← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

فخانني الدَّهْرُ بفقدانِهِ … وكنتُ مِنْ قبلُ لَهُ آمنا وَدَّعتُ صبري عند توديعه … وبانَ (١) قلبي معهُ ظاعنا وقد بعث إليه ابن المعتز يعزِّيه ويسلِّيه عن مصيبته (٢) فيها (٣): يا إمامَ الهُدَى بنا لا بكَ الغـ … ــمُّ أفنيتنا وعِشْتَ سليما أنتَ علَّمتنا على النِّعَمِ الشُكْـ … ـر وعندَ المصائبِ التَّسليما فاسل عمَّا مَضَى فإنَّ التي كا … نتْ سُرورًا صَارَتْ ثوابًا عظيما قدْ رَضينا بأن نموتَ وتحيى … إنَّ عندي في ذاكَ حظًّا جسيما مَنْ يمُت طائعًا لديك فقدْ … أعطي فوزًا وماتَ موتًا كريما وقد اجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه، فلمَّا انقضى السَّمَرُ وصار إلى حظاياه، ونام القوم، أهبهم خادم من عند الخليفة، وقال: يقول لكم: إنه قد أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتًا أعياه ثانيه، فمن أجازه فله جائزة، وهو هذا البيت: ولمَّا انتبَهْنَا (٤) لِلخيالِ الَّذِي سَرَى … إذا الدَّارُ قَفْرَى والمَزَارُ بَعِيدُ فجلس القوم من فرشهم يفكِّرون في ثانيه، فبدر واحدٌ منهم، فقال: فقلتُ لِعَيْني عاوِدي النَّوْمَ واهْجَعي … لَعَلَّ خَيَالًا طارقًا سَيَعُودُ فلمَّا رجع به الخادم إلى الخليفة وَقَعَ منه موقعًا جيدًا وأمر له بجائزة سنية. واستعظم (٥) المعتضد يومًا من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازنيّ البصريّ: لَهْفي عَلَى مَنْ أطارَ النَوْمَ فامْتَنَعا … وَزَادَ قَلْبي على أوْجَاعِهِ وَجَعا كأنَّما الشَمْسُ من أعطافِهِ لَمَعَتْ … حُسْنًا أو البَدْرُ مِن أردانِه (٦) طَلَعا مستقبلٌ بالذي يَهوى وإن عظُمت … منه الأساءةُ معذورٌ بما صَنَعا في وَجْهِهِ شافعٌ يمحو إساءتهُ … من القلوب وجيه حيثما شفعا ولما كان ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وثمانين ومئتين - اشتد وجع الخليفة المعتضد

стр. 5427

بالله، فاجتمع رؤساء القوَّاد، منهم مؤنس (١) الخادم، إلى الوزير القاسم بن عبيد اللّه، وأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي باللّه عليّ بن المعتضد باللّه، ففعل ذلك، وتأكد العهد، وكان في ذلك خيرٌ كثير. وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه (٢): تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنيا فإنَّكَ لا تَبْقَى … وَخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَعِ الرَّنقا (٣) ولا تأمنَنَّ الدَّهْرَ إنِّي أمِنْتُهُ … فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرْعَ لي حقَّا قَتَلْتُ صنادِيدَ الرِّجالِ فلَمْ أدَعْ … عَدُوًّا ولم أُمْهِلْ على خُلُقٍ (٤) خَلْقا وأخْلَيْتُ دارَ الملكِ من كلِّ نازعٍ (٥) … فشرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَمَزَّقتُهُمْ شَرْقا فلمّا بَلغْتُ النَّجْم (٦) عِزًّا وَرِفعةً … وصارَتْ رقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقَّا رَمَاني الرَّدَى سَهْمًا فأخمَدَ جَمْرَتي … فها أنا ذا في حُفْرَتي عاجلًا أُلقَى ولم يغنِ عنِّي ما جمعْتُ ولم أجدْ … لدى ملك الأجاء في حُبّها رِفقا (٧) وأفسَدْتُ دُنْيايَ وَدِيني سَفَاهةً … فَمَنْ ذا الذي مِنِّي بمصْرَعِهِ أشْقَى؟ فيا لَيْتَ شِعْرِي بعدَ مَوْتي ما ألقى … إلَى نعمةٍ للّهِ أمْ نارِهِ ألْقَى؟ وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - ليلة الإثنين لثمان بَقِين من ربيع الأول من هذه السنة، ولم يبلغ الخمسين. فكانت خلافته تسعَ سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا. وخلَّف من الأولاد الذكور: عليًّا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون. ومن البنات إحدى عشرة بنتًا، ويقال: سبعَ عشرة بنتًا. وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. وكان ماسكًا (٨) عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخِّله. ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث الاثني عشر المنصوص عليهم في حديث جابر بن سمره (٩)، فالله أعلم.

стр. 5428

وقد عمل أبو العبَّاس عبد اللّه بن المعتزّ العبّاسيّ في ابن عمه المعتضد مرثاةً حسنةً، يقول فيها (١): يا دَهْرُ وَيْحَكَ ما أبقيتَ لي أحَدا … وأنتَ والدُ سوء تأكلُ الوَلَدا أستغفِرُ اللّهَ بَلْ ذا كُلُّهُ قَدَرٌ … رَضِيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمَدا يا سَاكنَ القَبْرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ … بالطَّاهريَّةِ (٢) مُقْصَى الدَّارِ منفردا أينَ الجُيوشُ التي قد كُنْتَ تشحنها (٣) … أينَ الكُنُوزُ التي أحْصَيْتَها عَدَدا أينَ السَّريرُ الَّذي قد كُنْتَ تَمْلَؤُهُ … مَهابةً مَنْ رأتْهُ عَيْنُةُ ارْتَعَدا أينَ القُصُورُ التي شيَّدْتَها فعلَتْ … وَلاحَ فيها سَنَا الإبريزِ فاتَّقَدَا قدْ أتعبوا كل مرقالٍ مذكِّرةٍ … وجناءَ تنثرُ منْ أشداقها الزَّبدا أينَ الأعادي الألى ذَلَّلْتَ صعبهم (٤) … أينَ اللُّيُوثُ التي صَيَّرْتَها نُقَدا (٥) أينَ الوفودُ على الأبواب عاكفةً … وردَ القطا صفرًا ما جالَ واطَّردا أينَ الرَّجالُ قِيامًا في مراتبهِمْ … مَنْ رَاحَ منهمْ ولم يقتل فقدْ سعدا أينَ الجيادُ التي حَجَّلْتَها بدَمٍ … وَكُنَّ يحمِلْنَ منكَ الضَّيْغَمَ الأسَدَا أينَ الرِّماحُ التي غَذَّيْتَها مُهَجًا … مُذْ مِتَّ ما وَرَدَتْ قَلْبًا ولا كَبِدا أين السيوفُ وأينَ النَّبْلُ مرسلةً … يصبْنَ ما شئتَ مِن قَرْنٍ وإن بعدا أينَ المجانيقُ أمثالُ الفيولِ إذا … رمينَ حائط حصنن قائمٍ قعدا أينَ الفعالُ التي قدْ كنتَ تبدعها … ولا ترى أن عفوًا نافعًا أبدا أينَ الجِنانُ التي تجري جَدَاوِلُها … وتَسْتَجِبُّ إليها الطائرَ الغردا

стр. 5429

أينَ الوصَائفُ كالغِزلانِ رائحةً … يَسْحَبْنَ مِنْ حُلَلٍ موشِيَّةٍ جُدُدَا أين الملاهي وأينَ الرَّاحُ تَحسَبُها … ياقُوتةً كُسِيَتْ مِنْ فِضةٍ زَرَدا أينَ الوثوبُ إلى الأعداءَ متَّبعًا (١) … صلاحَ مُلكِ بَني العبَّاسِ إذْ فسَدا ما زِلْتَ تقسِرُ مِنْهُمْ كلَّ قَسْوَرةٍ … وتَخْبِطُ العاتيَ (٢) الجَبَّارَ مُعْتَمِدا ثم انقضَيْتَ فلا عَيْنٌ ولا أثَرٌ … حتَّى كأنَّك يومًا لَمْ تكُنْ أحدا لا شيءَ يبقى سوى خيرٍ تُقدّمُهُ … ما دامَ مُلكٌ لإنسانٍ ولا خَلُدا ورواها ابن عساكر في "تاريخه" الكبير (٣). خلافة المكتفي باللّه أبي محمد (٤) عليّ بن المعتضد باللّه أمير المؤمنين. بويع له بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الأول من هذه السَّنة، وليس في الخلفاء من اسمه عليّ سوى هذا، وعليّ بن أبي طالب، وليس فيهم من يُكنى بأبي محمّد إِلَّا هذا، والحسن بن علي بن أبي طالب، والهادي، والمستضيء بأمر الله. وحين ولِّي المكتفي باللّه بعد أبيه، كثرت الفتن وانتشرت في البلاد. وفي رجب زُلزلت الأرض زلزلةً عظيمة جدًّا. وفي رمضان تساقط وقتَ السَّحر من السَّماء نجومٌ كثيرة، ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس. ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرَّقَّة، فكتب إليه الوزيرُ وأعيانُ الأمراء، فركب ودخل بغداد في يومٍ مشهود، وذلك يوم الإثنين لثمانٍ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة. وفيها في هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصَّفَّار، وكان معتَقلًا في سجن أبيه، وأمر بتخريب المَطَامير التي كان اتخذها أبوه للسجن، وأمر ببناء جامع مكانها. وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عُبَيد الله بن سليمان بن وَهْب ست خِلَع، وقلَّده سيفًا. وكان عمره يومئذٍ خمسًا وعشرين سنة، وبضع أشهرٍ.

стр. 5430

وفي هذه السنة: انتشرت القرامطة بعد موت المعتضد في الآفاق، وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمَّى بعضُهم بأمير المؤمنين. فبعث المكتفي إليهم جيوشًا كثيرة، وأنفق أموالًا غزيرة، حتَّى أطفا الله بعض شرَّهم؛ قبَّحهم الله. وفي هذه السنة: خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد السَّاماني، وكاتبه أهل الرَّيّ بعد قتله محمد بن زيد الطالبيّ، فصار إليهم، فسلَّموا إليه البلد، فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد بالجيوش، فقهره وأخرجه منها مذمومًا مدحورًا. قال ابن الجوزي في "المنتظم" (١): وفي يوم التاسع من ذي الحجَّة صلَّى الناس العصر في زمن الصيف، وطيهم ثياب الصيف، فهبَّت ريح باردة جدًّا، حتى احتاج الناس مع ذلك إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفراء والمحشوات، وجمد الماء كفصل الشتاء. قال ابن الأثير (٢): وكذا وقع بمدينة حمص. قال (٣): وهبت ريح عاصف بالبصرة، فاقتلعت شيئًا كثيرًا من نخيلها، وخسف بموضع منها، فمات تحته ستة آلاف نسمة. قال ابن الأثير (٤) وابن الجوزي (٥): وزلزلت بغداد في رجب من هذه السنة مرّات متعددة، ثم سكنت. وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أحد الصُّوفية الكبار. قال ابن الأثير (٦): وهو من أقران السَّرِيّ السَّقَطي. [قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس] (٧). أحمد بن محمّد المعتضد باللّه، غلب عليه سوء المزاج والجفاف لكثرة الجماع، وكان الأدباء

стр. 5431

يصفون له ما يرطّب بدنه، فيستعمل ضدَّ ذلك حتى سقطت قوته، وقد ذكرنا كيفية وفاته في ترجمته آنفًا. بدر غلام المعتضد ورأس الجيش (١): كان القاسم بن عبيد اللّه الوزير قد عزم في حياة المعتضد على أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد، وفاوض في ذلك بدرًا هذا، فامتنع عليه وأبى إِلَّا البيعة لأولاد مولاه. فلمَّا ولي المكتفي خاف الوزير من غائلة ما كان أسرَّ به إلى بدر، فعمل عليه في الباطن عند المكتفي، ولم يزل حتى احتاط الخليفة على حواصله وأمواله وهو بواسط، ثم بعث إليه بالأمان، فقدم، فأمر الوزير مَنْ قتله، فقتل يوم الجمعة لستٍّ خلون من رمضان من هذه السنة، وحمل رأسه، وبقيت جثته فأخذها أهله، ثم بعثوها في تابوت إلى مكة، فدفن بها، وذلك أنَّه أوصى بذلك، وكان قد أعتق كلَّ مملوك له قبل وفاته. وحين أريد قتله صلَّى ركعتين دته ، ثم قتلوه. الحسين بن محمد (٢): ابن عبد الرحمن بن الفَهْم بن مُحْرز بن إبراهيم، أبو علي، الحافظ البغدادي. سمع خَلَف بن هشام، ويحيى بن مَعين، ومحمد بن سَعد، وغيرهم. وعنه: الخُطَبيّ، والطُّوماري. وكان عِسرًا في التحديث إِلَّا لمن لازمه، وكانت له معرفة جيدة بالأخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه. مات عن ثمان وسبعين سنة. وقد قال الدَّارقُطني (٣): ليس بالقوي. عمارة بن وثيمة بن موسى، أبو رفاعة الفارسي (٤)، صاحب "التاريخ" على السنين، وقد ولد بمصر، وحدث عن أبي صالح كاتب الليث؛ وغيره. عمرو بن الليث الصَّفَّا (٥)، أحد الأمراء الكبار، قُتِلَ في السجن أوّل ما قدِمَ المكتفي بغداد. [ثمَّ دخلت] سنة تسعين ومئتين من الهجرة النبوية فيها: أقبل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه، أبو القاسم القرمطيّ، المعروف بالشيخ، في جحافل من القرامطة، فعاث بناحية الرَّقَّة فسادًا، فجهز إليه الخليفة جيشًا كثيفًا في نحو عشرة آلاف فارس.

стр. 5432

وفيها: ركب الخليفة المكتفي باللّه من بغداد إلى سامُرّا يريد الإقامة بها، فثنى رأيه عن ذلك الوزير القاسم بن عبيد اللّه، ورجع به إلى بغداد. وفيها: قتل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه على باب دمشق، قتله جيش المصريين، زرقه رجل من المغاربة بمزراق من نار فحرقه، وذلك بعدما كان قتل خلقًا كثيرًا من جيشها، من أصحاب طغج بن جفّ، نائبها، ثم مَنَّ اللّه على الناس بقتله، ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، فقام بأمر القرامطة من بعده أخوه الحسين، وتسمَّى بأحمد، وتكنَّى بأبي العبَّاس، تلقب بأمير المؤمنين، وأطاعته القرامطة، فحاصر دمشق، فصالحه أهلها على مالٍ، ثم سار إلى حمص فافتتحها، وخُطِبَ له على منابرها، ثم سار إلى حَماة ومعرَّة النعمان، فقهر أهلَ تلك النواحي واستباح أموالهم وحريمهم، فكان يقتل الدَّوابّ والصبيان في المكاتب، ويبيح لمن معه وطء النساء، فربما وطئ الواحدةَ الجماعةُ الكثيرة من الرجال، فإذا ولدت هنّئ به كلُّ واحدٍ منهم، فكتب أهل الشام إلى الخليفة يشكون إليه ما يلقون من هذا اللعين، فجهز المكتفي جيوشًا كثيفة، وأنفق أموالًا جزيلة لحربه، وركب في رمضان، فنزل الرَّقَّة، وبثَّ الجيوش في كل جانبٍ لقتال القُرْمُطيّ، وكان القُرْمُطيُّ يكتب إلى أصحابه: من عبد اللّه أحمد بن عبد الله المهدي المنصور باللّه، الناصر لدين الله، القائم بأمر اللّه، الحاكم بحكم اللّه، الدَّاعي إلى كتاب اللّه، الذابّ عن حريم اللّه، المختار من ولد رسول اللّه. وكان يدَّعي أنه من سلالة عليّ بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذب أفك [في ذلك] (١)؛ قبَّحه اللّه، فإنه كان من أشدّ الناس عداوةً لقريش، ثم لبني هاشم؛ دخل سَلَمِيّة (٢) فلم يَدَعْ بها أحدًا من بني هاشم حتى قتله، وقتل أولاده، واستباح نساءه. وفيه: ولي ثغر طَرَسُوس أبو العشائر أحمد بن نصر، عوضًا عن مظفّر بن حاج؛ لشكوى أهل الثغر منه. وحجَّ بالناس الفضل بن محمد العباسي (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل (٤): أبو عبد الرَّحمن الشَّيْبانيّ. كان إمامًا حافظًا ثقة ثبتًا، مكثرًا عن أبيه وغيره.

стр. 5433

قال ابن المنادي (١): لم يكن أحد أروى عن أبيه منه؛ سمع منه "المُسْنَد" ثلاثين ألفًا، و "التفسير" مئة ألف حديث وعشرون ألفًا؛ من ذلك سماع، ومن ذلك وجَادة (٢)؛ ومن ذلك "النَّاسخ والمنسوخ"، و"المقدَّم والمؤخر في كتاب اللّه" و "التاريخ"، و "حديث شعبة" و "جوابات القرآن"، و "المناسك الكبير"، و "الصّغير"، وغير ذلك من التَّصانيف، وحديث الشُّيوخ. قال (٣): وما زلنا نرى أكابرَ شيوخنا يَشهدون له بمعرفة الرِّجال، وعلل الحديث، والأسماء والكُنى، والمواظَبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك، حتَّى إنَّ بعضَهم أسرَفَ في تقريظه إيَّاه بالمعرفة، وزيادة السَّماع للحديث على أبيه. ولمَّا مرض، قيل له: أين تُدفن؟ فقال: صحَّ عندي أنَّ بالقطيعة (٤) نبيًّا مدفونًا، ولأنْ أكونَ في جوار نبيٍّ أحبُّ إليَّ من أن أكون في جوار أبي (٥). فمات في جمادى الآخرة في هذه السنة عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وصلَّى عليه زهير ابن أخيه، ودفن في مقابر التِّبن، ﵀. عبد اللّه بن أحمد بن سعيد، أبو بحر الرباطي المروزي، صحب أبا تراب النَّخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويثني عليه (٦). عمر بن إبراهيم، أبو بكر، الحافظ، المعروف بأبي الآذان، وكان ثقة ثبتًا (٧). محمد بن الحسين بن الفرج، أبو ميسرة الهمداني، صاحب "المسند"، وكان أحد الثقات المشهورين، والمصنفين المنصفين (٨). محمد بن عبد اللّه أبو بكر الزَّقَّاق (٩): أحد أئمة الصوفية وعبَّادهم. رُوي عن الجنيد أنه قال: رأيتُ

стр. 5434

إبليس في المنام وكأنه (١) عريان، فقلت: ألا تستحي من الناس؟ فقال: وهؤلاء أناس؛ وأنا ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة! إنَّما الناس جماعة في مسجد الشُّونِيزيّ قد أضنوا قلبي، و [وأتعبوا جسدي] (٢)، كلَّما هممت بهم أشاروا إلى الله عر وجل، فأكاد أحترق! [قال] (٣): فلمَّا انتبهت لبست ثيابي وقصدت مسجد الشُّونيزي، فإذا فيه ثلاثة جُلوسٌ ورؤوسهم في مرقعاتهم، فرفع أحدهم رأسه من جيبه، فقال: يا أبا القاسم! أنت كلَّما قيل لك شيء تقبل؟ فإذا هم: أبو بكر الزَّقَّاق (٤)، وأبو الحسين النّوري، وأبو حمزة (٥). محمد بن عليّ بن علَّويه بن عبد اللّه الجرجانيّ، الفقيه الشافعي، تلميذ المُزني، ذكره ابن الأثير (٦). ثمّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين فيها: جرت وقعة عظيمة هائلة بين القرامطة وجند الخليفة، فهُزمت القرامطة هزيمة عظيمة، وأسر رئيسهم الحسين بن زَكْرَوَيْه، الملقب بأمير المؤمنين، الذي يقال له: ذو الشامة، وقد تسمَّى كما ذكرنا بأحمد، وتكنى بأبي العباس، والتف عليه خلائق من الأعراب وغيرهم، واستفحل أمره جدًّا. فلما أُسِرَ حُمِلَ إلى الخليفة في جماعة كثيرة من رؤوس أصحابه، وأدخل بغداد على فيل مشهور للناس، فأمر الخليفة بعمل دفَّةٍ مرتفعةٍ، فأجلس عليها القُرمطي، وجيء بأصحابه، فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مئتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق، وحُمِلَ رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في شهر ربيع الأول (٧). وفيها: قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في جحافلَ عظيمة، فبثتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا [لا يحصون] (٨)، وسبَوا منهم ما لا يحصون كثرة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].

стр. 5435

وفيها: بعث ملك الروم عشرة صلبان، مع كل صليب عشرة آلاف، فأغاروا على أطراف البلاد، وقتلوا خَلْقًا، وسبَوا ناسًا من الذرية. وفيها: دخل نائب طَرَسُوس بلاد الروم، ففتح مدينة أنطاكية، وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية، وخلص (١) من المسلمين خمسة آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبًا، وغنم شيئًا عظيمًا جدًّا، وبلغ نصيب كل من الغزاة ألف دينار. وحجَّ بالناس في هذه السنة: الفضلُ بن عبد الملك. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيَّار (٢): أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقَّب بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، مولده سنة مئتين. سمع محمد بن زياد بن الأعرابي، والزبير بن بكَّار، والقَواريري، وغيرهم. وعنه: ابنُ الأنباري، وابن عرفة، وأبو عمر (٣) الزاهد. وكان ثقة حجَّة، دينًا صالحًا، مشهورًا بالصدق والحفظ، وذكر أنه سمع من القواريري مئة ألف حديث. وكانت وفاته يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، عن إحدى وتسعين سنة. قال ابن خلكان (٤): وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه، وكان قد أصابه صممٌ شديدٌ، فصدمته فرس فألقته في هُوَّةٍ فاضطرب دماغه، فمات من اليوم الثاني. قال (٥): وهو مصنّف كتاب "الفصيح"، وهو صغير الحجم، كبير الفائدة، وله كتاب

стр. 5436

"المصون"، و"اختلاف النحويين"، و"معاني القرآن"، وكتاب القراءات"، و"معاني الشعر" و"ما يلحن فيه العامّة"، وذكر أشياء كثيرة أيضًا. وممّا نسب إليه من الشعر [قوله] (١): إذا كنْتَ قُوتَ النَّفْسِ ثمَّ هَجَرْتَها … فكم تَلبَثُ النَّفْسُ التي أنتَ قُوتُها ستبقَى بقاءَ الضَّبِّ في الماءً أوْ كما … أقامَ لدى دَيْمُومَةِ (٢) النبت حُوتُها أغَرَّكَ أنِّي قدْ تَصبَّرْتُ جاهدًا … وفي النَّفْسِ مِنِّي منكَ ما سَيُمِيتُها فلوْ كانَ ما بي بالصُّخُورِ لَهَدَّها … وبِالرِّيحِ ما هَبَّتْ وطالَ خُفُوتُها فَصَبْرًا لعلَّ اللهَ يجمَعُ بيننا … فأشكُو هُمومًا مِنْكَ فيكَ (٣) لَقِيتُها القاسم بن عُبَيد اللّه (٤): ابن سليمان بن وَهْب الوزير، تولَّى بعد أبيه الوِزارة في آخر أيام المعتضد، ثم وزر لولده المكتفي من بعده، فلمَّا كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المظلَّمين، ثم كانت وفاته في ذي القعدة منها، وقد قارب ثلاثًا وثلاثين سنة، وقد كان حظيًا عند الخليفة جدًّا، وخلَّف من الأملاك ما يعدل سبعمئة ألف ديار. محمد بن محمد بن إسماعيل بن شدَّاد (٥): أبو عبد اللّه البصري، القاضي بواسط، المعروف بالجذوعي. حدَّث عن مسدَّد، وعن علي بن المَديني، وابن نمير، وغيرهم، وكان من الثقات والقضاة الأجواد العدول الأمناء. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن إبراهيم البُوشَنجيّ (٦).

стр. 5437

ومحمد بن علي الصَّائغ (١). وقُنْبُل (٢)، أحد مشاهير القرَّاء، وأئمة العلماء. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومئتين فيها: دخل محمد بن سليمان في نحو من عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الدِّيار المصرية لقتال هارون بن خُمَارَوَيْه، فبرز إليه هارون فاقتتلا، فقهره محمد بن سليمان؛ وجمع آلَ طولون فكانوا سبعة (٣) عشر رجلًا، فقتلهم (٤)، واستحوذ على أموالهم وأملاكهم. وانقضت دولة الطولونية عن الدِّيار المصرية؛ وكتب بالفتح إلى المكتفي. وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشمي، أمير الحجاج في السنين المتقدِّمة. وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن عبد اللّه بن مُسْلم، أبو مسلم الكَجِّيَّ (٥): أحد المشايخ المعمّرين، كان يحضر مجلسه خمسون (٦) ألفًا ممن معه مِحْبَرة، سوى النَّظَّارة، ويستملي عليه سبعة مُسْتَملين؛ كلٌّ يبلِّغ صاحبه، ويكتب بعضُ الناس وهم قيام. وكان كلما حدَّث بعشرة آلاف حديث تصدَّق بصدقة. ولمَّا فرغ من قراءة السُّنن عليه عَمِلَ مأْدُبةً غرم عليها ألف دينار، وقال: شهدت اليومَ على رسول اللّه ﷺ فقبلت شهادتي وحدي، أفلا أعمل شكرًا للّه ؟. وروى ابن الجوزي (٧) والخطيب (٨) عن أبي مسلم الكَجِّيّ، قال: خرجت ذات ليلة من المنزل بليل، فمررت بحمَّام وعليَّ جنابة، فدخلته، فقلت للحمَّامي: أدَخَلَ حمَّامَكَ أحدٌ بعدُ؟ فقال: لا، فدخلْتُ، فلمَّا فتحت باب الحمام الداخل إذ قائل يقولُ: أبا مسلم! أسلم تسلم. ثم أنشأ يقولُ:

стр. 5438

لَكَ الحمدُ إمَّا على نِعْمَةٍ … وإمَّا على نقمةٍ تُدْفَعُ (١) تشاءُ فتفعَلُ ما شِئْتَهُ … وتسمَعُ مِنْ حَيْثُ لا تسمَعُ قال: فبادرت فخرجت فقلت للحمَّامي: أنتَ زعمْتَ أنَّه لم يدخل حمامك أحدٌ؟ فقال: نعم! وما ذاك؛ فقلت: إنِّي سمعْتُ قائلًا يقول كذا. فقال: أو سمعته؟ قلت: نعم. فقال: يا سيدي! هذا رجل من الجان يتبدَّى لنا في بعض الأحيان، فينشد أشعارًا، ويتكلَّم بكلام حسن فيه مواعظ. فقلت: هل حفظت من شعره شيئًا؟ فقال: نعم. ثم أنشدني من شعره، فقال: أيُّها المذنبُ المفرِطُ مَهْلًا … كم تَمَادى وتركب الذَّنْبَ جَهْلا كَمْ وكَمْ تُسْخِط الجليلَ بفِعْلٍ … سَمِجٍ وهو يُحْسِنُ الصُّنْعَ فِعلا كيف تَهْدَى جُفونُ مَنْ ليسَ يدري … أرَضي عنهُ مَنْ على العرشِ أمْ لا عبد الحميد بن عبد العزيز: أبو خازم (٢)، القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء، ورِعًا نزهًا، كثيرَ الصيانة والديانة والأمانة. وقد ذكر له ابن الجوزي في "المنتظم" (٣) آثارًا حسنة وأفعالًا جميلة، رحمه الله تعالى ورضي عنه. ثمَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئتين فيها: التفَّ على أخي الحسين القُرمطيّ، المعروف بذي الشامة، الذي قدَّمنا ذكر مقتله في السنة الماضية، خلائقُ من القرامطة والأعراب واللصوص وأهل البوادي بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادًا، ثم قصد طبريَّة، فامتنعوا من إيوائه، فدخلها قَهْرًا، فقتل بها خلْقًا كثيرًا من الرجال، وأخذ شيئًا كثيرًا من الأموال، ثم كرَّ راجعًا إلى البادية. ودخلت فرقة أخرى من القرامطة إلى هِيت (٤)، فقتلوا أهلها إِلَّا القليل، وأخذوا منها أموالًا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير معهم، فبعث إليهم الخليفة المكتفي جيشًا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضُربت عنقه. ونبغ رجل من القرامطة يقال له: الداعية باليمن، فحاصر صنعاء، فدخلها قَهْرًا، وقتل خلْقا من

стр. 5439

أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن، فأكثر فيها الفساد، وقتل خلْقًا من العباد، ثم قاتله أهلُ صنعاء فظفروا به وهزموه، فانحاز إلى بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها المظفّر بن حاج نائبًا، وخلع عليه، فسار إليها فلم يزل بها (١) حتى مات. وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة نحو من ثمانمئة إلى الكوفة، والناس في عيدهم، فنادوا: يا ثارات الحسين، يعنون المصلوب ببغداد، [وهو ابن زكروَيْه، وشعارهم يومئذ: يا أحمد، يا محمّد، يعنوا (٢) اللَّذين قتلا معه ببغداد] (٣)، فبادر الناس الدخول إلى الكوفة، فوَلَجَ خلفهم القرامطة، فرمتهم العامة بالحجارة وغير ذلك، فقتلوا منهم نحوًا من عشرين، ورجع الباقون خاسئين، وللّه الحمد والمنة. وفي هذه السنة: ظهر رجل بمصر يقال له: الخلنجيّ، فخلع الطاعة، واجتمع إليه طائفة من الجند، فأمر الخليفة أحمد بن كَيْغَلَغ نائبَ دمشق وأعمالها، فركب إليه، فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخلنجيّ هزيمة منكرة، فبعث الخليفة إليه جيشًا آخر، فهزموا الخلنجيَّ وهرب، فاستتر بمصر، فأحضر وسلَّم إلى الأمير الخليفة، وانطفأ خبره، ولله الحمد. ولمَّا اشتغل الجيش بأمر الدِّيار المصرية، بعث زكروَيْه بن مهروَيْه. بعد مقتل أبيه الحسين ببغداد، جيشًا صحبة رجلٍ كان يعلّم الصبيان، يقال له: عبد اللّه بن سعيد، فقصد بُصرى وأذرِعاتَ والبثنية، فحاربه (٤) أهلها، ثم أمَّنهم، فلمَّا أن تمكن منهم قتل المقاتلة [وسبَى الذرية] (٥). ورام الدخول إلى دمشق، فقاتله نائب أحمد بن كَيْغَلغ، وهو صالح بن الفضل، فهزمه القُرمطيُّ، وقتل صالح فيمن قتل، وحاصر دمشق، فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طَبَريَّة، فقتلوا أكثر أهلها كما ذكرنا، ونهبوا منها شيئًا كثيرًا. ثم صاروا إلى هيت ففعلوا كذلك، ثم جَهز الخليفة إليهم جيشًا، فاخذ رئيسهم من بينهم، ونجا بقيَّتُهم. ثم صاروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا، فلم ينتج لهم أمر، وللّه الحمد والمنة. وكُلُّ ذلك بإشارة زكروَيْه بن مهروَيْه وهو مختفٍ في بلده بين ظهراني قومٍ من القرامطة، إذا ألحَّ في طلبه نزل إلى بئر قد اتخذه، وعلى بابه تنُّور، فتقوم امرأة تسجره وتخبز فيه، فلا يشعر أحد بأمره أصلًا، فبعث الخليفة إليه جيشًا كثيفًا، فقاتلهم زكروَيْه بنفسه ومَن أطاعه، فهزم جيش الخليفة، وغنم من

стр. 5440

أموالهم شيئًا كثيرًا جدًّا، فتقوى به، واشتدَّ أمره، فندب الخليفة إليهم جيشًا كثيفًا آخر، فكان من أمره وأمرهم ما نذكره. وفيها: افتتح إسماعيل بن أحمد السامانئ نائبُ خراسان وما وراء النهر طائفةً من بلاد الأتراك. وفيها: أغارت الروم على بعض أعمال حلب، [فقتلوا ونهبوا وسبَوا] (١). وفيها: حجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ. وممن توفي فيها من الأعيان: عبد الله بن محمد أبو العبَّاس النَّاشِئ (٢): الشاعر، المعتزلي، أصله من الأنبار، وأقام ببغداد مدَّة، ثم انتقل إلى مصر فمات فيها. وكان [جيِّد الذّهن] (٣) يعاكس الشعراء، ويردُّ على المنطقيين والعَرُوضيين (٤)، وكان شاعرًا مطبقًا، إِلَّا أنه كان فيه هَوَسٌ (٥). وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله ﷺ قد ذكرناها في السيرة (٦). قال القاضي ابن خلكان (٧): كان متبحّرًا في عدَّة علومٍ؛ من جملتها علم المنطق، كان ذكيًا فطنًا، وله قصيدة في فنون من العلوم على رويٍّ واحدٍ تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف جميلة، وأشعار كثيرة. قال (٨): وأمَّا النَّاشئ الأصغر فسيأتي. عبيد الله بن محمد بن خلف: أبو محمد البزَّار (٩)، أحد الفقهاء من أصحاب أبي ثَوْر، وكان عنده فقه (١٠)، وكان من الثقات النبلاء.

стр. 5441

نصر بن أحمد بن عبد العزيز (١): أبو محمد الكِنْديّ، الحافظ، المعروف بنَصْرَك، كان أحد حفَّاظ الحديث المشهورين، وكان الأمير خالد بن أحمد الذُّهْليّ نائبُ بُخارى قد أخذه إليه، وصنف له "المسند"، وكانت وفاته ببخارى في هذه السنة. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومئتين في المحرم من هذه السنة اعترض زكروَيْه - لعنه اللّه - وأصحابه الحجَّاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة، فقتلهم عن آخرهم، وأخذ أموالهم، وسبَى نساءهم؛ وكان قيمة ما أخذه منهم ألفَيّ ألف دينار، وعدَّة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يَطُفْنَ بين القتلى من الحجَّاج بالماء، صفة أنهنَّ يسقين الجرحى، فمن كلَّمهن من الجرحى قتلْنَه وأجهزْنَ عليه، لعنهن اللّه وقبَّح أزواجهن. ذكر مقتل زَكروَيْه، لعنه اللّه لمَّا بلغ الخليفةَ خبرُ الحجيج وما أوقع بهم الخبيثُ زَكروَيْه، جهز إليه جيشًا كثيفًا، فالتقوا معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا؛ قُتل من القرامطة (٢) خلْقٌ كثير، ولم يبقَ منهم إِلَّا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها. وضُرب زكرَوْيه - لعنه اللّه - بالسيف في رأسه، فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرًا فمات بعد خمسة أيام، ففتحوا عن بطنه وصبروه، وحمل وجماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى العسكر على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل، ولله الحمد والمنة. وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمُطيّ، وأن يطاف برأس القرمطي في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنعَ الناس عن الحجِّ؛ وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم. وفيها: غزا أحمد بن كَيْغَلَغ نائبُ دمشق بلاد الروم من ناحية طَرَسُوس، فقتل منهم نحوًا من أربعة آلاف، وأسر من ذراريهم نحوًا من خمسين ألفًا. وأسلَم بعضُ البطارقة من الروم، وجاء معه بنحوٍ من مئتي أسير (٣) كانوا في حصنه، فأرسل ملك الروم جيشًا في طلبه، فركب هو في جماعة من المسلمين، فكبس الروم فقتلهم، وغنم منهم غنيمة كثيرة جدًّا. ولمَّا قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمنَّاه عليه.

стр. 5442

وفيها: ظهر بالشام رجل، فادَّعى أنَّه السّفيانيُّ، فأخِذَ وبُعث به إلى بغداد، فادعى أنه مُوَسْوِسٌ. وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن محمد بن حاتم: ابن يزيد بن عليّ بن مروان، أبو عليّ، المعروف بعُبَيْد العِجْل (١). كان حافظًا مكثرًا، متقِنًا، ثقةً، مقدّمًا في حفظ المسندات (٢)، توفي في صفر منها. صالح بن محمَّد بن عمرو بن حَبيب (٣): أبو علي الأسدي، أسد خُزَيْمة، المعروف بجَزَرة؛ لأنه قرأ على بعض المشايخ أنَّ أبا أُمامة كانت له خَرزةٌ يرقي بها المريض، فقرأها جَزَرة، تصحيًفا منه، فلقِّب بذلك. وقد كان حافظًا مكثرًا جوَّالًا رحَّالًا، طاف الشام ومصر وخراسان، وانتقل من بغداد فسكن بخارى، وكان ثقةً صدوقًا أمينًا، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين، وسؤالات كثيرة. كان مولده بالكوفة (٤) سنة عشر ومئتين. وتوفي في هذه السنة: محمّد بن عيسى بن محمّد (٥): ابن عبد الله بن عليّ بن عبد اللّه بن العبَّاس، المعروف بالبياضي، لأنه (٦) حضر مجلس الخليفة وعليه ثيابُ البياض، فقال الخليفة: من ذاك البياضي؟ فعرف به. وكان ثقة، روى عن ابن الأنباري، وابن مقسم. قتلته القرامطة في هذه السنة. محمد بن الإمام إسحاق بن راهَوَيْه (٧): سمع أباه، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وكان عالمًا بالفقه والحديث، جميل الطريقة. وقدم بغداد، فحدَّث بها، وقتلته القرامطة فيمن قتلوا من الحجيج في هذه السنة. محمَّد بن نَصْر المَروزيّ (٨): أحد أئمة الفقهاء، أبو عبد الله المروزي، الفقيه. ولد ببغداد، ونشأ

стр. 5443

بنيسابور، واستوطن سَمَرْقَنْد. وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الإسلام بالأحكام. وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع، وصنَّف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم فيها خشوعًا، وقد صنَّف كتابًا عظيمًا في الصلاة. روى الخطيب البغدادي (١) عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدًا إلى مكَّة، فركبت البحر، ومعي جارية لي، فغرقَت السفينة، فذَهَبَ لي في الماء ألفا جزءٍ، وسلمْتُ أنا والجارية، فلجأنا إلى جزيرة، فطلبنا بها ماءً فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية، ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كُوز، فقال: هاه! فأخذته، فشربت منه وسقيت الجارية، ثم ذهب فلم أدرِ من أين أقبَلَ ولا إلى أين ذهب (٢). وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسًا. وكان إسماعيل بن أحمد (٣) يصله في كل سنة بأربعة آلاف، [ويصلُه أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهلُ سَمَرْقَند بأربعة آلاف] (٤)، فينفق ذلك كلَّه، فقيل له: لو ادَّخَرْتَ منها شيئًا لنائبةٍ؟ فقال: يا سبحانَ اللّه! - أنا مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلِّ سنةٍ عشرين درهمًا، أفرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا لا يتهيَّأ لي في السنة عشرون درهمًا (٥)!. وكان محمد بن نَصْر المَرْوَزيّ إذا دخل على إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ ينهض له ويكرمه، فعاتبه يومًا أخوه إسحاق بن أحمد، فقال له: تقوم لرجلٍ في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان؟ قال إسماعيل: فبتُّ تلك الليلة وأنا متقسِّم (٦) القلب (٧)، فرأيْتُ رسولَ اللّه ﷺ في المنام، وهو يقول: يا إسماعيل! ثبتَ ملكُكَ وملكُ بنيك بتعظيمك محمّد بن نَصْر، وذَهَبَ ملكُ أخيك باستخفافه بمحمّد بن نَصْر (٨). وقد روي أنه اجتمع بالدِّيار المصرية محمّد بن نَصْر، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيتٍ يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم مَن يسعى لهم في شيء يأكلونه؛ ليدفعوا عنهم ضرورتهم، فجاءت (٩) القُرعة على أحدهم، فنهض

стр. 5444

إلى الصلاة، فجعل يصلِّي ويدعو اللّه ، وذلك وقت القيلولة، فرأى نائبُ مصرَ، وأظنه أحمدَ بن طولون، وهو نائم وقت القيلولة، رسولَ اللّه ﷺ وهو يقول له: أنت هاهنا والمحمَّدون ليس عندهم شيء يقتاتونه! فانتبه الأمير من منامه، فسأل: من هاهنا من المحدّثين؛ فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل بها عليهم، وأزال اللّه ضرورتهم، ويسَّر عليهم (١). وقد بلغ محمّد بن نَصْر سنًا عاليًا، وكان يسألُ اللهَ ولدًا، فأتاه يومًا إنسان فبشَّره بولد ذكر قد وُلدَ له، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، فاستفاد الحاضرون من ذلك فوائدَ: منها أنه قد وُلدَ له على كبر السن ولدٌ ذكرٌ بعدَما كان يسأل اللّه في ذلك؛ ومنها أنه سمَّاه في يوم مولده كما سمَّى رسولُ الله ﷺ ولدَه إبراهيم قبلَ السابع؛ ومن ذلك اقتداؤه بالخليل في تسميته أول ولدٍ له إسماعيل. موسى بن هارون بن عبد اللّه (٢) أبو عمران: المعروف والده بالجمَّال، ولد سنة أربع عشرة ومئتين، وسمع أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهما. وكان إمام أهل عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال والإتقان. وكان ثقة، شديد الورع، عظيم الهيبة. قال عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن الناس كلامًا على الحديث عليّ بن المَديني، ثم موسى بن هارون، ثم الدَّارَقطنيّ (٣). ثمَّ دخلت سنة خمس وتسعين ومئتين فيها: كانت المفاداة بين المسلمين والروم، فكان من جملة من استنقذ من المسلمين من رجال ونساء نحوًا من ثلاثة آلاف نسمة، وللّه الحمد. وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد السّامانيّ، أمير خراسان [وما وراء النهر] (٤)، وقد كان عاقلًا عادلًا، حسن السيرة في رعيته، حليمًا حكيمًا، جوادًا، ممدَّحًا، وهو الذي كان يحسن إلى محمّد بن نَصْر المَرْوزي ويعظِّمه ويكرمه ويحترمه، ويقوم له في مجلس ملكه.

стр. 5445

وقد ولي بعدَه ولده أحمد بن إسماعيل، وبعث إليه الخليفة المكتفي باللّه بالولاية والتشريف. وقد تذاكر الناس عند إسماعيل بن أحمد ذات ليلة الفخر بالأنساب، فقال: ينبغي أن يكون الإنسان عصاميًا لا عظاميًا. يعني: ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه، وبكدِّه وجِدِّه لا بأبيه وجَدِّه. كما قال بعضهم: وبجِديِّ سَمَوْتُ لا بجدودي وقال آخر: حسبي فخارًا وشيمتي (١) أدبي … ولسْتُ مِن هاشمٍ ولا العَرَبِ إنَّ الفتى مَن يقولُ ها أنا ذا … ليسَ الفتى مَنْ يقولُ كانَ أبي وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت: وفاة الخليفة المُكتفي باللّه أبو محمّد عليّ بن المعتضد. وهذه ترجمته وذكر وفاته (٢): هو [الخليفة أمير المؤمنين المكتفي باللّه] (٣)، أبو محمّد، عليّ بن أمير المؤمنين المعتضد باللّه أبي العبَّاس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفّق بن المتوكِّل بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن منصور، ﵏. وقد ذكرنا (٤) أنه ليس من الخلفاء من اسمه سواه بعد عليّ بن أبي طالب؛ ﵁، ولم يكن في الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن عليّ، وموسى الهادي، وهو، والمستضيء بأمر اللّه. وكان مولده في رجب من سنة أربع وستين ومئتين، وبُويع له بالخلافة بعد أبيه في حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر من سنة تسعٍ وثمانين ومئتين، وعمره نحو من خمس وعشرين سنة، وكان رَبْعَة من الرجال جميلًا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر اللحية عريضها. ولما مات أبوه المعتضد، وباشر هو منصب الخلافة، دخل عليه بعضُ الشعراء فأنشده (٥): أجَلُّ الرَّزايا أن يموتَ إمامُ … وأسْنَى العطايا أن يقومَ إمامُ فأسقى الذي ماتَ الغمامُ وجادهُ … ودامت تحياتٌ لهُ وسلامُ

стр. 5446

وأبقى الذي قام الإلهُ وزادَهُ … مواهب لا يفنى لهنَّ دوامُ وتمَّتْ له الآمالُ واتصلتْ بها … فوائدُ موصولٌ بهنَّ تمامُ هو المكتفي بالله يكفيه كلَّما … عناهُ بركنٍ منهُ ليسَ يُرامُ وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قولُه (١): مَنْ لي بأنْ يعلمَ ما ألقى … فيعرف الصَّبوة والعشقا ما زالَ لي عبدًا وحبِّي لهُ … صيَّرني عَبْدًا لهُ رِقَّا العتقُ مِن شأني ولكنَّني … مِن حبِّهِ لا أملكُ العِتقا وكان نقش خاتمه: "علي يتوكَّل (٢) على ربه". وكان له من الولد محمّد، وجعفر، وعبد الصَّمد، وموسى، عبد اللّه، وهارون، والفضل، وعيسى، والعبَّاس، وعبد الملك (٣). وفي أيَّامه فتحت أنطاكية، واستُنقذت من أيدي الروم، وكان فيها من أسارى المسلمين بشرٌ كثيرٌ وجمٌّ غفير، وأخذ المسلمون من غنائمهم شيئًا كثيرًا جدًّا، كما تقدَّم. ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد، فصحَّ عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، وأحضر القضاة، وأشهدهم على نفسه بأنه قد جعل الخلافة إليه من بعده، ولقَّبه بالمقتدر بالله. وتوفي المكتفي بالله بعد ثلاثة أيامٍ، ﵀. وقيل: في آخر يوم السبت بين الظهر والعصر. وقيل: بعد المغرب، ليلة الأحد، لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد اللّه بن طاهر، عن ثنتين، وقيل: ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ستَّ سنين وستة أشهر وتسعة عشر يومًا. وكان قد أوصى بصدقةٍ من خالص ماله، ستمئة ألف دينار؛ كان جمعها وهو صغير. وكان مرضه بداء الخنازيز (٤)، رحمه الله تعالى.

стр. 5447

خلافة المُقتدر باللّه أمير المؤمنين، [أبي الفَضْل جَعْفر بن المعتضِد] (١) جُدِّدت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر، لأربع عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة خمس وتسعين ومئتين، وعمره إذ ذاك ثلاثَ عشرةَ سنةً وشهر وأحد عشرَ (٢) يومًا، ولم يل الخلافة أحدٌ قبلَه أصغر سنًا منه. ولمَّا جلس في منصب الخلافة صلَّى أربع رَكعات، ثم سلَّم، ورفع صوته بالدُّعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامّة، وكُتب اسمه على الرُّقوم، وغيرها: "المقتدر بالله". وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمئة ألف دينار ونيف. وكانت الجواهر الثمينة من الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العبَّاس قد تَنَاهى جمعها، فما زال يفرِّقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفذها (٣). وقد استوزر جماعة من الكتَّاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله بغيره، ثم أعاده، ثم عزله، ثم قتله؛ وقد تقصّى ذكرهم أبو الفرج بن الجوزيّ (٤). وكان له من الخدم والحجّاب والحشمة التامة شيء كثير جدًّا. وكان كريمًا جدًّا، وفيه عبادة مع هذا كلِّه، وكثرة صلاة، وصيام تطوّع. وفي يوم عرفة أول ولايته فرَّق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفي بعير. وردَّ الرسوم والكلف والأرزاق إلى ما كانت عليه في أوائل (٥) العباسيين، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، ووكَّل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف. وكان قد بنيت أبنية في الرحبة، دخلُها (٦) كلّ شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسِّع على المسلمين

стр. 5448

الطرقات. وسيأتي (١) ذكر شيء من أيامه وترجمته إن شاء الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان: [أبو إسحاق المُزَكّي] (٢): إبراهيم ين محمد بن نوح بن عبد اللّه، أبو إسحاق المزكي، الحافظ، الزاهد، إمام أهل عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلْقًا من المشايخ الكبار، ودخل على الإمام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبًا، ويقال: إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إِلَّا داره التي يسكنها، وحانوتًا يستغلّه كلَّ شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيتأدَّم به طول الشتاء. وقال أبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري: لم تر عيناي مثله. أبو الحسين النُّوري أحد أئمة الصوفية (٣): أحمد بن محمد، ويقال: محمّد بن محمّد، والأوَّل أصحُّ، أبو الحسين النُّوري. ويعرف بابن البَغَويّ، وأصله من خراسان، وحدَّث عن سَرِيّ السَّقَطيّ، ثم صار هو من أكابر أئمة القوم. قال أبو أحمد المَغَازلي: ما رأيت أحدًا قطُّ أعبدَ من أبي الحسين النّوري. قيل له: ولا الجُنَيد؟ قال: ولا الجنيد. وقال غيره (٤): صام عشرين سنة لا يعلم به أحدٌ لا من أهله ولا من غيرهم. وكانت وفاته في مسجدٍ وهو مقنّع، فلم يعلم به أحد إِلَّا بعد أربعة أيام. إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سَامان السّاماني (٥): أحد ملوك خراسان للخلفاء، وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفَّار الخارجيّ، وكتب بذلك إلى الخليفة المعتضِد، فولاه خراسان، ثم ولاه المكتفي الرَّيَّ وما وراء النهر، وبلادَ الترك، فأوقع بهم باسًا شديدًا. وبنى الرُّبط في الطرقات يسَعُ الرِّباطُ منها ألفَ فارس، وأوقف عليها أوقافًا جزيلة. وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا عظيمة؛ منها ثلاث عشرة جوهرة، زنة كلِّ واحدةٍ منها ما بين السبعة مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر، وبعضها أزرق، قيمتها مئة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد، وشفع في طاهر فشفَّعَه فيه.

стр. 5449

ولما مات إسماعيل بن أحمد، وبلغ المكتفيَ موتُه تمثل بقول أبي نواس (١): لنْ يُخلفَ الدَّهرُ مثلهمْ أبدًا … هَيهَاتَ هَيهاتَ شأنهُمْ عَجَبُ المَعْمَريّ الحافظ (٢): صاحب"عمل اليوم والليلة". الحسن بن عليّ بن شَبيب، أبو علي المَعْمَريّ، الحافظ. رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلْقًا، منهم: عليّ بن المديني، ويحيى بن مَعين. وعنه: ابنُ صاعد، والنَّجَّاد، والخلدي. وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، صدوقًا، ثبتًا، يشبِّك أسنانه بالذهب من الكبر؛ لأنه جاوز الثمانين، وكان يكنى أولًا بأبي القاسم، ثم بأبي عليّ. وقد ولي القضاء للبِرْتي على القصر (٣) وأعمالها. وإنما قيل له المَعْمَريّ بأُمِّه؛ أمِّ الحسن بنت سفيان بن أبي سفيان صاحب مَعْمَر بن راشد. وكانت وفاته ليلة الجمعة لإحدى عشرة بقيت من محرم هذه السنة. عبد اللّه بن الحسن بن أحمد بن أبي شُعَيب (٤): [واسم أبي شُعَيْب] (٥) عبد اللّه بن الحسن، أبو شعيب الأموي الحَرَّاني المؤدّب، المحدّث ابن المحدّث. ولد سنة ست ومئتين، وسمع أباه، وجدَّه، وعفَّان بن مُسلم، وأبا خيثمة. وكان صدوقًا ثقة مأمونًا. توفي في ذي الحجة من هذه السنة. عليّ بن أحمد المكتفي باللّه بن المعتضد، تقدم ذكر ترجمته قريبًا من هذه السنة. أبو جَعْفر التِّرْمذيّ (٦): محمّد بن أحمد بن نَصْر أبو جعفر التِّرْمِذيّ، الفقيه الشافعي. وكان من أهل العلم والزُّهد. قال الدَّارَقُطني (٧): هو ثقةٌ مأمونٌ ناسكٌ. وقال القاضي أحمد بن كامل (٨): لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، ولا أوْرَع.

стр. 5450

كان متقلّلًا في المطعم على حال (١) عظيمة فقرًا وورعًا وصبرًا، وكان ينفق عليه في كلِّ شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا، وكان قد اختُلط في آخر عمره. وتوفي في المحرم من هذه السنة. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئتين في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القوَّاد والجند على خلْع المقتدر باللّه وتولية عبد اللّه بن المعتز الخلافة عوضًا عنه، فأجابهم على أنه لا يُسفك بسببه دم. وكان المقتدر قد خرج للعب بالصوالجة، فقصد إليه الحسين بن حمدان [يريد أن] (٢) يفتك به، فلمَّا سمع المقتدر الضّجَّة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش. واجتمع القوّاد والأعيان والقضاة في دار المخرم (٣)، فبايعوا عبد اللّه بن المعتز، وخوطب بالخلافة، ولُقِّب بالمرتضي باللّه. وقال الصولي: إنما لقبوه: المنتصف باللّه. واستوزر أبا عبد الله محمد بن داود، وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحوّل من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل هو إليها، فأجيب بالسمع والطاعة، فركب الحسين بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلَّمها، فقاتله الخدم ومَن فيها، ولم يسلموها إليه، فلم يقدر على تخليص أهله وبعض ماله إِلَّا بالجهد الجهيد. فلما قدر عليهم ارتحل من فوره إلى الموصل، فتفرَّق نظام الجماعة. وأراد ابن المعتزّ أن يتحوَّل إلى سامُرَّا لينزلها، فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل إلى دار ابن الجصاص فاستجار به. ووقع النهب بالبلد، واختبط الناس، وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم، وقتل أكثرهم، وأعاد ابنَ الفرات إلى الوزارة، فجددت البيعة للمقتدر، وأرسل إلى دار ابن الجصاص فكبسها، وأحضر ابن المعتز وابن الجصّاص، فصادر ابنَ الجصَّاص بمالٍ جزيلٍ جدًّا، يقال: إنه وزن ستة عشر ألف ألف درهم مصادرة، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلمَّا دخل في ربيع آخر ليلتان ظهر للناس موتُه، وأخرجت جثته فسلِّمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس. قال ابن الجوزي (٤): ولا يُعرف خليفة خُلع ثم أعيد سوى الأمين والمقتدر. وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربع أصابع، وهذا مستغرب في بغداد جدًّا.

стр. 5451

ولم تخرج السنة حتى خرج الناس للاستسقاء من تأخُّر المطر عن أيَّامه (١). وفي شعبان خُلع على مؤنس الخادم، وأمر بالمصير إلى طَرَسُوس لغزو الروم. وفي هذه السنة أمر المقتدر بألَّا يُستخدم أحد من اليهود ولا النصارى في الدواوين، وألزموا بيوتهم، وأمروا (٢) بلبس العسلي وجعل الرّقاع بين أظهرهم ليعرفوا بها. وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عتَّاب (٣): أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون. روى عن نَصْر بن عليّ الجهضمي وغيره، وروى عنه الطَّبَرانيّ، وكان يمتنع أن يحدِّثَ، وإنَّما (٤) يسمع منه في المذاكرات. توفي (٥) في شوَّال منها. أبو بكر الأثْرَم (٦): أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الطائي الأثرم، تلميذ الإمام أحمد. وقد سمع عفَّان، وأبا الوليد القَعْنبيّ، وأبا نُعيم، وخلْقًا كثيرًا. وكان حافظًا صادقًا قويّ المذاكرة. كان ابن مَعين يقول: كان أحد أبويه جنيًّا؛ لسرعة فهمه وحفظه وحذقه. وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم. خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى (٧): أبو محمد العُكْبَري (٨). سمع الحديث، وكان ظريفًا، له ثلاثون خاتمًا وثلاثون عكَّازًا، يَلْبَسُ في كُلِّ يومٍ من الشهر خاتمًا، ويأخذ في يده عكَّازًا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلَّق في منزله، فإذا سئل عن ذلك يقول: ليرهب العيال منه. ابن المعتزّ الشاعر الذي بُويع له بالخلافة (٩): عبد اللّه بن المعتزّ باللّه محمد بن المتوكِّل على اللّه

стр. 5452

جعفر بن المعتصم محمّد بن الرشيد هارون، ويكنى ابن المعتز، الشاعر أبو العبّاس الهاشميّ العباسيّ، الفصيح (١) البليغ المطبق. وقريش قادة الناس في الخير والشر. وقد سمع المبرِّدَ، وثعلبًا. وقد رُوي عنه من الحكم والآداب شيء كثير؛ فمن ذلك قوله: أنفاس الحيِّ خطاه [إلى أجله] (٢). أهلُ الدُّنيا ركْبٌ يُسار بهم وهم نيام. ربَّما أوردَ الطَّمِعُ ولم يصدُرْ. ربَّما شرِقَ شاربُ الماء قبلَ رِيِّه. مَنْ تجاوز الكفَافَ لم يغنِه الإكثارُ. كلَّما عظم قدر المنافسِ فيه عظُمتِ الفَجيعةُ به. من ارْتَحَله (٣) الحِرصُ أضناه (٤) الطَّلَبُ. الحرصُ يُنقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظِّه. أشقى النَّاس أقربُهُم من السُّلطان، كما أنَّ أقربَ الأشياء إلى النار أسرعُها احتِراقًا. مَن شارك السُّلطان في عزِّ الدُّنيا شاركه في ذُلِّ الآخرة. يكفيك (٥) من الحاسد أنه يغتمُّ وقتَ سرورك. الفرصة سريعة الفَوْتِ بعيدةُ العَوْد. الأسرار إذا كثُر خُزَّانُها ازدادت ضياعًا. [ذلُّ] (٦) العَزْل يضحك من تيه الولاية. الجَزَعُ أتعبُ من الصَّبر. لا تشِنْ وَجْهَ العَفْو بالتَّقريع. تَرِكةُ الميت عِزٌّ (٧) للورثة. ومن شعره في الحكم مما يناسب المعنى الأخير قوله: سابِقْ إلى مالِكَ وُرَّاثَهُ … ما المرءُ في الدُّنيا بِلَبَّاثِ كَمْ صامِتٍ (٨) تُخنَقُ أكياسُهُ … قدْ صاح في ميزانِ مِيراثِ (٩) وله (١٠): يا ذا الغنَى والسَّطْوةِ القاهِرَهْ … والدَّولةِ النَّاهيةِ الآمِرَه ويا شياطينَ بني آدمٍ … ويا عَبيدَ الشَّهوةِ الفاجِرَهْ

стр. 5453

انْتَظِروا الدّنيا فقد (١) اقتربَتْ … وعن قَليل تَلِدُ الآخِرَهْ وله أيضًا (٢): أعط يا نفْسُ وهاتي … توبةً قَبْلَ المَمَات قَبْلَ أن يفجَعَنا الدَّهْـ … ـرُ بِبينٍ وشَتات لا تخونيني إذا متُّ … وقامَتْ بي نُعاتي (٣) إنَّما الوافي بعَهْدي … مَنْ وَفَى بَعْدَ وَفَاتي (٤) وقال الصُّوفي: نظر ابن المعتزّ في حياة أبيه الخليفة إلى جاريةٍ فأعجبته، فمرض من حبِّها، فدخل أبوه عليه عائدًا، فقال له: كيف تجدُك؟ فأنشأ يقول: أيُّها العاذِلون لا تعذُلوني … وانظروا حُسْنَ وَجْهِها تعذروني وانظروا هل تَرَوْنَ أحسَنَ منها … إنْ رأيْتُم شبيهَها فاعذُلُوني ففحص أبوه عن القضية، واستعمل خبرَ الجارية، ثم بعث إلى سيّدها فاشتراها بسبعة آلاف دينار، وبعثها إليه (٥). وقد ذكرنا أنَّ في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع القوّاد والأعيان والقضاة على خلْعِ المقتدر وتولية عبد اللّه بن المعتزّ هذا، ولقّب بالمرتضى، أو المنتصف باللّه. فما مكث في الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ثم غلب المقتدر، وقتل عامَّةَ مَن خرج معه، واعتقله في دار السلطان عند مؤنس الخادم، فقُتِلَ في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه. ويقال: إنه أنشد في آخر يوم من حياته [وهو معتقل] (٦): يا نفْسُ صَبْرًا لعلَّ الخيرَ عُقْبَاكِ … خانتكِ مِنْ بَعْدِ طُولِ الأمْنِ دنياكِ مَرَّتْ بنا سَحَرًا طيرٌ فقلْتُ لها: … طُوبَاكِ يا ليتني إيَّاكِ طُوباكِ إنْ كان قَصْدُكِ شَرْقًا فالسَّلامُ على … شاطِي الصّراةِ (٧) ابلغي إنْ كانَ مسراكِ

стр. 5454

مِن مُوثَقٍ بالمنايا لا فَكَاكَ لَهُ … يبكي الدِّماءَ على إلفٍ لهُ باكي فرُبَّ آمنةٍ جاءتْ منيَّتُها … وَرُبَّ مُفْلتةٍ مِنْ بين أشراكِ أظنُّهُ آخرَ الأيَّامِ من عُمُرِي … وأوشَكَ اليوم أن يبكي لِيَ الباكي ولما قُدَّم ليقتل أنشأ يقول (١): فَقُلْ للشَّامِتينَ بنا رُوَيْدًا … أمَامَكمُ المصَائبُ والخُطُوبُ هُوَ الدَّهْرُ الذي لا بُدَّ مِنْ أنْ … يَكُونَ إليكُمُ منهُ ذُنوبُ ثم كان ظهور قتله لليلتين خلتا من ربيع الأول من هذه السنة. وقد ذكر له القاضي ابن خلكان (٢) مصنفات كثيرة؛ منها: "طبقات الشعراء" وكتاب"أشعار الملوك"، وكتاب "الآداب" وكتاب "البديع"، وكتاب "في (٣) الغناء" وغير ذلك. وذكر (٤) أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه يومًا وليلة، ثم تمزَّق (٥) شمله، واختفى في بيت ابن الجصَّاص الجوهري، ثم ظهر عليه فقُتِلَ، وصُودر ابن الجصَّاص بألفي ألف دينار، وبقي معه سبعمئة ألف دينار. وكان [ابن المعتز] أسمَرَ اللون، مدوَّر الوجه، يخضِبُ بالسَّواد، عاش خمسين سنة. وذكر (٦) شيئًا من كلامه وأشعاره، ﵀. محمد بن الحسين بن حبيب (٧): أبو حَصين الوادِعي القاضي، صاحب المسند، من أهالي الكوفة، وقدم بغداد، وحدَّث بها عن أحمد بن يونس [اليربوعيّ] (٨)، ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق. وعنه: ابنُ صاعد، والنَّجَّاد، والمحاملي. قال الدَّارَقُطْني: كان ثقة. توفي بالكوفة في هذه السنة. محمد بن داود بن الجراح (٩): أبو عبد الله الكاتب، عم الوزير عليّ بن عيسى. كان من أعلم الناس

стр. 5455

بالأخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك. روى عن عمر بن شَبَّة وغيره، وكانت وفاته في ربيع الأول منها، عن ثلاث وخمسين سنة. ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومئتين فيها: غزا القاسم بن سيما الصائفة، وفادى مؤنس الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم. وحكى ابن الجوزي (١) عن ثابت بن سنان: أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأةً بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفاها ملصفان بكتفيها، لكن لا تعمل بهما شيئًا، وكانت تعمل برجليها (٢) ما تعمله النساء بأيديهن؛ من الغزل ومشط الرأس وغير ذلك. وتأخرت الأمطار عن بغداد في هذه السنة، وارتفعت الأسعار بها، وجاءت الأخبار بأن مكَّة - شرَّفها اللّه - جاءها سيل عظيم بحيث إن أركان البيت غرقت من السيول وإنَّ زمزم فاضت، ولم ير ذلك قبل هذه السنة. وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ. وممن توفي فيها من الأعيان: محمّد بن داود بن علي (٣): أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظَّاهري، ابن الظَّاهري. كان عالمًا بارعًا أديبًا شاعرًا فقيهًا ماهرًا، وهو مصنف كتاب "الزّهرة". اشتغل على أبيه، وتبعه في مذهبه، وما كان يسلكه ويختاره من الطريق ويرتضيه. وكان أبوه يحبُّه ويقرِّبه ويدنيه. قال رويم بن محمد (٤): كنا يومًا عند داود إذ دخل عليه ابنه محمد باكيًا، فقال: ما لك؟ قال: إنَّ الصّبيان يلقِّبونني عصفورَ الشوك. فضحك أبوه، فاشتدَّ غضبُ ولده، وقال لأبيه: أنت أضرُّ عليَّ منهم، فضمَّه أبوه إليه، وقال: لا إله إلَّا اللّه! ما الألقاب إلَّا من السَّماء، ما أنت يا بنيَّ إلَّا عصفور الشوك. ولما توفي أبوه جلس ابنه محمد هذا مكانه في الحلقة، فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يومًا

стр. 5456

عن حدِّ السُّكْر، فقال: إذا عَزَبَتْ عنه الهموم، وباح بسِرِّه المكتوم. فاستُحسن ذلك منه، وعظم في أعين الناس (١). قال ابنُ الجوزي في "المنتظم" (٢): وقد ابتُليَ بحبِّ صبيٍّ اسمه محمّد بن جامع، ويقال: محمد بن زخرف، فاستعمل العفافَ والدِّين، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته من ذلك. قلت: فدخل في الحديث المرويِّ عن ابن عباس موقوفًا عليه، ومرفوعًا عنه: "مَنْ عَشِقَ فكتَمَ فعَفَّ فماتَ ماتَ شهيدًا" (٣). وقد قيل عنه: إنَّه كان يبيح العِشقَ، يعني: بشرط العفاف. وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشَّق منذ كان في الكتَّاب، وأنه صنف كتاب "الزَّهرة" في ذلك من صغره، وربَّما وقف أبوه داود على بعض ذلك. وكان يتناظر هو وأبو العبَّاس بن سُرَيج كثيرًا بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فيتعجّب الناس من مناظرتهما وحسنهما. وقد قال له ابن سُرَيج يومًا في مناظرته: أنت بكتاب "الزّهرة" أشهر (٤) منك بهذا. فقال له: تعيِّرني بكتاب "الزّهرة" وأنتَ لا تحسن تستتمُّ قراءته؛ وهو كتاب جمعناه هزلًا، فاجمع أنتَ مثلَه جدًّا. وقال القاضي أبو عمر محمد بن يوسف: كنت يومًا أنا وأبو بكر بن داود راكبين فماذا جارية تغنِّي بشئ من شعره (٥): أشْكُو غَلِيلَ فؤادٍ أنتَ مُتْلِفُهُ … شَكْوَى عَليلٍ إلى إلْفٍ يُعلِّلهُ سُقْمي تَزيدُ على الأيَّامِ كَثْرَتُهُ … وأنْتَ في عُظْم مما ألْقَى تُقلِّلهُ

стр. 5457

اللّهُ حَرَّمَ قتلي في الهَوَى أسَفًا … وأنْتَ يا قاتِلي ظُلْمًا تُحلِّلهُ فقال أبو بكر محمد بن داود: كيفَ السَّبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات! سارت به الركبان (١). كانت وفاة محمد بن داود رحمه اللّه تعالى في رمضان من هذه السنة. وجلس ابن سُرَيج لعزاه، وقال: ما آسى إِلَّا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود، رحمه اللّه تعالى (٢). محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة (٣): أبو جعفر، حدَّث عن يحيى بن مَعين، وعلي بن المَديني، وخَلْقٍ. وعنه: ابنُ صاعد، والخُلْدي، والبَاغَنْدِيّ، وغيرهم. وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثَّقَه صالح بن محمد جَزَرة وغيره. وكذَّبه عبد اللّه بن الإمام أحمد، فقال: هو كذاب بيِّن (٤) الأمر، وتعجَّب ممن يروي عنه. كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسين بن مُصْعَب (٥): من بيت الإمارة والحشمة، باشَرَ نيابة العراق مدة [ثم خراسان] (٦)، ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين، فأسره وبقي معه يطوف به في الآفاق أربع سنين، ثم نجا في بعض الوقَعات (٧) بنفسه، ولم يزل مقيمًا ببغداد إلى أن توفي في هذه السنة. موسى بن إسحاق (٨): ابن موسى بن عبد اللّه أبو بكر الأنصاري الخَطْمِي، مولده سنة عشر ومئتين، سمع أباه، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجَعْد، وغيرهم. وحدَّث عنه النَّاس وهو شاب وقرؤوا عليه القرآن. وكان ينتحِلُ مَذهَب الشافعي، وولي قضاء الزيّ والأهواز. وكان ثقة فاضلًا نبيلًا عفيفًا فصيحًا، كثير الحديث. وتوفي في المحرم من هذه السنة. يوسف بن يعقوب (٩): ابن إسماعيل بن حمّاد بن زيد، والد القاضي أبي عمرو محمد بن يوسف،

стр. 5458

قاتل الحلاج، وكان يوسف بن يعقوب هذا أيضًا من أكابر القضاة وأعيان العلماء. ولد سنة ثمان ومئتين. وسمع سليمان بن حَرْب، وعمرو بن مَرزوق، وهُدْبَة، ومُسَدّدًا، وغيرهم. وكان ثقة، قد ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان ثقة، نزهًا، عفيفًا، شديد الحرمة، جاءه يومًا بعضُ خدم الخليفة المعتضد فترفَّع (١) في المجلس [على خصمه] (٢)، فأمره حاجب القاضي أن يساويَ خصمَه، فامتنع إدلالًا بجاهه عند الخليفة، فنهره (٣) القاضي، وقال: ائتوني بدلال النخس حتى أبيعَ هذا العبدَ وأبعثَ بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلمَّا انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه، وأخبره بما قال القاضي. فقال: واللّهِ لو باعك لأجزْتُ بيعه، ولما استرجعتك أبدًا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الحكم؛ فإنَّه عمود السُّلطان وقوام الأديان (٤). كانت وفاته في رمضان من هذه السنة. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين فيها: قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم، فدخل بغداد ومعه الأسارى والعُلُوجْ (٥) بأيديهم أعلام عليها صلبان من ذهب، وخلق من الأسارى. وفيها: قدمت [على الخليفة المقتدر باللّه] (٦) هدايا من نائب خراسان أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني؛ من ذلك: مئة وعشرون غلامًا بمراكبهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازيًا، وخمسون جملًا تحمل مرتفع الثياب، وخمسون رطلًا من مسك. وفيها: فلج القاضي عبد اللّه بن عليّ بن محمّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فقُلّد مكانه على الجانب الشرقي والكَرْخ ابنه محمد. وفي شعبان منها أخذ رجلان يقال لأحدهما: أبو كبيرة (٧) والآخر يعرف بالشمري. فذكرا أنهما من أصحاب رجل يقال له: محمد بن بشر، وأنه يدَّعي الربوبية، لعنهم الله تعالى.

стр. 5459

وفيها: وردت الأخبار أنَّ الروم قصدت اللاذقية. وفيها: وردت الأخبار بأن ريحًا صفراء هبَّت بحديثة الموصل، فمات من حرِّها خَلْق كثير. وحجَّ بالناس الفضل الهاشميّ. وممن توفي فيها من الأعيان المشاهير: ابن الرَّاوَنْديّ (١): أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين، المعروف بابن الرَّاوندي، أحد مشاهير الزَّنادقة الملحدين، عليه اللعنة من رب العالمين. كان أبوه يهوديًا فأظهر الإسلام، فيقال: إنه حرَّف في التوارة، كما عادَى ابنُه القرآن وألحَدَ فيه، وصنَّف كتابًا في الرَّدِّ على القرآن سمَّاه "الدامغ"، وكتابًا في الرَّدِّ على الشريعة والاعتراض عليها سمَّاه "الزُّمرّد" (٢)، وله كتاب "التاج" في معنى ذلك، وكتاب "الفريد"، وكتاب "إمامة المفضول". وقد انتصب للردِّ عليه في كتبه هذه جماعة؛ منهم: الشيخ أبو علي محمّد بن عبد الوهاب الجُبَّائي، شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد (٣) في ذلك. وكذلك ولده أبو هاشم عبد السَّلام بن أبي علي. قال الشيخ أبو علي الجُبَّائي: قرأت كتاب الملحد الجاهل السفيه ابن الرَّاونديّ، فلم أجد فيه إِلَّا السفَهَ والكذبَ والافتراءَ، قال: وقد وضع كتابًا في قِدَم العالَم ونفي الصانع، وتصحيح مذهب الدَّهر، والرَّدِّ على أهل التوحيد. ووضع كتابًا في الرَّدِّ على محمد ﷺ في سبعة عشر موضعًا من كتابه، ونسبه إلى الكذب، وطعن على القرآن، ووضع كتابًا لليهود والنصارى على المسلمين، يحتجُّ لهم فيها على إبطال نبوَّة محمدٍ ﷺ ، إلى غير ذلك من الكتب التي يتبين بها خروجه عن الإسلام؛ نقله ابنُ الجوزيّ (٤). وقد أورد الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في "منتظمه" (٥) طرفًا من كلامه الملعون في الطعن على الآيات والشريعة؛ وردَّ عليه في ذلك، وهو أقلُّ وأخسُّ من أن يلتفت إلى شيء من جهله وهذيانه وسفهه وخذلانه وتمويهه وترويجه وطغيانه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة (٦) والاستهتار والكفريات الكبار؛ منها ما هو صحيح عنه، ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى مسلكه في الكفر والتستر

стр. 5460

بالمسخرة (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. الآية. وقد كان أبو عيسى الورَّاق مصاحبًا لابن الرَّاوندي هذا، بَّحهما اللّه، فلمَّا علم الناس بأمرهما طلب السُّلطانُ أبا عيسى فأودِعَ السجن إلى أن مات. وأمَّا ابنُ الرَّاوندي فهرب ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنَّف له كتابه الذي سماه "الدامغ للقرآن"، فلم يلبث إِلَّا أيامًا يسيرة حتى مات، لعنه اللّه. ويقال: إنه أخذ وصُلب. قال أبو الوفاء بن عَقيل (٢): ورأيت في كتاب محقَّق أنه عاش ستًا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغّل في المخازي، لعنه الله وقبَّحه، ولا رحم عظامه. وقد ذكره القاضي ابن خلكان في "الوفيات" (٣) ودلّس عليه (٤)، ولم يخرجه بشيء (٥)، وأرَّخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومئتين. الجُنَيْد شيخ الصوفية، ﵀ (٦): الجُنَيْد بن محمد بن الجُنَيْد، أبو القاسم الخزَّاز، ويقال: القَوارِيري، أصله من نَهاوَنْد، ولد ببغداد ونشأ بها. وسمع الحديث من الحسن (٧) بن عَرَفَة. وتفقَه بأبي ثَور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في "طبقات الشافعية"، واشتهر بصحبة الحارث بن أسد المُحاسبي، وخاله سَرِيَّ السَّقطي، ولازم التعبُّد (٨)، وتكلم على طريقة التصوف.

стр. 5461

وكان ورده في كلِّ يوم ثلاثمئة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة (١). ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، وكان مع ذلك يعرف سائر فنون العلم (٢)، ﵀. ولما حضرته الوفاة جعل يتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك؟ فقال: ما أحدٌ أحوج إلى ذلك منّي الآن، وهذا أوان طيّ صحيفتي. قال القاضي ابن خلكان (٣): أخذ الفقه عن أبي ثَور، صاحب الشافعي، ويقال: كان يتفقه على مذهب الثوري، وكان ابن سُرَيج يصحبه ويلازمه، [وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة، فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم! لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعِدْها عليَّ، فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: واللّه ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده. فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمْلِهِ عليَّ حتى أكتبه. فقال الجُنَيْد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن اللّه هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلُّم، وإنما هذا من فضل اللّه يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي اللّه أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه، واللّه أعلم] (٤). قبل (٥): وسئل الجُنَيْد عن العارف؟ فقال: مَنْ نطق بسرّك وأنت ساكت. كان يقول: مذهبنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة، [فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقْتَدَى به في مذهبنا وطريقتنا] (٦). ورأى بعضهم معه مِسْبَحَة، فقيل له: أتتخذ مِسْبَحَة مع شرفك؟ فقال: طريقٌ وصلت به إلى اللّه لا أفارقه. وقال له خاله سَرِيُّ الشَقَطي: تكلم على الناس، فلم ير نفسه لذلك أهلًا (٧). فرأى في النوم رسولَ اللّه ﷺ ، وهو يقول: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له خاله (٨): لم تصدقنا حتى قيل

стр. 5462

لك. قال: فتكلم على الناس، فجاءه يومًا شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: ما معنى قول النَّبِيّ ﷺ : "اتَّقُوا فَرَاسَة المُؤْمِنِ فإنَّه يَنْظُرُ بِنُورِ اللّهِ" (١)؟ قال: فأطرقت، ثم رفعت رأسي إليه، فقلت له: أسلِمْ، فقد آن وقت إسلامك. قال: فأسلَمَ الغلام (٢). وقال الجُنَيْد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها من جاريةِ تغنِّي بها في غرفة، وهي تقول (٣): إذا قُلْتُ أهْدَى الهَجْرُ لي حُلَلَ البِلى … تَقُولينَ لولا الهَجْرُ لم يَطِبِ الحُبُّ وإن قلْتُ هذا القلبُ أحرَقَهُ الجَوَى … تقولي بنيرانِ الجَوَى شَرُفَ القَلْبُ وإن قلْتُ ما أذنبْتُ، قالَتْ مُجيبةً … حياتُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ به ذَنْبُ قال: فصعقْتُ وصحْتُ، فخرَجَ صاحبُ الدَّار، فقال: يا سيدي، ما لَكَ؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة منّي إليك. فقلت: قد قبلْتُها، وهي حُرَّة لوجه الله. ثم زوَّجتُها لرجل، فأولدها ولدًا صالحًا، حجَّ على قدميه ثلاثين حجة. سعيد بن إسماعيل (٤): ابن سعيد بن منصور، أبو عثمان الواعظ. ولد بالرَّيِّ، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نَيْسَابور فسكنها إلى أن مات، وقد دخل بغداد. وكان يقال: إنه مجاب الدعوة. قال الخطيب (٥): أخبرنا عبد الكريم بن هوازن، قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حالٍ كرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته. وكان أبو عثمان ينشد (٦): أسأتُ ولم أحسِنْ، وجئتُكَ هاربًا … وأينَ لِعَبْدٍ من مَوَالِيهِ مَهربُ؟ يؤمِّلُ غُفرانًا، فإنْ خَابَ ظنُّه … فما أحَدٌ منهُ على الأرضِ أخْيَبُ

стр. 5463

وروى الخطيب (١) عنه أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إنِّي لمَّا ترعرعْتُ وأنا بالرَّيِّ وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبًّا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلِّب القلوب [وأتوسَّل به إليك] (٢) لما تزوجتني. فقلت: ألكِ والد؟ قالت: نعم. فأحضرته، فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوْتُ بها إذا هي عوراء عَرْجاء، مشوَّهة الخَلْق، فقلت: اللهم لك الحمدُ على ما قدَّرته لي، وكان أهلي (٣) يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها [بِرًّا و] (٤) إكرامًا، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور في بعض المجالس، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئًا. فمكثتُ كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. سمنون بن حَمزة (٥): ويقال: ابن عبد اللّه، أحد مشايخ الصوفية، كان وِرْدُه في كلِّ يومٍ وليلة خمسمئة ركعة، وسمَّى نفسه الكذَّاب، لدعواه في قوله (٦): فليس لي في سِوَاك حَظٌ … فكيفما شئتَ فامتَحِنِّي فابتلي بحصار (٧) البول فكان يدور على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمّكم الكذَّاب، وكان له كلام متين في المحئة، وقد وُسوِسَ في آخر عمره، وكلامه في المحبة مستقيم كما كان. صافي الحرمي (٨): من أكابر أمراء الدولة العباسية ورؤوس الدولة المقتدرية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلمَّا توفي حَمَلَ غلامُه القاسمُ إلى الوزير مئة ألف دينار وسبعمئة وعشرين منطقة من ذهب مكلَّلة، فاستمرَّ غلامُه على إمرته ومنزلته. إسحاق بن حُنَيْن بن إسحاق (٩): أبو يعقوب العِبَادي، نسبة إلى قبائل الجزيرة. الطبيب بن الطبيب، له ولأبيه مصنَّفات كثيرة في هذا الشان، وكان أبوه يعرب كلام أرسطاطاليس وغيره من حكماء اليونان. توفي في هذه السنة.

стр. 5464

الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّا (١): أبو عبد اللّه الشِّيعي، الذي أقام الدعوة للمهديّ، عُبَيْد اللّه بن مَيْمون الذي يزعم أنه فاطميّ، وقد زعم غيرُ واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديًا صبّاغًا بسلمية. والمقصود الآن: أن أبا عبد اللّه الشيعيّ هذا دخل بلاد إفريقية وحدَه لا مال معه ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يدي أبي نَصْر زيادة اللّه، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومَه المهديَّ من بلاد الشرق، فقدِمَ، فلم يخلص إليه إِلَّا بعد شدائدَ طوال، وحُبس في أثناء الطريق، فاستنقذه الشِّيعي وسفَمه المملكة، فندّمه أخوه أحمد، وقال له: ماذا صنعتَ؟ وهلا (٢) كنت أنا استبددت بالأمر دون هذا؟ فندم، وشَرَعَ يعمل الحيلة على المهديّ، فاستشعر المهديُّ بذلك، فدسَّ إليهما مَنْ قتلهما في هذه السنة. وكان قَتْلُهما بمدينة رَقَّادة من بلاد القَيْروان، من إقليم إفريقية. هذا ملخص من كلام ابن خلكان (٣). ثمّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين قال ابن الجوزي (٤): فيها ظهرت ثلاثة كواكب مذنبة؛ أحدها في رمضان، واثنان (٥) في ذي القعدة، تبقى أيامًا ثم تضمحل. ووقع طاعون بأرض فارس مات بسببه سبعة آلاف إنسان. وغضب الخليفة على الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، وعزله عن الوزارة، وأمر بنهب دوره (٦)، فنهبت أقبح نهب. واستُوزر أبو علي محمّد بن عُبيد الله (٧) بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لأم المقتدر (٨) بمئة ألف دينار، حتى سعت في ولايته.

стр. 5465

وفيها: وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها؛ من ذلك خمسمئة ألف دينار من الديار المصرية استخرجت من كنز وجد هنالك من غير موانع، كما يدَّعيه كثير من جهلة بني آدم، حيلة ومكرًا وخديعة؛ ليأكلوا أموال العوام (١) والجهلة الطغام من قليلي العقول والأحلام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة (٢) عشر شبرًا، وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد، فاللّه أعلم. وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنًا. ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي السَّاج [في جملة هداياه] (٣)، طوله سبعون ذراعًا وعرضه ستون ذراعًا، عُمِل في عشر سنين لا قيمة له. وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد السَّاماني من بلاد خراسان كثيرة جدًّا. وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي، أمير الحجيج من مدة سنين متطاولة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن نَصْر بن إبراهيم أبو عمرو الخَفَّاف (٤): الحافظ. كان يذاكر بمئة ألف حديث، سمع إسحاق بن رَاهَوَيْه وطبقته، وكان كثير الصّيام، سرده نيفًا وثلاثين سنة، وكثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين، فحمد اللّه فجعلها خمسةً، فحمد اللّه فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده حتى بلغ مئة. فقال: جَعَلَ اللّه عليك واقيةً باقية! فقال للسائل: والله لو لزمت الحمدَ لأزيدنَّك، ولو إلى عشرة آلاف درهم. بُهْلُول بن إسحاق بن بهلُول (٥): ابن حسَّان بن سنان، أبو محمّد التَّنُوخيّ. سمع إسماعيل بن أبي أُوَيْس، وسعيد بن منصور، ومصعبًا الزبيري وغيرهم. وعنه جماعة آخرهم أبو بكر [الإسماعيلي] (٦) الجرجاني الحافظ، وكان ثقة، ضابطًا، بليغًا، فصيحًا في خطبته. توفي في هذه السنة عن خمس وتسعين سنة، ﵀، آمين. الحسين (٧) بن عبد اللّه أحمد أبو علي الخِرَقي (٨): صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام
следующие страницы →