← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

ودخل مؤنس المَوْصل فقصدته العساكر من كلِّ جانب يدخلون في طاعته؛ لإحسانه إليهم قبل ذلك من أهل بغداد والشَّام ومصر ومن الأعراب، حتى صار في جحافل من الجنود. وأما الوزير الحسين بن القاسم، فإنه ظهرت خيانته وعجزه، فعزله المقتدر في ربيع الآخر [منها] (١) وولّى مكانه الفَضْل بن جعفر بن محمد بن الفُرَات، فكان آخر وزراء المقتدر. وأقام مؤنس بالمَوْصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوَّال قاصدًا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم، فسار - وقد بَعَثَ بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة من بغداد، وقابله عنده ابنُ ياقوت وهارون بن غريب عن كره منه، وأُشير على الخليفة بأن يستدين منْ والدته ما ينفق في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء. وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمْرُ النَّاس، ثم يعود إليها، فردَّه عن ذلك ابنُ ياقوت، وأشار عليه بمواجهة مؤنس وأصحابه، فإنهم متى رَأَوْه كرُّوا كلُّهم إليه، وتركوا مؤنسًا. فرَكبَ وهو كارهٌ، وبين يديه الفقهاء، ومعهم المصاحف منشرةً، وعليه البُرْدة والنَّاس حَوْله، فوقف على تلٍّ عالٍ بعيدٍ من المعركة، ونُوديَ في جيشه: منْ جاء برأسٍ فله خمسة دنانيرٍ، ومن جاء بأسيرٍ فله عشرة دنانير. ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدَّم، فامتنع من التقدُّم إلى محلَّة المعركة، ثم ألحّوا عليه، فجاء بعد تمنُّع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفرُّوا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بُلَيق، فلما رآه ترجَّل، وقبَّل الأرض بين يديه وقال: لعن الله منْ أشار عليك بالخروج في هذا اليوم. ثم وكَّل به قومًا من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم، أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سِفْلَة، إنما أنت خليفةُ إبليس، تنادي في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدُهم بسيفه على عاتقه (٢)، فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر، وتركوا جثته، وقد سلبوه كلَّ شيء كان عليه، حتى سراويله، وبقي مكشوف العورة، مجدَّلًا على وجه الأرض، حتى جاء رجلٌ فغطَّى عورته بحشيشٍ، ثم دفنه في موضعه وعفَّى أثره. وأخذت المغاربة رأسَ المقتدر على خشبةٍ قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرًا الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه وقال: ويلكم، لم آمركم بهذا،

стр. 5567

لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وابنا رائق إلى المدائن، وكان صنيع مؤنس هذا سببًا لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جدًّا، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعَزْلِ الوزراء؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار. وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين (١) هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل [على الله] (٢) بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي. مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب، ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة. وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس وتسعين ومئتين، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتمَّ ذلك، وانتقض الأمر في ثاني يوم كما ذكرنا (٣). ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد، وألزموه بخلع نفسه، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه القاهر، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا (٤). وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال، حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشَّعْر، مدوَّر الوجه، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له عقل جيد، وفهم وافر، وذِهْنٌ صحيح، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في النَّفقات، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ. كان في داره أحدَ عشر

стр. 5568

ألف خادمٍ خصي، غير الصَّقَالبة [وأبناء فارس] (١) والروم والسودان، وكان له دار يقال لها دار الشجرة، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جدًّا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمئة حين قَدِمَ رسول ملك الروم (٢). وقد ركب المقتدر يومًا في حرَّاقة وجعل يستعجل الطَّعام، فأبطؤوا به فقال لملاح حراقته: ويلك، أعندك شيء نأكله؟ قال: نعم. فأتاه بشيءٍ من لحم الجداية وخبز خشن وملوحات وغير ذلك. فأعجبه، ثم استدعاه فقال: هل عندك شيء من الحَلْواء، فإني لا أحسُّ بالشبع حتى آكل شيئًا من الحلواء. فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوتنا التمر والكسب. فقال: هذا شيء لا أُطيقه. ثُمَّ جيء بطعامه، فأكل منه وأتي بالحلاوات، فأكل وأطعَمَ الملاحين، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل يوم بنحو مئتي درهم تكون في الحراقة إن اتفق ركوبه فيها يأكل منها، [وإن لم يتفق ركوبه كانت للملاح] (٣). فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة، ولم يتفق ركوب المقتدر فيهما مرة أخرى. وقد أراد بعض خواصِّه أن يطهر ولده، فعمل أشياء هائلة، ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عُمِلَتْ في طهور المقتدر من فِضَّة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطَّفَتْ أم المقتدر عنده حتى أطلقها له بالكلية، وكانت صِفَةَ قريةٍ من القرى، كلُّها من فضة؛ بيوتها وأهاليها وأبقارها وأغنامها وجمالها وخيولها، وأشجارها وزروعها وثمارها وأنهارها، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فِضَّة مصوَّر، وأمر بنقل سِمَاطه (٤) إلى دار هذا الرَّجل، وأن لا يتكلَّف شيئًا من المطاعم سوى سمك طري. فاشترى الرجل بثلاثمئة دينار سمكًا، وكان جملة ما أنفق المقتدر على سماطه يومئذٍ ألفًا وخمسمئة دينار (٥). وكان كثير الصَّدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف، وكان كثير التنفل بالصلاة والصَّوْم والعِبَادة، ولكنه كان مؤثرًا لشهواته، مطيعًا لحظياته (٦)، كثير التلون والولاية والعزل، وما زال ذلك دَأْبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا، فقتل عند باب الشَّمَّاسية لليلتين بقيتا من شوّال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمئة - وله من العمر ثمانٍ وثلاثون سنة وشهر

стр. 5569

وخمسة أيام، وكانت مدة خلافته أربعًا وعشرين سنة وأَحَدَ عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا، فكان أكثر مدَّة من كل من تقدَّمه. خِلافة القاهر لما قُتِلَ المقتدر بالله - كما ذكرنا - عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العبَّاس بن المقتدر (١) بعد أبيه ليطيب قلب أُم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور منْ حضر من الأمراء، فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّوْبختي: بعد التعب والكد نبايع لخليفةٍ له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضر (٢) محمدَ بنَ المعتضد - وهو أخو المقتدر - وبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه القاهر بالله، وذلك في سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من سنة عشرين وثلاثمئة، واستُوزر له أبو علي بن مُقْلة، ثم أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (٣)، ثم أبو العباس بن الخَصيب (٤). وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبُّع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها [الوجع] (٥) من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتلُه، وكيف بقي مكشوفَ العورة، فبقيت أيامًا لا تأكل شيئًا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئًا يسيرًا من الخبز والمِلْح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر، فقرَّرها على أموالها، فذكرت له ما يكون للنساء من الحُلِيِّ والمصاغ والثياب، ولم تقرَّ بشيء من الأموال والجواهر، وقالت: لو كان عندي من هذا شيء ما سلَّمْت ولدي، فأمر بضربها، وعلقت برجلها، ومسّها بعذاب شديد من العقوبة، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم. وأرادها على بيع أوقافها، فامتنعت من ذلك، وأبت أشدَّ الإباء. واستدعى القاهر بجماعةٍ من أولاد المقتدر، منهم: أبو العبَّاس الراضي وهارون والعَبَّاس وعلي والفَضْل وإبراهيم، فأمر بمصادرَتِهم وحَبْسهم، وسلِّمهم إلى حاجبه علي بن بُلَيق، وتمكَّن الوزير أبو علي بن مُقْلة فعزَلَ وولّى، وأخذ وأعطى، ومنع بني البَريدي من أعمالهم. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عُمَيْر بن جَوْصَا (٦): أبو الحسن الدِّمَشْقي، أحد المحدِّثين الحُفَّاظ، والرواة الأيقاظ.

стр. 5570

إبراهيم بن محمد بن علي (١) بن بطحاء بن علي بن مقلة (٢)، أبو إسحاق التميمي، المحتسب ببغداد. روى عن عباس الدُّوري، وعليِّ بن حرب وغيرهما، وكان ثِقَةً فاضلًا. مَرَّ يومًا على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، والخصوم عكوفٌ على بابه، والشمس قد ارتفعت عليهمْ، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصلَ بينهم، وإما أن تبعث إليهم فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت (٣). أبو علي بن خَيْرَان (٤): الفقيه الشَّافعي، أحد أئمة المذهب. هو الحسين بن صالح بن خَيْران، أبو علي، الفقيه الكبير الورع البارع، عُرِضَ عليه منصبُ القضاء فلم يفعل، فخَتم الوزير عليُّ بنُ عيسى على بابه ستة عشر يومًا، ولم يجد له أهله ماء إلا منْ بيوت الجيران، ومع هذا كله يمتنع عليه وعليهم، ولم يل لهم شيئًا. فقال الوزير: إنما أردنا أن نُعْلِمَ النَّاس أنْ ببلدنا وفي مملكتنا من عُرِضَ عليه قضاء القضاة شرقًا وغربًا فلم يقبل. وقد كانت وفاتُهُ في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقد ذكرنا ثرجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية، ﵀ (٥). عبد الملك بن محمد بن عَدِي (٦): الفقيه، الإسْتِرَاباذِي، أَحدُ أئمة المسلمين والحُفَّاظ المحدِّثين، وقد ذكرناه أيضًا في "طبقات الشَّافعية" (٧).

стр. 5571

القاضي أبو عمر المالكي (١) محمد بن يوسف [بن يعقوب] (٢) بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد، أبو عمر، القاضي ببغداد ومعاملاتها من سائر البلاد. وكان من أئمة الإسلام عِلْمًا ومعرفة، وفصاحةً وبلاغةً، وعقلًا ورياسة، بحيث كان يُضْربُ بعقله وحِلْمِهِ (٣) المثل. وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدَّث عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ، وحمل النَّاس عنه عِلْمًا كثيرًا من الفِقْه والحديث، وقد جُمعَ له قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمئة وله مُصنَّفات كثيرة. وجَمَعَ مُسْندًا حافلًا، وكان إذا جلس للتحديث جلس أبو القاسم البَغوي عن يمينه وهو قريبٌ من سنِّ أبيه، وعن يساره ابنُ صاعد، وبين يديه أبو بكر النَّيْسَابوري، وسائر الحُفَّاظ حول سريره من كلِّ جانب. قالوا: ولم يُنتقد عليه حُكْمٌ من أحكامه أخطأ فيه. قلت: وكان من أعظم صواب أحكامه قَتْلُه الحسين بن منصور الحلاج (٤) - قبحه الله وأخزاه - وذلك في سنة تسع وثلاثمئة كما تقدم (٥). وقد كان جميلَ الأخلاق، حسنَ المعاشرة، اجتمع يومًا عنده أصحابُهُ فجيء بثوبٍ فاخرٍ ليشتريه بنحوٍ من خمسين دينارًا، فاستحسنه الحاضرون، فاستدعى بالقَلانسي وأمَرَه أنْ يقطعَ ذلك الثوبَ قلانسَ بعددِ الحاضرين. وله مناقبُ ومحاسن، رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة، وقد رآه بعضُهم في المنام فقيل له: ما فعل بكَ رَبُّك؟ فقال: غَفَرَ لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحَرْبي (٦)، رحمهما الله. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة في صفر منها أحضر الخليفه رجلًا كان يقطع الطريق بدِجْلَة، فَضُرِبَ بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه، وقُطِّعَتْ أيدي أصحابه وأرجُلُهم.

стр. 5572

وفيها أمر القاهر بالله بإبطال الخمور والمغاني والقِيَان، وأمر ببيع الجواري المغنيات في سوق النَّخْس على أنهن سواذج. قال ابن الأثير: وإنما فعل القاهر ذلك لأنه كان محبًا للغناء، فأراد أن يشتري الجواري المغنيات بأرخص الأثمان، نعوذ بالله من هذه الأخلاق (١). وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب عليَّ بن بُلَيق (٢) يريد أن يلعنَ معاويةَ على المنابر، فلما بلغَ ذلك الحاجبَ بعث إلى رئيس الحنابلةِ أبي محمد البَرْبَهاري (٣) الواعظ ليقابلَه على ذلك، فهرب واختفى، فأمر بجماعةٍ من أصحابه، فَحَدَروا بهم إلى البصرة. وفيها عَظَّمَ الخليفة وزيرَه أبا علي بن مُقْلة وخاطبه بالاحترام والإكرام، ثم إن الوزير ومؤنسًا الخادم وعليَّ بن بليق وجماعةً من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خَلْعِ القاهر بالله، وتولية أبي أحمد بن المكتفي، وبايعوه فيما بينهم سِرًّا، وضيَّقوا على القاهر بالله في رِزْقه، و [على] (٤) من يجتمع به وأرادوا القبضَ عليه سريعًا، فبلغ ذلك الخليفة على يدي طريف السبكري (٥)، فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخاليبه الأمير الكبير المظفَّر مُؤْنس الخادم، وأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه - وكانت فيه عَجَلَة وجُرْأة وهَوَج وخَرَقٌ شديد - وجعل في منزلته - إمرة الأمراء ورياسة الجيش - طريفًا السبكري، وقد كان أحدَ الأمراء (٦) عند مؤنس الخادم قبل ذلك. وقَبَضَ على بُلَيْق، واختفى ولده علي بن بُلَيق، وكذا هرب الوزير أبو علي بن مُقْلَة، فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله في مستهل شعبان، وخلع عليه، وأمر بتحريق دار أبي علي بن مُقْلة، ووقع النَّهْبُ ببغداد، وهاجتِ الفتنة، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد بن المكتفي بين حائطين ويُسَدَّ عليه بالآجُرِّ والكلس، وهو حيٌّ، فمات. وأرسل إلى المختفين فنادى: إن منْ أخفاهم [قتل و] (٧) خربت داره. فوقَعَ بعلي بن بليق فقتله؛ ذُبِحَ بين يديه كما تُذْبحُ الشاة، فأخذ رأسه في طَسْتٍ، ودخل القاهر بنفسه على أبيه بُلَيْق، فوضع الرأس بين يديه، فلما رآه بكى، وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضًا فَذُبِحَ، ثم أخذ الرأسين في

стр. 5573

طَسْتين، فدخل بهما على مُؤْنس الخادم، فلما رآهما تشهّد ولعن قاتلهما، فقال القاهر عند ذلك: جروا برجل الكلب، فأُخِذَ فَذُبِحَ أيضًا، وأُخِذَ رأسه فوضِعَ في طَسْتٍ، وطيف بالرؤوس في بغداد [ونودي عليهم] (١): هذا جزاء منْ يخون الإمام، ويسعى في الدولة فسادًا. ثم أُعيدت الرؤوس إلى خزائن السِّلاح. وفي ذي القَعْدة قَبَضَ القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وسجنه، وكان مريضًا بالقُولَنْج، فبقي ثمانية عشر يومًا ومات، فكانت وِزَارَتُه ثلاثةَ أشهر واثني عشر يومًا. واستوزر مكانه أبا العَبَّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد (٢) الخَصِيبي، ثم قبض على طريف السبكري [الذي تعاون على مؤنس وابن بليق] (٣) وسَجَنه، [ولهذا قيل: من أعان ظالمًا سلطه الله عليه] (٤) فلم يَزَلْ فيه حتى خُلِعَ القاهر. وفيها جاء الخبر بموتِ تكين الخاصَّة (٥) بديار مصر، وأن ابنه محمدًا قد قام بالأمر بعده، وسارت الخِلَع إليه من القاهر بالله تنفيذًا لولايته واستقرارها. ذِكْرُ ابتداءِ أمر بني بُوَيْه وظهور دَوْلتهم في هذه السنة وهم ثلاثة إخوة: عمادُ الدَّوْلة أبو الحسن علي، وركن الدَّوْلة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بُوَيْه بن فنَّاخُسْرُو بن تَمَام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شيركنده (٦) بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرفنَّه بن سَسْتان (٧) شاه بن سَسَن (٨) فَرُو بن شَرْوزيل بن سنساذَر (٩) بن بَهْرَام جُور الملك بن يَزْدَ جِرْد الملك [بن هُزمُز الملك] (١٠) بن سابور

стр. 5574

الملك بن سابور ذي الأكتاف الفارسي. كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكُولا في كتابه (١). وإنما قيل لهم الديالمة؛ لأنهم جاوروا الدَّيْلَم، وكانوا بين أظهرهم مُدَّة، وقد كان أبوهم أبو شجاع بُوَيْه فقيرًا مُدْقَعًا، يصطاد السَّمَك، ويحتطب بنوه الحطب على رؤوسهم، فماتت امرأته، وخلَّفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة، فَحَزنَ عليها، فبينما هو ذات يوم عند بعض أصحابه وهو شهريار بن رستم الدَّيْلمي، إذ مَرَّ منجم فاستدعاه فقال له: إني رأيتُ منامًا غريبًا [أحب أن تفسره لي] (٢) رأيت كأني أبول، فخرج من ذَكَري نارٌ عظيمة حتى كادت تبلغ عَنَان السماء، ثم انفرقت ثلاث شُعَب، ثم انتشرت كلُّ شعبة إلى شُعَبٍ كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النَّار، ورأيت البلاد والعِبَاد قد خضعت لهذه النار. فقال له المنجِّم: هذا منامٌ عظيم لا أفسِّره لك إلا بمالٍ جزيل. فقال: والله لا شيء عندي أعطيك، ولا أملك غير فرسي هذه. فقال: هذا يدُلُّ على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عِدَّة. فقال له: ويحك، أتسخر بي؟ وأمر بنيه فصفعوه، وأعطاه عشرة دراهم. فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قَدِمْتُ عليكم وأنتم ملوك. وخرج وتركهم. وهذا من أعجب الأشياء، وذلك أن هؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له ما كان بن كالي في بلاد طَبَرْستان، فتسلَّط عليه مَرْدَاويج، فَضَعُفَ ما كان، فشاوروه في مفارقته حتى يكون من أمره خير، فخرجوا عنه ومعهم جماعةٌ من الأمراء، فصاروا إلى مَرْدَاويج، فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة علي بن بُوَيه نيابة الكَرَج (٣)، فأحسن فيها السِّيرة، والتفَّ عليه الناس وأحبوه، فحسده مرداويج، وبعث إليه يعزله عنها، ويستدعيه إليه، فامتنع من القدوم عليه، وصار إلى أصبهان، فحاربه نائبها فقهره عماد الدولة واستولى عليها. وإنما كان معه سبعمئة فارس، فَرَدَّ بها عشرة آلاف، وعَظُمَ في أعين الناس، فلما بلغ ذلك مرداويج قَلِق منه، وأرسل إليه جيشًا، فأخرجوه من أصبهان، وقَصَدَ أرَّجان (٤)، فأخذها من نائبها، وحصل له من الأموال شيءٌ كثير جدًّا، ثم أخذ بلدانًا كثيرة، واشتهرَ أمره وبَعُدَ صيته، وحَسُنَتْ سيرته، [فقصده الناس محبة وتعظيمًاي] (٥) واجتمع إليه من الجند خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير، وقد آل بهم الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين، وصار لهم [فيها] القَطْع والوصل، والولاية والعَزْل، وإليهم تجبى الأموال، ويرجع إليهم في سائر الأمور والأحوال، على ما سنذكر ذلك مبسوطًا، والله المستعان المحمود على كل حال.

стр. 5575

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان: أحمد بن محمد بن سَلامة (١) بن سَلمة بنِ عبد الملك: أبو جعفر، الطَّحَاوي، نسبةً إلى طَحَا، وهي قرية بصعيد مصر (٢). الفقيه الحَنَفي، صاحب المصنفات المفيدة والفوائد [الغزيرة] (٣)، وهو أحد الثقات الأثبات، والحُفَّاظ الجهابذة، وطَحَا: بَلْدةٌ بديار مِصْر. وهو ابن أخت المُزَني (٤) رحمهما الله. وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدة من هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة، وذكر أبو سَعْدٍ السَّمْعاني أنه ولد سنة تسع وعشرين ومئتين (٥)، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين، والله أعلم. وذكر ابن خَلِّكان في "الوَفَيات" أن سبب انتقاله إلى مَذْهب أبي حنيفة، ورجوعه عن مذهب خاله المُزَني، أنَّ خاله قال له يومًا: والله لا يجيء منك شيءٌ. فغَضِبَ، واشتغل على أبي جعفر بن أبي عِمْران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنَّف كتبًا كثيرة. منها "أحكام القرآن". و "اختلاف العلماء". و "معاني الآثار"، و "التاريخ الكبير"، وله في الشُّروط كتاب، وكان بارعًا فيها (٦). وقد كتب للقاضي أبي عبيد الله محمد بن عَبْدَة (٧)، وعدَّله القاضي أبو عُبيد بن حَرْبَويه (٨)، وكان يقول: رحم الله المُزَني، لو كان حيًا لكفَّر عن يمينه. وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدَة، ودفن بالقَرَافة، وقبره هنالك مشهور بها، رحمه الله تعالى. وترجمه ابنُ عساكر، وذكر أنه قَدِمَ دمشق سنة ثمانٍ وستين ومئتين، وأخذ الفِقْه عن قاضيها أبي خازم.

стр. 5576

أحمد بن محمد بن موسى بن النَّضْر (١): بن حكيم بن علي بن زربى، أبو بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال. سمع عَبَّاسًا الدُّوري وخلقًا، وعنه: الدَّارَقُطْني وغيره. وكان ثِقَةً صدوقًا، جَوادًا ممدَّحًا، اتفق في أيامه أن رجلًا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حُبًّا شديدًا، فَرَكِبَتْهُ ديونٌ كثيرة اقتضى الحال أن باع تلك الجارية في الدَّيْن، فلما قَبَضَ ثمنها نَدِمَ ندامةً عظيمةً جدًّا [على فراقها] (٢)، وبقي متحيرًا في أمْرِه، وأباعها الذي كانت عنده، فبلغ سيِّدَها أن الجارية قد اشتراها ابن أبي حامد صاحب بيت المال، فتشفَّع إليه ببعض أصحابه في أنْ يردَّها إليه بثمنها. [وذكر له أنه يحبها، وأنه من أهل العلم، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء] (٣) فلما قال له ذلك لم يكن عند [ابن أبي حامد] (٤) شعور بها، وذلك أن امرأته اشترتها له ولم تعلمه بَعْدُ بأمرها حتى تحل من استبرائها، وكان ذلك اليوم آخره فألبسوها الحُليَّ والمَصَاغ، وصنعوها له، وحين شفع عنده في أمرها بُهِتَ لعدم علمه بها. ثم دخل يستكشف خبرها من منزله، فإذا بها قد هُيِّئتْ له وزخرفت، ففرح فرحًا شديدًا إذ وجدها [كذلك] (٥) من أجل ذلك الرجل. فأخرجها معه وهو يُظْهر السرور، [وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها] (٦) فقال لسيدها: هذه جاريتك؟ فلما رآها [على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر] (٧) اضطرب كلامه، واختلط في عقله مما رأى من حُسْن منظرها وهيئتها. قال: نعم. قال: خذها بارك الله لكَ فيها. فَفَرِحَ الفتى [بها] (٨) فرحًا شديدًا. وقال: يا سيدي، تأمر منْ يحمل معي المال؟ فقال: ولا حاجة لي به، وأنت في حِلٍّ منه، فإني أخشى - إن لم يبق معك شيء - أن تبيعها ثانية ممن لا يردُّها عليك. فقال: يا سيدي، فهذا الحُليُّ والمَصَاغ الذي عليها؟ قال: هذا شيء وهبناه لها لا نعود فيه أبدًا. فاشتدَّ فرح الفتى، وأخذها معه. فلما وَدِّعَ ابنُ أبي حامد قال للجارية: أيما كان أحبُّ إليك نحن أو سيِّدُك هذا؟ فقالت: أما أَنْتم فأغنيتموني، فجزاكم الله خيرًا، وأما سيدي هذا فلو أني مَلَكْتُ منه ما ملك مني لم أبِعْهُ بالأموال الجزيلة. فاسْتَحْسَنَ الحاضرون ذلك منْ قولها، مع صغر سنِّها (٩).

стр. 5577

شَنَبَ أُمّ أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقَّبة بالسَّيِّدة (١): كان دخل أملاكها في كلِّ سنة ألف ألف دينار، وكانت تتصدَّق بأكثر من ذلك على الحجيج في أشْرِبَةٍ وأزواد وأطباء يكونون معهم، و [في] (٢) تسهيل الطُّرقات والموارد. وكانت في غاية الحِشْمَةِ والرِّياسة ونفوذ الكلمة أيام خلافة ولدها، فلما قُتلَ كانت مريضةً فزادها [قتله] (٣) مرضًا إلى مرضها، ولما استقر أمْرُ القاهر في الخِلافة وهو ابنُ زَوْجها المُعْتضِد، أخو ابنها [المقتدر] (٤) - وقد كانت حضنته حين توفيت أُمُّه، وخلَّصَتْهُ من ابنها لما كان مؤنس قد بايعه، ولم يتمَّ ذلك - فعاقبها (٥) القاهر عقوبة عظيمة جدًّا، حتى كان يعلِّقها برِجْلها وَرأْسُها منكوس، فربما بالت، فينحدر على وجهها، ليقررها على الأموال التي في يدها، فلم يجد لها شيئًا سوى ثيابها ومَصَاغها وحُلِيِّها في صناديق لها، قيمتها مئة ألف وثلاثون ألف دينار، وجميع ما كان يدخلها تتصدَّق به، ووقفت شيئًا كثيرًا، ولكن كان لها أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشُّهود من أداء الشهادة حتى يجلوها، فَرُفِعَ السِّتْر بإذن الخليفة. فقالوا لها: أنت شَغَبَ جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاءً طويلًا ثم قالت: نعم. وكتبوا حِلْيَتَها؛ عجوز، سمراء اللون، دقيقة الجبين. وبكى الشهود وتفكروا في تقلُّبِ الزمان وتنقل الحَدَثان، [وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها] (٦). وكانت وفاتها في جُمَادى الأولى من هذه السنة، ودُفِنتْ بالرُّصَافة. عبد السَّلام بن محمد (٧) بن عبد الوهَّاب بن سَلام بن خالد بن حُمران بن أبَان: مولى عثمان بن عَفَّان، وهو أبو هاشم بن أبي علي الجُبَّائي المتكلِّم ابن المتكلِّم، المعتزلي ابن المعتزلي، وإليه تنسب البَهْشَمِيَّة (٨) من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه منْ قَبْلِهِ. مولده سنة سبع وأربعين ومئتين، وتوفي في شعبان من هذه السنة. قال القاضي ابن خَلِّكان: وكان له ابن يقال له أبو علي، فدخل يومًا على الصَّاحب بن

стр. 5578

عَبَّاد (١)، فأكرمه واحترمه وسأله عن شيءٍ [من المسائل] (٢) فقال: لا أعرف نصفُ العلم. فقال: صدقتَ، وسبقك أبوك إلى النصف الآخر (٣). محمد بن الحسن بن دريد بن عَتَاهية (٤): أبو بكر بن دُرَيد، الأزْدِي، اللُّغوي النَّحْوي، الشَّاعر، صاحب "المقصورة" (٥). ولد بالبَصْرة في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، وتنقَّلَ في البلاد لطلب العِلْم والأدب، وكان أبوه من ذوي اليَسَار، وقَدِمَ بغداد وقد أسَنَّ، فأقام بها إلى أن توفي. روى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصْمَعي، وأبي حاتم، والرِّياشي. وعنه أبو سعيد السِّيْرافي، وأبو بكر بن شَاذَان، وأبو عبيد الله المَرْزُباني، وغيرهم. ويقال: كان أعلم الشعراء، وأشعر العلماء. وقد كان متهتِّكًا (٦) في الشراب. قال أبو منصور الأزْهري: دَخَلْتُ عليه فوجدْتُه سكران، فلم أعد إليه (٧). وسُئِلَ عنه الدَّارَقُطْني فقال: تكلَّموا فيه. وقال ابنُ شاهين: كنا ندخل عليه فنستحيي مما نرى من العِيْدان المعلَّقة [وآلات اللهو] (٨) والشَّراب المصفَّى، وقد جاوز التسعين وقارب المئة (٩). وكانت وفاته في يوم الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من شعبان. وفي هذا اليوم كانت وفاة أبي هاشم بن أبي علي [الجبائي المعتزلي] (١٠) فصُلِّيَ عليهما معًا، ودُفِنا في مقبرة الخيزرانية وقال النَّاس: مات اليوم علم اللغة، وعلم الكلام. وكان ذلك يومًا مطيرًا.

стр. 5579

ومن مصنَّفات أبن دريد "الجمهرة في اللغة" (١) نحو عشر مجلدات. وكتاب "المطر" و"المقصورة"، والقصيدة الأخرى في "المقصور والممدود"، وغير ذلك، سامحه الله. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة فيها قصد (٢) ملك الرُّوم مَلَطْية في خمسين ألفًا، فحاصرهم، ثم أعطاهم الأمان حتى يتمكَّنَ منهم، فقتل خلقًا كثيرًا، وأسر ما لا يحصون كثرةً، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وفيها وردت الأخبار بأن مَرْدَاويج قد تسلَّم أصْبَهَان وانتزعها من عليِّ بن بُوَيْه، وأنَّ عليَّ بنَ بُوَيْه توجه إلى أرَّجان فأخذها، وقد أرسل ابن بويه إلى الحضرة الخليفية بالطَّاعة والمعونة، وإن أمكن أن يقبِّل العَتَبة الشريفة، ويحضُر بين يدي الخليفة إن رسم، أو يذهب إلى شِيْراز، فيكون مع ابنِ ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز، وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتالِ عظيم، ظفر فيه ابنُ بويه بابن ياقوت وأصحابه، فقتل منهم خلقًا وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسنَ إليهم وخَلَعَ عليهم، وعَدَلَ في النَّاس، وكانت معه أموالٌ كثيرة قد استفادها من أصبهان، وقبلها (٣) من الكَرَج ومن هَمَذان وغيرها، إلا أنه كان كريمًا جوادًا مِعْطاءً للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجُنْدُ بأرزاقهم، وخاف أن ينحلَّ نظامُ أمره، فاستلقى يومًا على قفاه مفكرًا في أمره، وإذا حَيَّةٌ قد خرجت من شِقٍّ في سقف المكان الذي هو فيه، ودخلت في آخر، فأمر بنَزْعِ تلك السُّقوف، فوجد هنالك مكانًا فيه من الذهب شيءٌ كثير جدًّا؛ نحو من خمسمئة ألف دينار، فأنفق في جيشه ما أراد، وبقي عنده شيء كثير. وركب ذات يوم يتفرَّج في جوانب البلد، وينظر إلى أبنية الأوائل، ويتعظ بمن كان قبله، فانخسفت الأرض من تحت قائمة جواده، فأمر بحفر ما هنالك، فوجد من الأموال شيئًا كثيرًا أيضًا. واستعمل عند رجلٍ خياط قماشًا ليلبسه، فاستبطأه في صنعتها، فأمر بإحضاره، فلما أُوقف بين يديه تهدَّده - وكان الرجل أصمَّ لا يسمع جيدًا فقال: والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثني عشر صندوقًا لا أدري ما فيها. فأمر بإحضارها، فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمئة ألف دينار، واطلع على

стр. 5580

ودائع كانت ليعقوب وعمرو ابني اللَّيْث، فيها من الأموال ما لا يُحَدُّ ولا يوصف كثرةً، فقوي أمره، وعَظُمَ سلطانه جدًّا. وهذا كلُّه من الأمور المُقَدَّرة لما يريده الله بهم من السَّعادة الدنيوية [بعد الجوع والقلة] (١) ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. وكتب إلى الرَّاضي (٢) ووزيره أبي علي بن مُقْلة يطلب أن يُقاطعَ على ما قبَله من البلاد على ألف ألفٍ في كلِّ سنة، فأجاب الرَّاضي إلى ذلك، وبعث إليه بالخِلع واللِّواء وأبهة الملْك. وفيها قتل القاهر بالله أميرين كبيرين، وهما إسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي، وهو الذي كان قد أشار على الدولة (٣) بخلافة القاهر. وأبو السَّرايا بن حَمْدان أصغرُ ولد أبيه، وكان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنِّيتين، فاستدعاهما إلى المسامرة، فتطيَّبا وحضرا، فأمر بإلقائهما في جُبٍّ هنالك، فتضرَّعا إليه، فلم يرحمهما، فألقيا فيها وطينها عليهما. ذِكرُ خَلعْ القاهر وسَمْلِ عينيه وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مُقْلة كان قد هرب من القاهر حين قَبَضَ على مؤنس الخادم، واختفى في داره، وكان يراسل الجند ويغريهم بالقاهر، ويخوِّفهم سطوته وإقدامه وسُرْعةَ بطشه، وأخبرهم أن القاهر قد أعدَّ لأكابر الأمراء أماكن يسجنهم فيها، ومهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان. فَهَيَّجَهُمْ ذلك وأسهم في القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه السَّاعة، وركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دارَ الخِلافة، فأحاطوا بها، ثم هَجَمُوا على القاهر من سائر أبوابها، فخرج الوزير الخصيبي مستترًا في زي امرأة، وانهزم القاهر وهو مخمور، فاختفى في سَطْحِ حمام، فظهروا عليه، فقبضوا عليه، وحبسوه في مكان طريف السبكري، وأخرجوا طريفًا من السجن، واضطربت بغداد ونُهِبَتْ، وذلك يوم السبت لثلاثٍ خَلَوْن من جُمَادى الأولى من هذه السنة [في الشهر الذي ماتت فيه شغب، فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، وانتقم الله منه] (٤)، ثم أحضروه، فسملوا عينيه على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع بمثله في الإسلام، ثم أرسلوه، فكان تارة يحبس، وتارة يخلى سبيله. وقد تأخر موته إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة (٥)، وافتقر حتى قام يومًا بجامع المنصور فسأل، فأعطاه رجل خمسمئة درهم،

стр. 5581

ويقال: إنه إنما أراد بهذا الصنيع التشنيع على المستكفي بالله، فالله أعلم. وستأتي ترجمته إذا ذكرنا وفاته. خلافة الرَّاضي بالله أبي العَبَّاس محمد (١) بن المقتدر بالله لما خلعتِ الجندُ القاهر، وسملوه، أحضروا أبا العبَّاس محمد بن المقتدر بالله، فبايعوه على الخلافة ولقبوه الرَّاضي بالله. وكان أبو بكر الصُّولي قد أشار بأن يلقب بالمرتضي بالله (٢) فلم يقبل، وعدل إلى هذا اللقب، وذلك يوم الأربعاء لستٍّ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين وثلاثمثة - وجاؤوا بالقاهر وهو أعمى قد سُمِلَتْ عيناه، فأوقف بين يديه، فَسَلَّم عليه بالخلافة وسلَّمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره. وأمر بإحضار أبي علي بن مُقْلة فولَّاه الوزارة، وجعل عليَّ بن عيسى ناظرًا عليه، وأطلق كل منْ كان في حبس القاهر، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمئتي ألف دينار، وتسلَّم منه الوديعة التي كان القاهر أودعها عنده، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفِضَّة والنفائس. وفي هذه السنة عَظُمَ أمر مَرْدَاويج بأصبهان، وتحدث الناس أنه يريد قَصْدَ بغداد، وأنه ممالئ لصَاحب البحرين (٣) [أمير القرامطة] (٤) وقد اتفقا على رَدّ الدَّوْلة من العرب إلى العَجَم، وأساء السيرة في رعيته، لاسيما في خواصه من الأتراك؛ فتمالؤوا على قتله فقتلوه، وكان القائم بأعباء ذلك أخص مماليكه وأحظاهم عنده، وهو بُجْكُمْ بيَّض الله وجهه، وهذا الأمير هو الذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة، وافتداه منهم بخمسين ألف دينار، بذلها لهم حتى ردُّوه إلى مكة، كما سيأتي (٥). ولما قُتِلَ مَرْدَاويج بن زيَّار الدَّيْلَمي عَظُمَ أمر علي بن بُوَيْه، وارتفع قدرُه بين النَّاس، وعلا شأنه في الملوك، وسيأتي ما آل إليه حاله. ولما خُلِعَ القاهر وولي الراضي طَمِعَ هارون بن غريب في الخلافة (٦)، لكونه ابن خال المقتدر،

стр. 5582

وكان نائبًا على ماه والكوفة والدِّيْنور وماسَبَذَان فدعا إلى ذلك، واتبعه خَلْقٌ منَ الجُند والأُمراء، وجبى الأموال، واستفحل أمره، وقويت شوكته، وقصد بغداد، فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة في جميع جيش بغداد، فاقتتلوا هنالك، فخرج في بعض الأيام هارون بن غريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه، فسقط في نهرٍ، فضربه غلامٌ له حتى قتله، وأخذ رأسه وجاء به إلى محمد بن ياقوت، فانهزم أصحاب هارون، ورجع محمد بن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل بين يديه على رمح، ففرح الناس بذلك، وكان يومًا مشهودًا. وفيها ظَهَرَ رجل ببغداد يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشَّلْمغاني، ويقال له ابن أبي العَزَاقر (١)، فذُكر عنه أنه كان يدَّعي ما كان يدَّعيه الحلاج من الإلهية، وكان قد مسك في دولة المقتدر عند حامد بن العَبَّاس، واتهم بأنه يقول بالتَّنَاسخ، فأنكر ذلك، ولما كانت هذه المرة أحضره الرَّاضي، وادعى عليه بما ذُكرَ عنه، فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دَمَه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، [فأبى أن يتوب] (٢) فضرب ثمانين سوطًا، ثم ضربت عنقه، وصلب وألحق بالحلاج، قبحهما الله. وقتل معه صاحبه ابن أبي عَوْن (٣) لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة طائفة ممن اتبعوه وصدَّقوه فيما يزعمه من الكفر. وقد بسط ابن الأثير في "كامله" (٤) مذهب هؤلاء الكفرة بسطًا جيدًا. وادعى رجل آخر ببلاد الشَّاش النبوة، وأظهر مخاريق وأشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه فقتلوه، وانطفأ خبره، واضمحل أمره. وفاة المَهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين فيما زعموا وفيها مات أبو محمد بن عبيد الله - المدَّعي أنه علوي، الملقب بالمهدي، باني المهدية - بمدينته المهدية عن ثلاثٍ وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رَقَّادة (٥) وادَّعى الإمامة - أربعًا وعشرين سنة وشهرًا وعشرين يومًا وهو أول الخلفاء الفاطميين. وقد كان شهمًا شجاعًا، ظَفِرَ بجماعةِ ممن خالفه وناوأه وفاتله وعاداه، وفد قام بأمر الخلافة من بعده ولدُه أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله.

стр. 5583

وحين توفي أبوه كَتَمَ موته سنةً حتى دبَّر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك، وعزَّاه الناس فيه. وقد كان شهمًا شجاعًا كأبيه: فَتَحَ البلاد، وأرسل السرايا إلى بلاد الرُّوم، ورام أخذ الديار المِصرية فلم يتفق له ذلك، وإنما جرى ذلك على يدي ابن ابنه المُعِزّ الفاطمي الذي بنى القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال القاضي ابن خَلِّكان في "الوفيات": وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافًا كثيرًا جدًّا، فقال صاحب "تاريخ القيروان": هو عبيد الله بن الحسن بن علي (١) [بن محمد بن علي] (٢) بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقال غيره: هو عبيد الله بن التقي وهو الحسين بن الوفي أحمد بن الرضي عبد الله، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون، لخوفهم من خلفاء بني العباس. والرضي عبد الله هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق. وقيل غير ذلك في نسبه. قال القاضي ابن خَلِّكان: والمحققون ينكرون دعواه في النسب (٣). قلت: قد كتب غيرُ واحدٍ من الأئمة، منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي الباقلاني، والقُدُوري، أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه، وأن والد عبيد الله هذا كان يهوديًا صباغًا بَسَلِميَّة، وقيل كان اسمه سعد (٤)، وإنما لقب بعبيد الله. وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القَدَّاح، وسمِّي القَدَّاح لأنه كان كحَّالًا يقدح العيون (٥). وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشِّيعي - كما قدمنا - ثم استدعاه، فلما قَدِمَ [عليه] (٦) من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سِجِلْماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي [يحتال به] (٧) حتى استنقذه [من يده] (٨) وسلَّم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي [على تسليمه الأمر] (٩) وهمَّ بقتله، ففطن عبيد الله له، فقتله وقتل معه أخاه.

стр. 5584

ويقال: إن الشِّيعي لما دخل السجن [الذي قد حبس فيه عبيد الله هذا] (١) وجد صاحب سِجِلْمَاسة قد قتله، ووجد في السجن رجلًا مجهولًا فأخرجه للناس، وقال: هذا هو المهدي. ورَوَّج به الأمر، فهؤلاء من سلالته، حكاه القاضي ابن خلكان (٢). وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومئتين، وقيل قبلها، وقيل بعدها، بَسَلَميَّة، وقيل بالكوفة. وأول ما دُعي له على منابر رقَّادة والقيروان يوم الجُمُعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سَبْع وتسعين ومئتين، بعد رجوعه من سِجِلْماسة، وكان ظهوره بها في ذي الحِجَّة من السنة الماضية - سنة ست وتسعين - وزالت دولة بني العبَّاس عن تلك الناحية من هذا الحين إلى أن هلك (٣) العاضد في سنة سَبْعٍ وستين وخمسمئة. وكانت وفاته بالمهدية - التي بناها في أيامه - ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول من هذه السنة، وقد جاوز الستين على المشهور، وإلى الله عاقبة الأمور، وسيفصل بين الآمر والمأمور يوم البعث والنشور. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن عبد الله بن مُسْلم (٤) بن قتيبة: الدِّيْنَوَرِي، قاضي مصر. حدَّث عن أبيه (٥) بكتبه المشهورة، وتوفي وهو على قضاء الديار المصرية (٦) في ربيع الأول من هذه السنة. محمد بن أحمد بن القاسم أبو علي الرُّوْذْبَاري (٧): وقيل: اسمه أحمد بن محمد، ويقال:

стр. 5585

الحسن بن هَمَّام، والصحيح الأول (١). أصله من بغداد، وسكن مصر، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة، وصحب الجُنَيْد، وسمع الحديث، وحفظ منه كثيرًا، وتفقَّه بإبراهيم الحَرْبي (٢)، وأخذ النَّحْوَ عن ثعلب، وكان كثير الصَّدَقة والبر للفقراء، وكان إذا أعطى الفقيرَ شيئًا جعله في كفِّه، ثم يتناوله الفقير؛ يريد ألا تكون يد الفقير تحت يده (٣). ومن شعره: ولو مضَى الكلُّ منّي لم يكُنْ عَجَبًا … وإنما عَجَبي في البَعْضِ كيفَ بَقِي أدرِكْ بقيَّة روحٍ فيكَ (٤) قد تَلِفَتْ … قَبْلَ الفِراقِ فهذا آخِرُ الرَّمَقِ (٥) محمد بن إسماعيل: المعروف بخير النَّسَّاج (٦) أبو الحسن الصُّوفي، من كبار المشايخ ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات المشهورة. أدرك سَريًا السَّقَطي وغيره من مشايخ القَوْم، وعاش مئة وعشرين سنة. ولما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال: قِفْ، رحمك الله، فإنك عَبْدٌ مأمور وأنا عبد مأمور، وما أُمِرْتَ به لا يفوت، وما أمرتُ به يفوت. ثم قام فتوضأ، وصلَّى وتمدد، فمات ﵀. وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: استرحنا من دنياكم الوَضِرة (٧).

стр. 5586

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة فيها أحضر ابنُ شَنَبُوذ المقرئ، فأنكر جماعةٌ من الفقهاء والقُرَّاء عليه حروفًا انفرد بها، فاعترف ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك، واستكتب بخطه الرجوع عما نُقِمَ عليه، وضُرِبَ سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مُقْلة، ونفي إلى البصرة أو غيرها، فدعا على الوزير أن تُقْطع يده ويشتَّت شملُه، فكان ذلك عما قريب. وفيها في جمادى الآخرة منها نادى بدر الخَرْشَني (١) صاحبُ الشُّرْطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البَرْبَهاري الواعظ الحَنْبلي. وحبس منهم جماعة، واستتر البَرْبَهاري فلم يظهر مدة. قال ابن الجَوْزي في "المنتظم": وفي شهر أيار تكاثفتِ الغيوم واشتد الحر جدًّا، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جُمادى الآخرة من هذه السنة - هَبَّتْ ريح شديدة جدًّا، وأظلمت، واسودَّتْ إلى بعد العصر، ثم خَفَّتْ (٢)، ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة (٣). و [فيها] (٤) استبطأ الأجناد أرزاقهم، فقصدوا دار الوزير أبي علي بنِ مُقْلة، فنقبوها وأخذوا ما فيها. ووقع حريقٌ عظيم في طريق البزَّازين، فاحترق بسببه للنَّاس شيء كثير، فعوَّض عليهم الراضي بالله بعضَ ما كان ذهبَ لهم. وفي رمضان اجتمع جماعةٌ من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي، وظهر الوزير على أمرهم، فحبس جعفرًا، ونهب داره، وحبس جماعةً ممن كان بايعه، وانطفأت ناره. وخرج الحُجَّاج في خَفَارة الأمير لؤلؤ، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله، فقتل أكثرهم، ورجع من انهزم منهم إلى بغداد، وبَطَلَ الحجُّ في هذه السنة من طريق العراق، وكان قتله لهم في ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة.

стр. 5587

قال ابن الجَوْزي: وفي هذه الليلة بعينها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صفة لم يُر مثلها، ولا ما يقاربها، قال: وغلا السعر في هذه السنة حتى أبيع الكُرّ من الحِنْطة بمئة وعشرين دينارًا (١). وفيها - على الصحيح - كان مقتل مَرْدَاويج بن زَيَّار الدَّيْلَمي، وكان - قبحه الله - سيِّئ السيرة والسريرة، يزعم أن روح سليمان بن داود حلّت فيه - وله سرير من ذهب يجلس عليه - وأنَّ الأتراك بين يديه هم الجن الذين سُخِّروا لسليمان بن داود، فكان يسيء المعاملة لهم، ويحتقرهم غاية الاحتقار، فما زال ذلك دَأْبُه حتى أمكنهم الله منه، فقتلوه شر قتلة في حَمَّام، وكان الذي مالأ على قتله غلامه بُجْكُم التُّركي - جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا - وكان رُكْنُ الدَّولة بن بُوَيْه رهينةً عنده، فلما قتل أُطلق من القيد والسجن، فذهب إلى أخيه عماد الدولة، وذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه، والتفت طائفة أخرى من الأتراك على بُجْكم، فسار بهم إلى بغداد بإذن الخليفة، ثم صُرفوا إلى البصرة فكانوا بها. وأما الدَّيْلم فإنهم بعثوا إلى أخي مَرْدَاويج وهو وشمكير، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة، فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم، فانْتُدبَ لمحاربته السَّعيد نصر بن أحمد السَّاماني، صاحب خراسان وما والاها من تلك البلاد والأقاليم، فانتزع منه بلدانًا هائلة. وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشًا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج، فافتتحوا مدينة جَنوه، وغنموا غنائم كثيرة وثروة، ورجعوا سالمين غانمين. وفيها بعث عماد الدولة بن بُوَيْه أخاه ركن الدولة إلى أصبهان، فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل، واتسعت مملكة عماد الدولة، وقويت شوكته، وعظمت منزلته. وفيها كان غلاءٌ شديد بخراسان وفناء كثير، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى. وفيها قتلَ ناصرُ الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حَمْدان نائب المَوْصل عمَّه أبا العلاء سعيد بن حمدان؛ لأنه أراد أن ينتزعها منه، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا علي بن مُقْلة في جيوشٍ، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقَام ابن مُقْلة بالمَوْصل [ولم يقدر على ناصر الدولة] (٢) رجع إلى بغداد، فاستقرت يد ناصر الدولة على المَوْصل، وبعث إلى الخليفة يسأل أن يضمن تلك الناحية، فأُجيب إلى ذلك، واستمرَّ الحال على ما كان. وخرج الحجيج فلقيهم القِرْمطي في القادسية، فقاتلوه فظفر بهم، فسألوه الأمان، فأمّنهم على أن يرجعوا إلى بغداد، فرجعوا، وتعطل الحج عامهم ذاك (٣).

стр. 5588

وممن توفي فيها من الأعيان: نِفْطَوَيْه النَّحْوي (١) إبراهيم بن محمد بن عَرَفَة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأَزْدِي، أبو عبد الله العَتَكِيّ، المعروف بنِفْطويه النَّحْوي. له مصنفات فيه، وقد سمع الحديث، وروى عن المشايخ، وحدَّث عنه الثقات من الناس، وكان صدوقًا، وله أشعار حسنة. وروى الخطيب عن نِفْطَوَيْه أنه مَرَّ يومًا على بقالٍ، فقال له: أيها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرأَّاسين - يعني درب الروَّاسين - فالتفت البقال إلى جاره فقال له: قبح الله غلامي، أبطأ علي بالسِّلْق، فلو كان عندي لصفعت هذا بِجُرْزةٍ منه. فانصرف عنه نفطويه، ولم يردَّ عليه (٢). توفي نِفْطَوَيْه عن ثلاثٍ وثمانين سنة في صفر من هذه السنة، وصلَّى عليه البَرْبَهَاري رئيس الحنابلة، ودفن بمقابر باب الكوفة. ومما أنشده له أبو علي القالي في "الأمالي": قلبي عليك أرَقُّ (٣) منْ خَدَّيْكا … وقُوَاي (٤) أوْهَى من قُوَى جَفْنَيْكا لِمَ لا تَرِقُّ لمنْ تُعَذِّب (٥) نفسَهُ … ظُلْمًا ويَعْطِفُهُ هواهُ عليكا (٦) قال ابن خَلِّكان: وفي نِفْطَوَيْه يقول أبو عبد الله محمد (٧) بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب "الإمامة" و"إعجاز القرآن"، وغير ذلك: منْ سَرَّه أن لا يرى فاسقًا … فليجتهدْ أن لا يرى نفطويهْ أحرقه الله بنصف اسمه … وصيَّرَ الباقي صُراخًا عليه (٨)

стр. 5589

قال الثعالبي: إنما سمي نِفْطَوَيْه لدمامته وأُدْمَتِهِ (١). وقال ابن خَالَوَيْه: لا نعرف مَن اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سواه. عبيد الله (٢) بن عبد الصَّمَد بن المهتدي بالله (٣) أبو عبد الله الهاشمي العَبَّاسي: حدَّث عن سَيَّار بن نصر الحلبي وغيره. وعنه الدَّارَقُطْني وغيره، وكان ثِقَةً فاضلًا فقيهًا شافعيًا. عبد الملك بن محمد بن عدي (٤)، أبو نُعَيم الإسْتِراباذي. المحدِّث الفقيه الشافعي أيضًا، توفي عن ثلاثٍ وثمانين سنة. علي بن الفَضْل بن طاهر (٥) بن نصرم بن محمد: أبو الحسن البَلْخي، كان من الجوَّالين في طلب الحديث، وكان ثِقَةً حافظًا، سمع أبا حاتم (٦) الرَّازي وغيره. وعنه الدَّارَقُطْني وغيره. محمد بن أحمد بن أسد (٧): أبو بكر الحافظ، ويعرف بابن البُسْتَنبان، سمع الزبير بن بكَّار وغيره، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره. جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمئة فيها جاءت الجند، فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا: ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلّي بالناس. فخرج إليهم، فصلَّى بهم وخطبهم. وقبض الغِلْمان على الوزير أبي علي بن مقلة، وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره، فَرَدَّ الخِيَرَةَ إليهم، فاختاروا عليَّ بن عيسى فلم يقبل، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره. وأحرقت دار أبي علي بن مقلة، وسُلِّم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى، فَضُربَ ضربًا عنيفًا، وأُخذ خَطُّه باْلف ألف دينار.

стр. 5590

ثم عَجَزَ عبد الرحمن بن عيسى فعزل بعد خمسين يومًا، وقُلِّد الوزارة أبو جعفر محمد بن القاسم الكَرْخي، فصادر علي بن عيسى بمئة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بن عيسى بسبعين ألف دينار، ثم عُزِلَ بعد ثلاثة أشهر ونصف، وقُلِّدَ سليمان بن الحسن، ثم عُزلَ بأبي الفتح الفَضْل بن جعفر بن الفُرَات، ولكن في السنة الآتية. وأُحرقت دار (١) كما أحرقت دار ابن مقلة في اليوم الذي أحرقت تلك فيه، بينهما سنة واحدة. وهذا كله من تخبيط الأتراك والغِلْمان. ولمّا أُحرقت دار ابن مُقْلة في هذه السنة كتب بعض الناس على جُدْرانها: أحْسَنْتَ ظنَّكَ بالأيَّامِ إذ حَسُنَتْ … ولمْ تَخَفْ سُوْءَ ما يأتي به القَدَرُ وسالَمَتْكَ اللَّيالي فاغْتَرَرْتَ بها … وعندَ صفو اللَّيالي يحدُثُ الكَدَرُ وضَعُفَ أمر الخلافة جدًّا، وبعث الرَّاضي إلى محمد بن رائق - وكان بواسط - يستدعيه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد، وأمْرَ الخَرَاج والمَعاون (٢) في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخِلع. فَقَدِمَ ابنُ رائق إلى بغداد على ذلك كلِّه، ومعه الأمير بُجْكم التُّرْكي غلام مَرْدَاويج - وهو الذي ساعد على قتله وأراح المسلمين منه - واستحوذ على أمر العراق بكماله، ونقل أموال بيت المال إلى داره، ولم يبقَ للوزير تصرُّفٌ في شيء بالكلية، ووهى أمر الخلافة جدًّا، واستقل نواب الأطراف بالتصرُّفِ فيها، ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها. ومع هذا ليس له مع ابن رائق نفوذ في شيء، [ولا تفرَّد بشيء] (٣)، ولا كلمة تطاع، وإنما يحمل إليه ابنُ رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها. وهكذا صار أمر منْ جاء بعده من أمراء الأمراء [وكانوا لا يرفعون رأسًا بالخليفة] (٤)، وأما بقية الأطراف، فالبصرة مع ابنِ رائق هذا، وأمر خُوْزِسْتان في يد أبي عبد الله البَريْدي، وقد غلب ياقوتَ في هذه السنة على ما كان بيده من مملكة تُسْتَر وغيرها، واستحوذ على حواصله وأمواله. وأمر فارس إلى عماد الدولة أبي الحسن علي بن بُوَيْه، والري وأصبهان والجبل بيد أخيه ركن الدولة بن بويه، وينازعه في ذلك وشمكير أخو مَرْدَاويج، وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع. وبلاد الموصل والجزيرة

стр. 5591

وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حَمْدان. ومِصْر والشَّام في يد محمد بن طُغْج. وبلاد إفريقية والمغرب بيد القائم بأمر الله بن المهدي المدَّعي بأنه فاطمي، وقد تلقب بأمير المؤمنين. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد، الملقب بالنَّاصر الأموي. وخُرَاسان وما وراء النهر في يد السَّعيد نَصْر بن أحمد السَّاماني. وطَبَرستان وجُرْجَان في يد الدَّيْلَم. والبحرين واليمامة وهَجَر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي القِرْمِطي، لعنه الله. وفيها وقع ببغداد غلاء عظيمٌ وفناء كثير بحيث عُدِمَ الخبز منها خمسة أيام، ومات من أهل البلد خلق كثير، وأكثر ذلك كان في الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطرقات ليس لهم من يقوم بأمرهم، ويُحْمل على الجنازة الواحدة الاثنان من الموتى، وربما يوضع بينهما صبيٌّ، وربما حُفِرَت الحفرة الواحدة، فتوسَّع حتى يوضعَ فيها جماعة. ومات من أهل أصبَهان نحوٌ من مئتي ألف إنسان. وفيها وقع حريق بعُمَان احترق فيه من السودان ألف، ومن البيضان خَلْقٌ كثير، وكان من جملة ما احترق فيه أربعمئة حِمْل كافور. وعزل الخليفة أحمدَ بنَ كَيْغَلَغ عن نيابة الشَّام، وأضاف ذلك إلى ابن طُغْج نائب الدِّيار المصرية. وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فَنَّاخُسْرُو بن ركن الدولة بن بُوَيْه بأصبهان. وممن توفي فيها من الأعيان: ابن مجاهد المقرئ (١) أبو بكر، أحمد بن موسى بن العَبَّاس بن مجاهد: المقرئ، أحد الأئمة في هذا الشَّان. حدَّث عن خَلْقٍ كثير، وروى عنه الدَّارَقُطْني وغِيره، وكان ثِقَةً مأمونًا، يسكن الجانب الشَّرقي من بغداد، وكان ثعلب يقول: ما بقي في عَصْرنا أحد أعلم بكتاب الله منه. وكانت وفاته يوم الأربعاء، وأخرج يوم الخميس لعشرٍ بقين من شعبان من هذه السنة. وقد رآه بعضهم في المنام وهو يقرأ فقال له: أما متَّ؟ فقال: بلى، ولكن كنت أدعو الله عَقِبَ كلِّ ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. ﵀. جَحْظَة الشَّاعر البَرْمَكي (٢) أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك: البَرْمكي،

стр. 5592

أبو الحسن، النَّديم المعروف بجَحْظة، الشَّاعر الماهر، الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنَّوادر الحاضرة، وكان جَيِّد الغناء. ومن شعره: قد نادَتِ الدُّنيا على نَفْسِها … لو كانَ في العالم منْ يَسْمعُ كم واثقٍ في العمر وارَيْتُه … وجامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمَعُ (١) وكتب له بعض الملوك رُقْعَةً على صيرفي بمالٍ أطلقه له، فلم يتحصل منها على شيء، فكتب إلى الملك يذكر له صورة الحال: إذا كانتْ صِلاتُكُم رِقاعًا … تُخَطَّطُ بالأنامِلِ والأكُفِّ ولم تُجْدِ الرِّقَاعُ عليَّ نَفْعًا … فها خَطِّي خُذُوه بألفِ ألفِ (٢) ومن شعره يهجو صديقًا له ويذمه على شدَّة بخله وحِرْصه: لنا صاحبٌ من أبرعِ النَّاسِ في البُخْل … وأفضلهم فيه وليسَ بذي فَضْلِ (٣) دعاني كما يدعو الصَّديقُ صديقَهُ … فَجِئتُ كما يأتي إلى مِثْلِه مِثْلي فلمَّا جَلَسْنا للغَداءِ رأيتُهُ … يرى أنَّما منْ بعضِ أعضائِهِ أكلي ويغتاظُ أحيانًا ويشتُمُ عَبْدَهُ … وأعلمُ أنَّ الغيظَ والشَّتْمَ منْ أجلي أمُدُّ يدي سرًّا لآكلَ لُقْمةً … فيلحظني شَزْرًا فأعْبَثُ بالبَقْلِ إلى أنْ جَنَتْ كفِّي لحَيْني جِنايَةً … وذلكَ أنّ الجوعَ أعدَمَتي عَقْلي فأهوتْ يميني نحوَ رِجْلِ دَجَاجَةٍ … فَجُرَّتْ - كما جَرَّتْ يدي رِجْلَها - رِجْلي (٤) ومن قوي شِعْره وجيده قوله: رَحَلْتُمْ فكمْ منْ أنَّةٍ بَعْدَ حنَّةٍ … مبيِّنَةٍ للنَّاسِ حُزْني عليكُمُ

стр. 5593

وقد كنتُ أعتقتُ الجُفُونَ منَ البُكا … فقد رَدَّها في الرِّقِّ شَوْقي إليكُم (١) ومما أورده القاضي ابن خَلِّكان من الشِّعْر الرَّائق قوله: فقلتُ لها: بَخِلْتِ عليَّ يَقْظى … فجُودي في المنامِ لمُسْتهامِ فقالتْ لي: وصِرْتَ تَنام أيضًا … وَتَطْمَعُ أنْ أزوركَ في المنامِ (٢)؟! قال: وإنما لقبه بجحظة عبد الله بنُ المعتز؛ وذلك لسوء منظره. كما قال فيه بعض منْ هجاه: نُبِّئتُ جَحْظةَ يستعير جُحوظَهُ … منْ فيلِ شِطْرَنْجٍ ومنْ سَرَطانِ وارحمتا لمُنادمِيْه تحمَّلوا … ألمَ العُيونِ للذَّةِ الآذان (٣) قال ابن خَلِّكان: وكانت وفاته في سنة ست وعشرين، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلاثمئة بواسط، وحمل إلى بغداد (٤). قال الخطيب: ومولده في سنة أربع وعشرين ومئتين (٥). ابن المُغَلِّس الفقيه الظَّاهري (٦): عبد الله بن أحمد بن محمد، المُغَلِّس، أبو الحسن، الفقيه الظاهري المشهور. له المصنفات المفيدة في مذهبه. أخذ الفِقْه عن أبي بكر بن داود. وروى عن عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، وعلي بن داود القَنْطَري، وأبي قِلابة الرَّقَّاشي (٧)، وآخرين. وكان فقيهًا ثقة فاضلًا، وهو الذي نشر عِلْمَ داود في تلك البلاد. توفي بالسَّكْتة. أبو بكر بن زياد النَّيْسابوري (٨) عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر، الفقيه الشَّافعي النَّيْسابوري، مولى أبَان بن عثمان.

стр. 5594

رحل إلى العِرَاق والشَّام ومِصْر، وسكن بغداد، وحدَّث عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، وعَبَّاس الدُّوري، وخَلْق. وعنه الدَّارَقُطْني، وغير واحد من الحُفَّاظ. قال الدَّارَقُطْني: لم نَرَ في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفَقَه المشايخ، جالس المُزني والرَّبيع. وقال أبو عبد الله بن بَطَّة (١): كنا نحضر مجلس ابنِ زياد، فكان يحزر من يحضر المجلس من أصحاب المحابر بثلاثين ألفًا (٢). وقال الخطيب: أخبرنا أبو سَعْدٍ الماليني، أخبرنا يوسف بن عمر بن مسرور [قال]: سمِعْتُ أبا بكر بن زياد النَّيْسابوري يقول: أعرف من قام الليل أربعين سنة لم ينم إلا جاثيًا، ويتقوَّت كلَّ يومٍ خمس حَبَّات، ويصلِّي صلاة الغد بطهارة العِشَاء، ثم يقول: أنا هو، هذا كلُّه قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوجني! ثم قال في إثر هذا: ما أراد إلا الخير (٣). توفي في هذه السنة عن ستٍّ وثمانين سنة. عَفَّان بن سُلَيمان (٤) بن أيوب: أبو الحسن التَّاجر. أقام بمصر، وأوقف بها أوقافًا دارَّةً على أهل الحديث، وعلى سلالة العشرة ﵃. وكان تاجرًا موسَّعًا عليه، مقبول الشَّهادة عند الحُكَّام، توفي في شعبان (٥) من هذه السنة. أبو الحسن الأشْعري (٦) علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى عبد الله بن قيس، الأشْعَري.

стр. 5595

قَدِمَ بغداد، وأخذ السُّنَّة عن زكريا بن يحيى السَّاجي، وتفقه بابن سُرَيْج. وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية". وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوَفَيات"، وأنه كان يجلس في حَلْقة الشيخ أبي إسحاق المَرْوزي، وقد كان مُعْتزليًا قبل ذلك، فتاب منه بالبَصْرَة فوق المِنْبَر، ثم أظهر فضائحهم وقبائحهم، وذكر له من التصانيف "الموجز" وغيره (١). وحُكيَ عن ابن حَزْمَ أنه صنَّف خمسة وخمسين تصنيفًا. وذُكِرَ أن مغله كان في كلِّ سنة سبعة عشر ألف درهم (٢)، وأنَّه كان من أكثر الناس دُعابةً، وأنه ولد سنه سبعين ومئتين، وقِيل سنة ستين ومئين، ومات في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين (٣)، وقيل في سنه بِضْعٍ وثلاثين، فالله أعلم. محمد بنُ الفَضْل بنِ عبد الله (٤) أبو ذرّ، التَّمِيمي. كان رئيسَ جُرْجان. سَمِعَ الكثير وتفقَّه بمذهب الشَّافعي، وكانت دارُه مجمعَ العلماء، وله إفضالٌ كثير على طلبة العلم من أهل زمانه (٥). هارون بن المُقْتَدر (٦): أخو الخليفة الرَّاضي، توفي في ربيعٍ الأول منها، فَحَزنَ عليه أخوه، وأمر بنفي بَخْتَيْشُوع بن يحيى (٧) المتطيِّب إلى الأنْبار، لأنَّه اتُّهِمَ في علاجه، ثم شَفَعَتْ فيه أُمُّ الرَّاضي. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمئة في المحرَّم منها خرَجَ الخليفة الرَّاضي وأمير الأمراء محمد بن رائق من بغداد قاصدين واسطَ لقتال أبي عبد الله البَرِيْدي؛ نائب الأهواز، الذي قد تجبَّر بها ومنع الخَرَاج، فلما صار ابنُ رائق إلى واسط خرج عليه الحجرية وقاتلوه، قسلَّطَ عليهم بُجْكُم، فطحنهم، ورجع فلُّهم إلى بغداد، فتلقِّاهم لؤلؤ أمير

стр. 5596

الشُّرْطة، فاحتاط على أكثرهم، ونُهِبَتْ دورُهم، ولم يبق لهم رأس يرتفع، وقُطِعَتْ أرزاقهم من بيت المال بالكلِّية. وبعث الخليفة وابنُ رائق إلى أبي عبد الله البَرِيْدي يتهدَّدانه، فأجاب إلى حمل كل سنةٍ ثلاثمئة ألف وستين ألف دينار يقوم بحمل كل شهر (١) على حدته، وإلى أنه يجهز جيشًا إلى قتال عماد الدولة بن بُوَيْه (٢). فلما رجع الخليفة وابن رائق إلى بغداد لم يحمل شيئًا، ولم يبعث أحدًا. ثم بعث ابنُ رائق بجكم وبدرًا الخَرْشني لقتال أبي عبد الله البريدي، فجرت بينهم حروبٌ وخطوب، وأمور يطول ذِكْرها. ثم لجأ البريدي إلى عماد الدولة، واستجار به، واستحوذ بُجْكم على بلاد الأهواز، وجعل إليه ابنُ رائق خَرَاجها، وكان بُجْكم هذا شجاعًا فاتكًا. وفي ربيع الأول خَلَعَ الخليفة على بُجْكُم، وعقد له الإمارة ببغداد، وولّاه نيابة المشرق إلى خُرَاسان. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو حامد بن الشَّرْقي (٣) أحمد بن محمد بن الحسن: أبو حامد بن الشَّرْقي. مولده سنة أربعين ومئثين. وكان حافظًا كبير القَدْر، كثير الحِفْظِ، كثير الحجِّ. رحل إلى الأمصار وجاب الأقطار، وسمع من الكبار، نظر إليه ابنُ خُزَيْمة يومًا فقال: حياة أبي حامد تحْجُزُ بين النَّاس وبين الكذب على رسول الله ﷺ . عبد الله بن محمد بن سُفْيان (٤) أبو الحسن (٥)، الخزَّاز (٦)، النَّحْوي.

стр. 5597

حدَّث عن المبرِّد وثعلب، وكان ثِقَةً، له مصنفات في علوم القرآن غزيرة الفوائد. محمد بن إسحاق بن يحيى (١) أبو الطَّيِّب النَّحْوي، ابن الوَشَّاء، له مصنَّفات مليحة في الأخبار (٢)، وقد حدَّث عن الحارث بن أبي أسامة، والمبرِّد، وثعلب، وغيرهم. محمد بن أحمد بن هارون (٣) أبو بكر العَسْكري، الفقيه على مذهب أبي ثور، روى عن الحسن بن عَرَفَة، وعبَّاس الدُّوري، وعنه: الدَّارَقُطني، والآجُرِّي، وغيرهما. ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمئة فيها ورد كتابٌ من ملك الرُّوم إلى الخليفة الرَّاضي مكتوبٌ بالرُّومية والتفسير بالعربية، فأما الرُّومي فبالذَّهب والعربي بالفِضَّة، وحاصله طلب الهُدْنة بينه وبينه، ووجَّه مع الكتاب بهدايا وألطافٍ كثيرة فاخرة، فأجابه الخليفةُ إلى ذلك، وفُوديَ من المسلمين ستة آلاف ما بين ذكر وأنثى على نهر البَذَنْدون (٤). وفيها ارتحل الوزير أبو الفتح بن الفُرَات من بغداد إلى الشَّام، وتركَ الوزارة، فوليها أبو علي بن مُقْلَة، ولكن كانت ولايتُهُ ضعيفةً جدًّا، ليس له من الأمر شيء مع ابنِ رائق، وطلب من ابن رائق أن يفرغ له عن أملاكه، فجعل يماطله، فكتب إلى بُجْكم يطمعه في بغداد، وأن يكون عِوَضًا عن ابنِ رائق. وكتبَ ابنُ مُقْلَة إلى الخليفة يطلب منه أن يسلِّمَ إليه محمد بن رائق، وابن مقاتل، ويضمنهم بألفي ألف دينار، فبلغ ذلك ابنَ رائق، فأخذه فقطع يدَه، وقال: هذا أفسد في الأرض. ثم جعل يُحَسِّنُ للخليفة أن يستوزره، وأنَّ قطعَ يده لا يمنعه من الكتابة، وأنه يشدُّ القلم على يده اليمنى المفطوعة فيكتب بها، [ثم بلغ ابنَ رائق أنه قد كتب إلى بُجْكُم بما تقدَّم، وأنه يدعو عليه] (٥)، فأخذه ابن رائق أيضًا فقطع لسانه، وسجنه في مكان ضيِّقٍ، وليس عنده من يخدمه، فكان يستقي الماءَ بنفسه؛ يتناول الحبل من البئر بيده

стр. 5598

اليسرى، ثم يمسكه بفيه، [ثم يجذب باليسرى، ثم يمسك بفيه إلى أن يستقي] (١)، ولقي شدَّة وعناءً، ومات (٢) في محبسه هذا وحيدًا، فدفن هناك، ثم سأل أهلُه نقلَه، فدفن في داره، ثم نقل منها إلى غيرها، فاتفقَ له أشياء غريبة: منها أنه وزر ثلاث مرات، وعُزِلَ ثلاث مرَّات، وولي لثلاثةٍ من الخلفاء، ودفن ثلاث مرات، وسافر ثلاث سفرات، مرتين منفيًا، ومرة في وزارته إلى الموصل كما تقدَّم (٣). وفي هذه السنة دخل بُجْكُم إلى بغداد، فقلَّده الرَّاضي إمرة الأمراء مكان ابن رائق - وقد كان بُجْكُم هذا من غِلْمان أبي علي العارض (٤) وزير ماكان بن كالي الدَّيْلمي، فاستوهبه ما كان من الوزير، فوهبه له، ثم فارق ما كان ولحق بمرداويج، وكان في جُمْلة منْ قتلَه في الحمَّام كما تقدَّم (٥) - وسكن بُجْكُم في دار مُؤْنس الخادم، وعَظُمَ أمره جدًّا. وانفصل ابن رائق، وكانت أيامه سنة وعشرة أشهر وستة عشر يومًا. وفيها بعث عماد الدولة بن بُوَيْه أخاه معز الدولة فأخذ بلاد الأهواز لأبي عبد الله البَرِيْدي، وانتزعها من يد بُجْكُم، وأعادها إليه. وفيها استولى لشكري؛ أحد أمراء وشمكير الدَّيْلمي على بلاد أذْرَبيجان، وانتزعها من رستم بن إبراهيم الكُرْدي؛ أحد أصحاب ابن أبي السَّاج، بعد قتالٍ شديد طويل. وفي هذه السنة اضطرب أمرُ القرامطة جدًّا، وقتلَ بعضُهم بعضًا، وانكفُّوا بسبب قتلهم عن التعرُّضِ للفساد في الأرض، ولزموا بلدَهُمْ هَجَر لا يرومون منه انتقالًا إلى غيره، ولله الحمد والمنَّة. وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن زياد (٦) بن عبد الرحمن اللَّخْمي الأندلسي.

стр. 5599

كان أبو (١) من أصحاب مالك، وهذا الرجل هو أولُّ منْ أدخل فقه مالك إلى الأندلس، وقد عُرِضَ عليه القضاء بها، فلم يقبل. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمئة في المحرَّم منها خَرَجَ الرَّاضي بالله أمير المؤمنين من بغداد إلى المَوْصل لمحاربة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حَمْدان نائبها، وبين يديه بُجْكُم أمير الأمراء، وقاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وقد استخلف ببغداد ولدَه القاضي أبا نصر يوسف بن عمر عن أمر الخليفة له بذلك، وكان عالمًا فاضلًا. ولما انتهى بُجْكُم إلى الموصل والجزيرة وافع الحسن بن عبد الله بن حمدان فَهَزَمَ بُجْكُم الحسن بن حمدان، وقزَر الخليفة اْمر الموصل والجزيرة. وأما محمد بن رائق فإنه اغتنم غيبة الخليفة عن بغداد، واستجاش (٢) بألفٍ من القرامطة، وجاء فدخل بهم بغداد، فأكثر فيها الفساد، غير أنه لم يتعرَّض لدار الخلافة، ثم بعث إلى الخليفة يطلب منه المصالحة والعفو عما جنى، فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وترحَّل ابنُ رائق عن بغداد، ودخلها الخليفة في جمادى الأولى من هذه السنة، ففرح المسلمون بذلك. ونزل عند غروب الشمس أول ليلة من شهر أذار في جُمادى الأولى مَطرٌ عظيم، وبَرَدٌ كبار، كل واحدة نحو الأوقيتين، واستمرَّ، فسقط بسببه دور كثيرة من بغداد. وظهر جَرَاد كثيرٌ في هذه السنة، وكان الحجُّ من جهة درب العراق قد تعطَّلَ من سنة سبع عشرة وثلاثمئة إلى هذه السنة، فشفع الشريف أبو علي عمر بن يحيى العَلَوي عند القرامطة، وكانوا يحبُّونه لشجاعته وكرمه، في أن يمكنوا الحجيج من الحج، وأن يكون لهم على كل جَمَل خمسة دنانير، وعلى المحمل سبعة دنانير، [فاتفقوا معه على ذلك] (٣)، فخرج النَّاس للحجِّ هذه السنة على هذا الشَّرْط، وكان في جملة من خرج الشيخ أبو علي بن أبي هُرَيْرة (٤)؛ أحد أئمة الشَّافعية، فلما اجتاز بهم طالبوه بالخِفارة، فثنى رأس راحلته ورجع وقال: ما رجعت شُحًّا، ولكن سقط عني وجوب الحج بطلب هذه الخِفارة.

стр. 5600

وفي هذه السنة وقعت فتنةٌ بالأندلس؛ وذلك أن عبد الرحمن الأموي؛ صاحب الأندلس الملقب بالنَّاصر لدين الله، قتل وزيره أحمد، فغضب له أخوه أُمية بن إسحاق - وكان نائبًا على مدينة شَنْتَرِين (١) - فارتدَّ، ودخل بلاد النَّصارى، واجتمع بملكهم ردمير، ودلَّهم على عورات المسلمين، فسار إليهم في جيشٍ كثيف من الجلالقة، فخرج إليه الأموي، فأوقع بهم بأسًا شديدًا، وقتل من الجلالقة خلقًا كثيرًا، ثم كرَّ الفرنج على المسلمين، فقتلوا منهم خَلْقًا كثيرًا قريبًا ممن قتلوا منهم، ثم والى المسلمون الغارات على بلاد الجلالقة، فقتلوا منهم أممًا لا يحصون كثرةً، ثم نَدِمَ أمية بن إسحاق على ما صنع، وطلب الأمان من عبد الرحمن، فبعث إليه بالأمان، فلما قَدِمَ عليه قَبَّله واحترمه. وممن توفي فيها من الأعيان: الحسن بن القاسم بن جعفر (٢) بن دُحَيْم (٣): أبو علي، الدِّمَشْقي. من أبناء المحدِّثين، وكان أخباريًا له في ذلك مصنفات.، وقد حدَّث عن العبَّاس بنِ الوليد البَيْروتي وغيره. وكانت وفاته بمصر في محرَّم هذه السنة، وقد أناف على الثمانين سنة. الحسين بن القاسم (٤) بن جعفر بن محمد بن خالد بن بشر: أبو علي، الكَوْكبي الكاتب، صاحب الأخبار والآداب. روى عن أحمد بن أبي خَيْثمة، وأبي العَيْناء، وابن أبي الدُّنيا. روى عنه الدَّارَقُطني، وغيره. عُثْمان بن الخَطَّاب (٥) بن عبد الله: أبو عمرو، البَلَويُّ، المَغْربي الأشَجّ، ويعرف بأبي الدُّنْيا (٦). قدم هذا الرجل بغداد بعد الثلاثمئة، وزعم أنه ولد أول خلافة أبي بكر ببلاد المغرب، وأنه وَفَدَ هو وأبوه على عليِّ بن أبي طالب، فأصابهم في الطَّريق عَطَشٌ شديد، فذهب يرتاد لأبيه ماء، فرأى

стр. 5601

عينًا، فشرب منها واغتسل، ثم جاء إلى أبيه ليسقيه، فمات أبوه، وقَدِمَ هو على عليِّ بن أبي طالب، فأراد أن يقبِّلَ رُكبته، فصدمه الرِّكاب، فشجَّ رأسه، فكان يعرف بالأشَجِّ. وصدَّقه في هذا الزَّعم طائفةٌ من الناس، ورووا عنه نسخة فيها أحاديث من روايته عن علي، وممن صدَّقه في ذلك الحافظ محمد بن أحمد المفيد (١)، ورواها عنه، ولكن كان المفيد متهمًا بالتشيُّع، فسمح له في ذلك لانتسابه إلى عليَّ، وأما جمهور المحدِّثين قديمًا وحديثًا فكذبوه في ذلك، وردُّوا عليه كذبه، ونصُّوا على أن النسخة التي رواها موضوعة؛ منهم أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي، وأشياخُنا الذين أدركناهم، شيخ الإسلام [أبو العباس] (٢) ابن تيميَّة، والجِهْبذُ أبو الحَجَّاج المِزِّي، والحافظ مؤرِّخ الإسلام أبو عبد الله الذَّهبي (٣)، وقد حرَّرْتُ ذلك في كتابي "التكميل"، ولله الحمد والمنَّة. قال المفيد: بلغني أن الأشجَّ مات سنةَ سَبْع وعشرين وثلاثمئة، وهو راجعٌ إلى بلده. محمد بن جعفر بن محمد بن سَهْل (٤): أبو بكر، الخرائطي؛ صاحب المصنَّفات. أصله من أهل سُرَّ منْ رأى، وسكن الشَّام، وحدَّث بها عن الحسنِ بن عَرَفة، وغيره. وممن توفي فيها: الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (٥) محمد بن إدريس: الرَّازي. صاحب كتاب "الجَرْح والتَّعْديل" (٦)، وهو من أجل الكتب المصنَّفة في هذا الشَّأْن، وله "التفسير" الحافل الذي اشتمل على النقل الكامل، الذي يربو فيه على تفسير ابن جرير، وغيره من المفسرين [إلى

стр. 5602

زماننا] (١)، وله كتاب "العِلل" (٢) المصنَّفة المرتبة على أبواب الفِقْه، وغير ذلك من المصنَّفات النافعة. وكان من العبادة والزهادة والورع والحِفْظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانبٍ كبير، ﵀ وأكرم مثواه. صلَّى مرَّة، فلما سلَّم قال له بعض منْ صلَّى معه: لقد أطلت علينا، ولقد سبَّحتُ في سجودي سبعين مرَّة. فقال عبد الرحمن: لكني والله ما سبَّحْتُ إلا ثلاث مرَّات. وتهدَّم سور [بلدفي] (٣) بعضِ بلاد الثُّغور، فتكلَّم عبد الرحمن بن أبي حاتم على الناس، وحثَّهُمْ على عِمارته، وقال: من يعمره وأضمن له على الله الجنة؟ فقام رجل من التُّجَّار فقال: اكتب في خَطِّكَ هذا الضَّمان، وهذه ألف دينار لِعمارته. فكتب له رُقْعةً بذلك، وعمِّرَ ذلك السُّور، ثم اتفق موتُ الرجل عما قريب، فلما حضر الناسُ جِنازته طارت من كفنه رُقْعة، وهي التي كان كتبها له ابنُ أبي حاتم، ثم عادت وقد كتب في ظهرها: قد أمضينا لك هذا الضَّمان، ولا تعد إلى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة قال ابنُ الجوزي في "منتظمه": في غُرَّة المُحرَّم منها ظهرت في الجو حُمْرةٌ شديدة من ناحية الشمال والمغرب، وفيه أعمدة بيضٌ عظيمة كثيرة العدد (٤). وفيها وصل الخبر بأن ركنَ الدولة أبا علي الحسن بن بُوَيْه الدَّيْلمي وصل إلى واسط، فركب الخليفة، وبُجْكُم لقتاله، فانصرفَ راجعًا [إلى الأهواز] (٥)، ورجعا إلى بغداد. وفي هذه السنة ملك ركنُ الدولة بنُ بُوَيْه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخي مَرْدَاويج؛ لقلَّةِ جيشه في ذلك الحين. وفي شعبان زادت دِجْلَة زيادةً عظيمة، وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دورٌ كثيرة، وانبثق بثقٌ من نواحي الأنبار، فغرَّق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوانات وسباع كثيرة في البرية. وفيها تزوج بُجْكُم بسارة بنت أبي عبد الله البريدي؛ وهو محمد بن أحمد بن يعقوب الوَزير يومئذٍ

стр. 5603

ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضَمِنَ البريديُّ بلادَ واسط وأعمالها بستمئة ألف دينار. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين (١) عمر بن محمد بن يوسف، وتولَّى مكانه وَلَدُهُ أبو نَصْر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، وخلع عليه الخليفة الرَّاضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان. ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بُجْكُم يحثُّه على الخروج إلى الجبل ليفتحها، ويساعده على أخذ الأهواز من يد معز الدولة (٢) بن بُوَيْه، وإنّما كان مقصوده أن يستغيبه عن بغداد ليأخذها منه. فلما انفصل بجُكم بالجنود بلغه ما يؤمله أبو عبد الله البَريدي من المكيدة، فرجع سريعًا إلى بغداد، وركب في جيشٍ كثيف إليه، وأخذ الطُّرُقَ من كلِّ جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عنده. فاتفَقَ أنه كان راكبًا في زورق، وعنده كاتبٌ له، إذ سَقَطتْ حمامةٌ في ذَنَبها كتابٌ، فأخذه بُجْكم، فقرأه، فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى بعض أصحاب البريدي، يعلمه بخبر بُجْكُم، فقال له: ويحك، أهذا خَطُّك؟ قال: نعم! ولم يقدر على الإنكار، فأمر بقتله، فَقُتلَ وألقي في دِجْلة. وحين شعر البَرِيْديُّ بقدوم بُجْكُم هرب إلى البَصْرة، ولم يقم بها أيضًا، [بل هرب منها إلى غيرها] (٣) فاستولى بُجْكُم على واسط، وتسلَّط الدَّيْلم على جيشه الذين خلَّفهم بالجبل، ففروا سراعًا إلى بغداد. وفي هذه السنة استولى محمد بن رائق على بلاد الشَّام، فدخل حِمْصَ أولًا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الإخْشِيذي المعروف ببُدَيْر من جهة الإخشيذ محمد بن طُغْج، فأخرجه ابنُ رائق منها قهرًا، واستولى عليها. ثم ركب [ابن رائق] (٤) في جيشٍ إلى الرَّمْلة فأخذها، ثم قصد عريش مصر ليدخلها، فلقيه محمد بن طُغْج، فاقتتلا هناك فهزمه ابنُ رائق، واشتغل أصحابُه بالنَّهْبِ، ونزلوا في خيام المِصْريين، فكَرَّت عليهم المِصْريون، فقتلوهم قتلًا عظيمًا، وهرب محمد بن رائق في سبعين رجلًا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوأ حالٍ وشَرِّها، وسير إليه محمد بنُ طُغْج أخاه نَصْرَ بنَ طُغْج في جيش، فاقتتلوا عند اللَّجُّون (٥) في رابع ذي الحجَّة، فهُزِمَ المصريون، وقُتِلَ أخو الإخشيذ فيمن قُتِلَ، فغسله محمد بن رائق، وكفَّنه، وبعث به إلى أخيه بمصر، وأرسل معه ولده، وكتب إليه يحلف له أنه ما أراد قتله، وهذا ولدي فاقْتَدْ منه. فأكرم الإخشيذ ولدَ محمدِ بنِ رائق، واصطلحا على أن تكون الرَّمْلَة

стр. 5604

وما بعدها [إلى ديار مصر] (١) للإخشيذ، ويحمل إليه الإخشيذ في كل سنة مئة ألفِ دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرَّملة [إلى دمشق] (٢) يكون لمحمد بن رائق. وممن توفي في هذه السنة: جَعْفَر المُرْتَعش (٣): أبو محمد، أحد مشايخ الصُّوفية، كذا ذكره الخطيب (٤). وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: اسمه عبد الله بن محمد، أبو محمد النَّيْسابوري (٥). كان من ذوي الأموال فتخلَّى منها، وصَحِبَ الجُنَيْد، وأبا حفص، وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخَ الصُّوفية، فكان يقال: عجائبُ بغداد ثلاث: إشارات الشِّبْلي، ونكتُ المُرْتعش، وحكايات جعفر الخَوَّاص. سَمِعْتُ أبا الفَرَج (٦) الصَّائغ يقول: قال المرتعش: منْ ظَن أن أفعاله تُنْجيه من النَّار أو تُبلغه الرِّضْوان فقد جعل لنفسه ولفِعْله خَطَرًا، ومنِ اعتمدَ على فَضْل الله بلَّغه الله أقصى منازلِ الرِّضْوَان (٧). وقيل للمُرْتعش: إن فلانًا يمشي على الماء! فقال: إن مخالفةَ الهوى أعظمُ من المشي على الماء (٨). ولما حَضَرَتْهُ الوفاةُ وهو بمسجد الشُّونِيْزية (٩) حسبوا ما عليه من الدَّيْن، فإذا عليه سبعة عشر دِرْهمًا، فقال: بيعوا خُرَيْقاتي هذه فيها، وأرجو أن يرزقني الله كفنًا. وقد سألتُ الله ثلاثًا أن يميتني وأنا فقير، وأن يجعلَ وفاتي في هذا المسجد، فإني صَحِبْتُ فيه أقوامًا، وأن يجعل عندي منْ آنس به وأحبُّه. ثم غَمَّضَ عينيه، ومات (١٠). أبو سعيد الإصْطَخْرِيُّ (١١) الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفَضْل بن يَسَار، أبو سعيد الإصْطَخْري، أحد أئمة الشَّافعية.

стр. 5605

وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا عابدًا، ولي القضاء بقُمّ، ثم حِسْبَةَ بغداد، فكان يدور بها ويصلِّي على بغلته، وهو سائر بين الأزقَّة، وكان متقلِّلًا جدًّا. وقد ذكرنا ترجمته في "طبقات الشَّافعية" بما فيه كفاية وله "كتاب القَضَاء" لم يصنَّف مثله في بابه، توفي وقد قارب التِّسْعين، ﵀. عليُّ بنُ محمد أبو الحسن (١): المُزَيِّن الصَّغير، أحد مشايخ الصُّوفية. أصله من بغداد، صحِبَ الجنيد وسهلًا التُّسْتري، وجاور بمكة حتى توفي بها في هذه السنة. وكان يحكي عن نفسه قال: وردتُ بئرًا في أرضِ تبوك، فلما دنوت منها زَلِقْتُ، فَسَقْطتُ في البئر، وليس أحدٌ يراني، فلما كنتُ في أسْفَلِهِ إذا فيه مصطبة، فَعَلَوْتُها وقلت: إن متُّ لا أفسد على النَّاس الماء، وسكَنَت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلَّتْ عليَّ، فلَفَّتْ عليَّ ذنبها، ثم رفعتني حتى أخرجتني إلى وجه الأرض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت. وفي مشايخ الصُّوفية آخر يقال له أبو جعفر المُزَيِّن الكبير (٢)؛ جاور بمكَّة، ومات بها أيضًا، وكان من العُبَّاد. روى الخطيب عن علي بنِ أبي علي، عن إبراهيم بن محمد الطَّبري، عن جعفر الخُلْدي قال: ودَّعْتُ في بعض حجاتي المُزيِّن الكبير فقلتُ له: زوِّدني. فقال لي: إذا فقدتَ شيئًا فقل: يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء. قال: وجئت إلى الكتَّاني فودَّعْتُه وسألته أن يزوِّدَني، فأعطاني خاتمًا على فصِّه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا الفَصِّ يَزُلْ همُّك. قال: فكنتُ لا أدعو بذلك الدُّعاء إلا استجيبَ لي، ولا أنظر إلى ذلك الفَصِّ إلا زال عني ما أجده من همًّ، فبينا أنا ذات يوم في السُّمَيْرية إذ هبَّتْ ريحٌ شديدة، فأخرجت الخاتم لأنظر إليه، فلم أدرِ كيف ذَهَبَ، فجعلت أدعو بذلك الدُّعاء يومي كله [أن يجمع عليَّ
следующие страницы →