← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وفيها اتخذ أبو الحسن بنُ الفُرَات الوزير مارسْتانًا في دَرْب المُفَضَّل (١)، [وكان] (٢) يُنْفِق عليه من ماله في كلِّ شهر مئتي دينار. وممن توفي فيها من الأعيان: الخلَّال أحمد بن محمد بن هارون (٣)، أبو بكر الخلَّال: صاحب كتاب "الجامع لعلوم الإمام أحمد" (٤)، ولم يُصنَّفْ في مذهب الإمام أحمد مثل هذا الكتاب. وقد سمع الحديث من الحسن بن عَرَفة، وسَعْدان بن نَصْر، وغيرهما. وكانت وفاته في يوم الجمعة قبل الصَّلاة ليومين مضيا من ربيع الأول منها. أبو محمد الجَرِيْري (٥): أحد أئمة الصُّوفية. أحمد بن محمد بن الحسين، أبو محمد الجَرِيْرِي (٦)، أحد كبار الصُّوفية. صحب سَرِيًا السَّقَطي، وكان الجُنَيْد يُكْرِمُه ويحترمه. ولما حضرت الجنيدَ الوفاة أوصى أن يجالس الجريري. وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجْمَلَ القَوْلَ فيه، على أن الجريري هذا مذكور بالصَّلاح والدِّيانة وحُسْنِ الأدب مع الله . الزَّجَّاح صاحب معاني القُرْآن (٧) إبراهيم بن السَّري (٨) بن سهل، أبو إسحاق الزّجَّاج.

стр. 5532

كان فاضلًا ديِّنًا، حَسَنَ الاعتقاد، وله المصنَّفات الحسنة، منها: كتاب "معاني القرآن"، وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرِطُ الزُّجاج، فأحبَّ عِلْمَ النَّحْو، فذهب إلى المُبَرِّد، فكان يُعْطي المبرد كلَّ يوم دِرْهمًا، ثم استغنى الزَّجَّاج وكَثُرَ ماله، ولم يقطع عن المبرد ذلك الدِّرْهم حتى مات المبرِّد. وقد كان الزجَّاج مؤدِّبًا للقاسم بن عُبيد الله (١)، فلما ولي الوِزارة كان الناس يأتونه بالرِّقاع ليقدِّمها إلى الوزير، فَحَصَلَ له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار. وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة. وعنه أخذ أبو علي الفارسي النَّحْوي، وأبو القاسم (٢) عبد الرحمن بن إسحاق الزَّجَّاجي [نُسب إليه] (٣) لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب "الجُمل" في النحو. بدر مولى المُعْتَضِد (٤)، وهو بدر الحَمَامِي (٥): ويقال له بدر الكبير، كان في آخر وقتٍ على نيابة فارس، وولي منْ بَعْدِهِ ولده محمد. حامد بن العَبَّاس (٦): استوزره (٧) المقتدر (٨) في سنة ست (٩) وثلاثمئة، وكان كثير المال والغِلْمان، كثير النفقات، كريمًا سخيًا، كثير المروءة. له حكايات تدُلُّ على بَذْله وإعطائه الأموال الجزيلة، ومع هذا كان يجمع شيئًا كثيرًا، وجد له في مِطْهَرَةٍ (١٠) ألوف من الذهب، كان في كلِّ يوم إذا دخل إليها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلأت طمَّها، فلما صودر دَلَّ عليها، فاسْتُخْرج منها مال جزيل جدًّا. ومن أكبر مناقبه أنه كان من أكبر السُّعاة في الحسين بن منصور الحلاج حتى قتل كما ذكرنا قبل هذا (١١).

стр. 5533

ثم كانت وفاة الوزير حامد بن العَبَّاس في رمضان من هذه السنة مسمومًا. عمر بن محمد بن بُجَيْر البُجَيْرِي (١)، صاحب "الصَّحيح" (٢). ابن خُرَيْمة (٣) محمد بن إسحاق بن خُزَيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السُّلَمي؛ مولى مجشر (٤) بن مُزَاحم، الإمام أبو بكر بن خُزَيمة، الملقَّب بإمام الأئمة. كان من أوعية العلم وبحوره، وممن طاف البُلْدان، ورَحَلَ إلى الآفاق في طلب العلم وسماع الحديث، وكتب الكثير وصنَّف وجمع، وله كتاب "الصَّحيح" من أنفع الكتب وأجلِّها، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشِّيْرَازي في "طبقات الشافعية" عنه أنه قال: ما قلَّدْتُ أحدًا [في مسألة] منذ بلغت ست عشرة سنة (٥). وقد ذكرنا له ترجمة مطوَّلة في كتابنا "طبقات الشافعية". بما فيه كفاية، واللّه أعلم. وهو الذي قام يصلي حين وقعت القرعة عليه، ليسترزق اللّه في صلاته، حين أرمل (٦) هو ومحمد بن نصر، ومحمد بن جرير، ومحمد بن هارون الرُّوياني، وقد أوردها ابن الجوزي من طريقين في ترجمته (٧)، وذلك ببلد مصر في دولة أحمد بن طولون، فرزقهم الله على يديه (٨). وقد ذكرنا [ذلك] (٩) في ترجمة الحسن بن سُفيان (١٠)، فالله أعلم. وممن توفي في هذه السنة: محمد بن زكريا الطبيب (١١)؛ صاحب المصنَّف الكبير (١٢) في هذا الشأن.

стр. 5534

ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمئة في المحرَّم من هذه السنة اعترض القِرْمِطِي أبو طاهر سليمان (١) بن أبي سعيد الجَنَّابي - لعنه اللّه، ولعن أباه - الحجيج وهم راجعون من بيت اللّه الحرام، قد أدَّوا فَرْضَ اللّه عليهم، فقطع عليهم الطريق، فقاتلوه دفعًا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فَقَتلَ منهم خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إِلَّا اللّه ، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصْطَفَى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعدما أخذ جِمَالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم، وتركهم على بعد الديار في البرية بلا زادٍ ولا ماء ولا محمل. وقد حاجف (٢) عن الناس نائبُ الكوفة أبو الهيجاء عبد اللّه بن حَمْدان فقهره وأسره، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، وكان عِدَّة منْ مع القِرْمِطِي ثمانمئة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، قصفه (٣) اللّه. ولما انتهى خبرُهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النِّياحة، ونَشَرْنَ شعورهن، ولَطَمْنَ خدودَهُنَّ (٤) في الأزِقَّة، وانضاف إليهن نساء الذين نُكبوا على يدي الوزير ابن الفرات، فكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية الفظاعة والشَّنَاعة، ولما سأل الخليفة عن الخبر ذُكِرَ له أن هذه نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابنُ الفُرَات، وجاءت يد (٥) الحاجب نصر القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين، إنما استوى هذا للقِرْمِطِي (٦) بسبب إبعادك المظفر مؤنس الخادم، فَطَمعَ هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بإبعاده إِلَّا ابنُ الفُرَات، وبعث الخليفة المقتدر إلى الوزير ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لِنُصْحكَ إياي. وأرسل يطيِّب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه، فأكرمهما، وطيَّب قلوبهما، وخرجا مِنْ عنده، فنالهما أذىً كثير مِنْ نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس الوزير في دَسْته، فحكم بين النَّاس على عادته، وبات ليلته تلك مفكِّرًا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد: فأصْبَحَ لا يَدْري وإنْ كان حازِمًا .... أقُدَّامُهُ خيرٌ لهُ أم وراؤه

стр. 5535

ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة المقتدر، فدخلا عليه داره إلى بين حُرَمِه، وأخرجوه مكشوفًا رَأْسُه في غاية الذِّلَّة والإهانة (١)، فأركبوه في حَرَّاقة (٢) إلى الجانب الآخر، وفَهِمَ النَّاس ذلك، فرجموا ابنَ الفُرَات بالآجُرِّ، وتعطلتِ الجوامع، وسخمتِ (٣) العامَّةُ المحاريب، ولم يُصَلِّ الجمعةَ النَّاسُ فيها، وأُخذ خطُّه بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلِّما إلى نازُوك؛ أمير الشُّرْطة، فاعتقلا حينًا، وخلَّص منهما الأموال، فلما قَدِمَ مؤنس الخادم سُلِّم إليه الوزير ابن الفرات، فأهانه غاية الإهانة بالضَّرْب والتقريع له ولولده المحسن المجرم الذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك، فكانت وزارته هذه الثالثة عشرة أشهر وأيامًا. واستُوزرَ أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن عبيد اللّه (٤) بن يحيى بن خاقان، وذلك في تاسع ربيعٍ الأول من هذه السنة. وكان الخليفة قد أرسل إلى مؤنس الخادم ليحضر، فدخل بغداد في تجمُّلٍ عظيم، وسُلِّم إليه ابن الفرات كما ذكرنا، فعاقبه، وَشَفَع (٥) إلى الخاقاني في أن يُرْسِلَ إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء من اليمن مطرودًا - فعاد إلى مكة، وبَعَثَ إليه الوزير أن ينظر في أمر الشَّام ومِصْر. وأمر الخليفة مؤنسًا الخادم بالمسير إلى ناحية الكوفة لأجل القرامطة، وأنفق على خروجه إلى هنالك ألف ألف دينار. وأطلق القِرْمطي منْ كان في أسْرِهِ من الحجيج، وكانوا ألفي رجل وخمسمئة امرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائبَ الكوفة معهم أيضًا، وكتب إلى الخليفة يطلب منه البَصْرة والأهواز، فلم يجب إلى ذلك. وركب المُظَفَّر مؤنس الخادم في جحافل إلى بلاد الكوفة، فسكن أمْرُها، ثم انحدر إلى واسط خوفًا عليها من القرامطة، واستناب على الكوفة ياقوت الخادم، فتمهدت الأمور، وانصلحت. وفي هذه السنة ظهر رجلٌ بين الكوفة وبغداد فادَّعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر (٦) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وصدَّقه على ذلك طائفة من الأعراب والطَّغام، والتفُّوا عليه،

стр. 5536

وقويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشًا، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا خَلْقًا من أصحابه، وتفرَّق بقيتهم. وهذا المدَّعي المذكور هو رئيس الإسْماعيلية وأولهم. وظفر نازُوك نائب (١) الشُّرْطة بثلاثة من أصحاب الحلاج، وهم: حَيْدَرة، والشَّعْراني، وابن منصور، فطالبهم بالرجوع [عن اعتقادهم فيه] (٢) فلم يرجعوا، فضرب أعناقهم، وصلبهم في الجانب الشَّرْقي. ولم يحجَّ أحد في هذه السنة من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة، لعنهم اللّه. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: إبراهيم بن خَمْش (٣) أبو إسحاق الزَّاهد النيسابوري. كان يعِظُ النَّاس، فكان منْ جُمْلة كلامه الحَسَن قوله: يضحك القَضاء منَ الحَذَر، ويضحك الأجَل من الأمَلَ، ويضحك التَّقْدير من التَّدْبير، وتضحك القِسْمة من الجَهْد والعَنَاء. علي بن محمد بن الفُرَات (٤) أبو الحسن الوزير: ولاه المقتدر الوزَارة، ثم عزله، ثم ولَّاه، ثم عزله، ثم ولَّاه، ثم قتله في هذه السَّنة [وقتل ولده] (٥)، وكان ذا مالٍ جزيل جدًّا: ملك عشرة آلاف ألف دينار، وكان يدخله من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار، وكان ينفق على خمسة آلاف من العلماء والعُبَّاد، يجري عليهم الأرزاق في كلِّ شهر - أثابه الله - وكان فيه كفاية ونهضة ومعرفة بالوزارة والحساب، يقال: إنه نظر يومًا في ألف كتاب، ووقَّع على ألف رُقْعة، فتعجَّب منْ حَضَرَه منْ ذلك، وكانت فيه مروءة وكرم، وحُسْن سيرة في ولاياته، غير المرة الثالثة، فإنه ظلم وغَشَم وصادر النَّاس عن أموالهم (٦)، فأخذه اللّه أخْذَ عزيزٍ مُقْتدر (٧). وقد كان فيه كَرَمٌ وسَعَة في النَّفَقة؛ ذُكِرَ عنده ذات ليلة أهلُ الحديث والصُّوفية وأهل الأدب والشعراء والفقراء، فأطْلَقَ من ماله لكلِّ طائفة عشرين ألفًا. وكتب رجلٌ على لسانه إلى نائب مِصْر كتابًا فيه الوصية به إليه، فلما وقف عليه المكتوب إليه استراب به وقال: ما هذا خطه. وأرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه الوزير عرف أنه كذب وزور، فاستشار

стр. 5537

الحاضرين عنده في الذي زوَّر عليه، فقال بعضهم: ينبغي أن تقطعَ يده. وقال غيره: تقطع إبهامه. وقال الآخر: يُضْرب ضربًا عنيفًا. فقال الوزير: أو خير من ذلك؟ فأخذ الكتاب، وكتب عليه: نعم، هذا خَطِّي، وهو من أخَصِّ أصحابي، فلا تترك شيئًا مما تقدِرُ عليه في الإحسان إِلَّا وَصَلْتَه به. فلما عاد الكتاب أحسنَ نائبُ مصر إلى ذلك الرجل (١)، ووصله بنحو من عشرين ألف دينار (٢). واستدعى ابنُ الفُرات يومًا ببعض الكُتَّاب فقال له: ويحك، إن نيتي فيك سيئة، وإني في كل وقت أريد أن أقبضَ عليك وأصادِرَ مالك، فرأيت في المنام من ليالٍ أني قد أمرت بالقبض عليك، فجعلتَ تمتنع مني، فأمَرْتُ أن تُقاتل، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سِهام أو غيرها من السلاح تتقي الضَّرْب برغيف في يدك، فلا يصل إليك بسببه شيء، فأعْلِمْني ما قصة هذا الرَّغيف؟ فقال: أيها الوزير، إن أمي - منذ كنت صغيرًا - كانت تضع في كل ليلة تحت وسادتي رغيفًا، ثم تصبح فتتصدَّق به عني، ولم يزل ذلك دَأبُها حتى ماتت، ففعلته بعدها، فأنا أبيِّت في كلِّ ليلةٍ تحت وسادتي رغيفًا، ثم أصبح فأتصدَّق به. فَعَجِبَ الوزير منْ ذلك، وقال: واللّه لا ينالك مني سوء أبدًا، ولقد حَسُنتْ نيتي فيك، وأحببتك (٣). وقد أطال ابن خَلِّكان ترجمته، وذكر بعض ما أوردناه (٤). محمد بن محمد بن سليمان (٥) بن الحارث بن عبد الرحمن: أبو بكر، الأزْدِي، الوَاسطي، المعروف بالباغَنْدي. سَمعَ محمدَ بن عبد الله بن نُمَيْر، وابن أبي شَيْبة، وشَيْبان بن فَرُّوخ، وعليَّ بن المَدِيني، وخَلْقًا من أهل الشَّام ومصر والكوفة والبَصْرة وبغداد. ورحل إلى الأمصار البعيدة، وعُنِيَ بهذا الشأن، واشتغِل فيه فأَفْرَط، حتى قيل: إنه كان ربما يَسْرُدُ بعضَ الأحاديث بأسانيدها في الصَّلاة (٦) وهو لا يشعر، فيُسَبَّحُ به حتى يتذكر أنه في الصَّلاة، وكان يقول: أنا أُجيب في ثلاثمئة ألف مسألةٍ من الحديث (٧).

стр. 5538

وقد رأى رسولَ اللّه ﷺ في المنام فقال له: يا رسول اللّه، أيما أثْبَتُ في الحديث منصور أو الأعْمش؟ فقال له: منصور (١). وقد كان يعاب بالتَّدْليس حتى قال الدَّارَقُطْني: هو كثير التدليس، يحدِّث بما لم يسمع، وربما سرق بعضَ الأحاديث. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة قال ابن الجَوْزي: لليلة بقيت من المُحَرَّم انقضَّ كوكبٌ من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءتِ الدُّنيا منه، وسُمِعَ له صوت كصوت الرَّعد الشَّديد (٢). وفي صفر [منها] (٣) بلغ الخليفة المقتدر باللّه أن جماعةً من الرَّافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصَّحَابة ولا يصلُّون الجمعة، ويكاتبون القَرَامطة، ويَدْعُون إلى محمد بن إسماعيل الذي ظهر بين الكوفة وبغداد، ويدَّعون أنه المهدي، ويتبرؤون من المقتدر وممن يتبعه. فأمر بالاحتياط عليهم، واستفتى العلماء في المَسْجد المذكور، فأفتوا بأنه مسجد ضِرَار، يهدم كما هدم مسجد الضِّرَار (٤)، فضرب منْ قَدَرَ عليه منهم الضَّرْب المُبَرِّح، ونودي عليهم، وأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء، فهدمه نازوك، وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة، فدفِنَ فيه جماعةٌ من الموتى. وخرج النَّاس للحجِّ في ذي القَعْدة، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي القِرْمِطي لعنهما اللّه، فرجع أكثر الناس إلى بُلْدانهم، ولم يمكنهم الحج عامهم هذا، ويقال: إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم، وفد قاتله جُنْدُ الخليفة، فلم يفد ذلك فيه شيئًا لتمرده وشدَّة بأس من معه، وانزعج أهل بغداد من ذلك، وترحَّل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشَّرقي خوفًا من القرامطة، ودخل القِرْمِطِي إلى الكوفة، فأقام بها ستة [أيامي] (٥) يأخذ من أموالها (٦) ما يختاره.

стр. 5539

قال ابن الجوزي: وكثر الرُّطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبَّة، وعمل منه تمر وحُملَ إلى البَصْرة (١). وعزل المقتدر وزيرَه الخاقانيَّ بعد (٢) سنة وستة أشهر ويومين، وولَّى مكانه أبا العبَّاس (٣) أحمد بن عبيد اللّه بن أحمد بن الخَصِيب (٤) الخَصِيبي؛ لأجل مالٍ بذله من جهة زوجة المحسن (٥) بن الفُرَات، وكان ذلك المال سبعمئة ألف دينار، فأقرَّ (٦) الخصيبيُّ عليَّ بنَ عيسى على الإشراف على ديار مِصْر وبلاد الشَّام، وهو مقيم بمكة يسير إليهما في بعض الأوقات، فيعمل ما ينبغي عمله من ذلك، ثم يرجع إلى مكة شرفها اللّه. ذكر من توفي فيها من الأعيان: علي بن عبد الحميد (٧) بن عبد الله بن سليمان: أبو الحسن، الغَضَائري. سمع القَواريري، وعباسًا العَنْبَري، وكان من العُبَّاد الثقات. قال: جئت يومًا إلى سَرِيٍّ السَّقَطي، فدققت عليه بابه، فخرج إليَّ، ووضع يده على عِضَادتيِّ الباب (٨) وهو يقول: اللهم اشغل منْ شَغَلَني عنك بك. قال: فنالتني بركة هذه الدَّعْوة، فحججتُ على قدميَّ من حلب إلى مكة أربعين سنة ذاهبًا وآيبًا (٩). أبو العبَّاس السَّرَّاج الحافظ (١٠) محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مِهرَان بن عبد اللّه: الثَّقفي مولاهم، أبو العبَّاس السَّرَّاج؛ أحد الأئمة الثِّقات الحُفَّاظ. مولده سنة ثمان عشرة ومئتين.

стр. 5540

وسمع قتيبة، وإسحاق بن رَاهُويه، وخلقًا كثيرًا من أهل خُرَاسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز. وقد حدث عنه البخاري ومُسْلم - وهما أكبر منه، وأقدم ميلادًا ووفاة - وله مصنَّفات كثيرة نافعة جدًّا، وكان يُعدُّ من مجابي الدَّعوة. وقد رأى في منامه كأنه يَرْقَى في سُلَّم، فَصَعدَ فيه تسعًا وتسعين درجةَّ، فما أوَّلها على أحد إِلَّا قال له: تعيش تسعًا وتسعين سنة، فكان كذلك. وقد ولد له ابنه أبو عمرو وعمره ثلاث وثمانون سنة. قال الحاكم: فَسَمِعْتُ أبا عمرو يقول: فكنت إذا دخلت المسجد على أبي والناس عنده يقول لهم: هذا عملته في ليلة، ولي من العمر ثلاث وثمانون سنة. ثم دخلت سنة أربع عشرة وثملاثمئة [فيها] (١) كتب ملك الرُّوم - وهو الدُّمُسْتُق، لعنه الله - إلى أهل السَّوَاحل أن يحملوا إليه الخَرَاج وإلا قاتلهم، فأَبَوْا عليه، فركب إليهم (٢) في أول هذه السَّنة، فعاث في الأرض فسادًا، ودخل مَلَطْيَة، فَقَتلَ منْ أهلها كثيرًا، وأسر، وأقام بها ستة عشر يومًا، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه. ووقع ببغداد حريقٌ في مكانين، مات بسببهما خَلْقٌ كثير، واحترق في أحدهما ألف دار ودُكَّان. وجاءتِ الكُتُب بموت الدُّمُسْتُق ملك النَّصَارى لعنه اللّه فقرئت الكتب على المنابر بذلك. وجاءت الكتب من مكة أن أهلها في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القِرْمِطي إليهم، وقصده إياهم، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي. وهبَّت ريح عظيمة بنَصيبين اقتلعت الأشجار وهدمت البيوت. قال ابن الجَوْزِي: وفي يوم الأحد لثمانٍ مضين من شَوَّال منها - وهو سابع كانون الأوَّل - سقط ببغداد ثَلْجٌ عظيم جدًّا، وحصل بسببه بردٌ شديد، بحيث أتلف كثيرًا من النخيل والأشجار، وجَمَدتِ الأدهان حتى الأشربة، وماء الوَرْد والخَلّ، والخُلْجان الكبار، ودِجْلة، وعقد بعضُ مشايخ الحديث مجلس التحديث على متن دِجْلة من فوق الجَمْد، وكتب عنه الحديث هنالك، ثم انكسر البرد بمطرٍ وَقَعَ فأزال ذلك كلَّه، وللّه الحمد (٣).

стр. 5541

وقدم الحُجَّاح من خراسان إلى بغداد، فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا حجاج مكة، فرجعوا، ولم يتهيأ الحَجُّ تلك السنة من ناحية العِراق بالكلِّية. وفي ذي القَعْدَة عَزَلَ الخليفة وزيرَه أبا العَبَّاس الخَصِيبي بعد سنة وشهرين، وأمر بالقَبْض عليه وحَبْسه؛ وذلك لإهماله أمر الوِزارة، والنظر في المصالح؛ وذلك لاشتغاله بالخَمْر في كلِّ ليلة، فيصبح مخمورًا لا عقل له، وقد وكل الأمور إلى نوابه، فخانوه وعملوا مصالحهم، وولَّى مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكَلْوَذاني نيابةً عن عليِّ بن عيسى، حتى يَقْدَمَ، ثم أرسل في طلب عليِّ بن عيسى وهو في دمشق، فقدم بغداد في أُبهة عظيمة، فنظر في المصالح العامة والخاصة، وَرَدَّ الأمورَ إلى السَّداد، وتمهدت القواعد، واستدعى بالخَصيبي فتهدَّده ولامَه وناقَشَه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصَّة نفسه (١) وفي الأمور العامة، وذلك بحَضْرَة القُضَاة والأعيان، ثم رَدَّه إلى السجن. وفيها أخذ نَصْر بن أحمد السَّاماني الملقَّب بالسَّعيد (٢) بلاد الرَّي وسكنها إلى سنة ست عشرة [وثلاثمئة] (٣). وفيها غزتِ الصَّائفة من بلاد طَرَسُوس بلاد الرُّوم، فغنموا وسَلِموا. ولم يحجَّ ركب العراق خوفًا من القرامطة لعنهم اللّه. وممن توفي فيها من الأعيان: سَعْد النُّوبي (٤) صاحب باب النُّوبي (٥) من دار الخلافة ببغداد. توفي في صفر من هذه السنة، وأقيم أخوه مقامه في حِفْظ هذا الباب الذي صار يُنْسب بعده إليه. ومحمد بن محمد الباهلي (٦). ومحمد بن عمر بن لُبَابة القُرْطُبي (٧).

стр. 5542

ونَصْر بن القاسم، الفَرَائضي الحَنَفي، أبو الليث (١). سمع القَوَاريري، وكان ثِقَةً، عالمًا بالفرائض على مذهب أبي حنيفة، مُقْرِئًا (٢) جليلًا. ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمئة في صفر منها كان قدوم عليِّ بن عيسى الوزير من دمشق إلى بغداد، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق؛ فمنهم من كان قد لقيه إلى الأنبار، ومنهم دون ذلك. وحين دخل إلى الخليفة المقتدر خاطبه (٣) المقتدر فأحسن مخاطبته، وانصرف إلى منزله، فبعث (٤) وراءه بالفُرُش والقُماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد، فخلع عليه، فأنشد وهو في الخِلْعة: ما النَّاس إِلَّا مع الدُّنيا وصاحبها ..... فكيفما انَقَلَبَتْ يومًا به انقلبوا يُعَظِّمون أخا الدُنيا فإن وَثَبَتْ .... يومًا عليه بما لا يشتهي وَثَبُوا وجاءتِ الكتب بأن الرُّوم قد دخلوا سُمَيْسَاط (٥)، وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك وضربوا النَّاقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنسًا الخادم بالتجهيز للمسير إليهم، وخلع عليه خِلْعة سنية، ثم جاءتِ الكتب بأن المسلمين وثبوا على الرُّوم، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا، وغنموا غنائم كثيرة جدًّا، وللّه الحمد. ولما تجهَّز مُؤْنس للمسير جاءه بعضُ الخدم، فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، وقد حُضِرَت [له] (٦) زُبْيَةٌ في (٧) دار الخلافة مغطاة ليتردى فيها، فأحجم عن الذهاب. وجاءت الأمراء إليه من كل جانب، ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه المقتدر برقعة بخطِّه يحلف له فيها أن هذا الأمر الذي بلغه ليس بصحيح؛ فطابت نفسه، وركب إلى دار الخلافة في غِلْمانٍ قلائل، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة، وحلف له أنه طيِّبُ القلب عليه، وله عنده الصفاء الذي يعرفه.

стр. 5543

وخرج من بين يديه معظَّمًا مكرمًا، وركب العَبَّاس بن المقتدر، والوزير علي بن عيسى ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبراء الأمراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يومًا مشهودًا، قاصدًا بلاد الثغور لقتال الرُّوم ظفره اللّه بهم، وأيده ونصره. وفي جمادى الأولى [منها] (١) قُبضَ على رجل خنَّاق قد قتل خَلْقًا من النساء، لأنه ادَّعى أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك، فإذا انفرد بالمرأة قام إليها (٢) فخنقها بِوَتَر - وأعانته امرأته على ذلك - ثم حفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدَّار (٣) انتقل عنها إلى غيرها، ولما ظهر عليه وجد في داره (٤) سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها، فوجدوا قد قتل شيئًا كثيرًا من النساء، فَضُربَ ألف سَوْطٍ، ثم صلب حيًا حتى مات، قبحه اللّه. ظهور الدَّيْلَم وفي هذه السنة كان ظهور الدَّيْلم ببلاد الرَّي، فكان فيهم ملك غَلَبَ على أمرهم يقال له مَرداوِيج (٥)، يجلس على سريرٍ من ذهب، وبين يديه سرير من فضَّة، ويقول: أنا سليمان بن داود، وقد سار في أهل الرَّي وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدًّا؛ كان يقتل النساء والصِّبيان في المهود، ويأخذ أموال النَّاس، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله ، فقتلته الأتراك، وأراح الله المسلمين من شَرِّه، ولله الحمد والمنة. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين يوسف بن أبي السَّاج وبين أبي طاهر القِرْمطي عند الكوفة؛ سبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج: اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوَّال من هذه السنة فقال: هلم [فسار إليه] (٦)، فلما تراءى الجمعان استقلَّ يوسف بن أبي السَّاج - وكان معه عشرون ألفًا - جيشَ القرامطة، وكان معه ألف فارس (٧) وخمسمئة راجل. فقال [يوسف] (٨): وما قيمة هؤلاء الكلاب؟ وأمَرَ الكاتبَ أن يكتب بالفتح قبل اللقاء إلى الخليفة، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتًا عظيمًا، ونزل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه اللّه،

стр. 5544

فحرَّض أصحابه، وحمل بهم حملة صادقةً، فهزموا جُنْدَ الخليفة، وأسروا يوسفَ بن أبي السَّاج [أمير الجيش] (١)، وقتلوا خَلْقًا كثيرًا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة، وجاءتِ الأخبار بذلك إلى بغداد، وشاع بين الناس بأن القِرْمِطِي يريد أن يقصد بغداد ليأخذها، فانزعج المسلمون لذلك، وظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة وقال: يا أمير المؤمنين، إن الأموال إنما تدَّخر لتكون عونًا على قتال أعداء اللّه، وإن هذا الأمر لم يقع بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، وفتك في المسلمين مرة بعد مرة، وإن بيت المال ليس فيه شيء، فاتقِ الله يا أمير المؤمنين وخاطبِ السيدة - يعني أُمَّه - فإن كان عندها مالٌ قد ادخرته لشدَّة، فهذا وقته. فدخل على أُمِّه، فكانت هي التي ابتدأته بذلك، وبذلت له خمسمئة ألف دينار، وكان في بيت المال مثلها، فسلَّمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تنفيذ الجيوش نحو القرامطة، فَجَّهَزَ الوزير جيشًا أربعين ألفًا مع أميرٍ يقال له بُلَيق (٢)، [فسار نحوهم، فلما سمعوا به] (٣) أخذوا عليه الطرقات، وكان يريد دخول بغداد، ثم التقوا معه، فلم يلبث جيش الخليفة أن انهزم، فإنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون. وكان يوسف بن أبي السَّاج [معهم] (٤) مقيَّدًا في خيمة، فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القِرْمِطي قال: أردت أن تهرب؟ ثم أمر به فضربت عنقه. ورجع القرمطي من ناحية بغداد إلى الأنبار. ثم انصرف إلى هِيت، فأكثر أهل بغداد الصَّدقة، وكذلك الخليفة وأمه والوزير شكرًا له على صرفه عنهم هذا الخبيث، ولله الحمد والمنة. وفي هذه السنة بعث المهديُّ - المُدَّعي أنه فاطمي الذي ظهر ببلاد المغرب - ولدَه أبا القاسم في جيشٍ (٥)، فانهزم جيشه، وقُتِلَ من أصحابه خَلْقٌ كثير. وفيها اختطَّ المهدي المذكور مدينته المُحمَّدية (٦). وفيها حاصر عبد الرحمن بن الدَّاخل الأموي (٧) مدينة طُلَيْطُلة، وكانوا مسلمين، لكنهم نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه، ففتحها قهرًا، وقتل خَلْقًا من أهلها. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن الجصَّاص الجَوْهَري (٨) الحسين بن عبد الله بن الجَصَّاص، الجَوْهَري: أبو عبد اللّه البَغْدادي.

стр. 5545

كان ذا مالٍ عظيم وثروة متسعة جدًّا، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون؛ كان قد جعله جوهريًا له يتسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالًا جزيلة جدًّا. قال ابن الجصَّاص: كنت يومًا بباب ابن طولون إذ خرجت القَهْرمانة وبيدها عِقْدٌ فيه مئة حبة من الجَوْهر، تساوي كلُّ واحدةٍ ألفي دينار. فقالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم؛ فإن هذا نافر على ما يريدونه (١). فأخذته منها، وذهبت به إلى المنزل، وحصلت جواهر أصغر منها تساوي عُشْر (٢) قيمة تلك الجواهر بكثير، فدفعتها إليها، وفزت أنا بذلك الذي جاءت به، فكانت قيمته مئتي ألف دينار (٣). وقد اتفق أنه صُودرَ في زمان المقتدر مصادرةً عظيمة، أُخذ منه [فيها] ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار، وبقي معه من الأموال شيء كثير جدًّا. قال بعضهم: دخلت عليه وهو يتردَّد في منزله كأنَّه مجنون، فقلت: ما لك (٤)؟ فقال: ويحك، أُخذ مني كذا وكذا، فأنا أحس أن روحي ستخرج. فعذرته، ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دارك وبساتينك وضياعك الباقية لك تساوي سبعمئة ألف دينار، واصدقني، كم بقي عندك من الجواهر والمتاع؟ فإذا هو شيء يساوي ثلاثمئة ألف دينار فقلت (٥): إنَّ هذا أمر لا يشاركك فيه أحدٌ من التجار ببغداد مع مالك من الوجاهة عند الدَّولة والنَّاس. قال: فسرِّيَ عنه، وتسلَّى عما فات عليه، وأكل، وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا (٦). ولما خلص من مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيِّدة فيه حكى عن نفسه قال: نظرت في دار الخلافة إلى مئة خيشة (٧)، فيه متاع رَثٌّ مما حمل إليَّ من مصر، وهو عندهم بدار مَضِيعة، وكان لي في حِمْلٍ منها ألف دينار موضوعة فيه من مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أُمِّ المقتدر، فكلَّمَتْ في ذلك ولدَها، فأطلقه لي، فتسلمته، فإذا الذَّهب لم يَنْقُصْ منه شيء (٨).

стр. 5546

وقد كان [ابن الجصاص] (١) مع ذلك مغفلًا شديدَ التغفيل في كلامه وأفعاله، وقد ذكر عنه أشياء تدُلُّ على ذلك، وقيل: إنه إنما كان يفعل ذلك ليظهر أنه مُغَفَّل، وقيل: إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدُّعابة، والله تعالى أعلم. وفيها توفي: عبد اللّه بن محمد القَزْويني. وعلي بن سليمان بن الفَضْل (٢) أبو الحسن، الأخْفَش. روى عن المبرِّد، وثعلب، واليزيدي، وغيرهم. وعنه: المَرْزُباني (٣) والمعافى وغيرهما. وكان ثِقَةً في نقله، فقيرًا في ذات يده، توصَّل إلى أبي علي بن مُقْلة حتى كلَّم فيه الوزير عليَّ بن عيسى في أن يُرَتِّب له شيئًا، فلم يجبه إلى ذلك، وضاق به الحال حتى كان يأكل اللِّفْت النِّيء، فمات فجأةً من كثرة أكله، وذلك في شعبان من هذه السنة، والله أعلم، وهذا هو الأخفش الصَّغير. والأوسط هو سعيد بن مَسْعدة (٤)؛ تلميذ سيبويه. وأما الأكبر فهو أبو الخَطَّاب عبد الحميد بن عبد المجيد (٥)، من أهل هَجَر؛ وهو شيخ سيبويه، وأبي عُبَيْدة (٦) وغيرهما. وأبو بكر محمد بن السَّرِي السَّرَّاج النَّحْوي (٧)، صاحب "الأصول" في النحو، قاله ابن الأثير (٨). ومحمد بن المسيّب الأرْغِياني (٩).

стр. 5547

ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمئة فيها عاث أبو طاهر القِرْمطي وهو سليمان بن أبي سعيد الجنَّابي - لعنه اللّه - في الأرض فسادًا، حاصر الرَّحْبة (١)، فدخلها قهرًا، وقتل من أهلها خَلْقًا، وطلب منه أهل قَرْقِيسيا الأمان فأَمَّنهم، وبعث سرايا إلى ما حَوْلها من الأعراب فقتل منهم خَلْقًا أيضًا، حتى صاروا إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وقرَّر على الأعراب إتاوة (٢) يحملونها إلى هَجَر في كل سنة، عن كل رأس ديناران. وعاث في نواحي المَوْصل وسِنْجار وتلك الدِّيار (٣)، وقتل وسبى (٤) ونهب، فقصده مؤنس الخادم، فلم يتواجها، ثم رجع إلى بلده [هَجَر] (٥) فابتنى بها دارًا سَمَّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي الذي ببلاد المغرب باني (٦) المَهْديَّة، وتفاقم أمره، وكَثُرَ أتباعه، وصاروا يَكْبِسُون القرية من أرض السواد، فيقتلون أهلها وينهبون أموالها، ورام في نفسه دخول الكوفة وأخْذَها فلم يقدر على ذلك، وعصمها الله منه. ولما رأى الوزير على بن عيسى ما يفعل هذا الهَجَري القِرْمِطي ببلاد الإسلام، والخليفة وجيشه ضعفاء عن مقاومته، استعفى من الوزارة، وعزل نفسه عنها، فسعى فيها أبو على بن مُقْلة؛ الكاتب المشهور (٧)، فوليها بسفارة نَصْر الحاجب وأبي عبد اللّه البَريدي - بالباء الموحدة، من البريد، ويقال: اليزيدي؛ لخدمة جدِّه يزيد بن منصور الحِمْيَري (٨) - ثم جهَّز الخليفة جيشًا كثيفًا مع مؤنس الخادم، فاقتتلوا مع القرامطة، فقتلوا من القرامطة خَلْقًا كثيرًا، وأسروا منهم طائفًة كثيرةً من أشرافهم، ودخلوا مع مؤنس الخادم إلى بغداد، والأسارى بين يديه، وأعلام من أعلامهم بيض منكَّسة مكتوب عليها ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، وطابت أنْفُس أهل بغداد، وانكسر شر القرامطة الذين كانوا قد نشؤوا وكثروا وأظهروا رؤوسهم بأرض العراق، ونهبوا كثيرًا من القرايا، وفوضوا أمرهم إلى رجلٍ يقال له حريث بن مسعود - لا أسعده اللّه - ودعوا إلى المهدي الذي ظهر ببلاد المغرب وبنى المهدية جد الخلفاء الفاطميين، وهم أدعياء فيما ذكروا

стр. 5548

لهم من النسب كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء كما سيأتي تفصيله وبيانه في موضعه إن شاء اللّه (١). وفي هذه السنة وقعت وحشة بين مؤنس الخادم وبين المقتدر؛ وسبب ذلك أن نازوك أمير الشرطة وقع بينه وبين هارون بن غريب - وهو ابن خال المقتدر - فانتصر هارون على نازوك، وشاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء، فبلغ ذلك مؤنس الخادم وهو بالرَّقَّة، فأسرع الأوبة إلى بغداد، واجتمع بالخليفة فتصالحا، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة، فقويت الوحشة بينهما، وانضمَّ إلى مؤنس جماعةٌ من الأمراء، وترددت الرسل بينهما، وانقضت هذه السنة والأمر كذلك. وهذا كلُّه من ضعف الأمور واضطرابها، وكثرة الفتن وانتشارها. وفيها كان مقتل الحسن (٢) بن القاسم الدَّاعي العلوي؛ صاحب الرَّي على يد صاحب الدَّيْلَم وسُلْطانهم يومئذٍ مَرداويج المجرم، قبحه الله (٣). وممن توفي فيها من الأعيان: بُنان بن محمد بن حَمْدَان بن سعيد (٤) أبو الحسن: الزَّاهد، ويعرف بالحَمَّال. روى الحديث عن الحسن بن عرفة، وكان يضرب بزهده المثل، وكانت له كرامات كثيرة. وله منزلة كبيرة عند النَّاس، وكان لا يقبل من السُّلْطان شيئًا، وقد أنكر يومًا على ابن طولون شيئًا من المنكرات، وأمره بالمعروف، فأَمَر به فألقي بين يدي الأسد، فكان يشمّه ويحجم عنه، فرفع من بين يديه، وعظَّمه النَّاس جدًّا أكثر ما كانوا يعظمونه، وقد سأله بعضُ النَّاس: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد، فقال: لم يكن على بأس، وقد كنت أفكر في سُؤر السِّبَاع (٥)، أهو طاهر أم نجس؟ قالوا: وجاءه رجل فقال له: إن لي على رجل مئة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأنا أخشى أن ينكر ذلك الرجل، فأسألك الدعاء (٦) فقال له: إني رجل قد كبرت (٧). وأنا أحبُّ الحلواء، فاذهب فاشترِ لي

стр. 5549

منها رطلًا، وأْتني به حتى أدعو لك. فذهب الرجل، فاشترى، ثم جاء، ففتح الورقة، فإذا حُجَّته بالمئة دينار. فقال له الشيخ: أهذه حُجَّتك؟ قال: نعم. قال: خذها وخذ الحلواء فأطعِمْها صبيانك (١). ولما توفي خرج أهل مصر في جنازته تعظيمًا لشأنه، وإكرامًا له. ومحمد بن خُرَيم (٢)، ومحمد بن عقيل البَلْخي (٣)، وأبو بكر بن أبي داود السِّجِسْتاني الحافظ بن الحافظ (٤). وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق (٥) بن إبراهيم، الإسْفَرَاييني (٦)، صاحب "الصَّحيح" (٧) المخرَّج على مُسْلم. وقد كان من الحُفَّاظ المكثرين، والأئمة المشهورين. ونَصْر الحاجب للخليفة المقتدر بالله (٨)، وكان من خيار الأمراء، دَيِّنًا عاقلًا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مئة ألف دينار، وخرج بنفسه مُحْتسبًا، فمات في أثناء الطَّريق في هذه السنة. ثم دخلا سنة سبع عشرة وثلاثمئة فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله أخي المقتدر بالله. في المحرم من هذه السنة اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والخليفة، فالتف الأمراء على مؤنس الخادم وتفاقم الحال، وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر بالله وتولية محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، وسلَّموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله، وذلك ليلة السبت للنصف من المُحَرَّم من هذه السنة، وقُلِّد أبو علي بن مُقْلة (٩) وزارته، ونُهبت دار المقتدر بالله وأُخذَ منها شيء كثير، ووجدَ

стр. 5550

لأمِّ المقتدر بالله ستمئة ألف دينار، [وكانت] (١) قد دفنتها في قبر بتربتها، فحُمِلَتْ إلى بيت المال. وأُخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصُّ جواريه من دار الخلافة، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة، وهَرَب منْ كان بها من الججبة والخدم منها، وولي نازوك الحجوبة مضافًا إلى ما بيده من الشرطة، وأُلزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابًا بالخلع من الخلافة، وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء [والأعيان] (٢)، وسلَّم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده أبي الحسين (٣): احتفظ بهذا الكتاب، فلا ترينَّه أحدًا من خلق الله. ولما أُعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين ردَّه إليه، فشكره على ذلك جدًّا، وولَّاه قضاء القُضَاة. ولما كان يوم الأحد السادس عشر من المُحرَّم جلس القاهر باللّه في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مُقْلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر باللّه الخلافة عوضًا عن المقتدر، وأطلق عليَّ بن عيسى من السجن، وزاد في إقطاع جماعةٍ من الأمراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حَمْدان. ولما كان يوم الإثنين جاء الجند، وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وسارعوا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورًا، ثم صلبوه. وهرب الوزير والحَجَبة، ونادوا: يا مقتدر يا منصور. ولم يكن مؤنس يومئذٍ هناك، وجاءت الجنود إلى بابه يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه، وحاجف (٤) دونه خَدَمه. فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف (٥) أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج، فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانًا، فما كان عن قريبٍ حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احتَّزه وأخرجه من بين كتفيه، وجاء المقتدر باللّه فجلس في الدست، واستدعى بالقاهر، فاجلسه بين يديه واستدناه إليه، وقبَّل بين عينيه، وقال: يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد عَلِمْتُ أنك قهرت. والقاهر يقول: اللّه اللّه! نفسي نفسي يا أمير المؤمنين. فقال: وحَقّ رسول اللّه لا جرى عليك مني سوء أبدًا. وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر [إلى الخلافة] (٦). وتراجعت الأمور إلى حالها الأوَّل ببغداد، واستقر المقتدر في الخلافة، وحُمِلَ رأس نازوك

стр. 5551

وأبي الهيجاء بن حمدان فنودي عليهما: هذا رأس من عصى مولاه، وهَرَبَ أبو السَّرايا بن حَمْدان إلى المَوْصل، وكان ابن نفيس من أَشَدِّ النَّاس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرًا فدخل المَوْصل، ثم صار إلى إرْمينيَة، ثم لحق بمدينة القُسْطَنْطينية، فتنصَّرَ [بها] (١) مع أهلها لعنه اللّه وإياهم. وأما مُؤْنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر، وإنما وافق جماعة الأمراء مكرهًا، ولهذا لما أودع المقتدر في داره لم ينله منه سوء، بل كان يطيِّبُ قلبه، ولو شاء لقتله لما طُلب من داره. فلهذا لما عاد [المقتدر] (٢) إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات [بها] (٣) عنده لثقته به. وقرَّر أبا علي بن مقلة على الوزارة، وولَّى محمد بن يوسف أبا عمر قضاء القضاة، وجعل محمدًا أخاه - وهو القاهر بالله - عند والدته بصفة محبوس (٤) عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، وتشتري له السَّراري، وتكرمه غاية الإكرام. ذِكْرُ أخْذِ القرامطة الحجر الأسْود إلى بلادهم وما كان منهم إلى الحجيج، لعن الله القرامطة خرج ركب العراق وأميرهم مَنْصور الدَّيْلَمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب من كلِّ جانب (٥)، فما شعروا إِلَّا بالقِرْمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل النَّاس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام، وفي جَوْف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه اللّه على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، [والسيوف تعمل في الناس] (٦) في المسجد الحرام في الشهر الحرام ثم في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا باللّه وباللّه أنا … يخلق الخَلْق وأُفنيهم أنا فكان النَّاس يفرون [منهم] (٧) فيتعلَّقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا، [بل] (٨)

стр. 5552

يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلوه في الطَّواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذٍ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السُّيوف، فلمَّا وَجَبَ (١) إلى الأرض أنشد وهو كذلك: ترى المحبّينَ صرعى في ديارِهُمُ ..... كِفِتْية الكهفِ لا يدرُونَ كم لبثوا ثم أمر (٢) القِرْمِطِي أن يُدْفن القتلى في بئر زمزم، ودُفن كثير منهم في أماكنهم من الحرم حتى في المسجد الحرام، ويا حَبَّذا تلك القتلة وتلك الضجعة (٣). ولم يُغسلوا ولم يكفنوا، ولم يُصَلَّ عليهم، لأنهم [مُحْرِمون] (٤) شهداء في نفس الأمر ومن خيار الشهداء. وهَدَمَ قبة زمزم، وأمر بِقَلْعِ باب الكعبة، ونَزَعَ كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلًا أن يصعد على ميزاب الكعبة، فأراد ذلك الرجل أن يقتلعه من موضعه، فسقط على أُمِّ رأسه، فمات لعنه الله، وصار إلى أمه الهاوية، فانكفَّ اللعين عند ذلك عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقَّل في يده وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود - شرفه اللّه وكرمه وعظمه - وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردَّوه كما سنذكره في موضعه في سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. ولما رجع إلى بلاده تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه في أن يرد الحجر [الأسود] (٥) ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال، فلم يفعل، فقاتله أمير مكة، فقتله القِرْمِطِي، وقتل أكثر أهله وجُنْده، واستمر ذاهبًا إلى بلاده لعنه اللّه ومعه الحجر وأموال الحجيج. وقد ألحد [هذا اللعين] (٦) في المسجد الحرام إلحادًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يلحقه فيه أحد، وسيجازيه على ذلك الذي ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦] وإنما حمل هؤلاء على هذا الصَّنيع لأنهم كانوا كفارًا زنادقة، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنين ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهدي، وهو أبو محمد عُبَيد اللّه بن ميمون القَدَّاح، وقد كان صباغًا بسَلَمْيَة (٧)، [وكان] (٨) يهوديًا، فادعى أنه أسلم، ثم سار منها فصار

стр. 5553

إلى بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطميٌّ، فصدَّقه على ذلك طائفةٌ كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة، فملك مدينة سِجِلْمَاسة (١)، ثم ابتنى مدينةً وسماها المَهْدية، فكان قرار ملكه بها، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له (٢). وذكر ابنُ الأثير أن المهديَّ كتب إلى أبي طاهر القِرْمطي يلومه على فعله بمكة، حيث سلَّط النَّاس على الكلام في عرضهم، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، وأمره برَدِّ ما أخذ منها، وعَوْده إليها. فكتب إليه بالسَّمْعِ والطاعة، وأنه قد قبل ما أشار به من ذلك (٣). وقد أُسر بعض أهل الحديث في أيدي هؤلاء القرامطة لعنهم اللّه (٤)؛ ثم فرَّج اللّه عنه، فكان يحكي (٥) أن الذي أسره كان يستخدمه [في] (٦) أشق الخدمة وأشدها، وأنه كان يعربد عليه إذا سكر. فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان رجلًا سائسًا. ثم قال: ما تقول في أبي بكر؟ فقلت: لا أدري. فقال: كان ضعيفًا مهينا. وكان عمر فظًا غليظًا. وكان عثمان جاهلًا أحمق. وكان عليٌّ ممخرقًا، أليس (٧) كان عنده أحد يعلمه ما ادَّعى أن في صدره من العِلْم؟ أما كان يمكنه أن يعلِّم هذا كلمة وهذا كلمة؟ ثم قال: هذا كله مخرقة. فلما كان الغد قال لي: لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحدًا. رواه ابن الجَوْزي في "منتظمه" (٨). وروي عن بعضهم [أنه] (٩) قال: كنت في المسجد الحرام يوم اقتلع الحجر الأسود (١٠)، إذ دخل رجل وهو سكران، راكب على فرس، فصفر لها حتى بالت في المسجد الحرام في مكان الطواف، ثم حمل على رجل كان إلى جانبي فقتله، ثم نادى بأعلى صوته: يا حمير (١١)، أليس قلتم في بيتكم هذا ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فأين الأمن؟ فقلت له: أتسمع

стр. 5554

جوابًا؟ قال: نعم. قلت: إنما أراد اللّه: فأمِّنوه. قال: فثنى رأس فرسه، وانصرف (١). وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالًا، فقال: قد أحلَّ اللّه بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى وهؤلاء شرٌّ منهم - ما ذكره في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٢) [الفيل:١ - ٥] ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عَبَدَةِ الأصنام (٣)، فهلا عوجلوا بالعقوبة كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت الحرام، لما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النَّبِيّ الكريم من البلد الذي كان هذا البيت فيه، ليُعْلَم شرف هذا الرسول الكريم الذي هو خاتم الأنبياء، فلما أراد إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عما قريب أهلكهم اللّه، سريعًا عاجلًا غير آجل كما ذكر في كتابه (٤). وأما هؤلاء فكان من أمرهم ما كان بعد تقرر الشَّرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين اللّه بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء (٥) من أكبر الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنَّة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخَّرهُمُ الرَّبُّ ﷻ ليومٍ تشخص فيه الأبصار، واللّه يمهل ويملي ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليملي للظَّالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (٦)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وقال رسول الله ﷺ : "لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم" (٧). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧] وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]. وقال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]. وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَرُّوذي الحَنْبلي (٨)، وبين طائفة من العامة، اختلفوا

стр. 5555

في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فقال الحنابلة: يجلسه معه على العرش. وقال الآخرون: المراد بذلك الشَّفاعة العُظْمى، فاقتتلوا بسبب ذلك، وقتل بينهم قتلى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في "صحيح" البخاري (١) أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، يشفع عند اللّه في أن يأتي لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم، حتى إبراهيم الخليل، ويغبطه به الأوَّلون والآخرون. وفيها وقعت فتنة بالمَوْصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش، وانتشرت، وكثر أهل الشر [فيها] (٢) واستظهروا، وجرت بينهم شرور ثم سكنت (٣). وفيها وقعت فتنة ببلاد خُرَاسان بين بني سامان (٤) وأخيهم (٥) نصر بن أحمد الملقب السَّعيد (٦). وخرج في شعبان خارجيٌّ بالمَوْصِل، وخرج آخر بالبوازيج (٧)، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شَرُّهم وتفرق أصحابهم (٨). وفيها التقى مفلح السَّاجي وملك الرُّوم الدُّمُسْتق، فهزمه مفلح، وطرد وراءه إلى أرض الروم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، ولله الحمد. وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رمادًا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز، فامتلأت منه البيوت. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن الحسن (٩) [بن العباس] (١٠) بن الفرج (١١) بن شُقَيْر (١٢)، أبو بكر النَّحْوي.

стр. 5556

كان عالمًا بمذهب الكوفيين، وله فيه تصانيف. أحمد بن مهدي بن رستم (١): العابد الزَّاهد، أنفق في طلب العِلْم ثلاثمئة ألف دِرْهم، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، وقد روى الحافظ أبو نُعَيْم بسنده عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له: إني قد امتحنت بمحنة؛ أكرهت على الرِّنا وأنا حُبْلى منه، وقد تسترتُ بك، وزعمت أنك زَوْجي، وأن هذا الحَمْل منك، فاسترني سَتَرَك اللّه ولا تفضحني. فسكت عنها، فلما وضعت جاءني أهل المحلَّة وإمام مسجدهم يهنئونني بالولد، فأظهرت البِشْر، وبعثت فاشتريت بدينارين شيئًا حلوًا [وأطعمتهم] (٢)، وجَعلت أرسل إليها مع إمام المسجد كل شهر دينارين صفة نفقة الولد، [وأقول: اقرئها مني السَّلام، فإنه قد سبق مني ما فَرَّق بيني وبينها] (٣). فمكثت كذلك سنتين، ثم مات المولود، فجاؤوني يعزونني فيه، فأظهرت التغمم والحزن عليه، فجاءتني المرأة بالدَّنانير التي كنت أرسل بها إليها [نفقة الولد] (٤)، قد جمعتها [في صرة] (٥) عندها [فقالت لي: سترك اللّه وجزاك خيرًا، وهذه الدنانير التي كنت ترسل بها] (٦) فقلت: يا هذه إني إنما كنت أرسل بها صِلَةً للولد [وقد مات وأنت ترثينه] (٧)، فخذيها، فافعلي بها ما شئت [فدعت، وانصرفت] (٨). بَدْر بن الهَيْثم (٩) بن خَلَف بن خالد بن راشد بن الضَّحَّاك بن النُّعْمان [بن محرق بن النعمان بن المنذر] (١٠) أبو القاسم، اللَّخْمي (١١)، الفاضي، الكوفي. نزل بغداد، وحدَّث بها عن أبي كُرَيب وغيره. وكان سماعُه للحديث بعدما جاوز أربعين سنة، وكان ثِقَةً نبيلًا، عاش مئة سنة وسبع عشرة سنة. وكانت وفاته في شوال من هذه السنة بالكوفة.

стр. 5557

عبد اللّه بن محمَّد بن عبد العزيز (١) بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهِنْشاه، أبو القاسم، البَغَوي (٢)، ويعرف بابن بنت مَنيع. ولد سنة ثلاث عشرة، وقيل أربع عشرة ومئتين. ورأى أبا عبيد [القاسم بن سلام] (٣) ولم يسمع منه، وسمع من أحمد [بن حنبل] (٤)، وعليِّ بن المَديني، ويحيى بن معين، وعلي بن الجَعْد، وخَلَف بن هشام البَزار، وخَلْق. وكان معه جُزْءٌ فيه سماعه من ابن معين، فأخذه منه موسى بن هارون الحافظ، فرماه في دِجلة، وقال: تريد أن تجمع بين الثلاثة؟ وقد تفرَّد عن سبعة وثمانين شيخًا، وكان ثِقَةً حافظًا ضابطًا، روى عنه الحُفَّاظ، وله مصنَّفات. قال موسى بن هارون الحافظ: كان ابن بنت منيع ثقة صدوقًا، فقيل له: إن هاهنا ناسًا يتكلَّمون فيه. فقال: يحسدونه، ابن بنت منيع لا يقول إِلَّا الحق. وقال ابن أبي حاتم وغيره: [أحاديثه] (٥) تدخل في الصَّحيح. وقال الدَّارقطني: كان البغوي قلَّما يتكلَّم على الحديث، فإذا تكلَّم كان كلامه كالمِسْمار في السَّاج. وقد ذكره ابن عديٍّ في "كامله"، فتكلَّم فيه، وقال: حَدَّث بأشياء أُنكرت عليه، وكان معه طرف من معرفة الحديث والتَّصانيف. وقد انتدب ابن الجَوْزي للردِّ على ابن عَدِيٍّ في هذا الكلام، وذَكَرَ أنَّه توفي ليلة عيد الفِطْر من هذه السنة، وقد استكمل مئة سنة وثلاث سنين وشهورًا، وهو مع ذلك صحيح السَّمْع والبَصَر والأسنان، يطأ الإماء (٦). وكانت وفاته ببغداد، ودُفِن بمقبرة باب التِّبْن، ﵀ وأكرمَ مثواه.

стр. 5558

محمد بن أبي الحسين [أحمد] (١) بن محمد بن عمَّار (٢): الشَّهيد الحافظ، أبو الفَضْل الهَرَوي، ويُعْرَف بابن أبي سَعْد (٣). قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها عن محمد بن عبد اللّه الأنْصاري. وحدَّث عنه ابنُ المُظَفَّر الحافظ. وكان من الثِّقات الأثبات الحُفَّاظ المتقنين، له مناقشاتٌ على بضعة عشر حديثًا من "صحيح" مُسْلم. قتلته القرامطة يوم التَّرْوية بمكة في هذه السَّنة في جُمْلة منْ قَتَلوا، ﵀ وأكرم مثواه، وجعل جنات الفِرْدوس منقلبه ومثواه. الكَعْبيُّ المُتَكَلِّم (٤): هو أبو القاسم، عبد الله بنُ أحمدَ بن محمود، البَلْخي، الكَعْبي، المتكلِّم (٥)، نسبةً إلى بني كعب؛ أحد مشايخ المُعْتزلة، وهو الذي تنسب إليه الطائفة الكَعْبية منهم. قال القاضي ابن خَلِّكان: وكان من كبار المتكلِّمين، وله اختياراتٌ في عِلْم الكلام؛ من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال اللّه تعالى تقع بلا اختيار ولا مشيئة (٦). هكذا أورده عنه. قلب: وقد خالف الكَعْبيُّ نَصَّ القرآن في غير ما موضع منه. قال اللّه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] إلى غير ذلك مما هو معلوم بالضرورة بصريح العقل وصحيح الشرع.

стр. 5559

ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمئة فيها عزل الخليفة المقتدر باللّه وزيره أبا علي بن مُقْلة، فكانت مُدَّة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مَخْلَد، وجعل على بن عيسى ناظرًا معه. وفي جُمادى الأولى منها أُحرقت دار أبي علي بن مقلة، وكان قد أنفقَ عليها مئةَ ألفِ دينار، فانتهبَ النَّاس أخشابها وما وجدوا فيها منْ حديدٍ ورصاصٍ وغير ذلك، وصادره الخليفة بمئتي ألف دينار. وفيها طرد الخليفة الرَّجَّالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد؛ وذلك أنهم لما ردُّوا المقتدر إلى الخلافة شرعوا يَنْفِسُون بكلامٍ كثير عليهم (١)، يقولون: منْ أعان ظالمًا سُلِّط عليه. ومن أصعد الحمار إلى السطح [لم] (٢) يقدر ينزله. فأمر بإخراجهم عن بغداد، ومن أقام منهم عوقب. فأُحرقت دورٌ كثيرة من أقربائهم، واحترق بعض نسائهم وأولادهم، فخرجوا منها في غاية الإهانة، فنزلوا واسط، وتغلَّبوا عليها، وأخرجوا عامِلَها [منها] (٣)، فركب إليهم مؤنسٌ الخادم، فأوقع بهم بأسًا شديدًا، وقتل منهم خَلْقأ كثيرًا، فلم يقم لهم بعد ذلك راية (٤). وفي ربيع الأول منها عَزَلَ الخليفة ناصرَ الدَّوْلة بنَ حمدان عن المَوْصل، وولَّى عليها عمَّيْه سعيدًا ونصرًا ابني حمدان، وولَّاه ديار ربيعة: نَصِيبين وسِنْجار والخابور ورأس العين، ومعه مَيَّافارقين وأرْزَن، ضمن ذلك من الخليفة بمالٍ يحمله [إليه] (٥) في كل سنة. وفي جمادى الأولى خرج رجل ببلاد البوازيج يقال له صالح بن محمود، فاجتمع عليه جماعةٌ من بني مالك، ثم سار إلى سِنْجار فحاصرها، فدخلها، وأخذ شيئًا كثيرًا من أموالها، وخطب بها خطبة، وعظ وذكر وحذر، فقال في جملة ما قال: نتولَّى الشَّيْخين، ونبرأُ من الخبيثين (٦)، ولا نرى المسحَ على الخُفَّين. ثم سار فعاث في الأرض فسادًا، فانْتُدبَ له نصر بن حمدان فقاتله، فَأُسر صالح بن محمود هذا ومعه ابنان له، فحمل إلى بغداد، فدخلها وقد أُشهر شهرة فظيعة (٧).

стр. 5560

وخرج آخر ببلاد المَوْصل، فاتَّبعه ألف رجل، فحاصر أهل نَصِيبين، فخرجوا إليه، فاقتتلوا معه، فَقَتَلَ منهم مئة وأسر ألفًا، ثم باعهم من نفوسهم، وصادر أهلها بأربعمئة ألف دِرْهم، فانْتُدبَ له ناصر الدولة بن حمدان ففاتله، فظفر به، فأسره وسيره إلى بغداد أيضًا، وللّه الحمد. وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون، وركب معه الوزير والجيش، وأعطاه نيابة فارس وكَرْمان وسِجِسْتان ومُكْرَان (١)، وخلع على ابنه أبي العَبَّاس الرَّاضي، وجَعَله نائب بلاد المغرب ومِصْر والشَّام، ويكون مؤنس الخادم يَسُدُّ عنه أمورها. وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي، وخرج الحجيج بخُفَارة وبَذْرَقَةٍ (٢) حتى سلموا في الذهاب والإياب من القرامطة، وللّه الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن إسحاق (٣) بن البُهْلول بن حَسَّان بن سِنَان (٤): أبو جعفر، التَّنُوخي، القاضي، الحَنَفي، العَدْل الثقة، الرِّضى. وكان فقيهًا ثقة نبيلًا، سمع الحديث الكثير، وورى عن أبي كُرَيب حديثًا واحدًا، وكان عالمًا بالنَّحْو، فصيحَ العِبارة، جَيدَ الشِّعْر، محمودًا في الأحكام. اتفق أن السيدة أُمَّ المقتدر وقفت وقفًا، وجعل الحاكم هذا عنده نسخة في سلة الحكم، ثم أرادتْ أن تنقض ذلك الوقف، فطلبت الحاكم وأن يُحْضِرَ معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه، فلما حَضَرَ من وراء الستارة فَهِمَ المقصود فقال لها: لا يمكن هذا، لأني خازن المسلمين، فإما أن تعزلوني عن القضاء وتولّوا على هذا غيري، وإما أن تتركوا هذا الذي تريدونه، فلا سبيل إليه. فشكته إلى ولدها المقتدر، فشفع عنده المقتدر بذلك، فذكر له صورة الحال. فرجع إلى أُمه فقال: إن هذا الرجل ممن يُرغب فيه، ولا سبيل إلى عزله والتلاعب به. فرضيت السيدة عنه، وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك. فقال: من قَدَّم أمر اللّه على أمر العباد كفاه اللّه شرَّهم (٥)، [ورزقه خيرهم] (٦).

стр. 5561

كانت وفاته في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين. يحيى بن محمد بن صاعد (١): أبو محمد، مولى أبي جعفر المنصور. رحل في طلب الحديث، وكتب وَسَمعَ وحفظ، وكان من كبار الحُفَّاظ، وشيوخ الرُّواة، وكتب عنه جماعة من الأكابر، وله تصانيف تَدُلُّ على حفظه وفقهه وفهمه. وكانت وفاته ببغداد، ودُفن بباب الكوفة في هذه السنة، وله تسعوا (٢) سنة. الحسن بن علي بن أحمد (٣) بن بشَّار بن زياد: المعروف بابن العلاف، الضَّرير، النَّهْرواني، الشَّاعر المشهور. كان أحد سُمَّار الخليفة المعتضد باللّه، وله مَرْثَاة طَنَّانة في هِرٍّ له، قتله جيرانه لأنه أكل فراخ الحمام من أبراجهم، وفيها آداب ورِقَّة، ويقال: إنه أراد بها رثاء ابن المعتز (٤)، لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر باللّه حين قتله. وأولها: يا هِرُّ فارقْتَنَا ولم تَعُدِ … وكُنْتَ عِنْدي بِمَنْزِلِ الوَلَدِ وهي خمسة وستون بيتًا. ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمئة في المحرم من السنة دخل الحجيج إلى بغداد، وقد خرج مؤنس الخادم للحج في هذه السنة في جيشٍ كثيف، خوفًا من القرامطة، ففرح المسلمون بذلك، وزينت بغداد يومئذٍ، وضربت الخيام والقباب لمؤنس الخادم، وقد بلغ مؤنس الخادم في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه، فعدل بالناس عن جادة

стр. 5562

الطريق، فأخذ بهم في شعاب وأوذية، فتاهوا هنالك أيامًا، فشاهد النَّاس هنالك عجائب، وغرائب ورأَوْا عظامًا في غاية الضخامة، وشاهدوا أناسًا قد مُسخوا حجارة، ورأى بعضهم امرأةً واقفة على تَنُّور [تَخبز فيه] (١) قد مُسِخت حجرًا، والتَّنُّور قد صار حجرًا. وحمل مؤنسٌ من ذلك شيئًا كثيرًا إلى الحضرة ليصدق ما يخبر به من ذلك. ذكره ابنُ الجَوْزي في "منتظمه". فيقال: إنهم مِنْ قَوْمِ عاد أو ثمود (٢). وفيها عزل المقتدر سليمان بن الحسن الوزير بعد سنة وشهرين وتسعة أيام، واستوزر مكانه أبا القاسم عبيد اللّه بن محمد الكَلَوْذاني، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام، واستوزر الحسين بن القاسم، ثم عزله أيضًا. وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس الخادم؛ بسبب أن الخليفة ولّى الحِسْبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت، وكان أميرًا على الشرطة أيضًا. فقال مؤنس: إن الحسبة لا يتولَّاها إِلَّا القضاة والعدول، وهذا لا يصلح لها. ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضًا، وانصلح الحال بينهما. ثم تجدَّدتِ الوحشة بينهما في ذي الحِجَّة من هذه السنة، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر باللّه كما سنذكره (٣). وفي هذه السنة أوقع ثَمَل متولي طَرَسُوس بالرُّوم وقعةً عظيمة جدًّا، قتل منهم خَلْقًا كثيرًا، وأسر نحوًا من ثلاثة آلاف، وغنم من الذهب والفضة والدِّيباح شيئًا كثيرًا جدًّا، ثم أوقع بهم مَرَّة ثانية كذلك. وكتب ابن الدَّيْراني الأرْمني إلى الرُّوم يحضُّهم على الدُّخول إلى بلاد الإسلام، ووعَدَهُمْ منه النَّصْر والإعانة، فدخلوا في جحافلَ كثيرة جدًّا، وانضاف إليهم الأرْمني، فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبي السَّاج وهو يومئذ نائب أذْرَبيجَان، واتبعه خَلْقٌ كثير من المطَّوّعة، فقصد أولًا بلاد ابن الدَّيْراني، فقتل من الأرْمَن نحوًا من مئة ألف، وأسر خَلْقًا كثيرًا، وغنم أموالًا جزيلة جدًّا، وتحصَّن ابن الدَّيْراني بقلعة له هنالك، وكاتَب (٤) الرُّومَ، فوصلوا إلى سُمَيْساط فحاصروها، فبعثوا يستصرخون بسعيد بن حمدان؛ نائب المَوْصل، فسار إليهم مسرعًا، فوجدَ الرُّوم قد كادوا يفتحونها، فلما عَلِموا بقدومه أجلوا عنها، واجتازوا بمَلَطْية فانتهبوها، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم، ومعهم ابن نفيس الذي كان قد تنصر

стр. 5563

معهم، وقد كان من أهْلِ بغداد قبل ذلك كما ذكرناه قبل. وركب ابن حمدان في آثار الرُّوم، فدخل بلادهم، فقتل خلقًا كثيرًا منهم [وأسر] (١) وغَنِمَ أشياء كثيرة أيضًا. قال ابنُ الأثير: وفي هذه السنة في شوال منها جاء سَيْلٌ [عظيم] (٢) إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبرًا، وغرق بسببه أربعمئة دار، وخَلْقٌ لا يعلمهم إِلَّا الله، حتى كان المسلمون والنصارى يُدْفنون جميعًا، لا يعرف هذا من هذا (٣). قال: وفيها هاجت بالمَوْصل ريحٌ فيها حمرة، ثم اسْوَدَّت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه [نهارًا] (٤)، وظَنَ النَّاس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك بمطرٍ أرسله الله عليهم (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن (٦): أبو عبد الله الأنْطاكي، قاضي ثغور الشَّام، ويُعْرف بابن الصَّابوني، وكان ثِقَة نبيلًا، قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها. علي بن الحسين بن حَرْب بن عيسى (٧): أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه القاضي بمصر مُدَّة طويلة جدًّا. وكان ثِقَةً عالمًا جليلًا، من خيار القُضَاة وأعدلهم، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور (٨)، وقد ذكرناه في "طبقات الشافعية" بما فيه مقنع وكفاية، وقد استعفى عن القضاء، فعزل عنه في سنة إحدى عشرة وثلاثمئة، ورجع إلى بغداد، فأقام بها حتى مات بها في هذه السنة في صفر، وصلَّى عليه أبو سعيد الإصْطَخْري، ودفن بداره. قال الدَّارَقُطْني: حدَّث عنه أبو عبد الرحمن النَّسائي في "الصحيح"، ولعله مات قبله بعشرين سنة. وذَكَرَ من جلالته وفضله (٩)، ﵀.

стр. 5564

محمد بن الفَضْل بن العباس (١): أبو عبد اللّه، البَلْخِي، الزَّاهد. حُكي عنه أنه مكث أربعين سنةً لم يخط فيها خُطوة لغير اللّه، ولا نظر إلى شيء، فاستحسنه حياءً من اللّه ، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يُمْلِ على مَلَكَيْه قبيحًا (٢). محمد بن سَعْد (٣) أبو الحسين الوَرَّاق: صاحب أبي عثمان النَّيْسابوري. وكان فقيهًا يتكلَّم على المعاملات، ومن جَيِّد كلامه قوله: مَنْ غَضَّ بصره عن مُحرَّم أوْرَثَه اللّه بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها سامعوه، ومن غَضَّ بَصَره عن شُبْهةٍ نوَّر اللّه قلبه بنورٍ يهتدي به إلى طُرُقِ مرضاته. يحيى بن عبد اللّه بن موسى (٤). أبو زكريا الفارسي. كتب بمِصْر عن الرَّبيع بن سليمان، وكان ثِقَةً صدوقًا، حسن الصلاة، عدلًا عند الحكام (٥).

стр. 5565

ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمئة (١) فيها كان مقتل الخليفة المقتدر باللّه، وكان سبب ذلك أن مؤنسًا الخادمَ خرج من بغداد في المُحرَّم من هذه السنة مغاضبًا للخليفة في مماليكه وحشمه، متوجّهًا نحو المَوْصِل، وَرَدَّ من أثناء الطريق مولاه بشرى إلى المقتدر ليستعلم له [أمره] (٢)، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين، [ويعاتبه في أشياء] (٣) فلما وصل أمَرَه الوزير الحسين بن القاسم - وكان من أكبر أعداء مؤنس - بأن يؤديها إليه، فامتنع من أدائها إِلَّا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه، فأمره أن يقولها للوزير فامتنع، وقال: ما أمرني صاحبي بهذا. فشتمه الوزير، وشتم صاحبه [مؤنسًا] (٤) وأمر بضَرْبِهِ ومصادرته بثلاثمئة ألف دينار، وأخذ خطَّه بها، وأمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقَبْض على إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصل من ذلك مالٌ عظيم، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر، ولقبه عميد الدَّوْلة، وضرب اسمه على الدَّرَاهم والدَّنانير، وتمكَّن من الأمور جدًّا، فَعَزل وولَّى، وقطعَ ووصل، وفرح بنفسه حينًا قليلًا. وأرسل إلى هارون بن غريب الخال (٥)، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحَضْرة عِوَضًا عن مؤنس، فصمَّم المُظفَّر مؤنس في مسيره إلى الموصل، وجعل يقول لأمراء الأعراب: إن الخليفة قد ولَّاني المَوْصل وديار ربيعة. فالتف عليه [منهم] (٦) خَلْقٌ كثير، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة، وله إليهم قبل ذلك أيادٍ سابغة. وقد كتب الوزير إلى آل حَمْدان - وهم ولاة المَوْصل وتلك النواحي - يأمرهم بمحاربة مؤنس الخادم، فركبوا إليه في ثلاثين ألفًا، وواجههم مؤنس في ثمان من ممالكيه وخدمه، فهزمهم، ولم يُقتل منهم سوى رجل واحد، يقال له داود، وكان من أشجعهم، وقد كان مؤنس رَبَّاه وهو صغير.

стр. 5566

ودخل مؤنس المَوْصل فقصدته العساكر من كلِّ جانب يدخلون في طاعته؛ لإحسانه إليهم قبل ذلك من أهل بغداد والشَّام ومصر ومن الأعراب، حتى صار في جحافل من الجنود. وأما الوزير الحسين بن القاسم، فإنه ظهرت خيانته وعجزه، فعزله المقتدر في ربيع الآخر [منها] (١) وولّى مكانه الفَضْل بن جعفر بن محمد بن الفُرَات، فكان آخر وزراء المقتدر. وأقام مؤنس بالمَوْصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوَّال قاصدًا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم، فسار - وقد بَعَثَ بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة من بغداد، وقابله عنده ابنُ ياقوت وهارون بن غريب عن كره منه، وأُشير على الخليفة بأن يستدين منْ والدته ما ينفق في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء. وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمْرُ النَّاس، ثم يعود إليها، فردَّه عن ذلك ابنُ ياقوت، وأشار عليه بمواجهة مؤنس وأصحابه، فإنهم متى رَأَوْه كرُّوا كلُّهم إليه، وتركوا مؤنسًا. فرَكبَ وهو كارهٌ، وبين يديه الفقهاء، ومعهم المصاحف منشرةً، وعليه البُرْدة والنَّاس حَوْله، فوقف على تلٍّ عالٍ بعيدٍ من المعركة، ونُوديَ في جيشه: منْ جاء برأسٍ فله خمسة دنانيرٍ، ومن جاء بأسيرٍ فله عشرة دنانير. ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدَّم، فامتنع من التقدُّم إلى محلَّة المعركة، ثم ألحّوا عليه، فجاء بعد تمنُّع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفرُّوا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بُلَيق، فلما رآه ترجَّل، وقبَّل الأرض بين يديه وقال: لعن الله منْ أشار عليك بالخروج في هذا اليوم. ثم وكَّل به قومًا من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم، أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سِفْلَة، إنما أنت خليفةُ إبليس، تنادي في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدُهم بسيفه على عاتقه (٢)، فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر، وتركوا جثته، وقد سلبوه كلَّ شيء كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة، مجدَّلًا على وجه الأرض، حتى جاء رجلٌ فغطَّى عورته بحشيشٍ، ثم دفنه في موضعه وعفَّى أثره. وأخذت المغاربة رأسَ المقتدر على خشبةٍ قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرًا الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه وقال: ويلكم، لم آمركم بهذا،

стр. 5567

لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وابنا رائق إلى المدائن، وكان صنيع مؤنس هذا سببًا لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جدًّا، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعَزْلِ الوزراء؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار. وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين (١) هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل [على الله] (٢) بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي. مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب، ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة. وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس وتسعين ومئتين، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتمَّ ذلك، وانتقض الأمر في ثاني يوم كما ذكرنا (٣). ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد، وألزموه بخلع نفسه، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه القاهر، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا (٤). وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال، حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشَّعْر، مدوَّر الوجه، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له عقل جيد، وفهم وافر، وذِهْنٌ صحيح، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في النَّفقات، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ. كان في داره أحدَ عشر

стр. 5568

ألف خادمٍ خصي، غير الصَّقَالبة [وأبناء فارس] (١) والروم والسودان، وكان له دار يقال لها دار الشجرة، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جدًّا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمئة حين قَدِمَ رسول ملك الروم (٢). وقد ركب المقتدر يومًا في حرَّاقة وجعل يستعجل الطَّعام، فأبطؤوا به فقال لملاح حراقته: ويلك، أعندك شيء نأكله؟ قال: نعم. فأتاه بشيءٍ من لحم الجداية وخبز خشن وملوحات وغير ذلك. فأعجبه، ثم استدعاه فقال: هل عندك شيء من الحَلْواء، فإني لا أحسُّ بالشبع حتى آكل شيئًا من الحلواء. فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوتنا التمر والكسب. فقال: هذا شيء لا أُطيقه. ثُمَّ جيء بطعامه، فأكل منه وأتي بالحلاوات، فأكل وأطعَمَ الملاحين، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل يوم بنحو مئتي درهم تكون في الحراقة إن اتفق ركوبه فيها يأكل منها، [وإن لم يتفق ركوبه كانت للملاح] (٣). فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوب المقتدر فيهما مرة أخرى. وقد أراد بعض خواصِّه أن يطهر ولده، فعمل أشياء هائلة، ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عُمِلَتْ في طهور المقتدر من فِضَّة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطَّفَتْ أم المقتدر عنده حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صِفَةَ قريةٍ من القرى، كلُّها من فضة؛ بيوتها وأهاليها وأبقارها وأغنامها وجمالها وخيولها، وأشجارها وزروعها وثمارها وأنهارها، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فِضَّة مصوَّر، وأمر بنقل سِمَاطه (٤) إلى دار هذا الرَّجل، وأن لا يتكلَّف شيئًا من المطاعم سوى سمك طري. فاشترى الرجل بثلاثمئة دينار سمكًا، وكان جملة ما أنفق المقتدر على سماطه يومئذٍ ألفًا وخمسمئة دينار (٥). وكان كثير الصَّدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصَّوْم والعِبَادة، ولكنه كان مؤثرًا لشهواته، مطيعًا لحظياته (٦)، كثير التلون والولاية والعزل، وما زال ذلك دَأْبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا، فقتل عند باب الشَّمَّاسية لليلتين بقيتا من شوّال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمئة - وله من العمر ثمانٍ وثلاثون سنة وشهر

стр. 5569

وخمسة أيام، وكانت مدة خلافته أربعًا وعشرين سنة وأَحَدَ عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا، فكان أكثر مدَّة من كل من تقدَّمه. خِلافة القاهر لما قُتِلَ المقتدر بالله - كما ذكرنا - عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العبَّاس بن المقتدر (١) بعد أبيه ليطيب قلب أُم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور منْ حضر من الأمراء، فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّوْبختي: بعد التعب والكد نبايع لخليفةٍ له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضر (٢) محمدَ بنَ المعتضد - وهو أخو المقتدر - وبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه القاهر بالله، وذلك في سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من سنة عشرين وثلاثمئة، واستُوزر له أبو علي بن مُقْلة، ثم أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (٣)، ثم أبو العباس بن الخَصيب (٤). وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبُّع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها [الوجع] (٥) من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتلُه، وكيف بقي مكشوفَ العورة، فبقيت أيامًا لا تأكل شيئًا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئًا يسيرًا من الخبز والمِلْح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر، فقرَّرها على أموالها، فذكرت له ما يكون للنساء من الحُلِيِّ والمصاغ والثياب، ولم تقرَّ بشيء من الأموال والجواهر، وقالت: لو كان عندي من هذا شيء ما سلَّمْت ولدي، فأمر بضربها، وعلقت برجلها، ومسّها بعذاب شديد من العقوبة، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم. وأرادها على بيع أوقافها، فامتنعت من ذلك، وأبت أشدَّ الإباء. واستدعى القاهر بجماعةٍ من أولاد المقتدر، منهم: أبو العبَّاس الراضي وهارون والعَبَّاس وعلي والفَضْل وإبراهيم، فأمر بمصادرَتِهم وحَبْسهم، وسلِّمهم إلى حاجبه علي بن بُلَيق، وتمكَّن الوزير أبو علي بن مُقْلة فعزَلَ وولّى، وأخذ وأعطى، ومنع بني البَريدي من أعمالهم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عُمَيْر بن جَوْصَا (٦): أبو الحسن الدِّمَشْقي، أحد المحدِّثين الحُفَّاظ، والرواة الأيقاظ.

стр. 5570

إبراهيم بن محمد بن علي (١) بن بطحاء بن علي بن مقلة (٢)، أبو إسحاق التميمي، المحتسب ببغداد. روى عن عباس الدُّوري، وعليِّ بن حرب وغيرهما، وكان ثِقَةً فاضلًا. مَرَّ يومًا على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، والخصوم عكوفٌ على بابه، والشمس قد ارتفعت عليهمْ، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصلَ بينهم، وإما أن تبعث إليهم فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت (٣). أبو علي بن خَيْرَان (٤): الفقيه الشَّافعي، أحد أئمة المذهب. هو الحسين بن صالح بن خَيْران، أبو علي، الفقيه الكبير الورع البارع، عُرِضَ عليه منصبُ القضاء فلم يفعل، فخَتم الوزير عليُّ بنُ عيسى على بابه ستة عشر يومًا، ولم يجد له أهله ماء إلا منْ بيوت الجيران، ومع هذا كله يمتنع عليه وعليهم، ولم يل لهم شيئًا. فقال الوزير: إنما أردنا أن نُعْلِمَ النَّاس أنْ ببلدنا وفي مملكتنا من عُرِضَ عليه قضاء القضاة شرقًا وغربًا فلم يقبل. وقد كانت وفاتُهُ في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقد ذكرنا ثرجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية، ﵀ (٥). عبد الملك بن محمد بن عَدِي (٦): الفقيه، الإسْتِرَاباذِي، أَحدُ أئمة المسلمين والحُفَّاظ المحدِّثين، وقد ذكرناه أيضًا في "طبقات الشَّافعية" (٧).
следующие страницы →