← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

محمد بن سَمَاعة، وهو أستاذ أبي جَعْفَر الطَّحاوي. وكان ضريرًا، سمع الحديث من عليّ بن الجَعْد وغيره، وقدِمَ مصرَ فحدَّث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر. أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر (١): أبو العباس البِرْتي (٢)، القاضي بواسط، صاحب المسند. روى عن مسلم بن إبراهيم، وأبي سلمة التَّبوذكيّ، وأبي نعيم، وأبي الوليد، وخَلْق. وكان ثقة ثبتًا، تفقه بأبي سليمان الجُوزجاني، صاحب محمد بن الحسن. وقد حكم بالجانب الشرقيّ من بغداد في أيام المعتز (٣)، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة؛ فبادَرَ إلى ذلك إسماعيل القاضي، واستنظره أبو العباس البِرْتي هذا، ثم بادر إلى كلِّ من أنس منه رشدًا فدفع إليه ماله، فلمَّا طولب به قال: ليس عندي منه شيء، دفعْتُه إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته، فتعبَّد إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله ﷺ ، فقام إليه وصافحه وقبَّل بين عينيه، وقال: مرحبًا بمن يعمل بسنتي وأثري. وفيها توفي: جعفر بن المعتمد، وكان يسامر (٤) المعتضد. وراشد مولى الموفق بمدينة الدِّينور، فحمل إلى بغداد (٥). وعثمان بن سعيد الدَّارِمي (٦)، مصنف "الرد على بِشْر المَرِيسيِّ" فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجَهْميّة، وقد ذكرناه في "طَبَقات الشافعية".

стр. 5392

ومسرور الخادم (١)، وكان من أكابر الأمراء. ومحمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل التَّرْمذيّ، صاحب التصانيف الحسنة في رمضان من هذه السنة؛ قاله ابن الأثير (٢)، وشيخنا الذهبيّ (٣). وهلال بن العلاء (٤)، المحدِّث المشهور، وقد وقع (٥) لنا من حديثه طرف (٦). ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين فيها: دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا، ولله الحمد. وفيها: تكامل غور المياه ببلاد الرَّيّ وطَبَرِستان، وغلت الأسعار جدًّا، وجهد الناس وقحطوا، حتى أكل بعضهم بعضًا، وكان (٧) الرجل يأكل ابنته، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وفيها: حاصر المعتضد قلعة ماردين، وكانت بيد حَمدان بن حمدون ففتحها قسرًا، وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت. وفي هذه السنة وصلت قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه نائب الدِّيار المصرية إلى بغداد في تجمّل عظيم، ومعها من الجهاز شيء عظيم، حتى قيل: إنه كان في الجهاز مئة هاون من ذهب، ثم بعد كلّ حساب معها مئة ألف دينارٍ ليشترى بها من العراق ما قد تحتاج إليه، مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية (٨). وفيها: خرج المعتضد إلى بلاد الجبل، وولَّى ولده عليًّا المكتفي نيابة الرَّيّ، وقَزوين، وزَنْجان وقُم، وهَمْذان، والدِّينَوَر، وجعل على كتابته أحمد بن الأصْبَع، وولَّى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف نيابةَ أصبهان، ونَهَاوند، والكَرَج، ثم عاد راجعًا إلى بغداد.

стр. 5393

وحجَّ بالناس محمد بن هارون بن إسحاقٍ. وأصاب الحجّاج في الأجْفُر (١) مطر عظيم، فغرق منهم بشر كثير، كان الرجل يغرق في الرمل (٢) فلا يضدر أحد على خلاصه. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن الحسين بن دِيْزِيل (٣)، الحافظ، صاحب كتاب (٤) المصنفات، منها في "صفين" مجلدٌ كبير. أحمد بن محمد الطائيّ، بالكوفة، في جمادى، منها (٥). إسحاق بن إبراهيم (٦): المعروف بابن الجَبُّلي، سمع وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ. ابن أبي الدُّنيا (٧): عبد الله بن محمد بن عُبَيد بن سفيان بن قَيْس القرشيّ، مولى بني أمية. أبو بكر بن أبي الدُّنيا، الحافظ، المصنّف، المشهور، له التصانيف النَّافعة الشائعة الذائعة في الرقائق وغيرها، تزيد على مئة مصنف، ﵀. [وقيل: إنها نحو ثلاثمئة مصنَّف، وقيل: أكثر، وقيل: أقل] (٨). سمع إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، وخالد بن خِداش، وعليّ بن الجَعْد، وخلقًا. وكان مؤدّب المعتضد وابنه علي بن المعتضد الملقَّب بالمكتفي، وكان له عليه في كل شهر خمسة عشر دينارًا. وكان ثقة صدوقًا حافظًا ذا مروءة، لكن قال صالح بن محمد جزرة: إلا أنه كان يروي عن رجل يقال له:

стр. 5394

محمد بن إسحاقٍ البلخي، وكان هذا الرجل كذابًا يضع للكلام إسنادًا، ويروي أحاديث منكرة. ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه وبينهم، فكتب إليهم رقعة فيها مكتوب (١): أنا مشتاقٌ إلي رُؤيتكُمْ … يا أخِلائي وسَمْعي والبصَرْ كيفَ أنساكُمْ وقلبي عندَكُمْ … حالَ فيما بيننا هذا المَطَرْ توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن بالشونيزية، ﵀. عبد الرحمن بن عمرو (٢)، أبو زُرْعَة الدّمشقيّ، الحافظ الكبير، الشهير بين أهل العلم. محمد بن إبراهيم (٣)، ابن الموَّاز، الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب الإمام مالك؛ فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في الصَّلاة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومئتين في خامس ربيع الأول يوم الثلاثاء دخل المعتضد بالله بزوجته ابنة خُمَارَوَيْه، وكان قدومها إلى بغداد صحبة عمِّها وصحبة ابن الجصَّاص، وكان الخليفة غائبًا، وكان دخولها إليه يومًا مشهودًا، ومُنع النَّاسُ من المرور في الطرقات. وفيها: نهى الخليفة المعتضد أن يعمل للناس في يوم النيروز (٤) ما كانوا يتعاطَونه؛ من إيقاد النيران، وصبّ الماء، وغير ذلك من الأفعال المشابهة للمجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين (٥) في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسمى النوروز المعتضدي، كتب بذلك إلى الآفاق وسائر العمال. وفي ذي الحجّة من هذه السنة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائيّ من دمشق على البريد، فأخبر

стр. 5395

المعتضدَ باللّه أنَّ خُمَارَوَيْه ذبحه بعضُ خدمه على فراشه، وولّوا بعدَه ولده جيشًا، ثم قتلوه ونهبوا داره، وولّوا هارون بن خُمَارَوَيْه. وقد التزم في كلِّ سنة بألف ألف دينار وخمسمئة ألف دينار، تحمل إلى نائب الخليفة. فأقرَّه المعتضد على ذلك، فلمَّا كان المكتفي عَزَلَه وولَّى مكانه محمد بن سليمان الواثقيّ، فاصطفى أموال آل طولون، وكان ذلك آخر العهد بهم. وفيها: أطلِقَ لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من السجن، فعاد إلى مصر في أذل حال (١). وحجَّ بالناس الأمير المتقدِّم ذكره. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن داود، أبو حنيفة الدِّينوَريّ (٢) اللغويّ، صاحب "كتاب النبات". إسماعيل بن إسحاق (٣): ابن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد، أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصلُه من البصرة، ونشأ ببغداد، وسمع مسلم بن إبراهيم، ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ، والقَعْنَبيّ، وعليّ بن المَديني. وكان حافظًا فقيهًا مالكيًا، جمع وصنَّف، وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك. وقد ولي القضاء في أيام المتوكّل بعد سوَّار بن عبد الله ببغداد، ثم عزل، ثم ولي وصار مقدَّم القضاة. وكانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمانٍ بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، ﵀. الحارث بن محمّد بن أبي أسامة، صاحب "المسند" المشهور (٤). خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون (٥): صاحب الدِّيار المصرية بويع له بملك الديار المصرية [بعد أبيه

стр. 5396

سنة إحدى وسبعين ومئتين، ففصده المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق في حياة أبيه] (١)، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، في أرض الرملة، وقيل: في أرض الصعيد. فانهزم (٢) خُمَارَوَيْه هاربًا على حمار، وكرَّ جيشه على المعتضد، فهرب كما قدَّمنا. ثم تزوَّج ابنته وتصافيا بعد ذلك. فلما كان في ذي الحجّة من هذه السنة عَدَا الخدم من الخصيان على خُمَارَوَيْه، فذبحوه وهو على فراشه، وذلك لأنه اتَّهمهم بجواريه، فمات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقام بالأمر من بعده ولدُه هارون بن خُمَارَوَيْه، وهو آخر الطولونية. وذكر ابن الأثير (٣) فيمن توفي في هذه السنة: عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد الدَّارمي، الفقيه الشافعي. أخذ الفقه عن البويطيّ، صاحب الشافعي (٤). الفضل بن محمَّد بن المسيّب (٥): ابن موسى بن زهير بن يزيد بن كَيْسان بن بَاذَان ملك اليمن، وقد أسلم (٦) بَاذَان في حياة رسول الله ﷺ ، أبو محمد الشَّعْراني (٧) الأديب الفقيه العابد الحافظ الرحَّال، تلميذ ليحيى بن مَعين، وروى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل، وعليّ بن المديني؛ وقرأ على خَلَف بن هشام البزار؛ وتعلم اللغة من ابن الأعرابي، وكان ثقة كبير القدر. [أبو العَيْنَاء] (٨): محمّد بن القاسم بن خَلاد، أبو العَيْنَاء البَصْريّ، الضرير، الشاعر الأديب البليغ اللغويّ، تلميذ الأصمعي. وكنيته أبو عبد الله، وإنما لُقِّب بأبي العَيْنَاء؛ لأنه سئل عن تصغير عيناء (٩) فقال: عُيَيْناء، وله معرفة تامّة بالأدب والحكايات والمُلَح؛ فأمَّا الحديثُ فليس له منه إلا القليل.

стр. 5397

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئتين في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصدًا بلادَ المَوْصل؛ لقتال هارون الشاري الخارجيّ، فظفر به، وهزم أصحابه، وكتب بذلك إلى بغداد، ولمَّا رَجَعَ الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الخارجيّ، وكان صُفْريًا (١). فلمَّا صُلِبَ، قال: لا حكم إلا للّه ولو كَرِه المشركون. وكان الحسين بن حَمدان بن حمدون قد قاتل الخوارج في هذه الغزوة قتالًا عظيمًا، فأطلق الخليفةُ أباه حمدان بن حمدون من القيود بعدما كان قد سجنه حين أخذ قلعة ماردين من يده، وهدمها عليه، فأطلقه، وخلع عليهما، وأحسن إليه. وفيها: كتب المعتضد إلى الآفاق بردِّ ما فضل عن سهام ذوي الفروض إذا لم يكن عصبة إلى ذوي الأرحام، وذلك عن فتيا أبي حازم القاضي، وقد قال في فتياه: إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيدَ بن ثابت، فإنَّه تفرَّد بردِّ ما فضل والحالة هذه إلى بيت المال. ووافق علي بن محمد بن أبي الشوارب لأبي حازم، وأفتى القاضي يوسف بن يعقوب بقول زيدٍ، فلم يلتفت إليه المعتضد، وأمضى فتيا أبي حازم (٢). ومع هذا ولَّى القاضي يوسف بن يعقوب قضاء الجانب الشرقيّ، وخلع عليه خلعة سنية أيضًا، وقلَّد أبا حازم قضاء أماكن كثيرة، وكذلك لابن أبي الشوارب، وخلع عليهما خلعًا سنية أيضًا. وفيها: كان الفداء بين المسلمين والروم، فاستنقذ من أيديهم من المسلمين ألفان وخمسمئة وأربعة أنفس، وللّه الحمد والمنة. وفيها: حاصرت الصّقالبة الروم، فاستنقذ من أيديهم من المسلمين ألفان وخمسمئة وأربعة أنفس، وللّه الحمد والمنة. وفيها: حاصرت الصّقالبة الروم في القسطنطينية، فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم سلاحًا كثيرًا، فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة المسلمين، ففرَّقهم في البلاد. وفيها: خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله، فخلفه فيها رافع بن هَرْثَمة، ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطَّلبي ولولد (٣) من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها.

стр. 5398

وفيها: بعث الخليفة المعتضد وزيره عبد الله بن سليمان بن وَهْب، لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الأمان فأمَّنه، وأخذه معه إلى الخليفة، فتلقاه الأمراء عن أمر الخليفة، وخلع عليه وأحسن إليه. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران (١): أبو إسحاق الثقفي السزاج النيسابوري. كان الإمام أحمد بن حنبل يدخل إلى منزله، وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي من بغداد، وينبسط فيه ويفطر عنده. وكان من الثقات العلماء العبَّاد، توفي في صفر منها. إسحاق بن إبراهيم بن محمد (٢): ابن خازم بن سُنَيْن، أبو القاسم الختلي، وليس هو بالذي تقدَّم ذكره في السنين المتقدمة. سمع داود بن عمرو، وعلي بن الجَعْد، وخلقًا كثيرًا. وقد ليَّنه الدَّارَقطني، فقال: ليس بالقوي. توفي في هذه السنة عن نحو ثمانين سنة. سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري (٣): أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري. ومن كلام سهل الحسن قوله: أمسِ قد مات، واليوم في النَزْع، وغدا (٤) لم يولد؛ وهكذا كما قال بعض الشعراء: ما مَضى فاتَ والمؤمَّلُ غيبٌ … ولكَ السَّاعةُ التي أنتَ فيها قال القاضي ابن خلكان (٥): وكان سلوكه على يدي خاله محمد بن سوّار، وقيل: إنَّه توفي سنة ثلاث وسبعين [ومئتين]، فالله أعلم. عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خِراش (٦): أبو محمد الحافظ المروزي، أحد الجوَّالين الرحَّالين حفاظِ الحديث، والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان يُنْبَز (٧) بشيء من التشيع، فالله أعلم.

стр. 5399

روى الخطيب (١) عنه أنه قال: شربت بَوْلي في هذا الشأن خمس مرات، يعني أنه اضطر إلى ذلك في الأسفار في طلب الحديث. علي بن محمد بن أبي الشَّوارب (٢): عبد الملك الأموي البصري، قاضي سامُرّا. وقد ولي في بعض الأحيان قضاء القضاة، كان من الثِّقات. سمع أبا الوليد وأبا عمر الحَوْضي. وعنه: النَّجَّاد، وابنُ صاعد، وابن قانِع. وحمل الناس عنه علمًا كثيرًا. ابن الرّومي الشاعر (٣): صاحب الدلوان في الشعر على بن العبَّاس بن جريج، أبو الحسن، المعروف بابن الرُّومي، وهو مولى عبيد الله بن جعفر، وكان شاعرًا مشهورًا مطيفًا؛ فمن ذلك قولُه (٤): إذا ما مدحتَ الباخلينَ فإنَّما … تُذكِّرهم ما في سواهُمْ مِنَ الفضلِ وتهدي لهم غمًّا طويلًا وحسرةً … فإن منعوا منكَ النَّوالَ فبالعدلِ ومن ذلك قوله (٥): إذا ما كساكَ الدَّهْرُ سربالَ صحةٍ … ولم تخلُ من قوتٍ يلذُّ وَيعذبُ فلا تَغْبِطنَّ المترفينَ فإنَّه (٦) … على قدرِ ما يكوسهُمُ الدَّهرُ يَسْلُبُ وقوله (٧): عدوُّك من صديقكَ مستفادٌ … فلا تستكثرنَّ مِنَ الصِّحابِ فإنَّ الدَّاءَ أكثر ما تراهُ … يكونُ من الطَّعامِ أو الشَّرابِ إذا انقلبَ الصَّديقُ غدًا عدوًّا … مُبينًا والأمورُ إلى انقلابِ ولو كانَ الكثيرُ يطيبُ كانَتْ … مُصَاحَبةُ الكثيرِ من الصَّوابِ ولكن قلَّما استكثرتَ إلا … وقفْتَ على ذئابٍ في ثيابِ

стр. 5400

فدَعْ عنكَ الكثيرَ فكمْ كثيرٍ … يُعافُ وكم قليلٍ مستطابِ وما اللُّجَجُ المِلاحُ بمُروياتٍ … وتلقى الرَّيَّ في النُّطفِ العِذابِ وقوله (١): وما الحسبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّهُ … بمحتَسَبٍ إلا بآخَرَ مُكتسَبْ فلا تَتَّكِلْ إلا على ما فعلْتَهُ … ولا تحسَبنَ المجْدَ يُورثُ كالنَّسَبْ فليسَ يسُودُ المرءُ إلا بنفسِهِ … وإنْ عَدَّ آباء كِرامًا ذوي حسَبْ إذا العُودُ لم يُثمِرْ وإن كان شُعبةً … من المثمراتِ اعتدَّهُ النَّاسُ في الحَطَبْ وللمِجْدِ قومٌ ساوَرُوه بأنفُسٍ … كِرامٍ ولم يُعْنَوْا (٢) بألم ولا بأبْ ومن لطيف شعره قوله (٣): قلبي من الطَّرفِ السَّقيمِ سقيمُ … لو أنَّ منْ أشكو إليهِ رَحيمُ مِنْ وجهها أبدًا نهارٌ واضِحٌ … من فَرْعِها ليلٌ عليه بَهيمُ إنْ أقبلَتْ فالبَدْرُ لاحَ وإن فَشَتْ … فالغُصْنُ راحَ وإنْ رَنَتْ فالرِّيمُ نَعِمَت بها عيني فطَالَ عذابُها … ولَكَمْ عَذابٌ قد جَناهُ نعيمُ نظرَتْ فأقصدَتِ الفؤادَ بسَهْمِها … ثم انْثَنَت نَحْوي فكِدْتُ أهيمُ وَيْلاهُ إنْ نَظَرَتْ وإنْ هي أعْرَضَتْ … وَقْعُ السِّهامِ ونَزْعُهُنَّ أليمُ يا مستحِلَّ دَمي مُحرِّمَ رحمتي … ما أنصَفَ التحليلُ والتحريمُ وذكر له ابنُ خلكان أشياء كثيرة غير ما أوردناه، من ذلك قوله (٤) - وكان يزعم أنَّه لم يسبقْ إليه -: آراؤُكمْ ووجُوهُكُمْ وسُيُوفُكُمْ … في الحادثاتِ إذا دَجَوْنَ نُجُومُ منها مَعَالِمُ لِلهُدَى ومَصَابحٌ … تجلو الدُّجَى والأخْرَياتُ رُجومُ وذكر (٥) أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وأنه مات في هذه السنة، [وقيل: في التي بعدها] (٦) وقيل: في سنة ست وسبعين.

стр. 5401

وذكر (١) أن سبب وفاته أنَّ وزيز المعتضد القاسم بن عُبَيد الله كان يخاف من هَجْوه [وفلَتات] لسانه، فدسَّ إليه مَنْ أطعمه وهو بحضرته خَشكُنانة (٢) مسمومة، فلما أحسّ بالسمِّ قام، فقال له الوزير: إلى أين؟ قال: إلى المكان الذي بعثتني [إليه] (٣). قال: سلِّم على والدي. فقال: لست أجتاز على النَّار. محمد بن سليمان بن الحارث: أبو بكر البَاغَنْدي الواسطيّ (٤)، كان من الحفَّاظ، وقد ذكر أنَّ أبا داود كان يسأله عن الحديث، مع هذا تكلَّموا فيه وضعَّفوه. محمد بن غالب بن حَرْب: أبو جعفر الضَّبِّي، المعروف بتَمْتَام (٥). سمع عَفَّان، وَقَبيصة، والقَعْنَبي، وكان من الثقات. قال الدَّارَقُطْني: وربما أخطأ. توفي في رمضان عن تسعين سنة. البُحْتُريّ الشاعر (٦): صاحب الديوان المشهور، الوليد بن عُبادة، ويقال: ابن عُبَيد الله بن يحيى، أبو عُبَادة (٧) الطائيّ البحتريّ، الشاعر، أصله من مَنْبج، وقدم بغداد ومدح المتوكِّل والرؤساء، وكان شعره في المديح خيرًا منه في المراثي، فقيل له في ذلك، فقال: المديحُ للرَّجاء، والمراثي للوفاء، وبينهما بُعْدٌ. وقد روى شعرَه المبرّد، وابنُ دُرُسْتُوَيْه، وابن المَرْزُبان. وقيل له: إنهم يقولون: أنت أشعر من أبي تمام. فقال: لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا. وقد كان البحتري شاعرًا مطيفًا فصيحًا بليغًا، رجع إلى بلده فمات به في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، عن ثمانين سنة.

стр. 5402

ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئتين في المحرّم منها دخل رأس رافع بن هَرْثَمة إلى بغداد، فامو الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل. وفي ربيع الأول منها خُلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة [أبي جعفر] (١) المنصور عوضًا عن ابن أبي الشَّوارب، بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وهي (٢) شاغرة. وفي ربيع الآخر ظهرت بمصرَ ظلمة شديدة، وحُمرة في الأفُق، حتَّى صار الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمرَ اللون جدًّا، وكذلك الجدران. فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل؛ فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرَّعون إليه، حتى كشف عنهم. وفي هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، فحذَّره وزيرُه عبيد الله بن سليمان بن وَهْب من ذلك؛ فإنَّ العامة تنكر قلوبهم، وهم يترحَّمون عليه [ويترضون عنه] (٣) في أسواقهم ومجامعهم، فلم يلتفت إليه، وأمر بذلك وأمضاه، وكتبت (٤) نسخ بلعن معاوية، وذكر فيها ذمّه وذمّ ابنه يزيد، وجماعة من بني أمية، وأورد فيها أحاديث باطلة في ذمِّ معاوية، وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن الترحُّم عليه والترضي عنه. فلم يزل به الوزير حتَّى قال له فيما قال: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ هذا الصنيع ممَّا يرغِّب العامّة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم. فوَجَم لذلك المعتضد وترك ما كان عزم عليه من ذلك؛ لخوفه على الملك، وقدَّر الله أنَّ هذا الوزير كان ناصِبيًّا يبغض عليًا؛ فكان هذا من هفوات المعتضد؛ سامحه الله. ونودي في البلدان: لا تجتمع العامّة على قاصٍّ، ولا كاهنٍ، ولا منجِّمٍ، ولا جَدليٍّ، ولا غير ذلك، وأن لا يهتمُّوا لأمر النوروز. ثم أطلق لهم أمر النوروز؛ وكانوا يصبّون المياه على المارة، فتوسعت العامّة في ذلك، وغلوا فيه، حتى جعلوا يصبّون الماء على الجند وعلى الشُّرَط وغيرهم، وهذا أيضًا من هفواته. قال ابن الجوزي (٥):

стр. 5403

وفي هذه السنة وعد المنجمون النَّاس: أنَّ أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار والسيول وزيادة الأنهار، فأكذبهم الله في قولهم هذا، فلم تكن سنة أقلَّ مطرًا منها، وقلَّت العيون جدًّا، وقحط الناس في كلِّ بقعة، حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مرارًا كثيرة، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ. قال (١): وفي هذه السنة كان يتبدَّى بالليل في دار الخلافة شخص بيده سيف، فإذا أرادوا أخذه انهزم منهم، فدخل في بعض الأماكن، أو الزروع والأشجار، أو العطفات التي بدار الخلافة، فلا يطلع له على خبر؛ ففلق من ذلك المعتضد قلقًا شديدًا، وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كُلِّ جانب بشدة الاحتراس، فلم يفد ذاك شيئًا؛ واستدعى بالمعزِّمين ومن يعاني علم السحر وأمر المجانين، فعزَّموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئًا، فأعياهم أمره. ثم كان بعد مدة اطلع على جلية خبره وحقيقة أمره؛ أنَّه كان خادمًا خصيًّا يتعشَّق بعض الجواري من خواص الحظايا اللائي لا يصل النظر إليها مثله، فكان قد اتخذ لِحىً مختَلفة الألوان، فيلبَسُ الواحدة، ويتبدَّى في الليل في شكلٍ مزعجٍ، فينزعج الجواري والخدم، ويثورون من كُلِّ جانبٍ، ويقصدون فيدخل في بعض العطفات، ويخلعها ويجعلها في كمه، ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر؟ والسيف في يده صفة أنه من جملة من رهب من هذا الأمر، وإذا اجتمع الجواري يتمكن من النظر إلى تلك المعشوقة، وملاحظتها والإشارة إليها بما يريده منها، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر، فبُعث في سرية إلى طرسوس (٢)، فنمَّت عليه تلك الجارية، وانكشف زيفه ومحاله، وأهلكه الله . وفي هذه السنة اضطرب الجيش على هارون بن خُمَارَوَيْه بمصر، فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدبّر الأمور ويصلح الأحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق، وكانت قد منعت بيعة جيش بن خُمَارَوَيْه في مدة ولايته تسعة أشهر بعد أبيه، واضطربت أحوالها، فبعث إليهم جيشًا كثيفًا مع بدر الحمّامي والحسين بن المادَرائي (٣)، فأصلحا أمرها، واستعملا على نيابتها طُغْج (٤) بن جفّ، ورجعا إلى الدِّيار المصرية والأمور مختلّة جدًّا.

стр. 5404

وهكذا يكون انقضاء الدول في أواخرها، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن المبارك أبو عمرو المُسْتملي (١): الزاهد النَّيْسابوريّ، يلقَّب بحكمويه، العابد. سمع قُتَيبة، وأحمد، وإسحاق، وغيرَهم. واستملى الزاهد النِّيْسابوريّ على المشايخ ستًا وخمسين سنة. وكان فقيرًا رثَّ الهيئة زاهدًا؛ دخل يومًا على أبي عثمان سعيد بن إسماعيل، وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان، وقال للناس: إنَّما أبكاني رثاثة ثياب رجلٍ كبيرٍ من أهل العلم، أنا أجِلُّه عن أن أسفيه في هذا المجلس، فجعل الناس يُلقون الخواتم والدَّراهم والثياب، حتَّى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبي عثمان، فنهض عند ذلك أبو عَمرو المُسْتَملي، فقال: أيُّها النَّاس، أنا الذي قَصَدني الشيخُ بكلامه، ولولا أنِّي كرِهْتُ أن يُتَّهم بإثم لسترْتُ ما ستره. فتعجَّب أبو عثمان من إخلاصه، ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمعَ بين يدي الشيخ، فما خرج من باب المسجد حتَّى تصدَّق بجميعه على الفقراء والمحاويج (٢)، ﵀. كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة. إسحاق بن الحسن (٣): ابن ميمون بن سعد، أبو يعقوب الحَرْبي. سمع عفَّان، وأبا نُعَيْم، وغيرهما. وكان أسنَّ من إبراهيم الحَرْبي بثلاث سنين (٤). ولما توفي إسحاقٍ الحَرْبي نودي عليه بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحَرْبي، فجعلوا يقصدون داره فيقول له إبراهيم: ليس إلى هذا الموضع قصدتم، وغدًا تأتونه أيضًا، فما عمّر بعده إلا دون السنة، رحمهما الله. إسحاق بن محمد، أبو يعقوب الزّهري، عمّر تسعين سنة، وكان ثقة صالحًا (٥).

стр. 5405

إسحاق بن موسى بن عمران، الفقيه، أبو يعقوب الإسفراييني، الشافعي (١). عبيد الله بن عليّ بن الحسن بن إسماعيل، أبو العبَّاس الهاشمي (٢)؛ كانت إليه الحسبة ببغداد، وإمامة جامع الرصافة. عبد العزيز بن معاوية العَتَّابي، من ولد عَتَّاب بن أسِيد (٣)، بصري، قدم بغداد، وحدَّث عن أزهر السَّمَّان، وأبي عاصم النَّبيل. يزيد بن الهيثم بن طهمان، أبو خالد الدقَّاق، ويعرف بالباد. قال ابن الجوزي (٤): والصواب أن يقال: البادِي، لأنه ولد توأمًا، وكان هو الأول في الميلاد. روى عن يحيى بن مَعين، وغيره. وكان ثقةً صالحًا. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين فيها خرج صالح بن مُدرك الطائيّ على الحاجّ بالأجفُر، فأخذ أموالهم ونساءهم وخدمهم، يقال: إنه أخذ منهم ما قيمته ألفا ألف دينار. وفي ربيع الأول منها يوم الأحد لعشر بَقِين منه، ارتفعت بنواحي الكُوفة ظلمة شديدة جدًّا، ثم سقطت أمطار بِرُعودٍ وبرُوقٍ لم يُرَ مثلُها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارةٌ بيضٌ، وسودٌ، وسقط بَرَدٌ كِبار، وزن البردة مئة وخمسون درهمًا، واقتلعت الرياحُ شيئًا كثيرًا من النخيل والأشجار مما حولَ دجلة، وزادت دِجْلَة زيادة عظيمة، حتى خيف على بغداد من الغرق. وغزا راغبٌ الخادم، مولى الموفَّق، بلادَ الرُّوم، ففتح حصونًا كثيرة، وأسر ذراري كثيرة جدًّا، وقتل من أسارى الرجال الذين تحصَّلوا معه ثلاثة آلاف رقبة، وعاد سالمًا مؤيّدًا منصورًا. وحجَّ بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشميّ. وفيها: توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، صاحب آمِد، فقام بأمرها من بعده ولدُه محمّد، فقصده المعتضدُ ومعه ابنُه أبو محمّد المكتفي، فحاصره بها، فخرج إليه سامعًا مطيعًا، فتسلَّمها منه، وخلَع عليه، وأكرم أهله، وأحسن إليه، واستخلف عليها ولده المكتفي.

стр. 5406

ثم سار إلى قِنَّسرين والعواصم، فتسلَّمها عن كتاب هارون بن خُمَارَوَيْه، وإذنه له في ذلك، ومصالحته له على ذلك (١). وفيها: غزا ابن الإخشيد بأهل طَرَسُوس بلادَ الروم، ففتح الله على يديه، وللّه الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن إسحاق (٢): ابن بشير بن عبد الله بن دَيْسَم، أبو إسحاق الحَرْبي، أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، [وكان] (٣) زاهدًا عابدًا، تخرّج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيرًا. قال الدَّارَقُطني: إبراهيم الحَرْبي إمام، مصنف، عالم بكل شيء، بارع في كلّ علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه. وقال إبراهيم الحَرْبي: أجْمَعَ عقلاءُ كُلِّ أمةٍ انَ مَنْ لم يجرِ مَعَ القَدَرِ لم يتهنَّأ بعيشه (٤). وكان يقول: الرجل [هو] (٥) الذي يدخل غمَّه على نفسه ولا يدخله على عياله؛ وقد كان بي شقيقة منذ خمس وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدًا قط؛ ولي عشر سنين أبصر بفرد عين، ما أخبرت بها أحدًا. وذكر أنه مكث نيفًا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداءٍ ولا عشاءٍ، بل إن جاؤوه بشيء أكله، وإلا طَوَى إلى الليلة القابلة. وذكر أنه أنفق في بعض الرمضانات على نفسه وعياله درهمًا واحدًا وأربعة دوانيق ونصف؛ وما كنَّا نعرف من هذه الطبائخ شيئًا، إنَّما هو باذنجان مشوي، أو باقة فجل، أو نحو هذا. وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم، فأبَى أن يقبلَها وردَّها؛ فرجع الرسول، وقال: يقول لك الخليفة: فرّقها على مَنْ تعرف من فقراء جيرانك، فقال: هذا شيء لم نجمعه ولا نُسألُ عن جمعه، فلا نُسألُ عن تفريقه، قلْ لأمير المؤمنين: إمَّا يتركنا وإلا نتحوَّل من بلده. ولما حضرته الوفاة، دخل عليه بعضُ أصحابه يعوده، فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد،

стр. 5407

وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، وربما عدموا الملحَ في بعض الأحيان. فقال لها إبراهيم: يا بُنية، تخافين الفقر؟ انظري إلى تلك الزاوية ففيها اثنا عشر ألف جزء قد كتبتها في العلم، ففي كل يوم بيعي منها جزءًا بدرهم، فَمَن عنده اثنا عشر ألفَ درهمٍ فليس بفقير. ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجّة، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، وكان الجمع كثيرًا جدًّا. المبرّد النَّحويّ (١): محمد بن يزيد بن عبد الأكْبر، أبو العبَّاس الأزْدِيُّ الثُّماليُّ، المعروف بالمُبرّد، النَّحويّ، البصريّ، إمام في اللغة والعربية، أخذ ذلك عن المازني، وأبي حاتم السِّجِسْتاني. وكان ثقة ثبتًا فيما ينقله، وكان مناوئًا لثعلب، وله كتاب "الكامل" في الأدب. وإنَّما سمِّي بالمبرّد؛ لأنَّه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المُزَمَّلة (٢). قال المبرّد (٣): دخلنا يومًا على المجانين نزورهم أنا وأصحابٌ معي بالرَّقَّة، فإذا فيهم شاب قريب عهد بالمكان، عليه ثياب ناعمة، فلمَّا بَصُر بنا، قال؛ حيَّاكم الله، ممن أنتم؟ قلنا: من أهل العراف. فقال: بأبي العراق وأهلها! أنشدوني أو أنشدكم؟ قال المبرّد: فقلت: بل أنشدنا أنت، فأنشأ يقول: اللهُ يعلَمُ أنَّني كمِدٌ … لا أستطيعُ بثَّ ما أجدُ روحانِ لي روحٌ تضمَّنها … بلدٌ وأخرى حَازَهَا بلَدُ وأرى المقيمةَ ليس ينفعها … صبرٌ ولا يَقْوَى لها جلدٌ وأظنُّ غائبتي كشاهدتي (٤) … بمكانها تجدُ الذي أجِدُ قال المبرّد: فقلتُ: واللّه إن هذا لظريف، فزِدْنا منه، فأنشأ يقول: لمَّا أناخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ … ورحَّلُوها (٥) فثارَت (٦) بالهوى الإبلُ وأبرزَتْ من خِلالِ السَّجْفِ ناظِرَها … تَرْنُو إليَّ وَدَمْعُ العَيْنِ يَنْهَمِلُ وودَّعَتْ ببَنَانٍ عَقْدُها عَنَمٌ … نادَيْتُ: لا حَمَلَتْ رِجلاكَ يا جَمَلُ

стр. 5408

وَيْلي من البَيْنِ ماذا حَلَّ بي وبِهِمْ … مِنْ نازِلِ البَيْنِ حانَ البَيْنُ وارْتَحَلُوا يا راحِلَ العِيسِ عَجِّلْ كي أودِّعَهُمْ … يا راحِلَ العِيسِ في تَرْحَالِكَ الأَجَلُ إنِّي على العهدِ لم أنقُضْ مودَّتكم … فليْتَ شِعْري! أطال (١) العهد ما فَعَلُوا (٢) فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا. فقال الشاب: إذًا أموتُ، فقال: إن شئتَ. فتمطَّى، واستند إلى سارية عنده، ومات، وما برحنا حتى دفنَّاه، ﵀. ومات المبرّد وقد جاوز السبعين. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئتين فيها: وقع تسلم آمِد من ابن الشيخ في ربيع الآخر، ووصل كتاب هارون بن [خُمَارَوَيْه بن] (٣) أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد وهو مخيم بآمِد؛ أن يسلم إليه قِنَّسرين والعواصم، على أن يقرَّه على إمارة الدِّيار المصرية، فأجابه إلى ذلك، ثم ترحَّل عن آمِد قاصِدًا العراق، وأمر بهدْمِ سور آمِد فهُدِم (٤) البعض ولم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمِد (٥): اِسْلَمْ أميرَ المؤمنينَ ودُمْ … في غِبطةٍ وَلْيَهْنِكَ النَّصْرُ فلربَّ حادثةٍ نهضْتَ لها … متقدِّمًا فتأخَّرَ الدَّهْرُ ليثٌ فرائسُهُ الليوثُ فَمَا … يبيضُّ مِنْ دمِها له ظفْرُ ولمَّا رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور، فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الاخرة، وكان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم، خارجًا عن دوابّ وسروجٍ وغير ذلك (٦). وفيها (٧): تحارب إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ وعمرو بن الليث، وذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هَرْثَمة، وبعث برأسه إلى الخليفة، سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر، [مضافًا إلى ما بيده من

стр. 5409

ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك، فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ نائب ما وراء النهر] (١)، وكتب إليه: إنَّك قد ولّيتَ دنيا عريضة، فاقتنع بها عمَّا في يدي من هذه البلاد. فلم يقبل، فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمةٍ جدًّا، فالتقيا عند بَلْخ، فهُزم أصحاب عمرو، وأسِر عمرو. فلمَّا جيء به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه، وقبَّل بين عينيه، وغسل وجهه، وخلع عليه وأمَّنه، وكتب إلى الخليفة في أمره، يذكر أن أهل تلك البلاد قد ملّوه، وضجروا من ولايته عليهم. فجاء كتابُ الخليفة بأن يتسلّم حواصله وأمواله، فسلبه إياها، فآل به الحالُ بعد أن كان مطبخُه يحمل على ستمئة جمل إلى القيد والسجن (٢). [ومن العجائب أن عَمْرًا كان معه خمسون ألفًا، فلم يصبْ أحد منهم ولا أسِرَ سواه وحده] (٣). ظهور أبي سعيد الجنَّابيّ رأس القرامطة، قبَّحهم الله ولعنهم وهو (٤) أخبث من الزّنج وأشدّ فسادًا كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة، فالتفَّ عليه من الأعراب وغيرهم بشر كثير، وقويت شوكته جدًّا، وقتل مَن حوله من أهل القرى، ثم صار إلى القَطِيف قريبًا من البصرة، ورام دخولها، فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمروه وجدَّدوا معالمه بنحو من أربعه (٥) آلاف دينار، فامتنعت البصرة من القرامطة بسبب ذلك. وتغلَّب أبو سعيد الجنَّابيُّ ومَن معه من القرامطة على هَجَر وما حولها من البلاد، وأكثروا في الأرض الفساد. وكان أصل أبي سعيد الجنَّابيّ هذا أنه كان سمسارًا في الطعام يبيعه ويحسب للناس الأثمان، فقدم رجل يقال له: يحيى بن المهدي في سنهَ إحدى وثمانين ومئتين، فدعا أهل القَطيف إلى بيعة المهديّ، فاستجاب له رجلٌ يقال له: عليّ (٦) بن العلاء بن حمدان الزياديّ، وساعده في الدعوة إلى المهديّ، وجمع الشيعة الذين كانوا بالقَطِيف، فاستجابوا له، فكان في جملة من استجابوا أبو سعيد الجنَّابي هذا

стр. 5410

قبَّحه الله. ثم تغلَّب على [أمرهم وأظهر فيهم القرامطة، فاستجابوا له والتفُّوا عليه، فتأمَّر عليهم، وصار هو] (١) المشار إليه فيهم. وأصله من بلدة هناك يقال لها: جَنَّابة، وسيأتي ما يكون من أمره وأمر أصحابه. قال ابن الجوزي في "المنتظم" (٢): ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة، ثم روى بسنده أنَّ امرأةً جاءت إلى قاضي الرَّيّ، فادَّعَتْ على زوجها بصَداقها خمسمئة دينار، فأنكره، فجاءت ببيِّنةٍ تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفرَ لنا عن وجهها حتَّى يعلم أنها الزوجة أم لا، فلمَّا صمَّموا على ذلك، قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدَّعيه؛ فأقرَّ بما ادَّعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة: وإذ قد أراد ذلك، فهو في حلٍّ من صداقي عليه في الدنيا والآخرة. وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير: أحمد بن عيسى، أبو سعيد الخَرَّاز، فيما ذكره شيخنا الذَّهبيّ (٣). وقد أرَّخه ابنُ الجوزي (٤) في سنة سبع وسبعين ومئتين، فاللّه أعلم. إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان (٥): أبو يعقوب النّخعي الأحمر، وإليه تنسب الطائفة "الإسحاقية" من الشيعة. وقد ذكر ابنُ النّوبَخْتِيّ (٦) والخطيبُ وابنُ الجوزي: أن هذا الرجل كان يعتقد إلهية علي بن أبي طالب، وأنه انتقل إلى الحسن ثم إلى الحسين، وأنه كان يظهر في كل وقت، وقد اتبعه على هذا الكفر خلْقٌ من الحمير، قبَّحه الله وقبَّحهم. وإنَّما قيل له: الأحمر لأنه كان أبرص، فكان يطلي برصه بما يغيِّر لونه، وقد أورد له النوبَخْتي أقوالًا عظيمة في الكفر؛ لعنه الله. وقد روى شيئًا من الحكايات والملح عن المازني وطبقته، ومثل هذا أقلُّ وأذلُّ أن يُروى عنه.

стр. 5411

بقيّ بن مَخْلَد (١) بن يزيد: أبو عبد الرحمن الأندلسي، الحافظ، أحد علماء الغرب، له "التفسير" و "المسند"، و "السنن"، والآثار التي فضلها ابن حزم على تفسير ابن جرير ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة، وفيما زعم ابنُ حزم نظر. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٢) فاثنى عليه خيرًا (٣)، ووصفه بالحفظ والإتقان، وذكر أنه كان مجاب الدعوة ﵀، وأرَّخ وفاته بهذه السنة عن خمس وسبعين سنة (٤). والحسين بن بشار بن موسى (٥): أبو علي الخيَّاط، روى عن أبي بلال الأشعري، وعنه أبو بكر الشافعيّ، وكان ثقة. رأى في منامه - وكان به علّة - قائلًا يقول له: كُلْ لا واشرب لا، ففسره بقوله تعالى: ﴿زيْتُونَةٍ لَا شَرقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فأكل زيتونًا وشرب زيتًا فبرأ من علته تلك (٦). محمد بن إبراهيم (٧)، أبو جعفر الأنماطيّ، المعروف بمربّع، تلميذ يحيى بن مَعين، كان ثقة حافظًا. عبد الرَّحيم بن البَرْقى (٨). وعليّ بن عبد العزيز البَغَويّ (٩)، صاحب "المسند". ومحمد بن وضَّاح (١٠)، المصنف.

стр. 5412

محمد بن يونس (١): ابن موسى بن سُليمان بن عُبَيد بن رَبيعة بن كُدَيم، أبو العبَّاس القرشي، البصري الكُدَيْمي، وهو ابنُ امرأة رَوْح بن عُبَادة، ولد سنة ثلاث وثمانين ومئة. وسمع عبد الله بن داود الخُرَيْبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا داود الطَّيَالسيّ، والأصْمعيّ، وخلقًا. وعنه ابن السمَّاك، والنَّجَّاد. وآخر من حدَّث عنه أبو بكر بن مالك القَطِيعيّ. وقد كان حافظًا مكثرًا مغربًا، وقد تكلم فيه الناس لإغرابه في الروايات. وقد سقنا ترجمته في كتابنا "التكميل" بما فيه كفاية، وللّه الحمد والمنة. ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد جاوز المئة سنة، وصلى عليه [يوسف بن] (٢) يعقوب القاضي؛ ﵀. يعقوب بن إسحاق بن تحيّة (٣): أبو يوسف الواسطيّ. سمع من يزيد بن هارون، وقدِمَ بغداد، وحدَّث بها بأربعة أحاديث، ووعد الناس أن يحدِّثهم من الغد، فمات من ليلته عن مئة واثنتي (٤) عشرة سنة، ﵀. والوليد أبو عُبَادة البُحْتُريّ، فيما ذكره شيخنا الذهبيّ (٥)، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين، كما ذكره ابنُ الجوزي (٦).

стр. 5413

ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين في ربيع الأول منها تفاقم أمْر القَرامطة صحبةَ أبي سعيد الجنَّابي، فقتلوا وسَبَوْا وأفسدوا في بلاد هَجَر، فجهَّز الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا وأمَّر عليهم العباس بن عمرو الغَنَوي، وأمَّره على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد، فالتقوا هنالك والعبَّاسُ في عشرة آلاف مقاتل، فأسرهم أبو سعيد كلَّهم (١)، فنجا من بينهم كلّهم الأمير وحده، وقتل الباقون عن آخرهم صبرًا بين يدي أبي سعيد، قبَّحه الله، وهذا عجيب جدًّا، وهو عكس واقعة عمرو بن الليث؛ فإنَّه أسِرَ من بين أصحابه وحدَه، ونجوا كلُّهم، وكانوا خمسين ألفًا. ويقال: إن العبَّاس لمَّا قَتَل أبو سعيد أصحابَه صبرًا بين يديه والعباس ينظر، أقام العبّاس عند أبي سعيد أيامًا، ثم أطلقه، وحمله على رواحل، وقال: ارجعْ إلى صاحبك فأخبره بما رأيت. وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان من هذه السنة. ولما وقع هذا انزعج الناس لذلك انزعاجًا عظيمًا جدًّا؛ وهمَّ أهلُ البصرة بالجلاء منها، فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقي؛ فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون. وفيها: أغارت الرُّوم على بلاد طَرَسُوس، وكان نائبها ابن الإخشاد (٢) قد توفي في العام الماضي، واستخلف على الثغر أبا ثابت، فطمعت الرُّوم في تلك الناحية، وحشدوا في عساكرهم إلى هنالك، فالتقاهم أبو ثابت، فلم يقدر على مقاومتهم، فقتلوا من أصحابه جماعة وأسروه فيمن أسروا، فاجتمع أهلُ الثغر على ابن الأعرابيّ، فولّوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر. وفيها: قتل: محمد بن زيد العلويّ (٣): أمير طَبَرِستان والدَّيلم. وكان سبب ذلك أنَّه لما ظفر إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ بعمرو بن الليث نائب خراسان، ظن أنَّ إسماعيل لا يجاوز عمله، وأن خراسان قد حلت له، فارتحل من بلده يريدها، وسبقه إلى خراسان إسماعيل بن أحمد، وكتب إليه: أن الزم عملك ولا تجاوزه إلى غيره، فلم يقبل، فبعث إليه جيشًا مع محمد بن هارون الذي كان ينوب عن رافع بن هَرْثمة، فلمَّا التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعةً، فسار الجيش وراءه للطلب (٤)، فكرَّ عليهم راجعًا،

стр. 5414

فانهزموا منه، واجتاز ما في معسكرهم، وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة، مات بسببها بعد أيام، وأسر ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد، فأكرمه وأنزله بخارى. وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلًا، أديبًا، حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد، وكان فيه تشيع، فتقدم إليه يومًا خصمان، اسم أحدهما معاوية، واسم الآخر عليٌّ، فقال محمد بن زيد: إن الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: أيُّها الأمير، لا تغترن بنا؛ فإنَّ أبي كان من كبار الشيعة، وإنما سمَّاني معاوية مداراة لمن ببلدنا من السنة، وهذا كان أبوه من كبار النواصِب فسمَّاه عليًّا تُقاةً لكم، فتبسَّم محمد بن زيد وأحسن إليه (١)؛ ﵀. قال ابن الأثير في "كامله" (٢): وممن توفي في هذه السنة: إسحاق بن أيّوب بن عمر بن الخطّاب العدويّ، عديّ ربيعة. وكان أميرًا على ديار ربيعة من الجزيرة، فوُلِّيَ مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر. وعلي بن عبد العزيز البَغَويّ، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام. وفهد بن أحمد بن فهد الأزدي الموصلى، وكان من الأعيان. وذكر هو وأبو الفرج بن الجوزي (٣) أن قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون، امرأة المعتضد بالله، توفيت في هذه السنة. قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، ودفنت داخل قصر الرصافة. يعقوب بن يوسف بن أيّوب، أبو بكر المطوِّعي (٤). سمع أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني. وعنه النَّجَّاد، والخلدي، وكان وِرْدُه في كل يومٍ قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى وثلاثون ألف مرة، أو إحدى وأربعون ألف مرة. قلت: وممن توفي فيها: أبو بكر (٥) بن أبي عاصم، صاحب السنة، والمصنفات، وهو: أحمد بن عَمْرو بن أبي عاصم الضَّحَّاك (٦): ابن مَخْلَد النَّبيل. له مصنَّفات في الحديث كثيرة، منها

стр. 5415

كتاب "السُّنَّة" في أحاديث الصفات على طريقة السلف، وكان حافظًا كبيرًا جليلًا، وقد ولي قضاء أصبهان بعد صالح بن الإمام أحمد، وكان قد طاف البلاد في طلب الحديث، وصحب أبا تراب النَّخْشَبي، وغيرَه من مشايخ الصوفية. وقد اتفق له مرة كرامة هائلة، وهو أنه كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا يومًا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقلبه بيده، ويقول: اللهم ارزقنا خبيصًا (١) يكون بلون هذا. فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابي وبيده قصعة فيها خَبيص بلون ذلك الرمل في بياضه، فأكلوا منه (٢)؛ ﵀. وكان يقول: لا أحبُّ أن يحضر مجلسي مُبتدع ولا طعَّان ولا لعَّان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعيّ وأصحاب الحديث (٣). وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان. وقد رآه بعضهم [في المنام] (٤) بعد وفاته وهو يصلِّي، فلما انصرف قال له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: يؤنسني ربِّي . ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين اتفق في هذه السنة مصائب عديدة. منها: أنَّ الروم قصدوا بلاد الرَّقَّة في جحافلَ من البر والبحر، فقتلوا خلقًا، وأسروا نحوًا من خمسة عشر ألفًا من الذرية. ومنها: أن بلاد أذْرَبيجان أصاب أهلَها وباءٌ شديد، حتَّى لم يبقَ أحدٌ يقدر على دفن الموتى، فتركوا بالطرقات لا يوارَون. ومنها: أن بلاد أردبيل أصابتها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل، ثم زُلزلوا زِلزالًا شديدًا، واستمرَّ ذلك عليهم أيامًا، فتهدَّمت الدور والمنازل، وخسف بآخرين منهم، فكان جملة من مات تحت الهدم مئة ألف وخمسين ألفًا (٥)؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

стр. 5416

وفيها: اقترب القرامطة من البصرة، فخاف أهلها منهم خوفا شديدًا، وهمُّوا بالرحيل منها فمنعهم واليها. وممن توفي فيها من الأعيان: بِشْر بن موسى بن صالح أبو علي الأسَدي (١): ولد سنة تسعين ومئة. وسمع من رَوْح بن عُبَادة حديثًا واحدًا، وسمع الكثير من هَوْذَةَ بن خَليفة، والحسن بن موسى الأشْيَب، وأبي نُعَيم، وعليّ بن الجَعْد، والأصمعي، وغيرهم. وعنه ابن المنادي، وابن مَخْلد، وابن صاعد، والنَّجَّاد، وأبو عمرو الزَّاهد، والخلدي، والسلمي، وأبو بكر الشافعي، وابن الصَّوَّاف، وغيرهم. وكان ثقة أمينًا نبيلًا حافظًا، وهو من أهل البيوتات، وكان أحمد يُكْرِمه. ومن شعر (٢): ضعفتُ ومن جازَ الثمانينَ يضعُفُ … وينكرُ منه كل ما كانَ يعرفُ ويمشي رويدًا كالأسير مقيَّدًا … يداني خطاهُ في الحديدِ ويرسِفُ (٣) ثابت بن قُرَّة (٤): ابن هارون، ويقال: ابن زهرون بن ثابت بن كرايا (٥) بن إبراهيم الصابئ، الفيلسوف، الحرَّاني، صاحب التصانيف؛ ومنها: أنَّه حرَّر كتاب إقليدس الذي عرَّبه حنين بن إسحاق العبادي. وكان أصله صيرفيًا بحرّان، فترك ذلك واشتغل بعلم الأوائل، فنال منه رتبة سامية عند أهله، ثم صار إلى بغداد فعظم شأنه بها، وكان يدخل مع المنجّمين على الخليفة وهو باقٍ على دين الصابئة. وحفيده ثابت بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن، وكان بليغًا ماهرًا حاذقًا بالغًا. وعمه إبراهيم بن ثابت بن قُرَّة، كان طبيبًا عارفًا أيضًا. سردهم كلَّهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان، ﵀. الحسن بن عمرو بن الجهم (٦)، أبو الحُسين الشيعي، من شيعة المنصور لا من الروافض.

стр. 5417

حدَّث عن عليّ بن المديني، وحكى عن بشر الحافي. وعنه أبو عمرو بن السماك. عبَيْد الله بن سليمان بن وَهْب (١)، وزير المعتضد، كان حظيًّا عنده، وقد عز عليه وفاته، وتألَّم لفقده، وأهمَّه من يجعله من بعده، فعقد لولده القاسم بن عُبَيد الله الوزارة من بعد أبيه؛ جبرًا لمصابه به. وأبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشَّار، المعروف بالأنْماطي، أحد كبار الشَّافعيَّة؛ وقد ذكرناه في طبقاتهم (٢). هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى، أبو موسى الهاشمي، إمام الناس في الحجّ. سمع وحدَّث، وتوفي بمصر في رمضان من هذه السنة (٣). ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومئتين فيها عاثت القرامطة بسَواد الكوفة، فظفر بعض العمّال بطائفة منهم، فبعث برئيسهم إلى المعتضد، وكان يقال له: أبو الفوارس (٤)، فنال من العبَّاس بين يدي الخليفة، فأمر به، فقُلِعَتْ أضراسُه، وخُلِعَتْ يداه، ثم قُطعتا مع رجليه، ثم قتل وصلب ببغداد، واشتهر أمره. وفيها: قصدت القرامطة دمشقَ في جحفل عظيم؛ فقاتلهم نائبها طغج بن جُفّ من جهة هارون بن خُمَارَوَيْه، فهزموه مراتٍ متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زَكروَيْه بن مَهروَيْه، الذي ادَّعى عند القرامطة أنَّه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك. وزعم لهم أنَّه قد اتبعه على أمره مئة ألف، وأنَّ ناقته مأمورة، حيثما توجَّهَتْ به نُصِرَ على أهل تلك الناحية. فراج ذلك عندهم، ولقَّبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بني الأصبغ، وسُمُّوا بالفاطميين. وقد بعث الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا فهزموه، ثم اجتازوا بالرُّصافة، فأحرقوا جامعها، لم يجتازوا بقرية إلَّا انتهبوها، ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشقَ، فقاتلهم نائبها فهزموه مراتٍ، وقتلوا من أهلها خلقًا كثيرًا، وانتهبوا من أموالها شيئًا كثيرًا (٥)؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

стр. 5418

وفي هذه الحال الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله، في ربيع الأول من هذه السنة، أحسن الله خاتمتها. وهذه ترجمة المعتضِد بالله (١): أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفَّق الملقب بناصر دين الله، واسم أبي أحمد محمد، وقيل: طلحة بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد، أبو العباس، أمير المؤمنين، الخليفة، المعتضد بالله. ولد في سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين ومئتين، وأمه أم ولد. وكان أسمر، نحيفَ الجسم، معتدل القامة، قد وخَطه (٢) الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء. وبويع له بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين، فاستوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب، وولَّى القضاء إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، وابن أبي الشَّوارب. وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمِّه المعتمد على الله، فحين وليها المعتضد أقام شعارها، ورفع منارها، وشتد دعائمها، وحيطانها، وأطَّر أركانها. وكان شجاعًا فاضلًا، من رجالات قريش حزمًا وجرأة وغزوًا وعزًّا، وإقدامًا وحرمة؛ وكذلك كان أبوه من قبله. وقد أورد ابن الجوزي (٣) بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مَقْثَأة، فوقف صاحبُها صائحًا مستصرخًا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره، فقال: إنَّ بعض الجيش أخذوا لي شيئًا من القِثَّاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ قال: نعم، فعرضهم عليه، فعرف منهم ثلاثة، فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلمَّا كان الصباح نظر الناس إلى ثلاثة أنفس مصلّبين على جادة الطريق (٤)، فاستعظم الناس ذلك وأنكروه، وعاب كثير من الناس ذلك على الخليفة، وقالوا: قتل ثلاثةً بسبب قِثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص من مسامره أن ينكر عليه ذلك وليتلطف في مخاطبته بذلك، فدخل عليه ذات ليلة وهو عازم على المفاوضة معه في ذلك، ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أفهم أنَّ في نفسك كلامًا، فما هو؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فإن

стр. 5419

الناس ينكرون عليك تسرّعك في سفك الدماء. فقال: واللّه ما سفكْتُ دمًا حرامًا منذ وُلِّيت إِلَّا بحقِّه. فقلت له: فعلام قتلْتَ أحمد بن الطَّيِّب (١)، وقد كان خادمك ولم يظهر لك (٢) جناية؟ فقال: ويحك! إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فقلت له: يا هذا! أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه، فأكفر حتى أكون مَن (٣)؟ فقتلته (٤). فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القِثَّاء؟ فقال: واللّه ما كان أولئك الذين أخذوا القِثَّاء، وإنَّما كانوا لصوصًا قد (٥) وجب قتلهم؛ بعثت فجئت بهم من السجون فقتلتهم أنهم الذين أخذوا القِثّاء، وأردت أن أهول على الجيش لئلا يُفسِدوا في الأرض. ثم أمر بإخراج أولئك الذين كان حبسهم بسب القِثّاء، فأطلقهم بعدما استتابهم، وخلع عليهم، وردَّهم إلى أرزاقهم التي كانت لهم. قال ابن الجوزي (٦): وخرج المعتضد يومًا فعسكرَ بباب الشماسية، ونهى أن يأخذ أحدٌ من بستان أحدٍ شيئًا، فأتى بأسود قد أخذ عِذْقًا من بُسْر (٧)، فتأمَّله طويلًا، ثم أمر بضرْب عنقه، ثم التفت إلى أصحابه وقال: إنَّ العامة ينكرون هذا، ويقولون: إنَّ رسول اللّه ﷺ قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (٨). ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنَّما هذا الأسود له خبر عجيب؛ هذا رجلٌ من الزّنج كان قد استأمن في حياة أبي، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين، فضرب المسلمَ فقطع يده، فمات الرجل، فأهدر أبي دمَ الرجل تأليفًا للزّنج، فآليت على نفسي إن أنا قدرت عليه لأقتلنَّه، فما وقعت عيني عليه إِلَّا هذه الساعة، فقتلته بذلك الرجل (٩).

стр. 5420

وقال أبو بكر الخطيب (١): أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا محمد بن نعيم الضَّبِّي، سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه، يقول: سمعت أبا العبَّاس بن سُرَيج، يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي، يقول: دخلتُ على المعتضد وعلى رأسه أحداثٌ رُومٌ، صباحُ الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلمَّا أردت القيام أشار إليَّ، فمكثت ساعة، فلمَّا خلا، قال لي: أيُها القاضي! واللّه ما حَلَلْتُ سَراويلي على حرامٍ قَطُّ. وروى البيهقيُّ، عن الحاكم، عن حسَّان بن محمد، عن ابن سُرَيْج القاضي، عن إسماعيل بن إسحاق، قال: دخلت يومًا على المعتضد، فدفَعَ إليَّ كتابًا، فقرأته، فإذا قد جمع له الرُّخص من زَلل العلماء، فقلت: يا أميرَ المؤمنين إنَّما جمع هذا زِنْديق. فقال: فكيف؟ فقلت: إنَّ من أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح النبينذ (٢)، ومن جمع زَلَل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه؛ فأمر بتحريق ذلك الكتاب (٣). وروى الخطيب (٤) بسنده عن صافي الحرمي الخادم، قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شغَب (٥) وابنُه المقتدر جعفر جالس فيه (٦)، وحوله نحو من عشر من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنه، وبين يديه طبقٌ من فضة، فيه عنقود عِنب، وكان العِنبُ إذ ذاك عزيزًا جدًّا، وهو يأكل عِنَبةً واحدة، ثم يفرّق على كل واحد من جلسائه عِنَبة عِنَبة، فتركه المعتضد وجلس في بيت مهمومًا. فقلت له: ما لكَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ويحك! والله لولا النار والعار لأقتلَنَّ هذا الغلام، فإنَّ في قتله صلاحًا للأمة. فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! العن الشيطان، فقال: ويحك يا صافي! إنَّ هذا الغلام في غاية السَّخاء، فإنَّ طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلَّا مَن هو من ولدي، فَسَيلي عليهم المكتفي، ثم لا تطول أيامه للعلة التي به، وهي داء الخنازير، ثم يموت فيولّى على الناس جعفر هذا، فيصرف جميع أموال بيت المال إلى الحظايا؛ لشغفه بهنَّ، وقرب عهده من بيتهن، فتضيع أمور المسلمين، وتعطل الثغور، وتكثر الفتن والخوارج والشرور.

стр. 5421

قال صافي: فواللّه لقد شاهدت ما قاله سواء سواء. وروى ابن الجوزمي (١) عن بعض خدم المعتضد، قال: كان الخليفة يومًا نائمًا وقت القيلولة، ونحن حول سريره، فاستيقظ مذعورًا، فصرخ بنا، فجئنا فقال: ويحكم! اذهبوا إلى دجلة، فأول سفينة تجدونها فارغةً منحدرةً فأتوني بملاحها واحتفظوا بها. فذهبنا سراعًا، فوجدنا ملاحًا في سُمَيْريَّة (٢) فارغة منحدرًا، فأتينا به الخليفة، فلما رأى الخليفةَ كاد يتلَفُ، فصاح به الخليفة صيحةً عظيمة، فكادت روح الملاح تخرج، فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون! اصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربْتُ عنقك. قال: فتلعثم، ثم قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، كنت اليوم سَحَرًا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أرَ مثلها، وعليها ثياب فاخرة وحُليّ كثير وجوهر، فطمِعْتُ فيها، واحتَلتُ عليها حتى سددت فاها، وغزقتها، وأخذْتُ جميع ما كان عليها من الحلي والثياب، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب إلى واسطَ، فلقيني هؤلاء الخدم. فقال له: وأين حليُّها؟ قال: في صدر السفينة تحت البواري (٣). فأمر الخليفة بإحضار الحُليِّ، فجيء به، فأمر عند ذلك بتغريق الملاح في المكان الذي غرَّق فيه المرأة، وأمر أن ينادَى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلَّموا مال وليَّتهم، فحضروا بعد ثلاثة أيام، فسلّم إليهم ما كان مع تلك المرأة من الحليِّ والثياب. فقال له خدمه: يا أميرَ المؤمنين! من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي ذلك كأنَّ شيخًا أبيضَ الرأس واللحية والثياب وهو ينادي ﷺ : يا أحمد! يا أحمد! خذ أوَّل ملاح ينحدِرُ الشَاعةَ فاقبض عليه، وقرِّره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد، فكان ما شاهدتم. وعن خفيف (٤) السَّمَرْقَنْديّ الحاجب، قال: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيِّداته، وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصدنا، فقال لي المعتضد: يا خفيف، أفيك خير؟ قلت: لا واللّه يا مولاي! فقال: ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا؟ فقلت: بلى. قال: فنزل عن فرسه، فأمسكتُها، وغرز أطراف ثيابه في منطقته، واستلَّ سيفه، ورمى بقُرابه إليَّ، ثم تقدَّم إلى الأسد، فوثب الأسدُ عليه، فضربه المعتضد بالسيف فأطار يده، فاشتغل الأسد بيده، فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخرَّ الأسد صريعًا، فدنا منه فمسح سيفه في صوفه، ثم أقبل إليَّ فأغمد سيفه، وركب فرسه، ثم عدنا إلى العسكر. قال: وصحبته إلى أن مات، فواللّه ما سمعته ذكر ذلك لأحدٍ، فما أدري

стр. 5422

من أي شيء أعجب؟ أمن شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد؟ أم من عدم عَتْبه عليَّ حيث ضننت بنفسي عنه؟ واللّه ما عاتبني في ذلك قطُّ (١). وروى الحافظ ابن عساكر (٢) عن أبي الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذه؟ ولمن هذه؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد. فصعد أبو الحسين إليها، فجعل يضرب الدِّنان بعمود في يده حتى كسرها كلَّها سوى واحدٍ تركه، واستغاث الملاح، فجاءت الشُّرَط فأخذوه، فأوقفوه بين يدي المعتضد، فقال له: ما أنت (٣)؟ فقال: أنا محتسب. فقال: ومن ولَّاك الحِسْبة؟ فقال: الذي ولَّاك الإمامة ولَّاني الحِسبة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه ثم رفعه، فقال: ما الذي حملك على ما فعلتَ؟ قال: شفقة عليك؛ لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولم تركت من الدِّنان واحدًا؟ فقال: إني أقدمت عليها فكسرتها إجلالًا لعظمة الله، ولم أبال أحدًا من الناس حتى انتهيت إلى هذا الدَّنِّ، دخل نفسي إعجاب من قبيل أني أقدمت (٤) على مثلك، فتركته، فقال له المعتضد: اذهب، فقد أطلقت يدك، فغيِّر ما أحببت أن تغيِّرَه من المنكر. فقال له النوري: الآن نقمن (٥) التغيير، فقال: ولمَ؟ قال: لأني كنت أغيِّر عن الله، وأنا الآن أغيَّر عن شرطي. فقال: سَل حاجتك. فقال: أحبُّ أن تخرجني من بين يديك سألمًا. فأمر به فأخرج، فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيًا خشية أن يشقَّ عليه أحدٌ في حاجةٍ عند المعتضد. فلمَّا توفي المعتضد رجع إلى بغداد. وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، عن شيخ من التجار، قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير، فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلَّما جاء ليطالبه حجبه عنه ويأمر غلمانه يؤذونه، فاستعدى عليه إلى الوزير، فلم يفد فيه شيئًا، وإلى أولياء الأمر، فلم يقطع عنده، وما زاده ذلك إِلَّا منعًا وجحودًا، فدلَّ (٦) ذلك الرجل على رجل خياط أمام مسجدٍ هناك، فقصده، فقام معه، فحين عاينه

стр. 5423

الأمير أكرمه واحترمه، وبادر إلى إعطائه حقّه والخلاص من أمره، فتعجب ذلك التاجر من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعفه كيف انطاع ذلك الأمير له، فعرض عليه شيئًا من المال الذي قبضه من الأمير، فلم يقبل منه شيئًا. فسأله عن خبره، وذكر له تعجبه من ذلك وألحَّ عليه، فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا هاهنا رجل تركي، شاب حسن، أمير، فلما كان ذات يوم، أقبلت امرأة حسناء قد خرجت من حمامٍ، وعليها ثياب مرتفعة، فعلق بها وهو سكران يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصرخ بأعلى صوتها: يا معشر المسلمين! أنا امرأة ذات زوج، وهذا يريدني على نفسي ليدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق ألا أبيتَ في غير منزله، ومتى بتُّ هاهنا طلقت من زوجي، ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام. قال: فقمت إليه فأنكرت عليه، فضربني بدبوس في يده فشجَّ رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرًا، فرجعت أنا، فغسلت الدَّم عني، وعصبت رأسي، وصلَّيت بالناس العشاء وقلت لهم: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا بنا إليه لننكر عليه، فقام الناس معي، فهجمنا عليه داره، فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بين الناس، فضربني ضربًا شديدًا مبرِّحًا، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي من الوجع، فنمت على فراشي وأنا لا يأخذني نوم، وحرت ماذا أصنع حتى أنقذ هذه المرأة من يده في هذه الليلة، حتَّى لا يقع على زوجها الطلاق، فتروَّيت أن أؤذن للصبح في أئناء الليل؛ لكي يخرجها من منزله. فقمت إلى المنارة، فأذنت، وجعلت أنظر إلى باب داره لكي يخرج المرأة، وصمَّمت إن لم تخرج أن أقيم للصلاة حتى يتحقق الصباح. فبينا أنا أنظر، إذ امتلأ الطريق فرسانًا، ورجَّالة، وهم يقولون: أين الذي أذن [هذه الساعة] (١)؟ فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من نفسي شيئًا، وما زالوا بي حتى أدخلوني على الخليفة المعتضد باللّه، فلما رأيته جالسًا في مقام الخلافة أرعدت (٢) من الفرق، فقال لي: ليسكن جأشك، ثم قال: أنت الذي أذنّت؟ قلت: نعم، يا أميرَ المؤمنين، فقال: ما حملكَ على أن أذّنت، وقد بقي من الليل كثير، فيغترّ بذلك الصوَّام [والمسافرون] (٣)؟ فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقصَّ عليه (٤) خبري؟ فقال: أنت آمن. فذكرت

стр. 5424

له سبب أذاني في هذه الساعة، فغضب غضبًا شديدًا، وأمر بإحضار ذلك الرجل والمرأة التي في منزله، فأحضرا سريعًا، فبعث المرأة إلى زوجها مع ثقة من جهته، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو عنها، والصفح والإحسان إليه؛ فإنها مكرهة ومعذورة. ثم أقبل على ذلك الشاب، فقال: ما رزقُك؟ وكم لك من المال؟ وكم عندك من الجواري والزوجات؟ فذكر له شيئًا كثيرًا. فقال له: ويحك! ما كفاك ما أنعم اللّه به عليك حتى انتهكت حرمة اللّه، وتجرأت على السلطان، وتعدَّيْتَ حدود اللّه، وما كفاك ذلك حتى عمدت إلى رجلٍ أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته؟ فلم يكن له جواب. فأمر به فجعل في قيدٍ، وفي عنقه غِلّ، وأدخل في جُوالق (١)، وضُرب ضربًا شديدًا حتى خَفَتَ صوته، ثم ألقاه في دجلة، وأمر بدرًا صاحبَ الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت المال بغير حلّها، ثم قال لذلك الرجل الصالح: كلَّما شاهدت منكرًا صغيرًا كان أو كبيرًا ولو على هذا، وأشار إلى صاحب الشرطة، فأعلمني به؛ فإن اتفق اجتماعك بي، وإلا فعلامة ما بيني وبينك أن تؤذن في مثل وقت أذانك هذا. قال: فبهذا السبب لا آمر أحدًا من هؤلاء الدولة بشيء من الخير أو أنهى عن الشر، إِلَّا بادر إلى امتثاله وقبوله؛ خوفًا من المعتمد، وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك السَّاعة إلى الآن. وذكر الوزير عُبَيد اللّه بن سليمان بن وَهْب، قال: كنتُ يومًا عند المعتضد وخادم واقف على رأسه يذبُّ عنه بمذبَّة في يده، إذ حرَّكها فجاءت في قَلَنْسُوة الخليفة، فسقطت، فأعظمتُ ذلك جدًّا، وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة بذلك، بل أخذ قَلَنْسُوَته فلبسها، ثم قال لبعض الخدم: مُرْ هذا فليذهب لراحته؛ فإنَّه قد نعس، وزيدوا في عدَّة من يذبُّ بالنوبة (٢). قال الوزير: فأخذت في الشكر للخليفة على حلمه، فقال: إنَّ هذا البائس لم يتعمَّدْ هذا، وإنَّما نعس، وليس العقاب والمعاتبة إِلَّا على المتعمِّد لا على المخطئ والسَّاهي. وقال خفيف السَّمَرْقَنْدي الحاجب: لمَّا جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عُبَيد اللّه بن سليمان وتحقق ذلك، خَرَّ ساجدًا طويلًا، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لقد كان يخدمك وينصحك (٣)، فقال: إنَّما سجدت شكرًا للّه أني لم أعزله ولم أؤذه. ثم استشار الحاضرين فيمن يستوزره من بعده، وذكر هو رجلين، أحدهما: جرادة، وكان حازم الرأي قويًا، والآخر: أحمد بن محمد بن الفرات، فعدل به بدر صاحب الشرطة عنهما، وأشار عليه بالقاسم بن عبيد اللّه، فسفَّه رأيه في ذلك، فألحَّ عليه، فولاه

стр. 5425

وبعث إليه يعزِّيه في أبيه، ويهنِّيه بالوزارة. فما لبث القاسم بن عبيد اللّه حتَّى ولي المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد، حتى قتل بدرًا. وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، وهذه فراسة عظيمة وتوسّم قوي (١). وقد رفع إلى المعتضد أنَّ أقوامًا يجتمعون على معصية (٢) فاستشار وزيره في أمرهم، فقال: ينبغي أن يصلب بعضُهم ويحرَّقَ بعضهم. فقال: ويحك! لقد برَّدتَ لهب غضبي عليهم بقسوتك هذه، أما علمت أنَّ الرعيَّة وديعة اللّه عند سلطانها، وأنه سائله عنها؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير فيهم (٣). وبهذه النيَّة لمَا ولي الخلافة كان بيتُ المال صفرًا من المال، والأحوال فاسدة، والأعراب تعيث في الأرض فسادًا في كل جهةٍ، فلم يزل برأيه وتدبيره حتى كثرت الأموال في بيت المال، وصلحت الأحوال في سائر الأقاليم والآفاق والمحال. ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها وجدًا عظيمًا، فقال (٤): يا حَبيبًا لم يَكُنْ يَعْ … ــدلُهُ عندي حبيبُ أنتَ عَنْ عيني بَعيدٌ … ومِنَ القلبِ قريبُ ليسَ لي بعدك في شـ … ــيءٍ مِنَ اللَّهوِ نصيبُ لكَ مِنْ قلبي على قلبي … وإنْ بِنْتَ رَقيبُ وخيالي منكَ مُذْ غِبْـ … ـتَ خيالٌ ما يَغيبُ لو تَرَاني كيفَ لي بَعْـ … ـــدَكَ عَوْلٌ ونَحِيبُ وفؤادي حَشْوُهُ مِنْ … حَرَقِ الحزنِ لَهيبُ لتَيَقَّنْتَ بأنِّي … بكَ محزون كئيبُ ما أرى نَفْسي وإن طيَّـ … ــبْتُها عنكَ تَطيبُ (٥) ليسَ دمعٌ ليَ يَعصيـ … ــني وصَبري ما يُجيبُ وقال فيها أيضًا (٦): لم أبْكِ للدَّارِ ولكن لِمَنْ … قَدْ كانَ فيها مرَّةً ساكنا

стр. 5426

فخانني الدَّهْرُ بفقدانِهِ … وكنتُ مِنْ قبلُ لَهُ آمنا وَدَّعتُ صبري عند توديعه … وبانَ (١) قلبي معهُ ظاعنا وقد بعث إليه ابن المعتز يعزِّيه ويسلِّيه عن مصيبته (٢) فيها (٣): يا إمامَ الهُدَى بنا لا بكَ الغـ … ــمُّ أفنيتنا وعِشْتَ سليما أنتَ علَّمتنا على النِّعَمِ الشُكْـ … ـر وعندَ المصائبِ التَّسليما فاسل عمَّا مَضَى فإنَّ التي كا … نتْ سُرورًا صَارَتْ ثوابًا عظيما قدْ رَضينا بأن نموتَ وتحيى … إنَّ عندي في ذاكَ حظًّا جسيما مَنْ يمُت طائعًا لديك فقدْ … أعطي فوزًا وماتَ موتًا كريما وقد اجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه، فلمَّا انقضى السَّمَرُ وصار إلى حظاياه، ونام القوم، أهبهم خادم من عند الخليفة، وقال: يقول لكم: إنه قد أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتًا أعياه ثانيه، فمن أجازه فله جائزة، وهو هذا البيت: ولمَّا انتبَهْنَا (٤) لِلخيالِ الَّذِي سَرَى … إذا الدَّارُ قَفْرَى والمَزَارُ بَعِيدُ فجلس القوم من فرشهم يفكِّرون في ثانيه، فبدر واحدٌ منهم، فقال: فقلتُ لِعَيْني عاوِدي النَّوْمَ واهْجَعي … لَعَلَّ خَيَالًا طارقًا سَيَعُودُ فلمَّا رجع به الخادم إلى الخليفة وَقَعَ منه موقعًا جيدًا وأمر له بجائزة سنية. واستعظم (٥) المعتضد يومًا من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازنيّ البصريّ: لَهْفي عَلَى مَنْ أطارَ النَوْمَ فامْتَنَعا … وَزَادَ قَلْبي على أوْجَاعِهِ وَجَعا كأنَّما الشَمْسُ من أعطافِهِ لَمَعَتْ … حُسْنًا أو البَدْرُ مِن أردانِه (٦) طَلَعا مستقبلٌ بالذي يَهوى وإن عظُمت … منه الأساءةُ معذورٌ بما صَنَعا في وَجْهِهِ شافعٌ يمحو إساءتهُ … من القلوب وجيه حيثما شفعا ولما كان ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وثمانين ومئتين - اشتد وجع الخليفة المعتضد

стр. 5427

بالله، فاجتمع رؤساء القوَّاد، منهم مؤنس (١) الخادم، إلى الوزير القاسم بن عبيد اللّه، وأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي باللّه عليّ بن المعتضد باللّه، ففعل ذلك، وتأكد العهد، وكان في ذلك خيرٌ كثير. وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه (٢): تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنيا فإنَّكَ لا تَبْقَى … وَخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَعِ الرَّنقا (٣) ولا تأمنَنَّ الدَّهْرَ إنِّي أمِنْتُهُ … فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرْعَ لي حقَّا قَتَلْتُ صنادِيدَ الرِّجالِ فلَمْ أدَعْ … عَدُوًّا ولم أُمْهِلْ على خُلُقٍ (٤) خَلْقا وأخْلَيْتُ دارَ الملكِ من كلِّ نازعٍ (٥) … فشرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَمَزَّقتُهُمْ شَرْقا فلمّا بَلغْتُ النَّجْم (٦) عِزًّا وَرِفعةً … وصارَتْ رقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقَّا رَمَاني الرَّدَى سَهْمًا فأخمَدَ جَمْرَتي … فها أنا ذا في حُفْرَتي عاجلًا أُلقَى ولم يغنِ عنِّي ما جمعْتُ ولم أجدْ … لدى ملك الأجاء في حُبّها رِفقا (٧) وأفسَدْتُ دُنْيايَ وَدِيني سَفَاهةً … فَمَنْ ذا الذي مِنِّي بمصْرَعِهِ أشْقَى؟ فيا لَيْتَ شِعْرِي بعدَ مَوْتي ما ألقى … إلَى نعمةٍ للّهِ أمْ نارِهِ ألْقَى؟ وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - ليلة الإثنين لثمان بَقِين من ربيع الأول من هذه السنة، ولم يبلغ الخمسين. فكانت خلافته تسعَ سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا. وخلَّف من الأولاد الذكور: عليًّا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون. ومن البنات إحدى عشرة بنتًا، ويقال: سبعَ عشرة بنتًا. وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. وكان ماسكًا (٨) عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخِّله. ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث الاثني عشر المنصوص عليهم في حديث جابر بن سمره (٩)، فالله أعلم.

стр. 5428

وقد عمل أبو العبَّاس عبد اللّه بن المعتزّ العبّاسيّ في ابن عمه المعتضد مرثاةً حسنةً، يقول فيها (١): يا دَهْرُ وَيْحَكَ ما أبقيتَ لي أحَدا … وأنتَ والدُ سوء تأكلُ الوَلَدا أستغفِرُ اللّهَ بَلْ ذا كُلُّهُ قَدَرٌ … رَضِيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمَدا يا سَاكنَ القَبْرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ … بالطَّاهريَّةِ (٢) مُقْصَى الدَّارِ منفردا أينَ الجُيوشُ التي قد كُنْتَ تشحنها (٣) … أينَ الكُنُوزُ التي أحْصَيْتَها عَدَدا أينَ السَّريرُ الَّذي قد كُنْتَ تَمْلَؤُهُ … مَهابةً مَنْ رأتْهُ عَيْنُةُ ارْتَعَدا أينَ القُصُورُ التي شيَّدْتَها فعلَتْ … وَلاحَ فيها سَنَا الإبريزِ فاتَّقَدَا قدْ أتعبوا كل مرقالٍ مذكِّرةٍ … وجناءَ تنثرُ منْ أشداقها الزَّبدا أينَ الأعادي الألى ذَلَّلْتَ صعبهم (٤) … أينَ اللُّيُوثُ التي صَيَّرْتَها نُقَدا (٥) أينَ الوفودُ على الأبواب عاكفةً … وردَ القطا صفرًا ما جالَ واطَّردا أينَ الرَّجالُ قِيامًا في مراتبهِمْ … مَنْ رَاحَ منهمْ ولم يقتل فقدْ سعدا أينَ الجيادُ التي حَجَّلْتَها بدَمٍ … وَكُنَّ يحمِلْنَ منكَ الضَّيْغَمَ الأسَدَا أينَ الرِّماحُ التي غَذَّيْتَها مُهَجًا … مُذْ مِتَّ ما وَرَدَتْ قَلْبًا ولا كَبِدا أين السيوفُ وأينَ النَّبْلُ مرسلةً … يصبْنَ ما شئتَ مِن قَرْنٍ وإن بعدا أينَ المجانيقُ أمثالُ الفيولِ إذا … رمينَ حائط حصنن قائمٍ قعدا أينَ الفعالُ التي قدْ كنتَ تبدعها … ولا ترى أن عفوًا نافعًا أبدا أينَ الجِنانُ التي تجري جَدَاوِلُها … وتَسْتَجِبُّ إليها الطائرَ الغردا

стр. 5429

أينَ الوصَائفُ كالغِزلانِ رائحةً … يَسْحَبْنَ مِنْ حُلَلٍ موشِيَّةٍ جُدُدَا أين الملاهي وأينَ الرَّاحُ تَحسَبُها … ياقُوتةً كُسِيَتْ مِنْ فِضةٍ زَرَدا أينَ الوثوبُ إلى الأعداءَ متَّبعًا (١) … صلاحَ مُلكِ بَني العبَّاسِ إذْ فسَدا ما زِلْتَ تقسِرُ مِنْهُمْ كلَّ قَسْوَرةٍ … وتَخْبِطُ العاتيَ (٢) الجَبَّارَ مُعْتَمِدا ثم انقضَيْتَ فلا عَيْنٌ ولا أثَرٌ … حتَّى كأنَّك يومًا لَمْ تكُنْ أحدا لا شيءَ يبقى سوى خيرٍ تُقدّمُهُ … ما دامَ مُلكٌ لإنسانٍ ولا خَلُدا ورواها ابن عساكر في "تاريخه" الكبير (٣). خلافة المكتفي باللّه أبي محمد (٤) عليّ بن المعتضد باللّه أمير المؤمنين. بويع له بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الأول من هذه السَّنة، وليس في الخلفاء من اسمه عليّ سوى هذا، وعليّ بن أبي طالب، وليس فيهم من يُكنى بأبي محمّد إِلَّا هذا، والحسن بن علي بن أبي طالب، والهادي، والمستضيء بأمر الله. وحين ولِّي المكتفي باللّه بعد أبيه، كثرت الفتن وانتشرت في البلاد. وفي رجب زُلزلت الأرض زلزلةً عظيمة جدًّا. وفي رمضان تساقط وقتَ السَّحر من السَّماء نجومٌ كثيرة، ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس. ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرَّقَّة، فكتب إليه الوزيرُ وأعيانُ الأمراء، فركب ودخل بغداد في يومٍ مشهود، وذلك يوم الإثنين لثمانٍ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة. وفيها في هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصَّفَّار، وكان معتَقلًا في سجن أبيه، وأمر بتخريب المَطَامير التي كان اتخذها أبوه للسجن، وأمر ببناء جامع مكانها. وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عُبَيد الله بن سليمان بن وَهْب ست خِلَع، وقلَّده سيفًا. وكان عمره يومئذٍ خمسًا وعشرين سنة، وبضع أشهرٍ.

стр. 5430

وفي هذه السنة: انتشرت القرامطة بعد موت المعتضد في الآفاق، وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمَّى بعضُهم بأمير المؤمنين. فبعث المكتفي إليهم جيوشًا كثيرة، وأنفق أموالًا غزيرة، حتَّى أطفا الله بعض شرَّهم؛ قبَّحهم الله. وفي هذه السنة: خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد السَّاماني، وكاتبه أهل الرَّيّ بعد قتله محمد بن زيد الطالبيّ، فصار إليهم، فسلَّموا إليه البلد، فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد بالجيوش، فقهره وأخرجه منها مذمومًا مدحورًا. قال ابن الجوزي في "المنتظم" (١): وفي يوم التاسع من ذي الحجَّة صلَّى الناس العصر في زمن الصيف، وطيهم ثياب الصيف، فهبَّت ريح باردة جدًّا، حتى احتاج الناس مع ذلك إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفراء والمحشوات، وجمد الماء كفصل الشتاء. قال ابن الأثير (٢): وكذا وقع بمدينة حمص. قال (٣): وهبت ريح عاصف بالبصرة، فاقتلعت شيئًا كثيرًا من نخيلها، وخسف بموضع منها، فمات تحته ستة آلاف نسمة. قال ابن الأثير (٤) وابن الجوزي (٥): وزلزلت بغداد في رجب من هذه السنة مرّات متعددة، ثم سكنت. وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أحد الصُّوفية الكبار. قال ابن الأثير (٦): وهو من أقران السَّرِيّ السَّقَطي. [قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس] (٧). أحمد بن محمّد المعتضد باللّه، غلب عليه سوء المزاج والجفاف لكثرة الجماع، وكان الأدباء
следующие страницы →