← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

حدَّث عن هُشَيم، وأبي بكر بن عيَّاش، وعليِّ بن غُراب، ويحيى بن يَمَان، ويزيدَ بنِ هارون، وغيرهم. وعنه: ابنُ أخته الجُنَيد بن محمد، وأبو الحسين (١) النُّوري، ومحمد بن الفضل بن جابر السَّقَطِيّ، وجماعة. وكانت له دكانٌ يتَّجر فيها، فمرت به جارية قد انكسَرَ إناءٌ كان معها تشتري فيه شيئًا لسادتها، فجعلتْ تبكي، فأعطاها سَرِيٌ شيئًا تشتري به بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية، فقال له: بَغَّضَ الله إليك الدنيا (٢). وقال سرِيّ: مررت في يوم عيدٍ فإذا معروفٌ ومعه صبيٌّ صغير شعث الحال، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفًا والصّبيان يلعبون وهو منكسرٌ، فقلت: ما لك لا تلعبُ؟ فقال: أنا يتيم، لا شيءَ معي أشتري به جوزًا ألعبُ به، فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزًا يفرح به. فقلت: ألا أكسوه وأعطيه شيئًا يشتري به؟ فقال: أو تفعلُ؟ قلت: نعم. فقال: خذْه، أغنى الله قلبك! قال سريّ: فسويت عندي الدّنيا أقلَّ شيء. وكان عنده مرّة لوزٌ، فساومه رجلٌ على الكُرِّ (٣) بثلاثة وستين دينارًا، ثم ذهب الرجل، فإذا اللوز يساوي الكُرُّ منه تسعين دينارًا، فقال له: إني أشتري منك الكُرَّ بتسعين دينارًا. فقال: إنِّي ساومتك بثلاثة وستين دينارًا، وإني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: فأنا أشتري منك بتسعين، فقال: لا أبيعه إلا بما ساومتك عليه. فقال الرجل: إنَّ من النُّصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارًا، وذهَبَ فلم يشتر منه. وجاءت امرأة يومًا إلى سَرِيّ، فقالت: إنَّ ابني قد أخذه الحرس، وإنِّي أحبُّ أن تبعثَ إلى صاحب الشُّرْطة لئلا يضربَ، فقام فصلَّى فطوَّل في الصلاة، وجعلت المرأة تحترقُ في نفسها، فلمَّا انصرَفَ من الصَّلاة، قالت: اللهَ اللهَ في ولدي! فقال: [ها أنا ذا في حاجتك. فما رام (٤) من مجلسه حتَّى جاءت امرأة إلى تلك المرأة، فقال لها: أبشري، فقد أطلق المتولي ولدك، فانصرفت إليه. وقال السَّرِيُّ: أشتهي أن آكل أكلةً ليس عليَّ فيها تَبِعَة (٥)، ولا لأحد عليَّ فيها مِنَّة، فما أجدُ إلى ذلك سبيلًا.

стр. 5287

وفي رواية: قال: إني لأشتهي البَقْلَ منذ ثلاثين سنة فما أقدِرُ عليه. وعن السَّرِيِّ أنه قال: احترَقَ سوقُنا، فقصدْتُ المكانَ الذي فيه دُكّاني، فتلقَّاني رجل، فقال: أبشر، فإنَّ دكَّانَكَ سَلِمَتْ. فقلت: الحمدُ لله. ثم تذكَّرت ذلك التَحميد (١)، فأنا أستغفر اللهَ منه منذ ثلاثين سنة، رواها الخطيب (٢). وقال السَّريُّ: صَلَّيْتُ وِرْدِي ذاتَ ليلةٍ، ثم مدَدْتُ رجلي في المحراب، فنُوديتُ: يا سَرِيُّ! كذا تجالسُ الملوكَ؟! قال: فضمَمْتُ رِجْلي، ثم قلْتُ: وعِزَّتِك لا مدَدْتُ رِجْلي أبدًا (٣). وقال الجُنَيْد بن محمد: ما رأيت أعبَدَ [لله] (٤) من السَّرِيّ السَّقَطِي، أتَتْ عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رُئي مُضطجعًا إلا في علَّةِ الموت (٥). وروى الخطيب (٦)، عن أبي نعيم، عن جعفر الخُلْديّ، عن الجُنَيْد بن محمد، قال: دخلْتُ عليه أعودُه، فقلت: كيفَ تجدُك؟ فقال: كيف (٧) أشكُو إلى طبيبي ما بي؟ … والذي قد أصابني مِنْ طبيبي قال: فأخذْتُ المِرْوَحَةَ أروّحه، فقال لي: كيف يجد رَوح (٨) المِرْوَحَةِ مَنْ جَوْفُه يحترِقُ من داخل؟ ثم أنشأ يقول: القلبُ محترِقٌ، والدَّمْعُ مُستبِقٌ … والكَرْبُ مجتمِعٌ، والصَّبرُ مُفترِقُ كيفَ القرارُ على مَنْ لا قَرارَ لَه … ممَّا جناهُ الهَوَى والشَّوقُ والقَلَقُ يا ربّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فَرَجٌ … فآمْنُنْ عليَّ به ما دامَ بي رَمَقُ قال (٩): وقلت له: أوصني، فقال: لا تصحَبِ الأشرارَ، ولا تشتغِلْ عن اللّه بمجالسة الأخيار.

стр. 5288

وقد ذكر الخطيب (١) وفاته يوم الثلاثاء لستٍّ خَلَوْنَ من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين، بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر [قال: ودفن] (٢) بمقبرة الشُّونيزيّ، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجُنَيْد. وروى (٣) عن القاضي عن أبي عبيد بن حربويه، قال: رأيت سَرِيًّا في المنام فقلت: ما فعلَ اللّه بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكُلِّ من شهد جنازتي. فقلت: فإنِّي ممَّن حضر جنازتك وصَلَّى عليك. قال: فأخرَجَ درجًا، فنظَرَ فيه فلم يَرَ اسمي فيه، فقلت: بلى! قد حضرت [جنازتك، فنظر] (٤)، فإذا اسْمِي في الحاشية. وحكى ابن خلكان (٥) قولًا: أنَّ سَرِيًّا توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ست وخمسين، فاللّه أعلم. قال ابن خلكان (٦): ومما كانَ ينشده السَّريُّ، ﵀: إذا ما شكَوْتُ الحبَّ قالتْ كَذَبْتَني … فما لي أرَى الأعْضَاءَ منك كَواسيا فلا حُبَّ حتَّى يَلْصَقَ الجِلدُ بالحَشَا … وتُذْهَلَ حتَّى لا تُجيبَ المنادِيا ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومئتين فيها أمر الخليفة المعتزُّ بقتل بُغَا الشرابيّ، ونصب رأسه بسامُرَّاء، ثم ببغداد، وحرّقت جثته [بالنار] (٧)، وأخذت أمواله وحواصله. وفيها: ولي أحمد بن طولون الدِّيار المصرية، وهو باني الجامع المشهور بها. وحجَّ بالناس فيها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العبَّاس بن محمّد. وتوفي فيها من الأعيان: زياد بن أيوب الحَسَّانيّ (٨).

стр. 5289

وعلي بن محمد [بن علي] (١) بن موسى الرضا (٢)، يوم الإثنين لأربع بَقين من جمادى الآخرة ببغداد، وصلَّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد، ودفن بداره ببغداد. ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمي (٣). ومُؤمّل بن إهاب (٤). وأبو الحسن عليّ الهادي (٥): ابن محمد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب. أحدُ الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن بن عليّ العسكري المنتظَر عند الفرقة الضَّالّة الجاهلة الكاذبة الخاطئة. وقد كان عابدًا زاهدًا، نقله (٦) المتوكِّل إلى سامُرَّا فأقام بها أزيدَ من عشرين سنةً بأشهر. ومات بها في هذه السنة. وقد ذُكِرَ للمتوكِّل أنَّ بمنزله سلاحًا وكتبًا كثيرةً من الناس، فأرسل فكَبَسه، فوجدوه جالسًا مستقبل القِبْلَة وعليه مِدْرَعة من صوفٍ، وهو على بسيط الأرض ليس دونها حائلٌ، فأخذوه كذلك فحملوه إلى المتوكِّل وهو على شرابه، فلمَّا مَثَلَ بين يديه أجلَّه وأعظمَه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس الذي في يده، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنَّه لم يخالط لحمي ودمي قطّ، فاعْفِني منه، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعرًا، فأنشده (٧): باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرُسُهُمْ … غُلْبُ الرّجال فما أغنتهُمُ القُلَلُ (٨) واستُنزِلوا بعدَ عِزٍّ عن مَعاقِلِهِمْ … فأودِعُوا حُفَرًا يا بئسَ ما نَزَلُوا

стр. 5290

نادى بهم صارخٌ مِن بعدِ ما قُبِروا (١) … أينَ الأسِرَّةُ والتّيجانُ والحُللُ أينَ الوجوهُ التي كانتْ منعَّمةً … من دونها تُضربُ الأستارُ والكِلَلُ (٢) فأفصَحَ القَبْرَ عنهمْ حين ساءَلَهُمْ … تلكَ الوجُوهُ عليها الدُّودُ يَقتتِلُ قد طالَ ما أكلوا دهرًا وماشربوا … فأصبَحُوا بعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكِلُوا قال: فبكى المتوكّلُ حتَّى بلَّ الثرَى، وبكى مَنْ حولَه بحضرته، وأمَرَ برفع الشراب، وأمَر له بأربعة آلاف دينار، وحالل (٣) منه، وردَّه إلى منز له مكرَّمًا، ﵀. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين فيها كانت وقعةٌ بين مُفلِح وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه مُفْلِحٌ ودَخَل آمُل طَبَرستان، وحرق منازل الحسن بن زيد، ثم سار وراءه إلى الدَّيْلَم. وفيها: كانت محاربةٌ شديدةٌ بين يعقوب بن الليث وبين عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل، فبعث عليّ بن الحسين رجلًا من جهته يقال له: طَوْق بن المغلِّس، فصابره أكثرَ من شهر ثم ظفر يعقوب بطَوْقٍ، فأسرَهُ وأسَرَ وجوه أصحابه. ثم سار إلى عليّ بن الحسين هذا، فأسَره أيضًا وأخذ بلاده، وهي كِرْمان، فأضافَها إلى ما بيده من مملكة سِجِسْتان. ثم بعث يعقوب بن الليث بهديّةٍ سنيَّة إلى المعتزّ بالله؛ دوابّ، وبُزَاة، وثيابٍ فاخرة. وفيها: ولَّى الخليفةُ سليمانَ بن عبد اللّه بن طاهر نيابة بغداد والسّواد في ربيع الأوّل منها. وفيها: أخذ صالحُ بن وصيف أحمدَ بن إسرائيل كاتبَ المعتزِّ، والحسنَ بن مخْلد كاتبَ قَبيحة أُمّ المعتزّ، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، وكانوا قد تمالؤوا على أكل أموال بيت المال، فضربهم، وأخذ خطوطهُم بأموالٍ جزيلةٍ يحملونها، وذلك بغير رضىً من المعتزِّ في الباطن. واحتيط على أموالهم وحواصلهم وضياعهم، وسُمُّوا الكتَاب الخونة، وولَّى الخليفةُ عن قهرٍ غيرَهم. وفي رجب من هذه السنة ظهر عيسى بن جعفر، وعليّ بن زيد الحسنيّان بالكوفة، وقتلا بها عبدَ اللّه بن محمد بن داود بن عيسى، واستفحل أمرهما بها.

стр. 5291

موت الخليفة المعتز بالله: ولثلاث بَقِين من رجب من هذه السنة خُلِعَ الخليفةُ المعتزُّ بالله، ولليلتين [مضتا] (١) من شعبان أظهِرَ موتُه. وكان سببُ خلْعه أنَّ الجند اجتمعوا، فطلبوا منه أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من أمِّه أن تقرضَه مالًا يدفعهم عنه، فلم تعطِهِ، وأظهرَتْ أنَّه لا شيءَ عندها. فاجتمع الأتراك على خلْعه، فأرسلوا إليه ليخرجَ إليهم، فاعتذر بأنَّه قد شرِبَ دواءً، وأن عنده ضعفًا، ولكن ليدخلْ إليَّ بعضُكم، فدخَلَ إليه بعضُ الأمراء، فتناولوه بالدَّبابيس يضرِبونه، وجرّوا بِرِجْلِه، وأخرجوه وعليه قميص مخرّق متلطخ بالدَّم، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حَرٍّ شديدٍ، حتَّى جَعَلَ يراوح (٢) بين قدميه من شدَّة الحرّ، وجعَلَ بعضُهم يلطِمُه وهو يتقي (٣)، ويقول له الضاربُ: اخلعْها والناس مجتمعون، ثم أدخلوه حجرَةً مضيّقًا عليه فيها. وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتَّى خلَعَ نفسه من الخلافة، فولِّي بعدَه المهتدي باللّه، كما سيأتي. ثم سلَّموه إلى من يسومُه سوءَ العذاب بأنواع المَثُلات (٤)، ومُنع من الطعام والشراب ثلاثة أيامٍ حتَّى جعل يطلب شَرْبةً من ماء البئر فلم يُسْقَ، ثم أدخلوه سَرَبا (٥) فيه جِصّ ثخين، فدسُّوه فيه، فأصبح ميتًا. فاستلّوه من الجِصّ سليمَ الجسَدِ، فأشهدوا عليه جماعةً من الأعيان أنَّه مات وليس به أثرٌ. وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة، وكان يوم السبت. وصلَّى عليه المهتدي باللّه، ودفن عند أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصّوامع، عن أربع وعشرين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا. وكان طويلًا، جسيمًا، وسيمًا، أقنى الأنف، مدوَّر الوجه، حسنَ الضحك (٦)، أبيضَ، أسودَ الشعر جَعْده كثيفه، كثيفَ اللحية، حسن العينَيْن والوجه، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين؛ ﵀. وقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على جودة ذهنه وحسن فهمِه وأدبه حين دخلَ عليه في حياة أبيه المتوكِّل، كما قدمنا (٧) في ترجمة الإمام أحمد.

стр. 5292

وروى الخطيبُ البغداديّ (١) عن عليّ بن حرب، قال: دخلت على المعتزِّ بالله، فما رأيت خليفة أحسن وَجْهًا منه، فلما رأيتُه سجدْتُ، فقال: يا شيخ، تسجد لأحدٍ من دون الله؟. فقلت: حدَّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النَّبيل، حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بَكْرة، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا رأى ما يفرحُ به، أو بُشِّرَ بما يُسرُّ به، سجَدَ شكرًا للّه (٢). وقال الزّبير بن بكار: سرتُ إلى المعتز وهو أمير، فلمَّا سمع بقدومي خرج مستعجلًا إليَّ فعثر، فأنشأ يقول (٣): يَمُوتُ الفَتَى مِنْ عَثْرةٍ بِلسَانِهِ … وليسَ يموتُ المرءُ مِنْ عَثْرةِ الرِّجْلِ فَعَثرَتُه مِنْ فيهِ تَرْمِي برأسِهِ … وعَثْرَتُه بالرِّجْلِ تُبْرَا على مَهْلِ وذكر الحافظُ ابنُ عساكر (٤): أنَّ المعتزَّ لمَّا حَذَقَ القرآنَ في حياة أبيه المتوكِّل، اهتمَّ أبوه لذلك، واجتمعت الكبراء والأمراء والرؤساء بسُرَّ مَنْ رأى، واحتفلوا لذلك أيامًا عديدة، وجرَتْ أحوالٌ عظيمة. ولمَّا جلس الصَّبيُّ على المنبر، وسلَّم على أبيه بالخلافة، وخَطَبَ الناسَ، نُثِرَت الجواهرُ في الصواني والذَّهب والدَّراهم على الخواصّ والعوامّ بدار الخلافة، فكان قيمةُ ما نُثِرَ من الجوهر ما يساوي مئة ألف دينار، ومثلها ذهبًا، وألف ألف درهم، غير ما كان من خِلَع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر، وكان وقتًا مشهودًا لم يكن سرور بدار الخلافة أبهَجَ منه ولا أحسَنَ. وخلع الخليفةُ على أُمِّ ولده المعتزِّ، وهي: قبيحة، خلعًا سنية، وأعطاها وأجزل العطاء، وكذلك على مؤدِّب المعتزّ، وهو محمد بن عمران، من الجوهر والذَّهب وغير ذلك شيئًا كثيرًا جدًّا.

стр. 5293

خلافة المهتدي باللّه أبي عبد اللّه محمد بن الواثق بن المعتصم، وكانت بيعته يوم الأربعاء لليلة (١) بقيت من رجب من هذه السنة بعد خلْع المعتزِّ نفسه بين يديه وإشهاده على نفسه بأنه عاجز عن القيام بأمر الخلافة، وأنَّه قد رغِبَ إلى من يقوم بأعبائها: محمد بن الواثق باللّه، ثم مَدَّ يده فبايعه قبلَ الناس كلِّهم، ثم بايعه الخاصّة، ثم كانت بيعة العامّة. وكتب على المعتزِّ كتابًا أشهد عليه فيه بالخلْع والعجز والمبايعة للمهتدي. وفي آخر يوم من رجب هذا وقع ببغداد فتنة هائلة؛ وثبت العامّة على نائبها سليمان بن عبد اللّه بن طاهر، ودعوا إلى بيعة أبي أحمد بن المتوكِّل، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامُرّا من بيعة المهتدي باللّه بن الواثق، وقُتل من أهل بغداد وغَرِق منهم خلْق كثير، ثم لمَّا بايع الناس بيعة العامّة للمهتدي باللّه في سابع شعبان، وبلغ أهلَ بغداد ذلك، سكتوا واستقرَّت الأمور واستقل المهتدي بالخلافة، وللّه الحمد. وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أُمِّ المعتزِّ أموالٌ عظيمة، وجواهرُ نفيسة؛ كان من جملة ذلك ما يقارب ألفي ألف دينار، ومن الزمرّد الذي لم يُرَ مثله مقدار مَكُّوك (٢)، ومن الحبّ الكبار مكُّوك، وكَيْلَجَة ياقوت أحمر مما لم يُرَ مثله أيضًا. وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف، ثم نزعت (٣) عنه، فكانت تدعو عليه؛ تقول: اللهم! اخز صالح بن وصيف كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدّد شملي، وأخذ مالي، زغرّبني عن بلدي، وركب الفاحشة مني. هذا وقد كان الأتراك قد طلبوا من ابنها المعتزِّ خمسين ألفَ دينار تُصرف في أرزاقهم، وضمِنوا له أن يقتلوا صالحَ بن وصيف، فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمِّه قَبيحة - قَبَّحها اللّه - فامتنعت أن تقرضه ذلك، فأظهرت أنَّه لا شيء عندها. ثمَّ ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا. وكان لها من الغلات في كُلِّ سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار. واستقرَّت الخلافة للمهتدي باللّه. وكان - وللّه الحمد - خليفة صالحًا؛ قال يومًا للأمراء: إنّي ليست لي أمٌّ لها من الغلات (٤) ما يقاوم عشرة آلاف ألف دينار، ولست أريد إلا القوت فقط، لا أريد فضلًا على ذلك إلَّا لإخوتي، فإنَّهم قد مسَّتْهم الحاجة.

стр. 5294

وفي يوم الخميس لثلاث بَقِين من رمضان أمَرَ صالح بن وصيف بضرب أحمد بن إسرائيل الذي كان وزيرًا، وأبي نجوح عيسى بن إبراهيم الذي كان نصرانيًا فأظهر الإسلام، وكان كاتبَ قَبيحةَ، فضربَ كلّ واحدٍ منهما خمسمئة سوطٍ، بعد استخلاص أموالهما، ثم طِيفَ بهما على بغْلَين منكسين، فماتا وهما كذلك. ولم يكن ذلك عن رضى المهتدي بالله، ولكنه لا يقدر على الإنكار على صالح بن وصيف في بادئ الأمر. وفي رمضان هذا وقعت فتنةٌ ببغداد أيضًا، بين محمد بن أوس ومن تبعه من الشاكرية والجند وغيرهم، وبين العامّة والرَّعاع، فاجتمع من العامَّة نحو من مئة ألفِ، وكان بين الناس قتال بالنّبال والرماح والسيوف، وقتل خلْق كثير، ثم انهزم محمد بن أوس وأصحابُه، فنَهبت العامَّةُ ما وجدوا من أمواله، فكان منه شيء يعدل ألفي ألف [درهم] (١) أو نحو ذلك. ثم اتفق الحال على إخراج محمد بن أوس من بغداد إلى أينما أراد من سائر البلاد، فخرج منها خائفًا طريدًا؛ وذلك لأنَّه لم يكن عند النَّاس مرضيَّ السّيرة، بل كان جبّارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا. وأمر الخليفةُ المهتدي بالله بإخراج (٢) القيان والمغنين من سامُرّا، وأمر بقتْل السّباع التي في دار السلطان، والكلاب (٣) المعدّة للصيد أيضًا، وإبطال الملاهي، وردِّ المظالم، وجلس للعامة. وكانت ولايته والدّنيا كلُّها من أرض الشام (٤) مفتونة. ثم استدعى الخليفة المهتدي موسى بن بُغَا الكبير ليتقوَّى به على مَنْ عنده من الأتراك؛ لتجتمع كلمة الخلافة، واعتذر من استدعى به بما هو فيه من الجهاد بتلك البلاد. ذكر خارجيّ آخر آدَّعى أنَّه من أهل البيت بالبصرة وفي النصف من شوَّال من هذه السنة ظهر رجلٌ بظاهر البصرة، زعم أنَّه عليّ بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يكن صادقًا في دعواه هذا النسب، وإنما كان عبقسيًا من عبد القيس، واسمُه عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، وأمُّه قرَّة (٥) بنت على بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خُزَيمة، وأصله من قرية من قرى الرَّيّ؛ قاله ابنُ جرير (٦).

стр. 5295

قال (١): وقد خرج في سنة تسع وأربعين ومئتين، فادَّعى أنَّه عليّ بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عُبيد اللّه (٢) بن عباس بن عليّ بن أبي طالب، فدعا الناس بهَجَر إلى طاعته، فاتبعه جماعة من أهلها، فوقع بسببه قتالٌ كثير، وفتن كبار، وحروب كثيرة منتشرة. ولمَّا خرج خَرْجتَه هذه (٣) التفَّ عليه خلْق من الزَّنج الذين كانوا يكسَحُون السِّباخَ (٤)، فعبر بهم دِجلة، فنزل الدِّيناريّ. وكان يزعم لبعض الجهلة من أتباعه: أنه يحيى بن عمو أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، وكان يدَّعي أنه حفظ سورًا من القرآن في ساعة واحدةٍ جرى بها لسانه لا يحفظها غيرُه في مدة، وهنّ سبحان والكهف وص. وزعم أنه فكَّر يومًا وهو في البادية إلى أي البلاد يسير (٥)، فخوطب من سحابة أن يقصد إلى البصرة فقصدها، ولمَّا اقترب منها وجَدَ أهلها مفترقين على شعبتين؛ سعديّة، وبلالية، فطَمِع أن ينضمَّ إلى إحداهما، فيستعين بها على الأخرى، فلم يقدر على ذلك، فارتحل إلى بغداد، فأقام بها سنةً، انتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم بها أنَّه يعلم بما في ضمائر أصحابه، وأنَّ الله يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جَهَلَةٌ من الطّغام، وطائفة من رَعاع العوام. ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان من هذه السنة، فاجتمع معه بشر كثير، ولكن لم يكن معهم عُدد، يقال: إنه تقدَّم إليهم جيش من ناحية البصرة فالتقوا جميعًا، فلم يكن في جيش هذا الخارجيّ سوى ثلاثة أسياف، ومع هذا هزموا عدوَّهم، وكانوا في أربعة آلاف مقاتل. ثم مضى نحو البصرة بمن معه، فأهدى له رجل من أهل جُبَّى فرسًا فلم يجد لها سَرْجًا ولا لجامًا، فألقى (٦) عليها حبلًا وركبها، وشنق حنكها بليف. ثم صادر رجلًا فتهدَّده بالقتل، فأخذ منه مئة (٧) وخمسين دينارًا وألف درهم، فكان هذا أوَّلَ مالٍ غنمه من هذه البلاد، وأخذ من آخر ثلاثة بَرَاذين (٨)، وأخذ من موضع آخر شيئًا من الأسلحة والأمتعة، ثم سار في جيشٍ قليل بلا سلاح وخيول، ثم جرت بينه وبين جيوش من جهة نائب البصرة وقَعات متعددة، يهزمهم (٩) فيها، وكلما لاموه يقوى، ويتزايد أصحابه، ويعظم جيشه، وهو مع ذلك لا يتعرَّض لأموال الناس، وإنَّما يريد أخذ أموال السّلطان.

стр. 5296

وقد انهزم أصحابه في بعض تلك الحروب هزيمة فظيعة، ثم تراجعوا إليه، واجتمعوا عليه، ثم كرُّوا على أهل البصرة، فهزموهم، وقتلوا منهم خلْقًا وأسروا آخرين، فكان لا يؤتى بأحدٍ من الأسرى إلا قتله. ثمَّ قوي أمره بعد ذلك وخافه أهل البصرة، وبعث الخليفة إليها مددًا يكونون لهم على صاحب الزَّنج هذا الخارجيّ، قبَّحه اللّه. ثم أشار عليه رؤوس أصحابه أن يهجم بهم على أهل البصرة فيدخلوها عَنْوَةً، فهجَّن آراءهم، وقال: بل نكون منها قريبًا حتَّى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها، ويخطبوننا عليها. وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء اللّه تعالى. وحجَّ بالناس في هذه السنة عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: الجاحظ المتكلِّم المعتزليّ (١): وإليه تُنسَبُ الفرقة الجاحظيّة. وهو أبو عثمان عَمرو بن بَحْر بن مَحْبُوب الكِنانيّ الليثي، المعروف بالجاحظ؛ لجحوظ (٢) عينيه، ويقال له الحَدقيّ، وكان شنيعَ المنظر، سيء المخبر، رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدعة، وربما جاز (٣) به بعضهم إلى الانحلال حتى يقال في المثل: يا ويحَ من كفره ككفرِ الجاحظ، واللّه أعلم بحاله. وكان بارعًا فاضلًا قد أتقن علومًا كثيرةً، وصنَّف كتبًا جمَّة تدل على قوَّة ذهنه وجودة تصرُّفه. ومن أجلِّ كتبه: كتاب "الحيوان"، وكتاب "البيان والتبيين". قال ابن خلكان (٤): وهما أحسن مصنفاته وأمتعها. وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه. وذكر أنه أصابه الفالج في آخر عمره، وحكى أنه قال: أنا من جانبي الأيسر مفلوجٌ، لو قُرِضَ بالمقاريض ما علِمْتُ به، ومن جانبي الأيمن مُنَقْرسٌ (٥) لو مرَّت به الذُّبابة لألِمْتُ، وبي حصاةٌ، وأشدُّ ما عليَّ ستٌّ وتسعون سنةَ. وكان ينشد (٦): أتَرْجُو أنْ تَكُونَ وَأنْتَ شَيْخٌ … كَما قَدْ كُنْتَ أيَّامَ الشَّبابِ

стр. 5297

لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ لَيْسَ ثَوْبٌ … دَريسٌ (١) كالجَديدِ من الثِّيابِ وعبد اللّه بن عبد الرحمن أبو محمد الدَّارِميّ (٢)، صاحب الكتاب المشهور، وقد سمعناه بعلو. وعبد الله بن هاشم الطُّوسيُّ (٣). والخليفة أبو عبد اللّه محمد المعتزِّ باللّه بن جعفر المتوكِّل على اللّه، في رجب، كما تقدَّم. ومحمد بن عبد الرحيم، الملقب: صَاعِقَة (٤). ومحمّد بن كَرَّام (٥): المتكلِّم الذي تنسب إليه الفرقة الكَرَّاميَّة. وقد نُسب إليهم (٦) جواز وضع الأحاديث. وهو محمد بن كَرَّام - بفتح الكاف وتشديد الراء، على وزن جَمَّال - بن عراق [ابن حزابة] (٧) بن البراء، أبو عبد اللّه السِّجِسْتانيّ العابد، يقال: إنه من بني تراب (٨). ومنهم من يقول: محمد بن كِرَام، بكسر الكاف وتخفيف الراء، كمجع كريم. وفرَّق البيهقي بينهما، فجعل الذي تنسب إليه الكرّاميّة، بفتح الكاف وتشديد الراء، وهو الذي سكن بيت المقدس إلى أن مات [بها] (٩). وجعل الآخر شيخًا من أهل نيسابور. والصحيح الذي يظهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ، والحافظ ابن عساكر أنهما واحد. روى ابن كَرَّام عن عليّ بن حجر، وعليّ بن إسحاق الحنظليّ السَّمرقنديّ؛ سمع منه التفسير عن محمد بن مروان عن الكلبي، وإبراهيم بن يوسف الماكيانيّ، ومالك بن سليمان الهرويّ، وأحمد بن

стр. 5298

حرب، وعُتَيْق بن محمد الحَرَشي (١)، وأحمد بن الأزهر النَّيْسَابوريّ، وأحمد بن عبد اللّه الجُويْباري (٢)، ومحمد بن تميم الفاريابي، وكانا كذابين وضاعَين - وغيرهم. وعنه: محمد بن إسماعيل بن إسحاق، وأبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، وعبد الله بن محمد القيراطي، وإبراهيم بن الحجاج النيسابوري. ذكر الحاكم أنه حبسه محمد بن طاهر بن عبد اللّه، وطال حبسه فكان يتأهبُ لصلاة الجمعة (٣)، فيمنعه السجَّان، فيقول: اللهم! إنك تعلم أنَّ المنع من غيري. وقال غيره: أقام ببيت المقدس أربع سنين، وكان يجلس للوعظ عند العمود (٤) الذي عند مشهد (٥) عيسى ﵇، واجتمع عليه خلْق كثيرٌ، ثم تبيِّن لهم أنه يقولُ: إنَّ الإيمان قول، فترَكَهُ أهلُها، ونفاه متولّيها إلى غور زغر، فمات بها، ونقل إلى بيت المقدس. وكانت وفاته في صفر من هذه السنة. وقال الحاكم: توفي ببيت المقدس ليلًا، ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء ﵈، وله ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفًا. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئتين في صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من المحرّم قدم موسى بن بُغَا الكبير إلى سامُرَّا، فدخلها في جيشٍ هائلٍ قد عبَّأه ميمنةً وميسرة وقلبًا وجناحين، فقصد (٦) دار الخلافة التي فيها المهتدي جالس (٧) للعامّة؛ لكشف المظالم، فاستأذنوا (٨) عليه، فتمادى الإذن ساعةً، وتأخَّر عنهم، فظنُّوا في أنفسهم أنَّ الخليفة إنَّما طلبهم خديعة منه؛ ليسلِّط عليهم صالحَ بن وصيف، فدخلوا عليه هجمًا فجعلوا يتراطنون (٩)

стр. 5299

بالتركي، ثم عزموا فأقاموه من مجلسه، وانتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانًا إلى دارٍ أخرى، فجعل يقول لموسى بن بُغَا: ما لك ويحك! إنِّي إنما جئت بك لأتقوَّى بك على صالح بن وصيف. فقال [له موسى] (١): لا بأس عليك، احلفْ لي أنك لا تريد لي خلافَ ما أظهرت. فحلَفَ له الخليفة، فطابت أنفسهم، وبايعوه بيعةً ثانيةً مشافهةً، وأخذوا عليه العهودَ والمواثيقَ أن لا يمالئَ صالحًا عليهم، واصطلحوا على ذلك. ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتزِّ ومَنْ قَتَلَه صالحُ بن وصيف من الكتَّاب وغيرهم، فوعدهم أن يأتيهم، ثم اجتمع بجماعةٍ من الأمراء من أصحابه، وأخذ يتأهَّبُ لجمع الجيوش عليه، ثم اختفى من ليلته فلم يدرِ أحدٌ أين ذهب في تلك الساعة، فبعثت المنادية عليه في أرجاء البلد، وتُهدِّدَ من أخفَاه، فلم يزل في خفاءٍ إلى أواخر صفر على ما سنذكر. ورُدَّ سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد. وسُلِّم الوزير عبد اللّه بن محمد بن يَزداد إلى الحسن بن مَخْلَد الذي كان أراد صالح بن وصيف قَتْلَه مع ذينك الرجلين، فبقي في السِّجن حتى رجع إلى الوزارة. ولما أبطأ خبرُ صالح بن وصيف على موسى بن بُغَا وأصحابه قال بعضُهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل، يعني الخليفة، فقال بعضهم: أتقتلون رجلًا صوَّامًا قوَّاما، لا يشرب الخمر (٢)، ولا يأتي الفواحش؟ والله إن هذا ليس كغيره، ولا يطاوعكم الناس عليه. وبلغ ذلك الخليفة، فخرج إلى الناس وهو متقلِّد سيفًا، فجلس على السرير، واستدعى بموسى بن بُغَا وأصحابه، فقال: قد بلغني ما تَمَالأتم عليه من أمري، وإنِّي والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنِّط وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربنَّ به ما استمسك قائمُه بيدي؛ والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكنَّ أو ليذهبنَّ بها أكثركم. أمَا دِين؟ أمَا حياء؟! أما رِعة؟! كم يكون هذا الإقدام على الخلفاء والجرأة على اللهِ ؟! سواء عندكم (٣) مَنْ قصد الإبقاءَ عليكم ومن كان إذا بلغه هذا عنكم، دعا بأرطال الشراب فشربها سرورًا بمكروهكم، واذهبوا فانظروا منزلي ومنازل إخوتي ومَنْ يتصل بي هل فيها من آلات الخلافة أو فرشها شيء غير ما يكون في بيوت آحاد الناس! ويقولون: إني أعلم علم صالح، وهل هو إلا كواحدٍ منكم؟ فاذهبوا فاعلموا علمه، فابلغوا شفاء نفوسكم منه، وأمَّا أنا فلست أعلم علمه.

стр. 5300

قالوا: فاحلف لنا على ذلك. قال: أمَّا اليمين فإنِّي أبذُلها [لكم] (١)، ولكنِّي أدَّخرها حتَّى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدّلين وأصحاب المراتب في غدٍ إذا صلَّيت صلاة الجمعة. قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلًا (٢). ولمَّا كان يوم الأحد لثمانٍ بَقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف، فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي باللّه وقد انفتَلَ من صلاة المغرب، فلم يزِدْ على أن قال: واروه، ثم أخذ في تسبيحه وذكره. ولما أصبح الصباح يوم الإثنين رُفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد: هذا جزاء مَنْ قتل مولاه. وما زال الأمر مضطربًا حتى تفاقم الأمر وعظم الخطب. ذكر خلْع المهتدي وولاية المعتمد أحمد بن المتوكل وإيراد شيء من فضائل المهتدي لمَّا بلغ موسى بن بُغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية، ركب إليه في جيشٍ كثيفٍ ومعه مُفْلِح وبايكباك (٣) التركي، فاقتتلوا هم ومساور الخارجي، فلم يظفروا منه بشيء، فعجزهم وهرب منهم وأعجزهم، وقد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة. والمقصود أنَّ الخليفة المهتدي باللّه أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك، فكتب إلى بايكباك: أن يتسلم الجيش من موسى بن بُغا، ويكون هو الأميرَ على الناس، وأن يقبلَ بهم إلى سامُرّاء. فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بُغا، فاشتدَّ غضبه على المهتدي، واتفقا عليه، وقصدا إليه إلى سامُرّا، وتركا ما كانا فيه. فلمَّا بلغ ذلك المهتدي استخدم من فوره جندًا من المغاربة والفراعنة والأشروسْنيَّة والأرزكشيّة والأتراك أيضًا، وركب في جيشٍ كثيفٍ، فلمَّا سمعوا به رجع موسى بن بُغا إلى طريق خراسان وأظهر بايكباك السمع والطاعة، فدخل في ثاني عشر رجب إلى الخليفة سامعًا مطيعًا، فلمَّا أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بني هاشم شاورهم فيه، فقال له صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين! لم يبلغ أحدٌ من الخلفاء في الشجاعة والإقدام ما بلغْتَ، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرًّا من هذا وأكثرَ جندًا، ولما قتله أبو جعفر المنصور سكنت الفتنة، وخَمَدَ صوتُ أصحابه. فأمر عند ذلك المهتدي بالله بضرب عنق بايكباك، ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه، وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخيه طغوتيا، فخرج إليه الخليفة فيمن معه، فلمَّا التقوا خامرت الأتراك الذين كانوا مع الخليفة إلى أصحابهم، وصاروا إلبًا

стр. 5301

واحدًا على الخليفة وأصحابه، فقتل منهم نحو من أربعة آلاف، ثم حملوا عليهم فهزموهم، وانهزم المهتدي باللّه وبيده السيف صلتًا وهو ينادي: يا أيها الناس! انصروا خليفتكم. فدخل دار أحمد بن جُمَيل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه، ولبس البياض، وأراد أن يذهب فيختفي، فعاجله أحمد بن خاقان فيها، فأخذه قبل أن يذهب، ورُمي بسهم، وطعن في خاصرته وحمل على دابّةٍ وخلفَهُ سائسٌ، وعليه قميصٌ وسراويلُ حتى حصل (١) في دار أحمد بن خاقان، فجعل مَنْ هناك يصفَعُونه ويبزُقون في وجهه، وأخذوا خطَّه بستمئة ألف دينار، وسلَّموه إلى رجل، فلم يزل يطأ خصييه حتى مات؛ ﵀. وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من رجب. وكانت خلافته أقلَّ من سنةٍ بخمسة أيام، وولد في سنة تسع عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة ومئتين. وصلَّى عليه جعفر بن عبد الواحد ودفن بمقبرة المنتصر بن المتوكِّل. وكان أسمر رقيقًا، أجْلَى (٢)، حسن اللحية، أشهب (٣)، حسن العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية، يكنى أبا عبد اللّه. قال الخطيب (٤): وكان من أحسن الخلفاء مذهبًا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعًا، وأكثرهم عبادة. وإنَّما روى حديثًا واحدًا، ثم أسند عنه. قال: حدَّثني عليّ بن أبي هاشم بن طِبْرَاخ (٥)، عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن عليّ، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال العباس: يا رسولَ اللّه! ما لنا في هذا الأمر؟ قال: "لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم". وقال للعباس: "من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي" (٦).

стр. 5302

وروى الخطيب (١): أنَّ رجلًا استعدى المهتدي على خصمه (٢)، فحكم بينهما بالعَدْلِ، فأنشأ الرجلُ يقولُ: حَكَّمْتُمُوه فقضى بينكُمْ (٣) … أبْلَجُ مثلُ القَمَرِ الزَّاهرِ لا يقبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ … ولا يُبَالي غَبَنَ الخاسرِ فقال له المهتدي بالله: أمَّا أنت أيُّها الرَّجُلُ فأحسَنَ اللّهُ مقالتك، وأمَّا أنا فإنِّي ما جلست حتَّى قرأت قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال: فبكَى الناس حوله، فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم. وقال بعضُهم: سَرَدَ (٤) المهتدي الصَّوْمَ منذ ولي إلى أن قتل، ﵀. وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمرُ بن عبد العزيز الأموي في أيام خلافته، من الورع والتقشّف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط (٥). وقال أحمد بن سعيد الأمويّ: كنا جلوسًا بمكَّة وعندي جماعة يبحثون في النَّحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجلٌ نظنه مجنونًا، فأنشأ يقول (٦): أمَا تَسْتَحُونَ اللّهَ يا مَعْدِنَ الحِلْم (٧) … شُغِلْتُمْ بذا والنَّاسُ في أعظمِ الشغْلِ إمامُكُم أضْحَى قتيلًا مجدَّلًا (٨) … وقد أصبحَ الإسلامُ مفترِقَ الشَّمْلِ وأنتمْ على الأشعارِ والنَّحوِ عُكَّفٌ (٩) … تصيحونَ بالأصواتِ في أحسنِ السُّبْلِ (١٠)

стр. 5303

قال: فنظرنا، وأرَّخنا ذلك اليوم، فإذا المهتدي باللّه قد قُتِلَ في ذلك اليوم، وكان يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ستٍّ وخمسين ومئتين. خلافة المعتمد على اللّه أحمد بن المتوكِّل على اللّه، ويعرف بابن فِتيان (١)، بويع بالخلافهَ يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب من سنة ست وخمسين ومئتين في دار الأمير بارجوخ (٢) وذلك قبل خلع المهتدي بأيام. ثم كانت بيعة العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب. ولعشر بقين من رجب دخل موسى بن بُغَا ومُفْلِح إلى سُرَّ مَنْ رأى، فنزل موسى في داره، وسكن الناس؛ وخَمَدَت الفتن هنالك. وأمَّا صاحبُ الزَّنْج المدَّعي أنه علويّ، فهو محاصِر للبصرة، والجيوش (٣) الخليفية في وجهه دونها، وهو في كُلِّ وقت يقهرها، ويغنم ما يفد إليهم في المراكب من الأطعمة وغيرها، واستحوذَ بعد ذلك على الأبُلَّة وعبّادان وغيرهما من البلاد، وخاف منه أهلُ البصرة خوفًا شديدًا، وكل ما لأمره يقوى، ولجيوشه تكثر، ولعدده ينَرايد، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخها. وفي هذه السنة خرج رجل آخر بالكوفة يقال له: عليّ بن زيد الطالبيّ، وجاءه جيشٌ من جهة الخليفة فكسره الطالبيُّ، واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته، وتفاقم أمره. وفيها: وثَبَ محمّد بن واصل [بن إبراهيم] (٤) التميمي على نائب الأهواز الحارث بن سيما الشرابيّ (٥)، فقتله واستحوذ على بلاد الأهواز. وفي رمضان منها تغلَّب الحسن بن زيد الطالبيّ على بلاد الرَّيّ، فتوجَّه إليه موسى بن بُغَا في شوال من عند المعتمد، وخرج لتوديعه. وفيها: كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين أماجور نائب دمشق - ولم يكن معه إلا قريب من أربعمئة فارس - وبين ابن لعيسى بن الشيخ، وهو في قريب من عشرين ألفًا، فهزمه أماجور وجاءت من الخليفة ولاية لابن الشيخ على بلادِ أرمينية على أن يترك أهل الشام، فقبل ذلك وانصرف عنهم.

стр. 5304

وحجَّ بالناس في هذه السنة محمّد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. وكان في جملة الحجاج أبو أحمد بن المتوكّل، فتعجَّل وعجّل السيرَ إلى سامُرّاء، فدخلها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الخليفة المهتدي باللّه، في رجب منها، كما تقدّم. والزُّبَير بن بَكَّرا (١): ابن عبد اللّه بن مُصْعَب بن ثابِت بن عبد اللّه بن الزُّبَيْر بن العَوَّام القُرَشيُّ الزُّبَيْريُّ، قاضي مكة. قدم بغداد وحدث بها. وله كتاب "أنساب قريش"، وكان (٢) من أهل العلم بذلك، وكتابه في ذلك حافل جدًّا، وقد روى عنه ابنُ ماجَه وغيرُه. وقد وثقه الدَّارَقُطْنِيُّ والخطيب (٣) وأثنى عليه وعلى كتابه. وتوفي بمكّة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بمكة، ﵀. البُخَاريُّ صاحبُ الصَّحيح (٤): وقد ذكرنا له ترجمةً حافلةً في أول شرحنا "لصحيحه"، ولنذكر هاهنا نُبْذَةً من ذلك، فنقول وباللّه المستعان: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (٥) الجُعْفِيّ مولاهم، أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدَى به في أوانه (٦)، والمقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه الصحيح يُسْتَسْقَى بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهلُ الإسلام. ولد البخاريّ ﵀ في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، ومات أبوه وهو

стр. 5305

صغير، فنشأ في حجر أُمِّه، فألهم حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابنُ ستَّ عشرةَ سنة حتى قيل: إنه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألفَ حديثٍ سردًا. وحجَّ وعمرُه ثماني عشرةَ سنةً، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنه (١) الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ. وروى عنه خلائق وأمم، وقد روى الخطيب البغدادي (٢) عن الفِرَبْرِيّ (٣)، أنَّه قال: سمع الصحيح من البخاري معي نحو من تسعين (٤) ألفًا لم يبقَ منهم أحد غيري. وقد روي (٥) البخاريُّ من طريق الفِرَبْريّ كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، وحَمَّاد بن شاكر، وإبراهيم بن مَعْقِل، وطاهر بن محمد بن مَخْلَد. وآخر من حدَّث عنه أبو طلحة منصورُ بن محمد بن عليّ البَزْدَوِيّ (٦) النَّسَفِيّ، وقد توفي النَّسَفِيُّ هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمئة، وثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا (٧). وممن روى عن البخاريِّ مسلمٌ في غير "الصحيح"، وكان يتّلْمَذُ له ويعظِّمُه، وروى عنه الترمذيُّ في جامعه، والنَّسائيُّ في "سننه" في قول بعضِهم (٨). وقد دَخَلَ بغدادَ ثمان مرات، وفي كُلٍّ منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، فيحثُّه أحمدُ على المقام ببغداد، ويلومُه على الإقامة بخراسان (٩). وقد كان يستيقظُ في الليلة الواحدة من نومه، فيُورِي السّراجَ فيكتب الفائدةَ تمرُّ بخاطره، ثم يُطفئ سراجَه، ثم يقومُ مرَّة أخرى، حثَى كان يتعدَّد ذلك منه قريبًا من عشرين مرة (١٠). وقد كان أصيبَ بصرُه وهو صغيرٌ، فرأت أمُّه إبراهيمَ الخليلَ؛ ﵇، فقال: يا هذه!

стр. 5306

قد ردَّ اللّهُ على ولدك بصرَهُ بكثرة دُعائِكِ، أو قال: بكائِكِ، فأصبح وهو بَصيرٌ (١). وقال البخاري: فكَّرت البارحة فإذا أنا قد كتبت في مصنفاتي نحوًا من مئتي ألف حديث مسندة، وكان يحفظها كلَّها (٢). ودخل مرَّةً إلى سمرقند فاجتمع أربع مئةٍ من علماء الحديث بها، فركّبوا له أسانيد، وأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد أهل العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرأوها على البخاريَّ، فردَّ كلَّ حديثٍ إلى إسناده، وقوَّم تلك الأسانيد كلّها، وما تعلَّقوا عليه بسقطة في إسنادٍ ولا في متنٍ (٣). وكذلك صنع بمئة محدِّثٍ من أهل بغداد. وذكروا أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة؛ والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة (٤). وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه. فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثلَه (٥). وقال إسحاق بن راهَوَيْه: لو كان في زمن الحسنِ لاحتاجَ الناسُ إليه؛ لمعرفته بالحديث وفِقهِه (٦). وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد اللّه بن نُمَير: [ما رأينا] (٧) مثله (٨). وقال عليّ بن المدينيّ: لم يَرَ مِثْلَ نفسِه (٩). وقال عليّ بن حُجْر: لا أعلَمُ مِثْلَه (١٠). وقال محمود بن النضر بن سهل الشافعي: دخلْتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، كلَّما جرى ذكرُ محمد بن إسماعيل البخاريّ فَضَّلُوه على أنفسهم (١١). وقال أبو العباس

стр. 5307

الدَّغُوليُّ (١): كتب أهلُ بغداد إلى البخاريّ (٢): المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ ما حييتَ لَهُم … وليسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حينَ تُفْتَقَدُ وقال الفلَّاس (٣): كُلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ. وقال نُعَيْمُ بن حمَّاد: هو فقيه هذه الأمة (٤). وكذا قال يعقوبُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ (٥). ومنه من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (٦). وقال قُتيبة بن سعيد: رُحِلَ إليَّ من شرق الأرض وغربها، فما رحل إليَّ مثلُ محمّد بن إسماعيل البخاري (٧). وقال مُرَجَّى بن رجاء (٨): فَضْلُ البخاريّ على العلماء - يعني في زمانه - كفضل الرجال على النساء، وقال: هو آية من آيات اللّه يمشي على الأرض. وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِميّ: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا، وأعلمنا، وأغْوَصُنا، وأكثرنا طلبًا (٩). وقال إسحاق بن راهويه: هو أبصرُ منّي (١٠). وقال أبو حاتم الرَّازي: محمد بن إسماعيل أعلَمُ مَنْ دَخَلَ العراق (١١). وقال عُبيد العجلي (١٢): رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يستمعان ما يقول، ولم يكن مُسلم يبلغه، وكان أعلَمَ من محمد بن يحيى الذّهلي بكذا وكذا، وكان ديِّنًا فاضلًا يُحسِنُ كُلَّ شيءٍ. وقال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذّهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكُنى والعِلل،

стр. 5308

وهو يمرُّ فيها كالسَّهم، كأنه يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١). وقال أحمدُ بن حمدون القصَّار: رأيت مُسلمَ بنَ الحجَّاج جاء إلى البخاري، فقبَّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أَقَبِّلَ رجليك يا أستاذ الأستاذِين، وسَيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديثِ في عِلَلِه (٢). ثم سأله عن حديث كَفَّارة المجلس (٣)، فذكر له علَّته. فلمَّا فرغ قال مسلم: لا يبغضُكَ إلا حاسدٌ، وأشهدُ أنَّه ليس في الدنيا مثلُك (٤). وقال الترمذي: لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العِلل والتاريخ ومعرفةِ الأسانيد أعلَمَ مِنَ البخاريّ (٥). وكنَّا يومًا عند عبد اللّه بن منير فقال للبخاري: جَعَلَكَ اللهُ زَيْنَ هذه الأمَّة. قال الترمذي: فاستجيب له فيه (٦). وقال ابنُ خَزَيْمة: ما رأيْتُ تحتَ أديمِ السَّماء أعلَمَ بحديثِ رسول اللّه ﷺ وأحفَظَ له من محمّدِ بن إسماعيل البخاري (٧). ولو ذهبنا نسطّر ما أثنى عليه الأئمة في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه

стр. 5309

وورعه وزهده لطال علينا، ونحن على عجلٍ من أجل الحوادث. وقد ذكرنا ذلك مبسوطًا في أول شرح الصحيح. واللّه هو المستعان. وقد كان ﵀ في غاية الحياء والشجاعة والسَّخاء والورع والزهد في الدنيا دارِ الفَنَاء، والرغبة في الآخرة دارِ البقاء. قال: أرجو أن ألقى اللّه وليس أحد يطالبني أنِّي اغتبتُه. فذُكر له "التاريخ" وما ذَكَرَ فيه من جرحٍ وتعديلٍ وغير ذلك، فقال: ليس هذا من هذا، قال النبي ﷺ : "ائذنوا له ولبئسَ أخو العَشِيرة" (١) ونحن روينا ذلك رواية ولم نقلْهُ من عند أنفسنا. وقد كان ﵀ يصلِّي في كُلِّ ليلةٍ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، وكان يختمُ في كُلِّ يومٍ من رمضان خَتْمة، وكانت له جدة ومال جيدٌ يُنفِقُ منه سرًّا وجهرًا، ويكثر الصَّدَقة بالليل والنهار سرًا وعلانية. وكان مستجاب الدعوة، مسدَّد الرمية، شريف النفس، بَعَثَ إليه بعضُ السلاطين ليأتيه حتى يسمَعَ أولادُه عليه، فأرسل إليه: "في بيته يُؤتى الحَكَم" (٢)، يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلمُّوا إليَّ، وأبَى أن يذهَبَ إليهم. وهو (٣) خالد بن أحمد الذّهلي، نائب الظاهريّة ببخارى. فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتابٌ من محمد بن يحيى الذّهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأنّ لفظَه بالقرآن مخلوق. وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلامٌ، وصنَّف البخاري في ذلك كتابه "خلْق أفعال العباد"، فأراد الأميرُ أن يصرفَ النَّاسَ عن السَّماع من البخاري، وقد كانوا يعظّمونه جدًّا؛ حين رجع إليهم نثروا على رأسه الذَّهَب والفضة يوم دخل بُخارى عائدًا إلى أهله، وكان له مجلس للإملاء بجامعها، فلم يَقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد (٤)، فخرج منها، ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمضِ شهرٌ حتى أمر ابنُ طاهر بأن ينادَى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه، وسُجن ببغداد حتى مات، ولم يبقَ أحدٌ ساعدَه على ذلك إلا ابتُلي ببلاء شديد (٥).

стр. 5310

فنزح البخاري إلى بلدة يقال لها: خَرْتَنْك، على فرسخين من سَمَرْقَنْد، فنزل عند أقارب له، وجعل يدعو اللّه أن يقبضَه إليه حين رأى الفِتَن، كما جاء في الحديث: "وإذا أردْتَ بقومٍ فتنةٌ فتوفَّنا إليكَ غيرَ مفتونين" (١). ثم اتفق مرضُه على إثر ذلك، وكانت وفاته ليلة عيد الفطر، وكانت ليلة السبت عند صلاة العشاء، وصلّي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة، أعني سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ، ليس فيها قميص ولا عمامة. وَفْقَ ما أوصى. وحين دُفن فاحت من قبره رائحةُ غالية (٢) أطيب من المسك، فدام ذلك أيامًا، ثم علت سواري بيض بحذاء قبره. وكان عمره يوم مات، ﵀، اثنتين وستين سنة. وقد ترك بعده ﵀ علمًا نافعًا لجميع المسلمين، فعمله فيه لم ينقطع، بل هو موصول بما أسداه من الصَّالحات في الحياة؛ وقد قال رسولُ اللّه ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطَعَ عَمَلُه إلا من ثلاث؛ من علم ينتفع به" الحديث، رواه مسلم (٣). وشرطه في "صحيحه" هذا أعزُّ من شرط كُلِّ كتابٍ صُنِّفَ في الصحيح، لا يوازيه فيه غيرُه، لا صحيح مسلم ولا غيره. وما أحسَنَ ما قال بعضُ الفصحاء من الشعراء (٤): صحيحُ البُخَاريِّ لَوْ أنْصَفُوهُ … لَمَا خُطَّ إلا بماءَ الذَّهَبْ هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الهُدَى والعَمَى … هو السّدُ بين الفَتَى والعَطَبْ أسانيدُ مِثلُ نُجومِ السَّماءِ … أمامَ مُتونٍ لها كالشُّهُبْ (٥) به قامَ ميزانُ دِينِ الرَّسُولِ … ودانَ بِهِ العُجمُ بعدَ العَرَبْ حِجابٌ مِنَ النَّارِ لا شَكَّ فيهِ … يميزُ بينَ الرِّضا والغَضَبْ

стр. 5311

وسِتْرٌ رَقيق إلى المُصْطَفَى … ونَصٌّ مُبينٌ لِكَشْفِ الرِّيبْ فيا عالمًا أجمعَ العالِمو … نَ على فَضْلِ رتبتهِ في الرّتَبْ سَبَقْتَ الأئِمةَ فيما جَمَعْتَ … وفُزْتَ غلى رَغْمِهِم (١) بالقَصَبْ نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلينَ … ومَنْ كَانَ مُتَّهمًا بالكَذِبْ وأبْرَزْتَ في حُسْنِ تَرتيبهِ … وتبويِبهِ عَجَبًا لِلْعَجَبْ فأعطاكَ مَوْلاكَ ما تَشْتَهيه … وأجْزَلَ حَظَّكَ فيما وَهَبْ ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئتين فيها ولي الخليفة المعتمد على اللّه ليعقوب بن الليث بَلْخ وطَخارستان وما يلي ذلك من كَرْمان وسِجِسْتان والسِّند وغيرها. وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكّة والحرمين واليمن وأضاف إليه في رمضان نيابة بغداد والسّواد وواسط وكُور دِجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأذن له أن يستنيبَ في ذلك. وفيها: تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزَّنج في أراضي البصرة، فهزمه سعيد واستنقَذَ من يده خلْقًا من النساء والذرّية، واسترجع منه أموالًا جزيلة، وأهان الزَّنْجَ غايةَ الإهانة والمذلَّة. ثم إنَّ الزَّنج بيَّتوا سعيدًا وجيشَه، فقتلوا منهم خلْقًا كثيرًا، ويقال: إن سعيدَ بن صالح قُتل أيضًا. ثم (٢) التقى مع منصور بن جعفر الخيَّاط في جيشٍ كثيفٍ، فهزمهم هذا الخارجي المدَّعي أنَّه طالبيّ، وهو كاذب. قال ابنُ جرير (٣): وفيها ظُفِر (٤) ببغداد بموضعٍ يقال له: بِرْكةُ زلزلٍ برجلٍ خنّاق، قد قتل خلْقًا من النساء (٥)، فحمل إلى المعتمد، فضُرِب بين يديه ألفي سوط وأربعمئة أرْزن (٦)، فلم يمتْ حتَّى ضربَه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين، فمات، فَرُدَّ إلى بغدادَ، وصُلِبَ هناك، ثم أحرقت جثته. وفي ليلة الرابع عشر [من شوال] (٧) من هذه السنة كُسِفَ القمر وغابَ أكثره.

стр. 5312

وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيشُ الخبيث إلى البصرة قَهْرا، فقتَلَ من أهلها خلْقًا كثيرًا، وهرب نائبها بُغراج ومَن معه، وحرقت الزَّنجُ جامعَ البصرة ودورًا كثيرة، وانتهبوها، ثم نادى فيهم إبراهيم بن يحيى المهلبي أحدُ أصحاب الخارجي: مَنْ أراد الأمان فليحضر. فاجتمع خلْق كثير من أهلها، فرأى أنَّه قد أصاب فرصةً، فغدَرَ بهم، وأمر بقتلهم، فلم يفلت منهم إلا الشاذ. كانت الزَّنج تحيط بالجماعة من أهل البصرة، ثم يقول بعضهم لبعض: كيلوا، وهي الإشارة بينهم إذا أرادوا قتلَ أحدٍ، فيحملون عليه بالسيوف، فلا تسمع إلا (١) تشهّد أولئك، وضجيجهم عند القتل، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون. وهكذا [يفعلون في] (٢) كُلّ مَحَلَّةٍ من محال البصرة في عدة أيام، وهرب الناس منهم كُلَّ مهربٍ، وأحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل، فحرقت (٣) النار ما وجدت من شيءٍ؛ من إنسان، أو بهيمة، أو أثاث أو غير ذلك؛ وأحرقوا المسجد الجامع أيضًا. [وقد قتل في هؤلاء جماعةٌ كثيرة من الأعيان والأدباء والفضلاء والمحدّثين والعلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون] (٤). وكان هذا الخبيث قد أوقع بأهل فارس وقعةً عظيمة (٥)، ثم بلَغَه أنَّ أهلَ البصرة قد جاءهم من الميرة شيءٌ كثيرٌ، وقد اتسعوا بعد الضّيق، فحسدهم على ذلك، فروى ابنُ جرير (٦) عمَّن سمعه يقول: دَعَوْتُ اللهَ على أهل البصرة. فخوطبْتُ، فقيل لي: إنَّما أهلُ البصرة خُبْزَةٌ [لك] (٧) تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصْفُ الرَّغيف خربت البصرة، فأوَّلتُ ذلك بانكساف القمر. وقد كان هذا شائعًا في أصحابه، حتَّى وقَعَ الأمرُ طِبْقَ ذلك. ولا شك أنَّ هذا كان مع شيطان يخاطبه، كما كان يأتي شيطان مسيلمة إلى مسيلمة، [والله أعلم] (٨). ولما أوقَعَ أصحابه من الزَّنْج وغيرهم ما أوقعوا بأهل البصرة، قال لمن معه؛ أي: صبيحة ذلك اليوم: دَعَوْتُ اللهَ على أهل البصرة، فرُفعت لي [البصرة] (٩) بين السَّماء والأرض، ورأيْتُ أهلَها

стр. 5313

يُقتَلُون، ورأيْتُ الملائكة تقاتل مع أصحابي، وإني لمنصور على الناس، والملائكة تقاتل معي، وتثبِّت (١) جيوشي، وتؤيدني في حروبي (٢). ولمَّا صار إليه العلويّة الذين كانوا بالبصرة، انتسب حينئذ إلى يحيى بن زيد، وهو كاذب في ذلك بالإجماع، لأن يحيى بن زيد لم يعقِب إلا بنتًا ماتت وهي ترضع (٣)؛ فقبَّح اللّه هذا اللعين ما أكذبَهَ وأَفجَرَه وأغدَرَه. وفي مستهل ذي القَعْدَة وجَّه الخليفةُ من سامُرًّا جيشًا كثيفًا مع الأمير محمد، المعروف بالمولَّد، لقتال صاحب الزَّنْج، فقبض في طريقه على سعيد (٤) بن أحمد الباهليّ، الذي كان قد تغلَّب على أرض البطائح، وأخاف السبيل. وفيها: خالف محمد بن واصل السلطانَ بأرض فارس، وتغلَّب عليها. وفيها: وثَبَ رجلٌ من الروم يقال له: بسيل الصّقلبيّ، على ملِكِ الروم ميخائيل بن توفيل، فقتله، واستحوذ على مملكة الروم، وقد كان ميخائيل (٥) في ملك الروم أربعًا وعشرين سنة. وحجَّ بالناس في هذه السنة: الفضلُ بن إسحاق بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ بن يَزيد (٦): صاحبُ الجزء المشهور المرويّ، وقد جاوز المئة بعشر سنين، وقيل: بسبع، وكان له عشرة من الولد، سمَّاهم بأسماء العشرة (٧) ﵃. وقد وثقه يحيى بن معين وغيرُه، وكان يتردَّد إلى الإمام أحمد. وكان مولده في سنة خمسين ومئة، وتوفي في هذه السنة عن مئةٍ وسبع سنين.

стр. 5314

وزَيْد (١) بن أخْرم الطائيّ، والرِّياشي (٢): ذبحهما الزَّنْج في جملة مَن قتلوا من أهل البصرة، كما قدمنا قصتهم فبَّحهم الله، وما قتلوا من المسلمين، ﵏. وعليّ بن خَشْرَمَ (٣). وأبو سعيد الأشَجُّ (٤)، أحد مشايخ مسلم الذي يكثر عنهم الرواية. والعبَّاس بن الفَرَج: أبو الفضل الرِّياشي النَّحويّ اللغويّ (٥). كان عالمًا بأيام العرب والسير، وكان كثير الاطلاع، ثقةً، عالمًا. روى عن الأصمعيّ، وأبي عبيدة وغيرهما. وعنه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما. قُتِل الرِّياشي (٦) في البصرة في هذه السنة، قَتَلَه الزَّنجْ فيمن قتلوا. ذكره القاضي ابن خلكان (٧) في "الوفيات". وحكي عنه [عن] (٨) الأصمعي، أنه قال: مرَّ بنا أعرابيٌّ يَنْشُدُ ابْنَه، فقلنا له: صفه لنا، فقال: كأنه دنينير، فقلنا: لم نره، فلم يلبث أن جاء يحمله على عنقه أُسَيِّد (٩) كأنه سفل (١٠)، فقلنا له: لو

стр. 5315

سألتنا عن هذا لأرشدناك إليه، إنه منذ اليوم هاهنا يلعب مع الغلمان. ثم أنشد الأصمعيُّ (١): نِعْمَ ضجيعُ الفَتَى إذا بَرَدَ اللـ … ـيلُ سُحيرًا وقَرْقَفَ الصَّرَدُ زَيَّنَها اللّهُ في الفؤادِ كَمَا … زُيِّنَ في عَيْنِ وَالدٍ وَلَدُ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئتين في يوم الإثنين لعشرٍ بَقين من ربيع الأول عقد الخليفة المعتمد على الله لأخيه أبي أحمد على ديار مصر وقنَّسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهلّ ربيع الآخر، فخلع على أخيه وعلى مُفْلِح، وركبا نحو البصرة في جيشٍ كثيف في عَدد وعُدد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتِلَ مُفْلِح للنصف من جمادى الأولى، أصابه سهمٌ بلا نصْلٍ في صدره فأصبح ميتًا، وحملت جثته إلى سامُرّا ودُفن بها. وفيها: أُسِرَ يحيى بن محمد البحرانيّ، أحدُ أمراء صاحب الزَّنْج الكبار، وحُمِلَ إلى سامُرّا، فضرب بين يدي المعتمد مئتي سوط، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خُبط بالسيوف، ثم ذُبح، ثم أحرِقَ. وكان الذي أسروه جيش أبي أحمد في وقعةٍ هائلةٍ مع الزَّنْج؛ قبَّحهم اللّه. ولمَّا بلغ خبرُه صاحبَ الزَّنْج أسِفَ على ذلك، ثم قال: لقد خوطبت فيه ففيل لي: قَتْلُه كان خيرًا لك؛ لأنه كان شرِهًا يخفي من المغانم خيارها. وقد كان هذا اللعين، أعني صاحب الزَّنْج، المدّعي إلى غير أبيه، يقول: لقد عُرِضَتْ عليَّ النبوَّة فخفْتُ أن لا أقومَ بأعبائها، فلم أقبلْها. وفي ربيع الآخر وصل سعيد بن أحمد الباهليُّ إلى باب السلطان، فضرب سبعمئة سوط حتَّى مات، ثم صُلِبَ. وفيها: قتل قاضٍ وأربعة وعشرون رجلًا من أصحاب صاحب الزَّنْج عند باب العامة بسامُرَّا. وفيها: رجع محمد بن واصل إلى طاعة السلطان، وحمل خراج فارس، وتمهَّدت الأمور هناك، واستقلَّت على السّداد. وفي أواخر رجب كانت بين أبي أحمد وبين الزَّنْج وقعةٌ هائلةٌ، قتل فيها خلْق من الفريقين. ثم استرخَمَ أبو أحمد منزله، فتحيَّز إلى واسط، فنزلها في أوائل شعبان، فوقعت هناك زلزلة

стр. 5316

شديدة وهدَّة عظيمة، تهدَّمت بسبب ذلك دور كثيرة، ومات من الناس نحو من عشرين ألفًا. وفي هذه السنة وقع في الناس وباءٌ شديد ببغداد وسامُرَّا وواسط وغيرها من البلاد، وحصل للناس ببغداد داءٌ يقال له: القُفّاع (١)؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفي يوم الخميس لسبعٍ خلون من رمضان أخِذ رجلٌ (٢) من باب العامّة بسامرَّا، ذُكر عنه أنه يسبُّ السلف، فضُرب ألف سوط وخمسين سوطًا حتى مات. وفي يوم الجمعة ثامنه توفي الأمير يارجُوخ فصلَّى عليه أخو الخليفة أبو عيسى، وحضره جعفر بن المعتمد على الله. وفيها: كانت وقْعَةٌ هائلة بين موسى بن بُغَا وبين أصحاب الحسن بن زيد ببلاد خراسان، فهزمهم موسى بن بُغَا هزيمة فظيعة. وفيها: كانت وَقْعَة بين مسرور البلخيّ وبين مُساور الخارجيّ، فكسره مسرور، فأسر من أصحابه جماعة كثيرة. وحجَّ بالناس الفضل بن إسحاق المتقدم ذكره. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن بُدَيْل (٣). وأحمد بن حَفْص (٤). وأحمد بن سنَان القَطَّان (٥).

стр. 5317

وأحمد بن الفُرات (١). وحُمَيد بن الرَّبيع (٢). ومحمد بن سنجر (٣)، صاحب المسند. ومحمد بن يحيى الذُّهْليُّ (٤). ويحيى بن مُعاذ الرَّازي (٥). ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين في يوم الجمعة لأربعِ بَقِين من ربيع الآخر رجع أبو أحمد بن المتوكل من واسط إلى سامُرَّاء، وقد استخلف على حرب الخبيث صاحبِ الزَّنْج محمّدًا الملقب بالمولَّد، وكان شجاعًا شهمًا. وفيها: بعث الخليفة إلى كَنْجور نائب الكوفة جماعةً من القواد، فذبحو (٦)، وأخذوا ما كان معه من المال، فإذا هو أربعون ألف دينار.

стр. 5318

وفيها: تغلَّب رجل جمَّال يقال له: "شركب" على مدينة مرْو، فانتهبها مَنْ كان معه مِن أتباعه، وتفاقم أمره هناك. ولثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة توجه موسى بن بُغا الكبير من سامرَّا لحرب الخبيث، وخرج الخليفة المعتمد لتوديعه، وخلَعَ عليه عند مفارقته. وخَرَج عبدُ الرحمن بن مُفْلِح إلى بلاد الأهواز نائبًا عليها؛ ليكون عونًا لموسى بن بُغَا على حرب صاحب الزَّنْح الخبيث؛ لعنه اللّه، فهزم عبدُ الرحمن بن مُفْلِح جيشًا للخبيث، وقتَلَ مِن الزَّنْج خلْقًا كثيرًا، وأسَرَ طائفةً كبيرةً منهم، وأرعبهم إرعابًا بليغًا، بحيث لم يتجاسروا على موافقته مرَّةً ثانية، وقد حرَّضهم الخبيثُ كُلَّ التحريض فلم ينجعْ فيهم. ثم تواقع عبدُ الرحمن بن مُفْلِح وعليُّ بن أبان المهلبيُّ؛ وهو مقدَّمُ جُيوشِ صاحبِ الزَّنْج، فجرت بينهما حروب يطول شرحُها، ثم كانت الدائرة على الزَّنْج، ولله الحمد والمنَّة. فرجع عليٌّ بن أبان إلى الخبيث مغلولًا (١) مقهورًا، مذمومًا مدحورًا، وبعث عبد الرحمن بن مفلح بالأسارى إلى سامُرَّا، فبادر إليهم العامَّة فقتلوا أكثرهم، وسلبوهم. وفيها: تدنى (٢) ملك الروم - لعنه اللّه - إلى بلاد سُمَيساط، ثم إلى مَلَطْية، فقاتله أهلُها فهزموه، وقتلوا بطريق البطارقة الذي كان معه، ورجع إلى بلاده خاسئًا وهو حسير. وفيها: دخل يعقوب بن الليث إلى نيسابور، فظفر بالخارجي الذي كان بهَرَاة (٣) ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، فقتله وحمل رأسَه على رمحٍ، وطيف به في الآفاق والأقاليم، ومعه رقعة مكتوبٌ فيها ذلك (٤). وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن يعقوب (٦) [بن إسحاق] (٧) [أبو إسحاق] (٨) الجُوْزَجَانيّ، خطيب دمشق، له المصنفات المفيدة، منها "المترجم" فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.

стр. 5319

وأحمد بن إسماعيل السَّهْميّ (١). وحَجَّاج بن يوسف الشاعر (٢). ومحمود بن آدم (٣). سنة ستين ومئتين من الهجرة فيها وقَعَ غلاءٌ عظيم ببلاد الإسلام كلِّها حتى أجلى أكثرُ أهلِ البلدان منها ينتجعون غيرها، ولم يبقَ بمكة أحدٌ من المجاورين ومن يشبههم، حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائبُ مكة منها، وبَلَغَ كُرُّ (٤) الحنطة ببغداد مئة وعشرين دينارًا، واستمرَّ ذلك شهورًا. وفيها: قَتْلُ صاحب الزَّنْج المستحوذ على البصرة لعليِّ بن زيدٍ صاحبِ الكوفة. وفيها: أخذت الروم من المسلمين حصنَ لؤلؤة. وحجَّ بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المذكور قبلها. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانيُّ (٥).

стр. 5320

وعبد الرحمن بن بشر (١). ومالك بن طَوْق (٢)، الذي تنسب إليه رَحْبَة مالك بن طَوْق. وحُنَيْن بن إسحاق العِبَاديّ (٣)، الطبيب المشهور، الذي عرَّب كتاب إقليدس وحرره بعدَه ثابت بن قُرَّة (٤). وعرَّب حنين كتاب المجسطي أيضًا، وغير ذلك من كتب الطب من لغة اليونان إلى لغة العرب. وكان المأمون شديدَ الاعتناء بذلك جدًّا، وكذلك جعفر البرمكي قبله. ولحنين مصنَّفات كثيرةٌ في الطب، وإليه تنسب "مسائل حنين"، وكان بارعًا في فنه جدًّا. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من صفر من هذه السنة؛ قاله ابن خلكان (٥). ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئتين فيها انصرف الحسن بن زيد من بلاد الدَّيْلَم إلى طَبَرِسْتان، وأحرق مدينة شالُوس (٦)؛ لممالأتهم يعقوب بن الليث عليه.

стр. 5321

وفيها: قَتْلُ مُساور الخارجي ليحيى (١) بن جعفر الذي كان يلي طريق خراسان في جمادى الآخرة، فشخص إليه مسرور البلخى، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، فتنحَّى مساور فلم يلحَقْ. وفيها كانت وقعة بين ابن واصل الذي تغلَّب على فارس، وبين عبد الرحمن بن مُفْلِح، فكسره ابنُ واصل، وأسره، وقتل طاشتمر، واصطلم (٢) الجيش الذين (٣) كانوا معه، فلم يفلت منهم إلا اليسير. ثم سار ابنُ واصل إلى واسط يريد حرب موسى بن بُغَا، فرجع موسى بن بُغَا إلى باب السلطان، وسأل أن يعفى من نيابة بلاد المشرق؛ لما رأى من كثرة المتغلبين بها، فعُزل عنها، وولي ذلك أبو أحمد أخو الخليفة المعتمد. وسار أبو الساج لحرب الزَّنْج، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكسرتهم الزَّنْج، ودخلوا الأهواز فقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وأحرقوا منازلهم. ثم صُرِف أبو الساج عن نيابة الأهواز وحَرْبِ الزَّنْج، وولِّي ذلك إبراهيم بن سيما. وتجهَّز مسرور البلخيّ في جيش لقتال الزنج أيضًا. وفيها: ولّي نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ، وكتب إليه بذلك في شهر رمضان منها. وفي شوَّال من هذه السنة قصد يعقوب بن الليث إلى ابن واصل، فالتقيا في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفلَّ عسكره، وأسر خاله (٤) وطائفة من حرمه، وأخذ من أمواله ما قيمته أربعون ألف ألف درهم، وقتل من كان يمالئه وينصره من أهل تلك البلاد، وأطَّد (٥) تلك الناحية، جزاه الله خيرًا. ولاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شوَّال من هذه السنة ولَّى المعتمدُ على الله ولدَه جعفرًا العهدَ من بعده، وسمَّاه المفوّض إلى الله، وولاه المغرب، وضمَّ إليه موسى بن بُغَا، وولاه إفريقيةَ، ومصر، والشام، والجزيرة، والموصل، وإرمينية، وطريق خُراسان وغير ذلك، وجعل الأمر من بعد جعفر إلى أبي أحمد بن المتوكل، ولقَبه الموفَّق بالله، وولاه المشرق، وضمَّ إليه مسرورًا البلخيَّ، وولاه بغداد، والسواد، والكوفة، وطريق مكّة والمدينة، واليمن، وكَسْكر، وكُور دجلة، والأهواز وفارس، وأصبهان، وقُمَّ، والكرخ، والدِّينَوَر، والرَّيّ، وزِنجان (٦)، والسِّند، وكُتب بذلك مكاتبات وقرئت في الآفاق، وعُلِّق منها نسخةٌ بالكعبة المعظمة.

стр. 5322

وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن إسحاق. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن سليمان الرُّهاوِيُ (١). وأحمد بن عبد الله العِجْليُّ (٢). والحسن بن أبي الشَّوارب، بمكّة (٣) وداود بن سليمان (٤) الجعفريّ. وشعيب بن أيُّوب (٥). وعبد الله بن الواثق، أخو المهتدي بالله. وأبو شعيب السوسي (٦).

стр. 5323

وأبو يزيد البِسْطَاميُّ، أحد أئمة الصوفية (١). وعليُّ بن إشكاب (٢)، وأخوه محمد (٣). ومسلم بن الحجَّاج، صاحب الصحيح؛ رحمهم الله تعالى. وهذا ذكر شيء من أخبار مسلم بن الحجَّاج (٤)، على سبيل الاختصار، ﵀ وأكرم مثواه مسلم بن الحجَّاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري، أحدُ الأئمة، من حفاظ الحديث، صاحبُ الصحيح الذي هو تلو الصحيح للبخاريّ عند أكثر العلماء. وذهب المغاربة وأبو علي النيسابوريّ، شيخ الحاكم النيسابوري من المشارقة، إلى تفضيل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"؛ فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، وأنَّه يسوق الأحاديث بتمامها في موضعٍ واحدٍ، ولا يقطِّعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب، فهذا القدر لا يوازي قوَّة أسانيد البخاري واختياره في الصحيح (٥) ما أورده في جامعه معاصرةَ الرَّاوي لشيخه، وسماعه منه في الجملة، فإنَّ مسلمًا لا يشترط في كتابه الشرط الثاني، كما هو مقرر في علوم الحديث (٦)، وقد بسطت ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنّة، في ترجمة الإمام البخاري، ﵀.

стр. 5324

والمقصود الآن أن مسلمًا رحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع من جماعةٍ كثيرين قد أوردهم شيخنا الحافظ المِزِّيُّ في تهذيبه (١)، مرتبين على حروف المعجم. وروى عنه جماعة كثيرون؛ منهم الترمذيُّ في "جامعه" حديثًا واحدًا وهو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ ، قال (٢): "أحصوا هلال شعبان لرمضان". وصالحُ بن محمد جَزَرَة، وعبدُ الرحمن بن أبي حاتم، وابنُ خُزَيْمة، وابنُ صاعد، وأبو عَوَانَة الإسفراييني. وقال الخطيب البغدادي (٣): أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبِّيُّ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، [قال]: سمعت أحمد بن سَلَمة، يقول: رأيت أبا زُرْعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وأخبرني ابن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم، [قال]: سمعت الحسين بن محمد الماسرْجِسِيّ، يقول: سمعت أبي يقول: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج يقول: صنَّفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة (٤). وروى الخطيب (٥) قائلًا: حدثني أبو القاسم عبد الله (٦) بن أحمد بن علي السُّوذَرجاني بأصبهان، سمعت محمد بن إسحاق بن مَنْدَه، سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوريّ يقول: ما تحتَ أديم السَّماء أصحُّ من كتاب ابن الحجَّاج في علم الحديث. وقد ذُكِرَ مسلمٌ عند إسحاق بن راهَوَيْه فقال بالعجمية ما معناه: أيَّ رجل كان هذا (٧)؟!. وقال إسحاق بن منصور لمسلم: لن يَعْدَمَ الخيرُ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين (٨).

стр. 5325

وقد أثنى عليه جماعة من علماء أهل الحديث وغيرهم. وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم: قلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومُسْلمًا مما يثبتُ في الحديث (١). وروى الخطيب (٢)، عن أبي عمرو محمد بن حَمدان الحيريّ، قال: سألْتُ أبا العباس أحمد بن سعيد بن عُقْدَة الحافظ عن البُخاريِّ ومسلم: أيَّهما أعلمُ؟ فقال: كان البخاريُّ عالمًا، ومسلمٌ عالمًا، فكرَّرْتُ ذلك مرارًا وهو يردّ على هذا الجواب، ثم قال لي: يا أبا عمرو! قد يقَعُ للبخاري الغَلَطُ في أهل الشام، وذلك أنَّه أخَذَ كتبهم، فَنَظَر فيها، فربَّما ذكَرَ الواحدَ منهم بكُنْيَتِهِ، ويذكره في موضعٍ آخرَ باسْمِهِ، ويتوهَّم أنَّهما اثنان. وأمَّا مُسْلمٌ فقَلَّما يقَع (٣) له الغلَطُ؛ لأنه كتب المقاطيع والمراسيل. قال الخطيب (٤): إنما قفا مسلم طريقَ البخاري، ونظر في علمه، وحذا حَذْوَه. ولما ورد البخاريُّ نيسابورَ في آخر أمره، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه (٥). وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفيُّ، قال: سمعت أبا الحسن الدَّارقُطني يقول: لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء (٦). قال الخطيب (٧): وأخبرني أبو بكر المنكَدِر (٨)، حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو نصر (٩) بن محمد الزراد، سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون القصّار، سمعتُ مُسلمَ بن الحجَّاج، وجاء إلى محمّد بن إسماعيل البخاريّ، فقبَّل بين عينيه، وقال: دَعْني حتى أقبِّل رجليك يا أستاذَ الأستاذِين، وسيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديث في علله؛ حدثك محمد بن سلام، حدثنا مَخْلَدُ بن يزيد الحراني، حدثنا ابنُ جُرَيْج، عن موسى بن عُقبة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ
следующие страницы →