← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

وتوفي فيها من الأعيان: إبراهيم بن سفيان الفقيه (١): راوي "صحيح مسلم" عنه. أحمد بن الصَّلْت (٢) بن المُغَلِّس، أبو العباس الحِمَّاني: أحد الوضَّاعين للأحاديث. روى عن عمِّه (٣) جُبَارة بن المُغَلِّس، وأبي نُعَيْم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عُبيد القاسم بن سلَّام، وغيرِهم أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك. وحكى عن يحيى بن مَعين، وعلي بن المديني، وبشر بن الحارث أخبارًا كلها كذب. قال أبو الفرج بن الجَوْزي: قال لي محمد بن أبي الفَوارس: كان أحمد بن الصَّلْت يضع الحديث (٤). إسحاق بن أحمد الخُزاعي (٥). والمُفَضَّل الجَنَدي (٦). وعبد الله بن محمد بن وَهْب الدِّينوري (٧). وعبد الله بن ثابت بن يعقوب (٨) أبو محمد: المقوئ النَّحْوي، التَّوَّزِي. سكن بغداد، وروى عن عمر (٩) بن شَبَّة. وعنه أبو عمرو السَّمَّاك. ومن شِعْره (١٠): إذا لم تكنْ حافظًا واعيًا … فعِلْمُكَ في البيتِ لا ينفَعُ وتحضُرُ بالجَهْلِ في مَجْلسٍ … وعِلْمُكَ في الكُتْبِ مُسْتَوْدَعُ ومَنْ يكُ في دَهْره هكذا … يكنْ دَهرهُ القَهْقَرَى يَرْجعُ * * *

стр. 5497

ثم دخلت سنة تسع وثلاثمئة فيها وقع حريقٌ كثير في نواحي بغداد؛ وذلك بسبب زِنْديق قُتِلَ؛ فألقى منْ كان منْ جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك بسب ذلك خَلْقٌ كثير من النَّاس. وفيها في جمادى الأولى قلَّد المقتدر بالله مؤنسًا الخادمَ بلاد مِصْر والشَام، ولقَّبه المُظَفَّر، وكتب بذلك (١) في المراسلات إلى الآفاق. وفي ذي القَعْدة [منها] (٢) أُحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطُّبري ﵀ إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياءَ نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحدٌ منهم. وقدَّم الوزير حامد بن العَبَّاس للخليفة بستانًا بناه وسمَّاه النَّاعورة قيمتُهُ مئة ألف دينار، وفَرَشَ مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة. وفي هذه السنة كان مقتل الحسين بن منصور الحَلَّاج، ولنذكر شيئًا منْ ترجمته وسيرته، وكيفية مقتله على وجه الإيجاز وبيان المقصود (٣)، وهذه نُبْذة من سيرته وأحواله، وكشف سريرته وأقواله (٤). الحسين بن منصور (٥) بن مَحْمِي، الحَلَّاج، أبو مغيث: ويقال: أبو عبد الله، كان جده مجوسيًا اسمه مَحْمِي من أهل فارس (٦)، نشأ بواسط، ويقال بتُسْتر، ودخل بغداد، وتردد إلى مكة مرارًا للحج وجاور بها (٧) سنوات متفرقة، وكان يُصابر نفسَه ويجاهدُها، فلا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد في البرد والحرِّ، ولا يأكل إلا بعض قرص، ويشرب قليلًا من الماء معه، وذلك وفت الفُطور مدة سنة كاملة، ويجلس على صخرة في قتَاله (٨) الحَرِّ في جبل أبي قُبَيْس.

стр. 5498

وقد صحب جماعة من سادات مشايخ الصُّوفية، كالجُنيد بن محمد، وعمرو بن عُثْمان المكِّي، وأبي الحسين النُّوري. قال الخطيب البغدادي: والصُّوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلَّاج منهم، وأبى أن يعدَّه فيهم، وقَبِلَهُ من متقدِّميهم: أبو العَبَّاس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشِّيْرازي، وإبراهيم بن محمد النَّصْرَأباذي النَّيْسابوري، وصحَّحُوا له حاله، ودوَّنوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالمٌ ربَّاني (١). وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي - واسمه محمد بن الحسين - سَمِعْتُ إبراهيم بن محمد النَّصْرَ أباذي وعُوتب في شيء حُكي عن الحلاج في الرُّوح فقال لمن (٢) عاتبه: إن كان بعد النَّبيين والصدِّيقين موحِّدٌ فهو الحلَّاج. قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشِّبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمتُ. وقد رُوي عن الشِّبْلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبًا: ألم ننهك عن العالمين (٣)؟ قال الخطيب: والذين نفوه من الصُّوفية نسبوه إلى الشَّعبذة في فعله، وإلى الزَّندقة في عقد (٤). قال: وله إلى الآن أصحابٌ ينسبون إليه ويَغْلُون فيه (٥)، وقد كان الحلاج حسن العبارة، حلو المنطق (٦)، وله شِعْر على طريقة التصوف (٧). قلت: لم يزل النَّاس منذ قُتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فقد حُكي عن غير واحد من الأئمة (٨) اجتماعهم على قتله، وأنه (٩) كان كافرًا ممخرقًا، مموِّهًا مشعبذًا، وكذلك قول أكثر الصُّوفية فيه، ومنهم طائفة - كما تقدَّم - أجملوا القول فيه، وغرَّهم ظاهرُه، ولم يطَّلعوا على باطنه، وكأنه قد

стр. 5499

كان في ابتداء أمره فيه تعبُّد وتألُّه وسلوكٌ، ولكن لم يكن له عِلْم يَسْلُك به في عبادته، فدخل عليه الداخل بسبب ذلك كما قال بعض السَّلف: منْ عَبَد الله بغير عِلْم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه (١) وعن سُفْيان بن عُيينة أنه قال: مَنْ فسد من علمائنا كان فيه شَبَه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبهٌ من النَّصارى. ولهذا دخل على الحلَّاج باب الحلول والاتحاد، فصار من أهل الانحلال والإلحاد (٢). وقد ورد من غير وجه أنه تقلَّبت به الأحوال وتردَّد إلى البُلْدان، وأقام ببلدان شتى، وهو في ذلك كلِّه يُظهر للناس أنه من الدُّعاة إلى الله . وصحَّ أنه دخل الهند ليتعلَّم السِّحْر وقال: أدعو به إلى الله. وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث (٣)، ويكاتبه أهل تُرْكِسْتَان (٤) بالمقيت، ويكاتبه أهل خُرَاسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزَّاهد، وأهل خُوزستان بأبي عبد الله الزَّاهد حلَّاج الأسرار. وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم. وأهل البصرة يقولون له: المحبر (٥). ويقال: إنما سمَّاه الحلاج أهلُ الأهواز لأنه كان يكاشفهم عمَّا في ضمائرهم، وقيل: إنه قال لحلاج: اذهبْ لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول [بالحلج] (٦)، فقال: اذهَبْ، أنا أسُدُّ عنلك (٧)، فَذَهبَ ورجع سريعًا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود. فانماز الحبُّ عن القُطْن، وفي صحَّة هذا (٨) نظر (٩). وقيل: لأن أباه كان حَلَّاجًا. ومما يدُلُّ على أنه قد كان ذا حلول (١٠) في بَدْءِ أمره أشياءُ كثيرة، منها شِعْرُه (١١)، فمن ذلك قوله: جُبلَتْ رُوحكَ في روحي كما … يُجْبلُ العَنْبَرُ بالمِسْكِ الفَتِق (١٢)

стр. 5500

فإذا مَسَّكَ شيءٌ مسَّني … فإذا أنتَ أنا لا نفترقْ (١) وقوله أيضًا: مُزِجَتْ رُوحُكَ في روحي كما … تُمزجُ الخَمْرةُ بالماءِ الزُّلالْ فإذا مَسَّكَ شيءٌ مَسَّني … فإذا أنتَ أنا في كُلِّ حالْ (٢) وله أيضًا: قد تحقَّقْتُكَ في سِرِّ (م) … ي فناجاك (٣) لساني فاجْتَمَعْنا لمعانٍ (٤) … وافْتَرَقْنا لمعانِ إن يكن غَيَّبَكَ التَّعْـ … ـظيمُ عن لحظِ العِيَانِ فلقد صَيَّركَ الوَجْـ … ـدُ منَ الأَحْشَاءِ دانِ وقد أُنشد لابنِ عطاء قولُ الحلَّاج. أُريدكَ لا أُريدكَ للثوابِ … ولكنِّي أُريدكَ للعِقابِ وكل مآربي قد نِلْتُ منها … سوى ملذوذِ وَجْدي بالعَذَابِ (٥) فقال ابن عطاء: هذا مما يتزايد به عذاب الشَّغَف، وهيام الكَلَف، واحتراق الأسف، فإذا صفا ووفى علا إلى مشرب عَذْب، وهَطْلٍ من الحَقِّ دائمٍ سَكْبٍ. وقد أُنشد أبو عبد الله بن خفيف قولَ الحلَّاج: سُبْحانَ منْ أظهر ناسوتَه … سِرُّ سَنا لاهوتِهِ الثَّاقبِ ثُمَّ بدا في خَلْقه ظاهرًا … في صورةِ الآكلِ والشَّارِبِ حتَّى لقدْ عايَنَهُ خَلْقُهُ … كلَحْظةِ الحاجبِ بالحاجبِ (٦) فقال ابن خفيف: على من يقول هذا لعنة الله. فقيل له: إن هذا من شِعْر الحسين بن منصور. فقال: ربما يكون مقولًا عليه (٧).

стр. 5501

ومما ينسب إليه من الشعر قوله: أرْسَلْتَ (١) تسألُ عنّي كيفَ كنتُ وما … لاقيتُ بَعْدَك منْ هَمٍّ ومن (٢) حَزَنِ لا كنتُ إن كنتُ أدري كيف كنتُ ولا … لا كنتُ إن كنت (٣) أدري كيف لم أكنِ (٤) قال القاضي ابن خَلِّكان: ويُروى لسَمْنُون لا للحَلَّاج (٥). ومن شعره أيضًا فوله: متى سَهِرتْ عيني لغيركَ أو بَكَتْ … فلا أُعْطيتْ ما مُنِّيَتْ وَتَمنَّتِ (٦) وإن أضْمَرَتْ نفسي سِواكَ فلارَعَتْ … رياضَ المُنى منْ وَجْنَتيكَ وجُنَّتِ (٧) ومن شِعْره أيضًا: دُنيا تُغَالِطُني كأنِّـ … ـي لستُ أعرفُ حالَها حَظَرَ المليكُ حَرَامها … وأنا احتميتُ حلالَها وَوَجَدْتُها محتاجةً … فوهَبْتُ لذَّتها لها (٨) وقد كان [الحلاج] (٩) يتلوَّن في ملابسه، فتارةً يَلْبَسُ لباسَ الصُّوفيَّة، وتارةً يتجرَّد في ملابس مُزْرية، وتارة يلبس لباس الأجناد، ويعاشر أبناء الدُّنْيا (١٠)، وقد رآه بعضُهم (١١) في لباس رثٍّ وبيده رَكْوة وعُكَّاز، وهو سائحٌ، فقال له: ما هذه الحال (١٢)؟ فأنشأ يقول: لئن أمسيتُ في ثَوْبي عديمٍ … لقد بَلِيا على حُرٍّ كريمِ فلا يَغْرُرْكَ إن أبْصَرْتَ حالًا … مغيَّرةً عن الحالِ القديمِ

стр. 5502

فلي نَفْسٌ ستتلفُ أو سترقى … - لَعَمْرُك (١) - بي إلى أمرٍ جسيمِ (٢) ومن مستجاد كلامه قوله وقَدْ سأَله رجلٌ أن يوصيه بشيء ينفعُه (٣). فقال: عليك بنفسك، إن لم تَشْغَلْها بالحقِّ شغلتك (٤) عن الحقِّ. وقال له رجلٌ: عظني. فقال: كُن مع الحقِّ بحكم ما أوجب. وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: عِلْم الأوَّلين والآخرين مرجعُه إلى أربع كلمات: حُب الجليل وبُغْض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل (٥). قلت: وقد أُصيب (٦) الحلَّاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبعِ التنزيل، ولم يبق على الاستقامة، بل تحوَّل عنها إلى الاعوجاج والبِدْعة [والضلالة] (٧)، نسأل الله العافية. وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: حُكي (٨) عن عمرو بن عُثْمان المكِّي أنه قال: كنتُ أُماشي الحَلَّاج في بعض أزِقَّة مكَّة وكنت أقرأُ القرآن، فسمع قراءتي فقال: يُمكنني أن أقول مثل هذا. ففارقته (٩). وقال الخطيب: حدثني مسعود بن ناصر، أنبأنا ابن باكُوية الشِّيْرازي [قال]: سمعت أبا زُرْعة الطَّبري يقول: الناس فيه - يعني الحسين بن منصور - بين قَبُولٍ وردٍّ، ولكن سمعت محمد بنَ يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قَدَرْتُ عليه لقتلته بيدي. فقلت: أيش الذي وجد الشَّيْخ عليه؟ قال: قرأت آيةً من كتاب الله، فقال: يُمكنني أن أؤلِّفَ مِثْلَه وأتكلَّم به (١٠). قال أبو زُرْعة الطَّبري: وسَمِعْتُ أبا يعقوب الأقْطع، يقول: زوَّجت ابنتي من الحسين بن منصور لمَا رأيتُ من حُسْن طريقته واجتهاده، فبان لي [منه] (١١) بعد مُدَّة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيثٌ كافر (١٢).

стр. 5503

قلت: كان تزويجه بها بمكة، وهي أُم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع، فأولدَها ولده حَمْد (١) بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريقه الخطيب (٢). وقد ذكر أبو القاسم القُشَيْري في كتاب "الرسالة" في باب حِفْظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئًا في أوراق، فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القُرْآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها (٣). وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته. وكتبَ (٤) إلى الآفاق كتبًا كثيرة يلعنه فيها ويحذر النَّاس منه، فَشَرَدَ الحلَّاج في البلاد، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، وجعل يُظهر للناس أنه يدعو إلى الله ، ويستعين بأنواع من الحيل والمحال، ولم يزل ذلك دأبُه وشأنه حتى أحلَّ الله به بأسه الذي لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشَّرْع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، واللّه أكرم (٥) من أن يسلِّطه على صدِّيق، كيف وقد تهجَّم (٦) على القرآن العظيم، وأراد معارضته في البلد الحرام الكريم (٧)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ولا إلحاد أعظم من هذا. وقد أشبه في حاله هذا كفار قريش ومعانديهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]. ذكر أشياء من حيل الحلَّاج روى الخطيب البغدادي أن الحلاج أنفذ رجلًا بين يديه إلى بعض بلاد الجبل، فأقام بتلك البلدة يُظهر لهم الصَّلاح والنُّسُك، ويقرئ القرآن، فأقام مدة على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد عَمِيَ، فمكث حينًا على ذلك، ثم أظهر أنه قد زَمِنَ، فكان أولًا يقاد إلى المسجد، ثم صار يُحمل، فمكث سنة كذلك، ثم قال لهم: إني رأيت رسولَ الله ﷺ مع في المنام، وهو يقول لي: سيرد إلى هذه البلدة رجل صالح يكون شفاؤك على يديه. فما كان عن قريب حتى حان الوقت الذي واعده فيه الحلاج، ودخل الحلَّاج البلدة مختفيًا وعليه ثياب صوف بيض، فلزم ساريةً من المسجد يتعبد فيها لا يلتفت إلى أحد، فابتدر النَّاس إلى

стр. 5504

ذلك المتعافي المتزامن، فقيل له: قدم رجل صالح، فهلمَّ إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه، فكلَّمه فعرفه، فقال له: يا عبد الله، إني رأيت رسولَ الله ﷺ في المنام، وهو يقول لي كذا وكذا، فعسى أن تكون أنت إياه. فرفع يديه ودعا الله عر وجلَّ له، والناس حضور متكاثرون ينظرون ماذا يكون من أمره، ففتح الرجل عينيه، وقام قائمًا على قدميه، فضجَّ الناس، وعظَّموا الحلاج تعظيمًا زائدًا - وليس ذلك بحقٍّ - فأقام عندهم مُدَّة، ثم خرج من بين أظهرهم، وبقي ذلك الرجل عندهم مدة شهور، ثم قال: إن من نعمة الله عليَّ أن ردَّ عليَّ بصري، وينبغي أن أجاهد في سبيله بثغر طَرَسُوس. فعزم على ذلك، فجمعوا له من بينهم مالًا جزيلًا، ألوفًا من الذهب، والفضة، ثم ودَّعهم وودَّعوه، فذهب إلى الحلَّاج، فاقتسما ذلك المال (١).

стр. 5505

وروي عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلَّاج له أحوال [وكرامات] (١)، فأحببتُ أن أختبره فجئت، فسلَّمت عليه فقال لي: تَشَهَّ عليَّ السَّاعة (٢). فقلت: اْشتهي سمكًا طريًا. فدخل منزله، فغاب ساعة، ثم خرج [علي] (٣) ومعه سمكة تضطرب ورِجلاه عليهما الطِّين فقال: دعوتُ الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه [السمكة] (٤)، فخضتُ الأهواز وهذا الطِّين منها. فقلت: إن شئتَ أدخلتني منزلك لأكشف أمرك (٥)، فإن ظهرتُ على شيء وإلا آمنتُ بك. فقال: ادخل. فدخلت (٦)، فلم أجد في البيت منفذًا إلى غيره، فتحيَّرْتُ في أمره، ثم نظرتُ فإذا تأزير (٧)، فكشفته، فإذا من ورائه باب، فدخلتُ، فخرجت منه إلى بُسْتان هائل (٨)، فيه من سائر الثِّمار الجديدة والمعتقة (٩)، قد أُحسن إبقاؤها. هاذا أشياء كثيرة مُعَدَّة للأكل، وإذا هناك بِرْكة كبيرة فيها سمك كثير [صغار] (١٠) كبار، فدخَلْتُها، فاخرجت منها واحدةً، فنال رجليَّ من الطِّين كما نال رجليه، وجئتُ إلى الباب، فقلت له: افتح فقد آمنت بك. فلما خرجت ورآني على مثل حاله جرى ورائي ليقتلني، فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله، أتعبتني في هذا اليوم. ولما خَلَصْتُ منه لقيني بعد ذلك (١١) فضاحكني وقال: لا تُفْشِ هذا لأحد، أبعث (١٢) إليك من يقتلك وأنت على فراشك. قال (١٣): فلم أحدَّث به [أحدًا] (١٤) حتى صُلِب (١٥).

стр. 5506

وقد قال [الحلاج] (١) يومًا لرجلٍ: آمن بي حتى أبعث إليك بعصفورة تأخذ من ذَرْقها (٢) وزن حبة فتضعه على كذا وكذا رطلًا من نحاسٍ فيصير ذهبًا. فقال له الرجل: آمن بي أنت حتى أبعث إليك بفيلٍ إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمُه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدي عينيك. قال: فبُهتَ وسكت (٣). ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه، ويُظهر أشياء من المخاريق (٤) وغيرها من الأحوال الشَّيْطانية، وأكثر ما كان يَرُوج على الرافضة لقلَّة عقولهم [وضعف] (٥) تمييزهم بين الحقِّ والباطل. فاستدعى يومًا برئيس من الرَّافضة، فدعاه إلى الإيمان به، فقال له الرجل: إني رجل أحبُّ النِّساء وإني أصلع الرَّأس، وقد شِبْتُ، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت (٦) أنك الإمام المعصوم، وإن شئتَ قلتُ إنك نبيٌّ، وإن شئت قلتُ إنك أنت الله. قال: فبُهتَ الحلاج، ولم يحر إليه جوابًا (٧). قال الشَّيْخ أبو الفرج بن الجَوْزي: كان [الحلاج] (٨) متلونًا كثير التلون، وتارة يَلْبس المُسوح (٩)، وتارة يلبس الدُّرَّاعة (١٠)، وتارة يلبس القَبَاء (١١)، وهو مع كل قوم على مَذْهبهم: إن كانوا سُنَّة أو رافضة أو معتزلة (١٢) أو غير ذلك، ولما أقام بالأهواز وجعل يُنفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القُدْرة، فسئل الشيخ أبو علي الجُبَّائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يُنال بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتًا لا منفذ له، ثم سلوه أن يُخرج لكم جُرْزتين (١٣) منْ شوك. فلما بلغ الحلاج كلام أبي علي الجُبَّائي فيه تحول من الأهواز (١٤).

стр. 5507

وقال الخطيب: أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد، أنبأنا إسماعيل بن علي الخُطَبي (١) في "تاريخه" قال: وظهر أمر رجل يُعرف بالحلَّاج يقال له الحسين بن منصور، وكان في حَبْس السُّلْطان بسعاية فيه، في وزارة علي بن عيسى الأولى، وذُكر عنه ضروبٌ من الزَّنْدقة ووضع الحيل على تضليل النَّاس، من جهات تشبه الشعوذة والسِّحر، وادّعاء النُّبوة، فكشفه عليُّ بنُ عيسى عند قبضه عليه، وأنهى خبره إلى السلطان - يعني (٢) المقتدر بالله - فلم يقرَّ بما رُمي به من ذلك، فعاقبه وصلبه حيًا أيامًا متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غُدْوة، ويُنادى عليه بما ذُكر عنه، ثم يُنزل، ثم يُحبس، فأقام في الحَبْس سنين كثيرة، يُنقل من حبس إلى حبس (٣)، حتى حُبس بأخَرَة في دار السُّلْطان، فاستغوى جماعةً من غِلْمان السلطان، وموَّه عليهم، واستمالهم بضروبٍ من حِيلِهِ، حتى صاروا يحمونه ويَدْفعون عنه ويرفِّهونه (٤)، ثم راسل جماعةً من الكُتَّاب وغيرهم ببغداد وغيرها، فاستجابوا له، وتراقى به الأمر حتى ذُكر أنه ادَّعى الرّبوبية، وسُعي بجماعةٍ من أصحابه إلى السُّلْطان، فقبض عليهم، ووجد عند بعضهم كتبًا له تدل على تصديق ما ذُكر عنه، وأقرَّ بعضهم بلسانه بذلك، وانتشر خبره، وتكلَّم النَّاس في قتله، فأمر أمير المؤمنين بتسليمه إلى حامد بن العبَّاس، وأمر أن يكشفَه بحضرة القُضَاة (٥)، ويجمع بينه وبين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطانُ أمره، ووقف على ما ذكر له عنه (٦)، فأمر بقتله وإحراقه بالنَّار، فأُحضر مجلس الشُّرطة بالجانب الغربي في يوم الثّلاثاء لسبع (٧) بقين من ذي القَعْدة سنةَ تسعٍ وثلاثمئة، فضرب بالسِّياط نحوًا من ألف سَوْط، وقُطعت يداه ورجلاه، وضُربت عنقه، وأُحرقت جثته بالنار، ونُصب رأسه للنَّاس على سور الجسر الجديد، وعلِّقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه (٨). وقال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرَّازي: قال أبو بكر بن مُمْشاد (٩): حَضَر عندنا بالدِّينور رجلٌ ومعه مخلاة فما كان يفارقها

стр. 5508

بالليل ولا بالنهار (١)، ففتشوا المخلاة، فوجدوا فيها كتابًا للحلاج عنوانه: "من الرَّحمن الرحيم إلى فلان بن فلان" (٢)، فبُعِثَ به (٣) إلى بغداد، فسئل الحلاج عن ذلك فأقَرَّ أنه كتبه، فقالوا: كنت تَدَّعي النبوة فصرت تدعي (٤) الربوبية؟! فقال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ فقيل له: معك على هذا أحد؟ قال: نعم، ابن عطاء، وأبو محمد الجريري (٥)، وأبو بكر الشِّبْلي. فسئل الجَريري عن ذلك فقال: منْ يقول بهذا كافر. وسُئِلَ الشِّبْلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال بقَوْل الحلاج في ذلك، فعوقب حتى كان سبب هلاكه (٦). ثم روى أبو عبد الرحمن السُّلَمي عن محمد بن عبد الله (٧) الرَّازي أن الوزير حامد بن العبَّاس لما حضر الحلاج سأله عن اعتقاده فكتبه، فسأل عن ذلك فقهاء بغداد، فأنكروا ذلك (٨) فقيل للوزير: إنَّ أبا العباس بن عطاء يقول بهذا. فطلبه إلى منزله (٩)، فجاء فجلس في صَدْر المجلس، وسأله عن ذلك فقال: منْ لا يقول بهذا (١٠) فهو بلا اعتقاد. فقال له الوزير: ويحك، تصوِّبُ مثل هذا الاعتقاد؟! فقال [ابن عطاء] (١١): ما لك ولهذا، عليك بما نُصبت له من أخذ أموال النَّاس وظُلْمهم وقَتْلهم، مالك ولكلام هؤلاء السَّادة (١٢)، فأمر الوزير [عند ذلك] (١٣) بضرب شِدْقيه، ونَزْع خُفَّيه، وأن يضرب بهما رأسه (١٤)، فما زال يُفْعل ذلك به حتى سال الدَّمُ من مَنْخِريْه، وأمر بسجنه. فقيل له: أيها الوزير، إن العامة تشوَّش بهذا (١٥). فحُمل إلى منزله، فقال ابنُ عطاء: اللهم، اقتله أخبث قتلة، واقطع يديه

стр. 5509

ورجليه. فمات ابن عطاء بعد سبعة أيام، وقتل الوزير بعد ذلك شر قتلة، وقطعت يداه ورجلاه، وأُحرقت داره (١). وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحَلَّاج وزندقته، وأجمعوا على قتله وصَلْبه (٢). قال أبو بكر محمد بن داود الظَّاهري: حين أُحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبي بكر، وسُئِلَ عنه فقال: إن كان ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقًا، وما جاء به حق، فما يقوله الحلَّاج باطل. وكان شديدًا عليه (٣). وقال أبو بكر الصُّولي: قد رأيتُ الحلاج وخاطبته، فرأيتُه جاهلًا يتعاقل، وغبيًا يتبالغ، وفاجرًا يتزهد (٤). ولما صُلبَ في أوَّل مرة، ونودي عليه أربعة أيام سَمِعَه بعضُهم وقد جيء به ليصلب وهو راكب على بقرة [يقول] (٥): ما أنا بالحلاج، ألقي عليَّ شَبَهه وغاب. فلما أُدني إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته يقول: يا معين الفَنَا عليَّ أعنِّي على الفنا (٦). وقال بعضهم: سمعته وهو مصلوب يقول: إلهي، أصبحتُ في دار الرَّغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي، إنك تتودَّد إلى من يؤذيك، فكيف بمن يُؤْذى فيك (٧). ذكر صفة مقتل الحلَّاج قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قَدِمَ آخر قَدْمةٍ إلى بغداد، فصحب الصُّوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العبَّاس، فبلغه أن الحلاج قد أضلَّ خَلْقًا من الحشم والحُجَّاب في

стр. 5510

دار السُّلْطان، ومن غِلْمان نَصْر القشوري الحاجب، وزعم لهم أنه يحيي الموتى، وأن الجنَّ يخدمونه، ويحضرون له ما يختاره ويشتهيه (١). وقال: إنه قد أحيا عِدَّة من الطَّير. وذُكرَ لعلي بن عيسى أن رجلًا يقال له محمد بن علي القُنَّائي (٢) الكاتب يعبُدُ الحلَّاج، ويدعو النَّاس إلى ذلك، فطلبه وكَبَسَ منزله، [فأخذه] (٣) فأقرَّ أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخطِّ الحلاج مكتتبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود. ووجد عنده سَفَطًا (٤) فيه من رجيع (٥) الحلاج وبوله، وأشياء من آثاره، وبقية الخبز من زاده، فطلب الوزير من الخليفة المقتدر أن يتكلَّم في أمر الحلاج، ففوَّض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلَّاج، فتهدَّدهم، فاعترفوا له أنه قد صحَّ عندهم أنه إله (٦)، وأنه يحيي الموتى، وكاشفوا الحلاج بذلك (٧)، فجحده (٨) وكذَّبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النُّبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأُكثر (٩) الصَّوْم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك. وجعل لا يزيد على الشَّهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمتُ نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وكانت عليه مِدْرعة (١٠) سوداء، وفي رجليه ثلاثة عشر قيدًا، وهي واصلة إلى ركبتيه. قالوا: وكان مع ذلك يصلِّي في كل يوم وليلة ألف ركعة (١١). وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العبَّاس عليه في حُجْرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونًا لمن يدخل إليه، وكان يسمِّي نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نَصْر الحاجب قد افتتن به، وظنَّ أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فَرَقاه من وجعٍ حَصَلَ له، فاتفق زواله [عنه] (١٢) وكذلك وقع لوالدته السيدة أم المقتدر، فزالت عِلَّتها، فنَفقَ سوقه، وحظي في دار السلطان، فلما انتشر الكلام فيه سُلِّم إلى الوزير حامد بن العباس، فحبسه في قيود كثيرةٍ في رجليه،

стр. 5511

وجمع له الفقهاء، فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق. ورجع [عنه] (١) رجلان صالحان ممن كان اتبعه، أحدهما: أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي (٢)، والآخر يقال له الدَّبَّاس، فذكرا من فضائحه، وما كان يدعو النَّاسَ إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئًا كثيرًا، وكذلك أُحضرت زوجة ابنه سليمان، فذكرت عنه فضائح كثيرة؛ من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصَّلاة، وإنما كان يريد أن يطأها. وأمر ابنتها (٣) بالسُّجود له، فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟! فقال: نعم، إله في السَّماء وإله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت باريَّة (٤) هنالك ما أحبت (٥)، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبذورة (٦). ولما كان معتقلًا في دار حامد بن العباس دخل عليه بعض الغِلْمان، ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام (٧)، وألقى ما كان في يده من ذلك الطَّبق والطعام، ورجع محمومًا، فمرض عِدَّة أيام (٨). ولما كان آخر مجلس (٩) أُحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، وجيء بالحلاج، وقد أُحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحجَّ ولم يتيسر له، فليبن في داره بيتًا لا يناله شيء من النجاسات، ولا يمكِّن أحدًا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام، وليطف به كما يُطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعي بثلاثين يتيمًا فيطعمهم من طعامه،

стр. 5512

ويتولَّى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصًا قميصًا، ويعطي كل واحدٍ [منهم] (١) سبعة دراهم - أو قال: ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج (٢). وأن من صام ثلاثة أيام لا يُفْطر إلا في اليوم الرَّابع على ورقات هِنْدَبا (٣) أجزأه ذلك عن صيام رمضان. ومن صلَّى في ليلةٍ ركعتين من أوَّل الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك. وأن من جاور بمقابر الشُّهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلِّي ويدعو ويصوم، ثم لا يُفْطر إلا على شيء من خُبْز الشعير والملح الجريش (٤) أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ فقال: من "كتاب الإخلاص" للحسن البَصْري. فقال له: كذبت يا حلالَ الدَّم، قد سمعنا "كتاب الإخلاص" للحسن بمكة، وليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير حامد بن العباس على القاضي أبي عمر فقال له: قد قلتَ يا حلالَ الدم، فاكتبْ ذلك في هذه الورقة. وألحَّ عليه، وقدَّم إليه الدَّواة، فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب منْ حضر خطوطهم فيها، وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حِمَى، ودمي حَرَام، وما يحلُّ لكم أن تتأولوا عليَّ [ما يبيحه] (٥) واعتقادي الإسلام، ومذهبي السُّنَّة، وتفضيل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزُّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، ولي كتب في السُّنَّة موجودة في الورَّاقين، فاللهَ اللهَ في دمي. فلا يلتفتون (٦) إلى شيءٍ مما يقول. وهو يكرره وهم يكتبون خُطوطهم بما كان من الأمر، ورُدَّ الحلاج إلى محبسه، وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظنُّ الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول: إن الحلاج قد اشتهر أمره، ولم يختلف فيه اثنان، وقد افتتن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يُسلَّم إلى محمد بن عبد الصَّمد؛ صاحب الشُّرْطة، فليضربه ألف سَوْط، فإن مات وإلا ضُربَتْ عنقه. فَفَرحَ الوزير بذلك، وطلب صاحب الشُّرْطة، فسلَّمه إليه، وبعث معه طائفةً من غِلْمانه يوصلونه معه إلى محل الشُّرْطة من الجانب الغربي خوفًا من أن يُستنقذ من أيديهم، وذلك بعد عِشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القَعْدة من هذه السَّنة. وركب على بغل عليه إكاف (٧)،

стр. 5513

وحوله جماعة من السَّاسة (١) على مثل شَكْله، فاستقر منزله بدار الشُّرْطة في هذه الليلة، فَذُكر أنه بات يصلِّي في هذه الليلة، ويدعو دعاء كثيرًا (٢). فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: سمعت أبا بكر الشَّاشي يقول: قال أبو الحديد - يعني المصري (٣) -: لما كانتِ الليلة التي قُتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلَّى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائمًا فتغطى بكسائه، ومدَّ يديه نحو القِبْلة، فتكلَّم بكلام جاز (٤) الحِفْظ، فكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك، نلوذ بسنا عزك لتبدي (٥) ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السَّماء إله وفي الأرض إله، تتجلَّى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصُّورة، والصورة فيها الرُّوح الناطقة بالعِلْم والبيان والقُدْرة، ثم أوعزت إلى شاهدك الآنيِّ في ذاتك الهُوي كيف أنت إذا مثَّلْتَ بذاتي عند عقيب كرَّاتي (٦)، ودَعَوتَ إلى ذاتي بذاتي، وأبديتَ حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في معارجي إلى عروش أزلياتي عند القول من بريَّاتي (٧)، إني احتُضرتُ وقُتِلْتُ وصُلبت وأحرقت واحتملت سافياتي الذَّاريات، ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هاكول (٨) متجلياتي لأعظم من الرَّاسيات، ثم أنشأ يقول: أنْعَى إليك نفوسًا طاحَ شاهِدُها … فيما ورا الحيث أوْفَي شاهد القِدَم (٩) أنعى إليك قلوبًا طالما هَطَلَتْ … سحائبُ الوَحْي فيها أبْحُرَ الحِكَمِ أنعى إليك لسانَ الحقِّ منكَ ومَنْ … أوْدَى وتَذْكارُهُ في الوَهْمِ كالعَدَمِ أنعى إليك بَيَانًا تستكينُ لهُ … أقوالُ كلِّ فصيحٍ مِقولٍ فَهِمِ

стр. 5514

أنعى إليكَ إشاراتِ العقولِ معًا … لم يبقَ منهنَّ إلَّا دارسُ العَلَمِ (١) أنعى وحُبِّكَ أخلاقًا لطائفةٍ … كانتْ مطاياهمُ من مُكْمدِ الكظمِ مضَى الجميعُ فلا عَيْنٌ ولا أثرٌ … مضيَّ عادٍ وفُقْدانَ الأُلى إرَمِ وخَلَّفوا معشرًا يحذونَ لبستهمْ … أعْمَى من البُهْم بلْ أعمى من النَّعَم (٢) قالوا: ولما أُخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد: طَلَبْتُ المُسْتقرَّ بكلِّ أرضٍ … فَلَمْ أرَ لي بأَرْضٍ مستقرَّا أطَعْتُ مطامعي فَاسْتَعْبَدتني … وَلَوْ أنِّي قَنِعْتُ لعشتُ حُرَّا (٣) وقيل: إنه قالها حين قُدّم إلى الجذع ليصلب عليه، والمشهور ما ذكرناه. ثم مشى (٤) وهو يتبختر في مشيته، وفي رجليه ثلاثة عشَرَ قيدًا، وجعل ينشد: نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ … إلى شيءٍ من الحَيْفِ سَقَاني مِثْلَ ما يَشْرَ … بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ فلَمَّا دارتِ الخمرُ … دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ كذا منْ يشربُ الرَّاحَ … مَعَ التِّنين في الصَّيْفِ (٥) ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، ثم ما نطق بعد ذلك حتى فُعِلَ به ما فعل (٦). قالوا: ثم قُدَّمَ فَضُرِبَ ألفَ سَوْط، ثم قُطعت يداه ورِجلاه وهو في ذلك [كله] (٧) ساكت لا ينطق بكلمة، ولم يتغيَّر لونه، ويقال: إنه جعل يقول مع كل سَوْط: أحَدٌ أحد (٨).

стр. 5515

قال أبو عبد الرحمن: سَمِعْتُ عبدَ الله بن علي يقول: سمعت عيسى القَصَّار يقول: آخر كلمة تكلَّم بها الحلّاج حين قُتلَ أن قال: حَسْبُ الواجد (١) إفراد الواحد. فما سَمِعَ بهذه الكلمة أحدٌ من المشايخ إلا رَقَّ له، واستحسن هذا الكلام منه (٢). وقال السُّلمي: سمعت أبا بكر البَجَلي (٣) يقول: سمعت أبا الفاتك البَغْدادي - وكان صاحبَ الحلاج - قال: رأيتُ في النَّوْم بعد ثلاثٍ من قَتْل الحلاج كأني واقفٌ بين يدي ربي وأقول: يا ربّ، ما فَعَلَ الحسين بن منصور؟ فقال: كاشَفْتُه بمعنى فدعا الخَلْقَ إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت (٤). ومنهم منْ قال: بل جَزِعَ عند ذلك (٥) جزعًا شديدًا، وبكى بكاءً كثيرًا، فالله أعلم. وقال الخطيب: حدثنا عبيد الله (٦) بن أحمد بن عثمان الصَّيْرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيُّوية: لما أخرج الحسين (٧) الحلاج ليقتل مضيت في جُملة النَّاس، ولم أزل أُزاحم حتى رأيته (٨)، فقال لأصحابه: لا يَهُولنَّكُمْ هذا (٩)، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يومًا. ثم قتل (١٠). وذكر الخطيب أنه قال وهو يُضرب لمحمد بن عبد الصَّمَد والي الشُّرطة: أدع بي إليك، فإن عندي نصيحة تعدِلُ فتحَ القُسْطَنْطينَّة. فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رَفْع الضَّرْب عنك سبيل. ثم قُطِعتْ يداه ورِجْلاه، وحُزَّ راسه، وأُحرقت جثته، وأُلْقي برمادها في دِجلة، ونُصبَ الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حُملَ إلى خُراسان، وطيف به في [تلك] (١١) النَّواحي، وجَعَلَ أصحابه يَعِدُون أنفسهم برجوعه إليهم بعد أربعين (١٢) يومًا. وزَعَمَ بعضُهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو

стр. 5516

راكبٌ على حمار في طريق النّهروان، فقال: لعلكم مثل هؤلاء النفر (١) الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول (٢). فكانوا بجهلهم يقولون: إنما قَتَلَ عدوًا من أعداء الحلاج (٣). وقال بعض علماء ذلك الزمان: إن كان هذا الرأي صادقًا، فلعل دابة؛ يعني من الشياطين تبدَّى على صورته، ليضِلَّ به الناس (٤)، كما ضَلَّت فرقة النَّصارى بالمصلوب. قال الخطيب: واتفق أنَّ دِجْلَة زادت في هذا العام زيادة كبيرة، فقالوا: إنما زادت لأن رماد الحلاج (٥) خالطَها (٦). ونُوديَ ببغداد ألا يشتري أحدٌ من كتب الحلاج شيئًا ولا يبيعا (٧). وكان قتل الحلاج في يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القَعْدة من سنة تسعٍ وثلاثمئة ببغداد. وذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوفيات"، وحكى اختلاف النَّاس فيه، ونقل عن الغزالي في "مشكاة الأنوار" أنه كان يتأول كلامه ويحمله على ما يليق (٨). ثم نقل (٩) عن إمام الحَرَمين أنه كان يذمُّه، ويقول: إنه اتفق هو والجنَّابي وابن المُقَفَّع على إفساد عقائد النَّاس، وتفرَّقوا في البلاد، فكان الجَنَّابي في هَجَر والبحرين، وابن المُقَفَّع ببلاد التُّرْك، ودخل الحلاج العِراق (١٠). قال القاضي ابن خَلِّكان: وهذا لا ينتظم؛ فإن ابن المُقَفَّع كان قبل الحلاج بدهر؛ فإنه كان في أيام السَّفَّاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومئة (١١) أو قبلها. ولعل إمامَ الحرمين أراد المقنَّع (١٢) الخُرَاساني الذي ادَّعى الرُّبوبية، وأوتي القمر (١٣)، واسمُه عطاء، وقد قتل نفسه بالسُّمِّ في سنة ثلاث وستين ومئة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضًا، وإذا أردنا أن نصحِّحَ كلام إمام الحرمين، ونذكر

стр. 5517

ثلاثة قد اجتمعوا في وقتٍ على ما ذكر (١)، فيكون أراد بذلك الحلاج، وابن الشَّلْمَغَاني (٢)؛ يعني أبا جعفر محمدَ بن علي، والقرمطي الجَنَّابي وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بَهْرام؛ الذي قتل الحُجَّاج، وأخذ الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، ونهب أستار الكعبة. كما سيأتي ذلك مبسوطًا (٣). ذكره ملخصًا القاضي هاهنا (٤). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أبو العبَّاس بن عَطَاء أحد أئمة الصُّوفية (٥): وهو أحمد بن محمد [بن سهل] (٦) بن عطاء الأدَمي (٧). حدث عن يوسف بن موسى القَطَّان، والفَضْل (٨) بن زياد وغيرهما (٩). وكان (١٠) يقرأ في كل يوم وليلة ختمة، وفي شهر رمضان يقرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكانت له ختمة يتدَبَرَّ فيها معاني القرآن، يتلوها من سَبْع عشرة سنة، ومات ولم يختِمْها. وهذا الرجل ممن كان قد أشتبه عليه أمْرُ الحلَّاج، وأظهر موافقته، فعاقبه الوزير حامد بن العَبَّاس بالضَّرْبِ البليغ على شِدْقيه، وأمر بنَزعْ خُفَّيه وضَرْبه بهما على رأسه حتى سال الدَّمُ من مَنْخِرَيْه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تُقْطع يداه ورِجْلاه ويقتل شَرَّ قِتْلة. فما مات الوزير إِلَّا كذلك (١١).

стр. 5518

وفيها توفي: أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطَّبيب الحَرَّاني. وأبو محمد عبد اللّه بن حمدون النَّديم (١)

стр. 5519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5523

ثم دخلت سنة عشر وثلاثمئة فيها أُطْلقَ يوسفُ بن أبي السَّاج من الضِّيق، وكان معتقلًا، وردَّتْ إليه أمواله، وأُعيد إلى عمله، وأضيف إليه بُلْدان أخرى، ووظِّف عليه في كل سنة خمسمئة ألف دينار يحملُها إلى الحَضْرة، فبعث

стр. 5524

حينئذٍ إلى مؤنس الخادم يطلُب منه أبا بكر بن الأَدَمي القارئ (١)، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتُقِلَ وأشهر في سنة إحدى وسبعين (٢) ومئتين ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. فخاف القارئُ من سَطْوته واستعفى من مُؤْنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكُك في الجائزة. فلما دَخَلَ عليه قرأ بين يديه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]. فقال: بل أُحبُّ أن تقرأ ذلك العَشْر الذي قرأْتَه عند إشهاري (٣) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] فإنَّ ذلك كان سببَ تَوْبتي (٤) إلى الله ، وكان ذلك على يديك. ثم أمَرَ له بمالٍ جزيل وأحْسَنَ إليه. وفيها مَرِضَ عليُّ بنُ عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعودَه (٥)، فَبَسَطَ له الطريق، فلما اقتربَ من دارِه تحاملَ وخرج إليه، وبلَّغه سلامَ الخليفة، وجاء مُؤْنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عَزَمَ على عيادته، فاستعفى من مؤنس الخادم، وركب على جَهْدٍ عظيم حتى سلَّم على الخليفة لئلا يكلفه الرّكوب إليه. وفي هذه السنة قُبِضَ على القَهْرمانة أُمِّ موسى ومن ينتسب إليها، فكان حاصل ما حُمِلَ إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار. وفي يوم الخميس لعشر بقين من ربيع الآخر ولَّى المقتدر منصبَ القضاء أبا الحسين عمر بن الحسن (٦) بن علي الشَّيْباني المعروف بابن الأُشْناني - وكان من حُفَّاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عُزِلَ بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبًا ببغداد. وفيها عُزِلَ محمد بن عبد الصَّمد عن شُرْطَة بغداد، ووليها نازُوك، وخُلع عليه. وفي جُمادَى الآخرة ظهر كوكبٌ له ذنب طوله ذِرَاعان وذلك في برج السُّنْبُلَة. وفي هذه السنة في شعبان منها وَصلَت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن الماذَرَائي (٧)، وفيها بغلة معها فَلُوُّها (٨)، وغلام يصل لسانُه إلى طرف أنفه.

стр. 5525

وفي [هذا] (١) الشهر قُرِئَتِ الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الرُّوم. وفي هذه السنة وَرَدَ الخبر بأنه انشقَّ بأَرْض واسطَ فُلُوع (٢) في الأرض [في] (٣) سبعة عشر موضعًا أكبرها طوله ألف ذِراع، وأقلها مئتا ذراع، وأنه غَرِقَ من أمهات القرى ألف وثلاثمئة قرية. وحجَّ بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي. وممن توفي فيها من الأعيان: محمد بن أحمد (٤) بن حمَّاد بن سَعْاد (٥)، أبو بِشْر الدَّولابي (٦)، مولى الأنصار، ويعرف بالورَّاق. أحد أئمة حُفَّاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ، وغير ذلك (٧). وروى عن جماعةٍ كثيرة. قال ابن يونس: وكان يُضَعَّف (٨)، وتوفِّي وهو قاصد إلى الحج بين مكَّة والمدينة بالعَرْج في ذي القَعْدة (٩). أبو جَعْفر بن جرير الطَّبري (١٠) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام أبو جعفر الطَّبري.

стр. 5526

كان مولده في سنة أربع وعشرين ومئتين (١)، وكان أسمر، أعْيَنَ، مليح الجسم (٢)، مديد القامة، فصيح اللِّسان. روى الكثير عن الجمِّ الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وله التاريخ الحافل، والتفسير الكامل (٣)، وغيرهما من المصنَّفَات النافعة في الأصول والفروع. ومن أحسن ذلك "تهذيب الآثار" (٤)، لكن لم يتمَّه. وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كلِّ يوم أربعين ورقة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: استوطن ابن جرير بغداد (٥)، وكان أحد أئمة العلماء، يُحْكم بقوله ويُرجع إليه لمعرفته وفَضله، وكان قَدْ جمع من العلوم ما لم يشارِكْه فيه أحدٌ من أهل عَصْره، وكان حافظًا لكتاب اللّه، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في الأحكام، عالمًا بالسُّننِ وطُرُقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصَّحابة والتَّابعين ومنْ بَعْدهم، عارفًا بأيام النَّاس. وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يُصنِّف أحدٌ مِثْلهُ، وكتاب سَمَّاه "تهذيب الآثار" لم أرَ سواه في معناه، إِلَّا أنه لم يتمَّه، وله في أُصول الفِقْه وفروعه كتبٌ كثيرة واختيارات، وتفرَّد بمسائل حُفِظتْ عنه (٦). قال الخطيب: وبَلَغني عن الشَّيْخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسْفَرَاييني أنه قال: لو سافر رجلٌ إلى الصِّين حتى يُحصِّلَ له (٧) كتاب تفسير محمد بن جرير الطَّبَري لم يكن ذلك كثيرًا، أو كلامًا هذا معناه (٨). وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة أنه طالع كتاب التفسير لابن جرير في سنين منْ أوَّله إلى آخره، ثم قال: ما أعْلَمُ على أَدِيم (٩) الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظَلَمَتْه

стр. 5527

الحنابلة (١). وقال (٢) لرجلٍ رَحَلَ إلى بغداد يكتب (٣) عن المشايخ - ولم يتفق له سماع من ابن جرير؛ لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال (٤): لو كتبتَ عنه لكان خيرًا لك من كل منْ كتبتَ عنه (٥). قلت: وكان من العبادة والزَّهادة والوَرَع والقيام في الحَقِّ لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائمٍ، وحُسْنِ القراءة (٦) على أحسن (٧) الصفات، وكان من كبار الصَّالحين، وهو أحد المحمَّدين (٨) الذين اجتمعوا بمصر في أيام الأمير [ابن] (٩) طولون، وهم: محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المَرْوزي، ومحمد بن هارون الرُّوْياني، ومحمد بن جرير الطَّبَري هذا - وقد ذكرنا ذلك في ترجمة محمد بن نَصْر المَرْوَزِي (١٠) - وكان الذي قام يصلِّي محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وقيل محمد بن نصر، فرزَقَهم الله ببركة صلاته (١١). وقد أراد الخليفة المقتدر باللّه (١٢) في بعض الأحيان أن يكتب كتابَ وَقْف تكون شروطه متفقًا عليها بين الفقهاء، فقيل له: لا يَقْدِرُ على استحضار هذا إِلَّا محمد بن جرير (١٣)، فَطَلَبَ منه ذلك فكتبها، فاستدعاه الخليفة إليه (١٤)، وقال له: سَلْ حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال: لا بُدَّ أن تسألني شيئًا (١٥). فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدَّم أمره إلى الشُّرْطة حتى يمنعوا السُّؤَّال يوم الجُمُعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك. وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركَها له أبوه بطبرِسْتان.

стр. 5528

ومن شِعْره: إذا أعْسَرْتُ لم يَعلمْ رفيقي … وأستَغْني فيَسْتغني صديقي حَيَائي حافِظٌ لي ماءَ وجهي … وَرِفْقي في مُطالبتي رَفِيقي ولو أني سَمَحْتُ بِبَذْلِ وَجْهي … لكنتُ إلى الغِنى سَهْلَ الطَّريقِ (١) ومن شِعره أيضًا: خُلُقان لا أرْضَى طريقَهُما … بَطَرُ الغِنى ومَذَلَّةُ الفَقْر فإذا غنيتَ فلا تكُنْ بَطِرًا … وإذا افْتَقَرْتَ فَتِهْ على الدَّهْر (٢) وقد كانت وفاتُه وَقْتَ المَغْرب من عَشِيَّة يوم الأحد ليومين بقيا من شوَّال من سنة عشر وثلاثمئة، وقد جاوز الثمانين سنة بخمس سنين أو ست سنين، وفي شَعْر رأسه ولحيته سوادٌ كثير، ودفن في داره لأن بعض الرَّعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرَّفْض، ومن الجهلة منْ رماه بالإلحاد، وحاشاه من هذا ومن ذاك، بل كان أحدَ أئمة الإسلام في العلم (٣) بكتاب اللّه وسُنَّة رسوله، وإنما تقلَّدوا ذلك عن أبي بكرٍ محمد بن داود (٤)، حيث كان يتكلَّم فيه ويرميه بالعَظَائم وبالرَّفض. ولما توفي اجتمع النَّاس من سائر البلد، وصلَّوا عليه بداره، ودُفنَ بها، ومكث الناس يترددون إلى قَبْره شهورًا يصلُّون عليه، ﵀. قلت: وقد رأيتُ له كتابًا جَمَعَ فيه أحاديث غدير خُمّ (٥) في مجلَّدين ضخمين، وكتابًا جمع فيه طُرُقَ حديث الطير (٦). ونُسِبَ إليه أنه كان يقول بجواز مَسْح القَدَمين في الوضوء، وأنه لا يوجب الغَسْلَ، وقد اشْتُهرَ عنه هذا. فمن العلماء منْ يزعمُ أن ابنَ جريرٍ اثنان: أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، ويبرؤون أبا جعفر هذا من هذه الصِّفَات. والذي عُوِّلَ عليه كلامُه في "التفسير" أنه يوجب غَسْلَ القدمين، ويوجب مع الغَسْل دَلْكَهُما، ولكنه عَبَّر عن الدَّلْكِ بالمَسْح، فلم يَفْهم كثير من

стр. 5529

النَّاس مرادَه جيدًا، فنقلوا عنه أنه يوجب الجَمْع بين الغَسْل والمَسْح (١) واللّه أعلم (٢). وقد رثاه جماعةٌ من أهل العلم، منهم ابن الأعْرَابي (٣) حيث يقول: حَدَثٌ مُفْظِعٌ (٤) وخَطْبٌ جَليلُ … دقَّ عن مِثْلِه اصْطِبَارُ الصَّبُورِ قام ناعي العُلومِ أجمعَ لمَّا … قامَ ناعي محمد بنِ جرير فَهَوتْ أنْجُمٌ لها زَاهراتٌ … مُؤْذِناتٌ رُسُومُها بالدُّثُورِ وتَغَشَّى ضياءها النيِّرَ الإشـ … ـراقِ ثوبُ الدُّجُنَّةِ الدَّيْجُورِ وغدا روضُها الأنيقُ هَشِيمًا … ثم عادتْ سهولُها كالوُعُورِ يا أبا جَعْفَرٍ مضيتَ حَميدًا … غيرَ وانٍ في الجدِّ والتَّشمير بينَ أجْرٍ على اجتهادِكَ مَوْفُو … رٍ وسَعْيٍ إلى التُّقَى مَشْكُورِ مستحقًا به الخلودَ لدى جنَّ … (م) ةٍ عَدْنٍ في غِبْطةٍ وسُرورِ (٥) ولأبي بكر بن دُرَيد ﵀ فيه مَرْثاة طويلة طَنَّانة أوردها الخطيب (٦) بتمامها، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمئة فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي أمير القَرَامطة في ألف وسبعمئة فارسٍ إلى البَصْرة ليلًا، نصب السلالم الشَّعْر في سُورِها، فدخلها قومه (٧)، وفتحوا أبوابها، وقتلوا من لقوه من أهلها، وهرب أكثر النَّاس، فألقوا أنفسهم في الماء، فغَرِقَ كثيرٌ منهم، ومكَثَ بها سبعة عشر يومًا يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويغنم (٨) ما يختاره من أموال أهلها، ثم عاد إلى بلده هَجَر،

стр. 5530

وذلك لما بعث إليه الخليفة جُندًا منْ قِبَلِه فرَّ (١) وترك البلد يبابًا (٢)، فإنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون. وفي هذه السنة عَزَلَ المقتدر عن الوِزارة حامدَ بنَ العَبَّاس وعليَّ بنَ عيسى، ورَدَّ إلى الوزارة أبا الحسن بن الفُرَات الولاية الثالثة، وسَلَّمَ إليه حامدًا وعليَّ بن عيسى، فأما حامدٌ فإن المُحَسِّن بن الوزير ضَمِنه من المقتدر بخمسمئة ألف ألف دينار، وتسلَّمه، فعاقبه بأنواع العقوبات، وأخذ منه أموالًا جزيلة لا تحصى كثرة (٣)، ثم أرسل به مع موكلين عليه إلى واسط؛ ليحتاطوا على أمواله هناك وحواصله، وأمرهم أن يسقوه سمّا في الطريق، فسقوه ذلك في بَيْضٍ مشويّ كان قد طلبه منهم، فمات في رمضان من هذه السَّنة. وأما عليُّ بنُ عيسى فإنه صودر بثلاثمئة ألف دينار، وصودر قَوْمٌ آخرون من الكُتَّاب، فكان جُمْلة ما أُخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القَهْرَمانة من الذهب شيئًا كثيرًا جدًّا آلاف ألف من الدنَّانير، وغير ذلك (٤). وأشار الوزير ابنُ الفُرَات على الخليفة المقتدر باللّه أن يُبْعدَ عنه مُؤْنس الخادم، ويأمره بالذهاب إلى الشَّام - وكان قد قَدِمَ من بلاد الرُّوم (٥)، وقد فتح شيئًا كثيرًا من (٦) بُلْدانهم، وغَنِمَ مغانمَ كثيرة جدًّا - فسأل أن يُنْظَر (٧) إلى سَلْخ رمضان، وكان (٨) قد أعْلَمَ الخليفة بما يعتمده ابنُ الوزير من تعذيبِ الناس ومصادرتهم الأموال، فأجاب الخليفةُ الوزير إلى إبعاد مؤنس الخادم، فأخرجه إلى الشام. وفيها كَثُرَ الجَرَاد، وأفسد كثيرًا من الغَلَّات. وفيها في رمضانها أمر (٩) بِرَدِّ بقية المواريث إلى ذوي الأرحام. وفيها في النصف من رمضانها أُحْرِقَ على باب العامَّة صورة ماني (١٠)، وأربعة أعدال من كُتُب الزَّنادقة (١١)، فسقطَ منها ذهبٌ كثير كانت محلاةً به.

стр. 5531

وفيها اتخذ أبو الحسن بنُ الفُرَات الوزير مارسْتانًا في دَرْب المُفَضَّل (١)، [وكان] (٢) يُنْفِق عليه من ماله في كلِّ شهر مئتي دينار. وممن توفي فيها من الأعيان: الخلَّال أحمد بن محمد بن هارون (٣)، أبو بكر الخلَّال: صاحب كتاب "الجامع لعلوم الإمام أحمد" (٤)، ولم يُصنَّفْ في مذهب الإمام أحمد مثل هذا الكتاب. وقد سمع الحديث من الحسن بن عَرَفة، وسَعْدان بن نَصْر، وغيرهما. وكانت وفاته في يوم الجمعة قبل الصَّلاة ليومين مضيا من ربيع الأول منها. أبو محمد الجَرِيْري (٥): أحد أئمة الصُّوفية. أحمد بن محمد بن الحسين، أبو محمد الجَرِيْرِي (٦)، أحد كبار الصُّوفية. صحب سَرِيًا السَّقَطي، وكان الجُنَيْد يُكْرِمُه ويحترمه. ولما حضرت الجنيدَ الوفاة أوصى أن يجالس الجريري. وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجْمَلَ القَوْلَ فيه، على أن الجريري هذا مذكور بالصَّلاح والدِّيانة وحُسْنِ الأدب مع الله . الزَّجَّاح صاحب معاني القُرْآن (٧) إبراهيم بن السَّري (٨) بن سهل، أبو إسحاق الزّجَّاج.

стр. 5532

كان فاضلًا ديِّنًا، حَسَنَ الاعتقاد، وله المصنَّفات الحسنة، منها: كتاب "معاني القرآن"، وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرِطُ الزُّجاج، فأحبَّ عِلْمَ النَّحْو، فذهب إلى المُبَرِّد، فكان يُعْطي المبرد كلَّ يوم دِرْهمًا، ثم استغنى الزَّجَّاج وكَثُرَ ماله، ولم يقطع عن المبرد ذلك الدِّرْهم حتى مات المبرِّد. وقد كان الزجَّاج مؤدِّبًا للقاسم بن عُبيد الله (١)، فلما ولي الوِزارة كان الناس يأتونه بالرِّقاع ليقدِّمها إلى الوزير، فَحَصَلَ له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار. وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة. وعنه أخذ أبو علي الفارسي النَّحْوي، وأبو القاسم (٢) عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي [نُسب إليه] (٣) لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب "الجُمل" في النحو. بدر مولى المُعْتَضِد (٤)، وهو بدر الحَمَامِي (٥): ويقال له بدر الكبير، كان في آخر وقتٍ على نيابة فارس، وولي منْ بَعْدِهِ ولده محمد. حامد بن العَبَّاس (٦): استوزره (٧) المقتدر (٨) في سنة ست (٩) وثلاثمئة، وكان كثير المال والغِلْمان، كثير النفقات، كريمًا سخيًا، كثير المروءة. له حكايات تدُلُّ على بَذْله وإعطائه الأموال الجزيلة، ومع هذا كان يجمع شيئًا كثيرًا، وجد له في مِطْهَرَةٍ (١٠) ألوف من الذهب، كان في كلِّ يوم إذا دخل إليها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلأت طمَّها، فلما صودر دَلَّ عليها، فاسْتُخْرج منها مال جزيل جدًّا. ومن أكبر مناقبه أنه كان من أكبر السُّعاة في الحسين بن منصور الحلاج حتى قتل كما ذكرنا قبل هذا (١١).

стр. 5533

ثم كانت وفاة الوزير حامد بن العَبَّاس في رمضان من هذه السنة مسمومًا. عمر بن محمد بن بُجَيْر البُجَيْرِي (١)، صاحب "الصَّحيح" (٢). ابن خُرَيْمة (٣) محمد بن إسحاق بن خُزَيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السُّلَمي؛ مولى مجشر (٤) بن مُزَاحم، الإمام أبو بكر بن خُزَيمة، الملقَّب بإمام الأئمة. كان من أوعية العلم وبحوره، وممن طاف البُلْدان، ورَحَلَ إلى الآفاق في طلب العلم وسماع الحديث، وكتب الكثير وصنَّف وجمع، وله كتاب "الصَّحيح" من أنفع الكتب وأجلِّها، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشِّيْرَازي في "طبقات الشافعية" عنه أنه قال: ما قلَّدْتُ أحدًا [في مسألة] منذ بلغت ست عشرة سنة (٥). وقد ذكرنا له ترجمة مطوَّلة في كتابنا "طبقات الشافعية". بما فيه كفاية، واللّه أعلم. وهو الذي قام يصلي حين وقعت القرعة عليه، ليسترزق اللّه في صلاته، حين أرمل (٦) هو ومحمد بن نصر، ومحمد بن جرير، ومحمد بن هارون الرُّوياني، وقد أوردها ابن الجوزي من طريقين في ترجمته (٧)، وذلك ببلد مصر في دولة أحمد بن طولون، فرزقهم الله على يديه (٨). وقد ذكرنا [ذلك] (٩) في ترجمة الحسن بن سُفيان (١٠)، فالله أعلم. وممن توفي في هذه السنة: محمد بن زكريا الطبيب (١١)؛ صاحب المصنَّف الكبير (١٢) في هذا الشأن.

стр. 5534

ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمئة في المحرَّم من هذه السنة اعترض القِرْمِطِي أبو طاهر سليمان (١) بن أبي سعيد الجَنَّابي - لعنه اللّه، ولعن أباه - الحجيج وهم راجعون من بيت اللّه الحرام، قد أدَّوا فَرْضَ اللّه عليهم، فقطع عليهم الطريق، فقاتلوه دفعًا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فَقَتلَ منهم خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إِلَّا اللّه ، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصْطَفَى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعدما أخذ جِمَالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم، وتركهم على بعد الديار في البرية بلا زادٍ ولا ماء ولا محمل. وقد حاجف (٢) عن الناس نائبُ الكوفة أبو الهيجاء عبد اللّه بن حَمْدان فقهره وأسره، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، وكان عِدَّة منْ مع القِرْمِطِي ثمانمئة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، قصفه (٣) اللّه. ولما انتهى خبرُهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النِّياحة، ونَشَرْنَ شعورهن، ولَطَمْنَ خدودَهُنَّ (٤) في الأزِقَّة، وانضاف إليهن نساء الذين نُكبوا على يدي الوزير ابن الفرات، فكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية الفظاعة والشَّنَاعة، ولما سأل الخليفة عن الخبر ذُكِرَ له أن هذه نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابنُ الفُرَات، وجاءت يد (٥) الحاجب نصر القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين، إنما استوى هذا للقِرْمِطِي (٦) بسبب إبعادك المظفر مؤنس الخادم، فَطَمعَ هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بإبعاده إِلَّا ابنُ الفُرَات، وبعث الخليفة المقتدر إلى الوزير ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لِنُصْحكَ إياي. وأرسل يطيِّب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه، فأكرمهما، وطيَّب قلوبهما، وخرجا مِنْ عنده، فنالهما أذىً كثير مِنْ نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس الوزير في دَسْته، فحكم بين النَّاس على عادته، وبات ليلته تلك مفكِّرًا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد: فأصْبَحَ لا يَدْري وإنْ كان حازِمًا .... أقُدَّامُهُ خيرٌ لهُ أم وراؤه

стр. 5535

ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة المقتدر، فدخلا عليه داره إلى بين حُرَمِه، وأخرجوه مكشوفًا رَأْسُه في غاية الذِّلَّة والإهانة (١)، فأركبوه في حَرَّاقة (٢) إلى الجانب الآخر، وفَهِمَ النَّاس ذلك، فرجموا ابنَ الفُرَات بالآجُرِّ، وتعطلتِ الجوامع، وسخمتِ (٣) العامَّةُ المحاريب، ولم يُصَلِّ الجمعةَ النَّاسُ فيها، وأُخذ خطُّه بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلِّما إلى نازُوك؛ أمير الشُّرْطة، فاعتقلا حينًا، وخلَّص منهما الأموال، فلما قَدِمَ مؤنس الخادم سُلِّم إليه الوزير ابن الفرات، فأهانه غاية الإهانة بالضَّرْب والتقريع له ولولده المحسن المجرم الذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك، فكانت وزارته هذه الثالثة عشرة أشهر وأيامًا. واستُوزرَ أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه (٤) بن يحيى بن خاقان، وذلك في تاسع ربيعٍ الأول من هذه السنة. وكان الخليفة قد أرسل إلى مؤنس الخادم ليحضر، فدخل بغداد في تجمُّلٍ عظيم، وسُلِّم إليه ابن الفرات كما ذكرنا، فعاقبه، وَشَفَع (٥) إلى الخاقاني في أن يُرْسِلَ إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء من اليمن مطرودًا - فعاد إلى مكة، وبَعَثَ إليه الوزير أن ينظر في أمر الشَّام ومِصْر. وأمر الخليفة مؤنسًا الخادم بالمسير إلى ناحية الكوفة لأجل القرامطة، وأنفق على خروجه إلى هنالك ألف ألف دينار. وأطلق القِرْمطي منْ كان في أسْرِهِ من الحجيج، وكانوا ألفي رجل وخمسمئة امرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائبَ الكوفة معهم أيضًا، وكتب إلى الخليفة يطلب منه البَصْرة والأهواز، فلم يجب إلى ذلك. وركب المُظَفَّر مؤنس الخادم في جحافل إلى بلاد الكوفة، فسكن أمْرُها، ثم انحدر إلى واسط خوفًا عليها من القرامطة، واستناب على الكوفة ياقوت الخادم، فتمهدت الأمور، وانصلحت. وفي هذه السنة ظهر رجلٌ بين الكوفة وبغداد فادَّعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر (٦) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وصدَّقه على ذلك طائفة من الأعراب والطَّغام، والتفُّوا عليه،
следующие страницы →