← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

وكان ورده في كلِّ يوم ثلاثمئة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة (١). ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، وكان مع ذلك يعرف سائر فنون العلم (٢)، ﵀. ولما حضرته الوفاة جعل يتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك؟ فقال: ما أحدٌ أحوج إلى ذلك منّي الآن، وهذا أوان طيّ صحيفتي. قال القاضي ابن خلكان (٣): أخذ الفقه عن أبي ثَور، صاحب الشافعي، ويقال: كان يتفقه على مذهب الثوري، وكان ابن سُرَيج يصحبه ويلازمه، [وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة، فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم! لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعِدْها عليَّ، فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: واللّه ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده. فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمْلِهِ عليَّ حتى أكتبه. فقال الجُنَيْد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن اللّه هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلُّم، وإنما هذا من فضل اللّه يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي اللّه أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه، واللّه أعلم] (٤). قبل (٥): وسئل الجُنَيْد عن العارف؟ فقال: مَنْ نطق بسرّك وأنت ساكت. كان يقول: مذهبنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة، [فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقْتَدَى به في مذهبنا وطريقتنا] (٦). ورأى بعضهم معه مِسْبَحَة، فقيل له: أتتخذ مِسْبَحَة مع شرفك؟ فقال: طريقٌ وصلت به إلى اللّه لا أفارقه. وقال له خاله سَرِيُّ الشَقَطي: تكلم على الناس، فلم ير نفسه لذلك أهلًا (٧). فرأى في النوم رسولَ اللّه ﷺ ، وهو يقول: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له خاله (٨): لم تصدقنا حتى قيل

стр. 5462

لك. قال: فتكلم على الناس، فجاءه يومًا شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: ما معنى قول النَّبِيّ ﷺ : "اتَّقُوا فَرَاسَة المُؤْمِنِ فإنَّه يَنْظُرُ بِنُورِ اللّهِ" (١)؟ قال: فأطرقت، ثم رفعت رأسي إليه، فقلت له: أسلِمْ، فقد آن وقت إسلامك. قال: فأسلَمَ الغلام (٢). وقال الجُنَيْد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها من جاريةِ تغنِّي بها في غرفة، وهي تقول (٣): إذا قُلْتُ أهْدَى الهَجْرُ لي حُلَلَ البِلى … تَقُولينَ لولا الهَجْرُ لم يَطِبِ الحُبُّ وإن قلْتُ هذا القلبُ أحرَقَهُ الجَوَى … تقولي بنيرانِ الجَوَى شَرُفَ القَلْبُ وإن قلْتُ ما أذنبْتُ، قالَتْ مُجيبةً … حياتُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ به ذَنْبُ قال: فصعقْتُ وصحْتُ، فخرَجَ صاحبُ الدَّار، فقال: يا سيدي، ما لَكَ؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة منّي إليك. فقلت: قد قبلْتُها، وهي حُرَّة لوجه الله. ثم زوَّجتُها لرجل، فأولدها ولدًا صالحًا، حجَّ على قدميه ثلاثين حجة. سعيد بن إسماعيل (٤): ابن سعيد بن منصور، أبو عثمان الواعظ. ولد بالرَّيِّ، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نَيْسَابور فسكنها إلى أن مات، وقد دخل بغداد. وكان يقال: إنه مجاب الدعوة. قال الخطيب (٥): أخبرنا عبد الكريم بن هوازن، قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حالٍ كرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته. وكان أبو عثمان ينشد (٦): أسأتُ ولم أحسِنْ، وجئتُكَ هاربًا … وأينَ لِعَبْدٍ من مَوَالِيهِ مَهربُ؟ يؤمِّلُ غُفرانًا، فإنْ خَابَ ظنُّه … فما أحَدٌ منهُ على الأرضِ أخْيَبُ

стр. 5463

وروى الخطيب (١) عنه أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إنِّي لمَّا ترعرعْتُ وأنا بالرَّيِّ وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبًّا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلِّب القلوب [وأتوسَّل به إليك] (٢) لما تزوجتني. فقلت: ألكِ والد؟ قالت: نعم. فأحضرته، فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوْتُ بها إذا هي عوراء عَرْجاء، مشوَّهة الخَلْق، فقلت: اللهم لك الحمدُ على ما قدَّرته لي، وكان أهلي (٣) يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها [بِرًّا و] (٤) إكرامًا، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور في بعض المجالس، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئًا. فمكثتُ كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. سمنون بن حَمزة (٥): ويقال: ابن عبد اللّه، أحد مشايخ الصوفية، كان وِرْدُه في كلِّ يومٍ وليلة خمسمئة ركعة، وسمَّى نفسه الكذَّاب، لدعواه في قوله (٦): فليس لي في سِوَاك حَظٌ … فكيفما شئتَ فامتَحِنِّي فابتلي بحصار (٧) البول فكان يدور على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمّكم الكذَّاب، وكان له كلام متين في المحئة، وقد وُسوِسَ في آخر عمره، وكلامه في المحبة مستقيم كما كان. صافي الحرمي (٨): من أكابر أمراء الدولة العباسية ورؤوس الدولة المقتدرية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلمَّا توفي حَمَلَ غلامُه القاسمُ إلى الوزير مئة ألف دينار وسبعمئة وعشرين منطقة من ذهب مكلَّلة، فاستمرَّ غلامُه على إمرته ومنزلته. إسحاق بن حُنَيْن بن إسحاق (٩): أبو يعقوب العِبَادي، نسبة إلى قبائل الجزيرة. الطبيب بن الطبيب، له ولأبيه مصنَّفات كثيرة في هذا الشان، وكان أبوه يعرب كلام أرسطاطاليس وغيره من حكماء اليونان. توفي في هذه السنة.

стр. 5464

الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّا (١): أبو عبد اللّه الشِّيعي، الذي أقام الدعوة للمهديّ، عُبَيْد اللّه بن مَيْمون الذي يزعم أنه فاطميّ، وقد زعم غيرُ واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديًا صبّاغًا بسلمية. والمقصود الآن: أن أبا عبد اللّه الشيعيّ هذا دخل بلاد إفريقية وحدَه لا مال معه ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يدي أبي نَصْر زيادة اللّه، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومَه المهديَّ من بلاد الشرق، فقدِمَ، فلم يخلص إليه إِلَّا بعد شدائدَ طوال، وحُبس في أثناء الطريق، فاستنقذه الشِّيعي وسفَمه المملكة، فندّمه أخوه أحمد، وقال له: ماذا صنعتَ؟ وهلا (٢) كنت أنا استبددت بالأمر دون هذا؟ فندم، وشَرَعَ يعمل الحيلة على المهديّ، فاستشعر المهديُّ بذلك، فدسَّ إليهما مَنْ قتلهما في هذه السنة. وكان قَتْلُهما بمدينة رَقَّادة من بلاد القَيْروان، من إقليم إفريقية. هذا ملخص من كلام ابن خلكان (٣). ثمّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين قال ابن الجوزي (٤): فيها ظهرت ثلاثة كواكب مذنبة؛ أحدها في رمضان، واثنان (٥) في ذي القعدة، تبقى أيامًا ثم تضمحل. ووقع طاعون بأرض فارس مات بسببه سبعة آلاف إنسان. وغضب الخليفة على الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، وعزله عن الوزارة، وأمر بنهب دوره (٦)، فنهبت أقبح نهب. واستُوزر أبو علي محمّد بن عُبيد الله (٧) بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لأم المقتدر (٨) بمئة ألف دينار، حتى سعت في ولايته.

стр. 5465

وفيها: وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها؛ من ذلك خمسمئة ألف دينار من الديار المصرية استخرجت من كنز وجد هنالك من غير موانع، كما يدَّعيه كثير من جهلة بني آدم، حيلة ومكرًا وخديعة؛ ليأكلوا أموال العوام (١) والجهلة الطغام من قليلي العقول والأحلام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة (٢) عشر شبرًا، وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد، فاللّه أعلم. وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنًا. ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي السَّاج [في جملة هداياه] (٣)، طوله سبعون ذراعًا وعرضه ستون ذراعًا، عُمِل في عشر سنين لا قيمة له. وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد السَّاماني من بلاد خراسان كثيرة جدًّا. وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي، أمير الحجيج من مدة سنين متطاولة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن نَصْر بن إبراهيم أبو عمرو الخَفَّاف (٤): الحافظ. كان يذاكر بمئة ألف حديث، سمع إسحاق بن رَاهَوَيْه وطبقته، وكان كثير الصّيام، سرده نيفًا وثلاثين سنة، وكثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين، فحمد اللّه فجعلها خمسةً، فحمد اللّه فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده حتى بلغ مئة. فقال: جَعَلَ اللّه عليك واقيةً باقية! فقال للسائل: والله لو لزمت الحمدَ لأزيدنَّك، ولو إلى عشرة آلاف درهم. بُهْلُول بن إسحاق بن بهلُول (٥): ابن حسَّان بن سنان، أبو محمّد التَّنُوخيّ. سمع إسماعيل بن أبي أُوَيْس، وسعيد بن منصور، ومصعبًا الزبيري وغيرهم. وعنه جماعة آخرهم أبو بكر [الإسماعيلي] (٦) الجرجاني الحافظ، وكان ثقة، ضابطًا، بليغًا، فصيحًا في خطبته. توفي في هذه السنة عن خمس وتسعين سنة، ﵀، آمين. الحسين (٧) بن عبد اللّه أحمد أبو علي الخِرَقي (٨): صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام

стр. 5466

أحمد بن حنبل. وكان خليفة المروذيّ. توفي يوم عيد الفطر، ودفن عند قبر [الإمام] (١) أحمد [بن حنبل] (٢). محمد بن إسماعيل أبو عبد الله المغربيّ (٣): تلميذ علي بن رزين، وهو أستاذ إبراهيم الخوّاص، كانت له أحوال صالحة جدًّا، وقد عمّر هو وشيخه كل واحد منهما عشرين ومئة سنة. وحجّ أبو عبد الله المغربيّ على قدميه سبعًا وتسعين حجّة، وكان يمشي في الليل المظلم حافيًا كما يمشي الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمُّون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلامٌ مليحٌ نافع. ولما مات أوصى أن يُدفن إلى جانب شيخه على بن رزين، [فهما] (٤) على جبل الطور. [قال أبو نعيم (٥): كان أبو عبد اللّه المغربيّ من المعمّرين، توفي عن مئة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سيناء، عند قبر أستاذه عليّ بن رزين. قال أبو عبد الله: أفضلُ الأعمال عمارة الأوقات [بالموافقات]. وقال: الفقيرُ هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقرُه؛ ليعينه بالاستعانة (٦)، كما عزره بالافتقار إليه. وقال: أعظمُ النَّاس ذلًا فقيرٌ داهَنَ غنيًا وتواضع له، وأعظمُ النَّاس عزًّا غنيٌّ تذلَّلَ لفقيرٍ أو حفظ حرمته] (٧). محمد بن أبي بكر بن أبي خَيْثَمة (٨): أبو عبد اللّه الحافظ، ابن الحافظ. كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهمًا حاذقًا عارفًا حافظًا، توفي في ذي القعدة من هذه السنة. ابن كيْسان النَّحويّ (٩): محمد بن أحمد بن كيْسان النّحويّ. أحد حفاظه والمكثرين فيه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معًا. قال ابن مجاهد المقرئ: كان ابن كيْسان أنحى من الشيخين؛ المبرّد وثعلب.

стр. 5467

محمد بن يحيى (١): أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعيد الجَوهريّ، وأحمد بن منيع، وابن أبي شيبة وغيرهم. روى عنه أبو بكرة النقَّاش وغيره. وكان يُعرف محمد بن يحيى هذا بحامل كفنه، وسبب ذلك ما ذكره الخطيب (٢) البغدادي، قال: بلغني: أنَّه تُوفِّي فغسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه ودُفن، فلمَّا كان الليل جاءه نبَّاش، ففتح عليه قبره. فلمَّا حلَّ عنه كفنه استوى جالسًا، وفرَّ النبَّاش [هاربًا من الفزع] (٣)، ونهض محمد بن يحيى هذا، وأخذ معه كفنه وخرج من القبر، وقصد منزله، فوجد أهله وهم يبكون عليه، فدقَّ عليهم الباب، فقالوا: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقالوا: يا هذا، لا يحلُّ لك أن تزيدنا حزنًا إلى حزننا. فقال: افتحوا، فواللّه أنا فلان، فعرفوا صوته، وفتحوا له، فلما رأوه فرحوا به فرحًا شديدًا [وأبدل اللّه حزنهم سرورًا] (٤)، وذكر لهم ما كان من أمره. وكأنه كان قد أصابته سكتة، ولم يكن قد مات حقيقة، فقدَّر اللّه بحوله وقدرته وقوَّته له هذا النبَّاش، ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته بعد ذلك مدة، ثم كانت وفاته في هذه السنة. فاطمة القهرمانة (٥): غضب عليها المقتدِرُ مرَّة فصادرها، فكان في جملة ما أخذ منها مئتا ألف دينار، ثم غرقت في طيارة (٦) لها في هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلثمئة من الهجرة النبوية فيها: كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد، وتناثرت نجومٌ كثيرة في ليلة الأربعاء لسبعٍ بقين من جمادى الآخرة. وفيه: كثرت الأمراض ببغداد والأسقام والآلام، وكلِبَت الكلاب، حتى الذّئاب بالبادية، وكانت تقصد الناس والبهائم، فمن عضَّته أهلكته. وفيها: انحسر جبلٌ بالدِّينَور يعرف بالتل، فخرج من تحته ماء عظيم غرّق عِدَّةً من القرى. وفيها: سقطت شِرْذِمة من جبل لبنان إلى البحر.

стр. 5468

وفيها: حملت بَغْلَةٌ ووضعَتْ مُهْرَة. وفيها: صُلب الحسين بن منصور الحلاج (١) وهو حي أربعة أيام؛ يومين في الجانب الشرقي، ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الأول منها. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ العباسيّ، أثابه اللّه وتقبَّل منه. وممن توفي فيها من الأعيان: الأحوص بن المفضّل (٢): ابن غسان بن المفضل بن معاوية بن خالد بن غلاب، أبو أمية الغلابي، القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه "التاريخ". استتر عنده مرّة ابنُ الفرات، فلمَّا أعيد إلى الوزارة ولاه قضاءَ البصرة والأهواز وواسط. وكان عفيفًا نزهًا، فلمَّا نُكب ابنُ الفرات قبض عليه نائبُ البصرة فأودعه السجن، فلم يزل به حتى مات فيه. قال ابن الجوزي (٣): ولا نعلم قاضيًا مات في السجن سواه. عُبَيْد الله بن عبد اللّه بن طاهر (٤): ابن الحسين بن مصعب، أبو أحمد الخُزَاعي، ولي إمرة بغداد. وحدَّث عن الزُّبير بن بكَّار. وعنه: الصّولي، والطَّبرانيّ، وكان أديبًا فاضلًا، شاعرًا، ومن شعره (٥): حقُّ التنائي بينَ أهلِ الهوى … تَكَاتُبٌ يُسْخِنُ عَيْنَ النَّوَى وفي التَّدَاني - لا انقضَى عُمْرُهُ - … تَزَاورٌ يَشْفِي غَليلَ الجَوَى وقد اتفق أنَّ جارية له كانت حظية عنده جدًّا، مرضت فاشتهت ثلجًا، فلم يوجد إِلَّا عند رجلٍ، فساومه الوكيل على رطلٍ منه، فامتنع من بيعه إِلَّا كُلّ رطلٍ بخمسة آلاف درهم، وذلك لعلم صاحب البضاعة بالحال. فرجع الوكيل ليشاوره، فقال: ويلك! اشتره (٦) ولو بما كان، فرجع، فقال له صاحبُ الثلج: لا أبيعه إِلَّا بعشرة آلاف، فاشتراه بعشرة آلاف. ثم اشتهت الجارية ثلجًا أيضًا، وذلك

стр. 5469

لموافقته لها، فرجع فاشترى منه رطلًا آخر بعشرة آلاف. ثمّ رطلًا آخر بعشرة أخري (١). وبقي عند صاحب الثلج رطلان، فنطَفَت نفسُه إلى أكل رطل منه؛ ليقول: أكلتُ الرطل من الثلج بعشرة آلاف، فأكله. وبقي عنده آخر، فجاءه الوكيل، فامتنع أن يبيعه الرطلَ إلا بثلاثين (٢) ألفًا، فاشتراه منه، فشفيت الجارية، وتصدَّقت (٣) بمال جزيل. فاستُدعي الرجل فأعطي من تلك الصدقة مالًا جزيلًا جدًّا، وصار من أغنى الناس بعد ذلك وأكثرهم مالًا، واستخدمه (٤) ابنُ طاهر عنده. [ظهورُ (٥) أمر العبيديين الذين يزعمون أنهم فاطميون كان أول ظهور أمرهم وشأنهم - بتقدير الله تعالى - قبيل سنة ثلاثمئة بقليل على يدي أبي عبد الله الشِّيعي، واسمه الحسين بن أحمد بن زكريا المغربي البربري المتشيِّع (٦). وملخص خبره أنه كان فقيرًا لا مال له ولا شيء، فأقام رجلًا شريفًا من بيت النبوَّة، وسمَّاه المهديَّ، ولفَّ عليه خلقًا من البربر ببلاد المغرب، وحارب له صاحب سجلماسة، وهو أبو نصر زيادة الله، وكان آخر ملوك بني الأغلب ببلاد إفريقية، فكان بينهما حروب يطول بسطها، لكن ظفر صاحب سجلماسة به في بعضها، فأسر منه الشريف، وسجنه عنده في قلعة، فرجع الشِّيعي فحشد وجمع، وجاء فحاصر البلد فظفر بها، ثم حاصر القلعة، فعمد الملك إلى الشريف فقتله في السجن وافتتح الشِّيعي القلعة قهرًا، وجاء إلى السجن فوجد الشريفَ قد قضى نحبه ووجد معه في السجن رجلًا يهوديًا سمه عبد الله بن ميمون من أهل سلمية الشام، كان صبَّاغًا بها، فأقامه مكان الشريف، وقال: قل لهم: أنا المهدي، فراج ذلك على أولئك العوام، واستبدَّ بالمملكة، وبنَى المهديَّة، وانتشرت أعلامه، وطالت أيامه. ثم إن أبا عبد الله الشِّيعي ندم حيث لا ينفعه الندم، وأحاطت به خطيئته، وعمل على إزالة المملكة عن المهدي، وصرفها إلى أخيه أحمد، ففهم ذلك المهدي، وبعث من قتلهما برَقَّا في سنة ثمان وتسعين ومئتين. هذا ما وقفت عليه من تواريخهم، وهو أولى ما يذكر هاهنا، واللّه أعلم بالصواب.

стр. 5470

وسنبيِّنه مستقصىً في حدود سنة أربعمئة (١) حين وضعت كبار أئمة العلماء خطوطهم بأنهم أدعياء كذبة في قولهم: إنهم فاطميون، وغالب ملوكهم كانوا زنادقة، ومنهم "الحاكم" لعنه الله؛ رام أن يدّعي الإلَهية كفرعون، فما تجاسر على إظهار ذلك صريحًا، وما زال حتى قتل - لعنه الله - شرَّ قتلة تحت أديم السماء (٢). وكانت عوامهم يظهرون الرفض تبعًا لهم وخيفة منهم، ويؤذَّن في نحو مئة سنة أو أزيد بدمشق بـ "حيَّ على خير العمل"، وأما بديار مصر فإلى آخر تاريخ. وأما أخذاتهم وما يطلع على جلية أمرهم، فكما قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الذي صنفه في الرَّدِّ على بعض قضاتهم في كتابه الذي سماه "الناموس الأعظم والبلاغ الأكبر"، وقد كفر فيه كفرًا لم يصل إلى شم رائحته إبليس، بل ربما استفاد منه ما لم يخطر بباله، فردَّ عليه القاضي أبو بكر ﵀ في كتاب الذي سمَّاه: "كشف الأسرار وهتك الأستار" مجلدان كبيران مفيدان عظيمان؛ قال فيه: فهؤلاء قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض]. وممن توفي في حدود الثلثمئة ثقريبًا. الصَّنَوْبَريّ الشاعر (٣): وهو أحمد بن محمّد بن مزَّار، أبو بكر الضَّبَّي الصَّنَوْبَري الحلبي. قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرًا محسنًا. وقد حكى عن عليّ بن سليمان الأخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره؛ فمن ذلك قوله (٤): لا النَّومُ أدري بهِ ولا الأرَقُ … يدري بهذينِ مَنْ بهِ رَمَقُ إنَّ دُموعي من طولِ ما استبقَتْ … كلَّت فما تستطيعُ تَسْتَبِقُ ولي مَلِكٌ لم صورتُهُ … مُذ كانَ إلا صَلَّتْ له الحَدقُ نويْتُ تقبيلَ نَارِ وَجْنَتِهِ … وخِفْتُ أدنُو منها فأَحْتَرِقُ وله أيضًا (٥):

стр. 5471

شمسٌ (١) غدا يشبه شمسًا غَدَتْ … وخدُّها في النور (٢) منْ خدِّهِ تغيبُ في فيهِ ولكنَّها … من بَعْدِ ذا تطلعُ في خدِّهِ وقد روى الحافظ البيهقي، عن شيخه الحاكم، عن أبي الفضل نَصْر بن محمد الطوسيّ، قال أنشدنا أبو بكر الصَّنَوْبَري، فقال (٣): هدَمَ الشيبُ ما بناهُ الشَّبابُ … والغَوَاني ما عصيْنَ غِضابُ قلب الآبنوسُ عاجًا فللأعـ … ـينِ منه وللقلوبِ انقلابُ وضلالٌ في الرأي أن يُشنأ البا … زي، على حسنهِ، ويُهْوَى الغرابُ (٤) وله أيضًا، وقد أورده ابنُ عساكر في ابنٍ له فُطم فجعل يبكي على ثديه (٥): منعوهُ أحبَّ شيءٍ إليهِ … من جميعِ الوَرَى ومِنْ والديهِ منعُوهُ غِذاهُ وقَدْ كانَ … مباحًا لَهُ وبينَ يديهِ عَجبًا له على صغرِ السَّ … نِّ هوى فاهتدى الفراقُ إليهِ وممن توفي بهذا العصر أيضًا: إبراهيم بن أحمد بن محمّد (٦): ابن المُوَلَّد، أبو إسحاق الصُّوفي الواعظ الرَّقِّي، أحد مشايخها، روى الحديث، وصحب أبا عبد الله بن الجلاد الدِّمشقي، والجُنَيد، وغير واحدٍ. وروى عنه: تمَّام بن محمد، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله (٧): لكَ منِّي على البعادِ نَصيبُ … لم يَنلْهُ على الدُّنُوِّ حَبيبُ وعلى الطَّرْفِ مِن سواكَ حجابٌ … وعلى القلبِ من هَواكَ رقيبُ زِينَ في ناظري هواكَ وقلبي … والهَوَى فيهِ زائِغٌ ومَشُوبُ كيفَ يُغني قرْبُ الطَّبيبِ عَليلًا … أنتَ أسقمتَهُ وأنتَ الطَّبيبُ

стр. 5472

وقوله (١): الصَّمْتُ أمْنٌ مِنْ كُلِّ نازلةٍ … مَنْ نالَهُ نَالَ أفْضَلَ القِسَمِ ما نزلَتْ بالرِّجالِ نازِلةٌ … أعظمُ ضُرًّا من لَفْظةٍ بِفَمِ عثرةُ هذا اللِّسانِ مُهلكةٌ … ليسَتْ لدينا كَعَثْرةِ القَدَمِ احفظ لسانًا يُلقيك في تَلَفٍ … فَرُبَّ قولٍ أذَلَّ ذا كَرَمِ فصل (٢) اختلف النَّاس أيُّما أفضل: الغنيُّ الشاكر، أو الفقير الصَّابر؟ على قولين مشهورين. وقيل: هما سواء. وقيل: أفضلهما أتقاهما لله فيما هو فيه، فإن استويا فهما سواء. وقد سئل أبو علي الدَّقَّاق عن هذه المسألة؟ فقال: الغنيُّ أفضلُ؛ لأنَّ الغني من صفات الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] قال: ولكن الغنيَّ الذي يكون واثقًا بما عند الله لا بما في يديه، يعني: ما قاله رسولُ الله ﷺ في الحديث المتَّفق عليه: "ليس الغِنَى عن كثرة العَرض، إنَّما الغِنى غنَى النَّفسِ" (٣). وما أحسن ما قال بعضهم: غنيتُ بلا مالٍ عن النَّاسِ كلِّهم … وإنَّ الغنَى العالي عن الشيء لا بهِ وقال الآخر: وإذا تذلَّلَتِ الرِّقابُ تواضُعًا … منَّا إليك فعزُّها في ذُلِّها وقال الآخر: تقنَّعْ بما يكفيكَ واستعمل الرِّضا … فإنَّك لا تَدري أتصبحُ أمْ تمسي فليس الغنَى عن كثرةِ المالِ إنَّما … يكون الغِنَى والفقرُ مِن قبل النَّفْسِ

стр. 5473

البداية والنهاية «٣٠١ هـ - ٤٠٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه إبراهيم الزيبق راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الثاني عشر

стр. 5474

ثم دخلت سنة إحدي وثلاثمئة من الهجرة النبوية فيها غزا الحسينُ بن حَمْدان (١) الصَّائفة، ففتح حصونًا كثيرة من بلاد الرَّوم، وقَتَلَ [منها] (٢) أممًا لا يُحْصون كثرة. وفيها عزل المقتدر محمدَ بنَ عبيد الله (٣) عن وزارته، وقلَّدها عيسى [بنَ علي] (٤)، فكان من خيار الوزراء، وأقصدِهم للعَدْل والإحسان، واتَّباع الحقِّ. وفيها كَثُرَتِ الأمراض الدَّمويَّة ببغداد في تموز وآب؛ فمات من ذلك خَلْق كثير وجمٌّ غفير من أهلها. وفيها وصلتْ هدايا صاحب عُمَان، وفيها ببغة (٥) بيضاء وغزالٌ أسود. وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشَّمَّاسِيَّة (٦) على الخيل، ثم انحدر إلى داره في دِجْلَة، فكانت أول رِكْبَةٍ رَكِبَهَا جَهْرَة للعامة. وفيها استأْذَنَ الوزير عليُّ بن عيسى المقتدر بالله في مكاتبة رأس القرامطة أبي سعيد الحسن بن بَهْرام الجَنَّابي فأذِنَ له، فكتب إليه كتابًا طويلًا يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبِّخُه على ما يتعاطاه أصحابه من ترك الصَّلوات والزكوات، وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على منْ يذكر الله ويسبِّحه ويحمَدُه، واستهزائهم بالدِّين، واسترقاقهم الحرائر، ثم توعَّده بالحَرْب وتهدَّده، فلما سار الكتاب نحوه قُتِلَ أبو سعيد قبل أن يصِلَه؛ قتله بعضُ خَدَمه، وعَهِدَ بالأمر من بعده لولده سعيد، فَغَلَبهُ على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد (٧)، فلما قرؤوا كتابَ الوزير إليهم أجابوه بما حاصله: إن هذا الذي نُسِبَ إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنِّع علينا، وإذا كان الخليفة يَنْسُبنا إلى الكفر بالله، فكيف يدعونا إلى السَّمْع والطاعة له؟

стр. 5475

وفيها جيء بالحسين بن منصور الحلَّاج إلى بغداد، وهو مشهورٌ على جَمَل، وغلام له راكب جملًا آخر، يُنادى عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس، ثم أُحضر إلى مجلس الوزير، فناظره، فإذا هو لا يقرأ القرآن، ولا يعرف من الحديث ولا الفِقْه ولا اللغة ولا الأخبار ولا الشِّعْر شيئًا، وكان الذي نُقِمَ عليه أنه وجدت له رِقاع يدعو فيها الناس إلى الضَّلالة والجهاد بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرًا: تبارك ذو النور الشَّعْشَعاني. فقال له الوزير علي بن عيسى ﵀: تعلُّمك الطهور والفروض أجْدَى عليك من رسائلَ لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الأدب. ثم أمَرَ به فَصُلِبَ حيًا صَلْبَ الاشتهار لا القتل، ثم أُنزل فحبس في دار الخلافة، فجعل يُظْهر لهم أنه على السُّنَّة، وأنه زاهد، حتى اغترَّ به كثير من الخُدَّام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة الطَّغَام، حتى صاروا يتبركون به ويتمسَّحون بثيابه. وسيأتي ما صار إليه أمرُه حتى قُتِلَ بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية (١). ووقع في آخر هذه السنة ببغداد وباءٌ شديد جدًّا حتى مات بشر كثير، ولا سيما بالحربيَّة؛ غُلِّقت عامَّة دورها. وحجَّ بالناس الفَضْلُ بنُ عبد الملك الهاشمي (٢). وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن خالد الشَّافعي (٣)، جمع العِلْم والزُّهْد، من تلاميذه (٤) أبو بكر الإسماعيلي. جعفر بن محمَّد (٥) بن الحسن (٦) بن المستفاض، أبو بكر، الفِرْيابي، قاضي الدِّيْنَور، طاف البلاد في طلب العِلْم وسَمعَ الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة، وأبي كُرَيْب، وعلي بن المديني، وبُنْدَار، وعنه: أبو الحسين بن المنادي، والنَّجَّاد، وأبو بكر الشَّافعي، وخَلْقٌ. واستوطن بغداد، وكان ثِقَةً حافظًا حُجَّةً، وكان عِدَّة من يحضر مجلسه نحوًا من ثلاثين ألفًا، والمستملون عنه منهم فوق الثلاثمئة، وأصحاب المحابر نحو من عشرة آلاف. وكانت وفاته في المحرَّم من هذه السنة عن أربع

стр. 5476

وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرًا قبل وفاته بخمس سنين، فكان يمرُّ نحوه فيقف عنده، ثم لم يقيض له أنه دفن فيه، بل [دفن] (١) في مكانٍ آخر، ﵀ حيثُ كان. أبو سعيد الجَنَّابى (٢) القِرْمِطىي (٣) وهو الحسن (٤) بن بَهْرام - قبَّحه الله - وهو رأس القرامطة، والذي يعوِّلون عليه في بلاد البحرين وما والاها (٥). علي بن أحمد الرَّاسبي (٦) كان يلي بلاد واسط إلى شَهْرَزُور (٧) وغيرها، وقد خَلَّف من الأموال شيئًا كثيرًا؛ من ذلك ألف ألف دينار، ومن آنية الذهب والفِضَّة ونحو ذلك ما يعادل مئة ألف دينار، ومن الخَزِّ ألف ثوب (٨)، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس. محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب (٩) يعرف بالأحنف، كان قد ولي قضاء مدينة المنصور نيابةً عن أبيه حين فُلِج؛ فمات في جمادى الأولى من هذه السنة. وتوفي أبوه بعده في رجب (١٠)، وبينهما ثلاثة وسبعون يومًا، ودفنا في موضعٍ واحد، رحمهما الله تعالى. وممن توفي فيها: أبو بكر أحمد (١١) بن هارون البَرْدَعي (١٢) الحافظ.

стр. 5477

وابن ناجية (١). ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمئة فيها وَرَدَ كتابُ بِشْر (٢) الخادم بأنه قد أوقع بالرُّوم بأسًا شديدًا، وأنه قد أسر منهم مئة وخمسين بطريقًا (٣)؛ ففرح المسلمون بذلك. وفيها خَتَنَ الخليفة المقتدر خمسةً من أولاده، فَغَرِمَ على هذا الخِتَان ستمئة ألف دينار، من ذلك خمسة آلاف نثار، ومئة ألف دِرْهم، وقد ختن معهم بل قبلهم خَلْقًا من الأولاد اليتامى، وأحسن إليهم (٤)، وهذا صنيع حسنٌ، ﵀. وفيها صادر الخليفة أبا عبد الله بن الجَصَّاص (٥) بستة عشر ألف ألف دينار غير الآنية والثياب الثمينة. وفيها أرسل الخليفة المقتدر أولاده إلى المكتب فكان يومًا مشهودًا. وفيها بنى الوزير (٦) المارَسْتان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالًا جزيلة جدًّا، جزاه الله خيرًا. وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٧). وقطعت الأعراب وطائفة من القرامطة الطريق على الراجعين من الحجيج (٨)، فقتلوا منهم خَلْقًا، وأسروا أكثر من مئتي امرأةٍ حُرَّة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الأعيان: بِشْر بن نَصْر بن منصور (٩)، أبو القاسم، الفقيه، الشافعي، من أهل مصر (١٠)، يُعرف بغلام

стр. 5478

عِرْق، وعِرْق خادم من خُدَّام السُّلْطان، كان يلي البريد، فَقَدِمَ معه بهذا الرجل [مصر] (١)، فأقام بها حتى كانت وفاته فيها، ﵀. بِدْعة جارية عُرَيب (٢) المغنِّية، بُذِلَ لسيدتها فيها مئة ألف دينار وعشرون ألف دينار من بعض من رَغِبَ فيها، فعَرَضتْ ذلك عليها، فكرهت مُفَارقة سيدَتِها، فأعتقتها سيدَتُها في يومها (٣) ذاك، وتأَخَّرَتْ وفاتها إلى هذه السنة (٤)، وقد تركتْ من المال العين والأملاك ما لم يملكه رجل. القاضي أبو زُرْعة محمد بن عثمان الشَّافعي (٥)، قاضي مِصْر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشَّافعي بالشَّام وأشاعه به (٦)، وكان ثِقَةً عَدْلًا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكِتاب اليهود (٧)، قد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية". ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمئة فيها وقف المقتدر بالله أموالًا جزيلة وضياعًا على الحرمين الشَّريفين، واستدعى القضاة والأعيان وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك. وفيها قُدِمَ إلى بغداد بجماعة من الأسارى من الأعراب الذين كانوا عدوا على الحجيج في تلك السنة، فلم تتمالك العامة أن عَدَتْ عليهم فقتلوهم، فأُخِذ بعضهم فعوقب لكونه افتأت على السُّلطان.

стр. 5479

وفيها وقع حريق شديد في سوق النجارين في بغداد فاحترق السوق بكماله. وفي ذي الحِجَّة من هذه السنة مرض المقتدر بالله ثلاثة عشر يومًا، ولم يمرض في مدة خلافته - مع طولها - سوى هذه المرضة. وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك. ولما خاف الوزير على الحُجَّاج من شأن القرامطة في رجعتهم كتب إليهم رسالة لِيَشْغَلَهُمْ بها عن أمر الحجيج، فاتهمه بعض الكبار بمراسلة القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي عند النَّاس بذلك جدًّا. وممن توفي في هذه السَّنة من الأعيان: النَّسَائي ﵀ (١)، أحمد بن علي (٢) بن شُعيب بن علي بن سِنَان بن بَحْر بن دِينار، أبو عبد الرحمن، النَّسائي، صاحب "السنن"، الإمام في عصره، والمقدَّم على أضرابه وأشكاله وفُضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحُذَّاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة قد ذكرناهم في كتابنا "التكميل" ولله الحمد والمنة، وترجمناه أيضًا هناك، وروى عنه خَلْق كثير وجم غفير، وقد جمع "السنن الكبير"، وانتخَبَ منه (٣) ما هو أقل حجمًا منه بمرَّات، وقد وقع لنا سماع كلٍّ منهما. وقد أبان في تصنيفه عن حفظٍ وإتقان وصِدْق وإيمان وعِلْم وعِرْفان. قال الحاكم عن الدَّارَقُطْني: أبو عبد الرحمن النَّسائي مقدَّمٌ على كلَّ منْ يُذْكر بهذا العِلْم من أهل عَصْره، وكان يسمَّى كتابه الصحيح. وقال أبو علي الحافظ: للنسائي شرط في الرِّجال أشدُّ من شرط مسلم بن الحجَّاج، وكان من أئمة المسلمين. وقال أيضًا: هو الإمام في الحديث بلا مدافعة. وقال أبو الحسين محمد بن المُظَفَّر الحافظ: سمعت مشايخَنا بمصر يعترفون له بالتقدُّم

стр. 5480

والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والاجتهاد (١). وقال غيره: كان يصوم يومًا ويُفْطِرُ يومًا، وكان له أربع زوجات وسَرِيَّتان، وكان كثير الجِمَاع، حسنَ الوجه، مشرق اللَّوْن. قالوا: وكان يَقْسِم للإماء كما يقسم للحرائر. وقال الدَّارَقُطْني: كان أبو بكر بن الحدَّاد كثير الحديث ولم يحدِّثْ عن أحدٍ سوى النَّسائي. وقال رضيتُ به حُجَّةً بيني وبين الله . وقال ابن يونس: كان إمامًا في الحديث ثِقَةً ثَبْتًا حافظًا، وكان خروجه من مِصْر في سنة ثنتين وثلاثمئة. وقال ابن عدي: سمعت منصورًا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النَّسائي إمامٌ من أئمة المسلمين، وكذلك أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة، وشهدوا له بالفَضْل والتقدُّم في هذا الشأن والحِفْظ والمعرفة. وقد ولي الحكم بمدينة حِمْص، سمعته من شيخنا الحافظ أبي الحجَّاج المزِيِّ رحمة الله عليه عن رواية الطبراني في "معجمه الأوسط" حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحِمْص، وذكروا أنه كان له من النِّساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قِنْديل، وكان يأكل في كل يوم ديكًا، ويشرب عليه من نقيع الزَّبيب الحلال. وقد قيل: إنه كان يُنْسَبُ إليه شيء من التشيُّع. قالوا: دخل إلى دمشق، فسأله أهلُها أن يحدِّثهم بشيء من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسًا برأس حتى تُرْوى له فضائل! فجعلوا يطعنون (٢) في خُصْيَتَيْه حتى أُخرج من المسجد الجامع، فسار من عندهم فَقَصَد مكة، فمات بها في هذه السَّنة، وقبره بها، هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه. وقال الدَّارَقُطْني: كان أفقه مشايخ مِصْر في عَصْره، وأعرفهم بالصَّحيح والسَّقيم من الآثار، وأعرفهم بالرِّجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرَّمْلة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفِّي بمكة مقتولًا شهيدًا. وقال الحاكم: مع ما رزق النَّسائي من الفضائل رُزِقَ الشَّهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث وثلاثمئة.

стр. 5481

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نُقْطة في "تقييده": ونقلت من خَطِّ أبي عامر محمد بن سعدون العَبْدَري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النَّسائي بالرَّملة (١) مدينة فِلَسْطين يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من صفر سنة ثلاث وثلاثمئة، ودفن ببيت المقدس. وحكى ابن خَلِّكان في "الوفيات" أنه توفِّي في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنَّف "الخصائص" في فضل علي وأهل البيت؛ لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمئة عندهم نُفْرة من علي، وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدفعوا في خُصْيتيه فمات (٢). وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطَّحاوي: أنه توفي بفلسطين في صفر من هذه السنة. وكان مولد النَّسَائي في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومئتين تقريبًا عن قوله ﵀، فكان عمره ثمانيًا وثمانين سنة (٣). الحسن بن سُفْيان (٤) بن عامر بن عبد العزيز بن النُّعمان بن عطاء، أبو العبَّاس، الشَّيْباني النَّسَوي، محدِّث خُراسان، والذي كان يضرب آباط الإبل إليه في معرفة الحديث والفِقْه. رَحَلَ إلى الآفاق، وتفَقَّه على أبي ثَوْر (٥)، وكان يُفْتي بمذهبه، وأخذ الأدبَ عن أصحاب النَّضْر بن شُمَيْل (٦)، وكانت إليه الرَّحْلة بخراسان. ومن غريب ما اتَّفَقَ له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصْر في رحلتهم لطلب الحديث؛ فضاف عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئًا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرَّهُمُ الحال إلى تجشُّمِ السؤال، وأنِفَتْ أنفسُهم من ذلك، وعزَّتْ عليهم، وامتنعت كلَّ الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطي ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الأمر، فوقعت القُرْعة على الحسن بن سُفْيان،

стр. 5482

فقام عنهم، فاختلى في زاوية المسجد الذي هُمْ فيه، فصلَّى رَكْعَتين أطال فيهما، واستغاث بالله، وسأله بأسمائه العِظام، فما انصرف من الصَّلاة حتى دخل المسجد شابٌّ حسن الهيئة، مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان؟ فقلت: أنا. فقال: الأمير طولون (١) يقرأ عليكم السَّلام، ويعتذر إليكم في تقصيره، وهذه مئة دينار لكلِّ واحدٍ منكم. فقلنا له: ما الحامل له على هذا؟ فقال: إنه أحبَّ أن يختلي اليوم بنفسه، فبينا هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح، فدخل عليه المنزل ووضع عَقِبَ الرُّمح في خاصرته، فوكزه به وقال: قُمْ فأَدْرِكِ الحسنَ بنَ سفيان وأصحابه، قُمْ فأدْرِكْهُمْ، قُمْ فأدْرِكْهُمْ؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياعٌ في المسجد الفلاني. فقال له: مَنْ أنت؟ فقال: أنا رِضْوان خازن الجنَّة. فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألمًا شديدًا، فبعثَ بالنففة في الحال إليهم، ثم جاء لزيارتهم، واشترى ما حول ذلك المسجد (٢)، ووقفه على الواردين إليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرًا. وقد كان الحسن بن سفيان ﵀ من أئمة هذا الشَّأْن وفرسانه وحُفَّاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن خُزَيمة (٣) وغيره، فقرؤوا عليه شيئًا من الحديث، وجعلوا يقلبون الأسانيد ليستعلموا (٤) ما عند الشيخ، فما قلبوا شيئًا إلا ردَّهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك تسعون (٥) سنة، وهو في هذا السِّن حافظٌ ضابط، لا يَشِذُّ عنه شيء من حديثه، ومن فوائده: العَبْسي كوفي، والعَيْشي بَصْري، والعَنْسي مِصْري (٦).

стр. 5483

رُوَيْم بن أحمد (١)، ويقال ابن محمد بن رُويم بن يزيد (٢)، أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال أبو محمد، أحد أئمة الصُّوفية، كان عالمًا بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقَّه على مذهب داود بن علي الظَّاهري (٣). قال بعضهم: كان رويم يكتم حُبَّ الدنيا أربعين سنة، وذلك أنه تصوَّف أربعين سنة، ثم لما وَليَ إسماعيل بن إسحاق (٤) القضاء ببغداد جعله وكيلًا في بابه، فترك التصوُّف، ولبس الخَزَّ والقَصَب (٥) والدَّبيقي (٦)، وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدُّور. زهير بن صالح بن الإمام أحمد بن حَنْبل (٧). روى عن أبيه. وعنه أبو بكر أحمد بن سَلْمان (٨) النَّجَّاد، كان ثقةً، مات وهو شابٌّ، قاله الدَّارَقُطني. أبو علي الجُبَّائي (٩)، شيخ المعتزلة، هو محمد بن عبد الوهَّاب، أبو علي الجُبَّائي، شيخ طائفة المعتزلة في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الأشْعري (١٠)، ثم رجع عنه، وللجُبَّائي تفسير حافل مطوَّل، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد ردَّ عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيه وقال: كان القرآن نزل بلغة أهل جُبَّاء (١١). كان مولد الشيخ أبي علي في سنة خمس وثلاثين ومئتين.

стр. 5484

ومات في هذه السنة: ابن بسَّام الشَّاعر (١)، أبو الحسن (٢)، علي بن أحمد (٣) بن منصور بن نصر (٤) بن بسَّام، البَسَّامي، الشَّاعر المطَبِّق الهَجَّاء، لم يترك أحدًا حتى هجاه، حتى أباه، وأُمُّه أُمامة بنت حَمْدون النَّديم (٥). وقد أورد له ابنُ خَلِّكان أشياءَ كثيرة من شعره؛ من ذلك قوله في تخريب المتوكل قَبْرَ الحسينِ بن علي، وأمْرِهِ بأن يُزْرَعَ ويُمْحى رَسْمُه، وكان شديدَ التحامل على عليٍّ وولدِه، فلما وقع ما ذكرناه وكان ذلك سنة ست وثلاثين ومئتين (٦). قال ابن بَسَّام هذا: تالله إنْ كانَتْ أُميَّةُ قد أتَتْ … قَتْلَ ابنِ بنتِ نبيِّها مَظْلُوما فَلَقَدْ أتاهُ بنُو أبيهِ بمثلِهِ … هذا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُوما أسِفُوا على أنْ لا يكونوا شاركوا … في قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رَمِيْما (٧) ثم دخلت سنة أربع وثلاثمئة فيها عزل الخليفة المقتدر بالله وزيره أبا الحسن عليَّ بنَ عيسى بن الجَرَّاح؛ وذلك لأنه وقعت بينه وبين أم موسى القَهْرَمانة نُفْرةٌ شديدة، فسأل الوزير أن يُعْفى من الوِزَارة فعُزِلَ، ولم يتعرَّض لشيءٍ منْ أملاكه. وطُلِب أبو الحسن علي بن محمد بن الفُرَات (٨) فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخَلَعَ عليه الخليفة يوم التَّرْوية سَبْعَ خِلَع، وأطلق له ثلاثمئة ألف دِرْهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل

стр. 5485

والبغال والجمال شيء كثير، وأُقطع الدَّار التي بالمُخَرَّم (١) فسكنها، فعمل فيها ضيافة تلك الليلة، فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثَّلْج. وفي الصيف (٢) من هذه السنة اشتُهِرَ ببغداد أن حيوانًا يقال له الزبزب يطوف باللَّيل يأكل الأطفالَ من الأسرَّة، ويعدو على النيام فربما قطع يد الرَّجُل وثَدْي المرأة وهو نائم، فجعل الناس يضربون على أسطحتهم بالنُّحاس من الهواوين والطُّوس (٣) وغير ذلك؛ ينفِّرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتجُّ من شرقيّها وغربيّها، واصطنع الناس لأولادهم مكبَّات من السَّعَف وغير ذلك، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة؛ فكَثُرَتِ النُّقوب وأُخذت الأموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلبَ على الجسر لِيَسْكُنَ الناس بذلك، فَفُعِلَ، فسكن أمر الناس ورجعوا إلى أنفسهم، واستراح الناس من ذلك. وقُلِّدَ ثابتُ بنُ سِنَان الطَّبيب المؤرخ (٤) أمر المارَستانات ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسةً. وورد الخبر من خُراسان بأنهم وجدوا قبورَ شهداء قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبةً أسماؤهم في رقاع مربوطة بآذانهم، وأجسادُهُمْ طريَّة كما هي. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح (٥) بن عبد الله بن الحُصَين بن عَلْقمة بن لبيد بن نعيم بن عُطارد بن حاجب بن زُرَارة، أبو الحسن التميمي، الملقب فَرُّوجة (٦). قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها، وكان ثِقَةً حافظًا. يوسف بن الحسين بن علي (٧) أبو يعقوب الرَّازي. سمع أحمدَ بنَ حنبل، وصحب ذا النُّون المصري (٨)، وروى عنه أبو بكر النَّجَّاد.

стр. 5486

روى الخطيب بسنده إليه أنه بلغه أن ذا النون يحفظ اسم الله الأعظم، فقصده ليعلّمه إياه قال: فلما وردتُ عليه استهان بي، وكانت لي لحية طويلة، ومعي رِكْوَة (١) طويلة (٢)، فجاءه يومًا رجل فناظر ذا النون، فأسْكَتَ ذا النُّون، فناظرت أنا الرَّجُلَ فأسْكتُهُ، فقام ذو النون فجلس بين يديَّ، وهو شيخ وأنا شابٌّ، واعتذر إلي، فخدمْتُه سنة، ثم سألته أن يعلِّمَني الاسم الأعظم، فلم يبعد مني ووعدني، فمكثت بعد ذلك ستةَ أشهر، ثم أخرج إلي طبقًا عليه مَكَبَّةٌ مشدودًا (٣) بمنديل، وقال لي: اذهب بهذا إلى صاحبنا فلان. قال: فجعلت أفكر في الطريق: ما هذا الذي قد أرسلني به؟ فلما وصلتُ الجسر فتحته فإذا فيه فأرة، فقفزتْ وذهبت، فاغتظتُ غيظًا شديدًا، وقلت: ذو النُّون يسخر بي؟! فرجعت إليه وأنا حَنِقٌ فقال لي: ويحك، إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينًا على فأرة فأَنْ لا تكون أمينًا على الاسم الأعظم بطريق الأَوْلى، اذهب عني، فلا أراك بعدها (٤). وقد رؤي ابن (٥) الحسين الرَّازي هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فَعَلِ الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم، إني نصحت للنَّاس قولًا وخُنْتُ نفسي فِعْلًا، فهَبْ لي خيانة فِعْلي لنصح قولي. يموت بن المُزَرِّع بن يموت (٦)، أبو بكر العَبْدي من عبد القَيْس، وهو بَصْري (٧)، وكان ابنَ أُخت الجاحظ. قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها عن أبي عُثْمان المازني، وأبي حاتِم السَّجِسْتاني، وأبي الفضل الرِّياشي، وكان صاحب أخبار وآدابٍ ومُلَحٍ، وقد كان غَيَّر اسمه بمحمد، فلم يَغْلِبْ عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضًا فدقّ الباب فقيل: من؟ فيقول: ابن المُزَرِّع، ولا يذكر اسمه لئلا يتطيروا (٨) به.

стр. 5487

ثم دخلت سنة خمس وثلاثمئة فيها قَدِمَ رسول ملك الرُّوم في طلب المفاداة والهُدْنة، وهو شابٌّ حَدَث السن، ومعه شيخ منهم وعشرون غلامًا، فلما وَرَد بغداد شاهد أمرًا هائلًا جدًّا، وذلك أن الخليفة المقتدر بالله أمر بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء؛ ركب الجيش بكماله يومئذٍ وكان مئة ألف وستين ألفًا، ما بين فارس وراجل (١)، في الأسلحة التَّامة، وغِلْمان الخليفة سبعة آلاف؛ أربعة آلاف أبيض، وثلاثة آلاف أسود، في غاية الملابس والعُدَد والحِلْية، والحَجَبَة يومئذٍ سبعمئة حاجب، وأما الطَّيَّارات التي بدِجْلة والزَّبازب والسُّمَيْرِيَّات (٢) فشيء كثير، مزينة، وحين دخل الرَّسول دارَ الخلافة شاهد أمرًا أدهشه، ورأى من الحِشْمة والزَّينة والحُرْمة ما يُبْهر الأبصار، وحين اجتاز بالحاجب ظَنَّ أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب الكبير، فَمَرَّ بالوزير في أُبهته فظنَّه الخليفة فقيل: هذا الوزير. وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يُسمع بمثلها، كان فيها يومئذ من الستور ثمانية وثلاثون ألف سِتر؛ منها اثنا عشر ألف سترٍ وخمسمئة مُذْهَبة، وقد بُسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط، وفيها من الوحوش قُطعان متآنسة بالنَّاس، بحيث تأكل من أيديهم ومئة سَبُعٍ من السَّباع، ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بِرْكة فيها ماء صافٍ، وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفِضَّة لها ثمانية عشر غُصنًا أكثرها من ذهب، وفيها الشماريخ (٣) والأوراق الملونة، عليها طيور مصنوعة من الذهب والفِضَّة واللآلئ تصوِّتُ بأنواع الأصوات من الماء المسلَّط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركاتٍ عجيبة تُدْهش من يراها وينظر إليها، ثم أُدخل إلى مكان يسمونه الفِرْدَوْس، فيه أنواع المفارش والآلات ما لا يحدُّ ولا يوصف كثرة وحُسْنًا، وفي دَهاليزه ثمانية عشر ألف جَوْشَن (٤) مُذْهَب، وما زال كلَّما مَرَّ على مكان أدْهَشّه وأَخَذَ ببصره حتى انتهى إلى الخليفة المقتدر باللّه، وهو جالس على سريرٍ من آبَنُوس، قد فُرش بالدَّبيقي المطرَّز (٥)، وعن يمين السرير تسعة عقود (٦) معلَّقة، وعن يساره تسعة أخرى من أفخر الجواهر، يعلو ضوؤها على ضوء

стр. 5488

النَّهار (١)، فأُوقف الرسول والذي معه بين يدي الخليفة على نحو مئة ذراع، والوزير عليُّ بن محمَّد بن الفُرَات واقفٌ بين يدي الخليفة والتُّرْجُمان دون الوزير، فجعل الخليفة يخاطب الوزير والوزير يخاطب التُّرْجُمان، والتُّرْجمان يخاطبهما، ثم خَلَع عليهما (٢)، وأطلق لهما خمسين سقرقًا، في كل سقرق خمسة آلاف دِرْهم، وأُخرجا من بين يديه، وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافَات دِجْلة الفيلة والزَّرَافة والسِّبَاع والفُهود وغير ذلك، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السَّنة. وحجَّ بالنَّاس فيها الفَضْل الهاشمي. وممن توفي فيها من الأعيان: سليمان بن محمد بن أحمد أبو موسى (٣)، النَّحْوي الكوفي، المعروف بالحامض (٤). صَحِبَ ثَعْلبًا (٥) أربعين سنة، وخَلَفَه في حَلْقَته. وصنَّف "غريب الحديث"، و "خَلْق الإنسان"، و "الوحوش" و "النَّبات"، وكان دَيِّنًا صالحًا. روى عنه أبو عمر الزَّاهد (٦). توفي ببغداد في ذي الحِجَّة منها، ودُفِنَ بباب التِّبْن (٧). وعبد الله بن شِيْرَوَيْه الحافظ (٨)، وعِمْران بن مُجَاشِع (٩)، وأبو خليفة الفَضْل بن الحُباب (١٠).

стр. 5489

وقاسم بن زكريا بن يحيى المُطَرِّز المقرئ (١). أحد الثِّقات الأثبات. سَمِعَ أبا كُرَيْب، وسُوَيْد بن سعيد. وعنه: الخُلْدي، وابن الجِعَابي (٢). توفي ببغداد في هذه السَّنة. ثم دخلت سنة ست وثلاثمئة في أوَّل يوم من المُحرَّم وهو مستهل هذه السنة فُتح المارَسْتان الذي بنته السَّيِّدة أمُّ المقتدر، وجلس فيه سِنَان بن ثابت الطبيب، ورُتِّبت فيه الأطباء والخَدَم والقوَمة، وكانت نفقَتُه في كل شهر ستمئة دينار، وأشار سنان بن ثابت على الخليفة ببناء مارَسْتان، فقبل منه وبني، وسُمِّيَ المُقْتدري. وفيها وردت الأخبار عن أمراء الصَّوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الرُّوم. وفيها شَغَبَ العامة وأرجفوا بموت المقتدر بالله، فركب في الجحافل حتى بلغ الثُّريا، ورجع من باب العامة، ووقف طويلًا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشَّمَّاسية، وانحدر إلى دار الخلافة في دِجْلة، فَسَكَنتِ الفِتَن. وفيها قلَّد المقتدر حامدَ بنَ العبَّاس الوِزارة، وخَلَعَ عليه، وخرج من عنده وخَلْفَه أربعمئة غلام لنفسه، [فمكث أيامًا] (٣) ثم تبين عجزُه [عن القيام بالأمور] (٣) فأخرج علي بن عيسى وجُعل معه لينفذ الأمور، وينظر معه في الأعمال، وكان أبو علي بن مُقْلة ممن يكتب أيضًا بحضرة حامد بن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلي بن عيسى، واستقلَّ بالوزارة في السنة الآتية. وفيها أمرت السيدة أم المقتدر قَهْرمانةً لها تعرف بمثل أن تجلس في التُّرْبة التي بنتها بالرُّصافة في كل يوم جمُعة، وأن تنظرَ في المظالم التي ترفع إليها في القِصَص، وحَضَرَ في مجلسها القُضاة والفقهاء. وحجَّ بالنَّاس فيها الفَضْل بن عبد الملك الهاشمي.

стр. 5490

وممن توفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن الحارث (١)، أبو القاسم الكِلابي، الشَّافعي. سمع الحارث بن مسكين (٢)، وغيره، وكان رجلًا صالحًا، تفقَّه (٣) على مذهب الشَّافعي، [وكان] (٤) يحبُّ الخَلْوة والانقباض، توفِّيَ في شعبان منها. أحمد بن الحسن الصوفي (٥). أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمَّرين. أحمد بن عمر بن سُرَيج (٦) أبو العبَّاس، القاضي بشيراز، وله (٧) نحو أربعمئة مصنَّف. [وكان] (٨) أحد أئمة الشَّافعية، ويلقب بالباز الأشْهب، وكان قد أخذ الفِقْه عن أبي القاسم الأنْماطيِّ (٩)، وعن أصحاب الشَّافعي: كالمُزني (١٠) وغيره، وعنه انتشر مذهب الشَّافعي في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشافعية" بما فيه مقنع. توفي في جُمادى الأولى منها عن سَبْعٍ وخمسين سنة وستة أشهر، ﵀. وقال ابن خَلِّكان: توفي يوم الإثنين الخامس والعشرين من ربيع الأوَّل، وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر (١١)، وقبره يزار، ﵀ (١٢).

стр. 5491

أحمد بن يحيي (١) أبو عبد الله الجَلَّاء (٢). بغدادي، سكن الشَّام، وصَحبَ أبا تراب النَّخْشَبي (٣)، وذا النُّون المِصْري. روى أبو نُعَيْم بسنده عنه قال: قلت لأبويَّ وأنا شاب: إني أحبُّ أن تَهباني لله [فقالا: قد وهبناك لله] (٤)، فغِبْتُ عنهما مُدَّة طويلة، ثم رَجَعْتُ إلى بلدنا عِشاءً في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدققته (٥) فقالا: منْ هذا؟ فقلت: أنا فلان ولدكما، فقالا: إنه قد كان لنا ولد وَوَهَبْناه لله ، إنَّا من العرب (٦)، لا نَرْجِعُ فيما وهبنا. ولم يفتحا لي الباب (٧). الحسن بن يوسف بن [يعقوب بن] (٨) إسماعيل بن حمَّاد بن زيد (٩): القاضي أبو يعلي، وهو أخو القاضي أبي عمر محمد بن يوسف (١٠)، وكان إليه ولاية القَضاء بالأُرْدُنّ. عبد الله بنُ أحمد بن موسى بن زياد (١١): أبو محمد، الجَوَاليقي، القاضي، المعروف بعَبْدان، الأهْوازي. ولد سنة ست عشرة ومئتين. وكان أحدَ الحُفَّاظ الأثبات، يحفظ مئةَ ألفِ حديث، جَمَعَ المشايخ والأبواب. روى عن هُدْبة، وكامل بن طلحة، وغيرهما. وعنه: ابن صاعد، والمحاملي، وغيرهما.

стр. 5492

محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البَصْري (١): سكن بغداد، وحدَّث بها عن عبيد الله بن معاذ العَنْبري (٢)، وبِشْر بن معاذ العَقَدي، وغيرهما. وفي حديثه غرائب ومناكير (٣). توفي في شوَّال من هذه السنة. محمد بن الحسين بن شهريار (٤): أبو بكر، القَطَّان، بَلْخي الأصل. روى عن الفَلَّاس، وبشر بن معاذ. وعنه أبو بكر الشَّافعي، وابن الجِعابي. كذَّبه ابن ناجية، وقال الدَّارقُطْني: ليس به بأس. محمد بن خَلَف بن حَيَّان (٥) بن صَدَقة بن زياد (٦): أبو بكر الضَّبي، القاضي المعروف بوكيع. كان عالمًا فاضلًا عارفًا بأيام النَّاس، فقيهًا قارئًا نَحْويًا، له مصنَّفات؛ منها: كتاب "العَدَد" (٧)، وولي القضاء بالأهْواز. وحدَّث عن الحسن بن عَرَفة، والزبير بن بَكَّار وغيرهما. وعنه: أحمد بن كامل، وأبو علي الصَّوَّاف، وغيرهما. ومن شعره قوله: إذا ما غَدتْ طلَّابةُ العِلْم تَبْتَغي … مِنَ العِلْم يومًا ما يخلَّدُ في الكُتْبِ غَدَوْتُ بِتَشْميرٍ وجِدٍّ عليهمُ … وَمِحْبَرَتِي أُذْني (٨) ودَفْتَرُها قَلْبي

стр. 5493

منصور بن إسماعيل بن عمر (١): أبو الحسن الفقيه (٢)، أحد أئمة الشَّافعية، وله مصنَّفات في المذهب، وله الشعر الحسن. قال ابن الجَوْزي: ويظهرُ في شِعْره التشيع، وكان جُنْديًا، ثم كُفَّ بصره، وسكن الرَّمْلة، ثم قَدِم مصر حتى كانت وفاته بها (٣). أبو نصر المحب (٤): أحد مشايخ الصُّوفية، كان له كرمٌ وسخاء ومروءة (٥). ثمَّ دخلت سنة سبع وثلاثمئة في صفر منها وقع حريق بالكَرْخ في الباقلائيين، هلك فيه خَلْقٌ كثير من النَّاس. وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكُرْج (٦) نحو من مئة وخمسين أسيرًا أنقذهم الأمير بدر الحَمَامي (٧). وفي ذي القَعْدة [منها] (٨) انقضَّ كوكب عظيم غالب الضوء، وتقطع ثلاث قِطَع، وسُمِعَ بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غَيْم؛ ذكره ابن الجَوْزي (٩). وفيها دخلتِ القرامطة إلى البَصْرة؛ فأكثروا فيها الفساد. وفيها عُزِلَ حامد بن العَبَّاس عن الوزارة، وأُعيد إليها أبو الحسن علي بن عيسى (١٠).

стр. 5494

وفيها كسرتِ العامَّة أبوابَ السُجون؛ فأخرجوا من كان بها: فأدركتِ الشُّرَط الذين أُخرجوا من السَّجن، فلم يفتهم أحدٌ منهم، بل ردُّوا كلهم إلى السجون. وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة أحمد بن العبَّاس أخو أُم موسى القَهْرمانة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن علي بن المثنَّى (١) أبو يعلى المَوْصلى: صاحب "المسند" المشهور. سَمِعَ الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا كثيرًا (٢)، حسن التصنيف، عَدْلًا فيما يرويه، ضابطًا لما يحدِّث به. إسحاق بن عبد الله بن إبراهم بن عبد الله بن سَلَمة (٣): أبو يعقوب، البزَّاز، الكُوفي. رحل إلى الشَّام ومصر، وكتب الكثير، وصنَّف "المسند"، واستوطن بغداد، وكان من الثِّقات. وروى عنه: ابن المُظَفَّر الحافظ. وكانت وفاته في شوالها. جعفر بن محمد بن موسى (٤) أبو محمد الأعرج: النَّيْسابوري الحافظ. قدم بغداد، وروى عنه: الطبراني، والأَزْدي، وغيرهما من الحُفَّاظ، وكان ثقة، حافظًا، عارفًا. توفي بحلب في هذه السَّنة. زكريا بن يحيى السَّاجي (٥): الفقيه المحدِّث، شيخ أبي الحسن الأشْعري (٦) في السُّنَّة والحديث. علي بن سهل بن الأَزْهر (٧) أبو الحسن: الأصْبهاني.

стр. 5495

كان أولًا مترفًا، ثم صار (١) زاهدًا عابدًا، يبقى الأيام لا يأكل [فيها] (٢) شيئًا، وكان يقول: ألهاني الشوق [إلى الله] (٣) عن الطَّعام والشَّراب، وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالأعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أُدعي فأُجيب. فكان كما قال؛ بينما هو جالسٌ في جماعة إذ قال: لبيك، ووقع مَيْتًا. محمد بن هارون الرُّوياني: صاحب "المسند" (٤). وابن ذَرِيح (٥) العُكْبَرِي. والهيثم بن خَلَف (٦). ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمئة غلتِ الأسعار في هذه السنة ببغداد، فاضطربتِ العامة، وقصدوا دار حامد بن العَبَّاس الذي ضمن قرايا (٧) من الخليفة، فغلت الأسعار بسبب ذلك، وعَدَوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعُوه الخُطْبة، وكسروا المنابر ودكك (٨) الشُّرَط، وحرقوا جسورًا كثيرة، وأمر الخليفة بقتال العامة، ثم نَقَضَ الضَّمان الذي كان حامد بن العَبَّاس ضَمِنَه؛ فانحطتِ الأسعار، وأبيع الكُر (٩) بناقص خمسة دنانير؛ فطابت أنفس العامة بذلك وسكنوا. وفي تموز من هذه السنة وقع برد شديد جدًّا بحيث إن الناس نزلوا من الأسطحة، وتدثَّروا باللُّحُف والأكسية، ووقع في شتاء هذه السنة ثلج (١٠) عظيم، وكان فيها برد شديد جدًّا بحيث أضرَّ ذلك ببعض النخيل. وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة أحمد بن العَبَّاس أخو القَهْرمانة.

стр. 5496

وتوفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن سفيان الفقيه (١): راوي "صحيح مسلم" عنه. أحمد بن الصَّلْت (٢) بن المُغَلِّس، أبو العباس الحِمَّاني: أحد الوضَّاعين للأحاديث. روى عن عمِّه (٣) جُبَارة بن المُغَلِّس، وأبي نُعَيْم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عُبيد القاسم بن سلَّام، وغيرِهم أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك. وحكى عن يحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، وبشر بن الحارث أخبارًا كلها كذب. قال أبو الفرج بن الجَوْزي: قال لي محمد بن أبي الفَوارس: كان أحمد بن الصَّلْت يضع الحديث (٤). إسحاق بن أحمد الخُزاعي (٥). والمُفَضَّل الجَنَدي (٦). وعبد الله بن محمد بن وَهْب الدِّينوري (٧). وعبد الله بن ثابت بن يعقوب (٨) أبو محمد: المقوئ النَّحْوي، التَّوَّزِي. سكن بغداد، وروى عن عمر (٩) بن شَبَّة. وعنه أبو عمرو السَّمَّاك. ومن شِعْره (١٠): إذا لم تكنْ حافظًا واعيًا … فعِلْمُكَ في البيتِ لا ينفَعُ وتحضُرُ بالجَهْلِ في مَجْلسٍ … وعِلْمُكَ في الكُتْبِ مُسْتَوْدَعُ ومَنْ يكُ في دَهْره هكذا … يكنْ دَهرهُ القَهْقَرَى يَرْجعُ * * *

стр. 5497

ثم دخلت سنة تسع وثلاثمئة فيها وقع حريقٌ كثير في نواحي بغداد؛ وذلك بسبب زِنْديق قُتِلَ؛ فألقى منْ كان منْ جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك بسب ذلك خَلْقٌ كثير من النَّاس. وفيها في جمادى الأولى قلَّد المقتدر بالله مؤنسًا الخادمَ بلاد مِصْر والشَام، ولقَّبه المُظَفَّر، وكتب بذلك (١) في المراسلات إلى الآفاق. وفي ذي القَعْدة [منها] (٢) أُحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطُّبري ﵀ إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياءَ نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحدٌ منهم. وقدَّم الوزير حامد بن العَبَّاس للخليفة بستانًا بناه وسمَّاه النَّاعورة قيمتُهُ مئة ألف دينار، وفَرَشَ مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة. وفي هذه السنة كان مقتل الحسين بن منصور الحَلَّاج، ولنذكر شيئًا منْ ترجمته وسيرته، وكيفية مقتله على وجه الإيجاز وبيان المقصود (٣)، وهذه نُبْذة من سيرته وأحواله، وكشف سريرته وأقواله (٤). الحسين بن منصور (٥) بن مَحْمِي، الحَلَّاج، أبو مغيث: ويقال: أبو عبد الله، كان جده مجوسيًا اسمه مَحْمِي من أهل فارس (٦)، نشأ بواسط، ويقال بتُسْتر، ودخل بغداد، وتردد إلى مكة مرارًا للحج وجاور بها (٧) سنوات متفرقة، وكان يُصابر نفسَه ويجاهدُها، فلا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد في البرد والحرِّ، ولا يأكل إلا بعض قرص، ويشرب قليلًا من الماء معه، وذلك وفت الفُطور مدة سنة كاملة، ويجلس على صخرة في قتَاله (٨) الحَرِّ في جبل أبي قُبَيْس.

стр. 5498

وقد صحب جماعة من سادات مشايخ الصُّوفية، كالجُنيد بن محمد، وعمرو بن عُثْمان المكِّي، وأبي الحسين النُّوري. قال الخطيب البغدادي: والصُّوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلَّاج منهم، وأبى أن يعدَّه فيهم، وقَبِلَهُ من متقدِّميهم: أبو العَبَّاس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشِّيْرازي، وإبراهيم بن محمد النَّصْرَأباذي النَّيْسابوري، وصحَّحُوا له حاله، ودوَّنوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالمٌ ربَّاني (١). وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي - واسمه محمد بن الحسين - سَمِعْتُ إبراهيم بن محمد النَّصْرَ أباذي وعُوتب في شيء حُكي عن الحلاج في الرُّوح فقال لمن (٢) عاتبه: إن كان بعد النَّبيين والصدِّيقين موحِّدٌ فهو الحلَّاج. قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشِّبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمتُ. وقد رُوي عن الشِّبْلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبًا: ألم ننهك عن العالمين (٣)؟ قال الخطيب: والذين نفوه من الصُّوفية نسبوه إلى الشَّعبذة في فعله، وإلى الزَّندقة في عقد (٤). قال: وله إلى الآن أصحابٌ ينسبون إليه ويَغْلُون فيه (٥)، وقد كان الحلاج حسن العبارة، حلو المنطق (٦)، وله شِعْر على طريقة التصوف (٧). قلت: لم يزل النَّاس منذ قُتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فقد حُكي عن غير واحد من الأئمة (٨) اجتماعهم على قتله، وأنه (٩) كان كافرًا ممخرقًا، مموِّهًا مشعبذًا، وكذلك قول أكثر الصُّوفية فيه، ومنهم طائفة - كما تقدَّم - أجملوا القول فيه، وغرَّهم ظاهرُه، ولم يطَّلعوا على باطنه، وكأنه قد

стр. 5499

كان في ابتداء أمره فيه تعبُّد وتألُّه وسلوكٌ، ولكن لم يكن له عِلْم يَسْلُك به في عبادته، فدخل عليه الداخل بسبب ذلك كما قال بعض السَّلف: منْ عَبَد الله بغير عِلْم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه (١) وعن سُفْيان بن عُيينة أنه قال: مَنْ فسد من علمائنا كان فيه شَبَه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبهٌ من النَّصارى. ولهذا دخل على الحلَّاج باب الحلول والاتحاد، فصار من أهل الانحلال والإلحاد (٢). وقد ورد من غير وجه أنه تقلَّبت به الأحوال وتردَّد إلى البُلْدان، وأقام ببلدان شتى، وهو في ذلك كلِّه يُظهر للناس أنه من الدُّعاة إلى الله . وصحَّ أنه دخل الهند ليتعلَّم السِّحْر وقال: أدعو به إلى الله. وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث (٣)، ويكاتبه أهل تُرْكِسْتَان (٤) بالمقيت، ويكاتبه أهل خُرَاسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزَّاهد، وأهل خُوزستان بأبي عبد الله الزَّاهد حلَّاج الأسرار. وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم. وأهل البصرة يقولون له: المحبر (٥). ويقال: إنما سمَّاه الحلاج أهلُ الأهواز لأنه كان يكاشفهم عمَّا في ضمائرهم، وقيل: إنه قال لحلاج: اذهبْ لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول [بالحلج] (٦)، فقال: اذهَبْ، أنا أسُدُّ عنلك (٧)، فَذَهبَ ورجع سريعًا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود. فانماز الحبُّ عن القُطْن، وفي صحَّة هذا (٨) نظر (٩). وقيل: لأن أباه كان حَلَّاجًا. ومما يدُلُّ على أنه قد كان ذا حلول (١٠) في بَدْءِ أمره أشياءُ كثيرة، منها شِعْرُه (١١)، فمن ذلك قوله: جُبلَتْ رُوحكَ في روحي كما … يُجْبلُ العَنْبَرُ بالمِسْكِ الفَتِق (١٢)

стр. 5500

فإذا مَسَّكَ شيءٌ مسَّني … فإذا أنتَ أنا لا نفترقْ (١) وقوله أيضًا: مُزِجَتْ رُوحُكَ في روحي كما … تُمزجُ الخَمْرةُ بالماءِ الزُّلالْ فإذا مَسَّكَ شيءٌ مَسَّني … فإذا أنتَ أنا في كُلِّ حالْ (٢) وله أيضًا: قد تحقَّقْتُكَ في سِرِّ (م) … ي فناجاك (٣) لساني فاجْتَمَعْنا لمعانٍ (٤) … وافْتَرَقْنا لمعانِ إن يكن غَيَّبَكَ التَّعْـ … ـظيمُ عن لحظِ العِيَانِ فلقد صَيَّركَ الوَجْـ … ـدُ منَ الأَحْشَاءِ دانِ وقد أُنشد لابنِ عطاء قولُ الحلَّاج. أُريدكَ لا أُريدكَ للثوابِ … ولكنِّي أُريدكَ للعِقابِ وكل مآربي قد نِلْتُ منها … سوى ملذوذِ وَجْدي بالعَذَابِ (٥) فقال ابن عطاء: هذا مما يتزايد به عذاب الشَّغَف، وهيام الكَلَف، واحتراق الأسف، فإذا صفا ووفى علا إلى مشرب عَذْب، وهَطْلٍ من الحَقِّ دائمٍ سَكْبٍ. وقد أُنشد أبو عبد الله بن خفيف قولَ الحلَّاج: سُبْحانَ منْ أظهر ناسوتَه … سِرُّ سَنا لاهوتِهِ الثَّاقبِ ثُمَّ بدا في خَلْقه ظاهرًا … في صورةِ الآكلِ والشَّارِبِ حتَّى لقدْ عايَنَهُ خَلْقُهُ … كلَحْظةِ الحاجبِ بالحاجبِ (٦) فقال ابن خفيف: على من يقول هذا لعنة الله. فقيل له: إن هذا من شِعْر الحسين بن منصور. فقال: ربما يكون مقولًا عليه (٧).
следующие страницы →