← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وأبو عُتْبةَ الحِجازيّ (١). وسليمان بن سَيْف (٢). وسليمان بن وَهْب الوزير (٣)، في حبس الموفَّق. وشعيب بن بكَّار (٤)، يَروي عن أبي عاصم النبيل. ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الأَنماطي، ويلقب بكَيْلَجة (٥)، وهو من تلاميذ يحيى بن معين. ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء (٦). ومحمد بن عُبَيد الله، ابن المُنَاديّ (٧). ومحمد بن عَوْف الحمصيّ (٨). وأبو مَعْشَر المنجِّم (٩): واسمه جعفر بن محمد بن عمر البلخي، أستاذ عصره في صناعة التنجيم،

стр. 5357

وله فيه التصانيف المشهورة، كـ "المدخل" (١) و "الزِّيج" (٢)، و "الألوف" (٣) وغيرها؛ ويتكلَّم على ما يتعلق بالتيسير وكذلك بالأحكام. قال ابن خلكان (٤): وله إصابات عجيبة. ثم حكى: أنَّ بعض الملوك تطلَّب رجلًا، فذهب ذلك الرجل فاختفى، وخاف من أبي مَعْشر المنجّم، أن يدلَّ عليه الملكَ بصنعته، فعمَدَ إلى طَسْت، فملأه دمًا، ووضع أسفله هاونًا، وجلس على ذلك الهاون. فاستدعى الملك أبا مَعْشَر، فضرب رمله، وحرَّر (٥) أمره، ثم قال: هذا عجيبٌ، أجدُ هذا الرجل جالسًا على جبلٍ من ذهب في وسط بحر من دمٍ، ولكن ليس هذا في الدنيا. ثم أعاد الضرْبَ فوجده كذلك، فتعجَّب الملك أيضًا، ونادى في البلد بأمان المذكور، فظهر، فلمَّا مثل بين يدي الملك سأله أين اختفى؟ فأخبره بأمره، فتعجَّب الناس من ذلك. قلت: والظاهر أنَّ الذي ينسب إلى جعفر بن محمد الصادق من علم الزجر، والطرق، واختلاج الأعضاء، ونحو ذلك، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمد هذا، وليس بالصادق، والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين فيها وقع بين إسحاق بن كنداجيق نائب الموصل والجزيرة، وبين صاحب ابن أبي الساج نائب قِنَّسرين وغيرها، بعدما كانا متّفقين، وكاتب ابن أبي الساج خُمَارَوَيْه صاحب مصر، وخطب له ببلاده، وقدم خُمَارَوَيْه إلى الشام، فاجتمع به ابنُ أبي الساج، ثم سار إلى إسحاق بن كنداجيق، فتواقعا، فانهزم ابن كنداجيق، وهرب إلى قلعة ماردين، فحاصره بها. ثم ظهر أمر ابن أبي الساج، واستحوذ على الموصل وبلاد الجزيرة، وخطب بها لخُمَارَوَيْه، واستفحل أمره جدًّا. وفيها: قبض الموفَّق على لؤلؤ غلام أحمد بن طولون، وصادره بأربعمئة ألف دينار، وسجنه؛ فكان يقول: ليس لي ذَنْبٌ إلا كثرة مالي. ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل، فعاد إلى الديار المصرية في أيام هارون بن خُمَارَوَيْه، ومعه غلامٌ واحد. وهذا جزاء كفر نعمة سيِّده عليه. وفيها: عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وتملَّك بعده أحد أولاده.

стр. 5358

وفيها: كانت وفاة: محمد بن عبد الرحمن بن الحَكم الأمويّ (١): صاحب الأندلس عن خمس وستين سنة. وكانت ولايته أربعًا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرًا. وكان أبيض مُشربًا بحمرة، رَبعة، أوقص، يخضب بالحنَّاء والكتَم، وكان عاقلًا لبيبًا، وكان يدرك الأشياء المشتبهة. وخلَّف ثلاثة وثلاثين ذكرًا. وقام بالأمر بعده ولدُه المنذور، فأحسن إلى الناس وأحبّوه. وفيها كانت وفاة: خلف بن أحمد بن خالد: الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد على الله. وهذا الرجل هو الذي أخرج البخاري من بخارى، فدعا عليه، فلم يفلحْ بعدها، ولم يبقَ في الإمرة إلا أقل من شهرٍ، حتى احتيط عليه وعلى أمواله وحواصله، وأركب حمارًا ونودي عليه في بلده، ثم سجن، فمات فيه في هذه السنة؛ وهذا جزاء مَنْ تعرَّض لأهل السنة وأئمة الحديث. وممن توفي فيها أيضًا من الأعيان: إسحاق بن سيَّار (٢). وحنبل بن إسحاق (٣)، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل، وأحد الرواة المشهورين عنه، على أنه قد اتُّهم في بعض ما يرويه ويحكيه، والله أعلم. وأبو أُميَّة الطَّرَسُوسي (٤). والفتح (٥) بن شُخْرُف، أحد مشايخ الصوفية، ذوي الأحوال والكرامات والمقامات والكلمات النافعات.

стр. 5359

ووهم ابنُ الأثير في قوله في كامله (١): إن أبا داود صاحبَ السُّنن، توفي هذه السنة، بل في سنة خمس وسبعين كما سيأتي. وابن ماجه القزوينيّ (٢): صاحب السُّنن، وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزويني، مولى ربيعة، صاحب كتاب "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّة على علمه وتبحَّره واطِّلاعه واتّباعه للسنة النبوية في الأصول والفروع؛ ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا؛ وألف (٣) وخمسمئة باب. ويحتوي على أربعة آلاف حديث كلّها جياد سوى اليسير. وقد حُكي عن أبي زُرعة الرَّازي أنه انتقد منها بضعةَ عشرَ حديثًا؛ ربَّما يقال: إنها موضوعة أو منكرة جدًّا (٤). وله تفسير حافل، وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره. قال أبو يَعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزوينيّ: أبو عبد الله، محمد بن يزيد ويُعرف بمَاجَه، مولى ربيعة، عالم بهذا الشأن، صاحب التصانيف، في "التاريخ" و "السُّنن"، ارتحل إلى العراقين (٥)، ومصر والشام، ثم ذكر طرفًا من مشايخه؛ وقد ترجمناهم في كتابنا "التكميل"، ولله الحمد والمنة. قال: وقد روى عنه الكبار القدماء: ابن سيبويه، ومحمد بن عيسى الصفَّار، وإسحاق بن محمد، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القَطَّان، وجدي أحمد بن إبراهيم، وسليمان بن يزيد. وقال غير (٦): كانت وفاته يوم الإثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين عن أربع وستين سنة. وصلَّى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دَفْنَه مع أخيه أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد، ﵀.

стр. 5360

ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين فيها نشبت (١) الحرب بين أبي أحمد الموفَّق وبين عمرو بن الليث بفارس، فقصده أبو أحمد، فهرب منه عمرو من بلدٍ إلى بلدٍ، وهو يتبعه، ثم لم يقع بينهما قتال ولا مواجهة، وقد تحيَّز إلى أبي أحمد الموفق مقدَّمُ جيشِ عمرو بن الليث، وهو أبو طلحة شركب الجمَّال، ثم أراد العَود، فقبض عليه أبو أحمد، وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد، وذلك بالقرب من شِيراز. وفيها: غزا بازمار الخادم، نائب طَرَسُوس، بلاد الروم، فأوغل فيها، فقتل وغنم وسلم. وفيها: دخل صدِّيق الفرغانيّ سامُرّا، فنهب دور التجّار بها، وكرَّ راجعًا. وقد كان هذا الرجل ممن يحرس الطرقات، فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات، وضعف الجند بسامُرَّا عن مقاومته. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن يحيى الأصم: أبو إسحاق، قال ابنُ الجوزي في "المنتظم" (٢): كان حافظًا فاضلًا، روى عن حرملة وغيره. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. إسحاق بن إبراهيم بن زياد: أبو يعقوب المقرئ. عن هُدبة. وعنه ابن مخلد (٣). توفي في ربيع الأول منها. أيوب بن سليمان (٤): ابن داود الصفدي. عن آدم بن أبي إياس، وأبي اليمان، وعلي بن الجَعْد. وعنه ابن صاعد، وابن السماك، وكان ثقة، توفي في رمضان منها. الحسن بن مُكْرَم (٥): ابن حسان أبو علي البزاز. سمع عفَّانًا، وأبا النَّضْر (٦)، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه المَحَاملي، وابن مخلد، والنَّجَّاد.

стр. 5361

وكان ثقة. وتوفي في رمضان منها عن ثلاث (١) وتسعين سنة. خلف بن محمد (٢): ابن عيسى، أبو الحسين الواسطى، الملقب بكُرْدُوس، روى عن يزيد بن هارون وغيره. وعنه المَحَاملي، وابن مخلد. قال ابن أبي حاتم (٣): صدوق. وقال الدَّارَقُطنيُّ (٤): ثقة. توفي في ذي الحجة منها، وقد نيَّف على الثمانين. عبد الله بن رَوْح (٥) بن عبد الله: أبو محمد المدائني المعروف بِعَبْدوس. روى عن شَبَابة، ويزيد بن هارون. وعنه المَحَاملي، وابن السماك، وأبو بكر الشافعي. وكان من الثقات. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. عبد الله بن أبي سعد (٦): أبو محمد الورَّاق (٧)، أصله من بَلْخ، وسكن بغداد. روى عن سُرَيج بن يونس، وعفَّان، وعلى بن الجَعْد، وغيرهم. وعنه ابنُ أبي الدنيا، والبغويّ، والمَحَاملي. وكان ثقة، صاحب أخبار وآداب وملح. وتوفي بواسط في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة. محمد بن إسماعيل (٨): ابن زياد أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر الدولابيّ. سمع أبا النَّضْر، وأبا اليمان، وأبا مسهر. وعنه أبو الحسين بن المنادي، ومحمد بن مَخْلد، وابن السَّمَاك. وكان ثقة.

стр. 5362

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئتين في المحرم منها وقع الخُلْف بين ابن أبي الساج وبين خُمَارَوَيه، واقتتلا عند ثَنِيَّة العُقاب (١) شرقي دمشق، فغُلِبَ ابن أبي الساج وانهزم، وكانت حواصله بحمص، فبعث خُمَارَوَيْه مَنْ سبقه إليها فأخذها، ومنع منه حمصَ، فذهب إلى حلب، فتبعه (٢) خُمَارَوَيْه، فسار إلى الرَّقَة، فاتبعه، فذهب إلى الموصل، ثم انهزم منها خوفًا من خُمَارَوَيْه، ووصل خُمَارَوَيْه إلى بَلَد، واتخذ له بها سريرًا طويل القوائم، فكان يجلس عليه في الفرات. وعند ذلك طمع (٣) فيه إسحاق بن كنداجيق، فسار وراءه ليظفر منه بشيء فلم يقدر، وقد التقيا في بعض الأيام فصبر ابنُ أبي الساج صبرًا عظيمًا، فسلِمَ، وانصرف إلى أبي أحمد ببغداد، فأكرمه وخلع عليه واستصحبه معه إلى الجبل، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر ومضر من الجزيرة. وفي هذه السنة، في شوَّال منها، سجَن أبو أحمد الموفَّق ابنَه أبا العباس المعتضد في دار الإمارة. وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه، فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي كان عمه المعتمد ولاه إياها، فغضب عليه، وأمر بسجنه، فثارت الأمراء واختبطت بغداد، وركب الموفَّق إلى الميداد (٤)، وقال للناس: أتظنون أنكم أشفق على ولدي مني؟ فسكن الناس عند ذلك وتراجعوا إلى منازلهم، ثم أفرج عنه، ولله الحمد والمنة. وفي هذه السنة سار رافع (٥) إلى محمد بن زيد، أخي الحسن بن زيد العلوي، فأخذ منه مدينة جُرجان، فهرب منه إلى إستراباذ، فحصره بها سنتين، فغلا بها السعر حتَّى بيع الملح بها وزن الدرهم بدرهمين، فهرب محمد بن زيد منها ليلًا إلى سارية، فأخذ منه رافع بلادًا كثيرة بعد ذلك في مدة متطاولة (٦). وفي المحرّم منها أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن [الأموي] (٧)، صاحب الأندلس، عن ستٍّ وأربعين سنة. وكانت ولايته سنةً وأحدَ عشر شهرًا، وعشرة أيام.

стр. 5363

وكان أسمر طويلًا، بوجهه أثر جُدَري، جوادًا ممدّحًا، يحبّ الشعراء ويصلهم بمال كثير، وخلَّف من الأولاد ستة ذكور. وقام بالأمر من بعده أخوه عبد الله بن محمد، فامتلأت بلاد الأندلس في أيامه فتنًا وشرورًا حتَّى هلك، كما سيأتي. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجَّاج (١) المَرُّوذي: صاحب الإمام أحمد. وكان من الأئمة الأذكياء، كان أحمد يقدّمه على جميع أصحابه، ويأنس به، ويبعثه في الحاجة، فيقول: قل ما شئت. وهو الذي أغمض الإمام أحمد، وكان فيمن غسّله أيضًا. وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة، وحصلت رفعة عظيمة [بعده] (٢)؛ تتبعه إلى سامُرّا حين أراد الغزو خمسون ألفًا. أحمد بن محمد بن غالب (٣): ابن خالد بن مِرْداس، أبو عبد الله الباهليّ البصريّ، المعروف بغُلام خليل، وقد سكن بغداد. روى عن سليمان بن داود الشَّاذَكُوني، وشَيْبان بن فروخ، وقُرَّة بن حبيب، وغيرهم. وعنه ابن السَّمَاك، وابن مَخْلَد، وغيرهما. وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديثَ رواها منكرة عن شيوخ مجهولين. قال أبو حاتم (٤): ولم يكن ممن يفتعل الأحاديث، كان رجلًا صالحًا. وكذبه أبو داود (٥) وغيرُ واحد. وروى ابن عَدِيّ عنه أنه اعترف بوضع الحديث ليرقِّقَ به قلوبَ الناس (٦).

стр. 5364

وقد كان عابدًا زاهدًا يقتات الباقلاء الصرف. وحين مات أغلقت (١) أسواق بغداد، وحضر الناس للصلاة عليه، ثم حُمِلَ في زورق (٢) إلى البصرة، فدفن بها، وكان ذلك في رجب من هذه السند (٣). وأحمد بن مُلاعب (٤). روَى عن يحيى بن معين وغيره. وكان ثقة دينًا عالمًا فاضلًا، انتشر به علمٌ كثير. وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله السُّكَّريّ، النَّحوي، اللغوي، صاحب التصانيف (٥). وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ، أبو يعقوب النَّبْسابوري (٦)، كان من أخِصَّاء أصحاب الإمام أحمد، وعنده اختفى في زمن المحنة. وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق التَّميميّ العطَّار الموصلي. قال ابن الأثير (٧): وكان كثير الحديث معدَّلًا عند الحُكَّام. ويحيى بن أبي طالب (٨). وأبو داود السِّجستاني (٩): صاحب السنن، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بَشير بن شَدَّاد بن عمرو بن عِمران، أبو داود السِّجِسْتاني، أحد الأئمة الراحلين الجوَّالين في الآفاق والأقاليم. جمع وصنَّف وخرَّج وألَّف وسمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير ذلك. وله: "السُّنَن" المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهدَ معرفتُها من الأحاديث النبوية.

стр. 5365

حدث عنه جماعة؛ منهم: ابنه أبو بكر عبد الله، وأبو عبد الرحمن النَّسائي، وأحمد بن سلمان النَّجَّاد، وهو آخر من روى عنه في الدنيا. سكن البصرة، وقدم بغداد غيرَ مرة، وحدَّث بكتابه "السُّنن" بها، ويقال: إنه صنَّفه بها (١) وعرضه على الإمام أحمد، فاستجاده واستحسنه. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (٢): حدَّثني أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم القارئ الدَّينوريّ بلفظه، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن الفَرَضي، قال: سمعت أبا بكر بن دَاسَة يقول، سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمئة ألف حديثٍ، انتخبتُ منها ما ضمَّنتُه الكتاب يعني "السُّنَن"، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمئة حديث (٣)، ذكرت الصَّحيح، وما يشبهُهُ ويقاربُه، ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعةُ أحاديث (٤)، أحدها: قولُه ﵊: "الأعمالُ بالنيَّاتِ" (٥). الثاني: قوله: "مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه" (٦). والثالث: قوله: "لا يكونُ المؤمِنُ مؤمِنًا حتَّى يَرْضى لأخِيه ما يَرْضى لِنَفْسِهِ" (٧). الرَّابع: قوله: "الحَلالُ بيِّن والحرامُ بين وبين ذلك أمورٌ مشتبهاتٌ (٨).

стр. 5366

وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي، أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمانُ بن الأشعث السِّجِسْتاني الإمام المقدَّم في زمانه، رجلٌ لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد من أهل زمانه، رجل وَرعٌ مقدَّم، وقد سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكر (١). وكان إبراهيم الأصبهاني، وأبو بكر بن صدَقَة يرفعون من قدره، ويذكرونه بما لا يذكرون أحدًا في زمانه مثله (٢). قلت: الحديثُ الذي كتبه عنه وسمعه منه الإمامُ أحمد، هو ما رواه [أبو داود] (٣) من حديث حمَّاد بن سَلَمة، عن أبي العُشَراء (٤) الدَّارمي، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئل عن العَتيرَةِ، فحَسَّنها (٥). وقال إبراهيم الحَرْبيّ وغيرُه: ألينَ لأبي داود الحديث، كما ألينَ لداود الحديدٌ (٦). وقال غيره (٧): كان أحدَ حفاظ الإسلام للحديث وعلله وسَنَده، في أعلى درجة النُّسْك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث. وقال غيره: كان ابن مسعود يُشَبَّه بالنبي ﷺ في هَدْيه وَدَلِّه وسَمْته، وكان عَلْقَمَةُ يشبهه، [وكان إبراهيم يشبهه] (٨)، وكان منصور يشبهه، وكان سفيان الثوري يشبهه، وكان وكيعٌ يشبهه، وكان أحمد يشبهه، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل (٩).

стр. 5367

وقال محمد بن بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمٌّ واسع، وكُمٌّ ضيقٌ، فقيل له: ما هذا يرحمك الله؟ فقال: هذا الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه (١). وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومئتين، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوَّال سنة خمس وسبعين ومئتين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري. وقد ذكرنا ترجمته في كتابنا "التكميل" وذكرنا ثناء الأئمة عليه. ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم (٢): أبو العَنْبَس الصَّيمريّ (٣) الشاعر، كان مجيدًا في شعره ديّنًا، كثيرَ الملح، وكان هجَّاءً، ومن جيد شعره قوله (٤): كم مريضٍ قَدْ عاشَ مِنْ بَعْدِ يأنَّسٍ … بَعْدَ موتِ الطَّبيبِ والعُوَّادِ قد يُصَادُ القطا فينجو سليمًا … ويَحِلُّ القَضَاءُ بالصَّيَّادِ ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئتين في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى شرطة بغداد، وكُتِبَ اسمُه على الفرش والمقاعد والستور، ثم أسقط اسمه في شوال منها، وعزل عن ذلك، وولي عبيد الله بن [بن عبد الله] (٥) بن طاهر. وفيها: ولَّى الموفَّقُ ابنَ أبي الساج نيابةَ أذْرَبيجان. وفيها: قصد هارون الشاري الخارجي مدينة الموصل، فنزل شرقيّ دجلتها، فحاصرها، فخرج إليه أشراف أهلها، فاستأمنوه فأمَّنَهم، ورجع عنه. وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد العباسي، أمير الحرمين والطائف. ولمَّا رجع حُجَّاج اليمن نزلوا في بعض الأماكن، فجاءهم سَيْل ولم يشعروا به حتى غرَّقهم كلَّهم، فلم يفلت منهم أحدٌ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 5368

وذكر ابن الجوزي في "منتظمه" (١)، وابن الأثير في "كامله" (٢): أن في هذه السنة انفرج تلٌّ في أرض البصرة يعرف بتل شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض، وفيها سبعة أبدانهم صحيحة، وأكفانهم يفوح منها ريح المسك، أحدهم شاب له جُمّة، وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماءً، وكأن عينيه مكحَّلتان، وبه ضربة في خاصرته. وأراد بعض من حضره أن يأخذ من شعره شيئًا، فإذا هو قويّ كشعر الحيّ. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة (٣)، الحافظ، صاحب المسند المشهور، له حديث كثير ورواية عالية. بَقِيُّ بنُ مَخْلَد (٤): أبو عبد الرحمن الأندلسي، الحافظ الكبير، [صاحب] (٥) "المُسْنَد" المبوَّب على الفقه؛ روى فيه عن ألف وستمئة صحابي، وقد فضَّله ابنُ حزم على مسند الإمام أحمد، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع؛ [فإنه ليس هو ببلادهم، ولا وقع لهم روايته، ولو اطلع عليه ووقف على ما فيه، لما فضّل عليه مسندًا من المسندات، اللهم إلا أن يكون بَقِيّ قد سمع من أحمد جميع المسند وزاد عليه، كما قد يسَّرَ الله من الزيادات التي ألحقناها بمسند الإمام أحمد، ولله الحمد والمنة أبدًا] (٦). وقد رحل بَقِيّ إلى العراق، فسمع من الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث بالعراق وغيرها يزيدون على المئتين بأربعة وثلاثين شيخًا، وله تصانيف أخر. وكان مع ذلك رجلًا صالحًا عابدًا زاهدًا، مجابَ الدعوة؛ ذكر القشيريُّ: أنَّ امرأة جاءته، فقالت: إنَّ ابني أسرته الإفرنج، وإنِّي لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دُوَيرة أريدُ أن أبيعها لأستفكَّه (٧)؛ فإن رأيت أن تشير إلى أحدٍ يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها، فليس لي ليل ولا نهار، [ولا نوم] (٨) ولا صبر، ولا قرار. فقال: نعم، انصرفي حتى ننظر في ذلك، إن شاء الله.

стр. 5369

وأطرق الشيخ وحرَّك شفتيه يدعو الله لولدها بالخلاص، فذهبت، فما كان إلا عن قليلٍ حتَّى جاءت، وابنُها معها، فقالت: اسمعْ خبَره، يرحمك الله! فقال: كيف كان أمرك؟ فقال: إنِّي كنت فيمن يخدُمُ الملك ونحن في القيود، فبينا أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيدُ من رجلي، فأقبل عليَّ الموكَّل بنا، فشتمني، وقال: فككتَ القيد من رجليك (١)؟ فقلت: لا واللّه، ولكنه سقط ولم أشعر، فجاؤوا بالحداد فأعادوه، وشدّ مسماره وأيَّد، ثم قمت فسقط أيضًا، فأعادوه وأكَّدُوه، فسقط أيضًا، فسألوا رهبانهم، فقالوا: له والدة؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنَّه قد استجيب دعاؤها له، أطلقوه، فأطلقوني، وخَفَروني حتَّى وصلْت إلى بلاد الإسلام. فسأله بَقيُّ عن الساعة التي سقط القيد من رجليه، فإذا هي الساعة التي دعا اللّهَ له فيها (٢). صاعد بن مَخْلَد (٣): الكاتب، كان كثير الصدقة والصلاة، وقد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي في "منتظمه" (٤)، وتكلم فيه ابن الأثير في "كامله" (٥). وذكر أنه كان فيه تيه وحمق، وقد يمكن الجمع بين القولين وهاتين الصفتين. ابن قتيبة (٦): عبد الله بن مسلم بن قتَيبة، أبو محمد الدِّينَوَريّ، ثم البغدادي، أحد العلماء والأدباء والحفاظ الأذكياء. روى عن إسحاق بن راهَوَيْه، وغير واحد، وله التصانيف المفيدة المشهورة الأنيقة، كغريب القرآن، ومشكله، والمعارف، وأدب الكاتب، وعيون الأخبار، وغير ذلك. وكان ثقة جليلًا نبيلًا، وكان أهل [العلم] (٧) يتَهمون من لم يكن في منزله من تصنيف ابن قُتيبة شيء. وكان سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسةٍ، فإذا هي حارَّة، فصاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، فأفاق، ثم لم يزل يتشهَّد إلى أن مات وقت السحر، أوَّل ليلة من رجب من هذه السنة، وقيل: إنه توفي في سنة سبعين ومئتين، والصحيح في هذه السنة.

стр. 5370

عبد الملك بن محمد بن عبد الله أبو قِلابة الرَّقَاشي (١): أحد الحفاظ، وكان يكنى بأبي محمد، ولكن غلب عليه لقب أبو قِلابة. سمع يزيد بن هارون، ورَوْح بن عُبَادة، وأبا داود الطيالسي، وغيرهم. وعنه ابن صاعد، والمَحَاملى، والنَّجَّاد، وأبو بكر الشَّافعي، وغيرهم. وكان صدوقًا، عابدًا، يصلِّي في كل يوم أربعمئة ركعة. وروى من حفظه ستين ألف حديث، غلط في بعضها، وعلى سبيل العمد. وكانت وفاته في شوَّال من هذه السنة عن ست وثمانين سنة. ومحمد بن أحمد بن أبي العَوَّام (٢). ومحمد بن إسماعيل الصائغ (٣). ويزيد بن عبد الصَّمد (٤). وأبو الرَّدَّاد: عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرَّدَّاد، المؤذن، صاحب "المقياس" [بمصر]، الذي هو مسلَّم إليه وإلى ذريته إلى يومنا هذا. قاله القاضي ابن خلكان في "الوفيات" (٥). ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئتين فيها دعا بازمار نائب طَرَسُوسَ لِخُمَارَوَيْه، وذلك لأنه هاداه بذهبٍ كثير وتُحف هائلة؛ من حرير وغير ذلك. وفيها: قدِم قائد عظيم من أصحاب خُمَارَوَيْه إلى بغداد. وفيها: ولي المظالمَ ببغداد يوسفُ بن يعقوب، ونودي في الناس: مَنْ كانت له مظلمة ولو عند

стр. 5371

الأمير الناصر لدين الله أبي أحمد الموفَّق، أو عند أحدٍ من الناس فليحضر. وسار في الناس سيرة حسنة، وأظهر صرامة لم يُرَ مثلها. [وحجَّ بالناس هارون بن محمّد الهاشمي] (١). وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن إسحاق بن أبي العَنْبَس (٢)، أبو إسحاق الكوفي، قاضي بغداد بعد ابن سَماعة، سمع يَعْلَى (٣) بن عبيد وغيره، وحدَّث عنه ابن أبي الدنيا وغيره. وتوفي عن ثلاث وتسعين سنة، وكان ثقة فاضلًا دينًا صالحًا. أحمد بن عيسى (٤): أبو سعيد الخرَّاز، أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة، وله تصانيف في ذلك، وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد وضيق الحال. روى عن إبراهيم بن بشَّار، صاحب إبراهيم بن أدهم، وغيره. وعنه: عليّ بن محمد المصري، وجماعة. ومن جيد كلامه قوله ﵀: إذا بكت أعينُ الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعهم (٥). وقوله ﵀: العافية تستر البَرَّ والفاجر، فإذا جاءت البلوى تبين عندها الرجال (٦). وقوله: كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ، فهو باطلٌ (٧). وقوله: الاشتغال بوقتٍ ماضي تضييع وقت ثانٍ (٨). وقوله: ذنوب المقرَّبين حسنات الأبرار (٩).

стр. 5372

وقوله: الرّضا قبل القضاء تفويض، والرّضا مع القضاء تسليم (١). وقد روى البيهقيّ بسنده إليه أنه سئل عن قوله ﵊: "جُبلَت القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحْسَنَ إليها"، فقال: يا عجبًا لمن لم يَرَ محسنًا غير الله كيف لا يميل بكليته إليه (٢)؟. قلت: وهذا الحديث ليس بصحيح، ولكن كلامه عليه حَسَنٌ (٣). وقال ابنه سعيد: طلبت من أبي دانقَ فضةٍ، فقال: يا بنى، اصبر، فلو أحبَّ أبوك أن يركَبَ الملوكُ إلى بابه ما تأبَّوا عليه (٤). وروى الحافظ ابن عساكر (٥) عنه قال: أصابني (٦) مرّة جوع شديد، فهممت أن أسأل الله طعامًا، ثم قلت: هذا ينافي التوكل، فهممت أن أسأله صبرًا، فهتف بي هاتف: ويَزْعُمُ أنَّهُ منَّا قرِيبٌ … وَأنَّا لا نُضيِّعُ مَنْ أتانا وَيَسَألُنا القِرى جهدًا وصَبْرًا … كأنَّا لا نَرَاهُ ولا يَرانا قال: فقمت ومشيت فراسخ بلا زادٍ. وقال أبو سعيد الخرّاز: المحبُّ يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلَّى عنه بشيء، يتبع آثاره ولا يدع استخباره، ثم أنشد (٧): أسائلُكُمْ عنها فَهَلْ مِنْ مخبِّرِ … فما لي بِنُعْمَى بَعْدَ مكَّتِنا عِلْمُ فلوْ كُنْتُ أدْري أينَ خَيَّم أهلُها … وأيّ بلادِ اللهِ إذْ ظَعَنُوا أمُّوا (٨) إذًا لسلَكنا مسلكَ الرِّيحِ خَلْفَها … ولو أصبحَتْ نُعْمَى ومِن دُونها النَّجْمُ

стр. 5373

وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في سنة سبع وأربعين (١)، وقيل: في سنة ست وثمانين والأول أصح. عيسى بن عبد الله بن سِنان بن دَلَّوَيْه (٢): أبو موسى الطَّيالسيّ، الحافظ، يلقب زَغَاث (٣)، سمع عفَّان وأبا نُعَيم، وعنه أبو بكر الشافعي وغير واحد. وثقه الدَّارقطني. وكانت وفاته في شوال من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة. أبو حاتم الرَّازيّ (٤): محمد بن إدريس بن المُنْذر بن داود بن مِهْران، أبو حاتم الحَنْظَلي الرَّازي، أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زُرْعَة الرَّازي، تغمدهما الله برحمته. سمع الكثير، وطاف الأقطار والأمصار، وروى عن خلق من الكبار، وحدَّث عنه: الرَّبيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وهما أكبر منه، وقدم بغداد فحدَّث بها، وروى عنه من أهلها إبراهيمُ الحَرْبي، وابنُ أبي الدنيا، والمَحَاملي، وغيرهم. قال لابنه عبد الرحمن (٥): يا بُنَيَّ، مشَيْتُ على قدمي في طلب الحديث أكثَر من ألف فَرْسَخ، وذكر أنه لم يكن له شيء ينفق عليه في بعض الأحيان، وأنَّه مكث ثلاثًا لا يأكل شيئًا حتى استقرضَ من بعض أصحابه نصفَ دينار. وقد أثنى عليه غيرُ واحد من العلماء والفقهاء. وكان يتحدَّى مَنْ حضَر عنده من الحفَّاظ وغيرهم؛ فيقول: مَنْ أغْرَبَ عليَّ بحديثٍ واحدٍ صحيح فله عليَّ درهمٌ أتصدَّق به. قال: ومرادي أن أسمعَ ما ليس عندي، فلم يأتِ أحد بشيء من ذلك، وكان في جملة من حضر ذلك أبو زُرْعَة الرازي (٦). كانت وفاة أبي حاتم في شعبان من هذه السنة. محمد بن الحسين بن موسى (٧): ابن الحسن أبو جعفر الكوفي الخرَّاز، المعروف بالحُنَيْني، له مسندٌ كبير.

стр. 5374

روى عن: عُبَيْد الله بن موسى، والقَعْنَبيِّ، وأبي نُعَيْم، وغيرهم، وعنه: ابن صَاعد، والمَحَاملي، وابن السَّمَّاك. كان ثقة، صدوقًا. محمد بن سعدان (١)، أبو جعفر البَزَّاز، سمع من أكثر من خمسمئة شيخ، ولكن لم يحدَّث إلا باليسير، وتوفي في شعبان منها. قال ابن الجوزيّ (٢): وثمَّ محمد بن سعدان البزاز، عن القَعْنَبي، وهو غير مشهور. ومحمد بن سعدان، النَّحوي، مشهور؛ توفي في سنة إحدى [وثلاثين] (٣) ومئتين. قال ابن الأثير في كاملة (٤): وتوفي فيها: يعقوب بن سفيان بن جُوَان (٥)، الإمام الفسوي، وكان يتشيع. ويعقوب بن يوسف بن معقل الأمويّ، مولاهم، والد أبي العباس أحمد الأصم. وعَريب، المغنّية المأمونية، قيل: إنَّها ابنة جعفر بن يحيى البرمكيّ، فأما: يعقوب بن سفيان بن جُوَان (٦): فهو أبو يوسف بن أبي معاوية الفارسي الفَسَوي، سمع الحديث الكثير، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات (٧)؛ منهم: هشام بن عمَّار، ودحيم، وأبو الجماهر، وسليمان بن عبد الرحمن، الدمشقيون، وسعيد بن منصور، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وسليمان بن حَرْب، ومحمد بن كثير، وعبيد الله بن موسى، والقَعْنَبي. روى عنه: النسائي في "سننه"، وأبو بكر بن أبي داود، والحسن بن سفيان، وابن خراش، وابن خزيمة، وأبو عَوانة الاسفراييني، وخلق سواهم، وصنَّف كتاب "التاريخ" و "المعرفة" وغيره من الكتب المفيدة النافعة. وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، وتغرَّب عن وطنه في ذلك نحو ثلاثين سنة.

стр. 5375

وروى ابن عساكر (١) عنه أنَّه قال: كنتُ أكتب في الليل على ضوء السِّراج في زمن الرحلة، فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصري، فلم أبصر معه السِّراجَ، فجعلت أبكي على ما فاتني من ذهاب بصري، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة حديث رسول الله ﷺ ، وما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت، فرأيْتُ رسولَ الله ﷺ في المنام، فقال: ما لك (٢)؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، وما فاتني من كتابة السنة. فقال: ادْنُ منِّي، فدنوت منه، فوضع يده على عيني، وجعل كأنه يقرأ شيئًا من القرآن. ثم استيقظت فأبصرت، وجلست أنسخ. وقد أثنى عليه أبو زُرْعة الدمسقيّ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: هو إمام أهل الحديث بفارس، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا، وقد نسبه بعضهم إلى التشيّع. وذكر ابن عساكر (٣): أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان، فأمر بإحضاره، فقال له وزيره: أيها الأمير، إنه لا يتكلَّم في شيخنا عثمان بن عفان السِّجزي، وإنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي، فقال: دعوه، ما لي وللصحابي (٤)، إني حسبته يتكلَّم في شيخنا [عثمان بن عفان السِّجزي] (٥). قلت: وما أظنُّ هذا صحيحًا عن يعقوب بن سفيان؛ فإنَّه إمام محدِّث كبيرُ القدر، وقد كانت وفاته قبل أبي حاتم الرَّازي بشهر في رجب من هذه السنة بالبصرة، ﵀. ولّد رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: غفر لي وأمرني أن أمليَ الحديث في السَّماء كما كنت أمليه في الأرض، فجلَسْتُ للإملاء في السماء الرابعة، وجلس حولي جماعة من الملائكة؛ منهم جبريل، يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب. وأما عَريب المأمونيَّة (٦): فقد ترجمها الحافظ ابن عساكر في "تاريخه"، وحكى قولًا لبعضهم أنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد البَرْمكي، سُرِقَتْ وهي صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة، وبِيعتْ،

стр. 5376

فاشتراها (١) المأمون بن الرشيد. ثم روى (٢) عن حمَّاد بن إسحاق، عن أبيه أنه قال: ما رأيت امرأةً قطّ أحسنَ وَجْهًا، وأدَبًا، وغناءٍ، وضَرْبًا، وشِعرًا، ولَعِبًا بالشِّطْرنج والنَّرْد منها؛ وما تشاء أن تجدَ خَصْلَة حسنة ظريفةً بارعةً في امرأةٍ إلا وجدتَها فيها. وقد كانت شاعرة مطيفة فصيحةً بليغةً؛ كان المأمون يتعشَّقُها، ثم أحبَّها بعده المعتصم، وكانت هي تتعشَّق لرجل يقال له: محمد بن حامد (٣)، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة، قبَّحها الله، على ما ذكره ابن عساكر عنها. ثم تعشَّقت صالحًا المنذريّ، وتزوجته سرًا، وكانت تقول فيه الشعر، وربما غنَّته بين يدي المتوكِّل وهو لا يشعر فيمن هو، فيضحك جواريه من ذلك، فتقول لهن: يا سحّاقات، هذا خيرٌ من عملكن (٤). وقد أورد ابن عساكر شيئًا كثيرًا من شعرها، فمن ذلك أنَها لمَّا دخلت على المتوكِّل تعودُه من مرض أصابه، أنشدته من شعرها وغنَّته به (٥): أتَوْني فَقَالوا: بالخليفةِ عِلَّةٌ … فقلْتُ ونارُ الشَّوقِ تُوقدُ في صدري ألا لَيْتَ بي حُمَّى الخليفةِ جعفرٍ … فكانتْ بيَ الحمَّى وكانَ له أجْري كفى حَزَنًا أن قيلَ حُمّ فلم أمُتْ … مِنَ الحُزْنِ إني بعدَ هذا لَذُو صَبْري جُعِلْتُ فِداءً للخليفةِ جعفرٍ … وذاكَ قليلٌ للخليفةِ مِنْ شكري ولمَّا عُوفي دخلت عليه، فغنَّته من قبلها (٦): شكرًا لأنْعُم مَنْ عافاكَ مِنْ سَقَمٍ … دُمْتَ المعافَى من الآلام والسَّقَمِ عادَتْ بنُوركَ للأيَّامِ بهجَتُها … واهتزَّ نَبْتُ رياضِ الجُودِ والكَرَمِ ما قامَ للدِّينِ بعدَ المصطفى مَلِكٌ … أعَفُّ منكَ ولا أرعى على الذِّمَمِ فعمَّرَ اللّهُ فينا جعفَرًا ونفى … بِنُورِ سنَّتِهِ عنَّا دُجَى الظُّلَمِ ولها في عافيته أيضًا (٧):

стр. 5377

حَمِدنا الذي عافَى الخليفةَ جَعْفرًا … على رُغْمِ أشياخِ الضّلالةِ والكُفْرِ وما كانَ إلا مثلَ بَدْرٍ أصابهُ … كُسُوفٌ قليلٌ ثم أجْلَى عنِ البَدْرِ سلامَتُهُ للدِّينِ عِزٌّ وقُوَّةٌ … وعِلَّتُه للدِّينِ قاصمةُ الظَّهرِ مَرِضْتَ فأمرضْتَ البَريَّةَ كلَّها … وأظلَمَتِ الأمصارُ من شدَّةِ الذُّعرِ فلما استبانَ الناسُ مِنْكَ إفاقةً … أفاقوا وكانوا كالنِّيام (١) على الجَمْرِ سلامةُ دنيانا سلامةُ جَعْفَرٍ … فدامَ معافًا سالمًا آخِرَ الدَّهرِ إمامٌ يعمُّ الناسَ بالفضل (٢) والتُّقى … قريبًا مِنَ التَّقوى بَعِيدًا مِنَ الوِزْرِ ولها من الأشعار الرائقة الفائقة شيء كثير، وفيما ذكرنا كفاية، واللّه الموفق للصواب. قال ابن عساكر (٣): بلغني أن مولدها في سنة إحدى وثمانين ومئة، وتوفيت سنة سبع وسبعين ومئتين بسُرَّ من رأى، ولها ستٌّ وتسعون سنة. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين قال ابن الجوزي (٤): في المحرم من هذه السنة طلع نجم ذو جُمَّةٍ (٥) ثم صارت الجُمَّةُ ذؤابة (٦). قال (٧): وفي هذه السنة غار ماء النيل، وهذا شيء لم يعهد مثله، ولا بلغنا في الأخبار السابقة، فغلت الأسعار بمصر بسبب ذلك جدًّا. قال (٨): وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب بالوزارة. قال (٩): وفي المحرم منها قدم الموفَّق أبو أحمد من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان، فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس، فاستقرَّ في داره في أوائل صفر، ومات بعد أيام، كما سيأتي في ترجمته في هذه السنة.

стр. 5378

[أول ظهور القرامطة في سنة ثمان وسبعين ومئتين] (١) قال ابن الجوزي (٢): وفي هذه السنة تحركت القرامطة، قبَّحهم الله، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوَّة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات. ثم [هم] (٣) بعد ذلك أتباعُ كلِّ ناعقٍ إلى باطلٍ، وأكثر ما يدخلون من جهة الرافضة (٤)؛ لأنَّهم أقلُّ الناس عندهم وعند غيرهم عقولًا. ويقال لهم: الإسماعيلية؛ لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق. ويقال لهم: القرامطة؛ قيل: نسبة إلى قِرْمِط بن الأشعث البقار (٥). وقيل: إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر مَن اتبعه بخمسين (٦) صلاة في كُلِّ يوم وليلة؛ ليشغلهم بذلك عمَّا يريد تدبيره من المكيدة. ثم اتخذ نقباء اثني عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكًا، ودعا إلى إمام من أهل البيت. ويقال لهم: الباطنية؛ لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحضَ، والخُرَّميَّة، والبابكيَّة نسبة إلى بابَك الخرَّميّ الذي ظهر في أيام المعتصم، فلم يزل يبعث خلفه الجيوش حتى جيء به أسيرًا فقتله، كما ذكرنا فيما سبق (٧). ويقال لهم: المُحَمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعارًا، مضاهاة لسواد بني العباس. والتعليمية، نسبة إلى التعلم (٨) من الإمام المعصوم، وترك الرأي ومقتضى (٩) العقل. ويقال لهم: السبعية، نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيَّزة السيَّارة مدبِّرة لهذا العالم فيما يزعمون، لعنهم الله. وهي القمر في الأولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمرِّيخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.

стр. 5379

قال ابن الجوزي (١): وقد بقي من البابكيَّة جماعةٌ يقال: إنهم يجتمعون في كلِّ سنة ليلة هم ونساؤهم، ثم يطفئون المصابيح، وينتهبون النساء، فمن وقع في يده امرأة حلت له؛ ويقولون: هذا اصطياد مباحٌ، لعنهم الله. وقد بسط أبو الفرج بن الجوزي في هذا الموضع من تاريخه المسمَّى "بالمنتظم" تفصيل قولهم، لعنهم الله. وقد سبقه إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلانيّ (٢) المتكلِّم المشهور في كتابه "هتك الأستار وكشف الأسرار" في الردِّ على الباطنية، في الكتاب الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه "البلاغ الأعظم والناموس الأكبر" جعله ست عشرة درجة، أول درجة: أن يدعوَ من يجتمع به أولًا إن كان من أهل السُّنَّة إلى القول بتفضيل علي على عثمان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقَّى من ذلك إلى سبِّهما؛ لأنهما ظلما عليًا وأهلَ البيت الحقّ، ثم يترقَّى بعد ذلك إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدْح في دين الإسلام من حيث هو. وقد ذكر لمخاطبتة (٣) شبهًا وضلالات لا تروج إلا على كل غبيٍّ جاهل شقيٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٧ - ٩]، أي يضلّ به من هو ضال. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومضمونها أنَّ الجهلَ والضلال لا ينقاد له إلَّا شرار الرجال، كما قال بعضُ الشعراء: إنْ هو مستحوذًا على أحدٍ … إلا على أضْعَفِ المَجَانينِ ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والجهل والسخافة والرُّعونة ما لا ينبغي لضعيف عقل أو دينٍ، أو تصور سماعه، مما فتَح عليهم إبليس من أبواب وأنواع الجهالات، وربما أفاد بعضهم إبليس أشياء لم تكن عنده، كما قال بعضهم: وكنتُ أمرأً من جندِ إبليسَ بُرهةً … مِنَ الدَّهرِ حتَّى صَارَ إبليسُ مِنْ جُندي

стр. 5380

والمقصود: أنَّ هذه الطائفة تحرَّكت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم، وتفاقم الحال بهم، على ما سنذكره، حتى آل الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام، فسفكوا فيه دماء الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة المكرمة، وكسروا الحجر الأسود، واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمئة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة، فمكث غائبًا عن موضعه ثنتين وعشرين سنة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون (١). واتفق في هذه السنة شيئان؛ أحدهما: ظهور هؤلاء، والثاني: موتُ حسام الإسلام وناصر الدين أبي أحمد الموفَّق، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، بكرمه ومنّه. لكن أبقى الله للمسلمين بعده ولده أبا العباس أحمد بن أبي أحمد الموفَّق، الملقب بالمعتضد. وقد كان [الموفَّق أبو أحمد] (٢) شهمًا شجاعًا فاتكًا جوادًا ممدَّحًا. وهذه ترجمة أبي أحمد الموفَّق (٣)، ﵀: هو الأمير الناصر لدين الله، الموفَّق بالله، أبو أحمد، محمد، ويقال: طلحة بن المتوكّل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد. كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومئتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت إليه الخلافة قد عهد إليه بالولاية بعد ابنه جعفر، ولقَّبه الموفَّق باللّه، ثم لمَّا قُتِل صاحب الزّنج وكسر جيشه تلقَّب بناصر دين الله، وصار إليه العقد والحل والولاية والعزل، وإليه يُجبى الخراج، وكان يخطب له على المنابر، فيقال: اللهم أصلح الأمير الناصر لدين الله، أبا أحمد الموفَّق باللّه، ولي عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين. ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، ﵀، وكان غزير العقل، حسن التدبير، [كريمًا، جوادًا، ممدّحًا، شجاعًا، مقدامًا، رئيسًا، حسن المحادثة والمجالسة، عادلًا، حسن السيرة] (٤)، يجلس للمظالم، وعنده القضاة، فينصف المظلوم من الظالم، وكان عالمًا بالأدب، والنسب، والفقه، وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جدًّا. وكان سبب موته: أنَّه أصابه مرض النِّقْرس في السَّفر، ثم قدم إلى بغداد وهو عليل، فاستقرَّ في داره

стр. 5381

في أوائل صفر وقد تزايد به المرض، وتورَّمت رجله حتى عظمت جدًّا، وكان يوضع عليها الأشياء المبرّدة كالثلج ونحوه، فكان يحمل سريره أربعون رجلًا بالنوبة، عشرون، عشرون. فقال لهم ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم، فيا ليتني كواحدٍ منكم، آكل كما تاكلون، وأشرب كما تشربون في عافية. وقال أيضًا: في ديواني مئة ألف مرتزق ليس فيهم أسوأ حالًا مني. ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين. قال ابن الجوزي (١): من هذه السنة. وقال ابن الأثير (٢): في صفر من هذه السنة. قال ابن الجوزي (٣): وله سبع وأربعون سنة تنقص شهرًا وأيامًا. ولما توفي أبو أحمد الموفَّق اجتمع الأمراء على أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لولده أبي العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد بعد ابنه المفوّض، وخطب له على المنابر بعد المفوّض، وجعل إليه ما كان إلى أبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، والعقد والحل، ولقّب المعتضد باللّه. وممن توفي فيها أيضًا: إدريس بن سُليم القَعْنبي (٤) الموصلي، قال ابن الأثير (٥): وكان كثير الحديث والصلاح. وإسحاق بن كنداجيق (٦)، نائب الجزيرة، وكان من ذوي الرأي، وقام (٧) بما كان إليه ولدُه محمد. ويا زمان (٨)، نائب طَرَسُوس، جاءه حجر مِنْجنيق من بلدة كان يحاصرها ببلاد الروم، فمات منه، وذلك في رجب من هذه السنة، ودفن بطَرَسوس، فولّي نيابة الثغر بعده أحمد العُجيفيّ بأمر خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه محمد بن موسى بن طولون. وعبدة بن عبد الرحيم، قبَّحه الله. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (٩): أن هذا الشقيَّ كان من

стр. 5382

المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصرون لبلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة في ذلك الحصن فهويها، فراسلها: ما السبيلُ إليك؟ فقالت: أن تتنصَّرَ وتصعدَ إليَّ، فأجابها إلى ذلك، قبَّحه الله، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتمَّ المسلمون بسبب ذلك غمًّا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمةً. فلمَّا كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا له: يا فلان، ما فعل قرآنُك؟ ما فعل [عملك] (١)؟ ما فعل صيامك وصلاتك؟ فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كلَّه إلا قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ - ٣]. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئتين في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوّض من ولاية العهد، واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس بن الموفق، ولقب بالمعتضد، وجعل إليه السلطنة، كما كان أبوه، وخطب بذلك المعتمدُ على رؤوس الأشهاد، وكان يومًا مشهودًا. ففي ذلك يقول يحيى بن علي يهنِّئ المعتضد (٢): ليهنكَ عقدٌ أنتَ فيهِ المقدَّمُ … حباكَ بهِ ربٌّ بفضلِكَ أعلمُ فإنْ كنْتَ قد أصبحْتَ واليَ عهدِنا … فأنتَ غدًا فينا الأمامُ المعظَّمُ ولازال من والاكَ فيك مبلَّغًا … مُناهُ ومَن عاداكَ يخزى ويندمُ وكانَ عمودُ الدينِ فيه تأوُّدٌ … فعادَ بهذا العهدِ وهوَ مقوَّمُ وأصبحَ وجهُ المُلكِ جذلانَ ضاحكًا … يضئُ لنا منهُ الذي كانَ يُظلِمُ فدونكَ فاشددْ عَقْدَ ما قَدْ حويتَهُ … فإنَّكَ دونَ الناسِ فيهِ المُحَكَّمُ وفيها: نودي ببغداد أن لا يمكَّن القصّاصُ الطرقية والمنجمون ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتبُ الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمَّة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام. وفي هذه السنة وقعت حروبٌ بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل، وقد بسط ذلك ابنُ الأثير (٣) في "كامله".

стр. 5383

وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الإثنين لتسع (١) عشرة خلت منه. وهذه ترجمة المعتمد (٢): هو أمير المؤمنين المعتمد على الله بن المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد، واسمه أحمد بن جعفر بن محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. استمرت أيامه في الخلافة ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وستة أشهر، كان أسنَّ من أخيه أبي أحمد الموفق بستة أشهر، وتأخَّر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه من الأمر شيء، وإنَّما كان الأمر كلَّه فيما يتعلّق بتدبير الخلافة إلى الموفّق، وقد اتفق أنَّ المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمئة دينار فلم يحصل له، فقال في ذلك (٣): أليسَ مِنَ العجائبِ أنَّ مثلي … يَرَى ما قَلَّ ممتنِعًا عليهِ وتؤخَذُ باسْمِهِ الدُّنيا جميعًا … وما مِن ذاكَ شيءٌ في يَدَيْهِ إليه تُحمَّلُ الأموالُ طُرًّا … ويُمنَعُ بعض ما يُجْبَى إليهِ وكان أول خليفة انتقل من سامُرَّا إلى بغداد بعدما بنيت سامُرَّا، ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا دار إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه فيما ذكر ابن الأثير (٤) أنه شرب تلك الليلة شرابًا كثيرًا، وتعشَّى عشاءً كثيرًا. وكانت وفاته في القصر الحَسَني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضدُ القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسَّل وكفّن، وصلَّى عليه، ثم حمل فدفن بسامُرَّا. وفي صبيحة العزاء بُويع للمعتضد بالله. البلاذري المؤرِّخ، أحد المشاهير (٥): أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن، ويقال: أبو جعفر، ويقال: أبو بكر البغدادي البَلاذُرِي، صاحب التاريخ المنسوب إليه. سمع هشام بن عمَّار، وأبا عُبَيْد القاسم بن سلام، وأبا الرَّبيع الزهراني وجماعة.

стр. 5384

وعنه: يحيى بن النَّديم، وأحمد بن عمَّار، وأبو يوسُف يعقوب بن نعيم بن قَرْقَارة الأزدي. قال ابن عساكر (١): كان أديبًا، راوية، له كتبٌ جيادٌ، ومدَحَ المأمون بمدائحَ، وجالس المتوكِّل، وتوفي أيام المعتضد، وَوُسوس في آخر عمره. وروى ابن عساكر (٢) عن البَلاذُري قال: قال لي محمود الوراق: قُلْ من الشعر ما يبقى ذلك ذكره، ويزول عنك إثمه، فقلت: استعدّي يا نفسُ للموتِ واسعَي … لنجَاةٍ فالحَازِمُ المُسْتَعِدُّ قد تبيَّنْتُ أنَّه ليس للحـ … يِّ خُلودٌ ولا مِنَ الموتِ بُدُّ إنَّما أنتِ مستعيرةٌ ما سَوْ … فَ تَرُدِّينَ والعَوَاري تُرَدُّ (٣) أنْتِ تَسْهِينَ والحوادِثُ لا تَسْ … هُو وَتَلْهِينَ والمَنَايا تَعُدُّ (٤) أيُّ مُلْكٍ في الأرْضِ أيُّ حَظٍّ … لامرئٍ حظُّهُ مِنَ الأرْضِ لَحْدُ لا تُرَجِّي البَقَاءَ في مَعْدِنِ المَوْ … ت ودَارٍ حتوفُها لكِ وِرْدُ كيفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أيَّا … مٍ عليه الأنفاسُ فيها تُعَدُّ خلافة المعتضد بالله (٥) أمير المؤمنين أبي العباس أحمد [ابن الأمير أبي أحمد الموفّق بن جعفر المتوكِّل] (٦). وكان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم. كانت البيعة له صبيحة موت المعتمد لعشرٍ بقِين من رجب من هذه السنة، أعني سنة تسع وسبعين ومثتين، وقد كان أمر الخلافة داثرًا فأحياه بهمَّته وعدله وشهامته وصرامته وشجاعته، استوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب، وولَّى مولاه بَدْرًا الشُرْطَة ببغداد، وجاءته هدايا عمرو بن الليث، ويسأل منه أن يولِّيه إمرةَ خراسان، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخِلَع واللواء، فنصبه عمرو بن الليث في داره ثلاثة أيام فرحًا وسرورًا بذلك (٧). وعزل رافعَ بن هَرْثَمة عن إمرة خراسان، ودخلها عمرو بن الليث، فلم يزَلْ يتبع رافعًا من بلدٍ إلى بلدٍ

стр. 5385

حتَّى قتَلَه في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد، وصَفَتْ إمرةُ خراسان لعمرو بن الليث (١). وفي هذه السنة قَدِمَ الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصَّاص من الدِّيار المصرية، بهدايا عظيمة من خُمَارَوَيْه صاحب مصر إلى المعتضد باللّه، فتزوَّج المعتضدُ بابنة خُمَارَوَيْه، فجهَّزها أبوها بجهازٍ لم يُسْمَعْ بمثله، حتَّى قيل: إنه كان فيه من الهواوين الذهب مئة هاون، فحمل ذلك كلّه من الدِّيار المصرية إلى بغداد صحبة العروس، وكان وقتًا مشهودًا. وفي هذه السنة تملَّك أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين، وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداجيق (٢). وفيها: حجَّ بالناس هارون بن محمد العبَّاسي، وهي آخر حجة حجَّها، وكان أوَّل حجَّة حجَّها بالناس سنة أربع وستين ومئتين [إلى هذه السنة] (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد (٤) أمير المؤمنين المعتمد، كما تقدَّم في ترجمته قريبًا. أبو بكر بن أبي خَيْثمة (٥): واسمه: أحمد بن زهير بن خيثمة، صاحب التاريخ وغيره. سمع أبا نعيم، وعفَّان. وأخذ علمَ الحديث عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين؛ وعلمَ النسب عن مصعب الزبيري؛ وأيامَ الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني، وأخذ علمَ الأدب عن محمد بن سلام الجمحي. وكان ثقة حافظًا ضابطًا مشهورًا، وفي تاريخه هذا فوائد كثيرة وفرائد غزيرة. وقد روى عنه البغوي، وابنُ صاعد، وابن أبي داود، وابن المنادي. وقد كاتّ وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، ﵀. خاقان أبو عبد الله الصوفي (٦)، كانت له أحوال وكرامات.

стр. 5386

[نصر بن أحمد بن أسد بن سامان] (١): الساماني، أحد ملوكهم الأكابر، وقد كانوا من سلالة الأكاسرة، كان جدهم سامان من أصحاب أبي مسلم الخراساني، وأصله من ذرية بهرام بن أزدشير بن سابور، ثم كان ابنه أسد من عقلاء الرجال. وخلَّف نوحًا وأحمد ويحيى وإلياس، وقد ولي كل واحد من هؤلاء مملكة، ناحية من النواحي؛ وهم السامانية] (٢). التَرْمِذيّ (٣): محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك، وقيل: محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرة بن السَّكَن، ويقال: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد أبو عيسى السّلمي التِّرمذيّ الضرير، ويقال: إنه ولد أكْمَه (٤). وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة: "جامعه"، و "الشمائل"، و "أسماء الصحابة" وغير ذلك. وقد صار كتابه هذا من الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق والأرجاء، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى حيث قال في محلاه (٥): ومَن محمد بن عيسى بن سَوْرة؟ لا تضرُّه في دينه ودنياه، ولا تضع من قدره عند أهل العلم، بل تحط من منزلة ابن حزم عند الحفاظ: وكيفَ يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ … إذا احْتَاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلِ وقد ذكرنا مشايخه في كتابنا "التكميل". وروى عنه غيرُ واحد من العلماء؛ منهم: محمد بن إسماعيل البخاري في غير "الصحيح"؛ والهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشي، صاحب "المسند"؛ ومحمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي، راوي "الجامع" عنه؛ ومحمد بن المنذر شَكَّر. قال الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليليّ القَزْويني في كتابه "علوم الحديث" (٦): محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد، الحافظ، متفق عليه، وله كتاب في السنن، وكلام في الجرح والتعديل،

стр. 5387

روى عنه ابن مَحْبُوب والأجلاء، وهو مشهور بالأمانة والعلم، مات بعد الثمانين ومئتين؛ كذا قال في تاريخ وفاته. وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغُنْجَار (١) في "تاريخ بخارى": محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك السّلميّ التِّرمذيّ، الحافظ، دخل بُخَارَى وحدَّث بها، وهو صاحب "الجامع" و "التاريخ"؛ توفي بالتِّرْمِذ (٢) ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وذكره الحافظ أبو حاتم بن حبَّان في "الثِّقات" (٣)، فقال: كان ممن جَمَعَ، وصنَّف، وحفِظَ، وذاكر. قال التِّرْمذيُّ: كتب عنِّي البخاري حديثَ عَطِيَّة، عن أبي سعيد، أنَّ رسول الله ﷺ . قال (٤): "لا يَحِلُّ لأحدٍ [أنْ] يُجنبَ في هذا المسجد غيري وغيرُك" (٥). وروى ابن نقطة (٦) في "تقييده" (٧) عن الترمذي، أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنَّما في بيته نبيٌّ يتكلَّم. قالوا: وجملة المسند الجامع الذي صنفه الترمذي مئة وأحد وخمسون كتابًا، وكتاب "العلل" صنفه بسمَرْقَند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومئتين.

стр. 5388

قال ابن نقطة (١): [أنبأنا عبد القادر بن عبد الله الفهمي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن أبي الوفاء الحاجي بأصبهان، قال:] (٢) سمعت محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أفيدٌ (٣) من كتابَي البخاري ومسلم. قلت: ولمَ؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا مَنْ هو من أهل المعرفة التامة، وهذا الكتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليه كل أحدٍ من الناس؛ من الفقهاء والمحدّثين وغيرهما. قلت: والذي يظهر من حاله أنه طرأ عليه العَمَى بعد أن رحلَ وسمعَ وكتبَ وذاكرَ وناظرَ وصنَّف، ثم اتفق موتُه في بلده في رجب من هذه السنة على الصحيح المشهور، واللّه أعلم. ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين [من الهجرة النبوية] (٤) في المحرم منها قتل المعتضدُ رجلًا من أمراء الزّنج كان قد لجأ إليه بالأمان ويعرف بِشَيْلَمة (٥)، ذكر له أنه كان يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، وقد أفسد جماعةً، فاستدعى به فقرَّره فلم يقرّ، وقال: لو كان تحت قدميَّ ما أقررت (٦) به، فأمر به فشُدَّ على عمود خيمةٍ، ثم لوّحه على النار حتى تساقط جلده عن عظامه، ثم أمر بضَرْب عنقه، وصلبه، لسبع ليال خلون من المحرم. وفي أول صفر ركب الخليفة المعتضد بالله من بغداد قاصدًا بني شيبان من أرض المَوْصِل، فأوقع بهم بأسًا شديدًا عند جبل يقال له: نوباد (٧). وكان مع المعتضد حادٍ جيد الحداء، فقال في بعض تلك الليالي يحدو بالمعتضد (٨):

стр. 5389

فأجْهَشْتُ للنَّوْبادِ حِينَ رأيتُهُ … وهلَّلتُ (١) للرحمنِ حينَ رآني وقلتُ له أينَ الَّذين عَهدتُهُمْ … بظلّكَ في (٢) أمن وأين زماني فقالَ مضوا واستخْلَفُوني مكانَهُم … ومَن ذا الَّذي يَبْقَى على الحَدَثانِ (٣) قال: فتغرغرت عينا المعتضد، وقال: من ذا الذي يبقى على الحَدَثان!؟. وفي هذه السنة أمر المعتضد بتسهيل عقبة حُلْوان، فغُرم عليها عشرون ألف دينار، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة (٤). وفيها: وسَّع المعتضد جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، وغُرم عليه عشرون ألف دينار، وكانت الدارُ قبلتَه، فبناها مسجدًا على حدة وفتح بينهما سبعة عشر بابًا (٥)، وحوَّل المنبر والمحراب (٦) إلى المسجد، ليكون في قبلة الجامع على عادة الخطب (٧). قال الخطيب البغدادي (٨): وزاد بَدْر مولى المعتضد المسقطات من قصر المنصور المعروفة بالبدرية في هذا الوقت. ذكر بناء دار الخلافة ببغداد أول من بناها المعتضد في هذه السنة. وكان أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، وكانت أولًا دارًا للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران التي تزوج بها المأمون، فعمَّرت فيها حتى استنزلها المعتضد عنها، فأجابته إلى ذلك، ثم أصلحت ما وَهَى منها ورمَّمت ما كان قد تشعَّث فيها، وفرشَتْ في كُلِّ موضع منها ما يليق به من المفارش، وأسكنت فيه ما يليق به من الجواري والخدم، وأعدت بها المآكل الشهية، وما يحسن ادِّخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت بمفاتيحها إلى المعتضد، فلما دخلها أذهله ما رأى فيها من الخيرات، ثم وسَّعها وزاد فيها، وجعل لها سورًا حولها، فكانت قدر مدينة شيراز، وبنى الميدان (٩)، ثم بنى قصرًا مشرفًا على دجلة. ثم

стр. 5390

بنى فيها المكتفي التاج، ثم كانت أيام المقتدر فزاد فيها زيادات (١) عظيمة جدًّا. تأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وسبَوا من كان بها من الحرائر الآمنات، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى - من سنة ست وخمسين وستمئة. قال الخطيب البغدادي (٢): والذي يشبه أن تكون بوران سلمت دار الخلافة إلى المعتمد: فإنها لم تعش (٣) إلى أيام المعتضد. وفيها: زُلزلزت أرْدَبيل (٤) ست مرات، فتهدَّمت دورها فلم يبقَ منها مئةُ دارٍ، ومات تحت الردم مئة ألف وخمسون ألفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها: غارت المياه ببلاد الرَّيِّ وطَبَرِستان حتَّى بيعَ الماءُ كل ثلاثة أرطال بدرهم، وغلت الأسعار هنالك جدًّا (٥). وفيها: غزا إسماعيل بن أحمد السامانيُّ بلادَ الترك، ففتح مدينة ملكهم، وأسر امرأته الخاتون وأباه ونحوًا من عشرة آلات أسير، وغنم من الدّوابّ والأمتعة والأموال شيئًا كثيرًا، أصاب الفارس ألف درهم (٦). وحجَّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمَّد بن هارون بن إسحاق العباسي (٧). وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن سيار بن أيوب، الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة (٨). وأحمد بن أبي عِمران (٩): موسى بن عيسى، أبو جعفر البغدادي، كان من أكابر الحنفية، تفقَّه على

стр. 5391

محمد بن سَمَاعة، وهو أستاذ أبي جَعْفَر الطَّحاوي. وكان ضريرًا، سمع الحديث من عليّ بن الجَعْد وغيره، وقدِمَ مصرَ فحدَّث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر. أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر (١): أبو العباس البِرْتي (٢)، القاضي بواسط، صاحب المسند. روى عن مسلم بن إبراهيم، وأبي سلمة التَّبوذكيّ، وأبي نعيم، وأبي الوليد، وخَلْق. وكان ثقة ثبتًا، تفقه بأبي سليمان الجُوزجاني، صاحب محمد بن الحسن. وقد حكم بالجانب الشرقيّ من بغداد في أيام المعتز (٣)، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة؛ فبادَرَ إلى ذلك إسماعيل القاضي، واستنظره أبو العباس البِرْتي هذا، ثم بادر إلى كلِّ من أنس منه رشدًا فدفع إليه ماله، فلمَّا طولب به قال: ليس عندي منه شيء، دفعْتُه إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته، فتعبَّد إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله ﷺ ، فقام إليه وصافحه وقبَّل بين عينيه، وقال: مرحبًا بمن يعمل بسنتي وأثري. وفيها توفي: جعفر بن المعتمد، وكان يسامر (٤) المعتضد. وراشد مولى الموفق بمدينة الدِّينور، فحمل إلى بغداد (٥). وعثمان بن سعيد الدَّارِمي (٦)، مصنف "الرد على بِشْر المَرِيسيِّ" فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجَهْميّة، وقد ذكرناه في "طَبَقات الشافعية".

стр. 5392

ومسرور الخادم (١)، وكان من أكابر الأمراء. ومحمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل التَّرْمذيّ، صاحب التصانيف الحسنة في رمضان من هذه السنة؛ قاله ابن الأثير (٢)، وشيخنا الذهبيّ (٣). وهلال بن العلاء (٤)، المحدِّث المشهور، وقد وقع (٥) لنا من حديثه طرف (٦). ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين فيها: دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا، ولله الحمد. وفيها: تكامل غور المياه ببلاد الرَّيّ وطَبَرِستان، وغلت الأسعار جدًّا، وجهد الناس وقحطوا، حتى أكل بعضهم بعضًا، وكان (٧) الرجل يأكل ابنته، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفيها: حاصر المعتضد قلعة ماردين، وكانت بيد حَمدان بن حمدون ففتحها قسرًا، وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت. وفي هذه السنة وصلت قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه نائب الدِّيار المصرية إلى بغداد في تجمّل عظيم، ومعها من الجهاز شيء عظيم، حتى قيل: إنه كان في الجهاز مئة هاون من ذهب، ثم بعد كلّ حساب معها مئة ألف دينارٍ ليشترى بها من العراق ما قد تحتاج إليه، مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية (٨). وفيها: خرج المعتضد إلى بلاد الجبل، وولَّى ولده عليًّا المكتفي نيابة الرَّيّ، وقَزوين، وزَنْجان وقُم، وهَمْذان، والدِّينَوَر، وجعل على كتابته أحمد بن الأصْبَع، وولَّى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف نيابةَ أصبهان، ونَهَاوند، والكَرَج، ثم عاد راجعًا إلى بغداد.

стр. 5393

وحجَّ بالناس محمد بن هارون بن إسحاقٍ. وأصاب الحجّاج في الأجْفُر (١) مطر عظيم، فغرق منهم بشر كثير، كان الرجل يغرق في الرمل (٢) فلا يضدر أحد على خلاصه. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن الحسين بن دِيْزِيل (٣)، الحافظ، صاحب كتاب (٤) المصنفات، منها في "صفين" مجلدٌ كبير. أحمد بن محمد الطائيّ، بالكوفة، في جمادى، منها (٥). إسحاق بن إبراهيم (٦): المعروف بابن الجَبُّلي، سمع وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ. ابن أبي الدُّنيا (٧): عبد الله بن محمد بن عُبَيد بن سفيان بن قَيْس القرشيّ، مولى بني أمية. أبو بكر بن أبي الدُّنيا، الحافظ، المصنّف، المشهور، له التصانيف النَّافعة الشائعة الذائعة في الرقائق وغيرها، تزيد على مئة مصنف، ﵀. [وقيل: إنها نحو ثلاثمئة مصنَّف، وقيل: أكثر، وقيل: أقل] (٨). سمع إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، وخالد بن خِداش، وعليّ بن الجَعْد، وخلقًا. وكان مؤدّب المعتضد وابنه علي بن المعتضد الملقَّب بالمكتفي، وكان له عليه في كل شهر خمسة عشر دينارًا. وكان ثقة صدوقًا حافظًا ذا مروءة، لكن قال صالح بن محمد جزرة: إلا أنه كان يروي عن رجل يقال له:

стр. 5394

محمد بن إسحاقٍ البلخي، وكان هذا الرجل كذابًا يضع للكلام إسنادًا، ويروي أحاديث منكرة. ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه وبينهم، فكتب إليهم رقعة فيها مكتوب (١): أنا مشتاقٌ إلي رُؤيتكُمْ … يا أخِلائي وسَمْعي والبصَرْ كيفَ أنساكُمْ وقلبي عندَكُمْ … حالَ فيما بيننا هذا المَطَرْ توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن بالشونيزية، ﵀. عبد الرحمن بن عمرو (٢)، أبو زُرْعَة الدّمشقيّ، الحافظ الكبير، الشهير بين أهل العلم. محمد بن إبراهيم (٣)، ابن الموَّاز، الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب الإمام مالك؛ فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في الصَّلاة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومئتين في خامس ربيع الأول يوم الثلاثاء دخل المعتضد بالله بزوجته ابنة خُمَارَوَيْه، وكان قدومها إلى بغداد صحبة عمِّها وصحبة ابن الجصَّاص، وكان الخليفة غائبًا، وكان دخولها إليه يومًا مشهودًا، ومُنع النَّاسُ من المرور في الطرقات. وفيها: نهى الخليفة المعتضد أن يعمل للناس في يوم النيروز (٤) ما كانوا يتعاطَونه؛ من إيقاد النيران، وصبّ الماء، وغير ذلك من الأفعال المشابهة للمجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين (٥) في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسمى النوروز المعتضدي، كتب بذلك إلى الآفاق وسائر العمال. وفي ذي الحجّة من هذه السنة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائيّ من دمشق على البريد، فأخبر

стр. 5395

المعتضدَ باللّه أنَّ خُمَارَوَيْه ذبحه بعضُ خدمه على فراشه، وولّوا بعدَه ولده جيشًا، ثم قتلوه ونهبوا داره، وولّوا هارون بن خُمَارَوَيْه. وقد التزم في كلِّ سنة بألف ألف دينار وخمسمئة ألف دينار، تحمل إلى نائب الخليفة. فأقرَّه المعتضد على ذلك، فلمَّا كان المكتفي عَزَلَه وولَّى مكانه محمد بن سليمان الواثقيّ، فاصطفى أموال آل طولون، وكان ذلك آخر العهد بهم. وفيها: أطلِقَ لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من السجن، فعاد إلى مصر في أذل حال (١). وحجَّ بالناس الأمير المتقدِّم ذكره. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن داود، أبو حنيفة الدِّينوَريّ (٢) اللغويّ، صاحب "كتاب النبات". إسماعيل بن إسحاق (٣): ابن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد، أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصلُه من البصرة، ونشأ ببغداد، وسمع مسلم بن إبراهيم، ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ، والقَعْنَبيّ، وعليّ بن المَديني. وكان حافظًا فقيهًا مالكيًا، جمع وصنَّف، وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك. وقد ولي القضاء في أيام المتوكّل بعد سوَّار بن عبد الله ببغداد، ثم عزل، ثم ولي وصار مقدَّم القضاة. وكانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمانٍ بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، ﵀. الحارث بن محمّد بن أبي أسامة، صاحب "المسند" المشهور (٤). خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون (٥): صاحب الدِّيار المصرية بويع له بملك الديار المصرية [بعد أبيه
следующие страницы →