← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وفيها: قَتْلُ مُساور الخارجي ليحيى (١) بن جعفر الذي كان يلي طريق خراسان في جمادى الآخرة، فشخص إليه مسرور البلخى، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، فتنحَّى مساور فلم يلحَقْ. وفيها كانت وقعة بين ابن واصل الذي تغلَّب على فارس، وبين عبد الرحمن بن مُفْلِح، فكسره ابنُ واصل، وأسره، وقتل طاشتمر، واصطلم (٢) الجيش الذين (٣) كانوا معه، فلم يفلت منهم إلا اليسير. ثم سار ابنُ واصل إلى واسط يريد حرب موسى بن بُغَا، فرجع موسى بن بُغَا إلى باب السلطان، وسأل أن يعفى من نيابة بلاد المشرق؛ لما رأى من كثرة المتغلبين بها، فعُزل عنها، وولي ذلك أبو أحمد أخو الخليفة المعتمد. وسار أبو الساج لحرب الزَّنْج، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكسرتهم الزَّنْج، ودخلوا الأهواز فقتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها، وأحرقوا منازلهم. ثم صُرِف أبو الساج عن نيابة الأهواز وحَرْبِ الزَّنْج، وولِّي ذلك إبراهيم بن سيما. وتجهَّز مسرور البلخيّ في جيش لقتال الزنج أيضًا. وفيها: ولّي نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ، وكتب إليه بذلك في شهر رمضان منها. وفي شوَّال من هذه السنة قصد يعقوب بن الليث إلى ابن واصل، فالتقيا في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفلَّ عسكره، وأسر خاله (٤) وطائفة من حرمه، وأخذ من أمواله ما قيمته أربعون ألف ألف درهم، وقتل من كان يمالئه وينصره من أهل تلك البلاد، وأطَّد (٥) تلك الناحية، جزاه الله خيرًا. ولاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شوَّال من هذه السنة ولَّى المعتمدُ على الله ولدَه جعفرًا العهدَ من بعده، وسمَّاه المفوّض إلى الله، وولاه المغرب، وضمَّ إليه موسى بن بُغَا، وولاه إفريقيةَ، ومصر، والشام، والجزيرة، والموصل، وإرمينية، وطريق خُراسان وغير ذلك، وجعل الأمر من بعد جعفر إلى أبي أحمد بن المتوكل، ولقَبه الموفَّق بالله، وولاه المشرق، وضمَّ إليه مسرورًا البلخيَّ، وولاه بغداد، والسواد، والكوفة، وطريق مكّة والمدينة، واليمن، وكَسْكر، وكُور دجلة، والأهواز وفارس، وأصبهان، وقُمَّ، والكرخ، والدِّينَوَر، والرَّيّ، وزِنجان (٦)، والسِّند، وكُتب بذلك مكاتبات وقرئت في الآفاق، وعُلِّق منها نسخةٌ بالكعبة المعظمة.

стр. 5322

وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن إسحاق. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن سليمان الرُّهاوِيُ (١). وأحمد بن عبد الله العِجْليُّ (٢). والحسن بن أبي الشَّوارب، بمكّة (٣) وداود بن سليمان (٤) الجعفريّ. وشعيب بن أيُّوب (٥). وعبد الله بن الواثق، أخو المهتدي بالله. وأبو شعيب السوسي (٦).

стр. 5323

وأبو يزيد البِسْطَاميُّ، أحد أئمة الصوفية (١). وعليُّ بن إشكاب (٢)، وأخوه محمد (٣). ومسلم بن الحجَّاج، صاحب الصحيح؛ رحمهم الله تعالى. وهذا ذكر شيء من أخبار مسلم بن الحجَّاج (٤)، على سبيل الاختصار، ﵀ وأكرم مثواه مسلم بن الحجَّاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري، أحدُ الأئمة، من حفاظ الحديث، صاحبُ الصحيح الذي هو تلو الصحيح للبخاريّ عند أكثر العلماء. وذهب المغاربة وأبو علي النيسابوريّ، شيخ الحاكم النيسابوري من المشارقة، إلى تفضيل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"؛ فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، وأنَّه يسوق الأحاديث بتمامها في موضعٍ واحدٍ، ولا يقطِّعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب، فهذا القدر لا يوازي قوَّة أسانيد البخاري واختياره في الصحيح (٥) ما أورده في جامعه معاصرةَ الرَّاوي لشيخه، وسماعه منه في الجملة، فإنَّ مسلمًا لا يشترط في كتابه الشرط الثاني، كما هو مقرر في علوم الحديث (٦)، وقد بسطت ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنّة، في ترجمة الإمام البخاري، ﵀.

стр. 5324

والمقصود الآن أن مسلمًا رحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع من جماعةٍ كثيرين قد أوردهم شيخنا الحافظ المِزِّيُّ في تهذيبه (١)، مرتبين على حروف المعجم. وروى عنه جماعة كثيرون؛ منهم الترمذيُّ في "جامعه" حديثًا واحدًا وهو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ ، قال (٢): "أحصوا هلال شعبان لرمضان". وصالحُ بن محمد جَزَرَة، وعبدُ الرحمن بن أبي حاتم، وابنُ خُزَيْمة، وابنُ صاعد، وأبو عَوَانَة الإسفراييني. وقال الخطيب البغدادي (٣): أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبِّيُّ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، [قال]: سمعت أحمد بن سَلَمة، يقول: رأيت أبا زُرْعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وأخبرني ابن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيم، [قال]: سمعت الحسين بن محمد الماسرْجِسِيّ، يقول: سمعت أبي يقول: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج يقول: صنَّفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة (٤). وروى الخطيب (٥) قائلًا: حدثني أبو القاسم عبد الله (٦) بن أحمد بن علي السُّوذَرجاني بأصبهان، سمعت محمد بن إسحاق بن مَنْدَه، سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوريّ يقول: ما تحتَ أديم السَّماء أصحُّ من كتاب ابن الحجَّاج في علم الحديث. وقد ذُكِرَ مسلمٌ عند إسحاق بن راهَوَيْه فقال بالعجمية ما معناه: أيَّ رجل كان هذا (٧)؟!. وقال إسحاق بن منصور لمسلم: لن يَعْدَمَ الخيرُ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين (٨).

стр. 5325

وقد أثنى عليه جماعة من علماء أهل الحديث وغيرهم. وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم: قلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومُسْلمًا مما يثبتُ في الحديث (١). وروى الخطيب (٢)، عن أبي عمرو محمد بن حَمدان الحيريّ، قال: سألْتُ أبا العباس أحمد بن سعيد بن عُقْدَة الحافظ عن البُخاريِّ ومسلم: أيَّهما أعلمُ؟ فقال: كان البخاريُّ عالمًا، ومسلمٌ عالمًا، فكرَّرْتُ ذلك مرارًا وهو يردّ على هذا الجواب، ثم قال لي: يا أبا عمرو! قد يقَعُ للبخاري الغَلَطُ في أهل الشام، وذلك أنَّه أخَذَ كتبهم، فَنَظَر فيها، فربَّما ذكَرَ الواحدَ منهم بكُنْيَتِهِ، ويذكره في موضعٍ آخرَ باسْمِهِ، ويتوهَّم أنَّهما اثنان. وأمَّا مُسْلمٌ فقَلَّما يقَع (٣) له الغلَطُ؛ لأنه كتب المقاطيع والمراسيل. قال الخطيب (٤): إنما قفا مسلم طريقَ البخاري، ونظر في علمه، وحذا حَذْوَه. ولما ورد البخاريُّ نيسابورَ في آخر أمره، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه (٥). وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفيُّ، قال: سمعت أبا الحسن الدَّارقُطني يقول: لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء (٦). قال الخطيب (٧): وأخبرني أبو بكر المنكَدِر (٨)، حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو نصر (٩) بن محمد الزراد، سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون القصّار، سمعتُ مُسلمَ بن الحجَّاج، وجاء إلى محمّد بن إسماعيل البخاريّ، فقبَّل بين عينيه، وقال: دَعْني حتى أقبِّل رجليك يا أستاذَ الأستاذِين، وسيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديث في علله؛ حدثك محمد بن سلام، حدثنا مَخْلَدُ بن يزيد الحراني، حدثنا ابنُ جُرَيْج، عن موسى بن عُقبة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ

стр. 5326

في كَفَّارة المجلس (١)، فما عِلَّتُه؟ فقال البخاري: هذا حديثٌ مَلِيح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غيرَ هذا الحديث (٢)، إلا أنَّه معلولُ (٣)؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيْب، عن سُهَيْل، عن عون بن عبد الله قَوْلَه، قال البخاري: وهذا أولى، فإنَّه لا يُعرف لموسى بن عقبة سماعٌ من سُهيل. قلت: وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدة، وأوردت فيه طرقه وألفاظه ومتنه وعلله، ولله الحمد والمنة. قال الخطيب (٤): وقد كان مسلم يناضل عن البخاري، ثم ذكر ما وقع بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهليَّ في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور، وكيف نُودي على البخاري بسبب ذلك بنيسابور، وأنَّ الذُّهْليَّ قال يومًا لأهل مجلسه وفيهم مُسلم بن الحجَّاج: ألا مَنْ كان يقول بقول البخاري [في مسألة اللفظ] (٥) فليعتزِلْ مجلسنا؛ فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذُّهلي جميعَه وأرسل به إليه؛ وترك الرواية عن الذُّهْليِّ بالكلية، فلم يَرْوِ عنه شيئًا؛ لا في صحيحه ولا في غيره، واستحكمت الوحشة بينهما. هذا ولم يتركه البخاريُّ، بل روى عنه في صحيحه، وعَذَرَه، ﵀. وقد ذكر الخطيب (٦) سبب موت مسلم ﵀ أنَّهُ عُقد له مجلس للمذاكرة، فسئل يومًا عن حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، فأوقَدَ الشراج، وقال لأهله: لا يدخل أحدٌ الليلة عليُّ، وقد أهدِيَتْ له سلَّة من تمرٍ، فهي عنده يأكل تمرة ويكشف عن حديث، ثم يأكل أخرى ويكشف عن حديثٍ آخر، ولم يزل ذلك دأبه حتَّى أصبحَ وقد أكل تلك السلَّة وهو لا يشعر. فحصل له بسبب ذلك ثقلٌ ومرضٌ من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الإثنين لخمس بَقِين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، وذلك بنيسابور، وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعيُّ، سنة أربع ومئتين، وكان عمره سبعًا وخمسين سنة؛ رحمه الله تعالى. أبو يزيد البَسْطَامي (٧): طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن على، أحدُ مشايخ الصوفية، وكان جده

стр. 5327

مجوسيًا فأسلم، وكان لأبي يزيد أخوان صالحان عابدان، وهو أجلُّ منهما؛ وقد قيل له: بأيِّ شيءَ وصلتَ إلى هذه المعرفة؟ فقال: ببطنٍ جائع، وبدنٍ عارٍ. وكان يقول: دعوْتُ نفسي إلى طاعة الله فلم تجبْني، فمنعتها الماء سنةً. وقال أيضًا: إذا نَظَرْتُم إلى الرجل قد أُعطِي من الكَرَامات حتَّى يرتفع في الهواء، فلا تغْترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنَّهْي وحفظ الحدود وأداء الشريعة (١). قال القاضي ابن خلكان (٢): وله مقامات كثيرة، ومجاهدات مشهورة، وكرامات ظاهرة. وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومئتين؛ ﵀. قلت: وقد حُكِي (٣) عنه كلمات فيها شطح، وقد تكلَّم كثير من العلماء من الصوفيّة والفقهاء عليها؛ فمِن متأوَّل على المحامِل البعيدة، أو قائل: إن هذا قاله في حال الاصطلام (٤) والشُّكر؛ ومن مبتدعٍ ومخطئ، والله أعلم. ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومئتين فيها قدم يعقوب بن الليث في جحافِل، فدخل واسط قهرًا، فخرج الخليفة المعتمد بنفسه من سامُرَّا لقتاله، فتوسَّط بين بغداد وواسطَ، فانتدب له أبو أحمد الموفّق بالله أخو الخليفة، في جيشٍ عظييم، على ميمنته موسى بن بُغا، وعلى ميسرته مسرور البلخيُّ، فاقتتلوا في رجب من هذه السنة أيامًا قتالًا عظيمًا هائلًا، ثم كانت الغلبة على يعقوب وأصحابه، وذلك يوم عيد الشعانين، فقتل منهم خلق كثيرون، وغنم منهم أبو أحمد شيئًا كثيرًا من الذهب والفضة والمسك والدواب. ويقال: إنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا راياتٍ عليها صلبان. ثم انصرف المعتمد إلى المدائن، ورَدَّ محمد بن طاهر إلى نيابة بغداد، وأمر له بخمسمئة ألف درهم.

стр. 5328

وفيها: غلب يعقوب بن الليث على بلاد فارس، وهرب ابنُ واصل منها. وفيها: كانت حروب كثيرة بين صاحب الزَّنْج وجيش الخليفة. وفيها: ولي القضاءَ عليُّ بن محمد بن أبي الشوارب. وفيها: جمع للقاضي إسماعيل بن إسحاق قضاء جانبي بغداد. وحَجَّ بالناس الفضلُ بن إسحاق العباسيّ. قال ابن جرير (١): وفيها وقع بين الحنَّاطين والخرَّازين (٢) بمكة قتال، فاقتتلوا يوم التَّروية أو قبلها بيوم، فقتل منهم سبعة عشر نفسًا، وخاف الناس أن يفوتهم الحجُّ بسببهم، ثم توادعوا إلى ما بعد الحجّ. وممن توفي فيها من الأعيان: صالح بن عليّ بن يعقوب بن المنصور (٣)، في ربيع الآخر منها. وعُمَرُ بنُ شَبَّة النُّميريّ (٤). ومحمد بن عاصم (٥). ويعقوب بن شَيْبة (٦)، صاحب المسند الحافل المشهور. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئتين فيها جرت حروبٌ كثيرة منتشرة في بلادٍ شتَّى؛ فمن ذلك مقتلةٌ عظيمةٌ في الزَّنْج، قبَّحهم الله، حصرهم في بعض المواقف بعضُ الأمراء من جهة الخليفة، فقتَلَ الموجودين عنده عن آخرهم، ولله الحمدُ والمنة.

стр. 5329

وفيها: سلَّمت الصقالبةُ حصنَ لؤلؤة إلى طاغية الروم، لعنه الله. وفيها: تغلَّب أخو شركب الجمّال على نيسابور، وأخرج منها عاملها الحسين بن طاهر، وأخذ من أهلها ثلث أموالها مصادرةً، قبَّحه الله. وحجَّ بالناس فيها الفضلُ بن إسحاق العباسي. وممن توفي فيها من الأعيان: مُسَاور بن عبد الحميد الشاري الخارجي (١): وقد كان من الأبطال المذكورين والشجعان المشهورين، والتفَّ عليه خلق من الأعراب وغيرهم، وطالت مدَّتُه حتَّى قصمه الله. ووزير الخلافة عبيد الله بن يحيى بن خاقان (٢): صدمه في الميدان خادم، يقال له: رشيق، فسقط عن دابته على أمِّ رأسه، فخرج دماغه من أذنيه وأنفه، فمات بعد ثلاث ساعات، وصلَّى عليه أبو أحمد الموفَّق بن المتوكل، ومشى في جنازته، وذلك يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذي القعدة من هذه السنة. واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فلمَّا قدم موسى بن بُغَا سامُرَّا عزلَه واستوزر مكانه سليمان بن وهب، وسلَّمت دار عُبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الأمير المعروف بكَيْغَلَغ. وأحمد بن الأزْهر (٣). والحسن بن أبي الرَّبيع (٤). ومعاوية بن صالح الأشعريّ (٥). ثم دخلت سنة أربع وستين ومئتين في المحرم منها عسكر أبو أحمد وموسى بن بُغَا بسامُرَّا، وخرجا منها لليلتين مضتا من صفر، وخرج

стр. 5330

المعتمد لتوديعهما، وسارا، فلما سارا (١) إلى بغداد، توفي الأمير موسى بن بُغَا بها، وحُمِلَ إلى سامُرَّا، ودُفِنَ بها. وفيها: وُلِّي (٢) محمّد المولَّد واسطًا؛ فحاربه سليمان بن جامع نائبُها من جهة الخبيث صاحبِ الزَّنْج، فهزمه محمّد المولّد بعد حروب طويلة بينهما. وفيها سار ابنُ الدَّيْراني إلى مدينة الدِّينَوَر، فاجتمع عليه دُلَف بن عبد العزيز بن أبي دُلَف وابنُ عياض، فهزماه ونهبا أمواله، ورجع (٣) مفلولًا. ولما توفي موسى بن بُغا عزل الخليفة المعتمد الوزيرَ الذي كان من جهته وهو سليمان بن وهب (٤)، وحبسه مقيّدًا، وأمر بنهب دوره ودور أقربائه، وردَّ الحسن بن مخلد إلى الوزارة، فبلغ ذلك أبا أحمد وهو ببغداد، فسار بمن معه إلى سامُرَّا، فتحصَّن منه أخوه المعتمد بجانبها الغربيّ، فلمَّا كان يوم التروية عبر جيش أبي أحمد إلى الجانب الذي فيه المعتمد، فلم يكن بينهم قتالٌ، بل اصطلحوا على ردَّ سليمان بن وهب إلى الوزارة، وهَرَبَ الحسنُ بن مخلد، فنهبت أمواله وحواصله، واختفى أبو موسى بن المتوكِّل، ثم ظهر. وهرب جماعة من الأمراء إلى الموصل خوفًا من أبي أحمد (٥). وحجَّ بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ الكوفيّ. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب (٦). وإسماعيل بن يحيى المُزَنيّ (٧)، أحد رواة الحديث (٨) عن الشافعي، من أهل مصر، وقد ترجمناه في

стр. 5331

طبقات الشافعيين (١)، وترجمه ابن خلكان (٢) في الوفيات أيضًا، فأحسن وأطنب وأطيب. وأبو زُرْعَة (٣): عُبَيْد الله بن عبد الكريم الرَّازي، أحد الحفاظ المشهورين، قيل: إنه كان يحفظ سبعمئة ألف حديث، وكان فقيهًا ورعًا زاهدًا عابدًا خاشعًا متواضعًا، أثنى عليه أهل (٤) زمانه، وشهدوا له بالتقدّم على أقرانه. وكان في حال شبيبته إذا اجتمع بأحمد بن حنبل للمذاكرة، يقتصر أحمد على الصَّلوات المكتوبات، ولا يفعل المندوبات، اكتفاءً بالمذاكرة. وكانت وفاته يوم الإثنين سلخ ذي الحجة من هذه السنة، وكان مولده سنة مئتين، وقيل: سنة تسعين ومئة، وقد ذكرنا ترجمته مبسوطة في التكميل. ومحمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة، قاضي دمشق (٥). ويُونس بن عبد الأعْلى الصَّدَفي المصريّ (٦)، ممن روى عن الشافعيّ أيضًا؛ وقد ذكرناه في "التكميل" وفي "الطبقات". وقبيحة أمُّ المعتز (٧): إحدى حظايا المتوكل على الله، جمعت من الجواهر واللآلئ والذهب والمصاغ ما لم يعهد لمثلها. ثم سُلِبت ذلك كلّه، وقتل ولدها المعتزّ، وشحَّتْ عليه بخمسين ألف دينار تداري بها عنه، وكانت وفاتها في ربيع الأول من هذه السنة. ثم دخلت سنة خمس وستين ومئتين فيها كانت وقعة بين ابن لَيثَوَيْهِ عامل أبي أحمد على جُنْبُلاء (٨)، وبين سليمان بن جامع، ظفر فيها ابنُ ليثَوَيْهِ بابن جامع الذي من جهة الخبيث صاحبِ الزَّنْج، فقتل خلقًا من أصحابه، وأصاب منهم

стр. 5332

سبعة وأربعين أميرًا، وحرف له مراكبَ كثيرة، وغنم منهم أموالًا جزيلة، ولله الحمد والمنة. وفي المحرم من هذه السنة حاصر أحمد بن طولون نائبُ الديار المصرية مدينة أنطاكية، وفيها سيما الطويل؛ فأخذها فلم يزل [حتى افتتحها بعد حروب يطول ذكرها، وقتل سيما المذكور، وأقام بها حتى] (١) جاءته هدايا ملك الروم، وفيها جماعة أسارى من المسلمين، مع كل أسيرٍ مصحف، ومنهم عبد الله بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور، فاجتمع لأحمد بن طولون مُلْكُ الشام بكماله مع الدّيار المصرية، لأنه لما مات نائبُ دمشق أماخور (٢) ركب ابن طولون من مصر فتلقاه ابن أماخور إلى الرملة، فأقره عليه، وسار إلى دمشق، فدخلها، ثم إلى حمص فتسلمها، ثم إلى حلب فاستحوذ عليها، ثم ركب إلى أنطاكية فكان من أمره ما فرغ من ذكره. وكان أحمد بن طولون قد استخلف على الديار المصرية ابنَه العباس، فلما بلغه قدومُ أبيه عليه، أخذ ما كان في بيت المال من الحواصل، ووازره جماعة على ذلك، فصاروا إلى بَرْقة، خارجًا عن طاعة أبيه، فبعث إليه من أخذه ذليلًا حقيرًا، وردُّوه إلى مصرَ، فحبسه، وقتلَ جماعة من أصحابه (٣). وفيها: خرج (٤) رجل يقال له: القاسم بن مهاة على دُلَف بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العجلي، فقتله، واستحوذ على أصبهان. فانتصر أصحاب دُلَف له، فقتلوا القاسم هذا، ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز. وفيها: لحق محمد المولَّد بيعقوب بن الليث، فصار إليه في المحرم منها، فأمر السلطان بنهب أمواله وحواصله وأملاكه وضياعه. وفيها: دخل صاحبُ الزَّنج إلى النُّعْمَانِيَّة (٥)، فقتل وحرف، ثم سار إلى جَرْجَرَايا (٦)، فانزعج الناس، ودخل أهلُ السَّواد إلى بغداد، فلجؤوا إليها محصورين. وفيها: ولَّى أبو أحمد عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسِجستان وكرمان والسند، ووجّه إليها بذلك، وبالخلع والتُّحف.

стр. 5333

وفيها: حاصرت الزَّنْج تُسْتَر (١) حتى كادوا يفتحونها، فوافاهم تكين البخاريّ، فلم يضع ثياب سفره حتَّى ناجز الزَّنْج فهزمهم هزيمة فظيعة منكرة جدًّا، وقتل منهم خلقًا لا يحصون كثرة، وهرب أميرُهم عليُّ بن أبان المهلبيّ مفْلولًا (٢) مخذولًا مدحورًا؛ قال ابنُ جرير (٣): وهذه وقعة مادمودك (٤) المشهورة. ثم إن عليّ بن أبان المهلبيّ أخذ في مكاتبة تكين واستمالته إليه، وإلى صاحب الزَّنج، فشرع تكين في الإجابة إلى ذلك، فبلغ مسرورًا البلخيّ، فسار نحوه، وأظهر له الأمان حتى أخذه، فقيَّده، وتفرَّق جيشه عنه، ففرقة صارت إلى الزَّنج، وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردفي، وفرقة انضافت إلى مسرور البلخيّ بعد إعطائه إياهم الأمان، وولَّى مكانه على عمالته أميرًا آخر يقال له: أغرتمش. وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسيّ. توفي فيها من الأعيان: أحمد بن منصور الرَّماديّ (٥)، راوية عبد الرزاق، وقد صحب الإمام أحمد، كان يُعدُّ من الأبدال، عن ثلاث وثمانين سنة. وسَعْدان بن نصر (٦). وعبد الله بن محمد المُخَرِّمِيّ (٧). وعليّ بن حرب الطائي الموصليّ (٨). وأبو حفص النَّيسابوريّ (٩).

стр. 5334

وعليّ بن موفق الزاهد (١). ومحمد بن سَحْنون (٢). قال ابن الأثير في كاملة (٣): وفيها: قُتِلَ أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي، صاحبُ أبي عبيدة والأصمعيّ، قتلته الزَّنْج بالبصرة. ويعقوب بن الليث الصَّفَّار (٤): أحد الملوك العقلاء الأبطال، فتح بلادًا كثيرة؛ ومن ذلك بلد الرُّخَّج (٥) التي كان بها ملكٌ يُحمل في سرير من ذهب على رؤوس اثني عشر رجلًا، وكان له بيت في رأس جبل عالٍ سمَّاه مكة، فما زال حتَّى قتله وأخذ بلده، وأسلم أهلُها على يديه، ولكن كان قد خرج عن طاعة الخليفة وقاتله أبو أحمد الموفق كما تقدم. ولما مات ولّوا أخاه عمرو بن الليث ما كان يليه أخوه يعقوب، مع [شرطة] (٦) بغداد وسامُرّا، كما سيأتي. ثم دخلت سنة ست وستين ومئتين في صفر منها تغلَّب أساتكين على بلد الرَّيّ، وأخرج عاملَها منها، ثم مضى إلى قَزْوين، فصالحه أهلُها [فدخلها] (٧) وأخذ منها أموالًا جزيلة، ثم عاد إلى الرّيّ، فمانعه أهلُها عن الدخول إليها، فقاتلهم ودخلها قهرًا. وفيها: أغارت سريّة من الرّوم على ناحية دِيار ربيعة، فقتلوا ومثّلوا، وسلبوا نحوًا من مئتين وخمسين

стр. 5335

أسيرًا، فنفر إليهم أهلُ نَصيبين وأهلُ الموصل، فهربت منهم الرّوم ورجعوا إلى بلادهم، لعنهم الله. وفيها: ولّى عمرو بن الليث شرطة بغداد وسامُرَّا لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وبعث إليه أبو أحمد بالخلعة، وخلع عليه عمرو بن الليث أيضًا، وأهدى إليه عمودين من ذهب، وذلك مضافًا إلى ما كان أخوه يليه من البلدان. وفيها: سار أغرتمش لقتال عليّ بن أبان المهلبي، فاجتاز (١) بِتُسْتَر، فأخذ من كان في السّجن من أصحاب عليّ بن أبان المهلبي من الأمراء، فقتلهم عن آخرهم، ثم سار إلى علي بن أبان، فاقتتلا قتالًا شديدًا في مرّات عديدة، كانت آخرًا لعليّ بن أبان المهلبيّ، قتل خلْقًا من أصحاب أغرتمش، وأسر بعضهم فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الخبيث صاحب الزّنج، فنصب رؤوسهم على سور مدينته، قبّحه الله. وفيها: وثب أهلُ حمص على عاملهم عيسى الكرخيّ، فقتلوه في شوّال منها. وفيها: دعا الحسنُ بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر العقيقيُّ أهلَ طبرستان إلى نفسه، وأظهر لهم أن الحسن بن زيد قد أُسِر، ولم يبقَ مَنْ يقوم بهذا الأمر غيرُه، فبايعوه. فلمَّا بلغ ذلك الحسن بن زيد قصده، فقاتله فقتله، ونهب أموال من اتَّبعه وحرق دورهم. وفيها: وقعت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفريّة والعَلويّة، وتغلب عليها رجل (٢)، من أهل البيت من سلالة الحسن بن زيد الذي تغلَّب على طَبَرستان، وجرت شرور كثيرة هنالك بسبب قتل (٣) الجعفريّة والعَلَويّة، يطول ذكرها (٤). وفيها: وثبت طائفة من الأعراب على كُسوة الكعبة، فانتهبوها. وصار (٥) بعضها إلى صاحب الزّنج، وأصاب الحجيجَ منهم شدَّة عظيمةٌ، وبلاءٌ شديد. وفيها: أغارت الروم أيضًا على ديار ربيعة. وفيها: دخل أصحابُ صاحب الزّنج إلى رَامَهُرْمُز، فافتتحوها بعد قتال طويل. وفيها: دخل ابنُ أبي الساج مكّة، فقاتله ابن المخزومي (٦)، فقهره ابنُ أبي الساج، وحرق داره، واستباح أمواله، وذلك يوم التروية من هذه السنة. وقد جعل إلى ابن أبي الساج إمرة الحرمين من جهة الخليفة.

стр. 5336

وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد المتقدّم ذكره قبلها. وفي هذه السنة عمل محمد بن عبد الرحمن الداخل - خليفةُ الأندلس وبلاد المغرب - مراكبَ في نهر قُرطُبة؛ ليدخل بها إلى البحر المحيط، لتسير الجيوش في أطرافه إلى بعض البلدان ليقاتلوهم، فلمَّا دخلت المراكبُ البحرَ المحيط تكسَّرت وتقطعت ولم ينجُ من أهلها إلا اليسير، وغرق أكثرهم (١). وفيها: التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم ببلاد صِقِلِّيَة، فاقتتلوا، فقتل من المسلمين خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: حارب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون لموسى بن أتامش فكسر جيشه، وأسره لؤلؤ، وبعث به إلى مولاه أحمد بن طولون نائب الشام ومصر وإفريقية من جهة الخليفة. ثم اقتتل لؤلؤ هذا وطائفة من الزوم فقتَلَ من العدوّ خلقًا كثيرًا. قال ابن الأثير (٢): وفيها: اشتدَّ الحال وضاق الناس ذرعًا بكثرة الهيج، وتغلَّب القواد والأجناد على كثير من البلاد بسبب ضعف الخليفة المعتمد على الله، واشتغال أخيه أبي أحمد بقتال الزّنج. قال (٣): وفيها: اشتدَّ الحرُّ في تشرين الثاني جدًّا، ثم قوي به البرد حتَّى جَمَدَ الماء. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن أورمَة (٤). وصالح ابن الإمام أحمد (٥)، قاضي أصبهان. ومحمد بن شُجَاع الثَّلْجي (٦)، أحدُ [عبَّاد] (٧) الجهميّة.

стр. 5337

ومحمد بن عبد الملك الدَّقِيقيُّ (١). ثم دخلت سنة سبع وستين ومئتين فيها وجَّه أبو أحمد الموفّق ولده أبا العباس في نحوٍ من عشرة آلاف فارس وراجل في أحسن هيئة وأكمل تجمّل؛ لقتال الزَّنج، فساروا نحوهم، فكان بينهم من القتال والنزال في أوقات متعددات ووقَعات مشهورات ما يطول بسطه، وقد استقصاه الإمام أبو جعفر بنُ جرير، ﵀، في "تاريخه" (٢) مبسوطًا. وحاصل ذلك: أنه آل الحال وانتهى الحرب والجدال إلى أن استحوذ أبو العباس بن الموفّق على ما كان استولى عليه الزّنج ببلاد واسط وأراضي دِجْلة، هذا وهو شاب حَدَث لا خبرة له بالحرب، ولكن سلَّمه الله وغنَّمه وأعلى كلمته، وسدَّد رميته، وأجاب دعوته، وفتح على يديه، وأسبغ نعمه عليه، وهذا الشاب هو الذي ولي الخلافة بعد عمِّه المعتمد، ولقب بالمعتضد، كما سيأتي. ثم ركب أبو أحمد الموفّق ناصرُ دين الله من بغداد في صفر من هذه السنة في جيوش كثيفة، فدخل واسط في ربيع الأول منها، فتلقاه ابنه فأخبره عن الجيوش (٣) الذين معه، وما تحمَّلوا من أعباء الجهاد، فخلع عليه وعلى الأمراء كفهم خِلَعًا سنيّةً، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزَّنج وهو بالمدينة التي أنشأها وسمَّاها المنيعة، فقاتلوا دونها قتالًا شديدًا (٤)، فقهرهم، ودخلها عنوةً، وهربوا منها، فبعث (٥) في آثارهم جيشًا، فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون. وغنم أبو أحمد من المدينة شيئًا كثيرًا، واستنقذ من النساء المسلمات خمسةَ آلاف امرأةٍ، وأمر بإرسالهن إلى أهاليهن (٦) بواسط، ثم أمر بهدم سور البلد، وطمِّ خندقها وجعلها بَلْقَعًا (٧) بعدما كانت للبشر (٨) مجمعًا، وعادت يبابًا (٩) بعدما كانت للخبيث جَنَابًا.

стр. 5338

ثم سار الموفّق إلى المدينة التي يقال لها: المنصورة، من إنشاء الزَّنج أيضًا، بها سليمان بن جامع، فحاصرها، وقاتلوه دونها، فقُتِلَ خلْقٌ كثير من الفريقين، ورَمَى أبو العباس بن الموفّق أحمد بن هندي بسهمٍ، فأصابه في دماغه فقتله، وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج، فشقَّ ذلك عليه جدًّا، وأصبح الناس هحاصرين مدينة الزَّنْج، وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر، والجيوش الموفَّقيَّة مرتَّبة أحسن الترتيب، فتقدَّم الموفق، فصلَّى أربع ركعات، وابتهل إلى الله في الدعاء، واجتهد في حصارها، فهزم اللهُ مقاتلتها، وانتهى إلى خندقها فإذا هو قد حُضن غاية التحصين، وإذا قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سورًا قاتلوه دون الآخر، فيقهرهم ويجوز إلى الذي يليه، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلْقًا كثيرًا، وهرب بقيَّتُهم، وأسر من نساء الزنج ومن حلائل سليمان بن جامع وذويه نساء (١) كثيرًا وصبيانًا، واستنقذ من أيديهم من النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة [وواسط] (٢) نحوًا من عشرة آلاف نسمة، فسيَّرهم إلى أهاليهم، جزاه (٣) الله خيرًا. ثم أمر بهدم فنادقها وأسوارها وردم خنادقها وأنهارها، وأقام بها سبعة عشر يومًا، وبعث في آثار من انهزم من الزنج، فكان لا يؤتى بأحدٍ منهم إلا استماله إلى الخير برفقٍ ولينٍ وصفحٍ، وأضافه إلى بعض الأمراء، وكان مقصوده رجوعهم إلى الحقّ. ثم ركب إلى الأهواز، فأجلاهم عنها، وطردهم منها، وقتل خلْقًا كثيرًا من أشرافهم؛ منهم: أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري، وكان رئيسًا فيهم مطاعًا. وغنم شيئًا كثيرًا من أموالهم، وكتب الموفّق إلى صاحب الزَّنج - قبَّحه الله - كتابًا يدعوه إلى التوبة والإنابة مما ارتكبه من المآثم والمظالم والمحارم ودعوى النبوّة والرسالة وخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال، ويبذل له الأمان إن هو رجع إلى الحقّ، فلم يردّ عليه صاحبُ الزّنج جوابًا. ذكر مسيرة أبي أحمد الموفّق إلى المدينة التي فيها صاحب الزَّنج وهي المختارة ليحاصرها لمَّا كتب أبو أحمد إلى صاحب الزَّنْج يدعوه إلى الحقِّ فلم يجبه، استهانة به، ركب في جيوشٍ عظيةٍ قريب من خمسين ألف مقاتل، قاصدًا إلى مدينته التي أنشأها وسمَّاها المختارة، فلما انتهى إليها وجدها في غاية الإحكام، وقد حوط عليها من آلات الحصار شيئًا كثيرًا، وقد التفَّ على صاحب الزَّنج

стр. 5339

نحو من ثلاثمئة ألف مقاتل بسيفٍ ورمح ومقلاع، ومن يكثر سوادهم، فقدَّم الموفّق ولدَه أبا العباس بين يديه، فتقدَّم حتى وقف تحت قصر الملك، فحاصره محاصرة لم ير مثلها، وتعجبت الزَّنج من إقدامه وجرأته مع صغر سنه وحداثة عمره، فتراكمت الزنوج عليه من كلِّ مكان، فهزمهم، وأثبت بهبوذ أكبر أمرائه بالسهام والحجارة، ثم خامرت (١) جماعة من أمراء صاحب الزَّنج وأجناده إلى الموفّق، فأكرمهم وأعطاهم خِلَعًا سنية، فرغب إلى ذلك جماعة كثيرون منها، فصاروا إليه. وركب أبو أحمد في يوم النصف من شعبان ونادى في الناس كلِّهم بالأمان إلا صاحب الزَّنج، فتحوَّل خلْق من جيشه إلى أبي أحمد، ولله الحمد. وابتنى الموفّق تجاه مدينة صاحب الزَّنج مدينة سمَّاها الموفَّقيَّة، وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها، فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في بلدٍ قبلها، وعظم شأنها. وإنَّما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزَّنج، ثم جرت بينهم حروب عظيمة، وما زالت الحرب ناشبةً بينهم حتَّى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون [لبلد] (٢) الخبيث ومن فيه، وقد تحول منهم خلْق كثير فصاروا على صاحب الزَّنج بعد أن كانوا معه، بلغ عددهم قريبًا من خمسين ألفًا من الأمراء الخواص والأجناد، والموفَّق وأصحابه ولله الحمد في ازدياد وقوة وظفر ونصر. وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. وممن توفي فيها من الأعيان: إسماعيل بن سَمُّويَه (٣). وإسحاق بن إبراهيم، شاذان (٤). وبحر (٥) بن نَصْر الخَوْلانيّ. وعباس التُّرْقُفيّ (٦).

стр. 5340

ومحمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرئ (١)، صاحب خلف بن هشام البزَّار، ببغداد، في ربيع الأول. ومحمد بن عُزَيز الأيلي (٢). ويحيى بن محمد بن يحيى الذُّهْليّ، حَيْكان (٣). ويونُس بن حَبيب (٤)، راوي مسند أبي داود الطيالسيّ عنه. ثم خلت سنة ثمان وستين ومئتين في المحرم منها استأمن جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجَّان - وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج وثقاتهم في أنفسهم - ففرح به الموفّق، وخلع عليه وأمَّره، فركب في سمريه، فوقف تجاه قصر الملك، فنادى في الناس وأعلمهم بكذب صاحب الزَّنج وفجوره، وأنه في غرورٍ هو ومَن اتبعه، فاستأمن بسبب ذلك بشرٌ كثيرٌ منهم، وبرد قتال الزَّنج إلى ربيع الآخر، فعند ذلك أمر الموفّق أصحابَه بمحاصرة السور، وأمرهم إذا نقبوه أن لا يدخلوا البلد حتى يأمرهم، فنقبوا البلد، وانثلم السور، وعجلوا فدخلوا، فقاتلهم الزَّنج فهزمهم المسلمون، وتقدَّموا إلى وسط المدينة، فجاءتهم الزَّنج من كلِّ جانب، وخرجت الكمناء من أماكن لا يهتدون إليها، فقتلوا من المسلمين خلْقًا واستلبوهم، وفرَّ الباقون، فلامهم أبو أحمد على مخالفته في (٥) العجلة، وأجرى الأرزاقَ على ذريَّة مَن قُتِلَ منهم، فحسن ذلك عند الناس جدًّا.

стр. 5341

وظفر أبو العباس بجماعةٍ من الأعراب وغيرهم كانوا يجلبون الطعام إلى الزَّنج فقتلهم، وظفر ببهبوذ بن عبد الوهاب فقتله، وكان ذلك من أكبر الفتح عند المسلمين، وأعظم الرزايا عند الزَّنج، ولله الحمد. وبعث عمرو بن الليث إلى أبي أحمد الموفّق ثلاثمئة ألف دينار وخمسين مَنَّا (١) من مسكٍ، وخمسين مَنًّا مَن عنبر، ومئتي مَنٍّ عودًا، وفضة بقيمة مئة ألف دينار، وثيابًا من وشي، وغلمانًا كثيرة جدًّا (٢). وخرج ملك الروم المعروف بابن الصّقْلبيّة، فحاصر أهل مَلَطْيَة، فأعانهم أهلُ مَرْعش (٣)، ففرَّ الخبيث خاسئًا. وغزا الصائفة من ناحية الثغور (٤) عاملُ ابن طولون، فقتل من الرّوم سبعة (٥) عشر ألفًا. وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمي. وقتل أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيّ (٦). وتوفي فيها من الأعيان: أحمد بن سيَّار (٧). وأحمد بن شَيبان (٨). وأحمد بن يونس الضَّبِّيّ (٩).

стр. 5342

وعيسى بن أحمد البَلْخيّ (١). ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ (٢)، الفقيه المالكي، وقد صحب الشافعيُّ وروى عنه. ثم دخلت سنة تسع وستين ومئتين في هذه السنة اجتهد الموفق وفقه الله، في تخريب سور مدينة صاحب الزَّنْج، فخرب منه (٣) شيئًا كثيرًا، وتمكن الجيوش من العبور إلى البلد، ولكن جاءه في أثناء هذه الحالة سهمٌ في صدره من يد رجلٍ رومي يقال له: قرطاس، فكاد يقتله، ولكن اضطرب لذلك وهو يتجلّد، ويحضر القتال مع ذلك، وأقام ببلده الموفّقية أيامًا يتداوى، واضطربت الأحوال وخاف الناس جدًّا من صاحب الزَّنْج، وأشاروا على الموفق بالمسير إلى بغداد، فلم يقبل، وقويت علَّته، ثم منَ الله عليه بالعافية في شعبان، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، فنهض مسرعًا إلى الحصار، فوجد الخبيثَ قد رمَّم كثيرًا مما كان هدم الموققُ، فأمر بتخريبه وما حوله وما قرب منه، ثم لازم الحصار، وما انفك حتَّى فتح المدينة الغربية، وخرّب قصور صاحب الزَّنج ودورَ أمرائه، واستلب من أموالهم شيئًا كثيرًا مما لا يُحدُّ ولا يوصف كثرة، وأسر من نساء الزَّنج، واستنقذ من نساء المسلمين وصبيانهم خلْقًا كثيرًا، فأمر بردّهم إلى أهاليهم مكرمين، وقد تحوَّل صاحبُ الزَّنج إلى الجانب الشرقي، وعمل الجسر والقناطر الحائلة بينه وبين وصول السمريات إليه، فأمر الموفّقُ بتخريبها وقطع الجسور، واستمرَّ الحصار في هذه السنة، وما برح حتَّى تسلَّم الجانب الشرقيّ، واستحوذ على حواصله وأمواله، وفرَّ الخبيثُ ذاهبًا وكرَّ هاربًا، وترك حلائله وأولاده وحواصله، فأخذها الموفق ولله الحمد والمنة، وشرحُ ذلك كلّه يطول جدًّا؛ وقد حرره مبسوطًا ابنُ جرير (٤)، ولخصه ابنُ الأثير (٥)، واختصره ابن كثير (٦)، والله الموفّق للصواب وإليه المرجع والمآب. ولما رأى الخليفة المعتمد أن أخاه قد استحوذ على أمور الخلافة وصار هو الحاكم الآمر الناهي،

стр. 5343

الذي إليه تجلب الأموال ويحمل الخراج، وهو الذي يولِّي ويعزل، كتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه ذلك، فكتب إليه أن يتحوَّل إلى عنده ببلاد مصر، ووعده النصر والقيام معه. فاستغنم غيبة أخيه الموفّق، وركب في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد، وقد أرصد له أحمد بن طولون جيشًا بالرقة يتلقَّونه، فلمَّا اجتاز الخليفةُ بإسحاق بن كنداج نائب الموصل وعامة الجزيرة اعتقله عنده عن المسير، وقيَّد أعيان الأمراء الذين معه، وعاتَبَ الخليفة ولامَهُ على هذا الضنيع أشدَّ اللوم، ثم ألزمه العَودَ إلى سامُرّا ومَنْ معه من الأمراء، فرجعوا إليها في غاية الإهانة والمذلَّة. ولمَّا بلغ ذلك الموفّق شكر سعي إسحاق، وولاه جميعَ أعمال أحمد بن طولون إلى أقصى بلاد إفريقية، وكتب إلى أخيه أن يلعن ابن طولون في دار العامّة، فلم يمكن المعتمد إلا إجابته إلى ذلك، وهو كاره، وكان ابن طولون قد قطع من الخطبة ذكر الموفّق، وأسقط اسمه عن الطرازات. وفي ذي القعدة وقعت فتنة بمكّة بين أصحاب الموفّق وأصحاب ابن طولون، فقُتِلَ من أصحاب ابن طولون مئتان وهرب بقيتهم، واستلبهم أصحاب الموفّق شيئًا كثيرًا (١). وفي هذه السنة قطع الأعراب على الحجيج الطريقَ وأخذوا منهم خمسةَ آلاف بعير بأحمالها. وفيها توفي: إبواهيم بن مُنْقِذ الكِناني (٢). وأحمد بن خلاد (٣)، مولى المعتصم، وكان من دعاة المعتزلة، أخذ الكلام عن جعفر بن معشر المعتزلي. وسليمان بن حفص المعتزليّ (٤)، صاحب بشر المَرِيسيّ، وأبي الهُذَيل العلاف. وعيسى بن الشيخ بن السّليل الشيباني (٥)، نائب إرمينية، وديار بكر. وأبو فروة يزيد بن محمد الرُّهاوي، أحد الضعفاء (٦).

стр. 5344

سنة سبعين ومئتين من الهجرة فيها كان مقتل صاحب الزَّنج قبَّحه الله؛ وذلك أن الموفَّق لمَّا فَرَغَ من شأن مدينة صاحب الزَّنج المختارة، واحتاز ما كان بها من الأموال، وقتل من كان بها من الرجال، وسبَى مَن وجد فيها من النساء والأطفال، وقد هرب الخبيث عن حومة الجلاد والنزال، وسار إلى بعض البلاد طريدًا شريدًا بشرِّ حال، عاد الموفَّق وفقه الله، إلى مدينته الموفّقية مؤيدًا منصورًا، وقدم عليه لؤلؤ غلامُ أحمد بن طولون منابذًا لسيده، سامعًا مطيعًا لأبي أحمد الموفّق، فكان وروده عليه في ثالث المحرم من هذه السنة، فأكرمه وعظَّمه، وأعطاه وخلع عليه وأحسن إليه، وبعثه طليعة بين يديه لقتال صاحب الزَّنج، وركب هو في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه، فقصد الخبيثَ وقد تحصَّن ببلدة أخرى، فلم يزل به محاصرًا له حتى أخرجه منها ذليلًا وهو صاغر، واستحوذ هو على ما كان بها من الأموال والمغانم، ثم بعث السّرايا وراءه، فأسروا عامّةَ مَنْ كان قد صحبه من خاصته وجماعتهم؛ منهم سليمان بن جامع، فاستبشر الناس بأسره، وكبَّروا فرحًا بالنصر والفتح، وحمل الموفَّق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث، فاستحرَّ. فيهم القتل، وما انجلت الحرب حتى جاءه البشير بقتل الخبيث صاحبِ الزَّنج في المعركة، وأتي برأس الخبيث مع غلام للؤلؤ؛ فتى أحمد بن طولون، فلمَّا تحقق الموفق أنه رأسه، بعد شهادة الأمراء الذين كانوا من أصحابه بذلك، خرَّ لله ساجدًا، ثم انكفأ راجعًا إلى الموفَّقية، ورأسُ الخبيث يُحمل بين يديه، وسليمانُ معه أسير، فدخل البلدَ وهو كذلك، فكان يومًا مشهودًا، وفرح المسلمون بذلك في المشارق والمغارب، ثم جيء بأنكلاي ولدِ صاحب الزَّنج، وأبان بن عليّ المهلبيّ، مسعر حربهم، مأسورين، ومعهما قريبٌ من خمسة آلاف أسير، فتمَّ السرورُ، وهرب قرطاس الذي رمى الموفَّق في صدره بذلك السهم، إلى رامهرمز، فأخِذَ، وبُعث به إلى الموفَّق، فقتله أبو العباس ولدُ الموفّق. واستأمن مَنْ بقي من جيوش الزَّنج، فأمَّنهم الموفَّق، وفَّقه الله، ونادى في الناس بالأمان، وأن يرجع الناس الذين أخرجوا من ديارهم بسبب فتنة الزَّنج إلى أوطانهم وبلدانهم. ثم قدَّم ولده أبا العباس بين يديه إلى بغداد، ومعه رأسُ الخبيث يُحمل ليراه أهل بغداد، فدخلها لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، وكان يومًا مشهودًا ببغداد، وانتهت أيامُ صاحب الزَّنج المدّعي الكذاب، قبحه الله تعالى.

стр. 5345

وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بَقِين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، وقتل في يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومئتين. وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ولله الحمد والمنة. وقد قيل في انقضاء دولة الزَّنج وما كان من النصر عليهم أشعارٌ كثير (١)؛ من ذلك قولُ يحيى بن محمّد الأسلميّ (٢). أقولُ وقد جاءَ البشيرُ بوقعةٍ … أعزَّتْ مِنَ الإسلامِ ما كان واهيا جَزَى اللهُ خيرَ النَّاسِ للناسِ بَعْدَما … أبيحَ حِماهُمْ خيرَ ما كانَ جازيا تَفَرَّدَ إذْ لم ينصرِ اللهَ ناصرٌ … بتجديدِ دينٍ كانَ أصبحَ باليا وتجديدِ (٣) مُلْكٍ قد وَهَى بعدَ عِزِّهِ … وأخذٍ بثارات تُبيرُ الأعاديا وَرَدَّ عِماراتٍ أزيلَتْ وأخْربتْ … ليرجعَ فيءٌ قدْ تُخُرِّمَ وافِيا وتَرجِعَ أمصارٌ أبيحتْ وأحرِقَتْ … مِرارًا فقد أمْسَتْ قِوَاءً عَوافِيا ويَشفِي صدورَ المسلمينَ بوقعةٍ … يُقرُّ بها منَّا العيونَ البواكيا ويُتلَى كتابُ اللهِ في كلِّ مسجدٍ … ويُلفى (٤) دعيّ الطالبيين خاسيا فأعرَضَ عن أحبابهِ ونعيمه … وعنْ لذَّة الدنيا وأصبحَ غازيا [وهي قصيدة طويلة هذا طرف منها] (٥). وفي هذه السنة أقبلت الروم في مئة ألف مقاتل، فنزلوا قريبًا من طَرَسُوسَ، فخرج إليهم المسلمون فبيَّتوهم، فقتلوا منهم في ليلةٍ واحدةٍ حتَّى الصباح نحوًا من سبعين ألفًا من المقاتلة، ولله الحمد والمنة. وقُتل المقدَّم الَّذي عليهم وهو بطريق البطارقة، وجرح أكثر الباقين، وغنم المسلمون منهم غنيمةً عظيمة؛ من ذلك سبعة صلبان من ذهب وفضة، وصليبهم الأعظم عندهم، وهو من ذهب، صامت مكلَّل بالجواهر، وأربعة كراسي من ذهب، ومئتا كرسي من فضة، وآنية كثيرة من الفضة، وعشرة آلاف علَم من ديباج، وغنموا حريرًا كثيرًا، وخمسة عشر ألف دابَّة، وسروجًا وسلاحًا وسيوفًا محلاةً، وشيئًا كثيرًا جدًّا، ولله الحمد والمنة [أولًا وآخرًا] (٦).

стр. 5346

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن طُولون (١): أبو العبّاس أميرُ الديار المصرية وباني الجامع بها المنسوب إليه، وقد ملك دمشق، والعواصم، والثغور، مدَّة طويلة. وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد بن سامان السامانيّ عامل بُخَارى إلى المأمون في سنة مئتين، ويقال: إلى الرشيد في سنة تسعين ومئة. وولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة، وقيل (٢): في سنة عشرين ومئتين، ومات أبوه طولون في سنة ثلاثين، وقيل: في سنة أربعين ومئتين. وحكى ابنُ خلِّكان (٣) أنه لم يكن ابنه وإنما تبنَّاه، والله أعلم. وحكى ابنُ عساكر (٤) أنه من جارية تركية اسمها هاشم. ونشأ أحمد هذا في صيانةٍ وعفافٍ ودراسة للقرآن العظيم، مع حسن الصَّوت. وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرَّمات والأشياء المنكرات (٥). وحكى الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٦) عن بعض مشايخ مصرَ: أن طولون لم يكن أباه، وإنما كان قد تبنَّاه، وأنه كان ظاهر النجابة من صغره، وأنَّه اتفق أنه بعثه طولون في حاجةٍ ليأتيه بها من قصر دار الإمارة، فذهب فإذا حظيَّة من حظايا أبيه مع بعض الخدم في فاحشةٍ، فأخذ حاجته التي أمره بها [أبوه] (٧)، وكر راجعًا إليه سريعًا، ولم يخبره بشيء مما رأى من ذلك، فتوهَّمت الحظئة أن يكون قد أخبره [بما رأى] (٨)، فجاءت إلى طولون، فقالت: إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي، وانصرفت إلى قصرها، فوقع في نفسه صدقُها، فاستدعى أحمد، وكتب معه في كتاب، وختمه إلى بعض الأمراء: أن إذا وصل إليك حامل هذا الكتاب فاضرب عنقه، وابعث برأسه سريعًا إليَّ.

стр. 5347

فذهب أحمد وهو لا يدري ما في الكتاب، فاجتاز في طريقه بتلك الحظية، فاستدعته إليها، فقال: إني مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى فلان. فقالت: هلمَّ، فلي إليك حاجة، وأرادت أن تحبسه عندها ليكتب لها كتابًا؛ لتحقق في ذهن الملك ما ذكرته من أمره، وأرسلت بذلك الكتاب مع الخادم الذي كانت هي وإياه على الفاحشة. وجلس أحمد يكتب لها، وذهب ذلك الخادم إلى ذلك الأمير بالكتاب. فلما قرأه أمر بضرب عنقه، وأرسل برأسه إلى الملك طُولون. فتعجب الملك، وقال: أين أحمد؟ فطُلِبَ له، فقال: ويحك! أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من بين يدي؟ فأخبره بما جرى من الأمر. ولمَّا سمعت تلك الحظيَّة بأنَّ رأسَ الخادم قد أُتِيَ به إلى الملك أسقط في يدها، وتوهَّمت أنَّ الملك قد تحقَّق الحال، فقامت إليه تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم، واعترفت بالحقِّ، وبرّأت ساحة أحمد، فحظي عنده، وأوصى له بالملك من بعد (١). ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتزّ، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقِين من رمضان سنة أربع وخمسين ومئتين، فأحسن إلى أهلها إحسانًا كثيرًا، وأنفق فيهم من بيت المال ومن صدقاته. واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار [وثلاثمئة ألف دينار] (٢)، وبنى بها الجامع، وغرم عليه مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وكان فراغه في سنة تسع وخمسين، وقيل: في سنة ستٍّ وستين. وكانت له مائدة في كلِّ يومٍ يحضرها الخاصّ والعامّ، وكان يتصدَّق في كلِّ شهرٍ من خالص ماله بألف دينار. وقال له وكيله يومًا: إنه تأتيني المرأة وعليها إزار وبذلة وهيئة، فتسألني، أفأعطيها؟ فقال: من مدَّ يده إليك فأعطه. وكان من أحفظ الناس لتلاوة القرآن، ومن أطيبهم صوتًا به. وقد قيل فيما حكاه ابن خلِّكان (٣): إنه قتل صبرًا نحوًا من ثمانية عشر ألف نفسٍ، والله أعلم. وبنى البيمارستان فغرم عليه ستين ألفَ دينار، على المَيْدان (٤) مئة وخمسين ألفًا، وكان له صدقات كثيرة جدًّا، وإحسان زائد. ثم ملك دمشق بعد أميرها أماخور في سنة أربع وستين ومئتين، فأحسن إليهم أيضًا، واتفقَ أن وقع بها حريق عند كنيسة مريم، فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الحافظ الدمشقي، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ. ثم أمر كاتبه أن يخرج من مال الأمير سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدُّور والأموال التي أحرقت، فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكروه، وبقي أربعة عشر ألف

стр. 5348

دينار، فأمر بها أن توزَّع عليهم على قدر حصصهم، ثم أمر بمالٍ عظيم يفرَّق على فقراء دمشق وغوطتها، فأقل ما حصل للفقير دينار (١). ﵀. ثم خرج إلى أنطاكية، فحاصر بها صاحبها سيما حتَّى قتله وتسلَّم البلد، كما ذكرنا ذلك فيما تقدَّم. ثم كانت وفاته بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة من علَّة أصابته من أكل لبن الجواميس، فأصابه ذَرَبٌ (٢)، فداواه الأطباء [وأمروه أن يحتمي منه] (٣) فلم يقبل منهم، فكان يأكل منه في الخفية، فمات ﵀. وقد ترك من الأموال والأثاث والدّواب شيئًا كثيرًا جدًّا؛ من ذلك عشرة آلاف ألف دينار. وكان له ثلاثة وثلاثون ولدًا، منهم سبعة عشر ذكرًا، فقام بالأمر من بعده ولدُه خُمَارَوَيْه، وسيأتي (٤) ما كان من أمره. وكان له من الغلمان أربعة وعشرون ألف غلام، ومن الموالي سبعة آلاف مولى، ومن البغال والخيل والجمال شيء كثير جدًّا. قال ابن خلِّكان (٥): وإنما تغلَّب على البلاد لاشتغال الموفّق طلحة بن المتوكل بحرب صاحب الزَّنج، وقد كان الموفّق نائبَ أخيه المعتمد (٦) على الله، وهو والد المعتضد، ﵏. وأحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سَهْل الكاتب، صاحب كتاب "الخراج"؛ قاله ابن خلكان (٧). وأحمد بن عبد الله بن البَرْقيّ (٨). وأسيدُ بن عاصم الجَمَّال (٩).

стр. 5349

وبكَّار بن قُتيبة المصريّ (١)، في ذي الحجة من هذه السنة. والحسن بن زيد العلويّ (٢): صاحب طَبَرستان في رجب من هذه السنة، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وقام من بعده [بالأمر] (٣) أخوه محمّد بن زيد (٤). وكان الحسن بن زيد كريمًا جوادًا ممدّحًا، يعرف الفقه والعربية، قال له شاعر في جملة قصيدة: الله فردٌ، وابن زيد فردٌ، فقال له: بفيك (٥) الإثلِبُ، هلا قلت: اللهُ فردٌ، وابن زيد عبدٌ. ثم نزل عن سريره وخرَّ ساجدًا لله، وألصق خدَّه بالتراب ولم يعطِ ذلك الشاعرَ شيئًا. وامتدحه بعضهم، فقال في أول قصيدته (٦): لا تَقُلْ بُشرى ولكن بُشْريَان … عِزَّةُ الدَّاعي وَيوْمُ المِهْرَجانِ فقال له الحسن بن زيد: لو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن، وأبعد ذلك أن تبتدئَ شعرك بحرف "لا". فقال له الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من قول: لا إله إلا الله. فقال: أصبت، وأمر له بجائزة سنية. والحسن بن عليّ بن عفَّان العامريّ (٧). وداود بن عليّ (٨) الأصبهاني ثم البغدادي، الفقيه الظاهري: إمام أهل الظاهر، روى عن أبي ثور (٩) إبراهيم بن خالد، وإسحاق بن راهَوَيْه، وسليمان بن حَرْب، وعبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبيّ، ومُسَدَّد بن مسَرْهَدٍ (١٠)، وغيرِ واحدٍ.

стр. 5350

وروى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود، وزكريّا بن يحيى السَّاجي. قال الخطيب (١): وكان فقيهًا زاهدًا، وفي كُتُبِه حديثٌ كثيرٌ، والرواية عنه عزيزة جدًّا. وكانت وفاته ببغداد في هذه السنة، وكان مولده في سنة مئتين. وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقاته" (٢): أن أصله من أصبهان، وولد بالكوفة، ومنشَؤُه ببغداد، وأنه انتهت إليه رئاسة العلم بها، وكان يحضر مجلسه أربعُمئة طَيْلسان أخْضَر، وكان من المتعصِّبين للشَّافعي، وصنَّف (٣) مناقبه. وقال غيره: كان حسن الصلاة والتواضع. وقد قال الأزدي: تُرك حديثه. ولم يتابع (٤) الأزدي على ذلك. لكن روي عن الإمام أحمد أنَّه تكلَّم فيه بسبب كلامه في القرآن وأنَّ لفظه به مخلوق، كما نسب إلى الإمام البخاري، ﵀. قلت: وقد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه القياس الصحيح، فضاق بذلك ذرعه في أماكنَ كثيرةٍ من الفقه، فلزمه القول بأشياء فظيعة صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهُّم لمعنى النص. وقد اختلف [الفقهاء] (٥) القياسيُّون بعده في الاعتداد بخلافه؛ هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا؟ على أقوالٍ ليس هذا موضع بسطها. وممن توفي فيها: الرَّبيع بن سليمان المُرادي (٦)، صاحب الشافعيّ وقد ترجمناه في "طبقات الشافعية". والقاضي بكَّار بن قتيبة، الحاكم بالدِّيار المصرية من سنة ستٍّ وأربعين ومئتين إلى أن توفي بها مسجونًا في حبس أحمد بن طُولون؛ لكونه لم يخلع الموفَّق في سنة سبعين، ﵀. وكان عالمًا عابدًا زاهدًا كثيرَ التلاوة والمحاسبة لنفسه، وقد شَغرَ منصبُ القضاء بعدَه بمصر ثلاث سنين. وقد بسط ابن خلكان (٧) ترجمته في الوفيات، ﵀.

стр. 5351

ابن قُتَيْبَةَ الدَّيْنَوَرِيّ (١) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنَوَريّ: قاضيها، النحويّ، اللغويّ، صاحبُ المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة. اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن رَاهَوَيْه، وطبقته، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستانيّ وذويه، وصنَّف وجمَعَ وألَّف الكتب المشهورة الكثيرة، فمن ذلك: كتاب "المعارف"، و "أدب الكاتب" الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب "مشكل القرآن والحديث"، و "غريب القرآن والحديث"، و "عيون الأخبار"، و "إصلاح الغلط"، وكتاب "الخيل"، وكتاب "الأنوار"، وكتاب "المسائل والجوابات" وكتاب "الميسر والقداح"، وغير ذلك. كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها (٢). ومولده في سنة ثلاث عشرة ومئتين، ولم يجاوز الستين، ﵀. وروى عنه ولدُه أحمد جميعَ مصنّفاته. وقد ولي ولده أحمد قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، وتوفي بها بعد سنة، ﵀. ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني (٣). ومحمد بن مُسلم بن وَارَة (٤). ومُصعب بن أحمد بن مُصعب، أبو أحمد الصّوفي (٥)، كان من أقران الجُنَيْد. وفيها: توفي ملك الروم: ابن الصَّقلبيَّة، لعنه الله.

стр. 5352

وفيها: ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لارِدَة (١) من الأندلس (٢). ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئتين فيها عزل الخليفةُ عمرَو بن الليث عن ولاية خراسان، وأمر بلعنه على المنابر، وفوَّض أمرَ خراسان إلى محمد بن طاهر، وبعث إلى عمرو جيشًا، فهُزِم (٣) عمرو. وفيها: كانت وقعة بين أبي العباس المعتضد بن الموفّق أبي أحمد وبين خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، وذلك أن خُمَارَوَيْه لمَّا ملك بعد أبيه بلادَ مصر والشام، جاءه جيشٌ من جهة الخليفة عليهم إسحاق بن كنداجيق، نائب الجزيرة، وابن أبي السَّاج، فقاتلوه بأرض شِيرَز (٤)، فامتنع من تسليم الشام إليهم، فاستنجدوا بأبي العباس، فقدِمَ إليهم، فكسَرَ جيشَ خُمَارَوَيْه بن أحمد، وتسلَّمَ دمشقَ واحتازها، ثم سار نحو خُمَارَوَيْهِ لا إلى بلاد الرَّملة عند ماءٍ عليه طواحين، فاقتتلوا هنالك، فبذلك تسمَّى وقعة الطواحين، ثم كانت النوبة أولًا لأبي العبَّاس على خُمَارَوَيْه، فهزمه حتَّى هرب خُمَارَوَيْه لا يلوي على شيء، فلم يرجعْ حتَّى دخل الدِّيار المصرية، فأقبل أبو العبَّاس وأصحابُه على نَهْب معسكرهم، فبينما هم كذلك إذْ أقبل كمينٌ لجيشِ خُمَارَوَيْه، وهم مشغولون بالغنيمة، فوضعت المصريون فيهم السيوفَ، فقُتِلَ خلْقٌ كثير، وانهزم الجيش، وهرب أبو العبَّاس المعتضدُ، فلم يرجعْ حتَّى وصَل إلى دمشق، فلم يفتحْ له أهلُها بابها، فانصرف حتَّى وصل إلى طَرَسُوسَ. وبقي الجيشان المصري والعراقي يقتتلان، وليس في واحدٍ منهما أمير، ثم كان الظَّفَرُ للمصريين؛ لأنَّهم أقاموا أبا العشائر أخا خُمَارَوَيْه عليهم أميرًا، فغَلَبوا بسبب ذلك، واستقرَّت أيديهم على دمشقَ وسائر الشام، وهذه (٥) من أعجب الوقعات. وفيها: جرت حروب كثيرة بأرض الأندلس من بلاد المغرب (٦). وفيها: دخل إلى المدينة النبويّة محمّد وعليٌّ ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمّد بن

стр. 5353

عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فقتلا خلْقًا كثيرًا من أهلها، وأخذا أموالًا جزيلة، وتعطَّلت الصلوات في المسجد النبويّ أربعَ جمَع، لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). وجرت بمكَّة فتنة أخرى، واقتتل الناس على باب المسجد الحرام أيضًا (٢). وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن إسحاق العباسي (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: عبَّاس بن محمّد الدُّوريُّ (٤)، تلميذ ابن مَعين وغيره من أئمة الجرح والتعديل. وعبد الرحمن بن محمد بن منصور البصريّ (٥). ومحمد بن حمَّاد الطَّهْراني (٦). ومحمد بن سِنان القزَّاز (٧). ويوسف بن مُسَلَّم (٨). بوران بنت الحسن بن سهل زوجة المأمون (٩): ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب، والصحيح الأول.

стр. 5354

عقد عليها المأمون بفم الصلح سنة ثنتين ومئتين، ولها عشر سنين، فنثر أبوها على الناس يومئذٍ بنادقَ المسك، مكتوبٌ في ورقة وسط كُلِّ بندقة اسمُ قريةٍ، أو مُلْكٌ، أو جارية، أو غلام، أو فرس، فمن التقط من ذلك شيئًا ملكه، ونثر على عامَّة الناس الدنانير ونَوافج (١) المسك وبَيْض العنبر. وأنفق على المأمون وعسكره مدة مقامه تلك الأيام خمسين ألف ألف درهم. فلما ترحَّل [المأمون] (٢) عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح. وبنى بها في سنة عشر (٣). فلما جلس المأمون فرشوا له حصيرًا من ذهبٍ، ونثروا على قدميه ألفَ حبّةِ جوهر، وهناك تَوْرٌ (٤) من ذهب فيه شمعة من عنبرٍ، زنة أربعين مَنًّا من عنبر، فقال: هذا سَرَفٌ، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضيء، فقال: قاتَلَ اللهُ أبا نُوَاس حيث يقول في صفة الخمر (٥): كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى مِنْ فَقاقِعِها … حَصْباءُ دُرٍّ على أرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ ثم أمر بالدُّرِّ فجُمع فوضع في حجرها، وقال: هذا نِحْلَةٌ (٦) منِّي لكِ، وسلي حاجتك. فقالت لها جدتها: سلي سيدك، فقد استنطقك. فقالت: أسألُ أميرَ المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهديّ، فرضي عنه. ثم أراد الاجتماع بها فإذا هي حائض، وكان ذلك في شهر رمضان. ثم توفي المأمون في سنة ثماني عشرة ومئتين، وتأخَّرت هي بعده حتى كانت وفاتها في هذه السنة، ولها ثمانون سنة. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئتين في جُمادى الأولى منها سار نائب قزوين وهو أذكوتكين في أربعة آلاف مقاتل، إلى محمد بن زيد العلويّ، صاحب طَبَرستان بعد أخيه الحسن بن زيد، وهو بالرَّيّ، في جيشٍ عظيم من الدَّيلم وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمه أذكوتكين (٧)، وغنم ما في معسكره، وقتَلَ من أصحابه ستة

стр. 5355

آلاف، ودخل الرَّيّ، فأخذ من أهلها مئة ألف ألف دينار، وفرَّق عمَّاله في نواحي الرَّيّ (١). وفيها: وقع بين أبي العباس بن الموفّق وبين صاحب ثغر طَرَسوس وهو بازما (٢) الخادم فثار أهلُ طَرَسوس على أبي العباس، فأخرجوه عنهم، فرجع إلى بغداد. وفيها: دخل حَمدان بن حمدون، وهارون الشاري، مدينة الموصل، وصلَّى بهم الشاري في جامعها الأعظم. وفيها: عاثت بنو شيبان في أرض الموصل، وسعَوا في الأرض فسادًا. وفيها: تحرَّكت بفيَّة الزَّنج في أرض البصرة، ونادوا: يا أنكلاي (٣)، يا منصور، - وكان أنكلاي ابن صاحب الزَّنج - وسليمان بن جامع، وأبان بن علي المهلّبيّ، وجماعة من وجوه أمرائهم، في جيش الموفَّق، فبعث إليهم، فقُتلوا، وحُمِلَت رؤوسهم إليه، وصُلبت أبدانهم ببغداد، وسكنت الشرور. وفيها: صلَح أمر المدينة النبوية وتراجع الناس إليها، ولله الحمد. وفيها: جرت حروبٌ كثيرة ببلاد الأندلس، وتسلَّمت الروم من المسلمين بلدين عظيمين من الأندلس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: قدم صاعد بن مخلد الكاتب من فارس إلى واسط، فأمر الموفَّقُ القوَّاد أن يتلقَّوه، فدخل في أُبَّهة عظيمة، ولكن ظهر منه تِيهٌ وعجب شديد، فأمر الموفَّق عمَّا قريب بالقبض عليه وعلى أهله وأمواله وحواصله، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بُلبل. وحجَّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق العباسي، أمير الحج منذ دهر. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن الوليد الجَشَّاش (٤). وأحمد بن عبد الجبَّار بن محمد بن عُطارد العُطَارديّ التميمي (٥)، راوي السيرة عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق بن يسار وغير ذلك.

стр. 5356

وأبو عُتْبةَ الحِجازيّ (١). وسليمان بن سَيْف (٢). وسليمان بن وَهْب الوزير (٣)، في حبس الموفَّق. وشعيب بن بكَّار (٤)، يَروي عن أبي عاصم النبيل. ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الأَنماطي، ويلقب بكَيْلَجة (٥)، وهو من تلاميذ يحيى بن معين. ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء (٦). ومحمد بن عُبَيد الله، ابن المُنَاديّ (٧). ومحمد بن عَوْف الحمصيّ (٨). وأبو مَعْشَر المنجِّم (٩): واسمه جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أستاذ عصره في صناعة التنجيم،

стр. 5357

وله فيه التصانيف المشهورة، كـ "المدخل" (١) و "الزِّيج" (٢)، و "الألوف" (٣) وغيرها؛ ويتكلَّم على ما يتعلق بالتيسير وكذلك بالأحكام. قال ابن خلكان (٤): وله إصابات عجيبة. ثم حكى: أنَّ بعض الملوك تطلَّب رجلًا، فذهب ذلك الرجل فاختفى، وخاف من أبي مَعْشر المنجّم، أن يدلَّ عليه الملكَ بصنعته، فعمَدَ إلى طَسْت، فملأه دمًا، ووضع أسفله هاونًا، وجلس على ذلك الهاون. فاستدعى الملك أبا مَعْشَر، فضرب رمله، وحرَّر (٥) أمره، ثم قال: هذا عجيبٌ، أجدُ هذا الرجل جالسًا على جبلٍ من ذهب في وسط بحر من دمٍ، ولكن ليس هذا في الدنيا. ثم أعاد الضرْبَ فوجده كذلك، فتعجَّب الملك أيضًا، ونادى في البلد بأمان المذكور، فظهر، فلمَّا مثل بين يدي الملك سأله أين اختفى؟ فأخبره بأمره، فتعجَّب الناس من ذلك. قلت: والظاهر أنَّ الذي ينسب إلى جعفر بن محمد الصادق من علم الزجر، والطرق، واختلاج الأعضاء، ونحو ذلك، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمد هذا، وليس بالصادق، والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين فيها وقع بين إسحاق بن كنداجيق نائب الموصل والجزيرة، وبين صاحب ابن أبي الساج نائب قِنَّسرين وغيرها، بعدما كانا متّفقين، وكاتب ابن أبي الساج خُمَارَوَيْه صاحب مصر، وخطب له ببلاده، وقدم خُمَارَوَيْه إلى الشام، فاجتمع به ابنُ أبي الساج، ثم سار إلى إسحاق بن كنداجيق، فتواقعا، فانهزم ابن كنداجيق، وهرب إلى قلعة ماردين، فحاصره بها. ثم ظهر أمر ابن أبي الساج، واستحوذ على الموصل وبلاد الجزيرة، وخطب بها لخُمَارَوَيْه، واستفحل أمره جدًّا. وفيها: قبض الموفَّق على لؤلؤ غلام أحمد بن طولون، وصادره بأربعمئة ألف دينار، وسجنه؛ فكان يقول: ليس لي ذَنْبٌ إلا كثرة مالي. ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل، فعاد إلى الديار المصرية في أيام هارون بن خُمَارَوَيْه، ومعه غلامٌ واحد. وهذا جزاء كفر نعمة سيِّده عليه. وفيها: عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وتملَّك بعده أحد أولاده.

стр. 5358

وفيها: كانت وفاة: محمد بن عبد الرحمن بن الحَكم الأمويّ (١): صاحب الأندلس عن خمس وستين سنة. وكانت ولايته أربعًا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرًا. وكان أبيض مُشربًا بحمرة، رَبعة، أوقص، يخضب بالحنَّاء والكتَم، وكان عاقلًا لبيبًا، وكان يدرك الأشياء المشتبهة. وخلَّف ثلاثة وثلاثين ذكرًا. وقام بالأمر بعده ولدُه المنذور، فأحسن إلى الناس وأحبّوه. وفيها كانت وفاة: خلف بن أحمد بن خالد: الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد على الله. وهذا الرجل هو الذي أخرج البخاري من بخارى، فدعا عليه، فلم يفلحْ بعدها، ولم يبقَ في الإمرة إلا أقل من شهرٍ، حتى احتيط عليه وعلى أمواله وحواصله، وأركب حمارًا ونودي عليه في بلده، ثم سجن، فمات فيه في هذه السنة؛ وهذا جزاء مَنْ تعرَّض لأهل السنة وأئمة الحديث. وممن توفي فيها أيضًا من الأعيان: إسحاق بن سيَّار (٢). وحنبل بن إسحاق (٣)، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل، وأحد الرواة المشهورين عنه، على أنه قد اتُّهم في بعض ما يرويه ويحكيه، والله أعلم. وأبو أُميَّة الطَّرَسُوسي (٤). والفتح (٥) بن شُخْرُف، أحد مشايخ الصوفية، ذوي الأحوال والكرامات والمقامات والكلمات النافعات.

стр. 5359

ووهم ابنُ الأثير في قوله في كامله (١): إن أبا داود صاحبَ السُّنن، توفي هذه السنة، بل في سنة خمس وسبعين كما سيأتي. وابن ماجه القزوينيّ (٢): صاحب السُّنن، وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزويني، مولى ربيعة، صاحب كتاب "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّة على علمه وتبحَّره واطِّلاعه واتّباعه للسنة النبوية في الأصول والفروع؛ ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا؛ وألف (٣) وخمسمئة باب. ويحتوي على أربعة آلاف حديث كلّها جياد سوى اليسير. وقد حُكي عن أبي زُرعة الرَّازي أنه انتقد منها بضعةَ عشرَ حديثًا؛ ربَّما يقال: إنها موضوعة أو منكرة جدًّا (٤). وله تفسير حافل، وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره. قال أبو يَعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزوينيّ: أبو عبد الله، محمد بن يزيد ويُعرف بمَاجَه، مولى ربيعة، عالم بهذا الشأن، صاحب التصانيف، في "التاريخ" و "السُّنن"، ارتحل إلى العراقين (٥)، ومصر والشام، ثم ذكر طرفًا من مشايخه؛ وقد ترجمناهم في كتابنا "التكميل"، ولله الحمد والمنة. قال: وقد روى عنه الكبار القدماء: ابن سيبويه، ومحمد بن عيسى الصفَّار، وإسحاق بن محمد، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القَطَّان، وجدي أحمد بن إبراهيم، وسليمان بن يزيد. وقال غير (٦): كانت وفاته يوم الإثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين عن أربع وستين سنة. وصلَّى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دَفْنَه مع أخيه أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد، ﵀.

стр. 5360

ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين فيها نشبت (١) الحرب بين أبي أحمد الموفَّق وبين عمرو بن الليث بفارس، فقصده أبو أحمد، فهرب منه عمرو من بلدٍ إلى بلدٍ، وهو يتبعه، ثم لم يقع بينهما قتال ولا مواجهة، وقد تحيَّز إلى أبي أحمد الموفق مقدَّمُ جيشِ عمرو بن الليث، وهو أبو طلحة شركب الجمَّال، ثم أراد العَود، فقبض عليه أبو أحمد، وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد، وذلك بالقرب من شِيراز. وفيها: غزا بازمار الخادم، نائب طَرَسُوس، بلاد الروم، فأوغل فيها، فقتل وغنم وسلم. وفيها: دخل صدِّيق الفرغانيّ سامُرّا، فنهب دور التجّار بها، وكرَّ راجعًا. وقد كان هذا الرجل ممن يحرس الطرقات، فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات، وضعف الجند بسامُرَّا عن مقاومته. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن يحيى الأصم: أبو إسحاق، قال ابنُ الجوزي في "المنتظم" (٢): كان حافظًا فاضلًا، روى عن حرملة وغيره. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. إسحاق بن إبراهيم بن زياد: أبو يعقوب المقرئ. عن هُدبة. وعنه ابن مخلد (٣). توفي في ربيع الأول منها. أيوب بن سليمان (٤): ابن داود الصفدي. عن آدم بن أبي إياس، وأبي اليمان، وعلي بن الجَعْد. وعنه ابن صاعد، وابن السماك، وكان ثقة، توفي في رمضان منها. الحسن بن مُكْرَم (٥): ابن حسان أبو علي البزاز. سمع عفَّانًا، وأبا النَّضْر (٦)، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه المَحَاملي، وابن مخلد، والنَّجَّاد.
следующие страницы →