتد أيضًا حَنَقُه أكثرَ ممَّا كان. فلمَّا كان يوم عيد الفطر خطب الخليفة المتوكل على اللَّه بالناس، وعنده بعضُ التشكّي من علَّةٍ به، ثم عدل إلى خيامٍ قد ضُربت له، أربعة أميال في مثلها، فنزل هناك، ثم استدعى في يوم ثالث الشهر بندمائه، وكان على عادته في سَمَرِه وحضرته وشربه، ثم تمالأ ولدُه المنتصِرُ وجماعةٌ من الأمراء على الفَتْكِ به، فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال (٢)، [ويقال: من شعبان] (٣) من هذه السنة، وهو على السِّماط، فابتدروه بالسيوف فقتلوه، ثم ولّوا بعده ولده المنتصر، على ما سنذكره. وهذه ترجمة المتوكِّل على اللَّه (٤) جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس، أبو الفضل، المتوكِّل، وأمُّه أمُّ ولدٍ يقال لها: شجاع، وكانت من سَرَوات النّساء سخاءً وحزمًا. كان مولده بفَمِ الصلح سنة سبع ومئتين (٥)، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لستٍّ بقين من ذي الحجّة سنة ثنتين وثلاثين ومئتين، كما تقدَّم. وروى الخطيبُ (٦) من طريقه عن يحيى بن أكثم، عن محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد اللَّه بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد اللَّه،

стр. 5258

عن النبيّ ﷺ قال: مَنْ حُرِمَ الرِّفْق حُرِمَ الخَيْر" (١)، ثم أنشأ المتوكِّلُ يقول: الرِّفْقُ يُمْنٌ والأناةُ سَعادَةٌ … فاسْتَأْنِ في رِفْقٍ تُلاقٍ نَجَاحَا لا خَيْرَ في حَزْمٍ بغَيْرِ رَوِيَّةٍ … والشَّكُّ وَهْنٌ إن أرَدْتَ سَرَاحَا وقال الحافظ ابن عساكر في "تاريخه": وحدَّث عن أبيه المعتصم، ويحيى بن أكثم الفاضي. وروى عنه عليُّ بن الجهم الشاعر، وهشام بن عمَّار الدمشقيّ. وقدِمَ دمشقَ في خلافته، وابتنَى بها قصرًا بأرض داريَّا. وقال يومًا لبعضهم (٢): إنَّ الخلفاء كانت تتصعَّبُ (٣) على الرعيَّةِ لتطيعَها، وإني (٤) ألينُ لهم لِيُحبُّوني ويُطيعوني. وقال أحمد بن مروان المالكي: حدثنا أحمد بن علي البصري، قال: وجَّه المتوكِّلُ إلى أحمد بن المُعَذَّل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلُّهم [له] غير أحمد بن المُعذَّل. فقال المتوكِّلُ لعُبيد اللَّه: إنَّ هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال له: بلى، يا أميرَ المؤمنين ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المُعَذَّل: يا أميرَ المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكن نزَّهتُكَ من عذاب اللَّه. قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أن يَتَمَثَّلَ له الرِّجالُ قيامًا، فليتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ من النار" (٥).

стр. 5259

فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه (١). وروى الخطيب (٢) البغدادي: أنَّ عليَّ بن الجَهم دخَلَ على المتوكِّل وفي يده دُرَّتان يقلِّبُهما، فأنشده قصيدتَه التي يقولُ فيها: وإذا مَرَرْتَ بِبِئرِ عُرْ … وَةَ فاسْتَقِي من مائها (٣) فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مئة ألف. ثم أنشد (٤): بِسُرَّ مَنْ رأى أميرُ عَدْلٍ … تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ يُرْجَى ويُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ … كَأنَّهُ جَنَةٌ وَنَارُ المُلْكُ فِيهِ وفي بَنِيهِ … ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ يَدَاهُ في الجُودِ ضَرَّتانِ … عَلَيْهِ كِلْتَاهُما تَغَارُ لَمْ تَأْتِ مِنهُ اليَمينُ شَيئًا … إلا أتَتْ مِثْلَهُ اليَسَارُ قال: فأعطاه التي في يساره أيضًا. قال الخطيب (٥): وقد رويت (٦) هذه الأبيات للبُحتري في المتوكل. وروى ابنُ عساكر (٧)، عن عليِّ بن الجهم، قال: وقفت قبيحة حظيّةُ المتوكِّل بين يديه وقد

стр. 5260

كتبتْ على خدِّها بالغالية (١) "جعفر"، فتأمَّل ذلك، ثم أنشأ يقول: وكاتِبةٍ في الخدِّ بالمِسْكِ جَعْفَرًا … بِنَفْسي مَحَطُّ (٢) المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أثَّرا لَئِنْ أوْدَعَتْ سَطْرًا مِنَ المِسْكِ خدَّها … لَقَدْ أوْدَعَتْ قَلْبِي مِنَ الحُبِّ أسْطُرا فيا مَنْ مُناها في السَّرِيرةِ جَعْفَرٌ … سقَى اللَّهُ مِن سُقيا ثَنَايَاكِ جَعْفَرا ويا مَنْ لِمَمْلُوكٍ لِمُلكِ يَمِينهِ … مُطِيعٍ لَهُ فيما أسَرَّ وأظْهَرا قال ثم أمر المتوكِّلُ عَريبًا (٣) فغنَّتْ به. وقال الفتح بن خاقان (٤): دخلت يومًا على المتوكِّلِ فإذا هو مطرِق مفكّر، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما لك مفكرًا؟ فواللَّه ما على الأرض أطيب منك عيشًا، ولا أنعم منك بالًا. فقال: أطيبُ منِّي [عيشًا] (٥) رجلٌ له دارٌ واسعةٌ، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. وقد كان محبّبًا إلى رعيته، قائمًا بالسُّنَّة فيهم، وقد شبَّهه بعضُهم بالصِّدِّيق في ردِّه على أهل الرِّدَّة، حتى رجعوا إلى الدِّين؛ وبعمرَ بن عبد العزيز حين رَدَّ مظالم بني أمية؛ وقد أظهر السُّنَّة بعدَ البِدْعَةِ، وأخْمَدَ البِدْعَة بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه اللَّه (٦). وقد رآه بعضُهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور، فقال: المتوكل؟ فقال: المتوكل. قال: فما فعلَ اللَّه بكَ؟ قال: غفر لي. قلْتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السُّنَّة أحْيَيْتُها. وروى الخطيب (٧) عن صالح بن أحمد، أنَّه رأى في منامه ليلةَ مات المتوكِّلُ كأنَّ رجلًا يُصعَدُ به إلى السَّماء، وقائلًا يقول: ملكٌ يُقادُ إلى مليكٍ عادلٍ … متفضِّلٍ في العَفْوِ ليسَ بجائرِ وروى عن عمرو بن شيبان الحلبيّ، قال: رأيت ليلة قتل المتوكل قائلًا يقول:

стр. 5261

يا نائمَ العينِ في أقطارِ (١) جُثْمانِ … أفضْ دموعَكَ يا عَمْرو بن شَيبان أما ترى الفتية الأرْجَاسَ ما فَعَلُوا … بالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ وافَى إلى اللَّه مظْلومًا فَضَجَّ لهُ … أهْلُ السماواتِ من مثنًى ووحْدَانِ وسَوْفَ يَأْتِيكُمُ أخْرَى مُسوَّمة … تَوَقَعُوها لَها شَانٌ مِنَ الشَّانِ فابْكُوا على جَعْفَرٍ وابْكُوا خَلِيفَتَكُمْ … فَقَدْ بَكَاهُ جَمِيعُ الإنْسِ والجانِ (٢) قال: فأصبحتُ (٣) فأخبرت النَّاسَ، فجاء نعيُه أنَّه قد قُتِلَ في تلك الليلة. قال: ثم رأيته بعد هذا بشهرٍ وهو واقفٌ بين يدي اللَّه ، فقلْتُ: ما فعل بك ربُّك؟ قال: غفر لي، قلْتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السُّنَّةِ أحْيَيْتُها (٤). قلْتُ: فما تصنَعُ هاهنا؟ قال: أنتظر ابني محمّدأ أخاصِمُه إلى اللَّه الحليم العظيم الكريم (٥). وقد ذكرنا قريبًا كيفيَّة مقتلِه وأن ابنه محمدًا المنتصر مالأ جماعةً من الأمراء على قتله، فقتل في ليلة الأربعاء أوَّل الليل لأربع خَلَتْ من شوال من هذه السنة -أعني سنة سبع وأربعين ومئتين- بالمتوكِّلية (٦) هي الماحوزة، وصُلّي عليه يوم الأربعاء، ودُفِنَ بالجعفري وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربعَ عشرةَ سنةً وعشرة أشهرٍ وثلاثة أيام. وكان أسمر، حسَنَ العينين، نحيفَ الجسم، خفيفَ العارضين، أقربَ إلى القِصَر. خلافة محمد بن المنتصر بن المتوكِّل قد تقدَّم: أنه تمالأ هو وجماعةٌ من الأمراء على قتل أبيه، فحين قُتِلَ الخليفة المتوكّل بُويع له في الليل، فلمَّا كان الصَّباح من يوم الأربعاء رابع شوال، أُخِذَتْ له البيعةُ من العامَّة، وكان أوَّل ما تكلَّم به أن اتَّهَم الفتح بن خاقان على قتل أبيه، وقتله أيضًا. وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه، فبايعه أخوه المعتز، وقد كان وليَّ العهد قبله، ولكن أكرهه فسلَّم وبايع. وبعث البيعة إلى الآفاق.

стр. 5262

وفي ثاني يوم من خلافته ولَّى المظالمَ لأبي عَمْرَة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم، فقال الشاعر (١): يا ضَيْعَةَ الإِسلامِ لمَّا وَلِي … مَظَالِمَ النَّاسِ أبو عَمْرَهْ صُيِّر مَأْمُونًا على أمَّةٍ … ولَيْسَ مأْمونًا على بَعْرَهْ وكانت البيعة له بالمتوكِّليَّة، وهي الماحوزة، فأقام بها عشرة أيام، ثم تحوَّلَ هو وجميعُ قُوَّاده وحشمه منها إلى سامرَّاء. وفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عمَّه عليّ بن المعتصم من سامرَّا إلى بغداد ووكَّل به. وحجَّ بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن سعيد الجَوْهَريّ (٢). وسفيان بن وكيع بن الجرَّاح (٣). وسَلَمَةُ بن شَبيب (٤). وأبو عثمانَ المازِني النَّحويُّ (٥): واسمه بَكْرُ بنُ محمّد بن عثمان البَصرِيّ، شيخُ النُّحاة في زمانه. أخَذَ عن أبي عُبَيْدَة، والأصمعيِّ، وأبي زيد الأنصاريِّ وغيرهم. وأخذ عنه أبو العبَّاس المبردُ وأكثَرَ عنه. وللمازنيِّ مصنَّفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيهًا بالفقهاء، وَرِعًا، زاهدًا، ثقةً، مأمونًا. روى عنه المبرِّدُ (٦) أنَّ رجلًا من أهل الذِّمَّة طلبَ منه أن يقرأ عليه كتابَ سيبويه ويعطيه مئة دينارٍ،

стр. 5263

فامْتَنَعَ من ذلك، فلامَهُ بعضُ النَّاس في ذلك فقال: تركت هذا لِما فيه من آيات اللَّه تعالى. فاتفق بعد هذا أنَّ جارية غنَّتْ بحضرة الواثق: أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا … ردُّ السَّلامِ تَحِيَّةً ظُلْمُ فاختلف مَن بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون "رجلًا" مرفوعًا أو منصوبًا، وبم نصَبَ؟ أهو اسم "إنَّ" أم ماذا؟ وأصزَت الجارية على أنَّ المازنيَّ حفظها هكذا. قال: فأرسلَ الخليفة إليه، فلمَّا مَثَل بين يديه، قال له: أنتَ المازنيُّ؟ قال: نعم. قال: من مازن تميم، أم من مازن ربيعة؟ أم من مازن قيس؟ قلت: من مازن ربيعة. قال: فأخذ يكلِّمُني بلغتي، فقال: باسْمُك؟ وهم يقولون (١) الباء ميمًا والميم باءً، فكرهت أنْ أقولَ مكر، فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المَكْرِ، وعرَفَ ما أردْتُ. فقال: على (٢) ما انتصبَ رجلًا؟ فقلت: لأنَّه معمولُ المصدر "مصابكم". فأخذ اليزيديُّ يعارضه، فعلاه المازني بالحُجَّةِ، فأطلق له الخليفةُ ألفَ دينارٍ وردَّه إلى أهله مكرَّمًا، وعوَّضه اللَّه عن المئة الدينار. وروى المبرِّدُ عنه، قال: أقرأتُ رجلًا كتابَ سيبويه إلى آخره، فلمَّا انتهى، قال لي: أمَّا أنت فجزاكَ اللَّهُ خيرًا، وأمَّا أنا فواللَّه ما فهِمْتُ منه حرفًا. توفي المازنيُّ في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين. [وأغرب من قال: سنة ست وثلاثين، فاللَّه أعلم] (٣). ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين فيها: أغزى المنتصرُ وصيفًا التركيّ غزو الصائفة لقتال الروم، وذلك أنَّ ملك الروم قصدَ بلاد الشام، وجهز معه جيشًا كثيفًا ورجالًا وعددًا، وأمر له بنفقاتٍ كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيمَ بالثَّغْر أربعَ سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب العراق كتابًا عظيمًا (٤)، فيه آيات كثيرة، في التَّحريض على القتال والترغيب فيه. وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر من هذه السنة المباركة خلع أبو عبد اللَّه محمد المعتز، والمؤيد إبراهيم أخوا أمير المؤمنين وليا العهد، أنفسَهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنَّهما عاجزان عن

стр. 5264

الخلافة، وأن المسلمين في حلٍّ من بيعتهما، وذلك بعدما تهدَّدهما أخوهما المنتصرُ وتوعَّدهما بالقتل، ليفعلا ذلك، ومقصودُه توليةُ ابنه عبد الوهاب عن إشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطبا (١) بذلك على رؤوس الأشهاد بحضرة القّواد والقضاة وأعيان بني هاشم والناس عامة. وكتب بذلك إلى الآفاف والأقاليم ليعلموا بذلك ويخطبوا بذلك على المنابر، ويزال اسماهما عن محل الكتابة، واللَّه غالبٌ على أمره، فأراد أن يسلبَهما الملْكَ ويجعلَه في عقبه، والأقدارُ تكذبه وتخالفه، وذلك أنَّه لم يستكمِلْ بعدَ قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر عرضَتْ له عِلَّةٌ كان فيها حتفُه على ما سنذكره. وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنَّه يصعد سلّمًا، فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصَّها على بعض المعبرين، فقال له: هذه خمس وعشرون سنة تلي فيها الخلافة، وإذا بها مدّة عمره، وقد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يومًا فإذا هو يبكي وينتحب شديدًا، فسأله بعضُ أصحابه، فقال: رأيتُ أبي المتوكِّلَ في منامي هذا، وهو يقولُ: ويلك يا محمّد! قتلْتَني، وظلمْتَني وغصبْتَني خلافتي، واللَّه لا مُتِّعْتَ بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرُك إلى النار! قال: فما أملك عيني ولا جَزَعي. فقال له بعضُ أصحابه (٢): هذه رؤيا، وهي تصدَّق وتكذب، فقم بنا إلى الشراب! فأحضر الشراب والندماء، فأخذ فيه وهو منكسرُ الهمَّةِ، وما زال كذلك مكسورًا حتَّى مات. وقد اختلفوا في علته التي كانت فيها وفاته؛ فقيل: إنه أصابه داء في رأسه، فقطر في أذنه دهن، فلمَّا انتهى إِلى دماغه عُوجل بالموت. وقيل: بل ورِمَتْ معدتُه، فانتهى الوَرَمُ إلى قلبه فمات. وقيل: بل أصابته ذبْحَةٌ فاستمرَّت به عثرة أيام. فمات. وقيل: بل فَصَده الحجَّام بمِبْضَعٍ مسموم فمات من يومه. قال ابن جرير (٣): فأخبرني بعضُ أصحابنا: أن ذلك الحجّامَ رجع إلى منزله وهو محمومٌ، فدعا أجيرًا (٤) له ليفصده، فأخذ مباضعَ أستاذه، فاختار منها أجودها، فإذا له ذلك المِبضع المسموم الذي فُصِد به الخليفة، ففصَد أستاذه به وهو لا يشعرُ، وأنسَى اللَّهُ سبحانه الحجَّام، فما ذكر حتى رآه قد فَصَدَه به، وتحكَّم فيه السُّمُّ، فأوصى عند ذلك، ومات من يومه.

стр. 5265

وذكر ابنُ جرير (١): أنَّه دخلت عليه أمُّه وهو في المرض الذي مات فيه، فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبَتْ مني الدنيا والآخرة. ويقال: إنه أنشد لمَّا أحيط به ويئس من الحياة وهو في السّياق (٢): فما فَرِحَتْ نفسِي بِدُنيا أصَبْتُها … ولكنْ إلى الرَّبِّ الكَريمِ أصيرُ ومات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وقتَ صلاة العصر، عن خمسٍ وعشرين سنة، وقيل: وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما ولي الخلافة ستة أشهر، لا أزيدَ منها. وذكر ابنُ جرير (٣) عن بعض أصحابه: أنه لم يزل يسمع الناس يقولون؛ العامَّةُ وغيرهم، حين ولي المنتصر: إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، كما مكث شيرويه بن كسرى حين قتل أباه؛ وكذلك وقع سواء. وقد كان المنتصرُ أعيَنَ، أقنى (٤)، قصيرًا، مَهيبًا، جيد البدن، وهو أوَّل خليفة من بني العباس أبرِزَ (٥) قبرُه، وذلك بإشارة أمِّه حبشيّة الرّومية. ومن جيِّد كلامه قولُه: واللَّهِ ما عزَّ ذو باطلٍ قطّ، ولو طلَعَ القمرُ من جبينه؛ ولا ذلَّ ذو حقٍّ قطّ، ولو أصفقَ العالَمُ عليه (٦). خلافة المستعين باللَّه وهو أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن المعتصم. بُويع له بالخلافة يوم مات المنتصِرُ، بايعَهُ عمومُ النَّاس، ثم خرجت عليه شِرْذِمةٌ من الأتراك يقولون: يا معتز، يا منصور؛ فالتفَّ عليهم خلق. وقام بنصر المستعين جمهورُ الجيش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيامًا، فقتل خلْقٌ من الفريقين، وانتُهبت أماكنُ كثيرة من بغداد، وجرت فتن كثيرة جدًا، ثم استقرَّ الأمر للمستعين، فَعَزَلَ وَوَلَّى، وقَطَعَ وَوَصَلَ، وأمَر ونَهَى (٧).

стр. 5266

ومات بُغا الكبير في جمادى الآخرة، فولَّى الخليفةُ مكانَه ولَدَه: موسى بن بُغا. وقد كانت له همم (١) عالية، وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية. وفي هذه السنة ابتاع المستعين من أبي عبد اللَّه المعتز شيئًا كثيرًا من المتاع والأثاث والضياع بما قيمته عشرة آلاف ألف دينار، وعشر حبَّات جوهر. ومن إبراهيم بما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار (٢) وثلاث حبّات. وفيها: عَدَا أهلُ حمصَ على عاملهم (٣) فأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المستعين فأخذ منهم مئة رجلٍ من سَرَاتهم، وأمر بهدْمِ سورهم. وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزَّينبيّ. وتوفي فيها من الأعيان: أحمد بن صالح (٤). والحسين بن علي الكَرَابسيُّ (٥). وعبد الجبَّار بن العلاء (٦). وعبد الملك بن شُعيب (٧).

стр. 5267

وعيسى بن حمَّاد (١). ومحمد بن حُمَيْد الرَّازي (٢). ومحمد بن زُنبور (٣). ومحمد بن العلاء أَبو كُرَيب (٤). ومحمد بن يزيد أبو هشام الرِّفاعيُّ (٥). وأبو حاتم السِّجِسْتانيُّ (٦): واسمه سهلُ بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشَميُّ، أبو حاتم، النَّحويُّ، اللّغويُّ، صاحبُ المصنَّفات الكثيرة (٧). وكان بارعًا في اللغة؛ اشتغل فيها على أبي عُبَيْدة، والأصمعيِّ، وأكثَرَ الرِّواية عن أبي زيدٍ الأنصاريِّ. وأخذ عنه المبرّد، وابنُ دُرَيد، وغيرهما. وكان صالحًا، كثيرَ الصَّدَقة والتلاوة، وكان يتصدَّق كلَّ يومٍ بدينارٍ، ويقرأ في كُلِّ أسبوعٍ ختمة، وله شعر كثير؛ من (٨) ذلك قولُه: أبرزوا وَجْهَهُ الجميـ … ـــلَ ولامُوا مَنِ افْتَتَنْ

стр. 5268

لَوْ أرادُوا صِيانَتي … سَتَرُوا وَجْهَهُ الحَسَنْ قال ابن خلكان (١): وكانت وفاته في المحرم، وقيل: في رجب من هذه السنة. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئتين في يوم الجمعة النصف من رجب منها التقى جمعٌ من المسلمين وخلْقٌ من الروم بالقرب من مَلَطيَة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا (٢)، قُتل من الفريقين خلْق كثير، وقُتل أميرُ المسلمين عمرُ بن عُبَيد (٣) اللَّه بن الأقطع، وقُتل معه ألفا رجلٍ من المسلمين، كذلك قُتل الأمير عليّ بن يحيى الأرمنيّ في طائفة من المسلمين أيضًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام. ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد في أول (٤) صفر من هذه السنة، وذلك أنَّ العامّة كرهوا جماعةً من الأمراء الذين قد تغلَّبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكِّلَ، واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده، فنهضوا إلى السّجن، فاخرجوا مَنْ فيه، وجاؤوا (٥) إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، فأحرقوا ونادَوا بالنَفير، فاجتمع خلْقٌ كثير وجَمٌّ غفير، ونهبوا أماكنَ متعددةً، وذلك بالجانب الشرقيّ من بغداد. ثم جمع أهلُ اليسار أموالًا كثيرة [من أهل بغداد] (٦) لتُصرفَ إلى من ينهض (٧) إلى ثغور الروم لقتالهم عوضًا عمن قُتل من المسلمين هناك، فأقبل خلْق كثير من نواحي الجبال، والأهواز، وفارس، وغيرها لغزو الروم، وذلك أنَّ الخليفة والجيش تأخروا عن النهوض إلى بلاد الروم، فغضبت العاقة من ذلك، وفعلوا ما ذكرنا. ولتسعٍ بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامُرَّاء إلى السجن، فأخرجوا مَنْ فيه. وجاءهم قومٌ من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فركب عند ذلك وصيفٌ، وبُغَا الصغير، وعامّة الأتراك، فقتلوا من العاقة خلْقًا كثيرًا، وجرت فتن طويلة كثيرة، ثم سكنت. وفي المنتصف من ربيع الآخر وقعت فتنةٌ بين الأتراك، وذلك أن الخليفة المستعين قد فوَّض أمر

стр. 5269

الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة؛ وهم: أتامش التركي، وكان أخص مَن عنده، وهو بمنزلة الوزير، وفي حِجْره العباس بن المستعين يربّيه ويعلِّمه الفروسية؛ وإلى شَاهك الخادم؛ وإلى أم الخليفة؛ كان لا يمنعها شيئًا تريده، وكان لها كاتب يقال له: سلمة بن سعيد النصرانيّ. فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يُبقِ ببيت المال شيئًا، فغضبت الأتراك من ذلك، وغارت منه، فعند ذلك اجتمعوا عليه، وركبوا إليه، فأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، فلم يمكنه منعه منهم، ولا دفعهم عنه، فأنزلوه صاغرًا فقتلوه، وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفةُ بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وولَّى بُغا الصغيرَ فلسطين، وولَّى وصيفًا لأهوازَ، وجرى خَبْطٌ (١) كثير، ووهنٌ كبير من أمر الخليفة، وتحركت المغاربة بسامُرّا في يوم الخميس لثلاثٍ خلون من جمادى الآخرة، وكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرَّقون. وفي يوم الجمعة لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تفُوز، مُطِرَ أهلُ سامُرّا مطرًا (٢) عظيمًا برعدٍ وبرقٍ، والغيم مطبق، والمطر مستهل كثير، من أوَّل النَّهار إلى اصفِرار الشمس. وفي ذي الحجة أصاب أهلَ الريّ زلزلةٌ شديدة جدًّا، ورَجْفة هائلة تهدَّمت منها الدور، ومات منها خلْق كثير، وخرج بقيّة أهلها إلى الصحراء. وحجَّ بالناس في هذه السنة: عبدُ الصّمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو والي مكة. وممن توفي فيها من الأعيان: أيّوب بن محمد الوَزَّان (٣). والحسن بن الصَّبَّاح البَزَّار (٤)، صاحب "كتاب السنن". وَرَجَاء بنُ مَرَجّى الحافظ (٥).

стр. 5270

وعَبْدُ بنُ حَميد، صاحب "التفسير" الحافل (١). وعمرو بن علي الفَلَّاس (٢). وعلى بن الجَهْم (٣): ابن بَدْر بن الجَهْم بن مسعود بن أسيد القرشي السَّامي، من وَلَد سَامَةَ بن لُؤيّ الخراسانيّ، ثم البغدادي، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين. وله ديوان شعر فيه أشياء حسنة، وكان فيه تحامل على علي بن أبي طالب ﵁، وكان له خصوصية بالمتوكِّل، ثم غضِبَ عليه فنفاه إلى خراسانَ، وأمر نائبَه بها أن ينصبَه (٤) يومًا مجردًا ففعل به ذلك. ومن مستجاد شعره قوله (٥): بَلاءٌ لَيْسَ يَعْدِلُهُ بَلاءُ … عَدَاوةُ غيرِ ذِي حَسَبٍ وَدِينِ يبيحكَ منه عِرْضًا لم يَصُنْهُ … ويرْتَعُ مِنْكَ في عِرْضٍ مَصُونِ وإنَّما قال ذلك في مروان بن أبي حَفْصَة حين هجاه، فقال في هجائه له (٦): لَعَمْرُكَ ما الْجَهْمُ بْنُ بَدْرٍ بشاعرٍ … وهذا عَلِيٌّ بَعْدَهُ يَدَّعِي الشِّعرا ولكنْ أبي قَدْ كانَ جَارًا لأمِّهِ … فلمَّا ادَّعَى الأشْعارَ أوْهَمني أمْرَا كان علي بن الجَهْم قد قدِمَ الشَام ثم عاد قاصدًا العراق، فلمَّا جاوز حلبَ ثار عليه أناسٌ من بني كَلْب، فقاتلهم، فجرح، فكان فيه حتْفُه، فوجد (٧) بين ثيابه رقعة فيها مكتوب (٨):

стр. 5271

يا رَحْمَتا للغريبِ في البلد النَّا … زحِ ماذا بنفسِهِ صَنَعا فارَقَ أحبابَهُ فما أنتفَعُوا … بالعَيشِ مِنْ بعدِهِ وما أنْتَفَعَا وكانت وفاته بهذا السبب في هذه السنة، ﵀ (١). سنة خمسين ومئتين من الهجرة فيها كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين (٢) بن يزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة، وأمّه فاطمة بنت الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وذلك أنَّه أصابته فاقةٌ شديدة فرحل إلى سامُرّاء، فسأل وصيفًا أن يجريَ عليه رزقًا، فأغلظ له القولَ. فرجع إلى أرض الكوفة، فاجتمع عليه خلْق من الأعراب، وخرج إليه خلْق من أهل الكوفة، فنزل على الفَلُّوجَة (٣) وقد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامل الكوفة - وهو أيوب (٤) بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بمقاتلته. ودخل يحيى بن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة، فاحْتوى على بيت ماله، فلم يجدْ فيه سوى ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وظهر أمرُه بالكوفة وفَتَحَ السِّجنَيْن وأطلق منْ فيهما، وأخرَجَ نوَّاب الخليفة منها، وأخذ أموالهم واستحوذ عليها، واستحكم أمرُه بها، والتفَّ عليه خلْقٌ من الزَّيديّة وغيرهم. ثم خرج من الكوفة إلى سوادها، ثم كَرَّ راجعًا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقَّب وَجْه الفَلْس، فقاتله قتالًا شديدًا، فانهزم وَجْهُ الفَلْس. ودخل يحيى بن عمر الكوفة، ودعا إلى الرضا من آل محمد، وقوي أمره جدًّا، وصار إليه جماعة من الناس من أهل الكوفة وغيرها، وتولاه أهل بغداد من العامّة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيّع، وأحبّوه أكثر مما كانوا يحبُّون أحدًا من الخارجين من أهل البيت.

стр. 5272

وشرع في تحصيل السلاح وطبعه (١)، وإعداد آلات العدد، وجمع الرجال. وقد خرج نائب الكوفة منها - وهو الحسين بن إسماعيل - إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمدادٌ كثيرة من جهة الخليفة ومحمد بن عبد اللّه بن طاهر، واستراحوا وجمّت (٢) خيولهم. فلمَّا كان اليوم الثالث عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأي له، أنْ يركبَ ويناجز الحسين بن إسماعيل، ويكبسَ جيشه، فركب في جيش كثير، فيه خلْق من الفرسان والمشاة أيضًا من عامّة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا، فلمَّا انتهوا (٣) إليهم نهضوا إليهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا في ظلمة آخر الليل، فما طلَعَ الفجرُ إلا وقد انكشف أصحابُ يحيى بن عمر، [وداستهم الخيل، ووجدوا يحيى بن عمر] (٤)، وقد تقنطر به فرسه، وطعن في ظهره، فحزُّوا رأسَه، وحمله إلى الأمير فبعثه إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأرسله من الغد إلى الخليفة مع رجلٍ، يقال له: عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب، فنُصب بسامُرّا ساعةً من النهار، ثم بعث (٥) إلى بغداد، فنصب عند الجسر، فلم يمكن ذلك من كثرة (٦) العامّة، فجعل في خزائن السلاح. ولمَّا جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، دخل الناسُ يهنونه بالفتح والظفر، فدخَلَ عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفريّ، فقال له: أيها الأمير! إنك لَتُهنّأ بقتْل رجل لو كان رسولُ الله ﷺ حيًا لَعُزِّيَ به. فما ردَّ عليه شيئًا، ثم خرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول (٧): يا بَني طاهرٍ كُلُوهُ وَبِيًّا … إنَّ لَحْمَ النَّبيّ غيرُ مَريِّ إنَّ وِترًا يكونُ طالِبَهُ الـ … ـهُ لَوِتْرٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ وكان الخليفة المستعين قد وجَّه أميرًا (٨) إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قتل يحيى بن عمر، ودخلوا الكوفة، أراد ذلك الأمير أن يضَعَ في أهلها السيفَ، فمنعه الحسين بن إسماعيل، وآمن الأسود والأبيض، وأطفأ اللّهُ هذه الفتنة.

стр. 5273

ثم خرج آخر من أهل البيت أيضًا فلمَّا كان رمضان من هذه السنة، خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب بناحية طَبَرِستان. وكان سببُ ذلك أنَّه لما قُتل يحيى بن عمر أقطع المستعينُ لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر طائفةً من أرض تلك الناحية، فبعث كاتبًا له يقال له: جابر بن هارون، وكان نصرانيًّا، ليتسلَّم تلك الأراضي، فلمَّا انتهى إليهم كرهوا ذلك جدًّا، وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا، فجاء إليهم، فبايعوه والتفَّت عليه كلمة الدَّيلم وجماعة الأمراء في تلك النَّواحي، فركب فيهم ودخل آمُل طبرِستان، وأخذها قَهْرًا، وجَبَى خراجها، واستفحل أمرُه جدًّا. ثم خَرَجَ منها طالبًا لقتال سليمان بن عبد اللّه أميرِ تلك النَّواحي، فالتقيا هنالك، وكانت بينهما حروبٌ، ثم انهزم سليمان هزيمةً منكرةً، وترك أهلَه ومالَه، ولم يرجعْ دون جُرْجان. فدخل الحسنُ بن زيد "سَارية" (١) فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل، وسيَّر أهل سليمان إليه على مراكب مكرمين، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طَبرِستان بكمالها. ثم بعث إلى الرّيّ فأخذها أيضًا وأخرج منها الطَّاهريّة، وصار له إلى جند همذان. ولما بلغ خبرُه المستعينَ - وكان مدبِّر ملكه يومئذٍ وصيفٌ التركيّ - اغتمَّ لذلك جدًّا، واجتهد في بعث الجيوش والأمداد لقتال الحسن بن زيد هذا (٢). وفي يوم عرفة من هذه السنة ظهر بالرَّيّ أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب؛ فصلَّى بالنَّاس يومَ العيد أحمدُ بن عيسى هذا، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد؛ فحاربه محمد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى هذا، واستفحل أمره (٣). وفي هذه السنة وثبَ أهلُ حِمْصَ على عاملهم الفَضْل بن قارن [أخي المازيار بن قارن] (٤)، فقتلوه في رجب، فوجه إليه المستعين موسى بن بُغَا الكبير، فاقتتلوا بأرض الرَّسْتَن، فهزمهم، وقتل جماعةً من أهلها، وأحرَقَ أماكنَ كثيرةً منها، وأسر أشراف أهلها (٥).

стр. 5274

وفيها: وثبت الشاكريّة والجُنْدُ في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فهرب منهم، فانتهبوا دارَهُ، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن. وفيها: غضِبَ الخليفةُ على جعفر بن عبد الواحد، ونفاه إلى البصرة (١). وفيها: أسقطت مرتبةُ جماعة من الأمويين في دار الخلافة. وحجَّ بالناس فيها جَعْفر بن الفضل، أمير مكّة، شرَّفها الله. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن السَّرح (٢). والبَزِّيّ، أحد القراء المشاهير (٣). والحارث بن مسكين (٤). وأبو حاتم السِّجِسْتانيُّ (٥)، أحد أئمة اللغة. وعبَّاد بن يعقوب الرَّوَاجِنيُّ (٦). وعمرو بن بَحْر الجاحظ (٧)، صاحب الكلام والمصنفات.

стр. 5275

وكثير بن عبيد الحِمْصِيّ (١). ونَصْر بن عليّ الجَهْضَميُّ (٢). ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين فيها اجتمع رأي المستعين وبُغَا الصغير ووصيف على قتل باغر التركيّ، وكان من القواد الكبار الذين باشروا قتل المتوكِّل، وقد اتسع إقطاعه، وكثرت أعمالة (٣)، فقُتِلَ ونُهبت دارُ كاتبه دُلَيْل بن يعقوب النّصرانيّ، وأمواله وحواصله. وركب الخليفة في حراقة من سامُرّا إلى بغداد، فاضطربت الأمور بسبب خروجه إليها، وذلك في [خامس] (٤) المحرم؛ فنزل الخليفة دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر. وفي هذه السنة وقعت فتنة شنعاء بين جند بغدادَ وجند سامُرّا، دعا أهل سامُرّا إلى بيعة المعتز، واستقرَّ أمرُ أهل بغداد على المستعين، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن، فبايع أهلُ سامُرّا المعتز، واستحوذَ على حواصل بيت المال بها، فإذا فيها (٥) خمس مئة ألف دينار، وفي خزانة (٦) أمَّ المستعين ألف ألف دينار، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمئة ألف دينار، واستفحل أمر المعتز بسامُرّا. وأمر المستعين لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر أن يحصِّنَ بغداد، ويعمل في السُّورَين والخندق، وغرم على ذلك ثلاث مئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، ووكّل بكل باب أميرًا يحفظه، ونصب على السور خمسة مَجانيق؛ منها واحد كبير جدًّا، يقال له الغضبان، وست عَرَّادات (٧)، وأعدوا آلات الحرب والعدد، وقطعت القناطر من كُل ناحية لئلا يصلَ الجيشُ إليهم.

стр. 5276

وكتب المعتزّ إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره، ويذكِّره ما كان أخذه عليه المتوكِّلُ من العهود والمواثيق؛ أن تكون الخلافة بعد المنتصر له، فلم يلتفت إليه، بل ردَّ عليه، واحتجَّ بحججٍ يطول ذكرها. وكتب كلُّ واحدٍ من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بُغَا الكبير، وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل حمص، يدعوه إلى نفسه، وبعث إليه بألوية يعقِدها لمن اختار من أصحابه، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد، ويستنيب في عمله، فركب مسرعًا فسار (١) إلى سامُرّا، فكان مع المعتزّ على المستعين. وكذلك هرب عبد اللّه بن بُغَا من عند أبيه من بغداد إلى سامُرّا، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك. وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكّل على حرب المستعين، وجهَّز معه جيشًا لذلك، فسار في خمسة آلافٍ من الأتراك وغيرهم نحوَ بغداد، وصلَّى بعُكْبَرا (٢) يوم الجمعة، ودعا لأخيه المعتر. ثم وصل إلى بغداد في ليلة الأحد لسبعٍ خلون من صفر، فاجتمعت العساكر هنالك، وقد قال رجلٌ يقال له: باذنجانة، كان في عسكر أبي أحمد (٣): يا بني طاهرٍ أتتكُمْ جُنودُ الـ … ـلَّهِ والموتُ بينها منثورُ وجيوشٌ أمَامَهُنَّ أبو أحْـ … ـمَدَ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ ثم جرت بينهم حروبٌ طويلة وفتنٌ مهولة جدًّا، وقد أوردها ابنُ جرير (٤) مطوَّلة. ثم بعث المعتزُّ مع موسى بن أشناس ثلاثة آلافٍ مددًا لأخيه أبي أحمد بن المتوكل، فوصلوا لليلةٍ بقيت من ربيع الأول، فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قُطْرُبُّل، وأبو أحمد وأصحابُه على باب الشَّماسية، والحرب مستعرة، والقتال كثير، والقتل واقع. قال ابن جرير (٥): وذكر أن المعتزَّ كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومُه على التقصير في قتال أهلِ بغداد، فكتب إليه أبو أحمد: لأمْرِ المنَايا علينا طَريقُ … وللدَّهرِ فينا اتّساعٌ وضِيقُ

стр. 5277

وأيَّامُنا عِبَرٌ للأنامِ … فمنها البُكُورُ ومنها الطُّروقُ (١) ومنها هَنَاتٌ (٢) تُشيبُ الوليدَ … ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصَّديقُ وفتنةُ دينن لها ذُرْوَة (٣) … تَفُوتُ العيُونَ وبَحْرٌ عميقُ قِتَالٌ متينٌ (٤)، وسَيْفٌ عَتِيدٌ … وخَوْفٌ شديدٌ، وحِصْنٌ وَثيقُ وطُولُ صِياحٍ لداعي الصَّباحِ الـ … ـسلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفيقُ فهذا طَريحٌ، وهذا جَريحٌ … وهذا حَريقٌ، وهذا غَريقُ وهَذا قَتِيلٌ، وهذا تَلِيلُ (٥) … وآخَرُ يَشْدَخُهُ المَنْجَنيقُ هُناكَ اغْتِصابٌ وَثَمَّ انْتِهَابٌ … ودُورٌ خَرَابٌ وكانَتْ تَرُوقُ إذا ما سَمَوْنا (٦) إلى مَسْلَكٍ … وَجَدْناهُ قدْ سُدَّ عَنَّا الطريقُ فباللّهِ نَبْلُغُ ما نَرْتَجي (٧) … وباللّهِ نَدْفَعُ ما لا نطيقُ قال ابنُ جرير (٨): هذا الشعر ينشد لعليّ بن أميّة في فتنة المخلوع والمأمون. وقد استمرَّت الفتنة والقتال ببغدادَ بين أبي أحمد أخي المعتز، وبين محمد بن عبد اللّه بن طاهر نائب المستعين، والبلد محصور، وأهله في ضيق شديد جدًّا، بقية شهور هذه السنة، وقُتل من الفريقين خلْق كثير في وقَعات متعددات، وأيام نَحْسات، فتارةً يظهرُ أصحابُ أبي أحمد ويأخذون بعضَ الأبواب، فتحملُ عليهم الطاهريّةُ فيزيحونهم عنها (٩)، ويقتلون منهم خلْقًا، ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرةً عظيمة. لكنَّ أهلَ بغداد كلَّما هم إلى ضَعفٍ بسبب قلّة الميرة، والجلب إليهم (١٠). ثم شاع بين العامّة أنَّ محمد بن عبد اللّه بن طاهر يريد أن يخلعَ المستعين ويبايعَ للمعتزّ، وذلك في أواخر السنة، فتنصَّل من ذلك واعتذَرَ إلى الخليفة وإلى العامّة، وحلف بالأيمان العظيمة (١١)، فلم تبرأ

стр. 5278

ساحتُه من ذلك حقَّ البرَاءة عند العامّة. واجتمعت العامّة والغَوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازلٌ بها، فسألوا أن يبرزَ لهم الخليفة ليرو (١) ويسألوه عن ابن طاهر أهو راضٍ عنه أم لا. وما زالت الضجَّة والأصواتُ حتَّى برزَ لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه، وعليه السَّواد، ومن فوقه البُردة النبويَّة، وبيده القضيبُ. وقال لهم فيما خاطبهم به: أقسمْتُ عليكم بحق صاحب هذه البُردة والقضيب لَما رجعتم إلى منازلكم ورضيتم عن ابن طاهر، فإنه غير متَّهم لديَّ. فسكت الغَوغاء وتراجعوا إلى منازلهم. ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة، وصلَّى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وبرز الخليفةُ للناس يومئذ وبين يديه الحربة وعليه البُردة، وبيده القضيب، وكان يومًا مشهودًا ببغداد على ما بأهلها من الحصار وغلاء الأسعار المترجمين عن لباس الجوع والخوف، نسأل اللّه العافية في الدنيا والآخرة. ولمّا تفاقم الأمر، واشتدَّ الحال، وضاق المجالُ، وجهد الرجال، وجاعِ العيال، شرع ابنُ طاهر يُظهر ما كان كامنًا في نفسه من خلْع المستعين، فجعل يعرِضُ له بذلك، ثم كاشفَهُ به، وناظره فيه، وقال له: إنَّ المصلحة تقتضي أن تصالحَ عن الخلافه (٢) على مال تأخذه سلفًا وتعجيلًا، ويكون لك من الخراج في كُلِّ عامٍ ما تختاره وتحتاجه؛ ولم يَزَلْ يَفْتِلُ في الذرْوَة والغَاربِ (٣) حتى أجاب إلى ذلك وأناب. فكُتب بما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتاب. ولمَّا كان يوم السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة ركب محمد بن [عبد اللّه بن] طاهر إلى الرُّصافة، وجمع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكذلك جماعة الحجّاب والخدَم، ثم تسلَّم منه جوهر الخلافة، وأقام عند المستعين إلى هُويٍّ (٤) من الليل. وأصبح الناس يَدوكون (٥) ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف. وأمَّا ابنُ طاهر فإنَّه أرسل بالكتاب مع جماعةٍ من الأمراء إلى المعتزّ بسامُرّا، فلمَّا قدِمُوا عليه بذلك

стр. 5279

أكرمَهُم وخَلَعَ عليهم، وأجازهم فأسنى جوائزهم. وسيأتي ما كان من الأمر في أوّل السنة الداخلة. وفي هذه السنة في ربيع الأول منها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضًا بأرض قزوين وزَنجان، وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ويعرف الحسين بن أحمد هذا بالكوكبي. وسيأتي ما كان من أمره هناك. وفيها: خرج إسماعيل بن يوسف العلوي، وهو ابن أخت موسى بن عبيد اللّه الحسني، وسيأتي ما كان من أمره أيضًا. وفيها: خرج بالكوفة أيضًا رجل من الطالبيين، وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللّه بن حسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فوجَّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا، فهزم العلويّ، وقُتل من أصحابه بشرٌ كثير. ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألفَ دار ونهبَ أموالَ الذين خرجوا معه، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، وكان معتقه على باب المسجد الجامع. وفيها: ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (١) بن علي بن أبي طالب بمكّة، فهرب منه نائبُها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزله ومنازلَ أصحابه، وقتلَ جماعةً من الجند وغيرهم من أهل مكّة، وأخذ ما في الكعبة من الذهبِ والفِضَة والطّيب وكُسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبويّة، فهرب منه عاملُها عليّ بن الحسين بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكّة في رجب، فحصرَ أهلَها حتَّى هلكوا جوعًا وعطشًا، وبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، وشربة الماء بثلاثة دراهم، ولقيَ منه أهلُ مكّة كُل بلاءٍ، ثم ترحَّل عنهم إلى جُدّة، بعد مقام سبعة وخمسين يومًا، فانتهب أموال التجار (٢) هنالك، وأخذَ المراكبَ، وقطع الميرةَ عن أهل مكّة حتّى جلبت إليها من اليمن، ثم عاد لا جزاه اللّه خير عن المسلمين إلى مكَّة. فلمَّا كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارًا ولا ليلًا، وقتل من الحجيج ألفًا ومئة، وسلب أموالهم، ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومَنْ معه من أصحابه، لا تقبَّل الله منهم صَرْفًا ولا عَدْلًا (٣). وفيها: توفي من الأعيان: إسحاق بن منصور الكَوْسَج (٤).

стр. 5280

وحُمَيْد بن زَنْجَوَيه (١). وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي (٢). وأبو التَّقيِّ هشام بن عبد الملك اليَزَنيُّ (٣). ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومئتين ذكر خلافة المعتزّ بعد خلع المستعين نفسه استهلّت وقد استقرَّت الخلافةُ باسم أبي عبد الله المعتزّ، محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور. وقيل: إنَّ اسم المعتزّ أحمد، وقيل: الزبير، وهو الذي عوَّل عليه الحافظ ابنُ عساكر وترجمه في "تاريخه" (٤). وقد خلع المستعين أحمد بن محمد المعتصم نفسَه من الخلافة، وبايع للمعتزّ. ولمَّا كان يوم الجمعة رابع المحرم دعا الخطباء بجوامع (٥) بغداد على المنابر للخليفة المعتزّ بالله، وانتقل المستعين من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعيالُه وولَدُه وجواريه، ووكَّل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، وأخذ من المستعين البُرْدة، والقضيب، والخاتم، وبعث بذلك إلى المعتزّ، ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهرٍ بقيا (٦) عنده، يقال لأحدهما بُرْج، والآخر جَبَل، فأرسلهما. وطلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرةَ، فقيل: إنها وبيّة. فقال: إنَّ تَرْكَ الخلافة أوبأُ منها.

стр. 5281

ثم أذن له في المسير إلى واسط، فخرج ومعه حرسٌ يوصلوه إليها نحوًا (١) من أربعئمة. واستَوزر المعتز أحمد بن إسرائيل (٢)، وخلَعَ عليه، وألبَسَه تاجًا على رأسه. ولمَّا تمهَّد أمرُ بغدادَ واستقرَّت البيعة للمعتزّ بها، ودان له أهلُها، واجتمع شملُها، وقدمتها الميرةُ من كُلِّ جانب، واتَّسَعَ الئاس في الأرزاق والأطعمة، ركبَ أبو أحمد منها في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرّم إلى سامُرّا، وشيَّعه محمد بن عبد اللّه بن طاهر في وجوه القواد، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمسَ خلع وسيفًا، وردَّه من الرُّوذَبار (٣). وقد ذكر ابنُ جرير (٤) مدائحَ الشعراء في المعتزِّ وتشفّيهم بخلْعِ المستعين، فأكثَرَ من ذلك جدًّا. فمن ذلك قولُ محمد بن مروان بن أبي الجَنوب بن مروان في مدح المعتزِّ وذمِّ المستعين، كما جرت عادة الشعراء (٥): إنَّ الأمورَ إلى المعتزِّ قد رَجَعتْ … والمُستعين (٦) إلى حالاتِهِ رَجَعا وكانَ يَعلَمُ أنَّ المُلْكَ ليسَ لَهُ … وَأنَّهُ لَكَ لكنْ نفسَهُ خَدَعا ومالكُ المُلْكِ مُؤتِيهِ ونازِعُهُ … آتاكَ مُلْكًا ومنهُ الملكَ قَدْ نَزَعا إنَّ الخِلافَةَ كانتْ لا تُلائِمُهُ … كانَتْ كَذَاتِ حَليلٍ زُوِّجَتْ مُتَعَا ماكان أقبحَ عندَ النَّاسِ بَيْعَتَهُ … وكانَ أحسَنَ قَوْل النَّاسِ قد خُلِعا [ليتَ السَّفِينَ إلى قافٍ دَفَعْنَ بهِ … نفسي الفِداءُ لملاحٍ بهِ دَفَعَا كم سَاسَ قبلَكَ أمْرَ النَّاسِ من مَلِكٍ … لو كانَ حُمِّلَ ما حُمِّلْتَه ظَلَعا] (٧) أمْسَى بكَ النَّاسُ بعد الضِّيقِ في سَعَةٍ … واللّهُ يَجعلُ بعدَ الضِّيقِ مُتَّسَعَا واللّهُ يدفَعُ عنكَ السّوءَ من مَلِكٍ … فإنَّه بكَ عنَّا السوءَ قد دَفَعَا وكتب أمير المؤمنين المعتزُّ من سامُرّاء إلى نائب بغداد محمد بن عبد اللّه بن طاهر أن يُسقِطَ اسْمَ

стр. 5282

وصيفٍ وبُغَا ما (١) كان من رسومهما في الدواوين، وعزم على قتلهما، ثم استُرضي عنهما فرضي عنهما. وفي رجب من هذه السنة خلع المعتزُّ أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبَسَه، وأخاه أبا أحمد، بعدما ضرب المؤيدَ أربعين مِقْرَعةً. ولمَّا كان يوم الجمعة سابعه خطب بخلْعه، وقرا (٢) كتابه على نفسه بذلك. وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يومًا، فقيل: إنه أدرجَ في لحاف سَمّور (٣)، وأمسِكَ طرفاه حتَّى مات غمًّا. وقيل: بل ضُرِب بحجارةٍ من ثَلْجٍ حتى ماتَ بَرْدًا، وبعد ذلك أُخرِج من السّجن ولا أثَرَ به، فأحضر القضاةُ والأعيان فأشهِدوا على موته من غير سببٍ وليس به أثر، ثم حُمِلَ على حمارٍ ومعه كفنُه إلى أُمِّه فدفنته. ذكر مقتل المستعين في شوَّال من هذه السنة كتب المعتزُّ إلى نائبه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيشٍ نحو المستعين، فجهز أحمد بن طولون التركيّ فوافاه، فأخرجه لستٍّ بقين من رمضان، فقدم به القاطولَ لثلاثٍ مضيْنَ من شوَّال، ثم قتل، فقيل: ضُرِبَ حتى مات، وقيل: بل غرق في دُجَيل، وقيل: بل ضُربت عنقه. وقد ذكر ابنُ جرير (٤) أنَّه (٥) سأل من سعيد بن صالح التركيّ حين أراد قتله أن يمهلَه حتَّى يصلِّيَ ركعتين، فلمَّا كان في السّجدة الأخيرة قتلَهُ وهو ساجدٌ، ودفنَ جثته في مكانها، وعفّى أثره. وحمَلَ رأسه إلى المعتزِّ، فدخَل به عليه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغَ من الدَّسْت (٦)، فلمَّا فَرَغَ نظر إليه وأمرَ بدفنه، ثم أطلق لسعيد بن صالح الذي قتله خمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة. وفي هذه السنة مات إسماعيل بن يوسف العلويّ الذي فعل بمكّة ما فعل، وألحد في حرم الله ما ألْحَدَ، كما تقدم، فهلك في هذه السنة، ولم يُنظره ربُّه .

стр. 5283

وأحمد بن محمد، المستعين بالله. وإسحاق بن بُهْلُول (١). وزياد بن أيّوب (٢). ومحمد بن بشار، بُنْدار (٣). ومحمد بن المُثَنَّى، الزَّمِن (٤). ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ (٥). ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومئتين في رجب منها عقد المعتزُّ لموسى بن بُغَا الكبير على جيشٍ قريبٍ من أربعة آلاف؛ ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبي دُلَف بناحية همذان؛ وذلك لأنه خرج عن الطاعة، وهو في نحوٍ من عشرين ألفًا. فهزموا عبدَ العزيز في أواخر هذا الشهر هزيمةً فظيعة. ثم كانت بينهم وقعةٌ أخرى في رمضان عند الكَرَج، فهُزِم عبدُ العزيز أيضًا، وقُتِلَ من أصحابه بشرٌ كثير. وأسروا ذرارِي كثيرةً، حتَّى أسَروا أمَّ عبد العزيز، وبعثوا إلى الخليفة سبعين حملًا من الرؤوس، وأعلامًا كثيرة. وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من بلاد الخليفة.

стр. 5284

وفي رمضان منها خَلَعَ المعتر على بُغَا الشرابيّ وألبَسَه التَّاجَ والوشاحين. وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له: البَوازِيْج (١)، وذلك أنَّ رجلًا يقال له: "مُساور بن عبد الحميد" حكّم (٢) فيها، والتفَّ عليه نحو من سبعمئة من الخوارج، فقصَدَ له رجلٌ يقال له: "بُنْدار الطبريّ" في ثلاثمئة من أصحابه، فالتقوا في هذا اليوم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِلَ من الخوارج نحو من خمسين، وقُتِلَ من أصحاب بُنْدار مئتان وخمسون رجلًا، وقُتِلَ بُنْدَار فيمن قُتِلَ: ﵀. ثم صَمَدَ (٣) مُساور إلى حُلوان، فقاتله أهلُها، وأعانهم حُجّاج أهلِ خراسان، فقتَلَ مُساور منهم نحوًا من أربعمئة إنسانٍ؛ قبَّحه اللّه. وقُتِلَ من أصحابه جماعة كثيرون أيضًا. ولثلاث بَقِين من شوال قُتِلَ وصيف التركيّ، وأرادت العامة أن تنتهبَ دارَه بسامُرّا ودورَ أولاده، فلم يمكنهم ذلك. جعَلَ المعتزُّ الخليفة ما كان إليه إلى بُغَا الشرابيّ. وفي ليلة أربعَ عشرة من ذي القعدة من هذه السنة كُسِفَ (٤) القمرُ حتَّى غاب أكثرُه وغرق نورُه، وعند انتهاء كُسُوفه مات محمد بن عبد اللّه بن طاهر نائبُ العراق ببغداد. وكانت عِلَّتُه قروحًا في رأسه وحَلْقِه فذبحته. ولمَّا أتي به لِيُصلَّى عليه اختلف أخوه عُبيدُ اللّه وابنُه طاهر، أيُّهما يُصلّي عليه، وتنازعا حتى جُذبت السّيوف، وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغَوْغَاءُ: يا طاهر، يا منصور؛ فمال عُبيدُ اللّه إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وكان أخوه قد أوصى إليه. وحين بلَغَ المعتزَّ ما وقع، بعثَ بالخِلَع والولاية لِعُبيد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأطلَقَ عُبيد اللّه للذي قدِمَ بالخلع خمسين ألف درهم. وفيها: نَفَى الخليفةُ المعتزُّ أخاه أبا أحمد من سُرَّ مَنْ رأى إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم رُدَّ إلى بغداد، [فأنزل في الشرقية، في قصر دينار بن عبد اللّه.

стр. 5285

وفيها: نفي عليّ بن المعتصم إلى واسط، ثم رُدَّ إلى بغداد] (١) أيضًا. وفي يوم الإثنين سَلْخ ذي القعدة التقى موسى بن بُغا الكبير، هو والحسين بن أحمد الكوكبيّ الطالبي، الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم هُزِمَ الكوكبيُّ، وأخذ موسى قزوين وهَرَب الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم. وذكر ابنُ جرير (٢) عن بعضِ من حَضَرَ هذه الوقعة أنَّ الكوكبيَّ حين التقى أمر أصحابه أن يتترّسوا بالحجف (٣)، وكانت السهام لا تعمل فيهم، فأمر موسى بن بُغَا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط بالأرض، ثم حاولوهم وأروهم أنَّهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحابُ الكوكبيّ، فلمَّا توسَّطوا الأرضَ التي فيها النفطُ أمَرَ عند ذلك بإلقاء النار فيه، فجعلت النار تحرق أصحابَ الكوكبيِّ، ففرُّوا سراعًا هاربين، وكرَّ عليهم موسى وأصحابُه، فقتَلُوا منهم مقتلةً عظيمةً، وهربَ الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم، وتسلَّم موسى بن بُغا قزوين. وفيها: حجَّ بالناس عبد اللّه بن محمد بن سليمان الزينبيُّ. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو الأشعث (٤). وأحمد بن سعيد الدَّارِميُّ (٥). وسَرِيّ السَّقَطِيُّ (٦): أحد كبار مشايخ أئمة الصّوفية. وهو السَّرِيُّ بن المُغَلِّس، أبو الحسن السَّقطيّ البغدادي، تلميذ مَعروف الكَرْخِيّ.

стр. 5286

حدَّث عن هُشَيم، وأبي بكر بن عيَّاش، وعليِّ بن غُراب، ويحيى بن يَمَان، ويزيدَ بنِ هارون، وغيرهم. وعنه: ابنُ أخته الجُنَيد بن محمد، وأبو الحسين (١) النُّوري، ومحمد بن الفضل بن جابر السَّقَطِيّ، وجماعة. وكانت له دكانٌ يتَّجر فيها، فمرت به جارية قد انكسَرَ إناءٌ كان معها تشتري فيه شيئًا لسادتها، فجعلتْ تبكي، فأعطاها سَرِيٌ شيئًا تشتري به بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية، فقال له: بَغَّضَ الله إليك الدنيا (٢). وقال سرِيّ: مررت في يوم عيدٍ فإذا معروفٌ ومعه صبيٌّ صغير شعث الحال، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفًا والصّبيان يلعبون وهو منكسرٌ، فقلت: ما لك لا تلعبُ؟ فقال: أنا يتيم، لا شيءَ معي أشتري به جوزًا ألعبُ به، فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزًا يفرح به. فقلت: ألا أكسوه وأعطيه شيئًا يشتري به؟ فقال: أو تفعلُ؟ قلت: نعم. فقال: خذْه، أغنى الله قلبك! قال سريّ: فسويت عندي الدّنيا أقلَّ شيء. وكان عنده مرّة لوزٌ، فساومه رجلٌ على الكُرِّ (٣) بثلاثة وستين دينارًا، ثم ذهب الرجل، فإذا اللوز يساوي الكُرُّ منه تسعين دينارًا، فقال له: إني أشتري منك الكُرَّ بتسعين دينارًا. فقال: إنِّي ساومتك بثلاثة وستين دينارًا، وإني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: فأنا أشتري منك بتسعين، فقال: لا أبيعه إلا بما ساومتك عليه. فقال الرجل: إنَّ من النُّصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارًا، وذهَبَ فلم يشتر منه. وجاءت امرأة يومًا إلى سَرِيّ، فقالت: إنَّ ابني قد أخذه الحرس، وإنِّي أحبُّ أن تبعثَ إلى صاحب الشُّرْطة لئلا يضربَ، فقام فصلَّى فطوَّل في الصلاة، وجعلت المرأة تحترقُ في نفسها، فلمَّا انصرَفَ من الصَّلاة، قالت: اللهَ اللهَ في ولدي! فقال: [ها أنا ذا في حاجتك. فما رام (٤) من مجلسه حتَّى جاءت امرأة إلى تلك المرأة، فقال لها: أبشري، فقد أطلق المتولي ولدك، فانصرفت إليه. وقال السَّرِيُّ: أشتهي أن آكل أكلةً ليس عليَّ فيها تَبِعَة (٥)، ولا لأحد عليَّ فيها مِنَّة، فما أجدُ إلى ذلك سبيلًا.

стр. 5287

وفي رواية: قال: إني لأشتهي البَقْلَ منذ ثلاثين سنة فما أقدِرُ عليه. وعن السَّرِيِّ أنه قال: احترَقَ سوقُنا، فقصدْتُ المكانَ الذي فيه دُكّاني، فتلقَّاني رجل، فقال: أبشر، فإنَّ دكَّانَكَ سَلِمَتْ. فقلت: الحمدُ لله. ثم تذكَّرت ذلك التَحميد (١)، فأنا أستغفر اللهَ منه منذ ثلاثين سنة، رواها الخطيب (٢). وقال السَّريُّ: صَلَّيْتُ وِرْدِي ذاتَ ليلةٍ، ثم مدَدْتُ رجلي في المحراب، فنُوديتُ: يا سَرِيُّ! كذا تجالسُ الملوكَ؟! قال: فضمَمْتُ رِجْلي، ثم قلْتُ: وعِزَّتِك لا مدَدْتُ رِجْلي أبدًا (٣). وقال الجُنَيْد بن محمد: ما رأيت أعبَدَ [لله] (٤) من السَّرِيّ السَّقَطِي، أتَتْ عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رُئي مُضطجعًا إلا في علَّةِ الموت (٥). وروى الخطيب (٦)، عن أبي نعيم، عن جعفر الخُلْديّ، عن الجُنَيْد بن محمد، قال: دخلْتُ عليه أعودُه، فقلت: كيفَ تجدُك؟ فقال: كيف (٧) أشكُو إلى طبيبي ما بي؟ … والذي قد أصابني مِنْ طبيبي قال: فأخذْتُ المِرْوَحَةَ أروّحه، فقال لي: كيف يجد رَوح (٨) المِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُه يحترِقُ من داخل؟ ثم أنشأ يقول: القلبُ محترِقٌ، والدَّمْعُ مُستبِقٌ … والكَرْبُ مجتمِعٌ، والصَّبرُ مُفترِقُ كيفَ القرارُ على مَنْ لا قَرارَ لَه … ممَّا جناهُ الهَوَى والشَّوقُ والقَلَقُ يا ربّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فَرَجٌ … فآمْنُنْ عليَّ به ما دامَ بي رَمَقُ قال (٩): وقلت له: أوصني، فقال: لا تصحَبِ الأشرارَ، ولا تشتغِلْ عن اللّه بمجالسة الأخيار.

стр. 5288

وقد ذكر الخطيب (١) وفاته يوم الثلاثاء لستٍّ خَلَوْنَ من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين، بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر [قال: ودفن] (٢) بمقبرة الشُّونيزيّ، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجُنَيْد. وروى (٣) عن القاضي عن أبي عبيد بن حربويه، قال: رأيت سَرِيًّا في المنام فقلت: ما فعلَ اللّه بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكُلِّ من شهد جنازتي. فقلت: فإنِّي ممَّن حضر جنازتك وصَلَّى عليك. قال: فأخرَجَ درجًا، فنظَرَ فيه فلم يَرَ اسمي فيه، فقلت: بلى! قد حضرت [جنازتك، فنظر] (٤)، فإذا اسْمِي في الحاشية. وحكى ابن خلكان (٥) قولًا: أنَّ سَرِيًّا توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ست وخمسين، فاللّه أعلم. قال ابن خلكان (٦): ومما كانَ ينشده السَّريُّ، ﵀: إذا ما شكَوْتُ الحبَّ قالتْ كَذَبْتَني … فما لي أرَى الأعْضَاءَ منك كَواسيا فلا حُبَّ حتَّى يَلْصَقَ الجِلدُ بالحَشَا … وتُذْهَلَ حتَّى لا تُجيبَ المنادِيا ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومئتين فيها أمر الخليفة المعتزُّ بقتل بُغَا الشرابيّ، ونصب رأسه بسامُرَّاء، ثم ببغداد، وحرّقت جثته [بالنار] (٧)، وأخذت أمواله وحواصله. وفيها: ولي أحمد بن طولون الدِّيار المصرية، وهو باني الجامع المشهور بها. وحجَّ بالناس فيها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العبَّاس بن محمّد. وتوفي فيها من الأعيان: زياد بن أيوب الحَسَّانيّ (٨).

стр. 5289

وعلي بن محمد [بن علي] (١) بن موسى الرضا (٢)، يوم الإثنين لأربع بَقين من جمادى الآخرة ببغداد، وصلَّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد، ودفن بداره ببغداد. ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمي (٣). ومُؤمّل بن إهاب (٤). وأبو الحسن عليّ الهادي (٥): ابن محمد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب. أحدُ الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن بن عليّ العسكري المنتظَر عند الفرقة الضَّالّة الجاهلة الكاذبة الخاطئة. وقد كان عابدًا زاهدًا، نقله (٦) المتوكِّل إلى سامُرَّا فأقام بها أزيدَ من عشرين سنةً بأشهر. ومات بها في هذه السنة. وقد ذُكِرَ للمتوكِّل أنَّ بمنزله سلاحًا وكتبًا كثيرةً من الناس، فأرسل فكَبَسه، فوجدوه جالسًا مستقبل القِبْلَة وعليه مِدْرَعة من صوفٍ، وهو على بسيط الأرض ليس دونها حائلٌ، فأخذوه كذلك فحملوه إلى المتوكِّل وهو على شرابه، فلمَّا مَثَلَ بين يديه أجلَّه وأعظمَه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس الذي في يده، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنَّه لم يخالط لحمي ودمي قطّ، فاعْفِني منه، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعرًا، فأنشده (٧): باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرُسُهُمْ … غُلْبُ الرّجال فما أغنتهُمُ القُلَلُ (٨) واستُنزِلوا بعدَ عِزٍّ عن مَعاقِلِهِمْ … فأودِعُوا حُفَرًا يا بئسَ ما نَزَلُوا

стр. 5290

نادى بهم صارخٌ مِن بعدِ ما قُبِروا (١) … أينَ الأسِرَّةُ والتّيجانُ والحُللُ أينَ الوجوهُ التي كانتْ منعَّمةً … من دونها تُضربُ الأستارُ والكِلَلُ (٢) فأفصَحَ القَبْرَ عنهمْ حين ساءَلَهُمْ … تلكَ الوجُوهُ عليها الدُّودُ يَقتتِلُ قد طالَ ما أكلوا دهرًا وماشربوا … فأصبَحُوا بعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكِلُوا قال: فبكى المتوكّلُ حتَّى بلَّ الثرَى، وبكى مَنْ حولَه بحضرته، وأمَرَ برفع الشراب، وأمَر له بأربعة آلاف دينار، وحالل (٣) منه، وردَّه إلى منز له مكرَّمًا، ﵀. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين فيها كانت وقعةٌ بين مُفلِح وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه مُفْلِحٌ ودَخَل آمُل طَبَرستان، وحرق منازل الحسن بن زيد، ثم سار وراءه إلى الدَّيْلَم. وفيها: كانت محاربةٌ شديدةٌ بين يعقوب بن الليث وبين عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل، فبعث عليّ بن الحسين رجلًا من جهته يقال له: طَوْق بن المغلِّس، فصابره أكثرَ من شهر ثم ظفر يعقوب بطَوْقٍ، فأسرَهُ وأسَرَ وجوه أصحابه. ثم سار إلى عليّ بن الحسين هذا، فأسَره أيضًا وأخذ بلاده، وهي كِرْمان، فأضافَها إلى ما بيده من مملكة سِجِسْتان. ثم بعث يعقوب بن الليث بهديّةٍ سنيَّة إلى المعتزّ بالله؛ دوابّ، وبُزَاة، وثيابٍ فاخرة. وفيها: ولَّى الخليفةُ سليمانَ بن عبد اللّه بن طاهر نيابة بغداد والسّواد في ربيع الأوّل منها. وفيها: أخذ صالحُ بن وصيف أحمدَ بن إسرائيل كاتبَ المعتزِّ، والحسنَ بن مخْلد كاتبَ قَبيحة أُمّ المعتزّ، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، وكانوا قد تمالؤوا على أكل أموال بيت المال، فضربهم، وأخذ خطوطهُم بأموالٍ جزيلةٍ يحملونها، وذلك بغير رضىً من المعتزِّ في الباطن. واحتيط على أموالهم وحواصلهم وضياعهم، وسُمُّوا الكتَاب الخونة، وولَّى الخليفةُ عن قهرٍ غيرَهم. وفي رجب من هذه السنة ظهر عيسى بن جعفر، وعليّ بن زيد الحسنيّان بالكوفة، وقتلا بها عبدَ اللّه بن محمد بن داود بن عيسى، واستفحل أمرهما بها.
следующие страницы →